العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 04-04-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عصف روسي في سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الخميس 1/4/2021

ربما كانت الأشهر الثلاثة الأخيرة، هي أكثر الأشهر الروسية حراكاً في سوريا وحولها عبر السنوات العشر الماضية، والتي شكلت بمجرياتها وتطوراتها، ما لم يشهده عقد في التاريخ السوري من أحداث، كان بينها التدخل العسكري الروسي الذي قلب حقائق وغيّر مصائر، لم يكن مقدراً لها أن تنقلب، ولا كان ممكناً أن تتغير بظروف أخرى.

وبالعودة إلى الحراك الروسي في سوريا وحولها، يمكن ملاحظة، أنه كان كثيفاً، شمل محاور متعددة، الأبرز فيها لقاءات واتصالات مع أطراف أساسيين بالقضية السورية وآخرين وثيقي الصلة، وفي مقدمة هؤلاء حلفاء موسكو المقربون، والمعني بهم تركيا وإسرائيل وإيران، وأضيف إليهم في تطور لافت زيارات روسية مكثفة إلى بلدان الخليج العربية، والمحور الثاني في الحراك الروسي، كان في تسخين دور موسكو في لبنان، لما للأخير من علاقة بالوضع السوري، وقد بلغ الجهد الروسي ذروته في استدعاء وفد «حزب الله» إلى موسكو للقاء وزير الخارجية سيرغي لافروف، والقيام ببحث مزدوج، يتعلق شق منه بـ«حزب الله» وتقنين دوره في سوريا، ويتصل الثاني بدفع الحزب، وهو الفاعل الرئيسي في السياسة اللبنانية لمزيد من المرونة في سياسته الداخلية، وخاصة في الموقف من تشكيل حكومة جديدة برئاسة سعد الحريري الذي له علاقات مميزة مع موسكو، وقد التقاه لافروف في الإمارات مؤخراً، والمحور الثالث في حراك موسكو، توسيع حيز الكلام الروسي عن الحل السياسي في سوريا، للقول إن ثمة تغييراً في موقف موسكو من خلال تشجيع أطراف أخرى للمساهمة في الحل، من خلال تطبيق القرار الدولي 2254 الممتد جذره إلى بيان جنيف 2012. وهو امتداد عارضته روسيا على مدار سنوات مضت، بل وسعت لأن يكون خط آستانة بديلاً أو محطة، يتم فيها مقاربة بعض من ملامح 2254، ليصير أكثر شبهاً بما تريده موسكو وشركاؤها في سوريا.

بطبيعة الحال، فإنَّ ما تمت الإشارة إليه في مفاصل الحراك الروسي، ورافقته واتصلت به تفاصيل وحيثيات، تابعتها موسكو سواء من خلال وزارة الخارجية أو عبر وزارة الدفاع وجهاز استخباراتها، ولا شك أن بعض التفاصيل ذات أهمية، وقد تكون أهميتها استثنائية على نحو ما يمثل إطلاق المنصة الثلاثية الجديدة الخاصة بسوريا، التي جرى التوصل إلى تأسيسها في الدوحة في لقاء وزراء خارجية روسيا وقطر وتركيا، وجرى تأكيد أنها لن تكون بديلاً عن منصة آستانة، التي تشمل روسيا وإيران وتركيا، بل ستكون مكملة لها، حيث لكل من موسكو وأنقرة أبواب واسعة ومشرعة على طهران، تكفي للاهتمام بمصالح الأخيرة في سوريا، وبضم الدوحة إلى المنصة الجديدة، تفتح نافذة للدوحة على طهران، توحي بمشاركة الخليج واطلاعه على ما ستقوم به المنصة من دور، وتخفف من ثقل المعارضة الخليجية لإيران بعد المصالحة الخليجية، التي أعادت دول الخليج نحو تطبيع علاقاتها بعد سنوات من خلاف.

خلاصة الحراك الروسي بمحاوره وتفاصيله، وإن بدا متعلقاً بسوريا وحولها، فإنه متصل بالاستراتيجية الروسية، التي باتت سياسة موسكو في شرق المتوسط ووجودها في سوريا عنصرين أساسيين في رسمها وتنفيذها، وهذا يؤكده، ما سربته مصادر روسية عن جلسة مغلقة، عقدها مجلس الأمن الروسي برئاسة الرئيس فلاديمير بوتين بعد جولة لافروف الخليجية، حيث ناقش المجلس الأوضاع في المنطقة وآفاق تطورها، ونقلت المصادر عن بوتين قوله، إن روسيا تعطي اهتماماً كبيراً لهذه المنطقة، ولها فيها مصالح كثيرة وكثير من الأصدقاء والشركاء.

ليست مصالح روسيا الكثيرة ووجود أصدقاء وشركاء في المنطقة وسوريا، سبب الحراك الروسي الأخير، وإن كان يرتبط بهما بكل تأكيد. السبب الأساسي قلق روسي ناتج عن الوضع السوري وما يحيط به من وقائع واحتمالات، ومن أجله تقوم موسكو بكل ما قامت به، وما يمكن أن تتابعه في المرحلة المقبلة وصولاً إلى ما لم تصله موسكو في السابق.

يعود القلق الروسي في سوريا بصورة أساسية إلى انسداد مسار الحل السوري بالتزامن مع تصاعد الأزمات الذاهبة إلى انهيارات شاملة، لا شك أنها ستلد أخرى. ففي الواقع السياسي والميداني، ثمة ثلاثة كيانات مكرسة، تمثل خلاصة للأمر الواقع، ولئن كانت كلها كيانات مأزومة وتابعة ولا مستقبل لها، فإن الأسوأ فيها على الإطلاق، هو الكيان المرسوم باسم نظام الأسد، ويتحكم فيه الروس والإيرانيون، وتسوده منافسات وصراعات لا حدود لها، ولا تقتصر على القوى الثلاث الظاهرة وأدواتها المحلية، بل تشمل أطرافاً خارجية أهمها إسرائيل، التي صار حضورها ظاهراً وملموساً واشتراطاتها علنية.

ورغم أن روسيا حازت امتيازات ومزايا، تكرس مصالح ومنافع كثيرة، فإنها معطلة بسبب استمرار الصراع وبفعل وقائع ميدانية، ومنها سيطرة الأميركيين على خزان الثروات في شمال شرقي سوريا، حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية التي تدعمها واشنطن.. الأهم فيما تعانيه موسكو من قلق، هو سلوك وسياسات الأسد الذي ترى موسكو أنه لا يتفاعل بصورة إيجابية مع سياساتها، ومستمر في سياسات الفساد ونهب الموارد المحدودة بما فيها إعانات ومساعدات، كان يمكن أن تحد من الانهيار الاقتصادي - الاجتماعي في مناطق سيطرته، وقد فشلت كل الرسائل العلنية إلى أطلقتها موسكو أو مررتها لنظام الأسد في إحداث تغيير ما في سياساته وسلوكه.

ما تقدم بين أسباب القلق الروسي، ومثله سبب آخر، جوهره صعوبة تغيير الوضع القائم في الشمال السوري سواء لجهة شرق الفرات، حيث توجد الولايات المتحدة خلف واجهة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو في مناطق الشمال الغربي، حيث توجد قوات تركية مدعومة بميليشيات إسلامية محلية، تجاورها هيئة تحرير الشام تحت الرعاية التركية، بل إن روسيا لا تستطيع، إحداث تبدلات في المنطقتين ولا مجرد التفكير في مساعدة نظام الأسد لاستعادة سيطرته عليهما، الأمر الذي يعني في المحصلة، أن الحل الروسي وفق آستانا معطل أو مؤجل على الأقل، وبالتالي فإن الجزء الأهم من المكاسب الروسية ولا سيما النفط مؤجلة، كما أن الانتقال إلى مراحل جديدة للوجود الروسي في سوريا والمنطقة يواجه تحديات بحاجة إلى حسم، وكلها تدفع موسكو إلى عصف ومقاربات وخطوات نحو مخرج أو مساهمة في فتح مسارات تساعد للخروج من ترديات الواقع السوري وما يتصل به، ومن هنا يمكن النظر إلى ما ظهر من أقوال وسياسات وخطوات روسية، كان منها إشراك مزيد من الأطراف للمساهمة في حل سوري في نقطة ما تفصل بين آستانا الذي ترغب فيه موسكو وجنيف الذي يتبناه الآخرون، ومثلها فكرة معالجة الموضوعات، التي تسبق الحل، والتي ترى موسكو أن في مقدمتها التطبيع العربي مع نظام الأسد، والبدء في إعادة إعمار سوريا، وعودة اللاجئين السوريين، وكلاهما يحتاج إلى أموال.

موسكو في تفكيرها وتحركاتها، تبذل كل ما تستطيع، ليس من أجل تعزيز وجودها في سوريا، ومعالجة مشكلاته فقط، بل من أجل إعطاء هذا الوجود مزيداً من الزخم، ونقله إلى مرحلة يكون فيها بوابة لتعزيز الحضور الروسي في الإقليم، وهو ما يمكن أن يساعد في تغيير البيئة الغربية الأورو - أميركية حيال سياسة موسكو في سوريا، ويفتح أفقاً نحو حل للقضية السورية. لكننا في النهاية علينا أن ننتظر ونرى النتائج.

=========================

وجهة نظر : الحذر كل الحذر من اختزال القضايا

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٤/ ٤ / ٢٠٢١

وتصريحات ساخنة للمندوبة الأمريكية حول دعم الجولة السادسة للجنة الدستورية التي ستعقد في مطلع رمضان القادم ..

ولفلفة الثورة السورية

بإطلاق سراح بعض المعتقلين، أو من تبقى منهم ..

وإجراء بعض تعديلات على الدستور ربما مما لا يدخل في دائرة مشروع الثورة ، أو ربما يلبي تطلعات عناصر الثورة المضادة ..

إنجازات سيرفضها الأسد طويلا ثم يتظاهر هو والروس أنهم ينزلون على حكمها على طريق ..

ويغني المفتونون والمخدوعون ..

إحنا الشعب ... إحنا الشعب

لا أريد أن أقطع على الناس سمادير الأحلام ..

ولكن البكاء على فم البئر لا ينفع ..

لم يثر السوريون من أجل تعديل الدستور ..

ونحن لم نكن من أنصار ٢٢٥٤ فهو العتبة الأدنى لحقوق السوريين ، ولكن لا نجد غير وصف التفريط والتضييع نتهم بهما كل أولئك الذين يخونون ٢٢٥٤ ، وكل الذين يختزلونه ، وكل الذين يقفزون على بنوده ومقتضياته . ولن يستطيع أي منطق برغماتي أو ذرائعي أن يسوغ مثل هذا الاختلال.

إن القرار الأممي يؤسس الحل السياسي في سورية على هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات ؛ وأي قفز على هذه الخطوة مكر وخداع يشترك فيه كل الأطراف !!

براءة ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

بعد خمس سنوات على صفقة اللاجئين السوريين

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 1/4/2021

مرت الآن خمس سنوات على الاتفاق الموقع بين الاتحاد الأوروبي وتركيا بشأن اللاجئين. ففي الثامن عشر من شهر آذار عام 2016 تم التوقيع على اتفاق يقضي بتقديم الاتحاد الأوروبي ستة مليارات يورو تصرف على اللاجئين في تركيا، القسم الأعظم منهم سوريون هربوا من جحيم القمع والحرب في بلدهم. ووصف الاتفاق، في حينه، على أنه رشوة مقدمة للحكومة التركية كي تمنع انتفال اللاجئين الموجودين على أراضيها إلى القارة الأوروبية. وتضمن الاتفاق حوافز لتركيا بشأن العودة إلى المباحثات حول عضويتها في الاتحاد، وتحديث اتفاقية الوحدة الجمركية، وإلغاء تأشيرة الدخول للمواطنين الأتراك الراغبين في السفر إلى دول الاتحاد، بقيت جميعاً على مستوى الوعود التي لم يتحقق أي منها طوال السنوات الخمس الماضية.

ولكن ما الذي دفع الاتحاد الأوروبي إلى عقد الاتفاق بشأن اللاجئين مع تركيا؟

في صيف العام 2015 أعلنت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أن أوروبا مستعدة لاستقبال قسم كبير من اللاجئين السوريين (وغيرهم) لكن دول الاتحاد الأخرى لم تنظر بإيجابية إلى هذا الإعلان، ورفضت التعاون مع ألمانيا بهذا الخصوص. بالمقابل أدى إعلان ميركل إلى تدفق عدد كبير من اللاجئين إلى أوروبا عبر تركيا، بحيث بلغ عدد اللاجئين الذين استقبلتهم ألمانيا وحدها المليون لاجئ في ذلك العام وحده.

وإذا كانت صورة جثة الطفل آلان كردي ذي الخمس سنوات على الشاطئ الغربي لتركيا قد استثارت موجة من التعاطف في ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية مع اللاجئين، فقد جاءت الهجمات الإرهابية التي تبنتها داعش في فرنسا وبلجيكا، بعد شهرين، لتؤدي إلى موجة صعود للتيارات اليمينية والعنصرية في عدد من الدول الأوروبية بينها ألمانيا نفسها. وهكذا تحول المزاج العام في أوروبا من ترحيب باللاجئين إلى مطالبات بوقف تدفقهم، بل وإعادة من وصلوا إلى البلدان الأوروبية من حيث جاءوا. بين تشرين الثاني 2015 وآذار 2016، زارت ميركل تركيا ثلاث مرات بحثاً عن حل يوقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا. وبعد اجتماعات عديدة، ومنها دعوة رئيس الوزراء التركي، أحمد داوود أوغلو آنذاك، لحضور الاجتماعات الدورية للاتحاد في بروكسل، تم التوصل إلى اتفاق 18 آذار. وعلى رغم أن الاتفاق لا يتضمن بنداً زمنياً لسريانه، فالمليارات الستة التي وعد بها الأوروبيون تركيا تم إنفاقها بالكامل، وبات تجديد الاتفاق من عدمه مطروحاً بصورة موضوعية. فهل هناك مؤشرات إلى رغبة الطرفين في تجديده؟

إذا كان الأوروبيون قد تناسوا وعودهم بشأن الاتحاد الجمركي وإلغاء تأشيرات الدخول وإعادة فتح عناوين فرعية في مباحثات انضمام تركيا إلى الاتحاد، فهم يتذرعون بفشل تركيا في الوفاء بوعودها بشأن الإصلاحات السياسية

لقد تغيرت أمور كثيرة في السنوات الخمس، لعل أهمها أن الأوروبيين لم يعودوا في حاجة إلى تركيا لوقف تدفق اللاجئين، وذلك بسبب تأييدهم للإجراءات القاسية التي تلجأ إليها السلطات اليونانية لمنع هذا التدفق. وتنتهك اليونان حقوق الإنسان والأعراف الدولية الخاصة باللاجئين ولا تتلقى أي نقد من الدول الأوروبية. هذا الموقف الذي أقل ما يمكن أن يوصف به هو الخسة. فالاتحاد الأوروبي، والدول المكونة له، لا تنبس ببنت شفة بشأن انتهاكات اليونان بحق اللاجئين، بل يبدو أنها تعتبر تلك الانتهاكات ضرورية للتملص من تقديم مزيد من الأموال لمساعدة اللاجئين على الأراضي التركية، يبلغ عدد السوريين منهم فقط 3,6 مليون تحت الحماية المؤقتة، في وقت يعاني فيه الاقتصاد التركي من صعوبات كبيرة.

الواقع أن تركيا بدأت باستقبال اللاجئين السوريين منذ صيف العام 2011، وتكفلت ببناء مخيمات لهم، وتقدمات اجتماعية كالطبابة والتعليم وغيرها، من غير أن تتلقى أي مساعدات من الدول الأخرى، فكانت أوروبا هي التي في حاجة لتركيا، حين تم توقيع الاتفاق، لوقف تدفق اللاجئين. وقد اتضح، خلال السنوات الماضية، أنها تعاملت مع أمر المليارات الستة كرشوة تنقذها من أزمات أدى إليها تدفق اللاجئين إلى أراضيها. أما اليوم فلا تبدو متحمسة لتجديد «الرشوة» ما دامت اليونان «تقوم بالواجب» مقابل حماس تركي، هذه المرة، لأنها تتحمل وحدها العبء الثقيل، إضافة إلى تأثير موضوع اللاجئين على السياسة الداخلية التركية، على ما رأينا في الانتخابات البلدية الأخيرة التي فقد فيها الحزب الحاكم بلديات المدن الكبرى لمصلحة أحزاب معارضة حولت موضوع اللاجئين السوريين إلى مادة للتكسب السياسي ضد الحزب الحاكم. وكانت ردة فعل الأخير على فقدان البلديات المذكورة إجراءات قاسية بحق اللاجئين السوريين، صيف العام 2019، وتهديدات لأوروبا بـ«إفلاتهم» نحوها.

أضف إلى ذلك أن اتفاق 2016 تضمن حوافز أخرى لتركيا لا علاقة لها بموضوع اللاجئين، بل بالعلاقات التركية ـ الأوروبية ومستقبلها كما سبقت الإشارة أعلاه. وإذا كان الأوروبيون قد تناسوا وعودهم بشأن الاتحاد الجمركي وإلغاء تأشيرات الدخول وإعادة فتح عناوين فرعية في مباحثات انضمام تركيا إلى الاتحاد، فهم يتذرعون بفشل تركيا في الوفاء بوعودها بشأن الإصلاحات السياسية وتراجع مستوى الحريات لتبرير ذلك. ولم يقتصر أثر الفشل التركي هذا على تقديم الذريعة للأوروبيين للتنصل من وعودها، بل أدى كذلك إلى تصاعد موجة الانتقادات لتركيا في الرأي العام كما على ألسنة المسؤولين في الحكومات الأوروبية. والحال أن تركيا تحتاج الإصلاحات المذكورة بصرف النظر عن مطالبة الأوروبيين بها، أو تذرعهم بغيابها لتبرير تنصلهم من وعودهم.

=========================

عن مؤتمر في دمشق… منعه نظامها

 موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 31/3/2021

في الليلة السابقة على انعقاد مؤتمر الجبهة الوطنية الديمقراطية السورية في منزل حسن عبد العظيم – منسق هيئة التنسيق الوطنية، صاحبة الدعوة الأكثر أهمية، ورد «اتصال هاتفي من جهة مختصة» يمنع انعقاده. وفي صباح اليوم التالي، اجتهدت المؤسسة الأمنية، لمنع أعضاء المؤتمر من حضوره، كعملية قمع روتينية معتادة من قبل النظام الحاكم.. وبذلك ارتفعت قيمة الحدث التبادلية على الفور في فضاء الإعلام، على أمل أن ترتفع قيمته الاستعمالية في المضمون، والتأثير في السياقات والمفاعيل اللاحقة.

في الوقت ذاته، تتجلّى على الأرض السورية وقائع جديدة، تصنعها السياسات الروسية والإيرانية، في تداخل مع أخرى تركية وخليجية، تحفر كلّها عميقاً ما بين السوريين الموجودين على الأرض، في متاهات ثلاث في الشمال الشرقي والشمال الغربي، وبقية سوريا تحت قبضة النظام وحلفائه قليلاً أو كثيراً. وإذ كان هنالك قصف روسي وأسدي حارق شمال حلب مؤخراً، ثم قصف لمؤسسات صحية قريبة من الحدود التركية، وآخر لتجمعات الشاحنات المحمّلة خارج معبر باب الهوى.. لتتلوها مطالبة روسية معلنة بفتح معابر ثلاثة ما بين مناطق النظام، وتلك التي تتواجد فيها المعارضة مع القوات التركية، وأيضاً معابر بينها وبين المناطق التي تسيطر فيها قوات سورية الديمقراطية، ومن يحالفها، أو يساكنها شمال شرق سوريا.

ينذر الحدثان المذكوران بتطورات يمكن أن تنعكس سلبياً على وحدة البلاد وشعبها؛ وينذران أيضاً بالمزيد من وقوعها تحت تأثير القوى الخارجية، إقليمياً ودولياً، على الرغم من مؤشرات قد توحي بالعكس، رغم ذلك، يتقبّل كثيرون بإيجابية ما ورد في وثائق «الجبهة الوطنية الديمقراطية – جود» التي كان مؤتمرها الأول سينعقد يوم السبت الماضي. وهي عموماً لا تتعارض إلّا في حدّة الصوت، مع الطروحات المعارضة السائدة، ومع وثائق التجمعات الأخرى التي تتنافس معها، أو تحاول ذلك، بما فيها الائتلاف الوطني خصوصاً. فقد نصّت أوراق الجبهة العتيدة على «إنهاء النظام الاستبدادي القائم بكل رموزه ومرتكزاته» والتمسك بتشكيل «هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات» بموجب «بيان جنيف لعام 2012 والقرارات الدولية» بدلاً من «إسقاط النظام» الذي لم يعد يتردد بدوره بالوتائر ذاتها في لغة أهل الائتلاف، لا هو ولا مفهوم «هيئة الحكم الانتقالي». كما نصّ أيضاً على «إقامة نظام ديمقراطي» بالمواصفات المعيارية، وعلى المطالبة بـ»إعادة هيكلة المؤسسة الأمنية، وبناء جيش وطني، مع تحييده عن السياسة والعمل الحزبي» إضافة إلى «إخراج الجيوش والميليشيات غير السورية كافة». من حيث المضمون، تحرج تلك الطروحات القوى الأخرى التي طالما أصرّت على عزل هيئة التنسيق في السابق، وأيضاً تلك القوى والشخصيات الحريصة على وحدة المعارضة وقوة تمثيلها. ولعل ذلك لا يكون هدفاً مُضمراً لبعض منظمي المؤتمر، كما أوحت كلمات أحد القياديين، الذين يعملون منذ ثلاث سنوات في قيادة المشروع المذكور بفعالية مشهودة – وهو مستقر في «الخارج» منذ ستين عاماً – حين قال بنبرة حادة، إن الدعوة لم تكن «موجهة لكل أطراف المعارضة» لأن «الشارع السوري لم يعد يثق بالمعارضة الخارجية، التي دعت إلى الحل العسكري منذ البداية، والتي كذّبت على الناس بقرب التدخل العسكري الأجنبي، ودعت إليه علنا وعلى رؤوس الشهود، والمجتمع الدولي بكامله لم يقتنع بصلاحية البديل، الذي قدمته معارضة الخارج، والذي يسيطر عليه الإسلام السياسي، خصوصا الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى بعض الأشخاص الذين وصلوا إلى العمل المعارض مؤخراً، بقصد الحصول على المنافع الخاصة، والرتب المتوقعة، الانتهازيين، سكان فنادق الخمسة نجوم، ومحبي شاشات التلفزيون، وعشاق الأضواء والبروظة».. على الرغم من استدراكه بعد ذلك مباشرة حين قال «نحن في جود، بعد مؤتمرنا التأسيسي هذا سوف ندعو إلى مؤتمر أوسع للمعارضين السوريين جميعهم». ويبقى أن ذلك ينسجم مع استهداف تحجيم وعزل الائتلاف الوطني، في رؤية قوى إقليمية نافذة. لا ريب هنا أن «الائتلاف» يستحق، والإسلام السياسي المتحكم فيه ما يحيق بهما إلى حدٍّ كبير – بدليل أنه لا يرى ذلك – بعد مسلسل طويل من الإقصاء منذ البداية، ثم التصدّر والاحتكار «الإسلامي – السياسي» والارتهان أيضاً، وبشكل متصاعد يكاد يمحو شخصيته الخاصة ككيان وطني، كان يمثّل قسماً مهماً من السوريين، وينبغي له ألّا يفرّط في حقوقهم. ولا تساعده تطوراته الأخيرة على ذلك، من خلال خطوات توسيع صفوفه بمضمون وطريقة سيئة، وحتى في محاولته الاستعراضية للانتقال إلى عقد اجتماعاته في الداخل، شمال غرب سوريا، حيث تسود تركيا والفصائل المرتبطة بها من جهة، وهيئة تحرير الشام والقوى الواقعة تحت مطرقتها من جهة أخرى.

يبدو أن مشروع مؤتمر دمشق لا يبتعد كثيراً عن الدوائر الروسية، التي تعيد حالياً بناء استراتيجيتها، لتضمن عودة «القطاف» إليها قبل الجميع

لا ريب أيضاً، في أن القوى والتيارات الديمقراطية الأخرى، التي تتحرّك وتراوح في مكانها، من دون تقدم نحو وضع جديد فاعل، تستحق أيضاً وضعيّتها الضائعة بين الطرفين السابقين الكبيرين، على الرغم من أنها قادرة على حسم الاتّجاه والعودة إلى الإمساك بالحلقة الرئيسية، لو كانت همتها ونشاطها على ما ينبغي من الديناميكية والإنجاز. ولعلّ استسهال بعضها اللجوء إلى مسار شعبوي عبثي، يزداد صخبه منذ فترة، يلجم نسبياً بعض قدراتها. من بين هؤلاء، من يستحق اللوم أكثر، كأولئك الذين يرون في أنفسهم بعض» نخبة ديمقراطية» تمثّل بما تراه وتطرحه كتلة مهمة من الشعب السوري، بقيمه الحضارية والثقافية والمدنية المتعدّدة.. إذ ابتدأت لديهم حالة «المراجعة» ثم تحوّلت إلى رجوع إلى المقاعد الخلفية بين المتفرجين.. حرصاً على طهارة مزعومة على الأغلب. ذلك كلّه «سوري» خاص بالسوريين في أحد وجوهه، ولكن الحقائق الموجودة حالياً غير سورية في وجهها الأساسي. الأمر الذي يضطرنا إلى البحث في المعادلة الخارجية، وراء مشروع مؤتمر دمشق، بغضّ النظر عن نوايا أهله. فمازالت الخلافات العاصفة وراء الحدود، رغم بعض التهدئة مؤخراً، تنعكس على القضية السورية، ومن ذلك الخلاف بين السعودية وتركيا، حول تركيبة هيئة التفاوض، وظهر ذلك في وجود مجموعتين من المستقلين، يدافع الائتلاف ومن وراءه عن شرعية إحداها، وهيئة التنسيق مع منصتي موسكو والقاهرة ومن وراءهم عن شرعية الثانية، بحيث انعكس ذلك تجميداً لفعالية الهيئة، واقتصارها تقريباً على ممثلي الائتلاف ومعهم ممثلو الفصائل العسكرية. بذلك يبدو مشروع المؤتمر في سياق توظيف خارجي، لا يبتعد كثيراً عن الدوائر الروسية، التي تعيد حالياً بناء استراتيجيتها، بحيث تضمن عودة «القطاف» إليها قبل الجميع، وأكثر منهم. لم يكن دبلوماسيو موسكو والصين بعيدين عن حضور المؤتمر، وربما مع بركة بعض أهل الخليج أيضاً. كلّهم يشمّون رائحة حلول مقبلة، لا بدّ من التحضير والتحضّر لها، بكلّ غنائمها الآنية والمستقبلية، ونتائجها الاستراتيجية أيضاً. أمّا في ما يخصّ النظام، فيبدو أن إغراء المزيد من تقسيم المعارضين له وتشتيتهم، لم يكف لجعله يوافق على انعقاد المؤتمر، على الرغم من اقتصاره على من بقي من هيئة التنسيق، وآخرين يبدو أن العديدين منهم كانوا سيأتون من السويداء، وربما أيضاً من درعا – والاثنتين جنوب البلاد – كذلك لم يكن نظام الأسد متأكداً، على ما يبدو، من أن رضا بعض الأطراف العربية والدولية عنه حين يمرّر انعقاد المؤتمر، سوف يمنع ما يلمسه من تراجع عن احتمال انتخاب رئيسه في موعده المخطط من جديد، لدى أكبر داعميه.

على الرغم من ذلك، كان عديدون يتمنون نجاح انعقاد المؤتمر، الذي يضمّ الكثير من الديمقراطيين المخلصين، ومنهم أصدقاء ورفاق درب طويل، (على الرغم من التطيّر العفوي من اسم التحالف الجديد «الجبهة الوطنية الديمقراطية» الذي يذكّر باسم» الجبهة الوطنية التقدمية» سيئة الذكر والتاريخ، ومع حساسية مستجدة من تعبير» الجبهات» ذاته، إضافة إلى ذلك، تحتمل المعادلة استعادة بعض وهج هيئة التنسيق بعد أن خبا؛ كما تحتمل استفزازاً مستجداً كذلك لهمم بقية الديمقراطيين السوريين، من أجل إنهاء مراجعاتهم الطويلة والتخلي عن الحذر والتلكّؤ والحساسيات النافلة.. ولن تستطيع تلك الشماتة بقمع النظام لأصحاب المؤتمر، التي ظهرت لدى من فقد بوصلته، تغييرَ هذا الشعور الإيجابي الغالب، حتى يثبت العكس؛ أو تظهر عوامل جديدة تضع هذه البلاد المنكوبة على نسقٍ مغاير لما هو كائن.

كاتب سوري

=========================

سنوات الجمر في سوريا

رياض نعسان أغا

الاتحاد

الاثنين 29/3/2021

بدأ البحث عن حل للقضية السورية منذ أن اشتعلت في منتصف مارس عام 2011، واليوم وبعد مضي عشر سنوات من الفواجع والمآسي، لا يزال الحل عالقاً رغم ظهوره في بيان جنيف عام 2012 والقرارات الدولية التي أصدرها مجلس الأمن، لكن دون أية آلية للتنفيذ.

ومحنة السوريين تزداد اتساعاً مع تردي الأوضاع الاقتصادية في الداخل السوري، حيث هناك تهديد جدي بالمجاعة، وحالة من الضياع وفقدان الأمل بالوصول إلى مرحلة الانهيار المتسارع. ويبدو مثيراً أن يقول الجميع، إن الحل المنشود «سوري بامتياز»، بينما الغائبان عن كثير من اللقاءات السياسية حول الشأن السوري هما الحكومة والمعارضة، مما يجعل السوريين يفهمون أن الحل الممكن «دولي» وعلى السوريين تنفيذه، وهذا ما يجعل الجميع ينتظرون ما ستقوله الإدارة الأميركية الجديدة. والمؤسف أن الولايات المتحدة لا ترى حل القضية السورية من أولوياتها.

وحسب متابعتنا، نجد اهتمام الولايات المتحدة بالقضية السورية حتى الآن يحتاج إلى دفع، وهذا لا يعني أننا نريد أن نفوض الولايات المتحدة أو أية دولة كبرى باتخاذ قرارات الحل ونعفي أنفسنا من المسؤولية، فقد اجتهد السوريون ولم يكفوا عن محاولات إيجاد الحلول الممكنة والواقعية، وأقاموا المؤتمرات الوطنية من مؤتمر سمير أميس الذي سرعان ما تحول إلى اشتباك بالأيدي، وبعده مؤتمر صحارى الذي بدأه نائب الرئيس بشارة طيبة، لكن بريقه سرعان ما انطفأ، وتوالت الندوات والحوارات والمؤتمرات المتتالية في الرياض والقاهرة وآستانة وسوتشي والعديد من عواصم العالم.. لكنها لم تصل إلى شيء، بل إن مسار مفاوضات جنيف رغم ما رافقه من ضجيج إعلامي لم يحقق أية خطوة جادة في طريق الحل، وها هي ذي اللجنة الدستورية تراوح مكانها ولم تستطع بعد أن تتوصل إلى مادة واحدة متفق عليها في الدستور، وبات التعلق بهذه اللجنة مجرد تزجية للوقت.

ومع انسداد الأفق سيطرت على السوريين المعذبين في الأرض حالة من اليأس وشكوى حزينة من شعورهم المريع بالإهمال الدولي وتركهم في المستنقع الذي غرقوا فيه. ولم تعد التصريحات السياسية قادرة على تقديم الحلول والمخارج. لكن ذلك كله لم يثنِ السوريين عن العمل واقتراح البدائل، وهم ينتظرون دوراً عربياً قوياً على الرغم من تدويل القضية، ذلك أن الدول العربية هي الأكثر تأثراً بالحدث السوري، وتداعياته الإقليمية، وها هم السوريون يطالبون المجتمع الدولي بشكل حثيث بالعودة إلى تراتبية القرار الدولي رقم 2254 والبدء بتشكيل هيئة حكم انتقالية تؤول إليها كل الصلاحيات.

ولقد طرحت الأحزاب السياسية عقد مؤتمرات وطنية شعبية تخرج بمقررات قابلة للتنفيذ، وكان آخرها قبل أيام ما توجهت به «هيئة التنسيق» مع مجموعة أحزاب اختارت اسم «جود» وعزمت على إقامة مؤتمر في دمشق أملا بالوصول إلى رؤية لـ«حل سوري» دون تدخل خارجي وتحت سمع وبصر السلطة، وبحضور عدد من سفراء الدول الكبرى المعنية بالقضية.. لكن لم يسمح بعقد هذا المؤتمر.

وفي خضم هذا التيه، يتفاءل بعض السوريين بأن تقوم روسيا بمراجعة موقفها، قبل أن تصل الأطراف جميعاً إلى قاع المستنقع.

ولا ننكر أن جزءاً كبيراً من الحل هو بيد روسيا أولا، ولكنه لن يبلغ مداه دون موقف عربي حاسم ودون موافقة أميركية جادة، ودون دعم أوروبي وتركي، ودون منع إيران من تعطيل مسار الحلول، ويأمل السوريون بأن ينشط الضمير العالمي، وحسب السوريين ما فجعوا به على مدى عشر سنين، وهم يخشون أن تمتد الفجيعة إلى مدى أبعد، لا سمح الله.

=========================

لأننا نحبها ولأنها تستحق نريد حلاً

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 29/3/2021

لغزٌ شبه مستحيل سوريا؛ واسطةُ عقد الحزام الحي على كوكبنا؛ منها ربما كان البدء، وبها الاستمرار؛ سرّها خاص؛ وليس غريباً أن تكون دمشق أقدم عاصمة مستمرة السكنى في الأرض. شهدت مهد الحضارة؛ وفيها تنزلت الديانات؛ ولهذا، الصراع فيها وعليها. هي أكبر من أن تبتلعها إمبراطورية مهما كبُرَت، وأخطر من أن يُدار لها الظهر.

إمبراطورية عثمان احتوتها، لكن لم تفككها. شاخت العثمانية، فرُميت "المسألة الشرقية" في وجهها؛ انهارت إمبراطورية عثمان الجامعة بذريعة دينية، وتبعثرت أجزاء سوريا "الأمة"، فحلَّ الأوروبيون أزمتهم مع "اليهود" على حسابها؛ وبطريقهم، قطّعوا أوصالها؛ فأضحت تلك الكتلة الطبيعية الواحدة (اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، بالمعنى الحديث لتلك المفردات) مقاسم وقطع، لكل عاصمته: دمشق، بيروت، عمّان، (القدس/تل أبيب)..

مِنَ القطعة الأكبر، وعاصمتها "دمشق الشام"، وبعد الاستقلال، كانت هناك محاولة لتشكيل "دولةٍ/ أمةٍ سوريةٍ"، سرعان ما تحوّلت إلى مصدر قلق متجدد لأولئك الذين رأوا فيها نواة تعود للحياة والتمدد، فلا بد من إعادة وأدها أو على الأقل خنقها؛ وهنا تمّ تعهيدها للأسدية، التي أعطتها كنيتها لتصبح "سوريا الأسد".

بعد ما يقارب النصف قرن من خنقها، تململت سوريا الشام، فوضعتها الطغمة التي عُهد إليها بخنقها أمام خيارات ثلاث: استمرار الخنق، أو التدمير، أو التقسيم والتبعثر. وشيء من كل هذا حدث. فهي شبه مدمرة، وشبه مقسمة، وشبه مخنوقة؛ وبأفعال من داخلها وخارجها. الحاكم المكلف استخدم كل صنوف الإجرام في التدمير والقتل والاعتقال والإفقار والإذلال والتشريد؛ والخارج ساهم بذلك، وخمس قوى تتحكم بأوصالها المبعثرة؛ وتجاوز ذلك "سايكس بيكو".

يكفي أن نقول إنها الأغنى بمادة "السيليكون" عصب التقانات الحديثة في العالم، وإن جبال الغرانيت والرخام فيها تفرش الكرة الأرضية مرتين

فما الحل في ضوء كل ذلك؟ لكن قبل طرح أي مقاربة للحل، لابد من تثبيت هذه الحقائق؛ والتي لا يحتاج السوريون للكاتب والخبير "جفري ساكس" ليخبرهم بأن بلدهم: - بوابة قارات ثلاث، - بحرها مفتوح على الهادي والأطلسي، - آثارها تساوي ثلثي آثار العالم، - خيراتها ومواردها من نفط وغاز وفوسفات وكهرباء وماء وقطن وقمح وزيتون وخضار تكفي لعيش ثمانين مليون نسمة ببحبوحة كاملة، وبدخل أعلى من دخول الأوروبيين والخليجيين؛ (يكفي أن نقول إنها الأغنى بمادة "السيليكون" عصب التقانات الحديثة في العالم، وإن جبال الغرانيت والرخام فيها تفرش الكرة الأرضية مرتين). والأهم من كل ذلك، سوريا خزان بشري شاب حيث أن سبعين بالمئة من شعبها تحت سن الثلاثين. كل غناها هذا كان محرماً على السوريين معرفته أو الاستفادة منه؛ كل ذلك كان مغيباً، ملغياً، ومحتكراً بيد حصرية هي الاستبداد.

ليس ما حدث ويحدث في سوريا كأي صراع، أو ثورتها كأي ثورة، أو سلطتها ومعارضتها كأي سلطة ومعارضة، أو الإجرام الذي ضربها والقرارت الدولية بشأنها أو مصالح الدول التي غزتها، أو الجوع والعوز والذل والتشرد الذي حلّ بها كأي إجرام وقرارات ومصالح ومعانات. تجاوز عمر كابوسها زمن الحربين العالميتين. تحتاج آلاف الكتب والروايات والأفلام لتروي قصتها.

هناك قرارات دولية يجري الحديث عنها؛ هناك من يفكر بإجراء انتخابات ضارباً بعرض الحائط كل القيم والحقوق والقوانين؛ هناك مصالح دول؛ هناك قوات احتلال لا بد من خروجها؛ هناك إسرائيل التي حققت ما لم تحلم به، وتبقى خائفة مما هو قادم؛ هناك من يريد عدالة وقصاص وجبر كسور؛ هناك من يرى الثورة والمعارضة وظيفة أو رحلة قطار؛ وهناك من تنفس الحرية، ولن يساوم عليها، ومن حقه. وكما أن هناك سراً ورمزية وإعجازاً سورياً، كذلك كانت ثورتها نوعاً من الإعجاز؛ ومن هنا كانت كلفتها في الدم والألم والدموع بلا حدود؛ لقد كانت إعجازاً، لأن أحداً لم يتوقّع انطلاقها في ظل استبداد وقمع وخنق وعمالة مَن يضع يده عليها؛ ومن هنا أيضاً، لا بد لذلك الإعجاز وتلك التضحيات أن تثمر؛ ولا بد من حل.

والآن حيث وصلنا، لا حرب إقليمية أو شاملة توصلنا إلى الحل، لأنها تفاقم وتضاعف ما نحن فيه؛ وليس عبر الحرب نحصل على السلام؛ وما من حرب إلا والخسارة تصيب الجميع، وخاصة في سوريا؛ ولا الاحتلال يغيب فجأة وبقدرة قادر؛ ولا حقوق السوريين تعود بضغطة زر.

لا بد من حل سوري- سوري؛ لا كما يكذبون؛ بل كما نريد، وكما تحتاج سوريا لتعود إلى سكة الحياة

ليس أمامنا إلا الاعتراف بالآخر، إنه الصلح، إنه المشاركة الطوعية، والوحدة الطوعية؛ إنه التضحية من أجل وحدة البلاد. مَن تدخل بوطننا لا يريد حلاً ولسنا من أولوياته إلا بقدر تطابق الحل مع مصالحه. لهذا الآخر، نحن مجرد قصة إنسانية، حلبة تصفية حسابات، حقل رمي لاختبار الأسلحة، ميدان لحل عقد متأزمة تاريخياً، فرصة لتقديم أوراق اعتماد لنيل الرضى، وإطفاء ثارات تاريخية، وترجمة إيديولوجيات. وها هم يتركوننا أمام خيارات هي الأصعب في التاريخ السوري: -استنقاع وتفسخ وتعفن؛ أو حكم عسكري استبدادي آخر يتماهى مع الدكتاتورية الروسية؛ أو ترقيع حل على مقاس مصالح المتدخلين وأداتهم.

من هنا لا بد من حل سوري- سوري؛ لا كما يكذبون؛ بل كما نريد، وكما تحتاج سوريا لتعود إلى سكة الحياة. لم ينفع العقل بمنع الكارثة؛ علّه ينفع بوقفها، واستعادة الروح السورية. إن عقاب منظومة الاستبداد من رأسها حتى آخر مجرم فيها مليون مرة لا يعيد روح سورية، ولا يوقف ألم مغتَصبة، أو يشفي جرح أم أو يعيد كرامة وطن أو رزق سوري قُهِر. فقط بإزاحة المنظومة من المشهد يحدث الصلح والتصالح والمصالحة، التي لن تكون عادلة، ولن تعيد الحقوق؛ ولكنها كفيلة ببدء الجرح السوري بالتماثل إلى الشفاء؛ والأهم من ذلك أن نبدأ بالارتقاء إلى تضحيات كل هؤلاء، ونوقف ضرب بعضنا بعضا، ونفوّت على منظومة الاستبداد الاستفادة والعيش على تمزقنا، وعلى المحتل إحساسه بتشرذمنا وضعفنا وأنانيتنا؛ وهذا يحتاج جهداً وعقلاً وإرادةً من الجميع. لأننا نحبها، ولأنها تستحق، نريد حلاً؛ ونحن قادرون.

=========================

الحيرة مع المعارضة السورية الحاضرة والمغيّبة

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 29/3/2021

تشكّل المعارضة الداخلية للنظام السوري نقطة قوة وضعف في آن، فهي تمنح النظام القمعي صك براءة بوجه من يصفه بالاستبدادي والديكتاتوري. ومن جهة مقابلة، تشوّه الصورة النمطية للحاكم المنزّه الذي تهتف رعيته لحياته وأبديتها، وحيث يغلب على الأنظمة الأمنية الرغبة بالبقاء في حيز التفرّد وبسط السيطرة الكاملة على محيطها، فإن سلبيات ما يعنيه وجود معارضين لها تفوق بكثير حسنات الصورة "الوهمية" الديمقراطية لها، مهما كانت هذه المعارضة هشّة أو سطحية، فكيف مع معارضةٍ وطنيةٍ وراسخةٍ نمت وتطورت، على الرغم من إرادته وفي أقبية سجونه، وأصبحت أذرعها طويلةً، بما يكفي لتزيح من بياناتها جمل المواربة والدبلوماسية، وتتحضّر لمواجهةٍ معه، تطلب فيها نزع شرعيته، وإحلال نظام آخر مكانه يحقق طموحاته الوطنية.

ومن ذلك، لم يكن غريبا ولا مفاجئا البتّة منع النظام السوري انعقاد المؤتمر التأسيسي لتشكيل الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود)، الذي كان من المفترض عقده في دمشق صباح يوم أول من أمس (27/3)، حيث إن مقدمات المؤتمر لا تقدّم للنظام أيا من المعيارين السابقين: .. هي لا تمنحه المشهد الديمقراطي "الوهمي" الذي يحتاجه لتسويق نفسه دولياً، ونزع المبادرة من المعارضة الخارجية تحت غطاء الجو الديمقراطي للنظام المقبل على انتخابات رئاسية على بحر من دم السوريين. لسبب بسيط هو أن هذا النظام يحتكر السياسة، والمجال العام، ويمنع المشاركة السياسية منذ أكثر من نصف قرن. لكن الغريب والمفاجئ اعتقاد أية حركة سياسية سورية، تعمل خارج إطاره، أو في معارضته، بأنها في منجاة من ذلك. الأمر الآخر، السماح من تلك الأجهزة الأمنية بتمرير مؤتمر ببيان يحطّ من قدر شرعية النظام كوجود قائم، أو في مرحلة الانتخابات المقبلة، ووسمها علنا بين مؤيديه، وفي عقر داره بأنها "غير شرعية"، يعني أن النظام ينتحر علناً، وهو ما لم يقرّره خلال عشر سنوات من الحرب التي شنها على شعبه، دفاعاً عن وجوده واستمراره على كرسي الحكم بالصفة الأبدية.

يُحسب للأطراف التي كانت تعتزم المشاركة في مؤتمر الجبهة الوطنية الديمقراطية تجرؤها، أو اعتزامها عقده في دمشق

على أية حال، يُحسب للأطراف التي كانت تعتزم المشاركة في ذلك المؤتمر، وفي مقدمتها هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، تجرؤها، أو اعتزامها عقده في دمشق، الأمر الذي يعد نوعا من تحدٍّ للنظام، واختبارا له أمام الرأي العام، داخليا وخارجيا. فوق ذلك، يُحسب لها خطابها السياسي الذي كشف عن الملامح السياسية للمؤتمر المفترض، إن صح ما تسّرب عن بيانه الختامي المفترض، والمتضمن: "تغيير النظام الحاكم المستبد، بشكل جذري، بكل مرتكزاته ورموزه". إخراج كل القوى والجيوش والمليشيات الأجنبية من سورية، وسحب سلاح الأخرى، في مسعى إلى وقف الاحتراب والأعمال العسكرية داخل سورية من أي كان. البدء بحل سياسي حسب قرارات الشرعية الدولية، بيان جنيف 1 وقرار مجلس الأمن 2254، بتشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية، تفضي إلى جو ديمقراطي يتيح كتابة دستور جديد للبلاد، وانتخابات نزيهة تحت إشراف أممي تحيل إلى دولة مدنية. اعتبار ‏الانتخابات الرئاسية التي يزمع النظام إجراءها (في يونيو/ حزيران المقبل) غير شرعية، وعلى السوريين عامة مقاطعتها. تأكيد أن "ما قام به نظام القمع في دمشق ضد القوى المشاركة بتشكيل "جود"، وهي قوى سلمية مدنية، تمثل حراك الشارع السوري بكافة أطيافه، والأحزاب والتيارات الوطنية الديمقراطية السورية، والشخصيات الوطنية المشهود بوطنيتها ونضالها، والتي عانى الكثير منها التضييق والترهيب والملاحقة والاعتقال، ليس إلا حلقة في سلسلة قمع النظام واستبداده وشموليته، نظام الفساد والانتهاكات والقتل والتهجير وتدمير البلاد".

معارضة الداخل ليست محسوبة على المعارضة بخطابها "العسكري وأجنداتها الإقليمية"، ولا هي محسوبة على النظام القمعي

ومن خلال ذلك، تأتي الحيرة مع هذه المعارضة الغائبة والمغيبة، والتي تسمّى معارضة الداخل ببيانها الذي انتشر أنه تميّز بخطاب متماسك، ويمكن اعتباره الأكثر مقاربة للأزمة السورية، ولطرق حلها، إلا إنها على الرغم من ذلك كله، ولأسباب ذاتية (تتعلق بطبيعة بعض مكوناتها)، ولأسباب ربما موضوعية، ظهرت وكأنها على هامش المعارضة، حين اندماجها في العمل مع كيانات المعارضة الخارجية، وعلى الأخص المدعومة من أنظمة غير ديمقراطية، أو كأنها اختارت أن تكون في منزلةٍ وسط، فلا هي محسوبة على المعارضة بخطابها "العسكري وأجنداتها الإقليمية"، ولا هي محسوبة على النظام القمعي، ولا هي تستطيع تجنب احتسابها على أيٍّ من الطرفين. وفوق ذلك كله، هي لا تحظى بمكانة مناسبة على الصعيد الشعبي (المحسوب على الثورة)، وليس على المعارضة التقليدية، تبعا لدورها الهادئ في المعارضة، أو المتأقلم مع ظروف قمع النظام. ومفهوم طبعا أن ذلك يعود إلى أسباب تاريخية، ولأسباب تتعلق بحرمان السوريين من حقهم في المشاركة، وحق تشكيل الأحزاب، والحق في التعبير عن الرأي والاجتماع.

في المقابل، ثمّة حيرة أخرى من المعارضة المتصدّرة، أو الحاضرة، أي تلك التي احتلت مشهد المعارضة السورية، طوال السنوات الماضية، والتي أضحت مختزلة في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، فهذه لم تخفق فقط في أنها معارضة للنظام، مع معرفتنا بانحسار دورها ومكانتها في الصراع ضد النظام، فهي أخفقت، أساسا، في مكانتها، بوصفها معارضة، إزاء السوريين، إذ لا أحد ينظر إليها على هذا النحو لأسباب عديدة:

بات "الائتلاف" من دون خطاب سياسي متماسك، أو واضح، وهو مجرّد دعاية إعلامية لما تريده تركيا

أولا، تلك المعارضة (الائتلاف) لم تستطع أن تحوّل ذاتها إلى كيان وطني جامع للسوريين، فهي حكر على مجموعة أشخاص تتداول على هيئاتها وتفريعاتها، "رغم مسرحيات التوسعة وتوزيع الهبات" التي تعمّق الشرخ مع السوريين، بديلا عن إيجاد الحلول بطرق مقبولة شعبياً، وقد أخذت دور السلطة عندما ارتفعت أصوات سوريي الداخل بمواجهتها، ورمت معارضيها بالصفات نفسها التي أسبغها النظام على معارضته من مندسّين إلى مأجورين أو غوغائيين، وغير ذلك.

ثانيا، باتت هذه المعارضة فاقدة للمصداقية، فهي أضحت وكأنها امتداد للسياسة التركية في الصراع السوري، أكثر بكثير من كونها ممثلة لمصالح السوريين. وهكذا، ففي كل المواقف والمنعطفات، كان "الائتلاف" يعطي الصورة أنه يتمثل مصالح تركيا وتوجهاتها، أكثر مما يتمثل مصالح الشعب السوري، وسلامة مسار ثورته.

ثالثا، حتى على صعيد الخطاب السياسي، ومنذ انخراطه في مسار أستانة، وغيره، بات "الائتلاف" من دون خطاب سياسي متماسك، أو واضح، وهو مجرّد دعاية إعلامية لما تريده تركيا من هذا المسار.

بناء عليه، بات السوريون في حيرة من أمرهم، في المفاضلة بين ما تُعرف بالمعارضة الداخلية والمعارضة الخارجية، ما يفيد بوجود فراغ هائل في المعارضة، وتالياً في السياسة السورية، وهو الأمر الذي يفترض تداركه، إذا كان ثمّة قوى حية ما زالت تعمل، مخلصة لصالح الشعب السوري، وضمن أجندة الثورة الوطنية ما قبل عسكرتها وتدويلها وتنوع أجنداتها.

=========================

التصعيد الروسي المفاجئ في الشمال السوري

حسين عبد العزيز

عربي 21

الاحد 28/3/2021

جاء القصف الروسي ـ السوري المفاجئ لشمال غرب سوريا خارج السياق السياسي ـ العسكري الهادئ بين روسيا وتركيا منذ أشهر عدة، والذي توج بالاجتماع الثلاثي بين وزراء خارجية روسيا وتركيا وقطر في الدوحة.

ويبدو واضحا من توقيت الضربات العسكرية السورية والروسية للمعارضة السورية، أن الأهداف الروسية لا تتعلق بترتيبات عسكرية هنا أو هناك، بقدر ما هي مرتبطة بالضغط على تركيا من أجل تقديم تنازلات لروسيا في الملف الإنساني الذي كان أحد أهم محاور النقاش في الدوحة بين وزراء خارجية الدول الثلاث، إن لم يكن هو المحور الأهم.

تشير خارطة استهدافات الشمال الغربي، الى أن الأهداف التي ضربتها قوات النظام السوري والقوات الروسية تتبع للفصائل الأكثر قربا من تركيا (الفوج 46 مشفى المغارة في مدينة الأتارب غرب حلب، ومنطقة المخيمات في بلدة قاح بريف إدلب الشمالي، ومنطقة سرمدا شمال إدلب على الشريط الحدودي مع تركيا، ومعبر باب الهوى، وتجمعات نقل المحروقات والغاز).

ولم يقتصر الأمر على الداخل السوري فحسب، بل قام النظام بخطوة متقدمة حين قام بقصف مدينة كيلس جنوب تركيا كنوع من التصعيد العسكري لجر تركيا إلى الرد وإعادة توتير الوضع في المحافظة.

أسباب التصعيد

يمكن ربط التصعيد العسكري للروس والنظام السوري ضد تركيا في إدلب إلى مجموعة من العوامل المحلية والخارجية:

ـ في 18 الشهر الجاري، تعرضت مدينة كيلس التركية إلى قصف مدفعي من مدينة تل رفعت في توقيت يعتبر غريبا بعد حالة الهدوء في المنطقة، وفي اليوم التالي في 19 الشهر نفسه، قامت روسيا بإدخال مدنيين إلى قريتي صيدا والمعلق قرب عين عيسى لأسباب غير معروفة، وهو ما ردت عليه تركيا بتنفيذ

غارات جوية وقصف مدفعي على القريتين.

قرأت روسيا الغارات العسكرية التركية ـ الأولى من نوعها منذ عام ـ على أنها محاولة تركية لمنعها من تغيير الوقائع العسكرية من جانب واحد، أو أنها مقدمة لخطوات تركية تصعيدية لاحقة، وقد يكون التصعيد الروسي في إدلب رد فعل على قوة الغارات التركية.

يبدو واضحا من توقيت الضربات العسكرية السورية والروسية للمعارضة السورية، أن الأهداف الروسية لا تتعلق بترتيبات عسكرية هنا أو هناك، بقدر ما هي مرتبطة بالضغط على تركيا من أجل تقديم تنازلات لروسيا في الملف الإنساني الذي كان أحد أهم محاور النقاش في الدوحة بين وزراء خارجية الدول الثلاث، إن لم يكن هو المحور الأهم.

يكمن الخلاف بين الروس والأتراك حول عين عيسى في سعي أنقرة للسيطرة على البلدة من أجل قطع الطرق البرية بينها وبين المدن التي تسيطر عيلها "قسد" في الشرق والغرب، في حين لا تمانع روسيا من إخراج "قسد" من البلدة، لكنها تفضل أن تحل قوات النظام السوري محلها كخط فاصل يحول دون أي تقدم عسكري مستقبلي للأتراك في المنطقة.

لكن الخطوات التركية في 18 و19 آذار (مارس)، تشي بأنه ثمة محاولة روسية لاستدراج تركيا نحو التصعيد، بما يمنحها المبرر لشن عمليات عسكرية في إدلب، وهي بيت القصيد بالنسبة للروس الآن.

ـ تحاول روسيا إيجاد مخارج للأزمة الإنسانية في مناطق النظام، وقد وجدت أن فتح المعابر بين محافظة إدلب وحلب من شأنه أن ينشط الحركة الإنسانية والتجارية، بما ينعكس إيجابا على مناطق النظام التي ستستفيد من البضائع التي تصل إدلب غير الخاضعة للعقوبات الاقتصادية الأمريكية والدولية.

وكان القصف الروسي على معبر باب الهوى ملفتا للانتباه من حيث الأسباب التي تجعل روسيا تقصف معبرا مخصصا للمساعدات الإنسانية.

وربما لم تكن مصادفة أن تطلب موسكو من أنقرة على فتح ثلاثة معابر (معبران في منطقتي سراقب وميزنار شرق إدلب، معبر أبو الزندين شمال حلب).

ـ يأتي الضغط الروسي بفتح المعابر الداخلية قبيل أشهر من موعد "الانتخابات الرئاسية" التي ينوي النظام السوري تنظيمها في تموز (يوليو) المقبل، ويعول الروس على إمكانية خروج أشخاص من إدلب إلى مناطق النظام للتصويت للأسد.

ـ يمكن اعتبار العوامل الخارجية سببا آخرا في التصعيد العسكري، بعد التقارب التركي ـ المصري والتركي ـ السعودي، وقد يؤدي التقارب الأول إلى تعاون مشترك في الساحة الليبية ينعكس سلبا على الحضور الروسي، فيما يؤدي التقارب الثاني إلى تعاون مشترك في الساحة اليمنية ينعكس سلبا على إيران.

 ـ قد لا يخرج فشل اجتماع الدوحة بين موسكو وأنقرة والدوحة عن الأسباب المؤدية للتصعيد العسكري، فقد بدا واضحا أن المقاربة الروسية التي قدمت في الدوحة لم تحظ بالقبول الكافي.

يشير الضغط الروسي على تركيا إلى أن ملف إدلب ما يزال مكانا للصراع بين الجانبين، وأن الدولتين بعيدتان عن تحقيق اتفاق نهائي على الرغم من قدرتها في التوصل إلى تفاهمات مؤقتة.

كما تشير الضغوط الروسية إلى المأزق الذي يواجهه صناع القرار في موسكو لجهة عدم قدرتهم في إحداث اختراقات سياسية او اقتصادية أو إنسانية، ولذلك تلجأ روسيا بين الفينة والأخرى إلى اللعب في المساحات الضيقة.

=========================

نداء إلى السوريين الأحرار

ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 28/3/2021

كان بهيجاً، ومفاجئاً، ويبعث على التفاؤل، مشهد ملايين السوريين في مظاهراتهم التي عمّت مناطق عديدة، في الشمال والجنوب، وهم يهتفون للحرية وللوحدة الوطنية في سورية المستقبل، بعد عشرة أعوام من الصمود الأسطوري، على ما فيها من معاناة، وآلام، وتضحيات، وبطولات. بيد أن تلك المظاهرات العارمة تؤكّد، أيضا، أن شعبنا يعيش على الأمل، وأن روح الوطنية السورية ما زالت متقدة في قلبه، على الرغم من كل ما مر به من أهوال، وأنه أحوج ما يكون إلى قوى حية تمثله، وتعبر عنه، وتدير كفاحه لتحقيق حقوقه.

هذه الظاهرة الوطنية عند شعبنا، وعبّر فيها عن نفسه، تحتاج منا إلى موقف مسؤول، وموحّد، يتفق معها، ويواكبها، فيما أعتقد، أو أحلم، به كرسالة إلى العالم، تفيد بأن زمن الاستبداد السوري ولّى إلى غير رجعة، وأن سورية الأسد ولّت إلى الأبد، وأن لا أحد يستطيع إنقاذ هذا النظام، مهما كانت قدراته، وأن محاولة روسيا (أو إيران) ذلك لن تُفضي إلى شيء، فهي بمثابة قبض ريح، لأن سورية لا يمكن أن تكون إلا لشعبها، ولمن يرى فيهم ضيوفا بشروطه المنفتحة على العالم، وفق قيم الحرية والكرامة والعدالة.

خرجت تلك المظاهرات لتجدّد الأمل، على الرغم من الألم، في لحظةٍ تتراكم خلالها عوامل إيجابية لصالحنا، وسلبية لصالح عدونا النظام الأسدي الذي يبدو أنه يجابه مأزقا، لا مخرج له، أو لنظامه منه. ما يضعنا، أيضا، إزاء مسؤولياتنا، وضمنها أننا في أمسّ الحاجة إلى لقاء سياسي، لقاء وطني جامع، نقطع بواسطته مع خلافاتنا التي استهلكتنا واستنزفتنا وبدّدت تضحياتنا. مطلوبٌ أن نقف صفا واحدا لمواجهة هذا الخراب، وهذا التخريب، في أوضاعنا، أولاً كي نكون على مستوى تضحيات شعبنا وآماله. وثانيا، كي نكون عند مستوى مسؤولياتنا الوطنية. وثالثا، كي نقنع العالم بعدالة قضيتنا، وبجدارتنا في تحمّل المسؤولية، كي يأخذنا على محمل الجدّ، أي يجب أن نقنع أنفسنا وشعبنا والعالم بأننا جديرون بتلك المسؤولية الوطنية. فهل من مبادر لطي تلك الصفحة، على قاعدة المراجعة النقدية المسؤولة، وعلى قاعدة الاستقلالية، وعلى قاعدة المسؤولية الوطنية، وعلى قاعدة الولاء للشعب السوري وحقوقه الوطنية؟ هل من مبادرٍ إلى ذلك كله؟ أو ألم يحن الوقت لخطوة في هذا الاتجاه نؤسس عليها؟

على الصعيد الدولي، تتحرّك دول أوروبية عديدة، وتتحرّك الولايات المتحدة، بكونغرسها (مجلسي النواب والشيوخ) وبإدارتها، نحو تدعيم جهدنا وكفاحنا للتحرّر من نظام الأسد، فهل يعقل ألا نتحرّك نحن نحو قضيتنا، من خارج صندوق خلافاتنا الحزبية والفئوية والشخصية، التي سدّت دربنا نحو حريتنا من ضمن عوامل كثيرة نعرفها جميعنا؟

مفهومٌ أننا جميعا نتحمّل المسؤولية، أشخاصا وكيانات، بهذه الدرجة أو تلك، وضمن ذلك شيوع أوهام ومراهنات ثبت، منذ البداية، عقمها، ومخاطرها على شعبنا وقضيتنا وثورتنا، كما يأتي سوء التخطيط، وغياب التفكير الجماعي، والنزعة نحو الاستئثار، وغلبة المصالح الشخصية، والارتهان لهذه الدولة أو تلك. وقد أسهمت كل تلك الأمور في حرف ثورتنا، أو إزاحتها عن مسارها الصحيح، أو الصائب، إلى الدرجة التي استطاع فيها النظام أن يكسب الجولة تلو الجولة، سياسيا وعسكريا وعلى الصعيد الدولي، فكانت النتيجة ما نعرف ونرى.

بصراحة، لن يؤدّي ما يحصل إلى إسقاط الإسلاميين وحدهم، ولا الديمقراطيين وحدهم ولا القوميين وحدهم، ولا اليساريين وحدهم. جميع تلك التيارات ستسقط في معركة المسؤولية الوطنية، إذا لم نتدارك ما يحصل. وأقصد هنا تحديدا تلك التيارات، بغض النظر عن خلفيتها الفكرية، أي تلك التي ترى في سورية وطنا لها، وأن السوريين جميعا مواطنون أحرار ومتساوون، والمستقلة عن أي نظام في الإقليم، أي تلك القوى التي تمثل (وتتمثل) شعب سورية وقضيته وحقوقه، قبل، وفوق أي أحد آخر.

لن يُسقِط الإسلاميون وحدهم، أو اليساريون أو القوميون، الديمقراطيون، وحدهم، نظاما وحشيا تدعمه قوة إقليمية، وأخرى دولية متوحشة مثله، وأكثر. ولن يسقُط ما لم تقتنع الدولتان المعنيتان بأننا نمتلك من القوة ما يصدّ محاولاتهما فرض إرادتهما علينا، فهل تكون مراجعتنا أحوالنا التي تتجاوز حزبيتنا، ومصالحنا الضيقة، خطوتنا التالية على درب التمهيد للنهوض وتاليا للانتصار المأمول؟

باختصار، من غير المعقول أن نستمر في التمسّك بمصادر إضعاف ثورتنا وقضيتنا وشعبنا. ومن غير المعقول أن نستمر على ذلك المسار، التفتيتي، والارتجالي، والمرتهن للخارج، والذي خدم النظام أكثر مما أسهم في زعزعته.

تعالوا إلى كلمة سواء بيننا، تعالوا نجدّد العهد لشعبنا .. تعالوا إلى مراجعة نقدية، نوضح فيها، بصراحةٍ وبمسؤولية وبشفافية، أين أخطأنا وأين أصبنا، وكيف يجب أن نعيد بناء أحوالنا.. هذا ما يريده شعبنا.. فلنكن على قدر تلك الإرادة.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com