العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 04-08-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

إدلب بين ضامن وقاتل

أحمد عيشة

سوريا تي في

الخميس 1/8/2019

تتعرض محافظة إدلب والريف الشمالي من حماة – وهي منطقة خفض التصعيد الأخيرة- منذ توقيع اتفاق سوتشي بين الدول الضامنة الثلاث (روسيا وتركيا وإيران)، إلى عملية تهديد يومي بالاجتياح تحت ذريعة التخلص من "الإرهابيين".

مؤخراً، ومنذ آواخر شهر نيسان، ازدادت حدة العمليات العسكرية التي تشنها روسيا والنظام بمختلف صنوف الأسلحة وخاصة الطائرات، حيث تمكنت من قتل المئات وتهديم منازل عشرات القرى وتسويتها بالأرض وتهجير مئات الألوف منهم نحو المجهول، حيث لم يتبق مكان آمن لهم سوى الاقتراب من الحدود التركية بقصد النجاة بأرواحهم يخيمون بين أشجار الزيتون على طول المناطق القريبة من الحدود.

تواجه تركيا، وهي الضامن لأطراف المعارضة والداعم لها، مشكلة كبرى من جراء استمرار عمليات القصف التي يقوم بها "الضامن" الآخر، فمن ناحية لا تريد تركيا أن يتكرر سيناريو المنطقة الشرقية من حلب، حيث لم يتبق ثمة مكان يذهب إليه المدنيون والمقاتلون، ومن جهة أخرى، لا تريد تحمل عبء أزمة موجة جديدة من النزوح، وهي التي يعيش فيها اليوم حوالي 3,5 مليون سوري. ولذلك فهي تقدم الدعم النوعي للفصائل العسكرية المعارضة بحيث تعيق تقدم القوات البرية رغم فظاعة وكثافة الغارات الجوية، لدرجة صار من الممكن القول إن ثمة حرباً غير مباشرة بين طرفي أستانا.

الولايات المتحدة منشغلة مع إيران بقصد فرض اتفاق جديد وفق الشروط الأميركية بعد الانسحاب من الاتفاق النووي لعام 2015، وإدارة معركة العقوبات الجديدة والتحرشات المتبادلة، وبالتالي بعد هزيمة داعش، التي كانت هدفها الوحيد في سوريا مع شركائها - وحدات حماية الشعب- يبدو أن هدفها الحالي هو محاولات الحد من النفوذ الإيراني من خلال التنسيق

الروسي الأميركي الإسرائيلي، حيث روسيا طليقة اليدين في إخضاع السوريين، ويقوم الإسرائيليون بدورهم تجاه المواقع الإيرانية برضى الطرفين، أما قتل السوريين وتهجيرهم بشكل يومي فليس موضع اهتمام لها.

تدرك روسيا جيداً حالة العلاقات الأميركية التركية المتوترة بسبب دعم الولايات المتحدة لميليشيا حزب الاتحاد الديمقراطي -الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني- ومن جهة أخرى نتيجة لصفقة صواريخ إس 400 مع روسيا التي تعدّها الولايات المتحدة اختراقاً لأنظمة حلف الناتو العسكرية، وهو ما يجعل من تركيا عرضة أكثر للضغط الروسي في هذه الفترة بقصد تقديم تنازلات بخصوص علاقتها بفصائل المعارضة السورية.

ومن الناحية السياسية، تعاني روسيا من مأزق سياسي في سوريا، بمعنى لم تحصد أياً من نتائج عملها العسكري المستمر منذ أربع سنوات سوى أنها دمّرت وما تزال تُدمّر البلاد، فاتفاقات أستانا وسوتشي وما نتج عنها لم توصل لما يبتغيه الروس منها وهو أن تكون بديلاً بحكم الأمر الواقع لاتفاقات جنيف وهو الأمر الذي ترفضه أميركا وتطالب بضرورة العودة إلى جنيف، على الأقل كورقة ضغط على روسيا وإيران، كما لم تنجح جهودها في إعادة اللاجئين حتى من لبنان -البلد الخاضع للوصاية السورية- كما أنها لم تستطع إقناع الغرب بالمساهمة في إعادة الإعمار المنشود، وحتى إقناع الدول العربية بإعادة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية.

وبالتالي، فإن ما يجري في محافظة إدلب، عدا عن كونه أولاً عملية قتل وإبادة جديدة للسوريين، فهو بشكل من الأشكال محاولة ضغط من روسيا على تركيا، وقبله والأكثر أهمية، محاولة فتح الطرق الدولية، التي تشكل منفذاً تجارياً مهماً للنظام، مما يؤمن لروسيا أوراق تفاوض أقوى مع تركيا، ومع الولايات المتحدة بشكل نهائي.

يدفع المدنيون والمهجرون فاتورة التصارع على سوريا من دمهم ولحمهم، كما تدفع الفصائل العسكرية الثمن أيضاً جراء تشرذمها ونزاعاتها، وأيضاً المعارضة السياسية التي لم تتعامل مع اتفاقات أستانا وسوتشي بكونها نتاج هزيمة عسكرية للمعارضة العسكرية (حلب نهاية 2016)، ستفرض روسيا فيها ما تشاء كونها الطرف الأقوى بشكل سياسي، وإلا ستفرضه بالقوة، فهي أبداً لم تكن ضامناً ومنذ البداية، وإنما شريك في القتل.

بعد ثلاثة شهور من القصف الهمجي الذي طال المشافي والعيادات الطبية والمدارس وفرق الإنقاذ وسط وقوف العالم الغربي (أوروبا وأميركا) متفرجاً وعاجزاً عن اتخاذ موقف جدي يمكن أن يوقف همجية عمليات القصف التي تشنها روسيا والنظام، يبدو أن موقف الفصائل العسكرية المقاتلة وتركيا -داعمها الوحيد- سيكون عرضة للضعف، كما سيتمكّن الروس من فرض شروط جديدة على تركيا والمعارضة

وقوف العالم الغربي (أوروبا وأميركا) متفرجاً وعاجزاً عن اتخاذ موقف جدي يمكن أن يوقف همجية عمليات القصف التي تشنها روسيا والنظام

من خلال اتفاقات أستانا المزمع عقدها في أوائل آب المقبل، وبالتالي يصبح من الضروري على المعارضة بشقيها العسكري والسياسي مقاطعة الجولة المقبلة، والعمل مع تركيا على عدم حضورها إلى أن تلتزم روسيا -الضامن القاتل- بوقف عملياتها العسكرية.

والأمر المهم الآخر هو وقوف العالم الغربي (أوروبا وأميركا) متفرجاً وعاجزاً عن اتخاذ موقف جدي يمكن أن يوقف همجية عمليات القصف التي تشنها روسيا والنظام، هذا الموقف سيمكّن روسيا بوتين من فرض نفسها كقوة "عظمى" على الساحة الدولية منهية عصر التفرد الأميركي الذي بدأ عام 1991 مع تدمير العراق، وسيكشف زيف القيم الديمقراطية التي يزعم هذا الغرب الوقوف إلى جانبها من خلال سكوته عن الفظائع المرتكبة بحق السوريين.

لا تقل المعركة السياسية أهمية عن مثيلتها العسكرية، ويمكن للموقف السياسي الجدي أن يشكل سنداً ورافعة حتى للعمل العسكري، فالمعركة طويلة وطريق الحرية صعب، لكن ما زال هناك إمكانية لتغيير الخريطة على الأرض من خلال التلاحم السياسي والعسكري والتنسيق مع الشريك التركي، فهو الطريق الوحيد المتبقي لإجبار الروس والنظام على تغيير مواقفهما، خاصة أنهما أيضاً في مأزق، وأن بصمات اللوحة النهائية لم تُوضع.

===========================

موقفنا: أستانا الثالثة عشرة كانت بالفعل الثالثة عشرة !!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

3/ 8/ 2019

تعالوا نقرأ :

ليست عدمية سياسية . ولا هو موقف اتهامي للفريق الذي تحمل العبء البراغماتي فقبل الذهاب إلى أستانا بكل ما في الذهاب من معرة وتعيير ؛ ولكن تعالوا نقرأ حصيلة الجولة في نقاطها السبع كما ظهرت في البيان الختامي على موقع وزارة الخارجية الكازاخية الدولة المضيفة التي يجب أن تكون أكثر حيادية في الصيغة التي تعرض ..

النقطة الأولى في البيان الختامي لأستانا 13: حسب موقع وزارة الخارجية الكازاخية:

في الحديث عن المنطقة في شمال شرق سورية ...

قضية شمال شرق سورية هي أولوية لكل المشاركين في اللقاء ، ولكنها ليست أولوية للشعب السوري في السياق الذي نحن فيه . أولويتنا اليوم في أرياف حماة وإدلب وحلب حيث يسقط أبناؤنا مع كل شمس !!

النقطة الثانية :

اعتماد " سوتشي " مرجعية للحل السياسي إلى جانب جنيف و2254 . هو تنازل مخيف . ومهما كانت مقررات سوتشي المذكورة . فالخطوة تنازل عن الدور الدولي لمصلحة المحتل الروسي وتمكينه من الانفراد بالملف السوري . المعارضة التي تصطف إلى جانب المحتل الأكثر شراسة ، وهل كانت أستانا منذ البداية إلا كذلك ؟!

النقطة الثالثة في البيان الختامي لأستانا 13 حسب موقع الخارجية الكازاخية :

عن التهدئة في إدلب ، التهدئة المحشوة بعبارات مثل " التعاون من جميع الأطرف للقضاء على الدولة الإسلامية وجبهة النصرة وجميع الأطراف و الكيانات المرتبطة بتنظيم القاعدة .."

كلام له خبء كما يقول أبو العلاء المعري . من معانيه كما هو قائم على الأرض أن يصبح الممثلون في أستانا وتبعياتهم جنودا لبوتين ولقاسم سليماني وللأسد معا في قتل الأطفال وتدمير الديار وهدم المستشفيات والمدارس ..

إن كل من يسأل بوتين وقاسم سليماني وبشار الأسد عن جرائمهم في سورية يسمعون العبارات نفسها : القضاء على تنظيم الدولة وجبهة النصرة وتنظيم القاعدة . في هذه النقطة المريبة يعلن " الأستانيون " السوريون عن تعاونهم مع كل الأطراف . وكل الأطراف هنا تعني الروسي والإيراني والأسدي للحرب على المذكورين !! نحن لا نناقش هنا مشروعية الحرب على هؤلاء ، السؤال التكنيكي البسيط : مع من نحارب ؟ ومتى نحارب ؟

النقطة الرابعة في البيان الختامي..

" رحبت كل الأطراف بالعملية الرابعة الناجحة المتعلقة بالإفراج المتبادل عن المحتجزين "

ويتساقط لحم وجه المرء حياء وهو يقرأ النقطة الرابعة هذه . ..!!

لاحظوا أعزائي ..

عبارة " الإفراج المتبادل " وإيحاءاتها وظلالها وإسقاطاتها . شعب عدد معتقليه بمئات الألوف فيهم النساء والأطفال وكبار السن يوضع في موقع الندية " الجرمية " بتعبير الإفراج المتبادل . التبادل السخيف والمضحك والمستفز . والمتناقض مع أبسط قواعد المنطق السياسي حتى البوتيني والأسدي . فما علاقة المعتقل عند " ممثل دولة " يعترف به بوتين بفعل عصابة إرهابية إجرامية حتى يتم تبادل مواطن بمواطن ؟! وأسوق الكلام بالطبع حيث المنطق البوتيني المجرم !! ويكفي أن نوازن في حجم الجريمة بين معتقلين ومفقودين بمئات الألوف وبين ...!!

لاحظوا أعزائي ..

أن عنوان الإفراج عن المعتقلين ظل منذ أستانا واحد الدسم الذي دست فيه كل سموم أستانا ، كمحاولة لتحويل المجرم المحتل وسيطا ، ولكننا نلحظ هنا أن المفاوض العتيد ، وإن شئت قرأت التاء نونا ، يقبل باستبدال وصف " المحتجزين " بالمعتقلين . تأكيدا على ادعاء بوتين وقاسم سليماني وبشار الأسد أنه لا يوجد " معتقلون " في سورية بل هم بضعة محتجزين كالذين تحتجزهم الفصائل في غولاغ زنازينها المنتشرة في البر والبحر على ما أفادت بعض التقارير .

النقطة الخامسة :

في البيان الختامي لأستانا الثالثة عشرة الدعوة إلى زيادة المساعدات الإنسانية !!

ورغم كل الكلام الحشو الذي يتبع هذه الدعوة يعلم المؤتمرون أن 93% بالمئة من هذه المساعدات ذهب على مدى السنوات الماضية إلى دعم مشروع الأسد في قتل السوريين وتهجيرهم !!

ربما لا يغفل مفاوض سليم العقل حاضر القلب أن يسأل شريكيه الروسي والإيراني عن حجم مشاركتهم في المساعدات التي يريدون زيادتها للشعب السوري ؟!

النقطة السادسة في البيان الختامي لأستانا..

والأكثر إثارة للألم والشعور بالمرارة ، والإحساس بلا مسئولية هؤلاء الذين جلسوا على المقاعد أو عن عجزهم عن إدراك مرامي الكلام الذي عليه وقعوا ؛ الدعوة المخجلة المخزية إلى تسهيل عودة اللاجئين !!

أليست الدعوة إلى وقف الأعمال والجرائم التي تدعو الشعب السوري إلى اللجوء أولى ؟! أوليس هؤلاء الذين يتحدثون عن " تسهيل عودة اللاجئين " أن يدركوا أن هؤلاء المهاجرين إنما هاجروا بفعل الطيران الروسي والأسدي والميليشيات الصفوية الأثيمة ؟! أليس من حقنا أن نقرأ في بيان كتبه من يزعم أنه ممثل لشعب أن نقرأ دعوة إلى وقف عملية تهجير المزيد من السوريين ؟! وكيف يدعو هؤلاء إلى تسهيل العودة قبل الدعوة إلى وقف عملية التهجير ، بوقف أسبابها التي ما تزال قائمة ؟!

والنقطة السابعة والأخيرة

في البيان العتيد حسب خارجية الحكومة الكازاخية ، الترحيب بوفدي لبنان والعراق الذين شاركوا في لقاء أستانة ..

ونرد بالقول بل لا مرحبا بهم ،وبمن دعاهم وبمن رحب بهم

نتيجة جولة أستانا 13 كما هي بين أيدينا وبدون كثير كلام هي سبعة / صفر ..

سبعة لمصلحة بوتين وقاسم سليماني وبشار الأسد وعاد إلينا حنين حافيا بلا خفين.

___________

*مدير مركز الشرق العربي

============================

أستانة: حرب إبادة ممنهجة على شمال غربي سورية بين جولتين

أمين العاصي

العربي الجديد

الخميس 1/8/2019

تكتسب الجولة الجديدة من مفاوضات أستانة بين الثلاثي الضامن في سورية، والتي تبدأ اليوم الخميس وتستمر غداً، أهمية خاصة، كونها تأتي في خضم صراع على منطقة التصعيد الوحيدة التي يشملها هذا المسار التفاوضي، وهي المنطقة الرابعة التي تضم محافظة إدلب ومحيطها، والتي تتعرض لحرب إبادة ممنهجة منذ فشل الجولة السابقة أواخر إبريل/نيسان الماضي، وهو ما يؤكد أن اتفاقاً روسياً تركياً حيال مصير محافظة إدلب ومحيطها لا يزال بعيد المنال في المدى المنظور.

وتبدأ اليوم الخميس الجولة 13 من مفاوضات أستانة في العاصمة الكازاخية نور سلطان، على أن تُختتم غداً الجمعة، وتضم الثلاثي الضامن في سورية، روسيا وإيران وتركيا، بمشاركة العراق ولبنان كـ"مراقبين" للمرة الأولى في هذا المسار التفاوضي الذي يهدف إلى مناقشة العديد من القضايا، منها الوضع في محافظة إدلب، وملف المعتقلين، وملف اللجنة الدستورية. وقالت مصادر في المعارضة السورية، لـ"العربي الجديد"، إن وفداً من قوى الثورة العسكرية سيشارك في جولة أستانة. وكانت ارتفعت أصوات في الآونة الأخيرة تطالب بمقاطعة الجولة الجديدة بسبب المجازر التي تُرتكب بحق المدنيين، منها رئيس الهيئة العليا للتفاوض التابعة للمعارضة السورية نصر الحريري، الذي أعلن، منذ أيام، عن توقّف العملية السياسية ووقف تواصل الهيئة مع روسيا على خلفية التصعيد الكبير على مدن وبلدات محافظة إدلب، داعياً وفد المعارضة المسلحة إلى مقاطعة الجولة المقبلة من مسار أستانة في نور سلطان وذلك بسبب التصعيد الروسي في إدلب. كما أكد قياديون في "جيش العزة"، أبرز فصائل الجيش السوري الحر في ريف حماة الشمالي، أن "الروس يريدون استعادة كل المنطقة المحررة في شمال غربي سورية".

من جهته، أعلن رئيس وفد المعارضة السورية إلى أستانة، أحمد طعمة، في مؤتمر صحافي أمس الأربعاء، أن الوفد سيلتقي خلال المباحثات وفد الأمم المتحدة، وسيناقش مسار اللجنة الدستورية وأوضاع اللاجئين في لبنان. وأضاف: "دورنا في أستانة أن يصل صوت محاربينا إلى المحافل الدولية، وسنكون مكملين لعملهم، ولن نضيّع ما سطره الأبطال في ميادين الوغى". وتابع: "لقد قارنا بين وجودنا في مؤتمر أستانة من عدمه، ووجدنا أن وجودنا وتمثيلنا هو الأفضل، كما أن النظام السوري يستخدم جميع أذرعه العسكرية والسياسية"، مضيفاً: "ذاهبون إلى أستانة بعد فشل نظام الأسد في كل جولاته، وسنثبت دورنا السياسي المكمل للدور العسكري، وأي عمل عسكري ناجح ما لم يتم استثماره سياسياً سوف يضيع". واعتبر أن "أستانة ما يزال المسار الوحيد حالياً لمناقشة مستقبل سورية، ومستقبل اللجنة الدستورية مع وجود مؤشرات لإعلانها قريباً".

وكانت الجولة 12 من هذا المسار، قد عُقدت أواخر إبريل/نيسان الماضي، من دون تحقيق نتائج مهمة تذكر، ما خلا كلاما إنشائيا صدر في بيان ختامي، كتأكيد الالتزام بالسيادة الوطنية لسورية، والوقوف في وجه كل المخططات الانفصالية في سورية، والتشديد على أن الحل لن يكون إلا سياسياً، والعمل على الإسراع في تشكيل اللجنة الدستورية. وانعكس فشل الجولة تصعيداً غير مسبوق من قبل قوات النظام ومليشيات محلية تدعمها، ومن الطيران الروسي على محافظة إدلب ومحيطها، لم يتوقف حتى اللحظة، رغم نتائجه الكارثية على المنطقة الأخيرة التي يشملها هذا المسار، الذي ترى المعارضة أنه وُجد لـ"تصفية القضية السورية برمتها من قبل الروس". وطيلة أكثر من 90 يوماً، وهي المدة بين الجولتين، قتل وهجّر الطيران الروسي وطيران النظام وقواته على الأرض عشرات آلاف المدنيين، ودمّر منشآت حيوية، وخلق مآسي تهدد نحو 4 ملايين مدني في المنطقة الضيقة جغرافياً. وكاد التصعيد الكبير على الشمال الغربي من سورية يطيح ليس بتفاهمات أستانة واتفاق سوتشي ذات الصلة فحسب، بل بالعلاقة التي تربط تركيا بروسيا، إذ أقدمت قوات النظام على استهداف أكثر من نقطة مراقبة تركية في ريف حماة الشمالي في إبريل ومايو/أيار، ويونيو/حزيران، بشكل مباشر ومتعمد، استدعى رداً مدفعياً تركياً. واعتبرت مصادر عسكرية ودبلوماسية تركية، في حينه، أن "القصف هو بمثابة استمرار للرسائل الروسية إلى تركيا حول ضرورة تقديم تنازلات في منطقة جنوب إدلب، وشمال حماة، التي تعرضت للقصف". واختارت تركيا سياسة ضبط النفس وعدم الانجرار وراء الاستفزازات التي تهدف الى خلط أوراق الصراع في منطقة تعتبرها أنقرة جزءاً من أمنها القومي.

ويؤكد الوضع في شمال غربي سورية أن الجانبين الروسي والتركي لم ينجحا في تجسير هوة الخلاف بينهما حيال مصير محافظة إدلب ومحيطها، رغم أن العلاقة بين البلدين دخلت مرحلة الشراكة الاستراتيجية عقب شراء الأتراك لمنظومة "إس 400"، ما أدى إلى فتور في العلاقة بين أنقرة وواشنطن. واعتمدت قوات النظام والطيران الروسي سياسة الأرض المحروقة لتدمير كل مظاهر الحياة في ريفي حماة وإدلب، وتمهيد الطريق أمام مليشيات النظام للتقدّم البري لقضم المزيد من مناطق المعارضة المسلحة في الريفين. ونجحت هذه القوات في بدايات مايو الماضي بالتقدم على حساب فصائل المعارضة، وسيطرت على 18 بلدة وقرية في ريف حماة الشمالي والغربي، هي جنابرة، وتل عثمان، وجابرية، وتل هواش، وتويه، وشيخ إدريس، وكفرنبودة، وقلعة المضيق، والتوينة، والشريعة، وباب طاقة، والحمرة، والحويز، والمهاجرين، والكركات، والمستريحة، والخالدي والحرداني. كما خسرت المعارضة قرى في ريف إدلب الجنوبي، أبرزها القصابية التي كانت بحكم الساقطة عسكرياً ومن الصعب الدفاع عنها، حسبما أفاد مصدر في فصائل المعارضة السورية.

لكن المعارضة المسلحة صمدت أمام قوات النظام، التي وجدت نفسها عاجزة عن التقدم، إثر استقدام فصائل المعارضة لتعزيزات كبيرة إلى جبهات ريف حماة الشمالي من نقاط تمركزها في ريف حلب الشمالي. وفي بداية يونيو استعادت فصائل المعارضة زمام المبادرة، وشنت أكثر من هجوم على قوات النظام تكلل بدحر الأخيرة عن منطقتي تل ملح وجبين في ريف حماة الشمالي في السادس من يونيو الماضي، إثر معارك ضارية مع قوات النظام التي حاولت مراراً استعادتهما، إلا أنها فشلت، على الرغم من مئات الضربات الجوية من قبل مقاتلات روسية وطيران النظام، كما أنها خسرت المئات من عناصرها بين قتيل وجريح في المحاولات الفاشلة. لكن هذه القوات استعادت الإثنين الماضي المنطقتين عقب قصف جوي غير مسبوق. وأكد قيادي في الجيش السوري الحر، لـ"العربي الجديد"، أن الطيران الروسي "حرق منطقة تل ملح". وحاول النظام منذ بدء الحملة اختراق محور تلة الكبانة في ريف اللاذقية الشمالي لقلب معادلات الصراع بالتقدم باتجاه مدينة جسر الشغور في ريف إدلب الغربي، لكن قواته فشلت عشرات المرات في التقدم على هذا المحور، وتكبدت خسائر فادحة في أرواح مسلحيها، وهو ما رفع منسوب الاحتقان في مناطق الساحل السوري التي وصلت إليها جثامين القتلى بسبب الهزائم المتلاحقة.

وكان من الواضح أن الروس كانوا يخططون لإخضاع شمال غربي سورية للتوجه إلى طاولة أستانة لفرض ما يريدون على الجانب التركي، لكنهم فشلوا في ذلك، وهو ما يدفعهم الآن إلى محاولة تثبيت خارطة السيطرة الجديدة التي تتيح لقوات النظام البقاء في 18 بلدة وموقعاً سيطرت عليها خلال مايو الماضي. لكن الجانب التركي، الضامن للمعارضة، يطالب بعودة قوات النظام إلى حدود اتفاق سوتشي، المبرم في سبتمبر/أيلول الماضي، قبل البحث في أي اتفاق جديد يوقف إطلاق النار. ومن المتوقع أن يضغط الروس من أجل فتح الطرق الدولية في الشمال الغربي من سورية كما نصّ اتفاق سوتشي. ولعل من أهم أسباب التصعيد على محافظة إدلب السيطرة على الطريقين الدوليين الهامين، حيث يربط الأول مدينة حلب بمدينة حماة ومن ثم إلى العاصمة دمشق، فيما يربط الثاني حلب بالساحل السوري. ويشكل استئناف العمل بالطريقين مصلحة لكل الأطراف، لكن النظام يريد اتخاذ هذا الأمر ذريعة للسيطرة على كامل ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي اللذين يمر بهما الطريقان.

ومن هنا تكتسب الجولة الجديدة من مفاوضات أستانة أهمية استثنائية في مسار الصراع السوري، فإما اتفاق روسي تركي يعيد الهدوء إلى جبهات القتال، أو فشل جديد يدفع ثمنه ملايين المدنيين في محافظة إدلب ومحيطها، وهو ما يعيد الصراع إلى المربع الأول. وراوح مسار أستانة مكانه في العديد من الملفات التي كان من المفترض به التعامل معها وإيجاد حلول لها، وفي المقدمة ملف المعتقلين، بل إن النظام رفع سقف تحديه لهذا المسار لدرجة أنه أفرج عن قوائم آلاف المعتقلين الذين قتلهم تحت التعذيب في سجونه، في رسالة مفادها أنه غير آبه بكل الجهود التي تُبذل من أجل تمهيد الطريق أمام حل سلمي للصراع في البلاد. وكانت الجولة الأولى من مفاوضات مسار أستانة عُقدت في 23 يناير/كانون الثاني 2017، بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعقب خروج المعارضة السورية المسلحة من أحياء حلب الشرقية، وفق اتفاق روسي تركي، كان البذرة الأولى لمسار أستانة. وعقدت 12 جولة مفاوضات ضمن هذا المسار كانت وبالاً على المعارضة السورية المسلحة، حيث خسرت بسبب أستانة مناطق سيطرتها في جنوب سورية وغوطة دمشق الشرقية ووادي بردى شمال غربي دمشق، والقلمون الشرقي، وريف حمص الشمالي. ولم يبق للمعارضة السورية إلا الشمال والشمال الغربي من سورية، الذي بات منطقة نفوذ تركي، لذا من المتوقع أن تدافع فصائل المعارضة عن هذه المنطقة حتى الرمق الأخير، حيث "لا إدلب بعد إدلب" بل استسلام غير مشروط يعني انتصاراً إعلامياً للنظام وحلفائه بالحرب، ما يفضي إلى فرض تسوية للقضية السورية تُبقي النظام ورموزه في السلطة كما يخطط الروس.

===========================

من المنطقة الآمنة إلى كوريدور السلام!

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 1/8/2019

في الوقت الذي ما زال فيه موضوع الإجراءات الجديدة المتشددة بشأن اللاجئين السوريين في تركيا يتفاعل في الرأي العام، التركي والسوري على السواء، صدر بيان عن اجتماع لمجلس الأمن القومي التركي، المنعقد في قصر الرئاسة في 30 تموز، ورد فيه «عزم الحكومة التركية على مواصلة تطهير كل العناصر الإرهابية، بما في ذلك المنتمون إلى حزب العمال الكردستاني/ حزب الاتحاد الديموقراطي، قوات حماية الشعب، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وحركة فتح الله غولن الإرهابية، وبذل الجهود لإنشاء «كوريدور سلام» على طول الحدود الجنوبية». الاجتماع الذي استمر لأكثر من ست ساعات، ناقش عدداً من الأمور المطروحة على جدول أعماله، بينها قضية صفقة الصواريخ الروسية إس 400، وطائرات إف 35 الأمريكية، وموضوع التنقيب عن الغاز قرب شواطئ قبرص، وغيرها من موضوعات الساعة المصنفة كقضايا أمن قومي.

قبل البدء بقراءة قرارات «الأمن القومي»، وبخاصة تعبير «كوريدور السلام»، لا بد من الإشارة إلى ظاهرة لافتة: الليرة التركية تتحسن منذ بضعة أيام، على رغم تراكم عديد الاستحقاقات المتعلقة بمسائل الأمن القومي المذكورة أعلاه، إضافة إلى المشكلات السياسية الداخلية، والمؤشرات الاقتصادية المقلقة. لنتذكر تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشهير بـ«تدمير الاقتصاد التركي» إذا هاجمت القوات التركية حلفاء واشنطن من المقاتلين الكرد فيما وراء الحدود! وقد جدد ترامب التذكير بهذا الموضوع في مؤتمره الصحافي قبل مغادرته مدينة أوساكا اليابانية التي شارك فيها في قمة مجموعة العشرين، فقال إنه «باتصال هاتفي» مع الرئيس التركي أوقف هجوماً بمئة وخمسين ألف جندي تركي على الكرد في شرقي نهر الفرات كانت تركيا بصدد تنفيذه! وقد جاء تصريح ترامب الاستفزازي هذا بعد أجواء إيجابية سادت اجتماعه مع أردوغان، حمّل فيه ترامب سلفه باراك أوباما مسؤولية اضطرار الأتراك لشراء صواريخ إس 400 الروسية. فنال الرئيس التركي جرعة إيجابية كان يحتاجها بشأن عواقب إصرار تركيا على شراء الصواريخ الروسية على رغم التهديدات الأمريكية. وكرر ترامب الموقف نفسه بعد بدء وصول قطع منظومة الصواريخ الروسية المتطورة إلى قاعدة مرتد الجوية قرب العاصمة أنقرة، ليتضح أن استكمال وصول المنظومة الصاروخية وتنصيبها وتفعيلها سيستغرقان زمناً طويلاً يمتد إلى نيسان 2020.

وفي غضون ذلك، جرى إطلاق سراح نائب رئيس بنك «هلك» الحكومي، هاكان أتيلا، المحكوم في الولايات المتحدة بتهم تتعلق بتبييض الأموال في إطار خرق الحصار الاقتصادي المفروض على إيران، في مؤشر إضافي على أن الأمور ماضية بصورة إيجابية على سكة العلاقات بين واشنطن وأنقرة. ثم جاء وفد أمريكي إلى أنقرة للتباحث حول موضوع المنطقة الآمنة، وصدرت تصريحات تركية متشائمة بشأنها بعد مغادرة الوفد الأمريكي، فقيل إن الخلاف ما زال قائماً بين الجانبين بشأن عمق المنطقة الأمنية والقوات التي من المفترض أن تسيطر عليها. فالأمريكيون يتحدثون عن عمق 5 كم، يمكن أن تصل إلى 14 كم في بعض الجيوب، في حين يطالب الأتراك بـ 35 كلم. ويسعى الأمريكيون إلى تسليم الشريط إلى قوة مختلطة من دول التحالف، في حين يطالب الأتراك بتفرد جيشهم، مع حلفاء من الفصائل السورية التابعة لهم، بالسيطرة على المنطقة، على غرار ما هو قائم في منطقتي «درع الفرات» وعفرين.

الليرة التركية تتحسن منذ بضعة أيام، على رغم تراكم عديد الاستحقاقات المتعلقة بمسائل الأمن القومي المذكورة أعلاه، إضافة إلى المشكلات السياسية الداخلية، والمؤشرات الاقتصادية المقلقة

وواصلت أنقرة تعزيز قواتها المنتشرة على الخط الحدودي في منطقة «جيلان بنار» قرب أورفة، في أعقاب اجتماع مجلس الأمن القومي، بآليات وبأعداد من قوات الكوماندوس، فيما يعني ضغطاً على واشنطن لحل الخلاف المشار إليه بشأن الشريط الأمني. يبقى السؤال الملح الذي لا نملك جواباً له: هل يمكن لأنقرة أن تغامر بكل المؤشرات الإيجابية المذكورة أعلاه على خط واشنطن ـ أنقرة، فتقوم باجتياح عسكري لمناطق في شرقي الفرات على رغم تحذيرات ترامب وتهديداته؟ أم أن ما يدور تحت الطاولة يختلف عما نراه فوقها؟ الآن لنحاول قراءة ما قد يعنيه «كوريدور السلام» الذي أشير إليه في بيان مجلس الأمن القومي. من منظور «الهواجس الأمنية التركية» الشهيرة، هو يعني شريطاً خالياً من قوات وحدات حماية الشعب الكردية، لتملأ مكانها فصائل سورية تابعة لتركيا بحماية القوات التركية. ولكن ماذا عن السكان في تلك المناطق؟ لا شيء يمنع من افتراض تكرار ما حدث في عفرين من تهجير واسع النطاق للسكان الكرد، ليحل محلهم مهجرون من المناطق الجنوبية. فمن سيحل محل السكان، في القرى الكردية شرقي الفرات، إذا حدث هذا السيناريو؟

اللاجئون السوريون في تركيا، أو قسم كبير منهم!

لا أزعم امتلاك معلومات خاصة تؤكد هذه الفرضية. لكن هذا التزامن بين الإجراءات الجديدة النابذة للاجئين السوريين في تركيا، والتهديدات التركية باجتياح مناطق شرق الفرات، إضافة إلى التعزيزات العسكرية التركية المتزايدة على الحدود، ورحابة صدر دونالد ترامب تجاه المشكلات العالقة مع أنقرة.. هي مؤشرات قد تعني تفكيراً تركياً بـ«ضرب عصفورين بحجر واحد»، أي طرد المقاتلين الكرد بعيداً عن الحدود، مع توسيع مناطق السيطرة التركية داخل الأراضي السورية، و«حل» مشكلة اللاجئين السوريين في تركيا، بطريقة التغيير الديموغرافي، أي باصطناع حاجز بشري من غير الكرد بين كرد تركيا وأبناء جلدتهم في سوريا. ومن «الفوائد الجانبية» فتح الباب أمام تركيا لاستثمارات في تلك المناطق في مجال البناء. فنحن نتذكر تصريحاً لأردوغان، قبل أشهر، تحدث فيه عن «بناء منازل بطابقين محاطة بحدائق»! وهذا مهم في ظل الصعوبات التي يعاني منها الاقتصاد التركي.

سبب التفكير بهذا السيناريو الافتراضي هو السجل التاريخي للدولة التركية الذي يتضمن عمليات ترحيل ممنهجة للسكان من منطقة إلى أخرى. أشار الكاتب في صحيفة «قرار» يلدراي أوغور إلى سجل ترحيل بعض سكان إحدى قرى ساحل البحر الأسود إلى مناطق على الحدود الإيرانية في الخمسينيات، وإلى لواء إسكندرون بعيد ضمها إلى تركيا، وأخيراً إلى شمال قبرص في العام 1974. هذا غير التغييرات الديموغرافية القسرية الناتجة عن حملات عسكرية، كحال كرد جنوب شرق الأناضول الذين فر كثيرون منهم نحو إزمير وغيرها من المناطق البعيدة عن موطنهم.

===========================

تصعيد النظام لا يتوقف: تفريغ جنوب إدلب من السكان؟

جلال بكور

العربي الجديد

الاربعاء 31/7/2019

لا يتوقف تصعيد النظام السوري وروسيا ضد المنطقة المشمولة باتفاق "خفض التوتر" في شمال غربي سورية، مع مواصلة الطيران الحربي الروسي غاراته على المنطقة، تزامناً مع استقدام النظام تعزيزات عسكرية، وعمله على تعزيز النقاط التي استرجعها في ريف حماة الشمالي الغربي، إثر معارك كر وفر مع المعارضة المسلحة، التي تتحدث عن نيّة النظام تفريغ منطقة جنوب وشرق إدلب من السكان بهدف التقدّم إليها، بما يعني تهديد كل المنطقة التي لا تزال خاضعة للمعارضة.

وفي جديد التطورات الميدانية، قالت مصادر من المعارضة السورية المسلحة، لـ"العربي الجديد"، إن الأخيرة قصفت براجمات الصواريخ مواقع لقوات النظام في قرى الجيد والرصيف والعزيزية ومدينة محردة وفي تل ملح والجبين في ريف حماة الشمالي الغربي. وذكرت مصادر من مدينة محردة، لـ"العربي الجديد"، أن قذائف سقطت على حاجز "أبو عبيدة" الواقع في شمال المدينة، ما أسفر عن وقوع إصابات في صفوف عناصر مليشيا "الدفاع الوطني" التابعة للنظام. وجاء القصف، بحسب مصادر المعارضة، رداً على تجدد القصف الجوي والصاروخي من قوات النظام السوري وروسيا على مدن وقرى وبلدات موقا وكفرزيتا ومورك واللطامنة وسراقب في ريف حماة الشمالي وريفي إدلب الجنوبي والشرقي، ومحور الكبانة في جبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي الشرقي.

وقالت مصادر، لـ"العربي الجديد"، إن قوات النظام تعمل، منذ مساء الإثنين الماضي، على تعزيز مواقعها في قرية تل ملح ومحور تل السيريتيال والجبين، شمال غرب حماة، واستقدمت تعزيزات عسكرية إلى المنطقة وآليات هندسية بعد استعادة السيطرة عليها، الأحد الماضي، عقب معارك عنيفة مع المعارضة. وتأتي تلك التطورات قبيل يومين من موعد انعقاد الجولة الجديدة من محادثات أستانة حول الملف السوري، وعقب تصعيد حملة القصف من قبل الطيران الروسي على ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي، الأمر الذي أسفر عن مقتل وجرح عشرات المدنيين، جُلهم أطفال ونساء. وقال المقدّم في "جيش العزة" سامر الصالح، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "الجبهات لم تهدأ، والنظام مستمر في عمليات القصف، ويحاول التقدّم بدعم الطيران الروسي"، مشيراً إلى أن "هدف النظام هو السيطرة على كامل المنطقة المحررة".

وعن استراتيجية المعارضة في صدّ النظام، أكد الصالح أن المعارضة تحاول بكل إمكانياتها أن تقاتل حتى آخر رمق، مضيفاً "لدينا عدد جيد من المقاتلين المتمرسين. انسحبنا من تل ملح لتلافي الخسائر البشرية. المعركة كر وفر، ولن ندع النظام يستريح في أي منطقة يتقدّم إليها". وأوضح "أننا نعمل على فتح ثغرات في جبهات قوات النظام، ونعتمد عنصر المفاجأة، ولدينا تكتيكات ستؤرق النظام والروسي والمليشيات التابعة لهم"، مؤكداً أن "جيش العزة" وبقية الفصائل تقوم بالرد على النظام بقصف مواقعه فقط ولا تستهدف المناطق المدنية، على النقيض من النظام، وذلك يدل على نيّة النظام تفريغ منطقة جنوب وشرق إدلب من السكان، مشيراً إلى أن التصعيد على مدن الطريق الدولي، خصوصاً أريحا وسراقب والمعرة، يهدف إلى تفريغ تلك المناطق من المدنيين من أجل التقدّم إليها، وفي حال التقدّم إليها يعني أن النظام بات قريباً من السيطرة على كامل المنطقة المحررة. وفشلت قوات النظام في التقدّم مجدداً، أمس الثلاثاء، على محور الكبانة في جبل الأكراد بريف اللاذقية الشمالي. وتعتبر الكبانة من أهم المواقع الاستراتيجية في شمال غرب سورية، كونها تُطل من مكان مرتفع على ريف إدلب الغربي وعلى ريف حماة الشمالي الغربي.

أما في ريف حلب الشمالي، فشهدت الجبهات الفاصلة بين مناطق "الجيش الوطني" التابع للمعارضة السورية، والمناطق الخاضعة لسيطرة "وحدات حماية الشعب" الكردية، اشتباكات متبادلة بالمدفعية والرشاشات الثقيلة، أوقعت إصابات في صفوف الطرفين. وبحسب ما أفادت به مصادر، لـ"العربي الجديد"، فقد تركزت الاشتباكات على محاور مرعناز والدغلباش، رافقها قصف من مدفعية الجيش التركي المتمركزة في المنطقة على مواقع المليشيات الكردية.

بالتوازي مع ذلك، شهد جنوب البلاد تطوراً لافتاً، إذ هاجم مجهولون بالقنابل اليدوية كلاً من أبو عبادة المصري وراضي الحشيش، وهما قياديان سابقان في فصيل "جيش المعتز" الذي كان تابعاً للمعارضة السورية. وقال الناشط محمد الحوراني، لـ"العربي الجديد"، إن القياديين في الوقت الحالي يعتبران من عرابي التسويات مع النظام السوري في محافظة درعا، وتعرضا للهجوم بالقنابل اليدوية أثناء مرورهما على طريق دمشق ـ درعا في مدينة الصنمين، وأصيبت سيارتهما بأضرار مادية. جاء ذلك بعيد انفجار عبوة ناسفة أمام حاجز البريد التابع لقوات النظام في المدينة، ما أدى إلى إصابة عنصر بجروح. وقالت مصادر، لـ"العربي الجديد"، إن مجهولين هاجموا مقر الأمن الجنائي التابع لقوات النظام في مدينة الصنمين بقذائف "أر بي جي" موقعين أضراراً مادية. كما هاجم مجهولون حاجزاً لقوات النظام على الطريق الواصل بين بلدتي الجبيلية وغدير البستان في ريف درعا الغربي بالرشاشات وقذائف "أر بي جي"، ما أدى إلى وقوع جرحى وأضرار مادية. وتسيطر قوات النظام السوري منذ عام على درعا بعد عقد تسويات مع فصائل المعارضة وتهجير الرافضين للمصالحة والتسوية إلى الشمال السوري.

===========================

الحملة على اللاجئين السوريين في تركيا.. الإجراءات والسياق السياسي

عمر كوش

العربي الجديد

الاربعاء 31/7/2019

يعيش اللاجئون السوريون في تركيا، وخصوصا في مدينة إسطنبول، في أيامنا هذه، حالة من التوتر والقلق المشوب بالخوف على وجودهم ومستقبلهم فيها، بعد الحملة التي بدأتها الشرطة التركية ضدهم، من أجل تطبيق جملة من القوانين والقرارات الصادرة عن الحكومة، بشأن تنظيم وجود المهاجرين والأجانب في المدينة. وجاءت الحملة على الوجود السوري في إسطنبول وسواها بعد التغيرات السياسية الجديدة التي طرأت على المشهد السياسي التركي أخيرا، حيث جاءت التغيرات التي تخص السوريين محمولة، من قادة الحزب الحاكم هذه المرّة، لتتولى تنفيذها الحكومة التركية ومؤسساتها وأجهزتها، على خلفية إرهاصات الانتخابات المحلية وارتداداتها، وهي الانتخابات التي أعلنت بداية مرحلة سياسية جديدة في تركيا كلها، وليس في إسطنبول فقط.

وإذا كان موضوع اللاجئين السوريين، ووجود السوريين بشكل عام في تركيا، قد شكّل مادة للتوظيف والتجاذب السياسي ما بين حزب العدالة والتنمية (الحاكم) وأحزاب المعارضة التركية، وخصوصا في الاستحقاقات الانتخابية، إلا أن الأمر مختلف هذه المرة، لأنه جاء في سياق المراجعات التي بدأت قيادات "العدالة والتنمية" القيام بها، بعد خسارة رئاسة بلديتي إسطنبول وأنقرة وسواهما، فصدرت القرارات التي تخص الوجود السوري، بعد اجتماع الرئيس أردوغان مع هيئة القرار المركزي في الحزب الذي عقد في 11 يوليو/ تموز الجاري اجتماعا لتقييم نتائج الانتخابات المحلية.

وبصرف النظر عن أي اعتبار في الحسابات السياسية الداخلية التركية، فإن تناول الوجود السوري في تركيا، باعتباره مدخلا لمراجعة أسباب خسارة الانتخابات البلدية في المدن الكبرى، يعتبر مدخلاً غريباً بعض الشيء، وبعيداً عن الواقع، ذلك أن الخسارة لا تنحصر في الورقة السورية وتوظيفاتها السياسية، بل في أمور أخرى عديدة، وأكثر أهمية وتأثيراً، يعزوها بعضهم إلى أداء قيادة حزب العدالة والتنمية وسلوكه، واستقالة وإبعاد قيادات مؤسسة للحزب، كان لها دور في صعود نجمه، واتهامات الفساد التي طاولت قيادات وكوادر في الحزب، وإلى إرهاصات الانتقال إلى النظام الرئاسي، واتساع حملات الملاحقة والاعتقال على خلفية المحاولة الانقلابية الفاشلة في منتصف يوليو/ تموز 2016، فضلاً عن تباطؤ وتيرة نمو الاقتصاد التركي، وتدهور الوضع المعيشي للشرائح المتوسطة والفقيرة، وزيادة نسبة البطالة والتضخم، وارتفاع الأسعار وسوى ذلك.

ساهمت أحزاب المعارضة التركية كثيراً في إشاعة الخطاب المعادي للسوريين، وفي إثارة

"ساهمت أحزاب المعارضة التركية كثيراً في إشاعة الخطاب المعادي للسوريين" نزعات كارهة ومعادية لهم، وساهمت، إلى جانب معظم وسائل الإعلام التركية، في إلقاء تبعات تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للأتراك على السوريين، الأمر الذي جعل نسبةً لا يستهان بها من المواطنين الأتراك، وخصوصا الفقراء منهم، يصبّون جام غضبهم واستياءهم على اللاجئين السوريين، زاعمين أن ارتفاع الأسعار، ولا سيما إيجارات السكن، وارتفاع نسب البطالة، وتدهور أوضاع معيشتهم، سببها الوجود السوري، مع أن غالبية السوريين في تركيا يتقاسمون مع الأتراك صعوبات الأوضاع المعيشية، فضلاً عن تبعات النزعات الرافضة لوجودهم وارتداداتها وسوى ذلك.

وقد جرى توظيف مسألة اللاجئين السوريين سياسياً منذ سنوات، حتى باتت مادة للتجاذب والجدل ما بين أوساط أحزاب المعارضة والحزب الحاكم مع كل استحقاق انتخابي، وأثارت لغطاً كبيراً في الأوساط السياسية التركية، ولكن تغير خطاب حزب العدالة والتنمية حيال السوريين جعله يتبنى خطاب المعارضة نفسه حيال السوريين، إذ لأول مرة يتحدث الرئيس أردوغان عن تشجيع عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، "عبر ترحيل من ارتكب منهم جرائم، وسنأخذ الضرائب منهم مقابل العلاج الطبي الذي يتلقونه"، معلناً بذلك نهاية مرحلة بأكملها.

وكانت أحزاب المعارضة تلقي اللوم على السوريين في خساراتها الانتخابات، وتلفق حوادث ودعاوى بشأن مشاركة اللاجئين السوريين في الانتخابات لصالح أردوغان وحزبه، بل وكانت تتحدث عن أن الرئيس يريد من تجنيس السوريين الحصول على أكثر من مليون ونصف مليون صوت لمصلحته ومصلحة حزبه، وأنه يريد إحداث تغيرات ديموغرافية في المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية من تركيا، مع أن وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، أعلن أخيرا أن عدد المجنسين السوريين 79 ألفاً و800 شخص فقط من بين 3.6 ملايين سوري في تركيا. وكانت المعارضة التركية تمارس فقه النكاية حيال كل خطوة يتخذها أردوغان وحزبه الحاكم، في صراعها على السلطة معهما، ولكن الغريب أن يعتقد قادة "العدالة والتنمية" أنهم، في تشددهم حيال الوجود السوري في تركيا، سيسحبون الذريعة والسبب الذي جعل مرشحي المعارضة يفوزون في انتخابات بلديتي إسطنبول وأنقرة وسواهما من المدن الكبرى. غير أن الفائر برئاسة بلدية إسطنبول (مرتين)، أكرم إمام أوغلو، لم يرفع أي شعار معاد للسوريين، ولم يفعل كذلك نظيره في أنقرة، كما لم يطالب أو يتعهد بترحيل اللاجئين السوريين، وذلك بالتضاد مع ما يطرحه قادة حزب الشعب الجمهوري المعارض وأنصاره، بل تعامل مع مسألة اللاجئين السوريين بلغةٍ إنسانية، تنهض على ضرورة مساعدتهم، وخصوصا الأطفال منهم، وكذلك لم يصدر عن رئيس بلدية أنقرة الكبرى أي تصريح معاد للسوريين، على عكس ما كانت تطرحه أحزاب المعارضة حيال السوريين. ولعل من اللافت أن مرشح حزب العدالة والتنمية، بن علي يلدريم، حمل على السوريين بشدة، عشية جولة إعادة الانتخابات البلدية في 23 يونيو/ حزيران الماضي.

وقد استطاعت المعارضة التركية أن تحول ورقة الوجود السوري إلى مسألة وطنية، ذات لبوس قومي شوفيني، مجرّدة من أي بعد قانوني دولي أو إنساني وأخلاقي، مع أن مسألة اللاجئين

"لا أحد يمكنه نكران ما قدمته الحكومة التركية للاجئين السوريين" السوريين يتوجب النظر إليها من جهة اختبار النموذج التركي للديمقراطية، ومدى وجود بنية قانونية تحمي الإنسان، وتحفظ حقوقه، بصرف النظر عن جنسيته، طالما يوجد على الأرض التركية. وقد اختبرت هذه المسألة مدى قدرة مؤسسات الدولة التركية على اتخاذ إجراءات وضوابط قانونية، يمكنها كسر الجمود في هذه الأزمة الإنسانية الكارثية التي يعاني من تبعاتها ملايين السوريين، بعدما أجبرتهم الحرب الشاملة التي خاضها النظام السوري، وحلفاؤه الروس والإيرانيون، ضد غالبيتهم، إلى مغادرة بلادهم، وباتوا يعانون كثيراً من تبعات النزعات الكارهة للأجانب، إلى جانب تبعات التهجير القسري، وصعوبات العيش.

لا أحد يمكنه نكران ما قدمته الحكومة التركية للاجئين السوريين، حيث استقبلت ملايين السوريين، بصرف النظر عن انتماءاتهم ومناطقهم، وسنّت قانون الحماية المؤقتة الذي يضمن حق الإقامة والعمل والتعليم والطبابة لهم. وكان السوريون يتمتعون بالحماية من الترحيل القسري الإجباري، ويشعرون بنوع من الأمان، ويتلقّى اللاجئون منهم، حاملو بطاقة الإقامة (الكيمليك) بعضاً من دعم مؤسسات الدولة في بعض المجالات الصحية والتعليمية، فيما يتلقى المقيمون في المخيمات (بقي منهم 104 آلاف سوري) بعض الدعم المالي الذي لا يغطي احتياجاتهم. ولكن القوانين الجديدة تجرّدهم من ميزات قانون الحماية، وخصوصا الطبابة المجانية، والتنقل بين الولايات، والأهم أن أصحاب النزعات الكارهة للأجنبي سيستقوون أكثر على السوريين وسواهم.

واتبعت تركيا سياسة الأبواب المفتوحة مع تدفق اللاجئين السوريين، فيما كان خطاب قادة حزب العدالة والتنمية ينهض على مقولتي "الضيوف" و"المهاجرين والأنصار"، وليس لدى هاتين المقولتين أي مرتكز أو متحقق قانوني في تعاملات الدول مع اللاجئين. واليوم يجري التخلي عنهما بكل بساطة. وقد أدى هذا التعامل إلى وجود ثغراتٍ قانونيةٍ عديدة، سواء من حيث جهة الإقامة، أو التعليم أو الطبابة أو العمل، التي تريد الحكومة التركية اليوم تغييرها عبر حملتها على السوريين. وفي جانب الإقامة والعمل، راح السوريون الذين يوجد معظمهم خارج المخيمات يبحثون عن عمل في مختلف أرجاء تركيا، ومن الطبيعي أن تكون إسطنبول وجهتهم الأولى، بوصفها المدينة الكوسموبوليتية الوحيدة في تركيا، والعاصمة الاقتصادية والسياحية فيها. ومن بين 3.6 ملايين سوري يوجد أكثر من مليوني سوري في سن العمل، حسب تقارير منظمات حقوقية ومراكز دراسات. وقد عمل السوريون في مختلف القطاعات الصناعية والتجارية والخدمية، فنهاك رجال الأعمال وأصحاب الشركات، حيث جرى تأسيس أكثر من 15 ألف شركة في تركيا، حسب أرقام وزيرة التجارة التركية روشار بيكان. وتتحدث تقارير غير رسمية عن أن حجم الأموال السورية المستثمرة في تركيا يتعدى عشرة مليارات دولار. وأظهر تقرير لمعهد بروكنغز أن ما يقارب نصف مليون سوري يعملون في شتى القطاعات

"من المهم التفكير في وضع خطط تنهي تهميش الوجود السوري وتنظمه" الاقتصادية والزراعية، ولكن من حصلوا على إذن عمل 65 ألفا منهم، ما يعود إلى عاملين: الأول أن السوريين يواجهون معوقات بيروقراطية للحصول على أذونات العمل التي تحتاج المال والوقت، فضلاً عن أن القوانين التركية تطالب بأن يُشغّل صاحب المعمل أو الشركة أو المؤسسة خمسة عمال أتراك مقابل كل عامل أجنبي، وهذا ما لا يمكن تحقيقه في مجالات عديدة، وخصوصا التي تعتمد على اللغة العربية أو على الزبائن العرب، مثل وسائل الإعلام الناطقة بالعربية، والأمر ينطبق بدرجة أقل على الورش الصغيرة والمطاعم والمقاهي وسوى ذلك. وثاني العوامل أن بعض أرباب العمل لا يرغبون في حصول عمالهم على أذون عمل، بالنظر إلى تبعاتٍ يستوجبها إذن العمل، من حيث الراتب الشهري للعامل والضمان الصحي وسواهما.

وإذا كان الاقتصاد التركي يعاني، منذ بضع سنوات، من صعوبات وإشكاليات، فهذا مرده إلى السياسات الاقتصادية وعوامل سياسية، ولم يتسبب به وجود السوريين في تركيا، وبالتالي، فإن تنظيم هذا الوجود فيها لا يستوي بإرضاء النزعات الكارهة لهم، من خلال البدء بإعادتهم إلى بلدهم غير الآمن، والخطر على حياتهم، بل يتطلب تخطيطاً استراتيجياً بعيد المدى، وإشراكهم في التعاون مع إدارات الأحياء والبلديات، وفي تعزيز الاندماج والانسجام المجتمعي، وإسهامه في معالجة التحديات والإشكاليات، وإيجاد برامج تدريبية إلى جانب توفير العناية النفسية، والتنسيق مع مختلف الجمعيات والفعاليات الاجتماعية والاقتصادية. وقد أظهرت دراسة أجرتها، أخيرا، مؤسسة الأبحاث السياسية والاقتصادية التركية (TEPAV)، أن المناطق التي تهتم فيها السلطات المحلية بالسوريين، تنخفض فيها نزعة الكراهية ضدهم.

وبدلاً من الحملة على أماكن عيشهم وأعمالهم، من المهم التفكير في وضع خطط تنهي تهميش الوجود السوري وتنظمه، وإيجاد سبل تسهل مجالات العمل أمامهم بطريقة قانونية، وخصوصا

"يشكل السوريون في تركيا قوة اقتصادية لا يستهان بها" أنهم لا يمتلكون جمعيات أو منظمات سورية قادرة على إيصال معاناتهم إلى الجهات التركية، أو تدافع عنهم، لأن أغلب الجمعيات الموجودة يمالئ الحزب الحاكم وقياداته، نظراً لصدورها عن الإيديولوجيا نفسها. والتشكيل السياسي الوحيد، وهو ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، يتلقى الدعم والرعاية من الحكومة التركية، وليس همّه الدفاع عن قضايا اللاجئين السوريين وسواهم، بل إن سفير الائتلاف لدى تركيا أنكر حتى وجود حالات ترحيل إلى مناطق عفرين وسواها، على الرغم من نداءات بعض المرحلين عبر القنوات التلفزيونية وشهاداتهم، وهو الرجل نفسه الذي ورّط السوريين بجوازات صادرة عن الحكومة المؤقتة و"الائتلاف"، كانت تعترف بها الحكومة التركية فترة وجيزة، ثم سحبت اعترافها بها، وبات كل من يحمل ذلك الجواز عرضة للتوقيف والترحيل، بينما لا يزال المسؤول عن إصدارها وقبض ثمنها يتمتع بحظوة لدى القيادة التركية، ويتنقل من منصب إلى آخر في "الائتلاف".

وحسب دراسات عديدة لمراكز أبحاث تركية وسواها، يشكل السوريون قوة اقتصادية لا يستهان بها، بالنظر إلى ما يملكونه من خبرات وقدرات ورغبة بالعمل. وليس صحيحاً أنهم خطر على تركيا، أو سواها من البلدان التي لجأوا إليها هرباً من القتل والدمار. وبدلاً من محاولات التضييق عليهم والدعوات إلى إعادتهم قسرياً إلى بلدهم، فإن عودة غالبيتهم مرتبطة بإيجاد حل سياسي عادل، ينهي الكارثة الإنسانية التي سببها النظام الأسدي وحلفاؤه الروس والإيرانيون.

===========================

مقدمات السلطة المتوحشة ومستقبلها في سورية

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 30/7/2019

سياسة إضعاف الجميع بالجميع تجسّد محور الاستراتيجية التي اعتمدها حافظ الأسد في سورية، منذ أواخر عام 1970. استهدف بهذه السياسة الأحزاب الفاعلة على المستوى الداخلي أولاً، ليتمكّن لاحقاً من التغلغل، عبر الأجهزة الأمنية الكثيرة المتشعبة المتشابكة في الوظائف، إلى عمق المكونات المجتمعية، الدينية والمذهبية والقومية، وحتى العشائرية والمناطقية والأسرية، فعلى صعيد الأحزاب، تمكّن حافظ الأسد من تدجين الأحزاب القومية، العربية والكردية منها، وكذلك الأحزاب الشيوعية (ما عدا استثناءات قليلة غير مؤثرة)، سواء بضمّها إلى الجبهة الوطنية التقدمية التي أسسها لتكون وسيلة للتغطية على سياساته وقراراته الإشكالية، وأداته، في الوقت ذاته، للتحكّم بالأحزاب الأعضاء فيها مقابل فتات من الامتيازات السلطوية؛ أو عن طريق ربطها بمختلف الأساليب بتوجيهات الأجهزة الأمنية وتعليماتها وأوامرها. وفي الحالتين، كان استمرار النظام في نهج تشجيع الانقسامات، بل افتعالها، بموجب استراتيجية عامة كانت ترمي إلى تبديد أية إمكانية لظهور معارضة جادة قوية، تمتلك تأييداً ضمن الأوساط الشعبية. أما جماعة الإخوان المسلمين، فقد وجد فيها حافظ الأسد الخطر الأكبر على نظامه، ولذلك اختار أسلوب المواجهة المفتوحة معها، وذلك بعد أن تمكّن من جرّها إلى ميدان المواجهة، بفعل شعارات وممارسات طائفية، الأمر الذي مكّنه من شيطنة الجماعة، بعد أن أفلح في عملية عزلها عن الوسط السياسي السوري، وتحويلها إلى فزّاعة، تهدد الوحدة الوطنية السورية المزعومة، وذلك وفق ماكينته الإعلامية.

وبالتوازي مع هذه العملية، لجأ نظام حافظ الأسد إلى استمالة شرائح واسعة داخل مختلف

"تمكّن حافظ الأسد من تدجين الأحزاب القومية، العربية والكردية منها، وكذلك الأحزاب الشيوعية" المكوّنات المجتمعية السورية، ليكرّس لاحقاً مقومات الدولة الأمنية، وهي الدولة التي تناولها الراحل طيب تيزيني بكثير من التحليل المفصّل. ومن أهم المرتكزات التي استندت إليها هذه الدولة، الاستبداد العنيف المتوحش، والتشارك في غنائم الفساد والإفساد. والنتيجة التي ترتبت على ذلك، وتفاعلت عبر عقود طوال من حكم حافظ الأسد، تمثّلت في ظهور قوى هجينة وسط الجماعات الأهلية السورية ارتبطت بصورة عنقودية عضوية مع النظام، ولكنها ظلّت، على الصعيد المجتمعي العام، منفصلة غريبة بعضها عن بعض، الأمر الذي ساعد النظام في عملية التحكّم والتوجيه، واستخدامها لتكون بمثابة خط دفاعه الأول ضمن إطار كل جماعة أهلية من الجماعات السورية التي فرض عليها الولاءات ما قبل وطنية، على الرغم من تشدّقه بشعارات ما بعد وطنية، اتخذت طابعاً قومياً أحياناً، وقومياً اشتراكياً في أحيان أخرى، ومقاوماً ممانعاً في مراحل لاحقة.

وهكذا تمكّن حافظ الأسد من تكريس روحية الانقسام بين السوريين على أساس الانتماءات المجتمعية والمناطقية؛ فعلى الصعيد المجتمعي، وزّعهم بين المسلمين والمسيحيين، بين العلويين والسنة والدروز والإسماعيليين. بين العرب والكرد والتركمان والسريان. وعلى مستوى المناطق، اتسع الشرخ بين أهل الريف والمدينة، بين مناطق الداخل والمركز والأطراف. بين سكان العاصمة وتوابعها، بين سكان المناطق النائية وتلك القريبة من العاصمة والمدن الكبرى. ولم يكن هناك أي حديث عن مشروع وطني سوري عام، يكون بكل السوريين ولكل السوريين. مشروع ركيزته التطوير المتوازن لاقتصاد متكامل، يسعى القائمون عليه إلى الاستفادة العقلانية

"تمكّن حافظ الأسد من تكريس روحية الانقسام بين السوريين على أساس الانتماءات المجتمعية والمناطقية" من الإمكانات الموجودة، ويعملون على تأمين احتياجات الناس، ويحرصون، في الوقت ذاته، على فتح الآفاق المستقبلية أمام الأجيال المقبلة.

واللافت في الاستراتيجية الأسدية التي اعتمدت لتطويع المجتمع السوري، وسلبه أية إمكانية للاحتجاج والرفض، هو حرص النظام على كسب ودّ رجال الدين من مختلف الأديان والمذاهب والطوائف، إلى جانب الاستفادة من خدمات رجال الأعمال والتجار في المدن الكبرى، خصوصا في كل من دمشق وحلب، وربطهم بشبكات الفساد، وجعلهم موضوعاً للابتزاز. وإقامة العلاقات مع الزعامات القبلية والعشائرية بقصد جعلها مخافر حراسة أمامية ضمن وسطها، تدافع عن النظام، وتشكّك في أمر كل من ينتقد ويعارض، ويشكّل خطراً مستقبلياً على النظام. وهكذا بات المنتفعون السنة في مواجهة المتضرّرين السنة، والمنتفعون من العلويين في مواجهة العلويين المتضرّرين، كذلك بالنسبة إلى الدروز والإسماعيليين وبقية الطوائف. والأمر ذاته بالنسبة إلى المسيحيين، وكذلك الكرد الذين ظلوا في الخريطة السورية كتلة بشرية يتم تحديد هويتها من خلال الانتماء القومي، قبل أي انتماء آخر.

واستكمالاً لهذا الجهد التفكيكي، إذا صح التعبير، الذي بذله لترسيخ الانقسامات ضمن المجتمع السوري، لجأ نظام حافظ الأسد إلى تسطيح العقول عبر ماكينته الإعلامية الديماغوجية، وخفض المستوى العلمي للجامعات والمعاهد الأكاديمية، من خلال العبث بقواعد قبول الطلاب وإعداد الكادر التدريسي وتأهيله، والتحكم في البعثات الدراسية، الداخلية منها والخارجية، وفرض رقابة صارمة على التأليف والنشر والفعاليات الفنية؛ هذا إلى جانب ربط الأطفال السوريين والطلاب في مختلف المراحل الدراسية بالمنظمات التابعة لحزب البعث، وهو الحزب الذي اعتمد واجهة للتغطية على توجهات النظام وممارساته.

وعلى الرغم من البدايات الواعدة للثورة السورية التي أوحت بإمكانية تجاوز الحصيلة السلبية لكل الجهود التي كان النظام قد بذلها من أجل تشتيت السوريين، وذلك بهدف قتل روحية المبادرة فيهم، وسد الطريق أمام أية دعوة تطالب بمساءلة النظام ومحاسبته، إلا أن ما جرى لاحقاً، أن النظام حصل على دعم لا محدود من حلفائه، وعدم ارتقاء الدعم الذي كانت تقدمه من المجموعة الدولية التي أعلنت عن صداقتها للشعب السوري إلى مستوى تمكين السوريين

"لجأ نظام حافظ الأسد إلى تسطيح العقول عبر ماكينته الإعلامية الديماغوجية، وخفض المستوى العلمي للجامعات والمعاهد الأكاديمية" المناوئين لنظام الاستبداد والإفساد من تحقيق خطواتٍ نوعية، تفتح الطريق أمام ممارسة ضغوط فعلية ترغم النظام على القبول بإجراءات إصلاحية حقيقية، إجراءات تضمن حقوق السوريين، وتحترم كراماتهم.

ما تبلور، بعد مضي أكثر من ثمانية أعوام على الصراع داخل سورية وعليها، يبين أن تلك الجسور التي كان النظام قد بناها مع المستفيدين ضمن مختلف الجماعات الأهلية ستستمر في مهامها، وهؤلاء يعملون اليوم بمختلف الأساليب من أجل ترويج النظام، والدعوة إلى الإقرار بانتصاره، والتلويح بالمغريات للعودة إلى أحضانه. وغالباً ما يتخذ هؤلاء من المعارضة هدفاً لاتهاماتهم، هذا مع العلم أن كثيرين من هؤلاء قد تمكّنوا من التغلغل إلى داخل صفوف المعارضة نفسها، واستطاعوا، نتيجة غياب القيادة الوطنية المتماسكة، وفقدان الضوابط التنظيمية الصارمة، الوصول إلى مراكز مهمة، استغلوها لضرب المعارضة، والتشكيك فيها، وتوجيهها نحو مساراتٍ لم تجسد يوماً آمال السوريين، بل أثارت مخاوف وهواجس كثيرة، الأمر الذي أضعف التأييد الشعبي العارم للثورة، وأبعد فاعلين كثيرين عن مفاصلها. وتسبّب ذلك كله في مزيد من التراجعات، على صعيد زخم العمل المعارض وشعبيته. ودعم، في المقابل، مواقع الساعين من أجل تسويق النظام بمختلف الأضاليل والأباطيل.

ولكن هل تستمر الأمور هكذا، ويعود النظام ليتحكّم برقاب السوريين ومصائرهم، كما فعل نحو نصف قرن؟ سجلات التاريخ، ومعطيات الواقع، والتجارب الغنية التي اكتسبها الشباب السوري، كلها تؤكد أن الأمور ستتغير نحو الأفضل، عاجلاً أم آجلاً.

===========================

على ماذا سيفاوضون إيران؟

غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 30/7/2019

لم تعد معرفة مآلات الصراع التفاوضي بين أميركا وإيران تحتاج نظريات تفسيرية لتوضيح احتمالاتها، فقد فككت الأحداث المتواترة حقول الألغاز التي سوّرت هذا الصراع، منذ بداية اشتداده قبل شهرين، ورسمت خريطة طريق واضحه له، لا يبدو أن أحداً بات غافلاً عنها سوى العرب الذين سيكونون ضحايا هذا التفاوض، والذي للمفارقة يجري بوساطة عُمانية.

أصبحت الحرب وراء الطرفين وتجاوزتها الوقائع، ولم يعد ممكناً حتى استخدامها ورقة في مواجهة إيران، بل أصبحت بذاتها إحدى نقاط الضعف الأميركي والغربي عموماً، فالتقديرات الغربية كلها تذهب إلى أن الحرب ستكون بمثابة خيار انتحاري، ليس لإيران، بل للغرب نفسه، وليس بسبب قوّة إيران العسكرية وإمكانية تدفيع الغرب خسائر تفوق طاقته على الاحتمال، بل لأن إسقاط النظام الإيراني سيُحدث فوضى عارمة في الإقليم. والأخطر، سينتج عنه طوفان من اللجوء إلى أوروبا، أين منه اللجوء السوري الذي لم تتعاف بعد من ارتداداته، وبذلك تتحوّل إيران إلى مشكلة غربية، بدلاً من كونها مشكلة شرق أوسطية. وكان الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، قد أدرك هذا الأمر باكراً، وعمل على حل إشكالية الغرب مع إيران، وإعطاء

"إسقاط النظام الإيراني سيُحدث فوضى عارمة في الإقليم" الأخيرة الضوء الأخضر لإكمال مسيرتها بوصفها مشكلة شرق أوسطية.

حسناً، أين كانت تلك التقديرات الرصينة والعقلية الباردة في التعاطي مع الأزمة، قبل التورّط في رفع سقف التهديدات؟ في المنطق الدبلوماسي، عندما تطلق الدول الكبرى تهديداً ما بعمل عقابي ضد دولة أخرى، وخصوصا إن كانت قوّة من الدرجتين الثانية والثالثة، فإنه يتحتم عليها تنفيذ تهديدها، وإنزال العقاب المادي، ما لم ينصَع الطرف الآخر للشروط التي وضعتها، وإلا سيؤثر ذلك على هيبتها وقوتها ومصداقيتها الردعية، أو من الأفضل ألا يتم إطلاق التهديدات بشكل علني، وإيصالها عبر قنوات سرية بين الطرفين.

أثبت تاريخ الأزمات الدولية أن التهديد ثم التبريد سياسات فاشلة، وربما تشكّل فرصة للخصم لتطوير استراتيجيات المواجهة لديه، وهذا ما حصل بالنسبة لإيران التي يبدو أنها ستفرض خريطة للتفاوض، صممّتها من أخطاء الغرب، وستجبرهم على اتجاه وحيد في التعاطي معها، ذلك أن الخطأ الجسيم الذي ارتكبته إدارة الرئيس دونالد ترامب تمثّل بتوسيع قائمة الشروط التي ستفاوض إيران عليها، من دون حشد الموارد الكافية لدفعها إلى قبول التفاوض، ومن دون تحديد حدود التنازل المطلوب من إيران في لائحة تتجاوز عشر قضايا (أوراق) استطاعت إيران تجذيرها في السياسات الإقليمية والدولية.

إزاء ما يمكن تسميتها "فوضى" المطالب والشروط الأميركية، استخدمت إيران أسلوب

"أثبت تاريخ الأزمات الدولية أن التهديد ثم التبريد سياسات فاشلة" التموضع ضمن عناصر محدّدة، والتمترس فيها جيداً، وبناء قضايا متكاملة، ثم جعلها وجهة وحيدة للتفاوض. من ما زال يتذكر الشروط التفاوضية التي قدمها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو (قائمة 12 طلباً)؟ بل من ما زال يتذكر السبب الرئيسي للتوتر الذي كانت مياه الخليج ميدانه قبل أسابيع قليلة؟

استطاعت إيران مرّة جديدة حصر الغرب في التفاوض على قضايا من نوع تأمين سلامة النقل البحري والإفراج عن ناقلة بريطانية محتجزة في إيران مقابل الإفراج عن ناقلة إيرانية تحتجزها سلطات جبل طارق، أو التفاوض على تخفيض نسبة التخصيب والعودة إلى النسب المسموح بها. ومن المتوقع أن تطغى هذه العناصر التفاوضية على كامل مساحة التفاوض بين إيران والغرب، وأميركا من خلفه، وسيعني ذلك إسقاط بقية المطالب والشروط التي تشدّقت بها إدارة ترامب، وخصوصا النفوذ الإيراني في العراق وسورية، ما يعني ربحاً صافياً لإيران.

تدرك إيران أن لدى الدبلوماسية الغربية ثابتا في التفاوض مع إيران وإدارة الأزمات معها يتمثل في خوف الغربيين من أن يؤدّي الضغط على إيران إلى ترجيح كفّة المتشدّدين، وإزاحة المعتدلين عن مراكز صنع القرار، وقد استطاعت إيران ممارسة هذه اللعبة بطريقة ذكية جداً، كذلك اتباعها أسلوب تأجيج التوترات، بهدف توسيع الأزمة، وجر أميركا إلى الحوار، والخروج من المأزق الناجم عن الضغوط الأميركية القصوى.

هل خطّطت إيران لذلك كله؟ تنفي الوقائع والحيثيات هذه الإمكانية، فإيران تعاملت، منذ البداية، مع الأحداث من منطلق أزموي، لا تملك معه مساحة واسعة من الخيارات، لكن الأسلوب

"استطاعت إيران حصر الغرب في التفاوض على قضايا من نوع تأمين سلامة النقل البحري والإفراج عن ناقلة بريطانية محتجزة" الأميركي الفوضوي في إدارة الأزمة فتح لها مساراتٍ عديدةً، استطاعت توظيفها والاستفادة منها في سياق صراعها التفاوضي.

ما يعنينا في المنطقة هو معرفة الأضرار التي ستقع علينا في نهاية هذا الصراع التفاوضي، فالحرب تجاوزتها الأحداث، وأميركا ستدخل المعترك التفاوضي وبيدها الورقة الاقتصادية لا غير، فما هو الثمن الذي ستدفعه إيران، وما هو شرطها التفاوضي المقابل؟ مؤكد أن المفاوضات بين الطرفين ستكون سرية، إذ سيكون ممكناً للطرفين التوصل إلى نتائج ترضيهما عبر تبادل تقديم التنازلات، والالتقاء عند حلول وسط، تماماً كما حصل في المفاوضات التي أجريت في عهد إدارة أوباما، والتي ظهر في ما بعد وجود تفاهماتٍ سرّيةٍ سمحت لإيران بمد نفوذها في سورية، والحصول على ضوء أخضر للقضاء على الثورة السورية، بمعنى أنه ليست لدى الإدارات الأميركية مشكلة في دفع أثمان تفاوضها من كيس العرب، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل بقلق: على ماذا سيتم التفاوض هذه المرة؟

===========================

موقفنا : ملف اللاجئين السوريين المفتوح

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٢٥/٧/٢٠١٩

الولايات المتحدة وكلت بوتين بالملف السوري . وهو ما يزال منذ ٢٠١١ يقوم بالدور المطلوب منه . في ٢٠١٥ تعزز هذا الدور وتأكد وأصبح مباشرا وبوتينيا خالصا .

وما تزال الولايات المتحدة تنازع في بعض الجزئيات والرتوش إثباتا للحضور .

ليس هذا المهم هنا ، المهم أن بوتين منذ أواخر العام ٢٠١٨ حمل على كاهله في توضيب الحل في سورية ملفين ، أعلن عنهما وعمل على تسويقهما وما يزال هو ووزير خارجيته على مستوى العالم أو دوله التي تظاهرت بأنها ترى أن الوقت لم يحن بعد ..

استلمت جميعها رسالة بوتين بحفاوة ضمنية . وبعد أن كان اللاجئون ورقة أصبحوا عبئا . لا نتكلم عن لبنان ولا نتكلم عن بلد مستضيف بعينه ، وإنما نتكلم عن موقف دولي عام نأتي على بعض مؤشراته وتفاصيله .

وقبل الدخول في هذا يجب أن أوضح أن اللاجئين الذين فتح ملف إعادتهم وليس عودتهم هم اللاجئون السوريون وليس الفلسطينيين أصحاب المظلومية المزمنة ، التي لا يفكر أحد بفتح ملفاتها !!

اللاجئون السوريون الذين يدمر بوتين وقاسم سليماني وبشار الأسد بيوتهم فوق رؤوسهم ونسائهم وأطفالهم وليس كما نتنياهو الذي يدمر بيوت إخواننا الفلسطينيين ظلما وعدوانا ولكن بعد إخلائها من ناسها !!

أعود إلى المؤشرات الدولية التي تؤكد ان فتح ملف اللاجئين السوريين هو خطوة دولية على طريق الحل البوتيني المدعوم دوليا بإعادة السوريين الآبقين إلى بيت الطاعة الأسدي ، على قاعدة : نقتلكم أو نحكمكم . وبهدف تدعيم وتطعيم الزمرة الأسدية بمزيد من الطاقة البشرية بعد ان أفرغت سورية من سكانها . تابعنا خلال أسبوع مضى :

ندوة استماع في مجلس اللوردات في لندن حول ملف اللاجئين عقدت منذ يومين فقط .

في الوقت نفسه مبعوث بابوي إلى بشار الأسد ليطالبه بتحسين الظروف للمساعدة على إعادة اللاجئين .

الرسالة التي تزامنت وجاءت من جيزان كانت رعيبة لكل سوري حر : إلى أين المصير وقد أغلقت الأرض على السوريين أقطارها ؛ ثم لولا تلطف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان .

إن الحديث عن جزئيات في واقع اللجوء هو حديث ذرائعي محض .

والاستراتيجية الدولية وليس الإقليمية قد اتخذت قرارها .في دعم الخطوة البوتينية التي يمهد لها حرق وتجريف ما بقي من مناطق محررة.

ويبقى على القيادات المجتمعية السورية أن تتخذ قرارها في حماية وجودها

إسقاط كل الذرائع .

تصويب كل الأوضاع حسب مقتضيات القوانين المرعية في كل دولة .

العمل والإنجاز والاندماج على مستوى ، والتميز والمشاركة في عمل إيجابي لإنقاذ وطن نحن أهله .

استراتيجية دقيقة تحدد العدو في سورية : بشار بوتين قاسم . هم العدو فاحذروهم.

وسوى الروم خلف ظهرك روم

فعلى أي جانبيك تميل

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

ماذا يعرف السوري عن الاحتلال الروسي لسوريا؟

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 29/7/2019

تعب السوري من "الحكي" في أوصاف وأفعال الطغمة الروسية، وممارساتها العدوانية تجاه سوريا وشعبها؛ رغم ادعاء سلطتها عكس ذلك تماماً. أحبّ السوري البندقية الروسية وطائرتي "الميغ" و"السوخوي" روسيتي الصنع. كانت تلك الأدوات جزءاً من أمله في تحرير أرضه المحتلة؛ وإذ به يجدها بيد نظام الاستبداد مصوّبة إلى رأسه ومستقبله. بوتين أضاف إليها مئات الأصناف الجديدة من الأسلحة- لا بيد نظام الاستبداد- فقط، بل بيد الروس أنفسهم؛ كي يجربوها على أرض السوري وروحه؛ وآخر الأصناف "القنبلة الفيزيائية النووية المصغرة".

مع بداية الثورة السورية، أطلق مسؤول روسي رفيع تصريحاً يؤجج نار الطائفية؛ بقوله إن روسيا لن تسمح للسنّة بحكم سوريا؛ ومؤخراً عبّر آخر عن حقد تلك الطغمة الحاكمة في موسكو واستخدامها الطروحات الطائفية المريضة، عندما قال إن روسيا في سوريا لتحمي المسيحيين. ذكّرنا بحسن نصر الله الذي يقتل السوريين كي يحمي المراقد الشيعية المقدسة في سوريا.

من "أفضال" روسيا على السوري أيضاً استخدامها للـ "فيتو" كي تحمي كرسي الدم، ومن دمّر بيوت السوريين، وشردهم. يتذكّر السوري أيضاً تلك المفارقة العجيبة بأن تلك "القوة العظمى"، التي تساهم بتشريده، حريصة على عودته إلى بلده؛ لكنه يدرك أن وراء ذلك "الحرص" رسالة مفادها أن الأمور في سوريا بخير؛ والسوري يمكنه العودة. وهي ذاتها تعرف أن من قد يعود سيكون ضحية محتّمة للابتزاز أو الاعتقال أو الزج في مزيد من معارك النظام التي يستمر بقاؤه باستمرارها. لا تخدع السوري ما تُسمّى "مصالحات" يكون مصير الداخلين فيها أكثر بشاعة من مصير الذين تريد روسيا إعادتهم من اللجوء.

يعرف السوري بأن الروس كانوا مجبرين على تمرير القرارات الدولية الخاصة بإيجاد حل سياسي في سوريا- أكان بيان

سعت روسيا بشكل مستميت إلى عرقلة عمل- بل الإطباق على- كل ما من شأنه أن يفضح الجرائم التي ارتكبها النظام بحق المدنيين السوريين وخاصة المجازر

جنيف أو القرار 2254- إلا أن قادة روسيا عملوا ما بوسعهم إلى خنقها وإفراغها من مضمونها. وما اختراع مسار أستانا إلا لتتفيه مسار جنيف وإجهاض أهم بند في القرارات الدولية، ألا وهو / وقف إطلاق النار/، وتحويله إلى ما سمّته روسيا "مناطق خفض التصعيد" عملت على هتكتها كما تفعل الآن في اتفاق إدلب. ولمزيد من قتل العملية السياسية قامت بما في وسعها بضرب مصداقية المعارضة. وكانت سلفاً قد أخذت مجلس الأمن رهينة عبر استخدامها للفيتو.

سعت روسيا بشكل مستميت إلى عرقلة عمل- بل الإطباق على- كل ما من شأنه أن يفضح الجرائم التي ارتكبها النظام بحق المدنيين السوريين وخاصة المجازر، واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، خصوصاً الكيماوية منها. وتحول كل من لديه دليل أو توثيق لتلك الجرائم إلى عدو مبين لا بد من شيطنته ونسف مصداقيته. فرجال القبعات البيض أضحوا أعداءً لها. لم تكتفِ باستهدافهم معنوياً، بل كانت تتقصد قصفهم. والدليل على ذلك عدد الضحايا منهم نتيجة قصفها. وصلت بها الأمور في هذا الصدد إلى تجهيز شهود مغلوب على أمرهم تحت التهديد، وأحضرتهم إلى أحد جلسات الاستماع في أوروبا، لكي يشهدوا بما أرادت، وأراد النظام حول أحد مجازر الكيماوي.

على الصعيد العربي والإقليمي، سعت بكل وسائلها الابتزازية لتعويم نظام الاستبداد، ودفع بعض الدول العربية

في الداخل السوري، عملت روسيا على جعل روح بشار الأسد بيدها؛ وأوغلت بإضعافه من خلال التحكم بقطاعات من مخابراته، العصب الذي يعتمد عليه

لإعادة العلاقات الدبلوماسية معه. سعت بهذا الصدد أن تقنعهم بأن الأمور على ما يرام، ولم يبق إلا عودة اللاجئين، والشروع بإعادة الإعمار؛ والعقود بيدها. بكل وقاحة وفجور كانت دعواتها تلك تتواقت مع تهجيرها لآلاف السوريين. واتضح حتى للأعمى، أن من يريد عودة اللاجئين؛ لا يمكن أن يشن حملات إجرامية تقتلعهم من بيوتهم.

في الداخل السوري، عملت روسيا على جعل روح بشار الأسد بيدها؛ وأوغلت بإضعافه من خلال التحكم بقطاعات من مخابراته، العصب الذي يعتمد عليه؛ ومن خلال السيطرة على بعض القادة العسكريين؛ ليصبحوا علناً –كما يقال- محسوبين على الروس. وعلى الصعيد الاقتصادي، وضعت روسيا يدها على ما تبقى من مقدرات اقتصادية سورية؛ فأخذت الموانئ والفوسفات؛ وجففت ما كان لدى الدولة من نقد.

رافق كل أفعالها تلك حملات إعلامية من الخداع والكذب والتزوير تذكّر بإعلام "غوبلز" وزير إعلام هتلر. وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ تجد أنه ليس هناك مَن هو أكثر حديثاَ عن العملية السياسية، وضرورة الحل السياسي، من آلتها الإعلامية التي تنقل "غوبلزيات" مسؤوليها.

 هذا غيض من فيض الإجرام الروسي بحق سوريا وأهلها. لقد فاق وتجاوز ما فعلته روسيا بالشيشان، وغروزني تحديداً. كل ذلك، والدول الفاعلة "شقيقة كانت أم صديقة" لا تزال تمارس سياسة رفع العتب تجاه الإنسان السوري، وسياسة المداهنة والمداراة تجاه روسيا؛ وتقف مشلولة الإرادة تجاه هذه الهتلرية الجديدة.

الأدهى والأمرّ من ذلك مداهنة بعض السوريين أنفسهم للإجرام الروسي؛ وقبولهم بما تفعله روسيا من ذبح لإخوتهم وانتهاك لحرمة بلدهم. صعبة مهمة السوري السوري اليوم. ليس عليه فقط الخلاص من منظومة الاستبداد التي سدت آفاق حياته، بل عليه الخلاص من ربق الاحتلال الروسي، وتحرير بلده منه.

===========================

عن سفينة العرب الغارقة

برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 29/7/2019

يعيش العالم العربي، ومنه المشرق بشكل خاص، إحدى أكبر الأزمات التي عرفها في تاريخه الطويل، فهو يكاد يفتقر اليوم إلى أي إطار قانوني أو سياسي أو أخلاقي يضبط سلوك عناصره ومكوناته، وتكاد الفوضى أن تكون الكلمة الوحيدة المعبّرة عن نوعية العلاقات التي تجمع بين هذه العناصر والمكونات، سواء كان ذاك على مستوى الجماعات والمجتمعات أو على مستوى العلاقات بين الدول التي تتنازع فيما بينها على كل شيء، تثبيت وجودها، وأمنها ومواردها وموقعها الاستراتيجي والدولي، ومستقبلها القريب والبعيد معا. وما من شك في أنه كان لهذه الفوضى التي تضرب أطنابها اليوم في مجتمعات الشرق ودوله الدور الأول في إجهاض ربيع الثورات التي راهنت عليها شعوبه من أجل الخروج من المخانق والطرق المسدودة التي قادتها إليها نخبها وطبقاتها السائدة.

لم ينه هذا الإجهاض، كما أملت الطغم الحاكمة، هذه الأزمة التاريخية، ولم يحل أي مشكلة أو يرد على أي تحد من التحديات التي كانت تواجهها النظم والدول المهددة بالتفكّك والانحلال، ولكنه عمّقها، وزاد من تفاقمها، ودفع إلى تفجير الأوضاع، وربما خروجها عن السيطرة. وبدل أن يساعد الانقضاض على الانتفاضات الشعبية القوى الإقليمية، الآيلة جميعا للسقوط، على تحسين مواقعها وإنقاذ بعض رهاناتها، أو على حسم صراعاتها التاريخية المديدة، والحصول على مكاسب منتظرة، قادها على العكس إلى شفير الهاوية. وفي هذه الفوضى، لم يعد هناك بلد واحد قادر على الاطمئنان لأمنه أو الثقة بمستقبل اقتصاده واستقراره الاجتماعي والسياسي، سواء تعلق الأمر بتركيا أو بايران أو ببلدان الخليج العربي الغنية، فما بالك بالبلدان الفقيرة المترنّحة. وقد ساهم الانزلاق نحو المواجهات العسكرية في تسعير التنافس على الهيمنة

"يكاد بعضهم يحنّ إلى النظم الاستبدادية، ويعيد تثمينها وتثمين العسف والعنف الذي رافقها، على مبدأ: الكحل أفضل من العمى" الإقليمية، وهو يعمل على تحويل المنطقة بشكل أكبر إلى مسرح لتصفية الحسابات المعلقة بين الكتل الدولية الكبرى على الأرض المشرقية. هكذا اختطفت القوى الأجنبية تضحيات الشعوب العربية التحرّرية، وجيّرت من أجل تعديل موازين القوى في نظام العلاقات الدولية، وربما عودة نظم حكم الوصاية والانتداب السافر أو المقنع في بلدانٍ عديدة كانت "مستقلة".

(1)

كثيرون يُرجعون هذه الأزمة التاريخية، والفوضى العارمة التي تقود إليها على جميع مستويات الوجود الاجتماعي والاستراتيجي، إلى اندلاع الثورات العربية ذاتها، ويعتقدون أن الحل يكمن في استعادة المبادرة من النظم العسكرية والاستبدادية، وتجفيف ينابيع الأفكار الثورية التي يرونها متمثلة بشكل أكبر في هذه الحقبة في التيارات الإسلامية الرديكالية، بل في التديّن الاسلامي المحافظ ذاته، والذي تنظر إليه نخب عديدة اليوم على أنه يشكّل، في طبعته المتوترة الراهنة، أحد أخطر عوامل تقويض النظم الاجتماعية القائمة وتفجيرها. وأمام مشاهد التراجيديا الإنسانية التي تعصف بأكثر من مجتمع وبلاد، أصبح كثيرون من أبناء الشعب العاديين يندمون على الأوضاع السابقة، ويكاد بعضهم يحنّ إلى النظم الاستبدادية، ويعيد تثمينها وتثمين العسف والعنف الذي رافقها، على مبدأ: الكحل أفضل من العمى، وعيشة الذل والمهانة خير من معايشة المجازر، وقتل الناس بالجملة، وسلطة مليشياتٍ لا أحد يعرف كيف يمكن التخلص منها.

ويرمي آخرون مسؤولية ما يحصل من هذه الانهيارات على سياسة إيران العدوانية التي لا تخفي طهران تبنيها في سبيل توسيع دائرة نفوذها وانتزاعها موقع القيادة السياسية والعقائدية في الإقليم بأكمله، ولا تتردّد في الإعلان عن نيتها غزو ما أمكن من البلدان العربية، ووضع عواصمها في مرمى مليشياتها وصواريخها الاستراتيجية. وفي المقابل، يعود محللون إلى طروحات "الاستثناء العربي" القديمة، لتفسير ما يعتقدون أنه عجز متأصل لدى الشعوب العربية عن ملاقاة المدنية الحديثة، لأسباب ثقافية، وربما انعدام قابليتها للتطور والتغيير، لضعف تمثلها أو قدرتها على تمثل قيم الفردية، وما يرتبط بها من قيم الحرية والعدالة والمساواة وحكم القانون التي لا يمكن إحراز أي تقدم اجتماعي وسياسي من دونها. يقول لسان حال هؤلاء: هذه شعوب جاهلة وأمية أظهرت بسلوكها أنها غير مؤهلةٍ لمجاراة الشعوب

"يركز فريق على هشاشة الجغرافيا السياسية لدول المنطقة، ما جعل المشرق منطقة عبور وتقاطع مصالح استراتيجية لقوى ودول ومصالح كبرى" الأخرى المتقدّمة، ولا يزال أمامها سنوات وربما عقود طويلة قبل أن تصبح قادرةً على فهم معنى المدنية والحياة السياسية والأخلاقية السليمة، وتقبل حكومات ونظم ديمقراطية.

ويركز فريق آخر على هشاشة الجغرافيا السياسية لدول المنطقة، تلك التي جعلت المشرق منطقة عبور وتقاطع مصالح استراتيجية لقوى ودول ومصالح كبرى، ما يضعف قدرة شعوبها على تأكيد سيادتها واستقلالها وسيطرتها على مواردها وتحقيق الحد الأدنى من الانسجام والتجانس الديني والإتني داخلها. هكذا تبدو المجتمعات العربية في جميع هذه الحالات كأنها ضحية ساكنة لإرثها الديني أو الثقافي أو الجغرافي أو الأقوامي الذي يحرمها من إمكانية استيعاب قيم المدنية الحديثة، وبناء قدرات ذاتية تعزّز استقلالها وسيادتها، ومن بلورة إرادة مستقلة خاصة بها، وليس لها غنى ولا مهرب من التعايش مع واقعها، بانتظار أن تقرّر الدول والأحداث مصيرها في مستقبل قادم. ولن تقودها الثورات إلا الى مراكمة مزيد من الخسائر والانهيارات.

والحال، على العكس مما ذكر، لم يكن اندلاع الثورات الاجتماعية، وانتشار الشيع الدينية المتطرّفة والأقل تطرّفا، وتدهور قيم الثقافة المدنية والأخلاق الاجتماعية، وانتشار الحروب والنزاعات الإقليمية، إلا النتيجة الطبيعية والمنتظرة للأزمة التاريخية ذاتها، لا المتسبّبة بها، فما تعيشه مجتمعاتنا هو ثمرة ثلاثة إخفاقات كبرى، لا يمكن أن يستقر مجتمع بوجودها. الأول هو الإخفاق في بناء الدولة ذاتها، من حيث هي تجسيد مؤسّسي لرابطة سياسية اجتماعية وطنية، تعيد بناء العلاقات بين الأفراد على أساس القانون الواحد والمواطنة المتساوية والحريات الفردية التي يفقد الإنسان بغيابها استقلاله الشخصي، وبالتالي كرامته، ولا تقوم دولة اليوم وتستقر من دونها. والثاني الإخفاق في التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تعني اليوم توفير فرص العمل لملايين الشباب، وفتح آفاق الحياة الاجتماعية المرضية والمنتجة أمامهم، وهو ما لا يمكن تحقيقه من دون النجاح في ولوج الثورة الصناعية والعلمية والتقنية. ومعظم الصراعات الدولية تدور حول الحصول على الموارد التي تسمح بتعظيم وتائرها، وزيادة فرص العمل وتحسين مستوى جزاءاتها من الأجور والمرتبات. والثالث ضمان الأمن والسيادة والاستقلال والحماية من الاعتداءات والتهديدات الخارجية التي لا يمكن لدولةٍ أن تكسب السيادة والشرعية، وبالتالي الصدقية والولاء، من دونها.

أمام هذه الإخفاقات التاريخية الكبرى، فقدت المجتمعات أي أمل في الدولة والنخب الحاكمة والسائدة في بلدانها، ولم تعد تثق بأن هناك من يمثلها ويدافع عن مصالحها وحقوقها وكرامة أبنائها واستقلالهم، لا في الداخل ولا في الخارج، لا بين المثقفين ولا بين السياسيين، فأصبح القلق على المستقبل وانعدام الثقة والأمن واليقين ثقافةً سائدةً لدى شعوبنا، وتربة خصبة لروح التمرّد والاعتراض والاحتجاج والهرب من القانون، بمقدار ما تحول القانون ذاته إلى أداة لتأبيد سلطة النخب الحاكمة، وأصبحت السلطة ذاتها مساويةً في الذهن والواقع معا للعنف والعسف والقهر والاحتقار، وتحولت السياسة من تأسيس لمبدأ الحرية والمشاركة في القرارات المصيرية إلى شرعنة لمبدا القمع الممنهج، بهدف تدجين الأفراد وضبط سلوكهم وتنظيمه، من خلال

"ستستمر أزمات مجتمعتنا فترة طويلة، ولن تقتصر على تفجير ثورات ونزاعات وحروب، وتهجير ملايين البشر كما حصل" ترسيخ ردود الفعل المطلوبة عندهم، أي تأهيلهم للعبودية والطاعة من خلال العقاب والثواب.

هكذا أصبح العالم العربي، نتيجة هذه الإخفاقات، والخيارات التي قادت إليها، أكبر مصدّر للأيدي العاملة العاطلة عن العمل خلال العقود الخمسة الماضية، وأول منتج للحركات الراديكالية والمتطرّفة، بصرف النظر عن العقيدة التي تشرعن بها تمرّدها وانشقاقها، وأعظم مورد للاجئين الذين يقفون، منذ إجهاض ثورات الربيع العربي، بالملايين على أبواب أوروبا، وفي الواقع جميع الدول، هربا من الجحيم، وأملا في دخول أي جنة موعودة. بينما أدى العجز عن بناء استراتيجية وطنية ناجعة للدفاع عن المصالح الوطنية وحماية المجتمعات من التهديدات الخارجية واستمرار الاعتماد على حماية الغرب والالتحاق به إلى فقدان أيٍّ من معاني الاستقلال، وفي النهاية إلى التسليم لاسرائيل والرهان على حماية من كان من المفروض أن تبنى القوة لمواجهة عدوانه، بينما لم يبق للأجيال الجديدة لضمان مستقبلها سوى الرهان على فتات اقتصاد ريعي وتوزيعي تحرّكه شهوة مراكمة المال والثروة لدى الحاكمين وحاشيتهم، ولا تفيد منه إلا فئة صغيرة، لقاء قبولها الولاء والاستزلام والخضوع لسياسات هدفها الوحيد إخضاع الشعوب، والحصول على استسلامها، والقضاء على أي أمل بإطلاق مشاريع تنمية اقتصادية واجتماعية ناجعة، تضمن الحد الأدنى من حقوق الأفراد ومستقبل الأجيال الجديدة من الشباب، وتأهيلهم للحياة، ودمجهم في مجتمع حي ومتضامن.

هذا يعني أن مواجهة الأزمة المشرقية المتفجرة يستدعي العودة إلى التفكير في الخيارات الهزيلة والخاطئة التي تبنتها النخب الحاكمة في المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والدينية، ثم إصرارها على رفض النظر فيها أو مراجعتها، واستعدادها لخوض الحرب دفاعا عنها، كما أظهرته سياسات قمع الانتفاضات الشعبية ووأدها حية في أكثر من موقع وبلد، فبمقدار ما قادت هذه الخيارات إلى مآزق وانسدادات واختناقاتٍ لا مخرج منها، جعلت من اندلاع الثورات والنزاعات الأهلية المتنفس الوحيد والحتمي للضغوط والتوترات الداخلية، ومن تنمية ثقافة العنف والتطرّف والتشدد الديني والعلماني، وتسييس العقائد الدينية أيضاً، عند

"لم يبق للأجيال الجديدة لضمان مستقبلها سوى الرهان على فتات اقتصاد ريعي وتوزيعي تحرّكه شهوة مراكمة المال والثروة لدى الحاكمين وحاشيتهم" شريحةٍ واسعةٍ من الأوساط الاجتماعية المزنوقة والمهددة في كرامتها وشروط حياتها. وهذا هو أيضا السبب في تراجع القيم المدنية، وتنامي نزعة العدوان والإقصاء وتراجع قيم الألفة والمودة والحوار والتواصل والمسايرة. والفراغ الروحي والمادي والاستراتيجي، أي فراغ القوة الذي قادت إليه هذه السياسات الكارثية، هو الذي حوّل الموقع الجيوسياسي المتميز والحيوي، الذي بنت عليه مجتمعات المشرق، منذ أقدم العصور، ازدهارها وتفوقها الروحي والمدني والأخلاقي، إلى مصدر هشاشة مدمّرة للاستقلال والسيادة، وفرض على أصحابها خيار التبعية والالتحاق بالقوى الأجنبية خسارة احترام العالم لها واحترامها نفسها. وهذا ما أوحى لقادة الحكم التيوقراطي في طهران أيضا بأن الفريسة الخائرة أصبحت جاهزة للالتهام، وأنه من حطام الدول العربية يمكنها تأسيس إمبراطورية تاريخية كبرى على منوال إمبراطوريات القرون الوسطى الفانية.

(2)

ينطبق هذا على البلدان العربية بشكل خاص، لكنه ينطبق أيضا على إيران التي فضلت السير في طريق الغطرسة القومية والدينية والتضحية بمستقبل شعوبها وحقوق أفرادها من أجل أوهام سيطرة إقليمية مستحيلة، والطمع في الوصول إلى موقع العالمية، والمشاركة في القرار الدولي الذي تعتقد أنها تستطيع، من خلاله، زيادة مواردها وتأكيد شرعية وجودها واختياراتها. والحال لم تكن النتيجة الملموسة لهذه السياسات حتى الآن، ولن تكون سوى التدمير المنظم للمنطقة بأكملها، وهدم الدول على رؤوس أبنائها.

لن تخرج المنطقة وبلدانها ومجتمعاتها من حقبة الانتفاضات والثورات والقلاقل والاضطرابات والعنف بكل أشكاله، ما لم تدرك "قياداتها"، إذا كان لا يزال من المشروع أن نتحدّث بعد عن قيادات، جوهر هذه الإخفاقات الكبرى ومعناها وآثارها، وما لم تركّز جهودها على استدراك ما فاتها منها، ووضع الخطط وتوفير الموارد وبلورة السياسات الناجعة والتحالفات الإقليمية والدولية الضرورية أيضا للخروج من الهوّة التي سقطت فيها المنطقة ونظمها وسياساتها، وإخراج مئات الملايين من شبابها المنذورين للبطالة الدائمة والبؤس والتعتير، من حالة اليأس وانعدام الأمل والقنوط التي تشكل الثدي المرضع لحركات التطرّف الدينية وغير الدينية، وللجريمة المنظمة القادمة.

هذا الكلام ليس موجها إلى سلطاتٍ قائمةٍ فقدت شرعيتها وعلاقتها بشعوبها، ولم تعد تعرف وسيلة أخرى للبقاء والاستمرار إلا العنف، ودفن أحلام شعوبها بكل الوسائل، وقطع الطريق عليها للقيام بأي نشاط أو حركة لتغيير أحوالها، ودفعها بالقوة إلى الهجرة والارتحال واستخدام مهاجريها وسيلةً للابتزاز السياسي للدول الغربية، حتى تستمر في دعمها وتأييدها. إنه موجهٌ، بالدرجة الأولى، إلى قادة الحركات والأحزاب والقوى الجديدة الناشئة التي ولدت من روح الثورات العربية، ولا تزال تنبض بشعاراتها وقيمها وتطلعاتها، حتى لا تغيب المسائل التي تطرحها هذه الإخفاقات عن ذهن الأجيال الجديدة القادمة، وتدرك حجم التحدّيات التي تواجهها، والمهام التي تنتظرها لتحقيق حلمها في بناء دولة ديمقراطية حرّة لجميع مواطنيها.

فعلى دولة الديمقراطية المنشودة يقع عبء مواجهة نتائج هذه الانهيارات، ووضعها منذ الآن في حساباتها والتفكير في بناء الجبهة الداخلية القوية والعريضة، وتوسيع دائرة التحالفات الخارجية، التي لا غنى عنها جميعا لتجاوز آثارها. وعلى قوى الديمقراطية ألعربية أن تدرك، منذ الآن

"نشهد اليوم الثمن الباهظ للقبول الطويل بالأنظمة الاستبدادية ولإجهاض انتفاضات الربيع العربي" أيضا، أن فشلها في إيجاد الحلول الناجعة لهذه الاختناقات المادية والمعنوية في بنية المجتمعات وشروط وجودها وأمنها ووسائل عيشها يعني نهاية الخيار الديمقراطي ذاته، واحتمال أن تتبنّى النخب السياسية الجديدة سيرة أسلافها، بعد أن تستخدم الثورات العديدة القادمة منصة للوصول إلى السلطة، وتطبيق النمط ذاته من السياسات الضعيفة والضيقة الأفق، والاستفادة من كرسي الحكم لتأسيس أمجاد شخصية فارغة.

لكنه كلام موجّه أيضا إلى المجتمعات الغربية، والأوروبية منها خصوصا، التي سوف تعيش منذ الآن في هوس المواجهة الدائمة لموجات المهاجرين الباحثين عن مورد رزق وحياة نصف كريمة أو ربع كريمة، والذين لن يتأخروا كثيرا قبل أن يغزوا بالملايين ترابها، لعلها تدرك أن إعادة تدوير الأنظمة المافيوية والاستبدادية والعسكرية لم يعد سياسةً ناجعة، وليس من الممكن بناء جدار على طول المتوسط على منوال جدار الفصل العنصري في إسرائيل، أو الجدار الفاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك، ولن تجد في مثل هذه الأساليب أي حمايةٍ ممكنةٍ لحدودها، ولا طريقة فاعلة لضبط سلوك المجتمعات، وتحييد مخاطر انفجاراتها.

لن يتوقف في القريب ما تعيشه مجتمعاتنا من أزماتٍ ملتهبة وانهيارات متواترة، ولكنه سوف يستمر فترة طويلة، ولن يقتصر على تفجير ثورات ونزاعات وحروب، وتهجير ملايين البشر كما حصل، ولكنه سوف يكون المولد لمفاجآت كثيرة غير متوقعة، أو من الصعب جدا التفكير في إمكانها الآن. هذا هو الثمن الباهظ للقبول الطويل بالأنظمة الاستبدادية ولإجهاض انتفاضات الربيع العربي التي كانت ربما الفرصة الأخيرة لانتشال سفينة العرب الغارقة.

===========================

ما ينقذ مجتمعاتنا المشاريع الوطنية لا تحالف الأقليات

 عبد الباسط سيدا

القدس العربي

الاحد 28/7/2019

مصطلح الأقلية لا يثير عادة في الميدان السياسي المشاعر السلبية ذاتها التي يثيرها استخدامه في الميدان المجتمعي، خاصة في مجتمعات لم تمتلك بعد القواعد والإجراءات القانونية الكافية التي من شأنها الإسهام في ترسيخ ثقافة احترام الآخر المختلف. فالأقلية المذهبية أو القومية أو الدينية محكومة لدينا بالمتغيرات والتبدلات التي تطرأ على أمزجة الحكام، وميول الناس، وذلك تبعاً لمتغيرات الوقائع، ونتيجة التحوّلات الأيديولوجية، لا سيما في ظل مناخات هيمنة الهيستريات الشعبوية بهوياتها المذهبية والدينية أو القومية المختلفة.

فالأكثرية المجتمعية، إذا صح التعبير، بصرف النظر عن طابعها الديني أو القومي، ترى في بلادنا أن من حقها إبعاد الآخرين، والتفرّد بمقدرات السلطة والثروة، وفرض النمط الثقافي، وحتى التوجه السياسي. أما الآخر المختلف، فعليه أن يقبل بعملية الصهر ووضعية التبعية، أو الصمت والقبول بما يتعرض له من اجحاف على صعيد الحرمان من الموارد والفرص وسائر الحقوق؛ بل والاستعداد لتحمّل صنوف من الاضطهاد، تمارسها الأكثرية من موقع صاحب الحق المشروع. وفي حالات غض النظر عن جملة من “التساهلات” هنا وهناك بخصوص ممارسة خجولة لحقوق مشروعة أصلاً، يتم تسويق ذلك على أنه مِنّة أو مكرمة من قبل “صاحب البيت الشرعي” الذي يحق له سلب تلك المكرمات أو الهبات في أية لحظة، طالما أنها غير محمية بأي إطار قانوني حقوقي، أو تفتقر إلى المرتكزات القويمة القوية في الثقافة الشعبية السائدة.

هذه الوضعية لها تاريخها في منطقتنا، تاريخ يعود إلى مراحل قديمة سبقت الإسلام. ولذلك فمن الاجحاف أن يعمد بعضهم إلى ربط هذا الموضوع بالإسلام تحديداً، أو بتعبير آخر، تفسيره من خلال المراحل التي أصبح فيها الإسلام عقيدة الدولة ودستورها.

ومع التقسيم الذي شهدته منطقتنا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وظهور “الدول الوطنية”، وفي أجواء انتشار الأيديولوجيات القومية، لم يعد مصطلح الأكثرية مخصصاً للأكثرية الدينية، بل باتت الأكثرية القومية هي الأخرى من الظواهر الشائعة، الأمر الذي ربما وجد فيه العديد من غير المسلمين ملاذاً يحميهم من مفاجآت وتحولات الميول والرغبات والمواقف ضمن الأكثرية الدينية.

وفي سوريا والعراق، تمكّنت الأقلية المذهبية من السيطرة على زمام الدولة تحت يافطة الأكثرية القومية بنسختها البعثية.

ففي العراق، سيطر نظام صدام حسين، الذي كان يُنظر إليه بوصفه يمثل السنة، في حين أنه في حقيقته كان “نظام مجموعة”، لم يتعد نطاقها حدود القرية أو العشيرة في أحسن الأحوال.

وفي سوريا، فقد تمكّن “نظام حافظ الأسد” من الهيمنة، هذا النظام الذي اتخذ منحى طائفياً عبر اتخاذه الطائفة العلوية أداة لترسيخ سلطة أسرته بالمعنى الواسع، تمهيداً لفرض بدعة التوريث في نظام جمهوري يتخذ من العقيدة القومية الاشتراكية أيديولوجية يستمد منها المشروعية التي فصّلها وفق مقاساته.

والغريب اللافت هو أن النظامين، نظام صدام حسين ونظام حافظ الأسد، كانا يستندان إلى شرعية الحزب القومي ذاته، لتغدو الدولة في عهدهما مجرد أداة بيد أقلية مجتمعية، تفتك بالمكونات الأخرى.

ومع سقوط الأول عام 2003، وترنّح الثاني في ربيع عام 2011، تغيّرت الأوضاع والتوجهات بالنسبة إلى القوى السياسية التي سوّقت نفسها بوصفها تمثل الأغلبية المجتمعية مذهبياً، أو مذهبياً وقومياً. ففي العراق، بدأت الأحزاب التي اتخذت من المظلومية الشيعية أيديولوجية تعبوية لها بممارسات انتقامية تحت شعار سياسة “اجتثاث البعث”، واستهدفت بذلك الكوادر والنخب العربية السنية، بل عمدت إلى تهميش المناطق العربية السنية، وسلبها امكانية التأثير في التوجهات السياسية للدولة العراقية وقراراتها المصيرية.

أما في سوريا، فقد اتخذ النظام، بالتنسيق مع راعيه وداعمه الإيراني، قرار مواجهة السوريين المناهضين لحكمه الفاسد المستبد، ولجا إلى استراتيجية الربط بين الثورة السورية والإرهاب عبر الإسهام في صنع وتسويق المنظمات الإرهابية، مثل جبهة النصرة وداعش. وقد استفاد كثيراً من أخطاء المعارضة السورية التي لم تبادر إلى اتخاذ الموقف المناسب في الوقت المناسب، إذ لم تعبر عن رفضها وادانتها لتوجهات تلك المنظمات، بل اعتقدت مجموعة من الفصائل الإسلامية المعتدلة التي كانت جزءا من المؤسسات التي كانت تمثل الثورة السورية، خاصة المجلس الوطني السوري، وفصائل الجيش الحر، أن في مقدورها الاستفادة من “انجازات” تلك القوى المتطرفة، خاصة جبهة النصرة، وتوظيفها سياسياً لتقوية مواقعها ونفوذها ضمن المؤسسات المعنية، والاستعداد لمرحلة ما بعد سقوط النظام بهدف تعزيز مواقعها في سوريا المستقبل.

وكل ذلك كان يسوق عبر شعارات لا تُطمئن السوريين. شعارات تدعو إلى إعادة الاعتبار للأكثرية العربية السنية، وتغازل النزعات الانتقامية التي كان البعض يعلن عنها في سياق تحديد الموقف من النظام والطائفة العلوية على وجه العموم. هذا في حين أن الجميع يعلم بأن النظام له امتدادات بين جميع الطوائف والمكونات السورية، مع تركيزه بصورة أساسية على العلويين.

وفي مواجهة تطلعات الأكثرية المجتمعية نحو الهيمنة والسيطرة وإقصاء الآخرين، سواء تلك التي هي في الحكم (حالة العراق)، أو تلك التي تسعى إلى الحكم (في الحالة السورية)، برزت دعوات تطالب بتحالف الأقليات بهدف الحد من المخاطر المترتبة على حكم الأكثرية الحالي أو المستقبلي الاحتمالي. وقد انساقت أطراف لبنانية أيضا خلف هذا الشعار الذي يؤسس لمرحلة طويلة من الصراعات المجتمعية مستقبلاً، ولن يساعد المكوّنات المجتمعية المتعددة التي تشكل ماهية مجتمعاتنا على التوافق حول مشاريع وطنية تكون بالجميع وللجميع. وذلك عبر الاعتراف بالخصوصيات والحقوق، وإقرار ذلك دستورياً، وتعزيز الثقة المتبادلة بين مختلف الأطراف من خلال الممارسات الواقعية، وضمان حق المشاركة في اتخاذ القرارات على جميع المستويات المحلية والوطنية، وتحديد الآليات التي ستُعتمد لدى بروز الخلافات.

أما الحديث العام عن المشروع الوطني الذي يقوم على مفهوم المواطنة المجرد، ومن دون اي تحديد أو بيان لضرورة احترام الخصوصيات القومية والدينية والمذهبية، والاعتراف بالحقوق المترتبة عليها دستورياً، فإن ذلك لن ينظر إليه إلا بوصفه صيغة من صيغ المجاملات الخاوية من أي مضمون واقعي. مجاملات لا تطمئن أحداً، بل تثير الكثير من الشكوك والهواجس، وتعزز مواقع أصحاب المشاريع ما قبل الوطنية.

إن الدعوة إلى المشروع الوطني لتجاوز الأزمات العميقة التي تشهدها دول المنطقة، وما يبدو في ظل ظروف الاستقطاب الحاد الناجم عن الصراعات والخلافات الداخلية، والارتباط بالمشاريع الإقليمية والدولية، ربما تبدو وكأنها رؤية أو مبادرة رومانسية حالمة. ولكننا إذا أجرينا مراجعة موضوعية هادئة وعقلانية لمسار الأحداث التي شهدتها منطقتنا منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وتفاعلاتها إلى يومنا الراهن، ندرك أن الحل يتمثل في التوافق على تحسين قواعد العيش المشترك على اساس احترام الآخر المختلف، والإقرار بحقوقه في دستور يطبق على أرض الواقع، ولا يظل مجرد مادة إعلامية دعائية تزيينية تفتقر إلى أدوات التطبيق.

الحروب والعداوات التي شهدتها منطقتنا قد أرهقت الجميع، وكلّفتهم الكثير من الآلام والعذابات. ولا يمكننا تجاوز الوضعية الحالية بالمزيد من الانتقام والأحقاد. بل ما نحتاج إليه هو العمل المشترك من أجل مستقبل أفضل لأجيالنا المقبلة، على أمل أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها الحديث عن الأكثرية والأقلية مقتصراً على المعنى السياسي وحده دون غيره.

* كاتب وأكاديمي سوري

===========================
لا خير ينتظره السوريون من أستانا 13

عبدالباسط سيدا

جيرون

السبت 27/7/2019

اجتماع مسار أستانا الثالث عشر الذي سينعقد، في الأول والثاني من شهر آب/ أغسطس المقبل، في العاصمة الكازاخية: أستانا/ نور سلطان، وسيشارك فيه -إلى جانب الأعضاء الأساسيين: روسيا وإيران وتركيا- كلٌّ من لبنان والعراق لأول مرة، لن يكون حاسمًا، بناءً على المعطيات والمؤشرات المتوفرة حاليًا، وتلك التي يمكن استنتاجها من جملة المتغيّرات واللقاءات التي تمحورت في الآونة الأخيرة حول الموضوع السوري؛ ولكنه سيكون محطة رئيسة ضمن المسار المعني، بالنسبة إلى الأطراف الأساسية المشاركة، وليس بالنسبة إلى الشعب السوري الذي ينتظر حلًا لمحنته، التي لا توجد حتى الآن بوادر توحي بإمكانية الوصول إلى حل مقبول بشأنها.

الطرف الإيراني يتوجه إلى أستانا، وفي ذهنه تحويل مسارها إلى صيغة من التحالف النفعي المبني على تقاطع المصالح بين الأطراف المشاركة، على أمل تخفيف الضغط الناجم عن العقوبات الاقتصادية الأميركية، والتحشيدات العسكرية ولا سيّما الجوية والبحرية منها.

وعلى الرغم من السياسة التصعيدية التي يلجأ إليها النظام الإيراني في مواجهة الإجراءات الغربية، خاصة الأميركية منها والبريطانية، فإن النظام المعني يدرك جيدًا أن موازين القوى ليست في مصلحته، وأن العمليات الاستعراضية، والخطابات الشعاراتية النارية، لن تؤثر في مستجدات الأحداث، في حالة وجود إرادة غربية جادة تستهدف الحد من مخاطر التخريب الإيراني في المنطقة، هذا التخريب الذي كان نتيجة سياسة غض النظر التي اعتمدتها إدارة أوباما، تجاه تمدد إيران في دول المنطقة، سواء عبر القوات الإيرانية نفسها أم عن طريق تلك الأذرع العسكرية التي شكّلتها ودعمتها وتشرف على قيادتها.

فالنظام الإيراني يدرك أهمية موقع تركيا ودورها الإقليمي، ويحاول من خلال أستانا كسب الود التركي، وإنْ كان ذلك مقابل عدم تهديد المناطق السورية التي تشكل منطقة نفوذ تركية، خاصة في ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي. أما الحديث عن السيادة السورية، وحرمة الأراضي السورية فهو من الكلام العبثي التضليلي، لأن سورية لم تكن يومًا -بالنسبة إلى النظام المعني- بلدًا له حرمته وسيادته. وإنما كانت ميدانًا للتمدد والتوسع، وساحة لتصدير الأزمات الداخلية عبر الإيهام بانتصارات خارجية كبرى. ولهذا لن يجد هذا النظام أي حرج في التفاهم مع قوى إقليمية كبرى كتركيا، وبرعاية قوة دولية كبرى كروسيا، حول تقاسم المصالح ومناطق النفوذ في سورية، طالما أن ذلك يفسح المجال أمام النظام المعني للتحرك بشيء من الحرية وسط أجواء التضييق التي يفرضها عليه الغرب على مختلف المستويات.

أما بالنسبة إلى تركيا، فالوضع ربما كان أكثر تعقيدًا، نظرًا لتعددية الاحتمالات، وصعوبة الخيارات. فتركيا على الصعيد الداخلي تعاني أزمة بنيوية عميقة لم تعد مظاهرها الواضحة من الأسرار التي لا تُعرف عنها. فهي تشكو من أزمة سياسية داخلية ضمن حزب العدالة والتنمية نفسه، وأزمة سياسية وطنية على صعيد ميزان القوى، بين حزب العدالة من جهة وبين المعارضة المتمثلة بصورة خاصة في حزب الشعب الجمهوري، إلى جانب حزب الشعوب الديمقراطي من جهة أخرى. وقد تجلت هذه الأزمة بصورة واضحة في انتخابات الإعادة التي كانت على رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، وفاز فيها مرشح حزب الشعب الجمهوري بأغلبية مريحة، الأمر الذي دفع بالرئيس أردوغان إلى الاعتراف بالخسارة، ودعوته إلى إجراء مراجعة الأسباب والمقدمات التي أدت إلى ذلك.

هذا بالتزامن مع جهود تبذل من قبل كل من علي بابا جان، وأحمد داوود أوغلو، وغيرهما من قادة حزب العدالة التنمية المعروفين، لتشكيل حزب أو أحزاب خارج نطاق حزب العدالة والتنمية، الأمر الذي سيشكل ضغطًا إضافيًا على حزب العدالة والتنمية، وعلى الرئيس أردوغان شخصيًا، وذلك إلى جانب الموضوعات الخاصة بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو، وموضوع صفقة صواريخ إس 400 وطائرات إف 35. أما الموضوع الأهم الذي يقضّ مضاجع حكومة العدالة والتنمية، فهو يتمثل في الدور التركي في الشمال السوري، وموضوع شرقي الفرات على وجه التحديد.

وكل هذه الموضوعات هي ملفات عالقة غير محسومة، ما زالت مادة للأخذ والرد بين الجانبين التركي والأميركي. وهناك مساع حثيثة تبذل من أجل الوصول إلى حلول وسط، أو حتى أنصاف حلول، من أجل مراعاة مصالح الطرفين. فالطرف التركي يتوجه إلى هذا الاجتماع، وباله مشغول بنتائج المفاوضات والمباحثات الجارية مع الجانب الأميركي، بخصوص إمكانية الوصول إلى توافقات حول مختلف الموضوعات (هذا رغم الإعلان عن عدم التوصل إلى توافقات خلال زيارة جيمس جيفري الأخيرة)، ولعل هذا ما يفسر بعض الشيء تطورات الموقف في منطقتي إدلب وحماة. وما يستشف من التطورات هو وجود تفاهمات أميركية – تركية، حول عدم تسليم زمام المبادرة إلى الروس والإيرانيين في المنطقة المعنية، لتكون ورقة قوية تستخدم في سياق أي تفاهمات مستقبلية بين الروس والأميركيين. وهناك مؤشرات يستنتج منها وجود إرهاصات لمثل هذه التفاهمات، خاصة بعد الاجتماع الأمني الثلاثي الرفيع المستوى الذي عُقد أخيرًا في القدس بين كلٍّ من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وإسرائيل. ورغم عدم تسرب معلومات أكيدة حول ما دار في الاجتماع، أو ما تم توصل إليه، فإن الهجمات الإسرائيلية المركزة على المواقع الإيرانية في سورية بعد الاجتماع المذكور، والغارات الأميركية على موقع أو مواقع في منطقة إدلب، تؤكد وجود تفاهمات تفسح المجال أمام المزيد من التنسيق في حركة مرور الطائرات، وتقاطع مساراتها بين الأطراف المتدخلة في الشأن السوري.

وفي هذا المجال، يمكن تفسير اغتيال الدبلوماسي التركي في أربيل، بأنه ربما يكون رسالة من قبل بعض الجهات المتضررة من إمكانية أي تفاهم تركي – أميركي، ليس بمستبعد، رغم كل التشدد في التصريحات الإعلامية التي نسمعها هنا وهناك.

وعلى الجانب الآخر، فإن الوفد التركي سيحاول استخدام لقاء أستانا ليكون منصة يلمّح من خلالها إلى إمكانية وجود البديل الآخر، المتمثل في المحور الروسي – الصيني، الذي سيعوضها من الانتكاسات التي مُنيت بها تركيا بفعل الإخفاق في عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والجو المتوتر الذي هيمَن على علاقتها مع الجانب الأميركي نتيجة اعتماد هذا الأخير على قوات حزب الاتحاد الديمقراطي، التابع لحزب العمال الكردستاني، الذي هو في حرب مفتوحة مع الدولة التركية، خاصة بعد توقف العملية السلمية التي كانت موضع ارتياح مختلف الأطراف التي تريد الخير لتركيا وكردها.

أما الطرف الروسي، فربّما كان في وضعية مريحة أكثر، مقارنة مع الطرفين الآخرين الذين سيشاركانه اجتماع أستانا المقبل. وتفسير ذلك يتمثل في إدراكه لماهية حاجة كل من إيران وتركيا إلى التفاهم معه، والاستقواء باستمرارية اللقاءات وحصيلتها. ولكنه يدرك في الوقت نفسه أن مصير الوضع السوري النهائي ستقرره الإدارة الأميركية، بالتفاهم مع الجانب الإسرائيلي. لذلك يحرص على استمرارية التنسيق مع الجانب الإسرائيلي، ويعمل من أجل المزيد من التفاهمات مع الجانب الأميركي. هذا ما كان واضحًا في اجتماع القدس الأمني، واجتماع القمة الذي كان في أوساكا اليابانية بين الرئيسين ترامب وبوتين.

ولكن روسيا تحاول في المقابل الاحتفاظ بأوراقها الإقليمية، لذلك ستعمل على استمالة إيران قدر الإمكان، بالرغم من إدراكها لحجم التكاليف المترتبة على ذلك. أما تركيا فهي تعتبر في استراتيجيتها الحليف الأكثر جاذبية وأهمية، ومن أجل هذا ستسعى، روسيا، بمختلف السبل من أجل كسب ود الجانب التركي، رغم المعرفة المسبقة بصعوبة استمرارية تركيا في الموقع المعارض لتحالفاتها الغربية.

إننا، إذا أخذنا هذه المعطيات وغيرها بعين الاعتبار، ندرك أن اجتماع أستانا لن يأتي بالشيء الجديد المفيد بالنسبة إلى السوريين، خاصة في أجواء التصعيد العنيف من جانب الروس والنظام في منطقة إدلب، والإجراءات التركية الأخيرة المتشددة على صعيد التعامل مع ملف اللاجئين السوريين؛ ولكنه سيكون مناسبة يفسح المجال أمام الأطراف المشاركة فيه لإعادة تنظيم أوراقها، وجمع نقاطها، استعدادًا لصرفها عند الجانب الأميركي الذي من الواضح أنه ليس في عجلة من أمره، ولن يتخذ القرارات الحاسمة المطلوبة، في مرحلة الاستعداد للانتخابات الرئاسية الحافلة عادة بالمفاجآت والمناكفات التي يتحسب لها المرشحون، هؤلاء الذين يحاولون الابتعاد قدر الإمكان عن كل ما من شأنه تهديد فرصة وصولهم إلى البيت الأبيض.

===========================

ملف السوريين في تركيا يطفو على السطح مجددا.. الأسباب والدوافع

محمود عثمان

تلفزيون سوريا

السبت 27/7/2019

ثمة أسباب عديدة وراء عودة مسألة اللاجئين السوريين في تركيا إلى دائرة الضوء مرة أخرى، منها ما يتعلق بظروف اللجوء السوري، وارتفاع عدد اللاجئين بحيث أصبحوا يشكلون ما يقارب 4.6% من عدد سكان تركيا، ومنها اختلاف الثقافات والعادات والتقاليد، ومنها الأزمة الاقتصادية التي تمر بها تركيا، ومنها العمليات العسكرية التي لا بد وأن يقع خلالها ضحايا من الجنود الأتراك، لكن أخطر تلك الأسباب على الإطلاق، هو التحريض السياسي الذي لجأت إليه أحزاب المعارضة التركية في توظيف وجود السوريين كورقة ضغط ضد حزب العدالة والتنمية في انتخابات بلدية استانبول الأخيرة.

تستضيف تركيا، بحسب إحصائيات وزارة الداخلية التركية، ثلاثة ملايين و630 ألف سوري تحت بند الحماية المؤقتة في تركيا، وأكثر من مليون أجنبي، من سواهم ممن لديهم بطاقات إقامة، فضلا عن 300 ألف شخص تحت بند الحماية الدولية.

وزير الداخلية سليمان صويلو، بحسب وكالة الأناضول، أشار إلى وجود 5 ملايين أجنبي مقيم في تركيا، بينهم حوالي مليون شخص في إسطنبول لوحدها. يضيف الوزير بأنه قد "تم اعتماد خطة تنفيذية تشمل ثلاثة مجالات، هي الهجرة غير القانونية، والهجرة النظامية، والحماية المؤقتة".

استطرادا، من المفيد الإشارة إلى عدم وجود نظام للجوء في تركيا، باستثناء من يأتيها من دول الاتحاد الاوربي، بحسب الاتفاق بين الطرفين. أما من يدخل تركيا قادما من خارج دول الاتحاد الأوربي، فيعامل وفق قانون الحماية الدولية، الذي يسري على السوريين في تركيا، ويعاملون من خلاله.

بشكل مفاجئ ودون سابق إنذار، بدأت وزارة الداخلية، سلسلة من الإجراءات تجاه السوريين، في مدينة

إستانبول على وجه الخصوص، صاحبتها سلسلة لقاءات مع جمعيات ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات قيادية سورية.

تميزت تلك اللقاءات بحرص المسؤولين الأتراك، وفي مقدمتهم وزير الداخلية سليمان صويلو، على شرح دوافع وحيثيات وضرورات الإجراءات الجديدة بالدرجة الأولى، ثم سماع آراء ومطالب وشكاوى السوريين خلال لقائه عددا من قادة الرأي، ومنظمات المجتمع المدني السورية.

بات من الواضح أن توقيت القرارات الأخيرة بشأن السوريين، مرتبط بشكل مباشر بالتطورات السياسية الداخلية التركية، حيث بدأ الحديث بصوت مرتفع عن تسبب السوريين المباشر في خسارة حزب العدالة والتنمية رئاسة بلدية إستانبول.

** مبدأ الأنصار والمهاجرين

رغم حملات التشكيك في نوايا تركيا، التي تسهر عليها أجهزة دول ومراكز مخابرات متخصصة في الحروب النفسية، فإن الرئيس رجب طيب أردوغان كان ولا يزال صادقا ومخلصا في اعتماد مبدأ الأنصار والمهاجرين، ليس مع السوريين وحدهم، بل مع جميع الشعوب المظلومة التي قصدت تركيا. إذ يزخر تاريخ تركيا باستيعابها لجميع موجات اللاجئين والنازحين الذين قصدوا بلاد الأناضول، ليس ابتداء من البوسنيين والأفغان والبلغار والعراقيين، وليس انتهاء بالسوريين وغيرهم من متضرري ثورات الربيع العربي.

ولا يبدو أن الرئيس أردوغان قد ابتعد أو حاد عن مبدأ الأنصار والمهاجرين لحظة واحدة، لأنه موقف إنساني نابع من القيم التي يتبناها أردوغان ويدافع عنها، وتعتبر سر نجاحه، وتبوئه مكانة خاصة في قلوب المؤمنين في شتى بقاع الأرض.

بالنسبة لتركيا، مبدا الأنصار والمهاجرين ليس فنتازيا إيدلوجية، ولا وسيلة ينتظر منها منافع سياسية واقتصادية، إنما هو نتاج علاقات الأخوة والتعايش والتاريخ والثقافة المشتركة بين الشعبين التركي والسوري عبر التاريخ.

مبدأ الأنصار والمهاجرين ليس قرارا سياسيا مؤقتا، إنما هو خيار استراتيجي، يفرضه الدور الاقليمي الذي تضطلع به تركيا كدولة رئيسية في المنطقة، مما يوجب عليها تحمّل مسؤوليات وأعباء إضافية.

** معوقات عودة السوريين إلى المناطق المحررة درع الفرات وغصن الزيتون

غالبية السوريين في بلاد المهجر، ينتظرون اللحظة التي يتم فيها تأسيس الأمن من أجل العودة إلى بيوتهم، وهذا مسؤولية الدول المشاركة في المعادلة السورية، ومنها تركيا التي تتضطلع بمهمة الإشراف على منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون.

وقد رأينا عندما تم تأمين الحد الأدنى من الأمن، عودة حوالي 335 ألف لاجئ سوري إلى منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون، هذا بالرغم من أنه من المبكر لأوانه الحديث عن أمن مستتب في تلك المناطق، حيث لا تزال العمليات الإرهابية تستهدف أمن المواطنين بشكل شبه يومي.

وهنا لا بد من الإشارة إلى الصعوبة البالغة في تأسيس الأمن، بسبب موجات النزوح الداخلي، التي أدت إلى زعزعة النسيج الداخلي للمجتمع السوري، بدأ بموجات التهجير القسري باتجاه الشمال الذي فرضها الروس والايرانيون على سكان حمص والغوطة، وليس انتهاء بعمليات التغيير الديموغرافي التي تمارسه الميليشيات الانفصالية في مناطق شرق سوريا.

** المخالفات في عملية ترحيل المخالفين للقانون

ثمة ظروف ضاغطة دفعت حكومة العدالة والتنمية إلى إعادة النظر في ملف وجود السوريين في مدينة إستانبول على وجه التحديد. حيث أصبحت مشكلة ينبغي حلها على وجه السرعة، لذلك فقد ترافقت إجراءات ترحيل المخالفين، مع سلسلة لقاءات جمعت المسؤولين الأتراك بممثلي هيئات المجتمع المدني السورية.

تعاطي السلطات الأمنية المتسرع والنزق مع ملف المقيمين السوريين في إستانبول، أدى إلى وقوع أخطاء وانتهاكات بحق بعض السوريين أثناء حملة الترحيل، لا أعتقد أن صاحب القرار، وخصوصا الرئيس أردوغان، يرضى عنها. مثل تسفير شاب هو المعيل الوحيد لعائلته، وعنده بطاقة الكيملك، لكنه نسيها في البيت، فتوسل لدورية الأمن أن يحضرها من بيته القريب، أو يسمحوا لأحد من أهله أن يأتي بها، فلم يجد أذنا صاغية، وتم تسفيره بغير وجه حق.

بضغوط من منظمات المجتمع المدني التركية والسورية، أقر بعض المسؤولين الأتراك بوقوع أخطاء خلال عمليات ترحيل المخالفين لقانون الإقامة، ووعدوا بالتحقيق في تلك الحوادث، ودراسة أوضاع من تضرروا ورحلوا عن طرق الخطأ، وإعادتهم إلى أماكن إقامتهم.

لا أحد يماري في حق السلطات التركية في تنظيم ملف الوجود السوري على أراضيها، فهذا حقها وهو واجبها تجاه مواطنيها، ولا أحد ينفي حقها في معاقبة المخالفين أيضا. لكن التطبيق المفاجئ، دون سابق تنبيه وإنذار، ودون منح اللاجئين مهلة وفرصة كافية لترتيب أوضاعهم، يعتبر تصرفا متعجلا لا يليق بتركيا الدولة، ولا بحكومة العدالة والتنمية التي رفعت شعار الانصار والمهاجرين.

غض البصر عن المخالفين لقانون الهجرة لسنوات، ثم محاولة ترحيلهم خلال أيام بل ساعات، لا بد وأن يتسبب في أخطاء جسيمة على صعيد حقوق الإنسان، وسيجعل تركيا عرضة للنقد واللوم الشديد، ويفتح الأبواب مشرعة للمغرضين والمشككين، ليوجهوا سهام حقدهم ضدها، وهي التي تحتل مركز الصدارة عالميا، في مجال فعل الخير والإحسان ومساعدة للمظلومين أيا كانت هويتهم.

لا أحد ولو كان لاجئا، يمكن اقتلاعه من مكان إقامته وتسفيره خلال ساعات. حتى أولئك المخالفين، بسبب التغاضي عنهم لفترات طويلة، أصبح لديهم ارتباطات عائلية وعلاقات اجتماعية، ومتعلقات بالعمل والدراسة وحقوق الآخرين.

في القول المأثور، "جبلت النفوس على حب من يحسن إليها"، وقد أحسنت تركيا للاجئين السوريين وغيرهم، ولا ينكر فضلها إلا جاحد أو حاقد. لكن محبتها والإقرار بفضلها، لا يجب أن يقف عائقا أمام التنبيه إلى القصور والأخطاء، من أجل تلافيها ومحو آثارها، وإعادة الحقوق إلى أهلها.

** هل ساهم السوريون في خسارة حزب العدالة والتنمية رئاسة بلدية إستانبول؟

ثمة دلائل تشير إلى حالة استياء من السوريين، لكونهم أحد الأسباب الرئيسية التي أدت لخسارة حزب العدالة والتنمية في المدن الكبرى، وخصوصا انتخابات بلدية إستانبول.

ما هي أسباب هذا الاستياء؟.. وهل السوريون وحدهم من تسبب به؟

ثمة أسباب كثيرة يمكن سردها بهذا الخصوص، لكننا سنتناول أهمها كالتالي:

القانون الاستثنائي لمنح الجنسية التركية لبعض السوريين

أعلن الرئيس أردوغان عزم بلاده منح عدد من السوريين الجنسية التركية، من خلال قانون استثنائي، بهدف الاستفادة من الكفاءات والخبرات المتوفرة لديهم.

من الطبيعي جدا أن تقوم أحزاب المعارضة بالاعتراض على قانون تجنيس السوريين، لكن من حقها أيضا أن يعرض عليها في البرلمان لكي يتم مناقشته كبقية القوانين.

الأهم من ذلك أن هذا القانون لم يتم شرحه بالقدر الكافي لرجل الشارع العادي. مما تسبب ببعض الاعتراضات التي انعكست على السوريين بالسلب.

يقول جاري شنر Şenerالمحب للسوريين والمرحب بوجودهم :" أن يبقى السوريون في تركيا سنوات طويلة فهذا مفهوم بسبب ظروف الحرب، وانعدام الأمن في بلادهم، لكن أن يمنحوا الجنسية التركية، فلا أجد له مبررا". هناك أتراك كثر يشاركون جاري مخاوفه، ولا يلقون بالا، وربما لا يدركون البعد الاستراتيجي لعملية التجنيس كما يراها الرئيس أردوغان. وهنا نقف مرة أخرى

وجها لوجه أمام قصور ماكينة حزب العدالة والتنمية في شرح حيثيات القانون، وإقناع المواطن العادي بتوجهات الحكومة بهذا الأمر.

في الجهة المقابلة، تسبب الإعلان عن منح الجنسية التركية للسوريين، في ولادة أمل لدى ملايين السوريين داخل تركيا وخارجها، بإمكانية بل بأحقية كل واحد منهم بالحصول على الجنسية التركية، مما خلق سباقا محموما، وفتح الباب واسعا أمام الاستغلال، وسلبيات كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.

هذا القانون فضلا عن كونه أحد الأسباب الرئيسية المؤدية لحالة الاستياء من السوريين، فإنه لم يرض السوريين أنفسهم. فباستثناء من حصلوا على الجنسية التركية، يعترض الباقون بأنها منحت لمن لا يستحقها.

مسألة الانفاق على السوريين

تقول المصادر الحكومية بأن مجموع ما تم إنفاقه على السوريين حتى الآن، تجاوز 37 مليار دولار. هذا الرقم أصبح يثير حفيظة المواطن التركي، خصوصا وأن البلاد تعيش حالة ركود اقتصادي، وخصوصا أن المواطن لا يعرف/ ولم يشرح له آلية حساب هذا المبلغ الضخم، ولا طريقة إنفاقه، هذا بالإضافة إلى تحريض المعارضة ودعاياتها السلبية.

تمايز السوريين وضعف اندماجهم في المجتمع التركي

اجتماعيا، عموما انغلق السوريون على أنفسهم، ولم يخالطوا جيرانهم الأتراك، ولم يحتكوا بهم، ولم يعايشوهم ولم يشاركوهم مناسباتهم الاجتماعية.

اقتصاديا، بنى السوريون لأنفسهم اقتصادا مستقلا ومنغلقا، يتناسب مع ثقافتهم في الطعام والاستهلاك. فأسسوا صناعاتهم الخاصة بهم، وفتحوا محلاتهم التجارية التي تروج لمنتجاتهم المتمايزة في غالبها عن منتجات أهل البلد.

هذا التمايز وعدم الاندماج، خلق عند الطرف الآخر حالة من التوجس والحذر، أعقبتها حالة من الاستياء.

ومما زاد الطين بلة، الحركة الدؤوب لدى السوريين، إذ أصبح من المستحيل الذهاب إلى مكان لا يوجد فيه سوريون، وخصوصا في إستانبول، مقابل عادة التزام البيوت عند أهل البلد.

صعود الخطاب القومي بسبب كثرة الانتخابات في الآونة الأخيرة

كل استحقاق انتخابي لا بد وأن يصاحبه استقطاب سياسي وتوتر اجتماعي. إذ تعمد الأحزاب السياسية المتنافسة إلى استخدام جميع ما في حوزتها من أوراق. وتعد مسألة اللاجئين السوريين من أهم الأوراق التي تستخدمها أحزاب المعارضة في الهجوم على الحكومة.

كثرة استخدام الورقة السورية في المناكفات السياسية، ساهمت في خلق أجواء سلبية ضد السوريين.

وأخيرا، فإن سياسة الدولة التركية حيال المسألة السورية لم تتغير، بل على العكس أصبح الاهتمام بالقضية السورية مسألة أمن قومي بالنسبة لتركيا. وبالتالي فإن الإجراءات بحق المخالفين مسألة فرضتها ظروف معينة، سوف تنتهي بانتفاء تلك الظروف.

السوريون بأمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى، إلى الاندماج في المجتمع التركي، والبعد عن التقوقع والانعزال. إذ المخالطة والدفع بالتي هي أحسن، تجعل الآخر المستاء وليا حميما.

===========================

بوتين والنمر الورقي

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 27/7/2019

لا تكف روسيا عن ارتكاب المجازر بحق السوريين العزّل في ريفي حماة وإدلب، وتواصل، عن سابق تصميم، سياسة تدمير البنى الحيوية، من نقاط طبية ومدارس وهيئات إغاثة ومراكز دفاع مدني. ومن جديد جرائم ارتكبها الطيران الحربي الروسي قصف السوق الشعبي في مدينة معرّة النعمان صباح يوم الاثنين الماضي، في خمس غارات متتالية، نجم عنها سقوط قرابة 40 قتيلا، وما يفوق هذا العدد من الجرحى. وكالعادة، كانت أغلبية الضحايا من النساء والأطفال، مع دمار في الدفاع المدني الذي قتل أحد عناصره وجرح آخرون. ونظرا إلى أن هذه الجريمة عصية على التبرير كما جرت العادة، فقد أنكرت موسكو حصولها، واتهمت الدفاع المدني بتلفيقها والقيام بتمثيلها.

وتجري المجازر بالتناوب بين النظام السوري وروسيا التي أخذت على عاتقها منذ سبتمبر/ أيلول 2015 أن توقف عجلة سقوط النظام، وتوفّر له كل أسباب الاستمرارية، كلما واجه منعطفا حادّا. إلا أنها بعد مضي قرابة أربع سنوات على تدخلها العسكري المباشر، لم تتمكن من تحقيق أهدافها كافة. صحيحٌ أنها حمت النظام من السقوط، واستعادت قسما من الجغرافيا التي كانت تسيطر عليها المعارضة المسلحة، ولكن قرابة نصف مساحة سورية لا تزال خارجة عن سيطرة الروس والنظام، وتتنازع السيطرة فيها قوات سوريا الديموقراطية، بإشراف الولايات المتحدة، والمعارضة المسلحة التي تساند تركيا بعض أطرافها.

ومن المفارقات الفاقعة أن مسار أستانة الذي اخترعه الروس بديلا لمسار جنيف تحول إلى غطاء للمقتلة السورية، وبين جولة من أستانة وأخرى هناك عدد من المجازر. وكلما اقترب موعد الجولة جرّد الروس أسلحة الجريمة، ليضربوا على المكان الموجع، أي المدنيين، من أجل إجبار المعارضة على الركوع. وبدلا من أن ينسحب الوفد المفاوض، ويوقف المشاركة في هذه المهزلة، فإنه يذهب إلى هناك في كل مرة، منقادا لتغطية التلاعب الروسي بالمسألة السورية. ومع هذا، فشلت روسيا على الدوام بفضل الرفض الشعبي، ولم تجد طرفا يوقع على وثيقةٍ للتنازل عن حق السوريين في إسقاط نظام الأسد، ومحاكمته بصفته مجرما ضد الإنسانية قتل من السوريين قرابة مليون، وهجّر نحو عشرة ملايين، ودمّر ثلث العمران.

بين أستانة الماضية التي اختتمت أعمالها في 26 إبريل/ نيسان الماضي، وأستانة المقبلة التي تنعقد يومي 1و2 أغسطس/ آب المقبل، ثمّة تطورات ميدانية مهمة، لا بد من البناء عليها. أولها ان المعارضة المسلحة في أرياف حماة وإدلب واللاذقية كسرت الهجمة الروسية الواسعة التي تلت أستانة مباشرة، وهزمت الفيلق الذي شكلته بقيادة سهيل النمر، وهذا يعني أن خطة الروس لاستعادة مدينة إدلب أصبحت شبه مستحيلة، في ظل موازين القوى الميدانية الحالية التي بات التفوق فيها لفصائل المعارضة. والتغير الثاني أن الهزيمة العسكرية التي تعرّض لها الفيلق الخامس كشفت عن عطبٍ كبير يتعلق بتراجع الخزّان البشري القتالي للنظام وحلفائه. وفي هذه الحالة، صارت الخيارات أمام الروس محدودة، فإما أن تشارك قواتهم في القتال بصورة مباشرة، أو أنهم سوف يتوقفون عن الزحف البري. وتبين هذا في المواجهات التي جرت خلال الشهرين الماضيين في ريف حماة، حين استقدموا الشرطة العسكرية الروسية، من أجل وقف تقدم المعارضة في أكثر من موقع. والتغير الثالث هو ظهور شرخ واضح بين الموقفين الروسي والتركي، وهذا ما عبّر عنه الدعم العسكري التركي الواضح لفصائل المعارضة التي قاتلت بأسلحةٍ نوعيةٍ ضد المدرعات، ساعدتها على وقف الزحف البري للنظام.

يظهر الرئيس الروسي، بوتين، عاجزا، وهو على أبواب الجولة 13 من أستانة، ولم يعد لديه سلاح لم يجرّبه، وحتى رهانة الأخير على سهيل النمر لم يعد مجديا، بعد أن حوّلته مواجهات حماة إلى نمرٍ من ورق.

===========================

قنابل روسيا الدموية على إدلب: هندسة لخريطة نفوذ جديدة يُعمل على تثبيتها في أستانة

هبة محمد

القدس العربي

السبت 27/7/2019

دمشق ـ «القدس العربي»: قتل وجرح أكثر من 20 مدنياً في ريف إدلب، بينهم أطفال، خلال الأربع وعشرين ساعة الفائتة، وقال الدفاع المدني السوري إن النظام وحلفاءه يواصلون سياسة التهجير وتدمير البنى التحتية الممنهجة، لا سيما في المدن الواقعة بمحيط الطريق الدولي الذي يصل حلب بدمشق واللاذقية، وخاصة مدينتي معرة النعمان وخان شيخون وغيرها من البلدات الصغيرة، التي هجّر معظم سكانها المحليين، كما أجبر النازحون إليها على ترك مساكنهم إثر تدميرها.

وتتعمد موسكو مواصلة القصف الهمجي العنيف والكثيف على المواقع المدنية للضغط على نقطة ضعف فصائل المعارضة، عبر استهداف الأهالي وتهجيرهم، وذلك من أجل تقديم تنازلات في ملف وقف إطلاق النار، وتثبت خارطة نفوذ جديدة خلال جولة أستانا المقبلة مطلع شهر آب، وذلك بضم نحو 18 بلدة وموقعاً إلى سيطرة قواتها، بعدما انتزعتهم خلال شهر أيار الفائت.

الهجوم المتعاظم جاء في أعقاب فشل الحلف الروسي – السوري – الإيراني، بالتقدم في ريف حماة، أمام ثبات قوات المعارضة التي دعمتها تركيا بالأسلحة وذخائر، ما مكنها التغلب على القوات المهاجمة التي سخرت ترسانة ضخمة من الأسلحة وزجت بآلاف المقاتلين، بينهم قوات خاصة روسية وميليشيات إيرانية «عربية وآسيوية»، فضلاً عن قوات النظام وميليشياته المحلية.

وتضع روسيا كل جهدها الإعلامي لنفي مشاركة قوات خاصة تابعة لها في معركة إدلب، بحسب ما يقول الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي، عازياً السبب في حديثه مع «القدس العربي»، إلى أنه «من شأن تأكيد ذلك تقليل هيبة روسيا وقدرتها القتالية والعسكرية، على اعتبار أنّ عسكريين في عداد الجيش الروسي النظامي لم يستطيعوا تحقيق حسم ميداني أمام مجموعات قتالية لا تقارن معها من حيث القدرات والمهارات».

 

الإعلام الروسي ينفي

 

ومن بين ما يسرده الإعلام الروسي لنفي مشاركة قوات خاصة «التذرّع بأنّ الحرب في إدلب ومحيطها لا تتصاعد إلى صراع كبير، وأنّ لدى النظام السوري في حال الهجوم وسائل أخرى كافية للسيطرة على المنطقة، منها زج قوة أكبر من صفوف الجيش النظامي، وإدخال القوات الإيرانية الخاصة، وكأنّ النظام لم يزج بكامل قوّته ولم يستنزف بنيته العسكرية في المعركة المستمرة منذ أكثر من 80 يوماً، وكأنّ روسيا استطاعت إقناع إيران بإدخال الميليشيات التابعة لها إلى المعركة وكأنها أصلاً قادرة على الحسم في حال مشاركتها بقوة».

المعارض، الوزير السابق لدى حكومة النظام السوري، رياض نعسان آغا، قال إن روسيا تستخدم قنابل نووية، وهي رؤوس تكتيكية أصغر بكثير من تلك التي استخدمت في هيروشيما، ولكنها كافية لإحداث أثر كبير ومدمر ضد مناطق صغيرة ومحددة، في حربها على المدنيين في إدلب وما حولها.

واعتبر أنه «خارج المنطق وخارج كل القيم، استمرار الهجوم الوحشي ضد الأهالي في الشمال السوري، وبالرغم منذ ذلك يريد الروس أن يثق السوريون بهم، وأن يتفاعلوا بإيجابية مع آستانا ومثيلاتها من الخدع الروسية وهم ينفذون أبشع وأقسى جرائم الإبادة ضد شعبنا»، مضيفاً: «لا تنسوا أن الروس يقدمون أنفسهم ضامنين لخفض التصعيد، ولكنهم يتابعون مع النظام وإيران حرب الإبادة الهمجية ضد المدنيين».

في إدلب وحماة، أسفر القصف المتواصل عم سقوط أكثر من 2700 مدني، بينهم 360 طفلاً، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، وذلك منذُ بدء التصعيد الأعنف على الإطلاق ضمن منطقة «خفض التصعيد» في الـ 30 من شهر نيسان الفائت، وحتى يوم الجمعة الـ 26 من شهر تموز الجاري.

وحسب مدير فريق الخوذ البيضاء، مصطفى الحاج يوسف، فإن القصف العنيف والمستمر أسفر عن قتل 99 مدنياً وإصابة 208 آخرين في مدينة خان شيخون وحدها، كما أسفر القصف العنيف عن مقتل ثلاثة متطوعين من الدفاع المدني السوري وإصابة خمسة آخرين أثناء عملهم في المدينة.

الاستهداف بجميع أنواع القذائف الصاروخية والمدفعية، بحسب بيان «للخوذ البيضاء»، دمر المرافق الحيوية في المدينة من أسواق ومخابز ومساجد ومدارس ونقاط طبية ومراكز دفاع مدني، ما غيّب كل مظاهر الحياة، كما ترافق القصف مع تحليق طائرات الاستطلاع الذي قطع الطرقات الرئيسية في المدينة ومنع حركة المدنيين بإخراج أمتعتهم من المنازل، ما أثر أيضاً على عمل فرق الإنقاذ وحركة سيارات الإسعاف، فضلاً عن استهداف فرق الدفاع المدني أثناء عملها بالغارات المزدوجة والآليات الخاصة بهم، بهدف حرمان الأهالي من الخدمات التي تقدمها.

وقال المرصد السوري إن نحو 290 ضربة جوية وبرية استهدفت، الجمعة، مناطق التهدئة المفترضة في أرياف إدلب وحماة.

 

قصف متواصل

 

وخلال اليوم الـ 88 من التصعيد الأعنف، استمرت طائرات النظام و«الضامن» الروسي في قصف مناطق متفرقة شمال غربي سوريا، حيث ارتفع عدد الغارات التي نفذتها طائرات حربية تابعة للنظام السوري إلى 24 غارة مستهدفة أماكن في معرة النعمان وأطرافها وبلدة سراقب بريف إدلب الشرقي، ومنطقة الايكاردا والنخيل والبرقوم بريف حلب الجنوبي، بالإضافة إلى مورك والزكاة واللطامنة ولطمين والجبين وتل ملح شمال وشمال غرب حماة. كما ارتفع عدد الغارات الروسية إلى 15، استهدفت مناطق في قريتي تل ملح والجبين في ريف حماة الشمالي الغربي، وكفرزيتا واللطامنة في ريف حماة الشمالي، فيما ألقى الطيران المروحي براميل متفجرة على قرية حصرايا بريف حماة الشمالي، فيما وثق المرصد أكثر من 250 قذيفة صاروخية أطلقتها قوات النظام منذ ما بعد منتصف ليل أمس على كل مناطق في ريفي حماة الشمالي والشمالي الغربي وريف إدلب الجنوبي بالإضافة لجبال الساحل وريف حلب الجنوبي.

وانتهت إحصائية اليومين الفائتين بتوثيق مقتل 8 مدنيين ونحو 20 مصاباً، في غارات جوية عنيفة استهدفت محافظة إدلب. وقالت مفوضية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ميشيل باشليه، الجمعة، إن ضربات جوية نفذتها قوات النظام السوري وحلفاؤه على مدارس ومستشفيات وأسواق ومخابز في إدلب، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 103 مدنيين في الأيام العشرة الماضية بينهم 26 طفلاً.

وأضافت أن «هذه أهداف مدنية، وفي ضوء النمط المستمر لمثل هذه الهجمات، يبدو من غير المرجح بشدة أن يكون قصفها حدث بطريق الخطأ، مشيرة إلى أن ارتفاع حصيلة القتلى تقابله» لامبالاة دولية واضحة.

وكانت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» قد كشفت، الثلاثاء الفائت، عن حصيلة الانتهاكات في منطقة خفض التصعيد الرابعة على يد الحلف السوري الروسي، لافتة إلى توثيق عشرات المجازر التي قتل فيها 747 مدنياً خلال مدة لا تتعدى ثلاثة أشهر.

ووفق الشبكة، فقد سجلت منذ بدء حملة التصعيد العسكرية لقوات الحلف السوري الروسي على منطقة خفض التصعيد الرابعة في 26/ نيسان وحتى 23/ تموز2019، مقتل ما لا يقل عن 747 مدنياً، بينهم 192 طفلاً، و131 سيدة، وإصابة ما لا يقل عن 2783 مدنياً بجراح. ومنذ 26 نيسان من هذا العام، تواصل قوات النظام وروسيا حملتها العسكرية الجوية والبرية على المناطق المدنية في منطقة خفض التصعيد الرابعة في الشمال السوري، التي تشمل أرياف حماة وإدلب وحلب واللاذقية، مسجلة مقتل المئات من المدنيين وتدمير البنى التحتية وتهجير أكثر من نصف مليون إنسان.

===========================

ولكن... ما الذي بقي للنظام السوري؟

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 27/7/2019

أمر بديهي ألا يهتم أهل الحكم بالمشهد الكارثي الذي أوصلوا سوريا إليه، وهم الذين أعلنوا جهاراً استعدادهم لحرق البلد من أجل دوام تسلطهم وفسادهم وامتيازاتهم، والأنكى أن تسمع من بعضهم أن الفتك والتنكيل اللذين مورسا ضد انتفاضة السوريين ليسا كافيين، وكان يفترض أن يكونا أشد هولاً لوأد ما يعدّونها فتنة ومؤامرة في مهدها. لكن، وفي ضوء تكرار ظواهر إذلال النظام السوري وازدرائه من قبل حلفائه، ألا يبدو غريباً ألا تلمس لدى أحد من الجماعة الحاكمة أو من الدائرين في فلكها أي حاجة لإجراء مراجعة نقدية لما صارت إليه أحوالهم كسلطة؛ ماذا تبقى لهم منها، وأين أصبحت تبجحاتهم عن السيادة الوطنية والقرار المستقل، وأي ثمار حصدها إيغالهم المفرط في العنف والفتك والتدمير واستجرار من هبّ ودبّ ليعيث قهراً وفتكاً بالسوريين؟!

إذا كانت المؤسسة العسكرية والأمنية هي الذراع الضاربة للنظام، التي منحته، طيلة عقود، السيطرة والقوة والجبروت، فهي قد تفككت وأنهكت تماماً خلال السنوات الماضية، ليغدو جلياً عجزها في غير مكان عن تحقيق أي تقدم عسكري حاسم، بل صارت أحوالها في الويل وعلى مشارف هزيمة ساحقة لولا مسارعتها لاستجرار التدخل والدعم الخارجيَين؛ الأمر الذي انعكس في عجز آخر عن الحد من نمو ميليشيات منفلتة، كاللجان الشعبية والقوات الرديفة، وفي وقف تغوّل مراكز قوى عسكرية باتت لها الكلمة الفصل في أهم مناطق الصراع، بعيداً عن رأي قادة السلطة وقرارهم، فكيف الحال حين نسمع عن صراع بين روسيا وإيران على ترتيب المؤسسة العسكرية واختيار قادة الأجهزة الأمنية، أو حين يصل الخلاف إلى صراع دموي بالسلاح الحي، بين الفرقة الرابعة الموالية قيادتها للنفوذ الإيراني وبين الفيلق الخامس وقوات سهيل الحسن الموالية للنفوذ الروسي؟ وكيف الحال حين تفرض على النظام فرضاً المصالحات والتسويات مع المعارضة المسلحة، ويقاد مرغماً إلى اجتماعات آستانة، ولتنفيذ ما تقرره مؤتمرات سوتشي، وأيضاً حين يغدو بعض مناطق البلاد حكراً على ميليشيا أو طرف عسكري خارجي استولى عليها من دون أن يسمح للنظام بدخولها، كمنطقة القصير في مدينة حمص مثلاً، التي استولى «حزب الله» عليها وشجع الموالين له على الاستيطان فيها والاستيلاء على بيوتها وأراضيها وحوّلها إلى ما يشبه المعسكر المغلق؟!

صحيح أن الدولة والسلطة هما كيانان متمايزان كلاهما عن الآخر، لكنهما في سوريا أصبحا كياناً واحداً بعد أن التهمت السلطة، خلال العقود الماضية، مؤسسات الدولة كافة؛ الإدارية والخدمية والاقتصادية، وسخّرتها لخدمة أهدافها ومصالحها، من خلال شبكات الفساد والمحسوبية والروابط الطائفية والعائلية، لتغدو هذه المؤسسات أهم مورد للنظام، والتي منحته الفرصة للزعم بأنه الكيان الوحيد الذي يخدم المواطنين، ليس فقط لأنها الموفر الأكبر لفرص العمل والتشغيل في البلاد، وإنما أيضاً لأنها عوّدت الناس على أن تكون المزود الرئيسي بالسلع الأساسية واحتياجاتهم الضرورية.

والحال؛ إذ أفضى العنف المفرط والتدمير العشوائي للمدن والأرياف إلى تعميق أزمة الاقتصاد السوري وإضعاف البنية الإنتاجية إلى حد كبير، وتالياً فرض تخفيضات حادة في ميزانية الحكومة، فهذا يعني أنه لم يبقَ في يد النظام اليوم تلك القدرة والموارد المالية التي كان يرشو بها ملايين العمال والموظفين، أو التي كانت تمكنه من توفير السلع الأساسية كالخبز والأرز والسكر، والاحتياجات الضرورية من الماء والكهرباء والوقود وخدمات النقل والتعليم والرعاية الصحية؛ الأمر الذي جعل غالبية المواطنين يكابدون عوزاً وشظف عيش لم يسبق لهما مثيل، وأنهى، عملياً، ما تسمى إجراءات الدعم التي شكّلت في سوريا أحد مقومات «العقد الاجتماعي الخفي» بين السلطة والمجتمع.

يحلو للنظام السوري أن يروّج أنه خرج منتصراً على خصومه وحسم المواجهة عسكرياً ضد المطالبين برحيله وأعاد السيطرة على الجزء الأكبر من مناطق البلاد المأهولة ومن مدنها الكبرى، لكن اليوم، هو خير من يدرك أنه نجح فقط في إنقاذ ذاته، كسلطة شكلية لا تحل ولا تربط وفقدت كل قدرة على اتخاذ القرار في القضايا المصيرية، وأيضاً خير من يعرف مدى انحسار قاعدته الاجتماعية، التي كان يتغنى ويتباهى بها قبل موجة الربيع العربي، وبأنها ملتفّة حوله وليس لديها أي دافع للثورة ضده كما حدث في تونس ومصر... فها هو قد خسر نفوذه التاريخي على الفصيل الكردي القوي الموالي لحزب العمال الكردستاني، والذي تحالف مع عدوه اللدود واشنطن ونجح في دحر تنظيم «داعش» والتمدد في شمال وشرق البلاد، وصار يفرض شروطاً لإعادة صياغة علاقته مع النظام، يبدو الأخير غير قادر على تنفيذها، بينما تراجعت ثقة الأقليات الدينية به، والتي لطالما ادعى حمايتها، وقد أدركت أن الحضور العسكري الروسي هو الذي أنقذها وليس النظام الذي ابتزها وتلاعب بهمومها ومخاوفها وبقي عاجزاً حتى عن رد القذائف التي كانت تطلقها الجماعات الإسلاموية المسلحة على مناطقها، والأهم أن الروابط بدأت تتفكك بينه وبين الطائفة العلوية التي استمد منها القوة والعصبة، فحين تخسر غالبية عائلاتها خيرة شبابها، وتكتظ قراها ومدنها بألوف مشوهي الحرب والمعوقين الذين يعانون الأمرّين دون أن تتمكن الدولة من تقديم المساندة والمساعدة لهم، فيمكن أن نفهم ونفسر تواتر انتقادات واتهامات أبنائها للسلطة السورية بأنها حولتهم إلى حطب رخيص لتسعير نار الصراع والمعارك كي تستمر في تسلّطها وتنعّمها بالأمان والخيرات.

ربما لم يبقَ للنظام السوري اليوم ما يمكنه من تقرير مصيره السياسي ومصير البلاد، وقد باتا مرهونين بما يتوافق عليه الأجنبي، لكن ما بقي له هو هذا التفنن الفريد في الجمع بين تدمير العمران ونهب ثروات المجتمع، وما فعله معول الطائفية البغيض من هدم وتمزيق في النسيج الوطني، والأهم السجل الأسود الذي يضم أرقاماً مخيفة عمّا ارتكبته أياديه بحق السوريين، وعن مئات ألوف الضحايا الذين سقطوا وقضوا جراء القصف والتدمير العشوائيين وبفعل المجازر المرعبة والقتل العمد تحت التعذيب... وعن مئات آلاف المعتقلين والمختفين قسراً والذين يلفّ مصيرهم الألم والغموض... عن ملايين المشردين الذين فقدوا أحبتهم وكل ما يملكون، ويهيمون على وجوههم بحثاً عن ملاذ آمن، نزوحاً داخلياً محفوفاً بالعوز والقهر والحرمان، ولجوءاً خارجياً أنّى تصل بهم أقدامهم المتعبة.

===========================

اللاجئون السوريون حجة الآخرين ووسيلتهم

فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 27/7/2019

ربما تشعر إيران وروسيا، الخصمان الرئيسيان للشعب السوري في تحالفهما مع نظام الأسد، أنهما قد ارتكبتا خطأ فادحاً، لأنهما لم تفتحا الأبواب أمام تدفق اللاجئين السوريين إليهما في السنوات الماضية، وقد يدفعهما هذا الإحساس، مترافقاً بالتطورات المحيطة بوضع اللاجئين السوريين، ولا سيما في تركيا ولبنان جارَي سوريا في الشمال وفي الغرب إلى فتح أبواب اللجوء السوري، وقيام سلطات البلدين بتحمل أعباء نقل جوي عاجل لعشرات، وربما مئات آلاف اللاجئين نحو إيران وروسيا، لما يمكن أن تتركه القضية من آثار إيجابية متعددة على نظامي طهران وموسكو.

حدوث التحول الإيراني - الروسي أعلاه، مرتبط بما يجري من تحميل اللاجئين المسؤولية عن مشاكل البلدين السياسية والاقتصادية - الاجتماعية في المستوى الداخلي، وبعض مشاكل سياستهما الخارجية، وكي تكون الصورة أكثر وضوحاً، فإن أوساطاً سياسية واسعة في لبنان، مدعومة بقطاعات شعبية، باتت تعتقد أن اللاجئين السوريين وراء مشاكل لبنان جميعها بما فيها مشكلة الكهرباء، التي عجزت حكومات لبنان عن حلها رغم وقف الحرب الأهلية في لبنان ودخوله مرحلة السلم الأهلي منذ عام 1990 استناداً إلى اتفاق الطائف (سبتمبر/ أيلول 1989).

ورغم الاختلافات البينية التركية - اللبنانية في الموقف من الصراع في سوريا، واختلافات البلدين في تعاملهما مع قضية اللاجئين، فقد تحول الأخيرون إلى سبب، يضعه الأتراك بين أسباب مشاكل تركيا، ومنها الاختلافات بين حكومة حزب «العدالة والتنمية» ومعارضيها من الأحزاب الأخرى، والتي درجت على قول، إن السوريين بين أسباب البطالة والغلاء الصاعدين، وإنهم يعيشون على حساب دافع الضرائب التركي، وقد أشارت أوساط تركية إلى اللاجئين في أسباب مشاكل تركيا الخارجية، وخاصة مشاكلها مع الاتحاد الأوروبي ومع عدد من المنظمات الدولية العاملة في مجالي اللاجئين وحقوق الإنسان.

لقد حولت أطراف متعددة في لبنان وفي تركيا، قضية اللاجئين إلى قضية «وطنية» يلملم فيها الجميع مشاكلهم، ويسعون إلى تحشيد شعبوي، يخفف احتقانات الداخل ويحولها نحو الخارج الذي هو خارج هش وضعيف، ولا يطرح نفسه في مواجهة لا اللبنانيين ولا الأتراك، وفي الحالتين تحول اللاجئون السوريون إلى شماعة، تعلق عليها المشاكل، وتتم من خلالها إدارة الصراعات البينية.

وبخلاف السياق أعلاه، فإن قضية اللاجئين السوريين في البلدين قضية قانونية، يرسمها القانون الدولي، ويضع إطاراً للتعامل معها قبل أي شيء آخر، وهي قضية إنسانية، تتضاعف أهميتها بالنسبة للمثلث السوري - التركي - اللبناني بحكم علاقات تاريخية، وأخرى مستقبلية، خاصة أن الكارثة السورية الراهنة لن تستمر إلى أبد الآبدين.

ولا بد من إشارة إلى معطيات تحيط بالقضية، يعرفها اللبنانيون والأتراك، الأهم فيها، أن اللاجئين، لم يقصدوا البلدين طمعاً بما فيهما، بل اندفعوا إليهما هرباً من وحشية القتل والاعتقال والدمار، التي شارك لبنانيون فيها بتحالف سياسي عسكري مع نظام الأسد بلغ مداه في مشاركة «حزب الله» وميليشيات لبنانية أخرى في حرب النظام على السوريين، فيما أدت بعض تدخلات وسياسات الأتراك وغيرهم إلى بقاء نظام الأسد، واستمرار وحشيته قتلاً ودماراً، ودفعه اللاجئين خارجاً.

إن اللاجئين السوريين في البلدين ليسوا كماً مهملاً، وبينهم عشرات آلاف الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات والخبراء والمهنيين، وهم صفوة في المجتمع السوري الذي استهدف نظام الأسد وحلفاؤه الإيرانيون والروس تدميره، لتحكمه عصابات من القتلة المتطرفين بينهم «داعش» وأخواتها، و«حزب الله» وميليشيات إيران، إلى جانب ميليشيات الأسد، وقد حمل كثير من السوريين إلى جانب خبراتهم، ما يملكونه من أموال ومدخرات إلى البلدين للاستعانة بها على ظروف حياة اللجوء، ولئن بدا الحضور الاستثماري للسوريين في تركيا ظاهراً للعيان وملموساً في قطاعات الخدمات والإنتاج أكثر من حال أقرانهم في لبنان لأسباب تتعلق بغياب القانون في بلد محكوم بميليشيات وجماعات، تعادي السوري، وتضع نفسها في خدمة نظام الأسد.

وثمة نقطة أخيرة لا بد من إشارة إليها في موضوع اللاجئين في لبنان وتركيا، والمتصلة بتغطية احتياجاتهم المعيشية، والتي تتم عبر مصادر متعددة؛ الأول فيها مساعدات دولية تقدمها المنظمات المتخصصة بدعم اللاجئين ومنها الأمم المتحدة، إضافة إلى المساعدات التي تقدمها الدول الأوروبية والعربية عبر الحكومة اللبنانية أو بصورة مباشرة، ويكمل هذا الشق من المساعدات إرساليات للأقرباء والمعارف من جانب سوريين منتشرين في أنحاء مختلفة من العالم بمن فيهم اللاجئون ومقيمون في بلدان أوروبا والخليج العربي.

وما سبق يدفع إلى قول، إن دور لبنان وتركيا لجهة تغطية احتياجات اللاجئين هو دور متفاوت. ففي الوقت الذي تسعى فيه تركيا للمساعدة في توفير تلك الاحتياجات والمشاركة فيها، يقف لبنان على النقيض، إذ سمحت تركيا لغالبية اللاجئين بالعمل والاستثمار في السنوات الماضية وسهلت حركتهم، مما ساعد في توفير مصادر ذاتية لتوفير الاحتياجات المعيشية، وقدمت مساعدات من جمعياتها خاصة لسكان المخيمات بأقل قدر من الفساد المالي والإداري، وكله على نقيض ما حصل في لبنان، وقد تعرض السوريون فيه لهزات أمنية متتابعة، وجرى منعهم من العمل والحركة إلا بأقل الحدود، وقام الفساد اللبناني المعمم بدوره في سرقة وتشتيت الموارد الخارجية الخاصة باللاجئين.

لقد تحولت قضية اللاجئين السوريين في غالبية بلدان المحيط السوري وسط صمت دولي من قضية قانونية وإنسانية إلى أداة ووسيلة لأطراف متعددة بينها دول وأحزاب وميليشيات وعصابات مسلحة من أجل تحقيق مصالحها على حساب اللاجئين، فاضطهدتهم واستغلت وجودهم في الصراعات والتوافقات البينية حسب مصالحها، وتاجرت بقضيتهم، وابتزتهم ونهبت مواردهم، كما سرقت المساعدات المخصصة لهم، وهذا مجرد بعض من فيض من ارتكابات وجرائم، أصابت اللاجئين السوريين طوال الثماني سنوات الماضية في دول الجوار وعلى يد بعض تكويناتها وأجهزة الدول فيها.

===========================

سيناريوهات محدودة بعد فشل المحادثات الأميركية التركية بشأن سورية

أمين العاصي

العربي الجديد

الخميس 25/7/2019

فشل الجانبان التركي والأميركي، أمس الأربعاء، في ردم هوّة خلاف مستحكم حول مصير منطقة شرقي نهر الفرات في سورية، إذ لم يتفقا على تفاصيل المنطقة الآمنة التي تطالب بها أنقرة من أجل تبديد قلقها من محاولات إقامة إقليم ذي صبغة كردية في شمال شرقي سورية، تعتبره أنقرة مساساً بأمنهاً القومي.

وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن، للمبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري، عقب اجتماع بينهما أمس الأربعاء، في المجمّع الرئاسي التركي في أنقرة، إنّ "إنشاء المنطقة الآمنة شرق الفرات لن يتم إلا من خلال خطة تلبي تطلعات تركيا"، وذلك بحسب ما ذكرت وكالة أنباء "الأناضول". وأكد متحدث الرئاسة التركية، خلال اللقاء، على أولويات الأمن القومي لبلاده بشكل واضح.

وفي السياق نفسه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، في تصريحات للصحافيين في أنقرة أمس، إنّ الاقتراحات الأميركية الجديدة المتعلقة بالمنطقة الآمنة في شمال سورية "لا ترضي تركيا"، مؤكداً أنّ البلدين لم يتفقا بشأن ذلك. وقال "لم نتفق مع واشنطن على عمق المنطقة الآمنة بسورية، ولا على من الذي سيسيطر عليها، ولا على إخراج وحدات حماية الشعب الكردية منها"، مشدداً في الوقت نفسه على ضرورة التوصّل إلى تفاهم (مع واشنطن) بشأن المنطقة الآمنة في أقرب وقت، ومحذراً من أنّ "صبرنا نفد". وأوضح جاووش أوغلو أنّ تركيا تشعر بوجود نوع من المماطلة في المقترحات الأميركية الجديدة، كالتي حصلت في خارطة الطريق حول مدينة منبج.

من جهة أخرى، قال جاووش أغلو إنه قد يتم الإعلان عن تشكيل لجنة دستورية سورية في الأيام المقبلة، وهي خطوة طال انتظارها في الجهود المتعثرة لإنهاء الحرب الأهلية السورية المستعرة منذ أكثر من ثمانية أعوام. وأشار الوزير التركي إلى أنّه تمت إزالة الخلافات الحاصلة حول أعضاء اللجنة، وأنه يجرى الآن مناقشة النظام الداخلي لها وكيفية عملها.

وأدلى جاووش أوغلو بتلك التصريحات بعد محادثات أجريت على مدى ثلاثة أيام بين الوفدين التركي والأميركي، والتي من الواضح أنها فشلت في ردم هوّة الخلاف بين أنقرة وواشنطن حيال مصير منطقة شرقي نهر الفرات، ما يعكس تصدعاً كبيراً في العلاقة التي تربط البلدين.

غير أنّ السفارة الأميركية في واشنطن حاولت الإيحاء أمس بأنّ الأمور لا تزال على ما يرام، وقالت في بيان إنّ جيفري عقد اجتماعات إيجابية وبناءة مع مسؤولين أتراك. وبحسب البيان، فإن الجانبين ناقشا مقترحات تفصيلية لتعزيز أمن تركيا على طول حدودها الجنوبية. كما أشار البيان إلى أن "واشنطن وأنقرة ملتزمتان بعملية سريعة وملموسة في ما يتعلق بخارطة الطريق لمنبج السورية".

وكشفت مصادر تركية رفيعة تحدثت لـ"العربي الجديد" عن مضمون المفاوضات التي جرت في الأيام السابقة بين جيفري والوفد المرافق له وبين الجانب التركي، وأسباب الخلاف.

وأفادت المصادر في الخارجية التركية بأن "الجانب الأميركي حمل مجموعة من المقترحات في جعبته كانت مخيبة جداً لآمال تركيا، وبعيدة عن استراتيجيتها وطموحاتها للمنطقة الآمنة، منها عمق المنطقة". وأوضحت المصادر أن واشنطن اقترحت أن تكون المنطقة بعمق محدود يصل إلى 5 كيلومترات فقط في المناطق الريفية، وبدون أن تشمل البلدات الحدودية السورية مثل تل أبيض، ما يعني أنها ستكون خارج حدود المنطقة الآمنة. وأشارت المصادر إلى أن "من ضمن المقترحات عدم إلقاء السلاح بشكل كامل من قبل الوحدات الكردية، بل والتعاون معها في تشكيل هذه المنطقة"، مؤكدة أن "جميع هذه المقترحات غير مرضية للجانب التركي وبعيدة تماماً عن مطالب أنقرة، ما دفع وزير الخارجية للرد عليها بشكل غاضب".

ولفتت المصادر إلى أن "زيارات جيفري دورية وتجرى كل شهرين، ولكنها هذه المرة اكتسبت زخماً إعلامياً مختلفاً، إلا أنها كانت فارغة من ناحية المضمون، ما خيب آمال الجانب التركي، حتى في موضوع تطبيق خارطة الطريق حول منبج". وتحدثت المصادر عن أن "خلافات ظهرت في مفاوضات الأيام السابقة حول تركيبة المجلس المحلي للمدينة، وهي الأساس في تطبيق خارطة الطريق، التي كان يفترض أن يتم الانتهاء من تنفيذها منذ يونيو/ حزيران الماضي". وبحسب المصادر فإن التقدم اقتصر على "بعض النقاط البسيطة جداً ولا تستدعي البناء عليها لحصول تقدم كبير، على الرغم من أن السفارة الأميركية في أنقرة وصفت المفاوضات المتعلقة بمنبج بأنها بناءة، ولكن الواقع ليس كذلك".

وأكدت المصادر نفسها أن "المقترحات الأميركية هي مجرد مماطلة وكسب الوقت، وهي أفكار لا ترقى للتعاون، رغم أن اللقاءات التقنية ستتواصل قريباً في واشنطن، وهي تجرى بشكل دوري بين الطرفين".

ولطالما شكّلت منطقة شرقي نهر الفرات نقطة خلاف مستحكم ما بين تركيا من جهة والولايات المتحدة الداعمة لـ"قوات سورية الديمقراطية" (قسد) التي تشكّل الوحدات الكردية عصبها الرئيسي من جهة ثانية. ويبدو أنّ الجانب التركي قد ضاق ذرعاً بمماطلة الجانب الأميركي حيال حسم مصير المنطقة، إضافة إلى مصير مدينة منبج غربي نهر الفرات، التي تسيطر عليها هذه القوات.

وفي الوقت نفسه، يبدو أنّ أنقرة لا تريد هدم العلاقة مع واشنطن بشكل كامل من خلال القيام بعمل عسكري في شرقي نهر الفرات من دون ضوء أخضر أميركي، يبدو أنه بعيد المنال، خصوصاً بعد التقارب التركي الروسي الذي تُوّج بشراء أنقرة منظومة صواريخ "أس 400" من موسكو، وهو ما أثار حفيظة الأميركيين إلى حد بعيد.

كذلك، من الواضح أنّ واشنطن لم تستطع تبديد مخاوف أنقرة حيال محاولات الوحدات الكردية الحثيثة إنشاء إقليم يحمل الصبغة الكردية في شمال شرقي سورية، وهو ما تعتبره تركيا مساساً بأمنها القومي. وسبق أن حشدت أنقرة قوات كبيرة على الحدود السورية التركية قبالة مدينة تل أبيض شمالي الرقة، في خطوة تعني نيّة الجانب التركي حسم ملف شرقي الفرات سلماً ما أمكن، وإلا اللجوء إلى الخيار الصعب وهو الحرب.

ويطالب الأتراك بمنطقة آمنة في شمال شرقي سورية، لا وجود للوحدات الكردية فيها. وفي السياق، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قبل أيام، إنه يجب أن تصل هذه المنطقة إلى عمق 30 إلى 40 كيلومتراً داخل الأراضي السورية انطلاقاً من الحدود التركية، ما يعني عملياً السيطرة التركية على أهم المدن التي تسيطر عليها الوحدات الكردية حالياً، ومنها: عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشمالي الشرقي، وتل أبيض في ريف الرقة الشمالي، ورأس العين والقامشلي في ريف الحسكة أقصى شمال شرقي سورية.

وترفض الوحدات الكردية بالمطلق أي وجود تركي في مناطق سيطرتها ملوّحة بورقة شن حرب واسعة النطاق في حال دخول الجيش التركي وفصائل معارضة تابعة له إلى منبج أو منطقة شرقي الفرات.

===========================

إدلب السورية: ساحة الصراع الدولي التي تنسف فاعلية الحلول السياسية

هبة محمد

القدس العربي

الخميس 25/7/2019

دمشق – «القدس العربي»: يستمر الهجوم الوحشي على الأهالي في مدن إدلب وحماة شمال سوريا، في نسفٍ روسي واضح لمقومات الحل السياسي، وسط إدانات دولية لا تسمن ولا تغني من جوع، حيث شنت الطائرات الحربية السورية والروسية غارات مكثفة على مدن خان شيخون والمزارع المحيطة، ومعرة النعمان وأريحا وغيرها، موقعة قتلى وجرحى، في حين وثقت الأمم المتحدة مقتل أكثر من 400 مدني سوري، شمال غربي البلاد، منذ نهاية نيسان الماضي.

الدفاع المدني السوري قال إن غارات جوية للطيران الحربي استهدفت أطراف بلدة دير الشرقي بريف معرة النعمان الشرقي، ومنطقة جبل الأربعين بالقرب من مدينة أريحا، في حين تداول ناشطون صوراً وفيديوهات صادمة لأب يحاول إنقاذ طفليه العالقين بالجدران المترنحة على ارتفاع ثلاثة طوابق، بعد غارة جوية استهدفت منزلهم في مدينة أريحا، وعقّب شهود على الحادثة بالقول: «شاهد حجم الدمار والعجز والقهر، أطفال تحت الأنقاض، الأب يُحاول إنقاذ أطفاله الصغار من هذا الارتفاع العالي، بحرقة قلب يناديها «دقيقة يا عمري» الأطفال سقطوا أرضاً، وتم نقلهم للمشفى، فيما استشهدت أُم و طفلها الصغير».

وعقب آخر بالقول: «هذا مافعله طيران نظام بشار الأسد المجرم وروسيا الإرهابيين بالمدنيين الأبرياء اليوم في مدينة أريحا بريف إدلب».

وبالرغم من عدم إعلان أي من اللاعبين الدوليين انتهاء فاعلية الاتفاقات الروسية- التركية حول خفض التصعيد، إلا أن ما يحدث على الأرض التي تحولت إلى ركام بيوت ممزوجة بدماء ساكنيها، دليل على نسف العملية السياسية بين أطراف الصراع.

وفي ظل تعاظم التصعيد الروسي ضد المدنيين، يبدو أن مقاربة موسكو «صفرية» بحسب وصف الباحث السياسي أيمن الدسوقي، الذي أضاف لـ«القدس العربي» أنها «تتضمن تثبيت النظام والتصالح معه وفق نموذج المصالحات التي رعتها وسوقت لها موسكو في الجنوب وريف حمص الشمالي والغوطة الشرقية وغيرها من الأماكن».

وبمعنى أدق، فإن موسكو تطالب -بحسب الدسوقي- من المعارضة الاستسلام والتسليم، وبالتالي نسف مقومات الحل السياسي في سورية.

وبحسب قراءة مراقبين، فإن روسيا أخذت على عاتقها مسؤولية الدور التركي المفترض، الذي حددته اتفاقات سوتشي وأستانا، حول محاربة التنظيمات المصنفة أمنياً (هيئة تحرير الشام وحلفاؤها) تمهيداً لفتح الطرقات الدولية التي تربط حلب بدمشق واللاذقية.

ولم يبد المعارض السوري سمير نشار، عن ثقته بالاتصالات بين الروس والأتراك، معتبرا أنها لن تسفر عن وقف إطلاق النار «لأن هجوم الروس والنظام يفترض أنه سيقضم مساحات وبلدات من المناطق المحررة، إضافة إلى عملية خنق الملايين في المناطق المتبقية خارج سلطة النظام، ما يجبر فصائل المعارضة على تقديم بعض التنازلات أو مصالحات».

المرصد السوري لحقوق الإنسان قال إن المقاتلات الحربية شنت 46 غارة جوية، بعد غيابها عن الأجواء لأكثر من 14 ساعة، حيث استأنفت طائرات النظام والضامن الروسي قصفها على منطقة «خفض التصعيد» مستهدفة مدن خان شيخون وأريحا ومعرة النعمان، وبلدات الكندة وبسامس وبسنقول وخان شيخون وحيش والشيخ مصطفى ومعرة النعمان وجبالا ودير سنبل وركاياسجنة، خلفت فضلاً عن القتلى والمصابين دماراً واسعاً في المنازل والممتلكات.

كما قصفت مدفعية النظام السوري بـ38 قذيفة كلاً من مزارع التمانعة وحرش عابدين وركايا سجنة والناجية ،ما خلف خراباً ودماراً في المنازل والممتلكات، في حين وثق المرصد مقتل سيدة وطفلها جراء قصف طائرات النظام الحربية على مدينة أريحا بالقطاع الجنوبي من الريف الإدلبي، كما خلف القصف إصابة 3 أشخاص على الأقل، بينهم طفل.

وألقى الطيران المروحي براميل متفجرة على بلدة مورك بريف حماة الشمالي، بينما ارتفع عدد الغارات التي نفذتها الطائرات الروسي والسورية، الأربعاء، إلى 35 غارة على كل من معرة النعمان وأريحا وخان شيخون وحرش مصيبين ودير سنبل بريف إدلب الجنوبي، والسرمانية ودوير الأكراد بسهل الغاب، بالإضافة إلى محور كبانة في ريف اللاذقية الشمالي، وكفرزيتا ومورك بريف حماة الشمالي.

إدانات دولية

وتتصاعد ردود الفعل الدولية على المجازر «الوحشية» التي يرتكبها نظام الأسد وروسيا، في إدلب، كان آخرها في مدينة «معرة النعمان» بريف إدلب، التي راح فيها ما يقارب 40 قتيلاً وإصابة العشرات بجروح متفاوتة.

وأدانت واشنطن الغارات الجوية التي تعرضت إليها مدينة معرة النعمان في ريف إدلب، وقالت إنها تمثل انتهاكاً للقانون الدولي، واتهمت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، نظام الأسد وروسيا بالاستهداف المتعمد للبنى التحتية المدنية، وهو ما يعد خرقاً للقانون الدولي.

وأدان وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، الضربات الجوية المستمرة التي تشنها قوات الأسد وروسيا، مؤكداً أن هذه الضربات «تدمر البنى التحتية وتقتل المدنيين»، ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى العملية السياسية وإنهاء هذه المأساة الإنسانية، بحسب تعبيره.

وذكرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، مورغان أورتاغوس، في بيان لها، أن الولايات المتحدة تدين بشدة الهجمات التي نفذت على المدنيين في إدلب، داعية روسيا ونظام الأسد إلى التوقف عن الهجمات التي تفاقم الأزمة الإنسانية.

ونوّه بيان الخارجية إلى أن روسيا ونظام الأسد استمرا على مدى ثلاثة أشهر في زعزعة استقرار المنطقة، حيث تسبّبا بنزوح أكثر من 330000 مدني، لافتاً إلى أن هذه الضربات الجوية المتكررة، مثل إصرار الأسد وحلفائه على الحل العسكري للنزاع. وأكدت نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، في مؤتمر صحافي عقد أمس الثلاثاء بنيويورك، أن الهجمات التي وقعت أول أمس الإثنين بإدلب كانت أكثر الهجمات دموية على المناطق المدنية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، داعية إلى إنهاء الهجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية.

و أشار وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، إلى أن مسؤولية وقف هجمات النظام ضد إدلب يقع على عاتق روسيا، وذكرت وكالة «الأناضول» التركية أن الوزير التركي بحث مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، الملف السوري وتطورات مدينة إدلب.

وكان رئيس الهيئة السورية للتفاوض، نصر الحريري، قد طالب في مؤتمر صحافي بالعاصمة السعودية، الرياض، يوم الإثنين، المجتمع الدولي بتشكيل تحالف خارج مجلس الأمن لحماية المدنيين في سورية، لافتاً إلى أن «حماية السكان في سورية لا تقضى بالبيانات.

400 ضحية

و أعلنت الأمم المتحدة أنها وثقت مقتل أكثر من 400 من المدنيين السوريين، شمال غربي البلاد، منذ نهاية نيسان الماضي.

وقال نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة «فرحان حق» للصحافيين: «قُتل ما لا يقل عن 66 مدنياً وجُرح أكثر من 100 امرأة وطفل ورجل في عشرات الغارات الجوية وحوادث القصف على مواقع متعددة في الشمال الغربي السوري، الإثنين». وأشار إلى أن «أسوأ» هجوم كان غارة جوية على سوق شعبي في مدينة معرة النعمان، التي خلفت 39 قتيلاً على الأقل، بينهم 8 نساء و5 أطفال، وجدد دعوة الأمم المتحدة إلى إنهاء الهجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية، وإلى إتاحة المناطق للمساعدة الإنسانية.

ومنتصف أيلول 2017، أعلنت الدول الضامنة لمسار أستانة (تركيا وروسيا وإيران)، التوصل إلى اتفاق ينص على إنشاء منطقة خفض تصعيد بمحافظة إدلب ومحيطها، ويقطن المنطقة حالياً نحو 4 ملايين مدني، بينهم مئات آلاف ممن هجرهم النظام من مدنهم وبلداتهم على مدار السنوات الماضية، في عموم البلاد.

===========================

موقفنا : " دخولنا إلى سوریة لحمایة المسیحیین فقط " .. ھذا تصریح لا أستطیع التعلیق عليه!!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

2019 / 7 /24

كتب الناطق الرسمي الروسي باسم قاعدة حمیمیم " الكسندر إیفانوف " أمس الأربعاء 23 /7 /2019 ، عبر قناته على " تیلغرام " دخولنا إلى سوریة ھو لحمایة المسیحیین فقط " وھذا التصریح الطائفي الفظ والمستنكر لیس التصریح الروسي الطائفي الأول ،ولن یكون الأخیر . ..

تصریح إیفانوف ھذا جاء في سیاق تسویغھ لمجزرة معرة النعمان ، والتي زعم أنھا جاءت ردا على قصف قریة " محردة " المسیحیة !! ینسى العسكري العبقري تصریح وزیر دفاعه  قبله بساعات أنھم برآء من مجزرة معرة النعمان ، ومن قتل المدنیین فیھا.  تصریح إیفانوف تصریح خطیر في الوقت نفسه ، تصریح لھ دلالاته واستحقاقاته وتداعیاته . ھو تحریض مبطن على الكراھیة ، وتحمیل مسئولیات الجرائم الروسیة َ والأسدیة لمكون سوري بعینه، لیصبح ھو العدو في أعین المنتھكین والمضطھدین .

وسیكون من الخطأ أن یقوم مسلم سوري مثلي بالتعلیق على ھذا التصریح ، وشرح أبعاده ودلالاته واستحقاقته وحجم الكراھیة المبثوثة فيه. وكذا لن یكون كافیا أن یقوم أي مواطن سوري مسیحي ثائر أو مؤید للثورة بالتعلیق عليه . ففي فضاء الثورة التي خرجنا من أجلھا یتوازى في رفض الظلم والكراھیة والطائفیة كل سوري حر أبي ..

ولكن الذي یساعد على مصادرة مفعلات الكراھیة والبغضاء في ھذا لتعلیق أن تبادر المرجعیات المسیحیة الكنسیة السوریة إلى التعلیق على التعلیق . أن تبادر الكنائس

المسیحیة السوریة ومن بطركیاتھا المعتبرة عند أھلھا : فتقول لكل السوریین لیس باسمنا ولا من أجلنا اغتصبت نساؤكم ، وقتل شبابكم ، وذبح أطفالكم ، ودمرت بلادكم ، وأخرجتم من دیاركم ..!!

إن كل من یدرك مرامي اللغة السیاسیة یفھم أن كلام إیفانوف ھذا ھو تحریض مباشر على المسیحیین یتم باسم المسیحیین .  وإذا قلنا ھذا تحریض على مكون وجودي من مكونات الشعب السوري فیجب أن نكمل أننا نرفض ھذا التحریض ولكننا لا نملك بمفردنا دائما احتواء تداعیاته التي یستثمر بھا إیفانوف الرھیب وبشار الأسد ومیشیل سماحة وبطرس الراعي وجبران باسیل .

وحین یقول المتحدث الرسمي لقاعدة حمیمیم ، وھو في موقع المندوب السامي أیام الاحتلال الفرنسي، للسوریین : لقد قتلنا منكم مئات الآلاف واعتقلنا وعذبنا مثلھم وشردنا منكم الملایین ودمرنا بیوتكم ومساجدكم ومستشفیاتكم ومدارسكم وأحرقنا محاصیلكم " دفاعا عن المسیحیین فقط " والتفقیط من عنده ولیس من عندي، فإن لھذا الكلام استحقاقات كریھة لا یجرؤ على الإفصاح عنھا إنسان متمسك بإنسانیتھ محب لوطنه ولمواطنيه..

وضع المسیحیین في سوریة عبر عنھ بالصدق في موقفھ الأخلاق الإنساني الراھب الإیطالي السوري ، أو السوري الإیطالي " باولو دالیلو " الذي طورد من قبل نظام الأسد " حامي المسیحیین " المدعى ، ثم اختطف وعذب وقتل من قبل عملائه المباشرین .

وضع المسیحیین في الثورة السوریة یشھد علیھ شاھدان الأول : راھبات معلولا اللواتي طلب منھن أن یصمتن إلى الأبد . وكان أمرا كھنوتیا ملزما وصارما ، ھددن على خرقھ بالحرم الدیني !!

والشاھد الثاني : الوزیر اللبناني المسیحي میشیل سماحة الذي تآمر مع بشار الأسد وعلي مملوك وبثینة شعبان ، في قضیة نظرت أمام القضاء اللبناني ، على قتل البطركین صفیر والراعي ولفیفھما من رجال الدین الموارنة اللبنانیین لیتھم بقتلھم المسلمین ولیعطي الذریعة لبوتین ولالكسندر إیفانوف لیسوغوا لأنفسھم عملیات قتل وتشرید المسلمین باسم وذریعة حمایة المسيحیین !!

ربما لا یستطیع من رأى بالأمس الضحكة الدافئة الحنونة التي جمعت المبعوث البابوي إلى سوریة الكاردینال بیتر أبیاتوركسون .. أن یتذكر شیئا من مضمون رسالة البابا التي قیل إنھا :تدعو إلى تسھیل عودة اللاجئین !! والإفراج عن المعتقلین ، والعودة إلى مشروع الحل السیاسي ..

زیارة المبعوث البابوي إلى سوریة وسط حمام الدم في معرة النعمان وفي أریاف حماة وإدلب وحلب ، حمام الدم الذي یتخوض فیھ مثلث الشر ، تطرح على العقلاء سؤالا ھل الزیارة زیارة مطالب أو زیارة مباركة وإعادة تأھیل ورد اعتبار للقاتل المجرم الأثیم ؟!

تصریحات ومواقف وسیاسات یمكن أن یُكتب حولھا الكثیر ولكن المأمول من المتضرر الأول منھا أن یدفع عن نفسه عارھا وشنارھا وشرھا ، وقیمة الكلمة في وقتھا. وبعد فواته  فلا ینفع البكاء على اللبن المسكوب ...

_________

*مدیر مركز الشرق العربي

===========================

سوريو تركيا بين اللجوء والهجرة غير الشرعية

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 25/7/2019

أصدرت ولاية إسطنبول بياناً عبرت فيه عن عزمها على مواصلة مكافحتها لـ«الهجرة غير الشرعية»، وذلك في أعقاب أيام من حملات الشرطة التركية، في شوارع إسطنبول وأحيائها، لاصطياد سوريين بدعوى أنهم لا يستوفون شروط نظام «الحماية المؤقتة» وترحيلهم إلى ما وراء الحدود. ثمة تقديرات تتحدث عن نحو 400 سوري ممن شملهم الترحيل إلى أرياف إدلب، بصورة رئيسية، وعفرين الخاضعة للفصائل المسلحة التابعة للجيش التركي هناك. أما ريف إدلب، الذي تتوزع في أنحائه نقاط مراقبة عسكرية تركية، فهو يتلقى القنابل من الطيران الروسي والأسدي، منذ أواخر شهر نيسان الماضي، وأغلب ضحاياه من المدنيين.

خلا بيان الولاية من أي ذكر للترحيل إلى ما وراء الحدود، بل حدد هدفه بترحيل أصحاب بطاقات التعريف الصادرة من ولايات أخرى، من إسطنبول إلى تلك الولايات. كما يتم ترحيل من لا يحملون بطاقة التعريف الخاصة بالحماية المؤقتة إلى ولايات تصدر تلك البطاقات تحددها لهم إدارة الهجرة، وفقاً لبيان الولاية. أي أن الترحيل إلى سوريا غير وارد في جميع الأحوال، وهذا ما يتماشى مع معاهدة جنيف الصادرة في العام 1951، ووقعت عليها تركيا. فقد نصت تلك المعاهدة على عدم جواز إعادة اللاجئين إلى بلدانهم، بأي شكل من الأشكال، ما دام هناك خطر على حياتهم.

فلا محل هنا للحديث حتى عن «عودة طوعية»، فليس الفرد اللاجئ مؤهلاً ليقرر زوال الخطر المحتمل على حياته في بلده الأصلي، بل هذا من صلاحيات الأمم المتحدة. فلا قيمة قانونية لوثيقة «العودة الطوعية» التي يرغم بعض السوريين على التوقيع عليها في لبنان أو تركيا أو أي بلد آخر من البلدان التي تستقبل اللاجئين السوريين، لتبرير ترحيلهم القسري بغطاء قانوني زائف. كل هذا ولم نتحدث عن مصطلح «الهجرة غير الشرعية» الذي من المفروض ألا ينطبق على السوريين الهاربين من بطش النظام أو المنظمات الجهادية أو الحرب. فهؤلاء لاجئون لم يختاروا «الهجرة» بشكل طوعي.

بين ابتزاز أوروبا والتنافس مع أحزاب المعارضة على استثمار الاستياء الاجتماعي من وجود السوريين، لا شيء يدعو للتفاؤل بنهاية قريبة لهذه المأساة الإنسانية

يحار المرء في فهم السياق السياسي لهذا التحول المفاجئ في تعامل السلطات التركية مع السوريين المقيمين على أراضي تركيا. صحيح أن اللاجئ السوري في تركيا لم يتمتع يوماً بوضع قانوني كلاجئ له حقوق محددة، وأنه عومل كـ»ضيف» عابر، وفقاً للخطاب الرسمي في بداية سنوات اللجوء، ثم خضع لقيود كثيرة، مع بعض الحقوق كالتأمين الصحي المجاني والاستفادة من الخدمات التعليمية، في إطار نظام «الحماية المؤقتة»، لكنه، بالمقارنة مع بلدان الجوار الأخرى، كان في وضع أفضل، وإن كانت السلطات قد بدأت، منذ العام 2015، بالتشدد في قبول مزيد من الهاربين من جحيم الحرب، وسجلت حوادث كثيرة أطلق فيها حرس الحدود النار على محاولي عبور الحدود بصورة غير نظامية، قتل بعض منهم، إضافة إلى التنكيل الجسدي الذي تعرض له كثيرون ممن وقعوا بين أيديهم، قبل إعادتهم من حيث جاؤوا. وفي السنتين الأخيرتين بات عبور الحدود رهناً بدفع مبالغ ضخمة للمهربين، مقابل عبور آمن لا يقتلون خلاله.

التحول المفاجئ وقع، بصورة رئيسية، في مدينة إسطنبول التي يقطنها أكثر من نصف مليون سوري، فشن البوليس حملة على السوريين في الشوارع، تم اقتيادهم إلى الحدود ليلقي بهم وراءه حيث الحرب دائرة بكل شراستها في إدلب وجوارها. وأول ما يتبادر إلى الذهن هو رد هذا التحول إلى الهزيمة القاسية التي تعرض لها حزب العدالة والتنمية في انتخابات الإعادة لمنصب رئاسة بلدية إسطنبول. فقد جاءت الإشارة الأولى لتغيير السياسة تجاه اللاجئين السوريين من الرئيس اردوغان الذي كان يتحدث إلى المجموعة البرلمانية للحزب. فقد أبدى عدد من نواب الحزب ملاحظة مفادها أن الحزب فقد الكثير من أصوات الناخبين بسبب موقفه الإيجابي من اللاجئين السوريين. فكان رد الرئيس على تلك الملاحظات هو الوعد بـ«تشجيع السوريين على العودة إلى بلادهم» و«ترحيل المخالفين منهم للقوانين والنظام العام» و«وضع رسم مالي مقابل استفادة السوريين من نظام التأمين الصحي». وقد بدأت حملة الشرطة بعد هذا الكلام بأيام قليلة جداً. يمكن القول، إذاً، إن الدافع السياسي وراء هذا التغيير، جزئياً على الأقل، هو التنافس مع أحزاب المعارضة على إرضاء الناخب المستاء من وجود السوريين في تركيا لمختلف الأسباب.

لكن وزير الداخلية، سليمان صويلو، أطلق تصريحات متتالية، في اليومين الأخيرين، يمكن أن نفهم منها سبباً آخر وراء الحملة البوليسية. فقد قال في اجتماع مع خفر السواحل في إزمير إن الحكومات الأوروبية لن تصمد ستة أشهر في الحكم، إذا سمحت تركيا بعبور اللاجئين باتجاه أوروبا! وأضاف مخاطباً تلك الحكومات: «إن كنتم لا تصدقوننا تعالوا لنجرب!»

الغريب أن هذا التصريح الواضح في مضمونه الابتزازي قد تزامن مع وصول دفعة من أموال الدعم الأوروبية المخصصة للاجئين السوريين في تركيا، بلغت 1,1 مليار يورو! فهل يعني ذلك أن الحكومة التركية غير راضية عن حجم المبلغ، وتضغط من أجل الحصول على المزيد؟ أم أن كلام الوزير صويلو يأتي في إطار الاحتجاج على العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على تركيا بسبب استمرار تنقيبها عن الغاز قرب سواحل قبرص، وهو ما تعارضه أوروبا والولايات المتحدة وروسيا جميعاً وتعتبره عملاً غير شرعي؟

في اليوم التالي، أطلق صويلو تصريحات جديدة بشأن الحملة ضد «الهجرة غير الشرعية» عبر فيها عن عزم الحكومة على مواصلة مكافحة تلك الهجرة، متوعداً بطرد 80 ألف من «المهاجرين غير الشرعيين» خارج الحدود التركية، حتى نهاية العام الحالي.

بين ابتزاز أوروبا والتنافس مع أحزاب المعارضة على استثمار الاستياء الاجتماعي من وجود السوريين، لا شيء يدعو للتفاؤل بنهاية قريبة لهذه المأساة الإنسانية.

===========================

روسيا ودبلوماسية الكذب

غازي دحمان

العربي الجديد

الاربعاء 24/7/2019

أن يتحوّل الكذب، الفاضح، أداة دبلوماسية وتفاوضية، فذلك أمر يثير الاستغراب والدهشة، ذلك أن التصريحات الدبلوماسية، بخلاف الإعلام الموجه إلى فئات وشرائح محدّدة، وبغرض ترويج سياساتٍ بعينها، حيث يسهل تمرير الأكاذيب، بل إنها تصبح مطلوبةً من الجماهير المتلقية لتثبيت سرديتها عن الحدث السياسي الذي تؤيده. الأمور في الدبلوماسية مختلفة، فالمعلومات يجري فحصها بدقة شديدة، ولدى كل طرف طرقه ووسائله للوصول إلى المعلومة الصحيحة، وبالتالي من الصعب على الطرف المقابل تمرير الأكاذيب، والإفادة منها بوصفها معطيات قابلة للتصديق.

مناسبة هذا الحديث المعلومات التي أدلى بها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في مؤتمره الصحافي مع نظيره الإيفواري، مارسيل آمون تانو، إن عدد اللاجئين السوريين الذين عادوا من الأردن بلغ 210 آلاف لاجئ، وذلك في إطار تعليقه على قول نظيره الأميركي، مايك بومبيو، إن التعاون العسكري الروسي - الإيراني في سورية أدى إلى نزوح حوالي ستة ملايين سوري من بلادهم. لم يكتف لافروف بالقول إن معلومات الوزير الأميركي غير حقيقية، وتساءل عن الجهة التي زودته بمثل هذه المعلومات، ونصحه بمتابعة البيانات اليومية التي يصدرها المركز الروسي للمصالحة في سورية، والتي تقدم الإحصائيات الخاصة باللاجئين العائدين، وتروي عن الإجراءات التي تقوم بها روسيا دعما لجهود تهيئة الظروف المواتية 

"يدّعي لافروف أن اللاجئين السوريين الذين عادوا من الأردن 210 آلاف.. فيما تؤكد الحكومة الأردنية أنهم 20 ألفاً" لعودة جميع اللاجئين، كتزويدهم بالمياه والكهرباء والخدمات الاجتماعية والتعليم!

لا يخفي هذا المركز ذو الطابع الاستخباراتي، المسمّى مركز مصالحة، انحيازه المطلق لنظام الأسد وعداءه للمعارضين، أفراداً وفصائل ومجتمعات محلية، بدليل أنه قام بهندسة المصالحات التي أنجزها باستخدام أسلوب الأرض المحروقة، وتجريب مختلف أصناف الأسلحة الروسية على جسد تلك المجتمعات، وعبر تدمير عمرانها وبناها التحتية. وبالتالي، يستحيل على جهةٍ تحترم نفسها بالحد الأدنى، اعتماد بيانات هذا المركز بوصفها معطياتٍ يمكن على أساسها صناعة قرارات سياسية.

وللمصادفة، تزامنت تصريحات لافروف مع نشر صحيفة الغد الأردنية مقالة عن تفكيك مخيمات اللاجئين في سورية، ونشر صحيفة البايس الإسبانية تقريرا بعنوان "هكذا يعيش اللاجئون السوريون في الأردن"، ويريد فيهما أن عشرين ألف سوري فقط هو عدد اللاجئين العائدين من الأردن، بحسب الحكومة الأردنية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. كما أن القائم بأعمال سفارة نظام الأسد في الأردن، أيمن علوش، اشتكى من قلة عودة اللاجئين السوريين من الأردن، واتهم الدول المتآمرة على سورية بالاستثمار باللاجئ السوري، وتعطيل عودته، بطرق مختلفة، منها مثلاً، والكلام لعلوش، السماح للاجئين في المخيمات بالخروج منها والحصول على تراخيص عمل! وكأن المطلوب من الأردن محاصرة اللاجئين السوريين وقطع الطعام والماء والكهرباء عنهم حتى ينهوا لجوءهم إلى الأردن. وقد نشرت تصريحات علوش في 29 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران 2019)، بمعنى أنها سبقت تصريحات لافروف بعشرين يوماً، ومن المستحيل أن يكون عدد اللاجئين العائدين قد قفز في هذه المدة القصيرة ليصل إلى مئتين وعشرة آلاف؟ وهنا يحق لبومبيو نصح زميله الروسي بمراجعة مقابلة علوش هذه.

وأكبر من الكذب بشأن أعداد اللاجئين السوريين، ادعاء لافروف أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تبنّيا "موقفا أيديولوجيا شديد التحيز" إزاء مسألة هؤلاء، وأنهما يرفضان الاستثمار في مشاريع ترمي إلى تسهيل عملية عودتهم إلى أراضٍ تخضع لسيطرة الحكومة السورية، فأين هو التحيز الأيديولوجي في استقبال اللاجئين، وهل التحريض على طردهم ليس تحيزاً أيديولوجيا، تماماً مثلما يأخذ علوش (القائم بالأعمال) على السلطات الأردنية إصدارها تراخيص عمل للاجئين ليعيلوا أنفسهم وأولادهم، بعد أن يؤكّد أن الأمم المتحدة قد خفّضت من حجم مساعداتها لهم؟

ولكن لماذا الاستغراب؟ ألم يقل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إن اللاجئين السوريين في

"لا المركز ذو الطابع الاستخباراتي، المسمى المركز الروسي للمصالحة انحيازه المطلق لنظام الأسد وعداءه للمعارضين" أوروبا يقتلون ويغتصبون من دون عقاب، وهم محمّيون قانونياً؟ والأكثر من ذلك؛ ظل لافروف سنواتٍ وهو يعيّر الغرب بأن لديه أهدافاً "ألعاباً" جيوسياسية في سورية، ويدعوه إلى التخلي عنها من أجل إيجاد حل سياسي للأزمة، في وقت كانت روسيا تبني أساسات مشروعها الجيوسياسي في سورية على رؤوس الأشهاد، عبر السيطرة على موانئ البلد ومطاراته، ومناجم فوسفاته ونفطه، أم أن مفهوم الجيوسياسية عند لافروف هو خلاف هذه التفاصيل؟

اللافت أن لافروف يوظّف هذه المعطيات، في مساوماته مع الدول الغربية، فروسيا تسعى جاهدة إلى تسويق مبادرة إعادة الإعمار في سورية، لمصلحة شركاتها، وإقناع الدول الغربية بالمساهمة في هذا المشروع. بالطبع، فشلت المبادرة فشلاً ذريعاً، ولم يستجب أحد لها، وكان فشلها طبيعياً، إذ يصعب أن تصدق دول العالم الأكاذيب، إذا كانت ستدفع مقابلها أموالا. يمكن أن تتعامل معها بوصفها طرفة، لكن أن تدفع على أساسها أموالا وتقيم استثمارات، فذلك لا يصدقه أحد، باستثناء الوزير لافروف.

والغريب أنه في زمن الفضاءات المكشوفة والمعلومات السائلة والمتوفرة لكل شخص عبر الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة، ما زال بعضهم يعتقد أن في الوسع تمرير الأكاذيب بوصفها حقائق؟ وما زالت أنظمة القمع تستخدم أداة الكذب وسيلة لإقناع الناس بما لا يقبله العقل والمنطق، كما تفعل وسائل إعلام روسيا وإيران، بشأن سورية مثلاً.

===========================

الصراع في سوريا وعليها

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 24/7/2019

اشتهر كتاب باتريك سيل "الصراع على سوريا" المنشور في الخمسينيات من القرن الماضي والذي سرد فيه الصراع بين المحاور العربية للاستحواذ على سوريا خاصة الصراع بين الهاشميين والسعوديين وصراع المحاور المصري – السعودي – العراقي في ذلك الوقت، أما اليوم فأعتقد أن صراع المحاور الدولية والإقليمية أصبح داخل سوريا وليس عليها، فالعامل الدولي، وهو عامل كان له وما زال دور رئيسي في تحديد مستقبل الحرب السورية وحتى في تحديد علاقة السوريين مع بعضهم البعض، فتغيير اهتمام الأطراف الدولية بالحرب السورية لم يدفع إلى انتهاء الحرب وإنما إلى تأجيجها يوما بعد يوم، صحيح أن المنتصر اليوم هو معسكر "الشر" متمثلا بالأسد وحلفائه روسيا وإيران، حيث لا قيم ديمقراطية أو احترام لحقوق الإنسان في أي منهما وبالتالي نموذج الأسد في الحكم يبدو مثاليا بالنسبة لهما، حكم دكتاتوري أقلوي يحكم عبر القتل والتعذيب دون أي اعتبار لحاجات الناس ومصالحها، إنه حكم القوة العارية.

بالمقابل يبدو المعسكر الذي دعم المعارضة السورية وخيار الثورة السورية من البداية مفككا مضعضعا ومهلهلا، فظهور داعش غيّر الأولويات الدولية وغيّر استراتيجية الولايات المتحدة تجاه سوريا خلال إدارة أوباما وبقي الشيء نفسه تحت إدارة ترمب مع جرعة زائدة من اللامبالاة وعدم الاكتراث حيث اختفت قيم نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان من أجندة الولايات المتحدة، ورفع شعار أميركا أولا الذي

مع اندلاع الربيع العربي اصطفت الأنظمة العربية في موقفها من الثورات العربية وتنحّت القضية الفلسطينية رويداً رويداً ليصبح التركيز على معالجة ظواهر المظاهرات والثورات العربية التي عصفت بثماني دول عربية

يركز فقط على الصفقات التجارية والأرباح ، وسوريا ليست صفقة رابحة بأي معنى من المعاني، وبالتالي ضاعف وصول ترمب إلى البيت الأبيض من سياسة اللامبالاة الدولية وهو ما جعل معسكر المعارضة يتشتت بشكل كبير حيث حدث الانقسام الخليجي الكبير في فرض حصار قطر، وحرب اليمن ليخلق انقساما وشرخا إقليميا يحتاج إلى عقود من أجل رأبه وتخفيف الصدوعات داخله. إنه أشبه بالحرب الباردة العربية الثانية.

بحلول سبعينيات القرن الماضي، ومع وفاة عبد الناصر، لم يتمكن الاتحاد السوفيتي من مواكبة الولايات المتحدة في دعم حلفائها العرب، والفشل المستمر في هزيمة إسرائيل، وصعود إيران كقوة إقليمية معادية للعديد من المصالح العربية، يمكن القول حينها إن الحرب الباردة العربية قد انتهت. أو على الأقل خمدت. مع اندلاع الربيع العربي اصطفت الأنظمة العربية في موقفها من الثورات العربية وتنحّت القضية الفلسطينية رويداً رويداً ليصبح التركيز على معالجة ظواهر المظاهرات والثورات العربية التي عصفت بثماني دول عربية على الأقل.

فالاصطفاف اليوم يبدو واضحا ولكن ليس على قاعدة الرأسمالية والشيوعية وإنما بين المعسكر الذي يؤيد الثورات العربية وحق الشعوب في اختيار حكامها وأنظمتها الديمقراطية، وبين المعسكر المؤيد للدكتاتوريات والحكم العسكري العربي رغم فشله في حكم البلاد العربية على مدى الخمسين عاما الماضية.

فالسعودية والإمارات ومصر السيسي تشكل تحالفا يبدو مؤثرا لجهة إعادة فرض الاستقرار عبر أشكال من الحكم العسكري عبر دعم حفتر والمجلس العسكري في السودان ونظام الأسد بشكل خفي على الأقل، في حين يبدو المعسكر الآخر من دون مركز ولا تدعمه سوى حركات الثورات العربية التي تعبر عن حاجة ماسة للتغيير في طرق الحكم في العالم العربي، وهو ما انعكس على سوريا بشكل أو بآخر مع تحول معسكر دعم الثورة ممثلاً في السعودية والإمارات إلى معسكر متصالح مع الأسد.

أما تركيا والتي تعتبر الداعم الأبرز للمعارضة السورية اليوم والأكثر ثباتاً في موقفها من

تشعر تركيا أكثر من أي يوم مضى بأن اللاجئين السوريين أصبحوا أشبه بالقنبلة الموقوتة التي ربما ستنفجر قريبا ويكون ثمنها خسارة الحكم

نظام الأسد، فقد دفعت التغييرات الداخلية فيها وخاصة فوز المعارضة في انتخابات الإعادة في إسطنبول التي رفعت شعارات طرد السوريين وتقييد حركتهم وإغلاق محلاتهم دفعت الحزب الحاكم ممثلا في العدالة والتنمية في صب جام غضبه على السوريين من أجل إعادة كسب الأصوات في المعركة الانتخابية القادمة وسحب البساط من تحت أقدم المعارضة في موقفها من اللاجئين السوريين.

وبالتالي تشعر تركيا أكثر من أي يوم مضى بأن اللاجئين السوريين أصبحوا أشبه بالقنبلة الموقوتة التي ربما ستنفجر قريبا ويكون ثمنها خسارة الحكم والانتخابات حيث لم يخسر حزب العدالة والتنمية أية انتخابات منذ وصوله إلى الحكم عام 2002 ولذلك تضع تركيا في صلب مصالحها الاستراتيجية شمال سوريا ليس فقط التخلص من قوات حماية الشعب ممثل حزب العمال الكردستاني في سوريا، وإنما فرض منطقة آمنة بأي شكل وإعادة السوريين لها مهما كانت ظروف هذه المنطقة وأحوالها المعيشية والخدمية، المهم بالنسبة لها أن تفرض واقعا على الأرض يحقق المعادلة الصعبة بالنسبة لها، عدم التعامل مع الأسد بشكل مباشر أو السماح له من الاقتراب من الحدود السورية – التركية وبنفس الوقت التخلص من ملايين السوريين اللاجئين على أراضيها بحيث تستطيع أن تسقط استخدام هذه الورقة من أيدي المعارضة التي على ما يبدو تعتبر هذه الورقة الوحيدة الرابحة بجيبها. كما تظهر الموجة العالمية للشعبوية والعداء للمهاجرين في أوروبا والولايات المتحدة.

===========================

مجازر إدلب: روسيا تمهّد بالدم لأستانة

أمين العاصي

العربي الجديد

الثلاثاء 23/7/2019

صعّد النظام السوري وحليفه الروسي من وتيرة ارتكاب المجازر بحق المدنيين في شمال غربي سورية، قبيل أيام من جولة مفاوضات جديدة في سياق مسار أستانة في مسعى لكسب أوراق سياسية إضافية تترجم سياسياً، ولفرض رؤية تقوم على اعتراف المعارضة السورية المسلّحة بخارطة السيطرة الجديدة التي تتيح لقوات النظام البقاء في مناطق سيطرت عليها خلال الحملة العسكرية المستمرة منذ أواخر إبريل/ نيسان الماضي. وفي واحدة من أكبر المجازر خلال التصعيد الأخير، قُتل أكثر من 40 مدنياً وأصيب أكثر من مائة جراء غارات استهدفت مدينة معرة النعمان، أكبر مدن ريف إدلب الجنوبي، وسراقب في ريف إدلب الشرقي. وشنت الطائرات الروسية غارة على سوق شعبي في مدينة سراقب، ما أدى مقتل ستة مدنيين على الأقل وجرح آخرين من دون أن تتضح الحصيلة النهائية للضحايا نظراً لخطورة وضع أكثر من 8 جرحى. وشهدت مدينة معرة النعمان المجزرة الأكبر منذ بداية التصعيد قبل أشهر، إذ قتل ما لا يقل عن 32 شخصاً وأصيب أكثر من نحو 105 جرحى، بعضهم في حالات خطرة.

ووفق مصادر ميدانية متعددة، بينها شبكة "أخبار إدلب"، فإن طائرة حربية تابعة لسلاح الجو الروسي نفّذت أربع ضربات جوية على سوق شعبية ومنازل وسط معرة النعمان، ما أدى إلى مقتل وإصابة هذا العدد الكبير من المدنيين. وأضافت أن "عدد القتلى مرجح للارتفاع بسبب وجود عالقين تحت الأنقاض، وكثرة الجرحى وخطورة بعض الإصابات التي بلغ عددها العشرات"، مشيرة إلى أن "من بين القتلى عنصراً من الدفاع المدني، إذ استُهدفت فرق الإنقاذ التي حاولت إسعاف المدنيين بعد الضربة الأولى". لكن وزارة الدفاع الروسية، نفت في بيان لها، مشاركة طائراتها في قصف بلدة معرة النعمان. وجاءت المجزرة بعد يوم من مجزرة مماثلة في قرية أورم الجوز، جنوبي إدلب، وقُتل وأصيب فيها عشرات المدنيين.

 من جانبه، أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان، الى أن طائرات النظام نفذت أمس، 24 غارة على كل من معرة النعمان وكفرسجنة ومعرزيتا وأرمنايا وبسيدا وكفروما بريف إدلب الجنوبي، ومحور كبانة بجبل الأكراد، والسرمانية ودوير الأكراد بسهل الغاب، فيما ارتفع إلى 15 عدد الغارات التي نفذتها طائرات روسية على كل من معرة النعمان وخان شيخون والركايا والتمانعة وترعي جنوب إدلب، ومورك بريف حماة الشمالي.

وردت فصائل المعارضة السورية على مجزرة معرة النعمان بقصف تجمعات قوات النظام بالمدفعية والصواريخ في السقيلبية وسلحب بريف حماة الغربي "ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من عصابات الأسد"، وفق المتحدث الرسمي باسم الجبهة الوطنية للتحرير النقيب ناجي أبو حذيفة. ورأى أبو حذيفة، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "التصعيد من قبل النظام وحليفه الروسي تجاه المدنيين جاء بسبب فشلهما الكبير في معارك ريف حماة الشمالي"، مضيفاً أنه "عندما تتعرض قوات النظام للهزائم تقصف المدنيين وترتكب المجازر بحق الأطفال والنساء". وأشار إلى أن "انتقام النظام والروس من المدنيين دليل على الفشل وعدم القدرة العسكرية".

بدوره، دان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وفريق "منسقو استجابة سورية" المجزرة. وذكر الائتلاف في تصريح له أنه "بات واضحاً أن النظام وحلفاءه عالقون في حتمية خياراتهم الأولى، وبسبب طبيعتهم الاستبدادية والديكتاتورية والقمعية، فإنهم لا يتصورون وجود خيارات بديلة سوى الاستمرار في القتل، ومن هنا تظهر مجدداً مسؤولية المجتمع الدولي تجاه حالة الاستعصاء الجارية وسلسلة القتل المستمرة التي تهدف إلى تقويض جهود استئناف العملية السياسية".

ويأتي القصف الجوي الذي يؤدي إلى مجازر بحق المدنيين ليؤكد مرة أخرى عجز قوات النظام والمليشيات المدعومة من الجانب الروسي عن التقدم البري، ما يدفع إلى الضغط على الحاضن الشعبي للمعارضة من خلال ارتكاب المجازر. وهذا السيناريو المتوحش سبق أن طبّقه النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون في حلب وريف دمشق وريف حمص الشمالي وجنوب سورية، لأن المدنيين هم نقطة ضعف المعارضة المسلحة. ويأتي الفتك بالمدنيين قبيل أيام من انعقاد الجولة المقبلة من مفاوضات أستانة مطلع شهر أغسطس/آب المقبل، في مسعى من النظام والجانب الروسي لفرض رؤيتهما حيال الموقف في الشمال الغربي من سورية. ويبدو أن روسيا لا تزال تصرّ على موقفها القائم على فرض أمر واقع جديد في المنطقة واعتراف الجانب التركي بالحدود المستجدة بعد بدء التصعيد الأخير أواخر إبريل الماضي، قبيل إيقاف إطلاق النار. وهو ما رفضته أنقرة وفصائل المعارضة السورية بشكل قاطع، لأن الأتراك يطالبون بعودة قوات النظام إلى حدود اتفاق سوتشي، قبل البحث في أي اتفاق جديد يوقف إطلاق النار. ومن المتوقع أن تكون الجولة المقبلة من أستانة حاسمة على هذا الصعيد؛ فإما اتفاق تركي روسي يعيد الهدوء على الجبهات وينهي القصف الجوي، أو فشل جديد يؤجج الصراع أكثر في الشمال الغربي ويفتحه على كل الاحتمالات. ومع إدراك الجانب الروسي فشله في إحداث اختراق كبير في جبهات القتال خصوصاً في ريفي حماة واللاذقية، لجأ إلى التصعيد الجوي في مسعى لدفع المعارضة لإجراء تسوية للنظام. لكن المعارضة التي جربت تسويات النظام في مناطق عدة كانت تحت سيطرتها اكتشفت أن المصالحة مع النظام مدخل للفتك بالمعارضة المسلحة وحاضنها الاجتماعي لا أكثر ولا أقل.

وفي السياق، رأى العقيد مصطفى البكور، قائد العمليات في "جيش العزة" أبرز فصائل الجيش السوري الحر في ريف حماة الشمالي، في حديث مع "العربي الجديد" أن "الجولة المقبلة من مفاوضات أستانة حلقة من حلقات مؤامرة القضاء على الثورة السورية". وكان الجانب الروسي أعطى قوات النظام الضوء الأخضر للبدء بحملة عسكرية تعد خرقاً لاتفاق سوتشي بين أنقرة وموسكو، المبرم في سبتمبر/أيلول الماضي، والذي أنشئت على أساسه منطقة منزوعة السلاح في محيط محافظة إدلب. وتؤكد المعطيات أن السبب المباشر وراء الحملة هو عدم قبول الجانب التركي إملاءات روسية تخص اللجنة الدستورية وطريقة التعامل مع الموقف في شمال غربي سورية.

إلى ذلك، أكدت جهات مختصة بالتوثيق أن حجم المأساة في الشمال الغربي لسورية يكاد يصل إلى حدود الكارثة بكل أبعادها. وعلى هذا الصعيد، وثّق فريق "منسقو استجابة سورية" مقتل 1010 مدنيين، بينهم 281 طفلاً منذ بداية حملة قوات النظام وروسيا على الشمال الغربي السوري في الثاني من فبراير / شباط الماضي، وحتى يوم أمس. وأضاف الفريق الذي يضم ناشطين بمختلف المجالات، أن الحملة تسببت في نزوح أكثر من 103050 عائلة (670837 نسمة). وقدّر الفريق حجم الأضرار الاقتصادية نتيجة الحملة بنحو 466 مليون دولار، لافتاً إلى أن الضرر طاول مستشفيات ومراكز صحية ومدارس ومساجد ومنشآت تجارية وأسواقا. وسبق أن تعرّضت 8 مرافق للمياه للقصف في معرة النعمان خلال الشهرين الأخيرين، من بينها محطة الضخ الأساسية. وهو ما هدّد وصول المياه لحوالي ربع مليون مدني.

===========================

أستانا جديدة وشركاء الاضطرار

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 22/7/2019

لم تضق أرض بسوري، ولم تكن على تلك الدرجة من البرودة حتى المعنوية، فضلاً عن الطقسية، كما كانت "أستانا" عاصمة "كازخستان"، وأحَدْ جمهوريات /الاتحاد السوفيتي/ سابقاً، والمرتبطة عضوياَ بـ/الاتحاد الروسي/ لاحقاً. ربما لذلك اختارها بوتين لتكون المقبرة المزركشة للحق السوري. هناك تم إجهاض أحد أهم بنود القرار الدولي 2254 وبيان جنيف في /وقف إطلاق النار/ في سوريا، وتحويله إلى ما تم الاصطلاح عليه بـ "خفض التصعيد". كان الشعور السائد أن الثماني والأربعين ساعة التي نمضيها هناك أقسى من ثمان وأربعين سنة؛ وكأنها تذكِّر بعام ثمانية وأربعين. كانت الخسارة حتمية، وكان هدف المشاركة التخفيف من منسوب الخسائر أمام المخرز الروسي؛ الذي أضاف لاحقاً إيران كـ "ضامن".

جولة إثر جولة، استمرت "أستانا" بالتعثر؛ وفي أوقات كانت ورقة نعوتها جاهزة. كابَرَ أصحابها؛ وادّعوا أنها الطريق إلى الحل

لم يكتف السيد بوتين بإدخال إيران كحام إضافي لمنظومة الاستبداد في دمشق، بل يزيد في الطنبور نغماً بإضافة سلطتين شريكتين لنظام دمشق؛ العراق ولبنان، ليكونا إلى جانبه في أستانا

في سوريا؛ وهي الأكثر عملية وإنتاجاً من "جنيف"؛ وكلما دعسوا اتفاق "خفض تصعيد"، تبعوه بآخر، إلى أن وصلوا إلى إدلب التي تحوّلت إلى مجمع للمنفيين داخلياً. خرجت إدلب من عباءة أستانا إلى اتفاق في "سوتشي". وحتى هذا، أراد بوتين تمزيقه، ولكن الليل لم يكن طوع بنان الحرامي.

بعد عشرة أيام، تُعْقَد الجولة 13 من أستانا. ولم يكتف السيد بوتين بإدخال إيران كحام إضافي لمنظومة الاستبداد في دمشق، بل يزيد في الطنبور نغماً بإضافة سلطتين شريكتين لنظام دمشق؛ العراق ولبنان، ليكونا إلى جانبه في أستانا. وكل ذلك لمزيد من محاصرة تركيا وبقايا الحق السوري.

هذه "الأستانا" لن تكون على هوى أصحابها، حتى ولو سادت مظاهر اجتماعاتها الفخامة وكِبَر "الهيصة"؛ فالتوتر الروسي - التركي على أشدّه رغم الأس 400. بنظر روسيا، تركيا لم تفعل شيئاً تجاه "النُصرة"، ولا تجاه المنطقة منزوعة السلاح؛ وهناك شبه مواجهة عسكرية، ولو بالوكالة. تنسى روسيا ربما أنها هي التي اختارت تلك المواجهة، وهي التي أرادت تجهيز نفسها للقاء القدس، ولقِمّة "أوساكا"؛ ببساطة، لأن أميركا تهمها أكثر من تركيا؛ وكان مهماً بالنسبة لها أن تذهب إلى هذين الاجتماعين وبيدها منجز على الأرض؛ واستلزم ذلك مواجهة مع تركيا. لم تحقق ما أرادت ميدانياً؛ وبفضل بعض من يلتقونها في أستانا؛ ومن هنا، جن جنون موسكو لأنها لم تحقق سيطرة على إدلب يعطي أفضلية للنظام كي تكون التسوية على مقاسهما. المفارقة أن موسكو لا تستشعر فقط الانتكاسة الميدانية، بل تتيقن أنه حتى "حميميم" في خطر.

لا تختلف الطبيعة الاضطرارية الابتزازية الانتهازية للعلاقة الروسية - التركية عن نظيرتها الروسية -الايرانية. واضح أن السيد بوتين جاهز لكل شيء مقابل علاقة حميمية مع إسرائيل وأميركا. ومن هنا كانت أول وأهم مدفوعاته لهما -في سبيل تلك العلاقة- العمل على خنق شريكته في القتل في سوريا. هذه العلاقة انتقلت من طور الشكوك والارتياب بينهما إلى الطور شبه المواجهاتي؛ وما إغلاق منفذ إيراني من العراق إلى سوريا، استجابة لطلب أميركي، إلا أول الغيث. وهنا كان الرد الإيراني بعدم دعم الفيلق الروسي الخامس في الشمال السوري، إضافة إلى شيء من الغزل بين إيران وتركيا. ولن يطمْئن إيران إرسال وفد روسي إلى طهران، ففي الوقت ذاته، قامت روسيا ببعض الإجراءات والترتيبات في القيادات الأمنية السورية تجعل ذراع إيران الأمنية في سوريا تدور في الفراغ.

تبقى علاقة السيد بوتين مع كل من أميركا وإسرائيل الأمر الأهم بالنسبة له. لا ينفك

تريد موسكو أن تحقق خرقاً، وتخرج بأي جنى سياسي من أربع سنوات دموية لها في سوريا. من أزمات الآخرين تريد أن تجترح منجزاً؛ والآخرون يدركون مأزقها

المسؤولون الروس عن التعبير عن الحرص على "أمن إسرائيل". مقابل ذلك يتم تجنيد روسيا في المساهمة بإخراج إيران من سوريا. وهنا تجد روسيا نفسها بين سندان الشراكة مع إيران بسفك دم السوريين، ومطرقة تلبية الرغبة الأمرو-إسرائيلية.

وفي العودة إلى أستانا 13، وفي ظل كل هذه المتناقضات والعلاقات الاضطرارية الانتهازية والابتزازية، تريد موسكو أن تحقق خرقاً، وتخرج بأي جنى سياسي من أربع سنوات دموية لها في سوريا. من أزمات الأخرين تريد أن تجترح منجزاً؛ والآخرون يدركون مأزقها. في أستانا ستعلن موسكو اتفاقاَ يكرس صمت السلاح في الشمال الغربي السوري على الوضع الميداني الراهن اضطراراً، وربما تفكّر بإعلان الاتفاق على "اللجنة الدستورية"، التي تشكل الموضوع الأسهل مقارنة بالقضايا الخلافية بين "ضامني" أستانا؛ ولكن إعلان كهذا لن يفيد روسيا، ولا يعبّر عن صدق وجدية تجاه العملية السياسية؛ لأن الأمر الطبيعي أن تقوم الأمم المتحدة بالإعلان عن ذلك، وفي مكان آخر. ذلك امتحان رمزي؛ فهل تنجح به موسكو؟!

إذا استمرت روسيا باعتبار سوريا محمية لها، وإذا رأت أن حلالاً لها أن تقتل وتدمر تحت ذريعة حماية /سيادة ووحدة وسلامة/ سوريا، واستمرت باعتبار مَن يدافع عن نفسه إرهابياً، وأن احتلالها هو الوحيد المسموح به على الأرض السورية، وأنه كلما حدث استعصاء في أي أمر تعزي سببه لأميركا أو غيرها ممن هم ليسوا على هواها، وأن تتحدث ليل نهار عن عملية سياسية، وعن حل سياسي؛ ولا تفعل إلا القصف والتدمير؛ فهذا سيبقيها في عالم البهلوانية والتكتكة الدموية والبلطجة. ليس 13 أستانا كافية لإخراجها من هذه الحالة؛ ربما تحتاج إلى مئات الأستانات. لتعلم روسيا أن للآخرين خططهم وفعلهم؛ ولن تتمكن من شحن سوريا إلى أي مكان، كما تعودت أن تشحن رأس نظامها. ستجد نفسها تشحن ذاتها من سوريا عاجلاً أم آجلاً، إذا استمرت على هذا النهج.

===========================

إيران في المواجهة لتحريك ركود العداء الأميركي

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 22/7/2019

استثمرت إيران، في قرار مجابهتها الولايات المتحدة الأميركية، على صعيدين داخلي وخارجي، وحوّلت رفضها الخضوع للشروط الاثني عشر التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، لعقد اتفاق نووي جديد معها وتطبيع العلاقات الأميركية - الإيرانية العام الماضي (21/5/2018)، إلى مسار آخر يمكن تسميته المواجهة الندّية، متجاوزة ما كانت تعتقده بعض القوى الإقليمية والعربية أنها خطوط حمراء، قد تكلف إيران بموجبها ضربة عسكرية أميركية موجعة، إلا أن ما حدث حتى اللحظة يدخل في إطار المكاسب الداخلية للنظام الإيراني، الذي يجتهد في تصوير تجاوزاته تلك للداخل الإيراني أنها حقيقة الثمن الذي دفعه الشعب الإيراني، لتكون دولته في موقع القوة المواجهة للولايات المتحدة الأميركية، والقوى الحليفة لها. وعلى الرغم من الشطط في هذا التصور، إلا أنه لبّى ما أراده النظام داخلياً، وذلك في "التخلي" أو التأجيل الشعبي لمطالب الإصلاح الاقتصادي والسياسي في الشارع الإيراني، التي كادت أن تصبح من معالم الحياة اليومية في بعض المدن الإيرانية، في انتظار ما ستؤول إليه المواقف الغربية الغامضة تجاه "التشبيح" الإيراني في منطقة الملاحة الدولية في مضيق هرمز.

وبينما تؤكد واشنطن أنها لا تسعى إلى الخيار العسكري ضد إيران، تتحرّك الأخيرة باتجاه وضع كل الأوراق دفعة واحدة على طاولةٍ مشتعلة، تختبر مدى قوة نيرانها ومساحة امتداد ألسنة لهيبها، أي إنها تجرّ القرار الأميركي إلى منطقة "ما بعد التعقل في العداء" الذي اتبعته بقرارات العقوبات الأميركية، والحصار الاقتصادي الذي أرهق النظام الإيراني داخلياً، وأربكه في علاقاته خارجياً. ولهذا، فإن خيارات طهران في المواجهة باستخدام القوة العسكرية، هي محاولة لزعزعة الركود العدائي بين الطرفين:

إما لتأزيمه، بحيث تقع المحظورات التي يعلم كل من الإدارة الأميركية والنظام الإيراني أنها تصبّ في غير صالحهما، فحيث تقتنص إيران توقيت مسعى الرئيس الأميركي إلى تجديد ولايته في الانتخابات المقبلة، ما يعني الرضوخ لإرادة ناخبيه بإبعاد شبح الحرب عن جنودهم، يستند الرئيس ترامب في الضغط على طهران اقتصادياً إلى تعقيد ظروف الحياة الداخلية، ما

"بينما تؤكد واشنطن أنها لا تسعى إلى الخيار العسكري ضد إيران، تتحرّك الأخيرة باتجاه وضع كل الأوراق دفعة واحدة على طاولةٍ مشتعلة" يؤدي إلى استخدام الاحتجاجات الداخلية وسيلة ضغط لتهذيب سلوك النظام الإيراني، والتفاته إلى الداخل، بديلاً عن انتشار قواته وتمدّدها في سورية ولبنان والعراق واليمن، وتجنيد مقاتلين محليين فيها كحزب الله، لزعزعة استقرار حليفتها إسرائيل.

أو لاحتواء العداء بالجلوس إلى طاولة مفاوضاتٍ ندّية، لا تعتمد مطالب أميركية فوقية حددها بومبيو العام الماضي، وعاد ليذكر بها من سوتشي، بعد مرور عام على طرحها (14/5/201) خلال لقائه وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف، مؤكداً أن المطلوب أن تتصرّف إيران بوصفها دولة طبيعية، أي أن تنظر إلى المطالب الأميركية الاثني عشر بأنها وسيلتها لتكون دولة طبيعية في المنطقة، (من وقف تخصيب اليورانيوم وعدم تكرير بلوتونيوم إلى إغلاق مفاعلها والسماح بتفتيش منشآتها، ووقف نشر الصواريخ الباليستية، إلى إطلاق سراح المحتجزين الأميركيين والأوروبيين وصولاً إلى سحب قواتها من سورية، والتعامل باحترام مع الحكومة العراقية، ووقف دعم حزب الله وحركة حماس والحوثيين و"طالبان" والإرهابيين في أفغانستان وغيرهم، والكف عن تهديد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، والمقصود إسرائيل والسعودية والإمارات، والتخلي عن تهديد عمليات النقل البحرية الدولية ووقف الهجمات السيبرانية "الإلكترونية").

هذه الشروط ذاتها هي التي حولها النظام الإيراني برنامج عملٍ من شأنه أن يحرج إدارة ترامب، وأن يحوّل حلفاء ترامب إلى مندّدين لسياسته التصعيدية ضد إيران والاتفاق النووي، فقد تجاوزت إيران نسب التخصيب التي استقرّ عليها الاتفاق، بما يؤدي إلى سماع صرخات الغضب الأوروبية على الانسحاب الأميركي من الاتفاق، وتابعت في تطوير صواريخها

"سورية هي الساحة المستأجرة للحرب غير المباشرة بين إيران وأميركا، التي لن تتحوّل إلى مباشرة" الباليستية، وتحدّت القرار الأميركي بتوسيع دائرة تدخلاتها في الدول الأربع، ما أهدر مفاعيل الوساطة الدبلوماسية الروسية التي اعتمدت على الرغبة الإسرائيلية - الأميركية بتحجيم إيران، لا محاربتها، وعلى واقعية إيران في خصومتها مع إسرائيل خلال العقود الثلاثة الماضية، بتحديد مساحة الحرب خارج حدودها، أي إن سورية هي الساحة المستأجرة لهذه الحرب غير المباشرة التي لن تتحوّل إلى مباشرة، على الرغم من الضربات الإسرائيلية على مواقع الانتشار الإيراني في سورية، من دون أن يعني هذا التصعيد أن إدارة خامنئي تقفل باب المفاوضات، ولكن ضمن ما يحفظ مصالحها داخلياً بإبعاد الأيدي الأميركية من العبث في علاقتها مع معارضتها، أي ضمان هدوء جبهتها الداخلية، وبالمحافظة على مصالحها في بواباتها العربية في سورية ولبنان والعراق، مع الاستعداد للتفاوض على إدارة ظهرها في اليمن، بعقد تفاهماتٍ مع دول الجوار، وفق منطق المنتصر المسالم، لا الخاسر المضطر.

وعلى ذلك، لا ترى إيران في استفزاز الولايات المتحدة أو حلفائها الغربيين، عملاً متهوراً، يدخلها في "الطريق الخطيرة" التي تحدث عنها وزير الخارجية البريطاني جيرمي هنت، السبت الماضي، تعليقاً على احتجاز إيران يوم الجمعة الماضية ناقلة النفط "ستينا إيمبيرو" التي كانت ترفع العلم البريطاني، وهي كما تبدو عملية تدخل ضمن تنفيذ ما صرّح به المرشد

"لا ترى إيران في استفزاز الولايات المتحدة أو حلفائها الغربيين، عملاً متهوراً، يدخلها في "الطريق الخطيرة"" الأعلى في إيران علي خامنئي (16/7/2019)، بعيد احتجاز القوات البحرية البريطانية الناقلة الإيرانية "غريس1": "إن إيران لن تدع تلك الأعمال تمر من دون رد"، وهي عملية بعد نحو شهر من إسقاط الطائرة الأميركية المسيرة (20/6/2019) في المضيق ذاته، وانتهت إلى مجرد فرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران، من دون رد فعلي سوّقته بعض وسائل الإعلام أنه سيكون الشعرة التي تقصم ظهر إيران، ليأتي الرد الأميركي المهادن وغير العسكري، بما يتناسب والخطة الإيرانية في تأكيد موقعها المقاوم أمام الشعب الإيراني، وبما يضمن للنظام سلامته من الثورة الداخلية ضده.

ربما تأتي خطوة الولايات المتحدة نشر قواتها في الخليج، وعمليتها العسكرية المعلن عنها تحت مسمى "غارديان"، لتأمين الطرق البحرية وتعزيز المراقبة والأمن في الممرّات البحرية لضمان حرية الملاحة، ولكن هذا يجعلنا نستذكر أن التمدّد الإيراني في العراق حصل مع الوجود الأميركي فيه، وجاء انسحابه من العراق، ليصب في مصلحتها، ما يجعل الاطمئنان للخطوات الأميركية رهاناً على المجهول الذي قد يفضي إلى صفقة إيرانية - أميركية، لا تلتفت إلى كل مصالح الدول من ممولي الحملة الأميركية على إيران، بل يمكن أن تكون الشرطي الذي يرفع عصاه بوجهها.

===========================

اللجوء السوري والمعادلة الأحادية

صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 21/7/2019

أسوأ زوايا النظر إلى مسالة اللجوء السوري في تركيا، هي تلك التي لا تبصر سوى معادلة أحادية، سياسية وإيديولوجية في آن معاً، مفادها ببساطة: حكومة رجب طيب أردوغان، و”حزب العدالة والتنمية” استطراداً، تساند اللاجئين السوريين؛ وأمّا المعارضة، وعلى رأسها “حزب الشعب الجمهوري”، فإنها تتخذ موقفاً معاكساً، وتضيّق الخناق على اللاجئين السوريين، وتطالب بترحيلهم.

لكنّ الواقع الفعلي على الأرض يتضمن قسطاً نسبياً من طرفَيْ هذه المعادلة، إذْ لا يخفى أنّ الكثير من القوانين والتدابير الإدارية التي اتخذتها حكومات “العدالة والتنمية” المتعاقبة خدمت اللاجئ السوري؛ ولا يخفى، في المقابل، أنّ المعارضة كانت ستتخذ، راغبة أم مضطرة، مسارات مشابهة لو أنها كانت في الحكم وتتحمل مسؤولية القرار. هذه خلاصة موضوعية لا يتوجب القفز عليها بدافع من التعاطف مع “العدالة والتنمية” أو النفور من المعارضة، فالحقائق على الأرض، ومثلها الإحصائيات الديمغرافية والمعطيات الاقتصادية ومؤشرات سوق العمل، تذهب جميعها إلى تأكيد الخلاصة إياها.

صحيح، على سبيل المثال الأحدث، أنّ ملفّ اللجوء السوري كان أحد أبرز الأركان الاجتماعية ــ الاقتصادية، ثمّ تلك السياسية بالضرورة، وراء الفوز (المزدوج، للتذكير!) الذي حققه أكرم إمام أوغلو في انتخابات بلدية اسطنبول؛ إلا أنّ برنامج الرجل لم ينهض على بند الترحيل الفوري للاجئين السوريين، أو حتى الترحيل المبرمج؛ ليس لأنّ تعهداً كهذا لن يكون واقعياً وصعب التنفيذ فحسب، بل كذلك لأنه يناقض النبرة الإنسانية العامة التي طبعت مجمل برامج إمام أوغلو بصدد اللجوء واللاجئين. كان طبيعياً، في المقابل، أن يحفل برنامجه بالكثير من نقاط الانتقاد لسياسات الحزب الحاكم في هذا الملفّ الحساس، وإنْ لم يكن هذا دور أيّ مرشح معارض، فما الذي كان سيبرر نجاحه في هزيمة بن علي يلدريم، رجل أردوغان وآخر رؤساء الحكومة في تركيا!

مثال آخر حديث العهد بدوره، جاء من السلطة الحاكمة هذه المرّة، وعلى لسان أردوغان نفسه، ثمّ وزير الداخلية، وانطوى على مقررات جديدة تستهدف تنظيم حياة اللاجئين السوريين في تركيا؛ لجهة الإقامة، والطبابة، والتعليم، وتراخيص العمل، وسواها. ولا ريب في أنّ هذا التوجّه يتوخى تعديل بعض السياسات التي استفادت المعارضة من نقدها في انتخابات اسطنبول، وكان من الحمق ألا يبصرها أردوغان وحزبه، بمفعول رجعي أيضاً، وألا تُتخذ كلّ الخطوات اللازمة لتفادي استمرار آثارها السلبية في أيّ استحقاق انتخابي مقبل.

تبقى سلسلة معطيات يتوجب أخذها بعين الاعتبار عند مناقشة مسألة النزوح السوري في تركيا، على رأسها تفاصيل الأرقام والإحصائيات التي تقول إنّ في تركيا اليوم قرابة 2,1 مليون نازح سوري في سنّ العمل (15ــ65 سنة، وفقاً لتصنيف معهد بروكنغز)؛ وأنه، في غياب إحصائيات رسمية، ثمة 500 ألف إلى مليون سوري من العاملين في قطاعات النسيج والألبسة والتعليم والبناء والخدمات العامة والزراعة. غير أنّ وزارة الداخلية التركية لا تسجّل إلا 65 ألف إذن بالعمل، الأمر الذي يشير إلى الهوة الفاغرة بين سوق عمل مرخصة وأخرى سوداء، وما تنطوي عليه السوق الثانية من تدنٍّ في شروط الشغل والأجور.

وهذه معطيات يتوجب أن توضع على خلفية المتاعب التي يعاني منها الاقتصاد التركي، الذي لم يسجّل في سنة 2018 معدّل نموّ في الناتج القومي يتجاوز 2,6%، مقابل 700 ألف مواطن يدخلون سوق العمل سنوياً، ونسبة بطالة بلغت 13,7 في الربع الأوّل من العام 2019. ليس غريباً، والحال هذه، أن تقفز قضية النزوح السوري إلى الصدارة في برامج الأحزاب السياسية، وأن تصبح عنصراً إشكالياً في النقاش السياسي داخل الفضاء الشعبي العريض إلى درجة أنّ أحدث استطلاع للرأي قامت به جامعة قادر حاس في اسطنبول أشار إلى نسبة 67,7% من المطالبين بترحيل اللاجئين السوريين.

وعلى نحو أو آخر، ليس تطوراً استثنائياً أن يتحوّل اللجوء السوري إلى مسألة تركية داخلية لا يصحّ، بالتالي، النظر إليها من زاوية أحادية؛ تهلل لهذا الطرف تارة، أو تلعن ذاك طوراً.

===========================

موقفنا : دفاع عن الشعب التركي العظيم

زهير سالم

مركز الشرق العربي

26 / 7/ 2019

قال المحلل السياسي :

إن حزب العدالة والتنمية في تركية يقدر أنه خسر بلدية اسطنبول بسبب ملف اللاجئين السوريين ، لذلك تأتي هذه الإجراءات المشددة دفاعا عن مكاسب الحزب . ما أخطه هنا ليس تدخلا في الشأن التركي ، وليس مناقشة لحقيقة وجدية الإجراءات ، ولكنه نصح محب مشفق يرجو ويأمل ..!!

وأنا من حسن ظني بالشعب التركي الأصيل سأقول : إن ملف اللاجئين واللاجئين السوريين منهم بشكل خاص هو الذي جعل فارق الخسارة في انتخابات اسطنبول أقل بكثير مما كان يمكن أن يكون ..!!

وليس من اختصاصي ولا من شأني أن أبحث عن أسباب الخسارة الحقيقية ؛ ولكن من حق أن أنبه على أنه مما لايليق بتركي ولا بعربي ولا بسوري تحميل مسئولية الخسارة للحلقة الأضعف ، في عملية الهروب من الاستحقاق الجدي في البحث عن أسباب ما كان .

ولا يجمل بنا أبدا أن نتهم شعبا لنبرأ أداء أو إدارة أو أشخاصا. في كل الشعوب الأرض هوامش فارغة العين ، ضيقة العطن ، تعبر عن نفسها بأصوات حادة منكرة ، ولكن هذه الهوامش لا تمثل ضمير هذه الشعوب ، ولا رأيها العام .لا تمثل في الحقيقة وعند الحسابات الصادقة إلا الهوامش الضيقة المقررة في النسب العالمية لهذه الفئات .

عامة الشعب التركي ، كما عامة الشعب العربي ، كما عامة البشر هم إلى الخير والكرم والإحسان أقرب وإلى الاجتماع عليه أسرع . ومن أحب أن يرد عليّ فعلى هذه الحقيقة فليرد ..

في الشعب الألماني كما في كل شعب أوربي هوامش رافضة لاستقبال اللاجئين ؛ لا أظن أن هذه الهوامش في الشعب التركي أكبر منها في الشعب الألماني أو الفرنسي مع قرب الدار ، ومتانة الأواصر .

أقول بكل الوضوح على الأخوة في حزب العدالة والتنمية أن يبحثوا بجد عن أسباب خسارتهم الحقيقية . وندعو الله أن تكون خسارة عارضة عابرة . وأن تكون رسالة إنذار يستفيد منها المقصود بها . وستضيع الرسالة هباء إذا ألقي العبء على الكاهل الخطأ من باب الاستسهال أو الاستضعاف . .

وأضيف بكل الوضوح أيضا : إن ملف اللاجئين والسوريين منهم بشكل خاص ، كان عامل تخفيف هامش الخسارة . لأن النزعة الإنسانية عند الإنسان التركي الذي استقبل عشرات الألوف من اللاجئين اليهود الهاربين من جحيم محاكم التفتيش في بلاد الاسبان البعيدة ، لن تضيق عن الشريك والجار القادم من حلب . حلب " بؤبؤ العين" كما عبر عنها شاعر تركي منذ عهد قريب . أكثر اللاجئين إلى تركية هم من محافظة حلب وارجع إذا شئت إلى كتاب " المدينة العثمانية بين الشرق والغرب حلب - إزمير - اسطنبول " للكاتب إدهم إلدم وشريكاه دانيال غوفمان و وبروس ماستر، لتدرك ماذا تعني حلب وأهلها بالنسبة للضمير الجمعي للشعب التركي الأصيل .

أغلق عينيك وعد للوراء مائة عام فقط لتدرك أن أبناء " جوبان بيك " وكلس وعينتاب ، ومرعش ، وأورفة وماردين ، وديار بكر ، كانوا يقصدون مع كل صباح بغلالهم حلب كما يقصد كل أبناء القرى بغلالهم حواضرهم .

الضمير الجمعي للشعوب لا ينتحر بهذه الطريقة وعلى هذا المستوى كما يزعمون . وما بقي من الروابط بين العربي والتركي وبين السوري والتركي من دين وتراث أعمق وأبقى وأكثر مما انقطع منها .

الرواغ في التحليل . والرواغ في البحث عن السبب الحقيقي للخلل ليس حميدا !! والرواغ أيضا في تعليل بعض الاستجابات الدولية أكثر إثارة للألم .وهذا كلام محب ناصح لا كلام متربص ناقد أو شانئ ولن أملّ من تكرار هذا.

والتماهي مع المشروع الروسي والإيراني يفقد مشروعنا مصداقيته ، و" نا " هنا كبيرة جدا ، سابغة جدا ، عائدها تركي وعربي وسوري . التماهي مع خطاب معارضيك ومنجازيك في عمليات التوظيف السياسي . تعليل التماهي بهذه الطريقة قد يحقق لك بعض المكاسب الظرفية ولكنه ولاشك يجعلك تخسر قواعدك الحقيقية التي بللت دموعها سجاجيد صلاتها عشية الانقلاب المشؤوم . كم هو الفرق بين من يأمله المظلوم وبين ويرجوه وبين من يخافه ويحذره ؟!

كل المدن الإسلامية بنيت وتمركزت حول مساجدها . هل من جديد في أن يجد اللاجئون والسوريون منهم بشكل خاص في مسجد الفاتح كوة للروح وللنور وللأمل ؟!

هل حقا أن شعبا هو سليل المؤسسين العظام والفاتحين والأماجد ، يرقد بين ظهرانيه في قونيه جلال الدين البلخي صاحب المثنوي وصاحب قصيدة الناي لا يدرك هذه المعاني الإنسانية النورانية في التناصر والتعاطف ؟ !

هل صحيح أن شعبا كان أحد رواده المعاصرين بديع الزمان النورسي صاحب رسائل النور والمثنوي العربي وخطيب الخطبة الشامية في المسجد الأموي الدمشقي يتنكر لحقيقته ولمخايل عظمته وحضارته ، بطريقة تجعل الإحسان إلى المستضعف سببا للنقمة كما يزعمون ويدعون ويحللون ؟!

هل حقا أن نجم " نجم الدين " قد أفل عن سماء تركية ، ونجم الدين لا يأفل أبدا ولا يغيب ؟!!

 هل حقا أن شعبا كان من شعرائه ناظم حكمت وأوميت ياشار أوغزجان ينشدنا عن الصفر الذي بقي صفرا أو عن هيروشيما حيث نسيت المحبوبة صورتها في المرآة .أو مثل جاهد ايركات يحكي لنا عن موت الخيول . وجاهد صدّيقي الذي أراد وطنا لا يعكر صفو الهناءة فيه غير ملك الموت ؟!!

 هل يمكن لشعب غنى مع هؤلاء الشعراء أن يضل أو ينسى بالطريقة التي يتحدث عنها من يريدون الهروب إلى الأمام فيحللون كما يشتهون ؟!!..

الشعب التركي عموم الشعب التركي الذي عرفناه وألفناه وقرأناه يحب الحياة ويكره القتل ، يحب العدل ويرفض الظلم ، يحب نصرة المظلوم ، وحماية المستضعف . وأؤكد أنه مهما اختلف الترك على أمور فعلى الحب والعدل والكرم وإغاثة اللهفان لا يختلفون.

نسأل الله للشعب التركي العظيم الخير والهناءة والسلام ولقادته العظام العزيمة على الرشد إنه سميع مجيب .

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

أمعاء خاوية في مواجهة الدم

فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 20/7/2019

دخل بريتا حاج حسين الشهر الثاني من إضرابه المفتوح عن الطعام محتجاً على الموقف من الحرب الثلاثية التي يشنها تحالف إيران وروسيا ونظام الأسد على سكان إدلب ومحيطها منذ شهرين، مطالباً المجتمع الدولي باتخاذ موقف حاسم في مواجهة الحرب، مؤكداً ضرورة وقفها، وقد قتلت مئات السوريين وبينهم أطفال ونساء وشيوخ، ودمرت إمكانياتهم وقدراتهم المحدودة على الحياة، بعد أكثر من ثماني سنوات ونصف من حرب استنزاف.

بريتا حاج حسين رئيس سابق لبلدية حلب، تم انتخابه لهذا المنصب، يوم كانت المدينة خارج سيطرة النظام، وقد سعى بكل ما استطاع من قدرة لتحسين الأوضاع المأساوية للمدينة وسكانها وسط مسار صعب تحت سيطرة التشكيلات المسلحة من جهة، وحصار قوات النظام وحلفائه من الجهة الأخرى، وعجز المجتمع الدولي عن إدخال مساعداته لسكان حلب من جهة ثالثة، وقد انتهت الحالة إلى إعادة سيطرة النظام على المدينة في نهاية عام 2016؛ مما أدى إلى تشرد عشرات الآلاف من سكان حلب، موزعين بين الداخل السوري وخاصة إدلب وجوارها، والخارج، ولا سيما تركيا، فيما غادر البعض لاجئاً إلى أوروبا.

عندما بدأت هجمات الطيران الروسي وطيران النظام على إدلب وجوارها قبل شهرين، اعتقد البعض أن الهجمات ستظل أسيرة اتفاق مناطق خفض التصعيد بضمان تركيا وإيران وروسيا، لأن إدلب كانت المنطقة الرابعة الأخيرة، وأن الهجمات مجرد عملية تسخين، يمكن أن ترسم إطاراً لحل أو تشكل منطلقاً يمهد لحل القضية السورية، لكن الصمت الذي أحاط بالهجمات، جعل النظام والإيرانيين، يستمرون بها متصاعدة لتوقع أعداد متزايدة من القتلى وأضعافهم من الجرحى والمعوقين، وقرابة مائة ألف من النازحين إلى الحقول الزراعية وبساتين الزيتون، التي صارت في جملة أهداف الصواريخ والبراميل المتفجرة، وباستثناء ما أصاب ممتلكات السكان من دمار، فقد تم تدمير أربعة وعشرين مشفى وخمسة عشر مركزاً للدفاع المدني المعروفة باسم «الخوذ البيضاء».

المشكلة في حرب النظام والإيرانيين على إدلب وجوارها، لا تكمن في الخسائر التي أصابت المنطقة حتى الآن، بل بما يمكن أن تتطور إليه نتائج الهجوم من كوارث إنسانية، حيث أكثر من ثلاثة ملايين نسمة في بقعة صغيرة ومحاصرة من أغلب الجهات، ولا مكان لسكانها يمكن أن يذهبوا إليه بعد إغلاق تركيا الحدود بوجههم، ورغم صمت المجتمع الدولي إزاء ما يحدث، فإن تحذيرات صدرت عن منظمات وهيئات ودول ومسؤولين حكوميين في أكثر من بلد، حول ما يمكن أن يصيب سكان إدلب ومحيطها من كوارث، ولم تتجاوز ردة الفعل التحذيرات إلى أفعال توقف الحرب، وتدفع أطراف الحلف الثلاثي للذهاب إلى حل، أو فتح الباب بهذا الاتجاه.

بريتا حاج حسين الذي سبق أن عايش تجربة الحرب على حلب عام 2016، قرر أن يتبع أسلوباً جديداً في مواجهة حرب 2019 على إدلب، فانتقل من ملاذه الإنساني في فرنسا إلى مقر الأمم المتحدة في العاصمة السويسرية جنيف معلناً إضراباً مفتوحاً عن الطعام «تضامناً مع إدلب ومطالباً بوقف القصف الجوي والبري عليها وحماية المدنيين فيها»، وأتبع إعلان الإضراب بتوجيه مئات الرسائل لقادة وسياسيين في حكومات وأحزاب سياسية ومنظمات دولية، تحثهم على التدخل لوقف الحرب على إدلب، ودفع الحكومات لاتخاذ قرار ملزم في مجلس الأمن الدولي لوقفها.

يعتبر بريتا حاج حسين إضرابه عن الطعام ومواجهة الحرب بأمعاء خاوية «وسيلة مكملة» لوسائل الاحتجاج السلمي بما فيها من مظاهرات واعتصامات حدثت في كثير من عواصم العالم في الشهرين الماضيين وشارك فيها سوريون وعرب وأجانب من أجل جعل وقف الحرب قضية للرأي العام، وتفاعلت وسائل الإعلام بصورة إيجابية مع الإضراب، لكن الأهم في ردات الفعل، كان في تحويل إضراب بريتا إلى حملة سورية عامة باسم الأمعاء الخاوية، انضم إليها عشرات من كتاب وصحافيين وناشطين، أعلن أكثر من مائة وعشرين منهم إضرابهم عن الطعام دعماً لما بدأه بريتا، أخذت وسائل التواصل الاجتماعي تضج بحضورهم، وتشير وسائل الإعلام إليهم وإلى نشاطهم المبتكر، وصار مئات من المتضامنين من العرب والأجانب، يتابعونهم في نقاط أسسوها للاعتصام في مدن عبر العالم بينها كبريات المدن الأوروبية وفيها لندن وباريس وبرلين وغيرها.

وإذا كانت أوساط في حملة الأمعاء الخاوية، ترى أنه من الصعب، إحداث تحول في الموقف من الحرب على إدلب، فإنها تجزم بأهمية هذه الحملة؛ إذ إنها تعيد القضية السورية إلى أوساط الرأي العام الدولي عبر التواصل مع الشخصيات والحكومات والهيئات المختلفة، وتماسها المباشر مع الجمهور، وعبر علاقتها بالإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، والأهم من ذلك أنها تعيد ترتيب علاقات السوريين ببعضهم، وتعيد الألق إلى النشاط المدني الذي أطلقه السوريون في بداية ثورتهم ضد نظام الأسد.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com