العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03-12-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عن الجيش العربي السوري .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 30/11/2017

الجولة الثامنة للمفاوضات السورية جارية في جنيف، وقد أخذت رقم جنيف 8، لربما نصل إلى جنيف 35، لأن المفاوضات "تسليك وقت"، حيث لا أحد من طرفيها يمتلك القرار، وبالتالي، يعتمد نجاحها على قرار القوى المقرّرة، أي روسيا التي تحتل سورية، وأميركا التي تسيطر على جزء منها ورقة مساومة.

وعلى الرغم من أن روسيا قد "رتبت" الأوراق مع تركيا التي باتت متسقة مع التكتيك الروسي، بما في ذلك قبول بشار الأسد (ولو مرحلياً). ومع السعودية التي باتت توافق على المنظور الروسي، وهي أصلاً لم تختلف مع بشار الأسد سوى أنه "خذلها" واعتمد على إيران، الدولة التي باتت منذ نهاية سنة 2013 تسيطر على القرار العسكري/ السياسي السوري، وهو ما كان لا يروق للسعودية. ويبدو أن روسيا متوافقة مع إيران، على الرغم تضارب مصالح البلدين. وكذلك أصبح الموقف الأوروبي أكثر "طراوة". على الرغم من ذلك كله، هناك "عقدة" لم تحلّ، تتعلق بالتوافق الأميركي الروسي، حيث تبدو أميركا ما زالت تناور، على الرغم من إيحائها، في وقت سابق، أنها توافقت مع روسيا، كما ظهر في بيان ترامب/ بوتين في فيتنام. لهذا أوضحت هي وفرنسا أن مسار جنيف هو المسار الشرعي الوحيد للحل في سورية، بمعنى أنها تقطع الطريق على المسار الذي يتقدّم به الروس في سوتشي.

يصرّ الإعلام العربي الذي بات يتوافق مع روسيا على إظهار "انتصار" الأسد، من خلال الحديث عن توسّع سيطرته على الأراضي السورية، وربما سيكرّر أنه بات يسيطر على 98% من الأرض. وكل الحديث يجري عن "تقدّم" "الجيش العربي السوري" في البادية السورية ودير الزور والبوكمال. وبالتالي، يجري إظهار الانتصار الكبير الذي تحقق. لكن كل الإشارات هنا توضّح أن داعش إيران تسيطر على مناطق داعش روسيا. حيث كانت هذه المنطقة بالذات تقع تحت سيطرة داعش الروسية، ويتحكّم بها شيشان بلباس داعش، ولقد أشير إلى عودتهم إلى الشيشان، وعودة انخراطهم في الفصيل الذي شكله بوتين من الشيشان، بعد السيطرة عليها وتدمير غروزني بزعامة قاديروف، الرئيس الذي أعلن أن روسيا أرسلت مجموعات دربت الوهابيين، وهي موجودة في سورية. بمعنى أن هؤلاء "الدواعش" أنجزوا المهمة، وعادوا إلى بلادهم، ليحل محلهم دواعش جدد، من حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والحرس الثوري الإيراني.

لقد تقاسمت كل من أميركا وروسيا الوضع في شرق سورية، حيث كان شرق نهر الفرات لداعش التي ترعاها أميركا، وغربه لداعش الروسية، ولقد التزم كل منهما بعدم قصف مناطق الآخر. لهذا، لم نلحظ قصفاً أميركياً للبادية السورية، وجرى بعض القصف في منطقة دير الزور التي توجد فيها داعش الأميركية، ولم يقصف الروس شرق الفرات إلا لماماً (ضد الرقة). وبالتالي، "استعاد" كل منهما "مناطقه"، بقوى كردية، فيما يتعلق بأميركا، وإيرانية فيما يتعلق بروسيا.

بالتالي، لم تختلف السيطرة على الأرض كثيراً، حيث ما زال الجنوب بيد الجبهة الجنوبية، والغوطة وجوبر وعربين بيد جيش الإسلام وفيلق الرحمن (مع وجود صغير لجبهة النصرة). وما زال الجيش الحر في ريف حمص الشمالي، وريف حلب الجنوبي وجرابلس والباب وإدلب وريفها (بدعم تركي). وتسيطر قوات سورية الديمقراطية، بالدعم الأميركي، على الجزيرة السورية، وصولاً إلى البوكمال. في ذلك كله، يغيب "الجيش العربي السوري"، ويبدو النظام ألعوبة بيد روسيا التي لا يبدو أنها اقتنعت بأن أي حل سيكون مستحيلاً، في حال التمسك ببقاء بشار الأسد. حيث سيبقى الصراع المسلح، وتبقى التدخلات الدولية. .. لهذا أشرت إلى أننا في سلسلة جنيفات لم تصل إلى نهايتها.

========================

موقفنا : الدولي والإقليمي على خطا بشار الأسد .. أين ضحايا المظلوميات في هيئة التفاوض العليا .. زهير سالم

28 / 11 / 2017

مركز الشرق العربي

استكمالا لحلقات التآمر الدولي والإقليمي على الشعب السوري ، تتابع قوى الشر مسيرتها على خطا حافظ وبشار الأسد في العزل والإقصاء ، والتزييف ، والتلاعب بالأسماء والمسميات معا ..

وكان أبرز ما تلاعب به المتلاعبون من أسماء ومسميات سعيُ أشرار العالم  إلى فرض حل عسكري بمسمى ( الحل السياسي ) .

الحل العسكري الذي بدأ مخططه بإطلاق يد القاتل في استعمال كل الأسلحة ، حتى المحرمة دوليا ، في قتل السوريين وتهجيرهم وتدمير عمرانهم ، ثم دفع السوريين إلى معركة حرموا فيها من أهم سلاح تحتاجه المعركة ، للدفاع عن أنفسهم وديارهم ؛ ثم انتهى هذا بتدخل مباشر لثلاث دول : إيران وروسية والولايات المتحدة ، وكلها كان تدخلها وسيلة لفرض (حل عسكري )، يفوت على الشعب السوري الفرصة ، ليكون له أدنى مشاركة في اتخاذ قراره ، أو صنع حاضره ومستقبله ..

وعلى التوازي من هذا ظلت قوى الشر هذه مجتمعة تعمل على إعادة فك وتركيب الأجسام الوطنية التي أريد لها أن تمثل الشعب السوري ، وتحمل همه ، وتدافع عن مظلومية أبنائه التاريخية المتراكمة جيلا بعد جيل . لقد عاش شعب سورية حالة من الظلم  المستدام التي لم تكن على امتدادها ، أقل بؤسا وشراسة من الحرب المباشرة التي شنتها العصابات الأسدية وحلفاؤها من الصفويين والروس والأمريكيين وأشياعهم على هذا الشعب المستضعف المخذول . كما خلفت معركة الحرية والكرامة على الأرض السورية أصنافا من المظلوميات المعممة التي طالت نسبة عددية لا يستهان به من أبناء هذا الشعب ، بل إن هذا المظالم من انتهاك وقتل وإعاقة واعتقال وتعذيب وتهجير قد نالت ما نسبته 30% من السواد السوري المستهدف في هذه الحرب ، من ( الملايييييييين ) الذين توعدهم بشار الأسد تحت تهمة الحاضنة الشعبية للإرهاب والإرهابيين .

إن السواد العام للسوريين ، المعبر عنه ، بالأكثرية المسلمة السنية  المستهدفة بالحرب الأسدية الطائفية الصفوية والروسية أيضا والتي صرح وزير الخارجية الروسي لافروف منذ الأيام الأولى للثورة أنه لن يمكنها من حكم نفسها ، ومن حقها في تقرير مصيرها . إن هذه الأكثرية قد كانت هي عماد الثورة ، وحاضنتها .  إن الظلم الذي أصاب هذه الحاضنة على مدى نصف قرن هو الذي فجر هذه الثورة ، وإن أي حل لا تكون هذه الأكثرية طرفا أولاً فيه ، مهما ساندته ودعمته قوى الشر العالمي لن يفلح في إعادة السلام والاستقرار إلى سورية لا في الحاضر ولا في المستقبل ..

وحين يتحدث اليوم بعض الأشرار ، أو بعض من تخلى ، أو بعض السذج عن ( دستور ) و ( انتخابات ) ينسون أن سورية كان فيها دستور وانتخابات وأحزاب معارضة  منذ 1973، كما كان يردد دائما حافظ وبشار الأسد ..

إن المواطن السوري حين يتابع اليوم  حالات الانمساخ التي آل إليها أمر من تعهدوا بتمثيله من المجلس الوطني إلى الائتلاف الوطني إلى ما يسمى اليوم ( هيئة التفاوض العليا ) ، المثيرة للإشفاق بنظرة ، وللسخرية بأخرى ، وللإنكار والاشمئزاز بثالثة ؛ ليتساءل ..

أين هم ممثلو أصحاب المظلوميات في هذه الخلطة الأسدية المكرورة؟!

أين هنّ على منصة المفاوضين عن مظالم الشعب السوري ممثلات السوريات المنتهكات ؟! والسورياتُ المنتهكاتُ ، بعد أن اعتمد الانتهاك منهجا وأسلوبا لكسر إرادة  الحرائر من السوريات ، أصبحن جيلا كاملا لهن الحق في مشاركة يصفعن به ، أو يبصقن به في وجوه أهل الدياثة ، في فضاء يتحدث فيه المتحدثون عن ثلث تمثيل يكون للنساء ؟! ثم أين هنّ ممثلات الثكالى ، وممثلات الأرامل ، وممثلات الأيتام ؛ ونحن نرى في الوجوه الصفر على مقاعد ديمستورا ممثلي المنتهكِين والمدافعين عن المغتصبين ؟!

يتساءل المواطن السوري :

أين هم ممثلو أولياء الدم لمليون سوري قتلوا مع سبق الإصرار ، وفي إطار مؤامرة دولية وإقليمية ، أطلقت يد المجرم ، ويد حلفائه ، فلم يقل لهم أحد في لحظة (حسبكم ) . حتى انتهى بهم الأمر منذ أيام إلى قطع الطريق على أي محاولة لتحقيق يجيب على السؤال : من استخدم ألغاز القاتل ضد السوريين ؟!

وحين ينظر المواطن السوري الموتور بدم أب أو ابن أو أخ أو أخت أو ابن عم أو قريب أو جار ، يرى على منصة ديمستورا كثيرا من وجوه القتلة الذين كان يراهم على مقاعد مجلس الشعب ، أو يتابعهم يتدحرجون بين شعب حافظ وبشار الأربعة ، بين أيديهم وأرجلهم ..

ويتساءل المواطن السوري

أين هم ممثلو المعتقلات والمعتقلين؟! والمعتقلات والمعتقلون في سورية  ربع مليون سوري وسورية ، وثق من أطلقوا عليه لقب القيصر مظلوميتهم ، وعذابهم  وما يعانونه ، في أطول هلكوست شهده التاريخ!! مع كل ما قيل عن بشاعة الهلكوست النازي فهو لم يستمر أكثر من 3 أو أربع سنين ، أما هلكوست الشعب السوري فقد بلغ في مرحلته الأخيرة  سبع سنين مضمخة بالإبادة والقتل والتعذيب والتجويع . تابع هذا العالم البائس خمسا وخمسين ألف صورة ، ذرف بعضهم باطلا دموع التماسيح ، ثم انصرف إلى ذاته ينشد مصالحه أو لذاته ..

ثم ينظر المواطن السوري اليوم  في الوجوه الصفر على منصة ديمستورا ، فلا يجد من هؤلاء المعذبين أحدا ولا يجد لهم ممثلا حقيقا ، يحكي حكايتهم أو يدافع عنهم ، ثم يحدثونك عن حل سياسي !!

ويتساءل المواطن السوري

أين هم ممثلو أصحاب أطول وأقسى مظلومية تاريخية في تاريخ سورية الحديث ؟!

أين هم ممثلو أولياء الدم لقوائم الشهداء الذين اعترف مجرم الحرب مصطفى طلاس أنه كان يوقع على إعدامهم أسبوعيا على مدى أكثر من عقد من الزمان ؟!

أين هم ممثلو الشهداء والمفقودين والمشردين والمهجرين ، الذين يظن ديمستورا أو بوتين أو ترامب أو أحد حلفائهم ، أنه يستطيع أن يحول مظلوميتهم إلى لفافة تبغ ، يقدمها لأحد أتباع بشار الأسد على مقعد هيئة التفاوض ليحرقها وينفثها ...؟!

إن تراكم الظلم قد ولد ثورة ، وإذا كان الخذلان المكعب قد نال اليوم من ثورة السوريين ، فإن الظلم سيظل يولد الثورات ، وسيظل المظلومون يثورون حتى تعلمهم الثورات كيف ينتصرون ..

" وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ "

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

============================

مؤتمر سوتشي السوري من مؤامرة إلى حل .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الخميس 30/11/2017

يعلن النظام السوري، عبر نائب وزير خارجيته، فيصل المقداد، مسبقاً وبكل صراحة، إجهاض كل جهود المعارضة التي تخوض حاليا الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف، التي ترعاها الأمم المتحدة، في تصريح له من طهران، نافياً فيه وجود مرحلة انتقالية في سورية، ما يعني أنه يرد على بيان مؤتمر الرياض 2 للمعارضة السورية، قبل أن يجفّ الحبر الذي كتب به، بل طالب مقداد المعارضة بالتوقف عن ذكر ذلك، والإقلاع عن ما اعتبره "توهمات" لديها، وذلك وسط صمت دولي عن هذه التصريحات التي تتحدى المجتمع الدولي وقراراته، أيضاً، مثل بيان جنيف 1، وقرارات مجلس الأمن الدولي، لاسيما 2118 و2254.

يضع هذا الأمر المعارضة أمام مواجهة جملة من التساؤلات، قبيل دخولها مسرحية التفاوض المملة، والطويلة، التي تدور حتى اليوم في فلك أوهام من يسعى إلى المشاركة فيها، مثلاً: هل تعرف المعارضة أنها تشارك في لعبة مكشوفة لتمرير الوقت في نقاشاتٍ لا تؤدي إلى نتائج ملموسة في القضية الأساسية للثورة السورية، وهي الانتقال السياسي؟ أو هل تملك المعارضة، بشقيها السياسي والعسكري، خياراتٍ بديلة عن مسار جنيف، كحال النظام الذي يقدم له داعموه خياراتٍ تفاوضيةً متفاوتة، عسكرية في أستانة، وهدنا محلية، ومؤتمرات جانبية، وما يحضر له اليوم في سوتشي ليكون مختبراً جديداً في شقّ طريق حوارٍ تسميه روسيا "وطنيا"؟ أيضاً، هل لدى المعارضة خيار الموافقة على المشاركة في مؤتمر سوتشي أو رفضه، فيما إذا توافقت الدول الصديقة أو بعضها "للشعب السوري"، أي للمعارضة على مخرجات هذا المؤتمر وحصصها فيه؟ وتعزّز مشاركة منصة موسكو في مؤتمر الرياض 2، هذا السؤال، وكذا الوساطة التي لعبها المندوب الروسي في إعادة وفد المنصة للمشاركة في الوفد التفاوضي الذي نتج عن اجتماع المعارضة الثاني، بعد إعلان ممثل المنصّة انسحابه من المؤتمر.

على ذلك، هل تنتظر موسكو ثمناً لما اعتبره بعضهم تسليفا مسبقا، ربما تكون مشاركة 

"تركيا ترى في مؤتمر سوتشي المقبل مخرجاً للقضية السورية" المعارضة في سوتشي ذلك الثمن المنشود لإضفاء شرعية عليه، واعتباره أحد مسارات الحل السياسي "اللايت" الذي تعمل عليه روسيا، وتدجن المعارضة لقبوله لاحقاً، من خلال جلوسها في صف واحد مع منصة موسكو التي كانت المعارضة نفسها ("الائتلاف" خصوصا) اعتبرتها، لزمن طويل، أقرب إلى النظام منها إلى المعارضة، والتي اعتبرها كثيرون من أعضاء "الهيئة العليا للتفاوض" السابقة بأنهم يريدون الدفاع عن بقاء الأسد؟

في السياق نفسه، نلاحظ أن تركيا، أي الصديق الأقرب إلى المعارضة، ترى في مؤتمر سوتشي المقبل مخرجاً للقضية السورية، إذ عبر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن ذلك بتفاؤل كبير، إلى حد قوله، في اجتماع لحزبه (العدالة والتنمية): "العالم كله رأى الأمل والاستقرار والسلام والمستقبل في قمة سوتشي، كما رأى إخواننا السوريون في القمة إمكانية العودة إلى وطنهم". وذلك يعني أن المعارضة وأشخاصها التي كانت رفضت مؤتمر سوتشي، واعتبرته محاولة لإعادة إنتاج النظام في سورية، وأنه مؤامرة روسية على مفاوضات جنيف الأممية، يضعها أمام فرصة لاختبار قدرتها على المناورة أمام مضيفها الأهم، تركيا من جهة، وأمام حاضنتها الشعبية التي عبرت عن موقفها الرافض "سوتشي" بمظاهرات يوم غضب سوري في كل عواصم وجودهم ومدنه، وفي الداخل السوري وأيضاً في إسطنبول.

على ذلك، هل ستكون المعارضة التي تقيم معظمها، ونحو ثلاثة ملايين من السوريين، في 

"هل تعرف المعارضة أنها تشارك في لعبة مكشوفة لتمرير الوقت في نقاشاتٍ لا تؤدي إلى نتائج ملموسة؟" تركيا، على ضفة أخرى من القرار المتعلق بحضور "سوتشي"، أم إنها ستجد المبرّرات اللازمة لحضورها، وتلافي الصدام مع الرغبة التركية في إنهاء ملف الصراع السوري، خصوصا أن أردوغان بشّر بوجود مقترح بدستور جاهز، وموافق عليه من تركيا؟

ربما ستتعلّم المعارضة، هذه المرة، وهي تتراجع عن قراراتها ولاءاتها الكثيرة، أن التروّي في دراسة ما تقدمه موسكو لها قبل إطلاق صرخاتها، يجنّبها حرجا كثيرا كيانات وشخصيات، ويجنب السوريين مزيدا من التعلق بأوهام الشعارات التي ترفعها، وسرعان ما تتنازل عنها، بسبب اضطرارها إلى مسايرة قرارات الدول الداعمة لها، والتي شهدنا خلال السنوات الماضية تغيراتٍ في موقعها مع القضية السورية، ومنها.

تفاؤل تركيا وإصرارها على المضي في إنجاح مؤتمر سوتشي، والوصول من خلاله إلى "حل سياسي" ربما يمكن ربطه مباشرة بتصريحات أميركية، ربطت خروج القوات الأميركية من سورية بالوصول إلى حل سياسي، وليس فقط بانتهاء المعركة ضد "داعش"، أي أن هذا التسريع، هو، ربما، لإنهاء المساندة التي تتلقاها القوات الكردية، قوات سورية الديمقراطية (قسد)، وبالتالي، يمكن تصوّر أن الدستور المقترح في موسكو ينهي طموحات الأكراد في حكم ذاتي لهم على حدود متاخمة لتركيا.

صحيح أن السياسة مفتوحة الأبواب دائماً، وهو تعبير للرئيس أردوغان، لكنها بالنسبة إلى المعارضة السورية ما تزال أبوابها موصدة، وفي أحسن الأحوال مواربة، يحتاج دخولها أوراقا كثيرة من القوة التي تبدّدت خلال سبع سنوات من نفاق العالم، وصمته على مأساة السوريين، وابتعاد المعارضة عن قاعدتها الشعبية.

========================

من سوتشي إلى الرياض إلى جنيف: ماذا عن العروسين؟ .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 30/11/2017

بدأت الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف، الثلاثاء، في غياب وفد النظام الكيماوي الذي وافق، لاحقاً، على الحضور المشروط يوم الأربعاء. وكان هذا الوفد قد أرجأ السفر إلى جنيف «احتجاجاً على الشروط المبطنة الواردة في بيان الرياض، والكلمات النابية بحق الحكومة والقيادة السورية، والقراءة الاستنسابية لقرار مجلس الأمن رقم 2254، إضافة إلى عدم تمثيل كل المعارضات في الوفد الموحد» حسبما نقلت صحيفة الوطن لصاحبها رامي مخلوف، ابن خال بشار الكيماوي وأمين بيت مال عائلة الأسد المالكة لسوريا.

والحال أن النقلة التي شكلها مؤتمر الرياض 2 للمعارضة السورية، بالقياس إلى مؤتمرها الأول ـ الرياض 1، هي في استدخال منصة قدري جميل الروسية ـ الأسدية داخل جسم المعارضة، مقابل استبعاد من وصفهم لافروف بـ«المتشددين»، والتفاوض بدون شروط مسبقة، مع محاولة التغطية على هذا الانحدار بتكرار عبارة «ضرورة مغادرة الأسد مع بداية المرحلة الانتقالية» كلازمة لا بد منها للإيحاء بأن الجسم الجديد لـ«المعارضة» ما زال متمسكاً بثوابت الثورة السورية.

وأضافت «الوطن» إن الاتصالات بين مكتب دي مستورا ودمشق وموسكو نجحت في إقناع دمشق بالمشاركة، بعد حصولها على ضمانات بألا يتم التطرق إلى بيان الرياض2 ومضمونه، وألا تكون المفاوضات مباشرة، وأن تتمحور حول سلتي ديمستورا بصدد الدستور والانتخابات.

إذا صح ما نقلته هذه الصحيفة، فنحن أمام مفاوضات بدون شروط مسبقة من طرف المعارضة فقط، مقابل «سلة» متكاملة من الشروط المسبقة من طرف النظام، تبدأ باستبعاد أي مفاوضات مباشرة مع المعارضة، كما يأمل المبعوث الأممي، من شأن حصولها أن تنطوي ضمناً على اعتراف النظام الكيماوي بها، ولا تنتهي عند التدخل في تشكيلة الوفد المعارض.

الواقع أن مسيرة الانحدار قد بدأت منذ أواخر العام الماضي، مع تسليم حلب للنظام، بعد حصار قاس استمر طوال شهور، مترافقاً مع قصف متواصل بالبراميل الأسدية، بنتيجة توافقات روسية ـ تركية واستسلام «المجتمع الدولي» أمام البلطجة الروسية. وقد بدأت روسيا، منذ ذلك الوقت، بتركيز دبلوماسيتها الحربية على مسار جديد للمفاوضات في استانة، أثمر «مناطق خفض التصعيد» الأربع، من غير أن يعني ذلك وقف قصف النظام (وروسيا) لتلك المناطق. وها هي اليوم مفاوضات جنيف الثامنة تنطلق في الوقت الذي يستمر حصار الغوطة الشرقية وقصفها بالبراميل والصواريخ، مع حديث عن هدنة مؤقتة قد تبدأ اليوم. نعم، فقط هدنة مؤقتة في منطقة اتفق على خفض التصعيد فيها! و«الراعي» الروسي للتسوية المزعومة يبرر قصف الغوطة وحصارها بوجود عناصر لـ «تنظيم الدولة» (داعش)، يعرف العالم كله أنه غير موجود فيها.

هناك من يبررون التنازلات المطردة التي تقدمها المعارضة، تحت ضغط القوى الإقليمية والدولية، بذريعة الواقعية السياسية. أي بضرورة الاعتراف بانتصار النظام وحلفائه في الصراع العسكري، وعدم وجود خيارات بديلة. وضمناً بالقول إن المسألة السورية قد خرجت من يد السوريين، وباتت رهن تفاهم دول منخرطة في الصراع. على صحة كل ذلك، لماذا إذن تمارس تلك الدول كل هذه الضغوط على المعارضة لتستسلم للحل الروسي؟ لماذا لا تكتفي بالاتفاق فيما بينها لوضع حل يناسبها تفرضه على السوريين من غير حاجة إلى أخذ موافقتهم؟

يشبه الأمر، إلى حد كبير، عقد زواج بين شاب وفتاة، بناءً على توافق مصالح أهلي العروسين، من غير اهتمام برأي هذين الأخيرين اللذين قد لا يطيقان العيش معاً. فعلى رغم عدم اكتراث الأهل برأيي ابنهما وابنتهما، يحتاج عقد الزواج إلى موافقتهما حتماً. ولا يمكن أن يتم بغير هذه الموافقة. كذلك هي الحال بالنسبة لـ»الحل الروسي» الذي يريد من المفاوضات أن تعيد إنتاج نظام السلالة الأسدية الذي ثار عليه الشعب السوري منذ سبع سنوات، بعدما بات تحت الوصاية الاستعمارية الروسية ـ الإيرانية.

يمكن للمعارضة، إذن، أن ترفض التوقيع على عقد الإذعان، وتترك الحل للدول: تفضلوا تزوجوا أنتم.

ومن المحتمل أن المعارضة، برغم تطعيمها بمنصات تابعة للمخابرات الأسدية، لن تحتاج أصلاً إلى قلب الطاولة، ما دامت «نشوة النصر» كفيلة بأن يفعلها النظام الكيماوي نفسه، كما حدث بعد عودة بشار من سوتشي ليتحدث نظامه عن موافقته على «انتخابات تشريعية» فقط، وكما حدث حين رفض ـ في البداية ـ المشاركة في جولة جنيف، بسبب ذكر مغادرة الأسد في بداية المرحلة الانتقالية في بيان الرياض 2. وكما يواظب على رفض أي مفاوضات مباشرة مع وفد المعارضة، سواء في هذه الجولة أو الجولات المقبلة التي يبدو أنها ستتوالى إلى ما شاء الله.

الواقع أن النظام ليس وحده، أو مع إيران، من يراهن على مواصلة الحرب المفتوحة حتى الحصول على استسلام كامل ممن تبقى من السوريين. بل حتى روسيا التي تظهر استعجالها للحل السياسي، لكنها تواصل الحرب لكسر إرادة العدو.

وإذا عدنا إلى شهر أيلول/سبتمبر عام 2016، سنتذكر كلام وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون كيري أمام معارضين سوريين التقى بهم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. فقد قال لهم بدون أن يرف له جفن إنه سيتم تدمير المعارضة العسكرية خلال بضعة أشهر ما لم توافقوا على الانخراط في العملية السياسية. وكان، في كلامه هذا، يضرب بسيف روسيا التي «انتصرت» مع تابعها الكيماوي، بعد شهرين، على حلب، وأطلقت بعد ذلك مسار آستانة، وتعد العدة، الآن، لمسار ثالث في سوتشي، بمباركة إيران وتركيا، في الوقت الذي يتكفل فيه بشار الجعفري بإفشال جولات جنيف، وصولاً إلى «ليلة الزفاف» الأسدية.

هل سيكون لروسيا وإيران ما يريدان من عقد زواج إذعان بين السوريين وجزارهم، في غياب أي دور أمريكي وأوروبي وعربي؟

حتى لو حصل ذلك بيد معارضة مفبركة، سيبقى هناك سوريون يصرخون: «زواج عتريس من فؤادة باطل» كما في فيلم «شيء من الخوف» للمخرج المصري حسين كمال.

٭ كاتب سوري

========================

أهمية الجولة الحالية في مسار مفاوضات جنيف .. حسين عبد العزيز

الحياة

الخميس 30/11/2017

لا شك في أن جولة مفاوضات جنيف-8 تختلف عن غيرها من الجولات التفاوضية السابقة، ولا يتعلق الأمر بحصول اختراقات سياسية أو عدم حصولها، فهذا أمر من المبكر الحديث عنه، وإنما يتعلق الأمر بالظروف والشروط التي تميز هذه الجولة.

ثمة خمسة تطورات سبقت الجولة الحالية سيكون لها تأثير كبير على مجرى العملية التفاوضية وإن لن تظهر جدواها في المدى القريب:

1- إنهاء الوجود الاستراتيجي لـتنظيم «داعش» في سورية، مع ما يعنيه ذلك من تهيئة الأجواء لعودة ثنائية النظام والمعارضة للمشهد السياسي، وهي الثنائية الضرورية لحل الأزمة السورية.

2- انتهاء مؤتمر آستانة من مهمته الاستراتيجية المتمثلة بتثبيت وقف إطلاق النار في المناطق الأربع المحددة لخفض التوتر.

3- بيان ترامب- بوتين الذي تحدث صراحة عن إصلاح سياسي وليس انتقال سياسي، وشرعن وجود الأسد أثناء عملية الإصلاح حين لفت إلى إعلان الأسد التزامه بعملية جنيف والتغيير الدستوري والانتخابات وفق قرار مجلس الأمن رقم 2254.

4- مؤتمر «الرياض-2» الذي شكل انتقالاً في الخطاب السياسي باستخدام الصفة المعيارية بدلاً من الصفة التقريرية التي هيمنت على البيان الختامي لمؤتمر «الرياض-1»، وإدخال فرقاء جدد في «الهيئة العليا للمفاوضات» بما يستجيب للقرار الدولي 2254 ولمطالب المجتمع الدولي، والذهاب إلى جنيف في وفد موحد ذي مرجعية موحدة من الناحية النظرية لا العملية.

5ـ- لقاء بوتين- الأسد، وما أعلنه بوتين من أن العملية السياسية تتطلب تسويات وتنازلات من جميع المشاركين بما في ذلك النظام السوري.

أهمية هذه التطورات تكمن في أنها حددت المفاوضات السياسية كعملية وحيدة للوصول إلى حل للأزمة السورية، وبالتالي لم يعد هناك فائض من المناورة للنظام للهروب إلى ساحة الميدان كلما فشلت المفاوضات. وهذا ما يفسر محاولات النظام عرقلة الجولة الحالية عندما قرر تأجيل سفر وفده المفاوض إلى جنيف، في رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأنه قادر على عرقلة المفاوضات.

المسألة هنا تتعلق برؤيتين متباينتين: المعارضة تنطلق من الوثائق والتفاهمات الدولية الخاصة بسورية، في حين يعتمد النظام أسلوب المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، أي إبعاد الشرعية الدولية وقراراتها، وترك المفاوضات لموازين القوى.

مع ذلك، فإن الجولة الحالية تعتبر مهمة كونها ستركز على مسألتي الدستور والانتخابات من دون إغفال ورقة المبادئ العامة التي تحكم مستقبل سورية، وهذه المبادئ ستتم مناقشتها بالتفصيل داخل سلتي الدستور والانتخابات، بمعنى أن الاتفاق على كل سلة يعني بالضرورة الاتفاق على جزء من المبادئ العامة، وهذه خطوة تكتيكية مهمة تساعد وتسرع الوصول إلى تفاهمات.

فعلى سبيل المثال، سيتضمن الدستور الجديد بطبيعة الحال المبادئ العامة لشكل نظام الحكم وآلية الإصلاح السياسي والإداري، ومن هنا سيكون الصراع المقبل حول أي دستور سيعتمد، ففي حين تصر المعارضة على اعتماد دستور الخمسينات، لا يزال النظام متمسكاً بدستور 2012، وآخر تأكيد له على ذلك جاء في بيان لوزارة الخارجية السورية الذي رحب بانعقاد مؤتمر «الحوار الوطني السوري» في سوتشي ورحب بمناقشة مواد الدستور الحالي.

هذا الخلاف يمتد ليشمل أيضاً سلة الانتخابات، هل ستكون الانتخابات برلمانية فقط، أم برلمانية ورئاسية؟ وما هو الجدول الزمني لهذه الانتخابات؟

لكن الخلاف بين الطرفين أعمق مما يبدو في الظاهر، إذ لا يقتصر الخلاف على شكل وطبيعة الانتخابات، وهل ستكون مرجعيتها ضمن فقرة خاصة بها في الدستور، أم تعتمد على المبادئ الأساسية الواردة في الدستور؟

الخلاف المضمر يكمن في البيئة والمناخ الذي يسبق الانتخابات، ذلك أن انتخابات ديموقراطية من دون مناخ ديموقراطي، قد تعيد إنتاج الاستبداد عبر صندوق الاقتراع، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك في العالم.

إن أية انتخابات مهما كانت شفافة وتحت إشراف دولي ستنتهي لمصلحة النظام ما لم يتم تغيير المنظومة الأمنية والسياسية الحاكمة، فالمواطن داخل الجغرافية السورية سيصوت بقرارة نفسه لمصلحة النظام نتيجة الخوف الشديد، ومن دون تهيئة المناخ الديموقراطي لا معنى لأي انتخابات مهما كان نوعها.

ومن هنا كانت أهمية فكرة الانتقال السياسي التي تطالب بها المعارضة، لأنها تحدد مرحلتين زمنيتين متباينتين، يتم عبرهما الانتقال من نظام سياسي إلى نظام آخر مختلف تماماً، أما في ضوء الإصلاحات السياسية، فيبدو من الصعب تلمس حقيقة المناخ السائد.

إن تعامل المجتمع الدولي مع الدستور والانتخابات بصفتهما آليتين للإصلاح السياسي غير كاف ما لم يترافق مع رؤية شاملة لطبيعة المناخ السياسي القائم في البلاد، وهذه أحد أهم مهام وفد المعارضة، فإذا كان غير قادر على فرض رؤيته الكاملة للحل السياسي، فلا بد له أن يتمسك بروح التحول السياسي وغايته الكبرى، وإن كان ذلك على المدى البعيد.

ومع أنه لا يتوقع حدوث اختراقات تفاوضية ذات قيمة، إلا أن الاهتمام الدولي بهذه الجولة قد يجعلها بمثابة نقطة تحول، فبخلاف الجولات السابقة من المفاوضات، أرسلت الولايات المتحدة ديفيد ساترفيلد مساعد وزير الخارجية إلى جنيف، في مؤشر على اهتمام أميركي بأن لا تكون الجولة الحالية مشابهة للجولات السابقة.

كاتب وإعلامي سوري

========================

التفاوض الأخير على سورية .. عمار ديوب

العربي الجديد

الاربعاء 29/11/2017

ستُقرّر روسيا وأميركا مصير سورية. وليس ذلك من اختصاص تحالفات روسيا مع إيران وتركيا، بما فيها بيان رؤساء الدول الثلاث في سوتشي أخيراً، وطبعاً لن تقوم مؤتمرات المعارضة السورية في الرياض، ولا في سوتشي، وقبل ذلك في أستانة، بهذه المهمة الرئيسة. والأجواء التي أحاطت بمؤتمر المعارضة في الرياض (23-24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017) واستقالة الشخصيات الأساسية في هيئة التفاوض العليا، وانتخاب هيئة جديدة، ووفد تفاوضٍ متأثرٍ بالضغوط الدولية والإقليمية عليه، هي أجواء تعني أن القراءة الروسية للقرارات الدولية ولمصير مسار جنيف هي ما تم إقراره في "الرياض 2"، وتحت يافطة أن لا شروط مسبقة في المفاوضات.

استند بيان الرياض إلى القرارات الأممية والدولية، سيما بيان جنيف 1 وقرار مجلس الأمن 2118، فلم يتضمن أيّ تراجعات عن "الرياض 1" تُبرّر الاستقالات، غير أن التشويش هو في القول إنّه لا شروط مسبقة في المفاوضات! أي إنه سيتم التوافق على ما سيُقرر لهم عبر روسيا وأميركا. ويتم تأكيد الفكرة الأخيرة مراراً وتكراراً عبر الهواتف الساخنة والمستمرة بين الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب، أو بين مسؤولي الدولتين العُظمَيَيْن بخصوص سورية.

إذاً هل بيان "الرياض 2" قابل للتفسير بكل التأويلات؟ مهلاً؛ هناك تأويل أساسي، يقول إن غياب شروط مسبقة، ومنها إجراءات الثقة، كإطلاق سراح المعتقلين، أو الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار على مناطق خفض التوتر، أو إيصال المساعدات وسواها، يقول إنّ القراءة الروسية هي المعتمدة دوليّاً، وبيان الرياض يقرّ فيها، وهو ما سيتحقق في اجتماع جنيف. ولكن: ما هي القراءة الروسية الأخيرة لمصير سورية، وهل يمكن أن تتجاهل الموقف الأميركي؟ هذا غير ممكن.

وقد أكدت قمة سوتشي أن الحل السياسي في سورية يتشكل من حكومة موسعة بقيادة الأسد، 

"المفاوضات الحقيقية ستكون على الأغلب سريّة، وستحقق حلاً سياسياً في العام المقبل" وإصلاحات دستورية، وربما إبقاء الرئيس الحالي مع صلاحيات أكبر لرئاسة الوزارة، وبما يجعل موقع الرئاسة صورياً. ويُراد من مؤتمر سوتشي المرجأ إلى فبراير/ شباط المقبل، وهو الخاص بالمعارضة وممثلين عن النظام، شرعنة الوجود الروسي في سورية، سيما أن روسيا استدعت إلى سوتشي، قبل أيام، رئيس النظام الحالي، وممارسة ضغوط إضافية على المعارضة والعالم، وتحديداً على الأميركان، ليتراخوا في مواقفهم إزاء سورية. وقد حدّد الموقف الأميركي بدقة، فما بعد نهاية "داعش" يجب البدء بحل سياسي في سورية، ولكن يجب تحجيم إيران بشكل كبير، وضمان مصالح إسرائيل والسعودية والسوريين كافة، وحتى ضمان مصالح حلفائهم الكرد، وهذا غير ممكن من دون خروج إيران، وإجبار الأتراك على الموافقة على ذلك. وروسيا تدوّر الزوايا، قبل توافقها الكامل مع الأميركان، أي هي تمهّد، عبر المؤتمرات الخاصة بالسوريين، أو برؤساء الدول، لتؤكد أن هناك توافقات دولية، (مع أوروبا وأميركا) لا يمكن تحقيق انتقال سياسي من دون أخذها بالاعتبار، وكذلك الضغط على الأميركان للتسليم باحتلال روسيا سورية؛ فروسيا تعلم أن وجودها نفسه في سورية لا يتشرعن من خلال النظام، بل بموافقة أميركا عليه أولاً وأوروبا ثانياً. ومن هنا، وظيفة تدوير هذه الزوايا هي إيجاد توافق أميركي روسي حقيقي بخصوص سورية، وليس مستبعداً حصول محادثات سرية مستمرة بين واشنطن وموسكو، بخصوص الصيغة النهائية لاحتلال سورية.

مؤتمر الرياض 2 وقبله كل اجتماعات أستانة، بل وسوتشي لاحقاً، لم ولن تهتمّ جديّاً بقراءة مبرّرات الاحتلال الروسي، أو بقية الاحتلال لسورية. ولهذا نجد صيغة بيان الرياض 2 تتضمن كلاماً يخص إيران، أو إجلاء القوات الأجنبية بشكلٍ "لطيف"، وهذا يُوضح الدور الانتهازي للمعارضة، واستعدادها للتوقيع على ما سيُقرره الروس والأميركان لاحقاً.

هناك مصالح متعارضة بين روسيا وأميركا باعتبارهما يقرّران شكل السيطرة الدولية على العالم. وفي منطقتنا حدّدت أميركا مهمتها الراهنة، والماثلة في تحجيم إيران بعد نهاية "داعش"، وتشكيل أنظمة تابعة وهامشية، لكن الروس ما زالوا في مرحلة التجريب لما يريدون من منطقتنا. ولهذا نجد مواقفهم مربكةً إزاء مصالح الدول الإقليمية في منطقتنا، ولاسيما المواقف مما يحصل في العراق أو اليمن مثلاً. وبين الدولتين العظميين ما زالت هناك قضايا معقدة للغاية، وستظلّ كذلك زمناً. وبالتالي ستكون المهمة الراهنة هي ترتيب شؤون المنطقة. وليست هذه القضية سهلة، ولكن لا يجوز تركها في حالة توترٍ عاليةٍ، تُهدد المنطقة بأكملها. ومن هنا تأكيد أن أميركا تتعاون مع روسيا، لطي صفحة الحرب في سورية، وتشكيل نظام جديد.

أما إيران فتجد نفسها تمتلك قوة فائضة، وأن من حقها أن تلعب دوراً مستقبلياً في كل الدول العربية، وهي تتخوف كثيراً من المرحلة الحالية؛ فهي الهدف الأول للأميركان، وهي محط نقد مستمر من إسرائيل ومن السعودية. روسيا ذاتها لا يمكنها الاستمرار في تبرير الوجود الإيراني في سورية أو اليمن. وبالتالي، في حال رغبت بتوافقاتٍ قوية مع أميركا أو إسرائيل أو الخليج، فهناك مصالح يجب التضحية بها، وأولها تحجيم إيران في سورية؛ يدعم هذه الفكرة أن إيران تنافس روسيا على سورية، وأن أموال إعادة الإعمار وتسهيل الاحتلال الروسي لسورية ستأتي من الدول المشار إليها! إذاً لا بد من التضحية بإيران، والسؤال كيف؟

توضح مقرّرات مؤتمري الرياض 2 وسوتشي أن الدور الروسي فيهما كبير، وبالتالي سيتهمش دور إيران التي لم تكن موجودة في الرياض، ولن تكون في سوتشي، وبالتأكيد سيكون تحجيمها من نتائج مفاوضات جنيف. وضمن هذه المعطيات، ستتهمش إيران. ومن مصلحة السوريين، معارضة ونظاماً، وقد دُولّت سورية، أن تتحجم إيران منها، سيما أنها مارست سياسات تغيير ديموغرافي وطائفية وعنصرية، ولم يسلم النظام بأجهزته من هذه الممارسات.

تسير تركيا نحو توافقات أكبر مع روسيا، وهي ليست في خلافٍ مع الخليج، ولا مع إسرائيل، وإنما مشكلتها في أن خلافاتها مع الولايات المتحدة تُهمشها أكثر فأكثر، وتُلحقها بروسيا. وبالتالي، هناك ضعف كبير في سياساتها هذه، ويُستثنى منها موقفها الحاسم إزاء الأكراد؛ وهذا ما يجعلنا نرى أن مآلات الوضع السوري لن تكون تركيا فيه حجر عثرة كما إيران؛ فالأخيرة ستبحث عن صفقاتٍ كبرى تُبرّر تهميشها من سورية تحديداً؛ وطبعاً لم يعد يكفيها المحافظة على حزب الله في لبنان، لكن طموحها هذا يُقابلُ برفضٍ سعودي لوجودها في اليمن، ورفضٍ أميركي لهيمنتها على العراق، ورفضٍ إسرائيلي لوجودها في سورية خصوصاً، وكذلك لبنان.

... ما تقدم من أفكار يقول إن خيارات روسيا في إدارة الحل السياسي المزمع في سورية ليست سهلة، ولو أضيف دور السوريين خارج سيطرة النظام، وهم المتضرر الأكبر من احتلالها بلدهم، فإن روسيا لا تُحسد على وضعها، وهي ستحسم مواقفها من قضايا كثيرة، وليس أقلها إضعاف تحالفها مع إيران، وإجبار النظام على تقديم تنازلاتٍ كبرى لإشراكه في الحل، وستضطر لإرضاء المعارضة لضبط الشارع، ولإرضاء الدول الداعمة لها، وتسهيل احتلالها الكامل لسورية.

إذاً سيكون هناك حل سياسي، وليس بعيداً، لتسهيل معركة أميركا ضد إيران، ولتجديد رئاسة 

"ليست سورية مشرفةً على نهوضٍ وفق ما تتموضع عليه الأمور، بل هي مشرفةٌ على نهبٍ جديدٍ واحتلالٍ مستمر" بوتين في مارس/ آذار 2018، في الانتخابات الرئاسية. وحجم التدخلات الروسية في الوضع السوري كبير، فهي لم تعد تبني قواعد عسكرية، وتدمر المدن وتقتل، بل أيضاً تشرف على المصالحات مع النظام، ولها دور مهيمن على الطيران السوري، وهناك من يؤكد سيطرتها على مفاصل كبرى في الجيش وأجهزة الأمن. ويساعدها تدخلها الكبير هذا في تذليل خلافاتها المستقبلية مع إيران، وإجبار النظام على تقديم تنازلات، وكذلك إجبار المعارضة على الموافقة على دور روسيا كاحتلال، فالمعارضة، كما النظام، مهتمة بالوصول إلى حل سياسي، لا تخرج منه بلا حمّص، وبمناصب في الدولة المستقبلية، وهو ما يدفعها إلى تقديم تنازلات كبرى.

ومهما حصل في مفاوضات جنيف، فإن نتائجها ستخصم من صلاحيات الرئيس الحالي، ومن الأجهزة الأمنية، وستُعطي للمعارضة أدواراً ليست هامشية فيها، بحيث تكون هناك حكومة تجمع مصالح كل من النظام والمعارضة، مع إلغاء فكرة رحيل الأسد، وعدم تجاهل مطالب المعارضة في تغييرٍ عميق في النظام؛ وربما سيكون هناك تفاوض بخصوص العدالة الانتقالية ومحاكمات المسؤولين عن الجرائم، وهذا أساسي لحدوث الحل السياسي، برعاية روسية وأميركية، وهنا المعنى المطابق لما ورد في بيان "الرياض 2"، أي عدم وجود شروط مسبقة؟

وسواء أكان لوفد التفاوض الجديد والعتيد دورٌ أم لا في المفاوضات، فإن المفاوضات الحقيقية ستكون على الأغلب سريّة، وستحقق حلاً سياسياً في العام المقبل، وستكون الفئات السياسية الجذرية أمام مسؤوليات كبرى، أولها إعادة النظر بكل ما حدث خلال السنوات السبع الأخيرة، والابتعاد عن كل تفكير فئوي، والتفكير بشكل وطني في مصير سورية المحتلة. ليست سورية مشرفةً على نهوضٍ وفق ما تتموضع عليه الأمور، بل هي مشرفةٌ على نهبٍ جديدٍ واحتلالٍ مستمر. وبالتالي، ربما سيُنهي الحل السياسي وضعاً كارثياً وهو كذلك، لكنه سيفتح المجال لصراعاتٍ سياسيةٍ ووطنية جديدة. تعب السوريون من مأساتهم، لكنهم مضطرّون للنهوض الذاتي بخيارهم الوطني مجدّداً؛ وسيبدأ هذا كلّه حالما يُنجز الحل السياسي.

========================

ثورة السوريين وأسئلة اللحظة الراهنة .. أكرم البني

الحياة

الاربعاء 29/11/2017

أسئلة كثيرة تثار اليوم بحثاً عن أسباب النتيجة المؤلمة التي وصل اليها السوريون وثورتهم النبيلة، وهل أحكمت لغة العنف، الطوق على حلم التغيير الديموقراطي وبتنا نعيش مناخ هزيمته، أم أن ما يعترضه مجرد عقبات وصعوبات موقتة، يمكن تخفيف آثارها وتجاوزها؟

ثمة من يأنف من الاعتراف بالفشل ويرفض توصيف الواقع الراهن على أنه هزيمة للثورة وشعاراتها، مستقوياً، مرة، بالتضحيات العظيمة التي قدمها الشعب السوري طلباً لحريته وكرامته، تحدوه لازمة يكررها دائماً، بأن شعباً على هذه الدرجة من الإيثار والاستبسال والتضحية لا يمكن أن تكسر إرادته أو يهزم، ومرة ثانية باستمرار وجود معارضة مسلحة عصية على النظام وحلفائه، حتى لو كانت تمثلها هيئة تحرير الشام، مستهزئاً بالحديث عن هزيمة ما دام نصف أراضي البلاد لا يزال خارج سيطرة نظام يعجز مثلاً عن استرداد حي جوبر الدمشقي! داعياً إلى مزيد من استجرار السلاح، بغض النظر عن مصدره ونوعية الفصائل المقاتلة، لتسعير الصراع في حرب استنزاف طويلة تنهك الخصوم وتقلب موازين القوى!

ومع أن تاريخ الشعوب شهد محطات هزمت فيها ثورات تكبدت تضحيات عظيمة وكانت على درجة عالية من المشروعية والنبل، ومع أنه لا تجوز المقارنة بين اللحظة الراهنة وما قامت به النخب السياسية بعد حرب حزيران (يونيو) 1967 حين أجمعت على وصف تلك الهزيمة بالنكسة تخفيفاً لوقعها وتوخياً لاستيلاد فرصة الثأر والانتقام منها، لا بد أن نسأل: هل يجانب الصواب من يعتبر ما حل اليوم بقوى الثورة والتغيير في سورية مجرد انكسار عسكري وليس هزيمة؟ وهل يصح تبرير الهرب من الاعتراف بالهزيمة بالقول إن الخراب طال الجميع وليس ثمة منتصر أو منهزم في صراع دامٍ مع نظام فقد شرعيته وعموميته وتهتكت مقومات استمراره وقدرته على التماسك الذاتي، وبات يعاني من أزمة حكم متعددة الوجوه، أخلاقياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يفاقمها خضوعه التام لإملاءات أطراف خارجية، كروسيا وإيران، تمده بأسباب الوجود والاستمرار على مختلف المستويات؟

وفي المقابل، تتزايد أعداد المعارضين والناشطين الذين بدأوا يستشعرون الهزيمة أو يعترفون بها، وإن اختلفوا على تحديد أسبابها، هل تعود لتعنت نظام لا يهمه سوى الاستمرار في السلطة، رفض تقديم أية تنازلات سياسية واستجر مختلف أشكال الدعم الخارجي ودأب على تشويه الثورة السياسية بربطها بالإرهاب وجرها نحو حرب أهلية طائفية، متوسلاً أشد أساليب العنف والقهر وأشنع الاستفزازات المذهبية بالتواطؤ مع زعماء السلفية الجهادية الذين أطلقهم من سجونه؟ أم يتعلق السبب بمؤامرة مبيتة شارك فيها الجميع كي تصل ثورة السوريين إلى ذلك المستنقع الدامي، وضمنهم يتحمل المجتمع الدولي ومن يسمون أنفسهم أصدقاء الشعب السوري، المسؤولية الرئيسة، من خلال صمتهم وسلبيتهم وعجزهم عن وقف العنف وحماية المدنيين؟ أم ثمة مسؤولية كبيرة تقع على عاتق المعارضة السورية، إن لجهة تأخرها وعجزها عن قيادة الحراك الشعبي الواسع ومده بالخبرة والمعرفة، وإن لجهة استهتارها بالدور المتنامي لجماعات دينية متطرفة نجحت في خطف الثورة سياسياً وعسكرياً؟!

أسئلة الخلاف حول أسباب الهزيمة قادت إلى أسئلة خلافية حول مسارات المستقبل وما يفترض القيام به لحماية ما راكمته الثورة وتخفيف معاناة غالبية السوريين وشدة ما يكابدونه، فيتساءل بعضهم: ألا تستدعي مرارة مأساتنا تلمس الممكن بعيداً من الرغبات والأمنيات، والنظر بعين واقعية إلى المستقبل؟ أولم يغدو التفاوض، بعد فشل الخيار العسكري، الطريق الوحيدة المتوافرة للعودة إلى حلبة الصراع السياسي والمدني؟ أولا تتطلب اللحظة الراهنة الاستقواء بقرارات المجتمع الدولي والميل لانتزاع ما يمكن انتزاعه من حلفاء النظام لقاء تغطية مصالحهم موقتاً في البلاد والمنطقة؟ وهل من مخرج لاختراق حالة اليأس والإحباط سوى دعم المعارضة لتوحيد وفدها المفاوض، وترشيدها لتقديم تنازلات سياسية لا تضر بجوهر مشروع التغيير الديموقراطي؟

وبدورهم، يتساءل ناشطون: لمَ علينا التمسك بمسرح التفاوض السياسي، ما دامت التنازلات سوف تكر كحبات المسبحة في ظل توازن القوى الراهن، الأمر الذي يهدر التضحيات ويدمر ما راكمته الثورة خلال سنواتها الدامية، ويمكن قوى الثورة المضادة من الإجهاز على فرص الإقلاع مجدداً بمشروع التغيير؟ أوليس الأجدى للمعارضة تمثل سلوك زعماء أوفياء رفضوا توقيع صكوك الاستسلام، وشكلوا بعنادهم حافز تحدٍ وأمل للتاريخ والأجيال القادمة، وأن تكتفي، بعد فشلها المرير، بإعلان موقف واضح وجريء يتمسك بشعارات الثورة ومشروعيتها ويعري مختلف الأطراف التي شجعت أو تواطأت على تدمير حلم شعب بسيط يرغب مثله مثل بقية شعوب الأرض في العيش بحرية وكرامة؟

وبين هذا وذاك ثمة من يجد أن ما بات متاحاً ومجدياً هو التركيز على الملفات الإنسانية، وبذل أهم الجهود لمتابعة قضية المعتقلين وكشف مصير المفقودين والمغيبين قسرياً، والاهتمام بمعاناة اللاجئين والمهجرين، والتشجيع على محاكمة المرتكبين وتحقيق العدالة الانتقالية، بينما يدعو آخرون إلى الالتفات نحو البعدين الفكري والثقافي متسائلين، أليس خير وفاء للثورة وتضحيات السوريين العظيمة هو العمل النقدي لاستخلاص الدروس والعبر بما يعزز وعي المجتمع والذات السياسية وتهيئتهما لخوض جولات جديدة نحو التغيير بأقل الخسائر والآلام، والأهم بما يعيد بناء الثقة بالأفق الديموقراطي الذي تلهفت إليه قلوب السوريين في بداية الحراك الثوري، لكنه لم يحظ بالشروط الكافية التي تمكنه من الرسوخ والتحول إلى خيار خلاصي؟

وما يعزز روح التفاؤل وجدوى الجهد الثقافي، حقيقة أن سورية لن تعود كما كانت ولن ترجع مرتعاً للقهر الاجتماعي والاستبداد السياسي، ما يفتح الباب للتأسيس والبناء، وإن ببطء ومثابرة، على تراكمات الثورة وخبراتها، يحدوهما دور نوعي لجيل من الشباب الواعد والمؤهل لاستعادة زمام المبادرة، وقد قطع مع ثقافة الماضي بأوهامها ومخاوفها، وعركته معاناة الكفاح من أجل حرية شعبه وكرامته.

========================

عن فيدرالية "شعوب" سورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الثلاثاء 28/11/2017

يقترح الروس، منذ مدة، دستوراً لسورية فيدرالية، وقد جرى تقديم نص مكتوب في اللقاء الأول لاجتماعات أستانة. وكرّر أكثر من مسؤول روسي أن سورية ستكون فيدرالية. وصدح الرئيس فلاديمير بوتين، أخيرا، بتصورات أوسع، وهو يقترح عقد مؤتمر لـ "شعوب سورية"، ويؤكد ضرورة مشاركة كل المجموعات العرقية والدينية، والهدف تأسيس سورية الفيدرالية الديمقراطية، سورية اللامركزية الاتحادية. فقد دعا إلى مؤتمر "يضم ممثلين عن الحكومة وفصائل المعارضة، وكذلك جميع الطوائف العرقية والدينية"، يُعقد في سوتشي، وهو المؤتمر الذي يجب أن يقرّ مسودة الدستور التي صاغها الروس، والتي تنطلق من أن في سورية "شعوب"، وتتشكّل من "مجموعات عرقية ودينية". وبالتالي، تحتاج إلى أن تكون دولة فيدرالية على هذا الأساس العرقي والديني، وليس انطلاقاً من سمة الفيدرالية، كونها تشكيلا إداريا لبنية الدولة. لتكون سورية "تجميع مكونات"، وليست دولة مواطنين متساوين، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الطائفة أو الجنس.

وهذا المنظور هو شبه ما ورد في الدستور العراقي الذي أشرف على كتابته الحاكم المدني الأميركي للعراق، بول بريمر، بعد الاحتلال، حيث انطلق من "المكونات" التي تعني المجموعات القومية والدينية، ويحق لكل منها تشكيل "إقليمه". حيث خضع العراق لتقسيم ثلاثي: الشيعة في الشرق والجنوب، والسنة في الغرب، والأكراد في الشمال. وكان مطروحاً أن تتحوّل إلى دول وفق المنظور الأميركي. وبالتالي، لا تتعامل روسيا مع شعب سوري، بل مع شعوبٍ هي المجموعات العرقية والدينية. وهي تريد تجميع هذه المجموعات في دولةٍ، عبر اختيار كل مجموعة ممثليها. ويبدو أنها تعمل على تكريس مجالس محلية في المناطق "منخفضة التوتر"، لكي تمثّل مناطقها في المؤتمر. وبالتالي، إذا كان الاستعمار الفرنسي أراد تقسيم سورية إلى خمس دول، على أساس عرقي وطائفي، تسعى روسيا إلى تقسيمها إلى سبع أو ثماني أو تسع مناطق "مستقلة ذاتياً" في ظل دولة اتحادية.

"إذا كان الاستعمار الفرنسي أراد تقسيم سورية إلى خمس دول، على أساس عرقي وطائفي، فإن روسيا تسعى إلى تقسيمها إلى سبع أو ثماني أو تسع مناطق "مستقلة ذاتياً" في ظل دولة اتحادية"

ماذا يميز هذا المنظور عن الذي طرحته أميركا، وهي تتقدم لاحتلال العراق، والذي كرّسته واقعياً بتشكيل الأقاليم الثلاثة على أساس طائفي وعرقي؟ وهو المنظور الذي وُضع في حينه في سياق "الشرق الأوسط الموسّع" و"الفوضى الخلاقة"، حيث تعمل على تفكيك الوطن العربي، وتفتيته إلى دويلاتٍ قائمة على أساس ديني أو طائفي أو عرقي. وكانت تسعى إلى أن تغيّر الوضع السوري، من أجل إعادة تأسيس الدولة على أساس فيدرالي، ومن مجموعات عرقية ودينية وطائفية كذلك. ما هو وجه الاختلاف؟ ألا تقوم روسيا الآن في سورية بتكملة ما فشلت به أميركا أواسط العقد الأول من هذا القرن؟ ألا تؤسس دولةً "طبق الأصل" عن الدولة العراقية التي أقامها الاحتلال الأميركي، انطلاقاً من المنظور نفسه، وعلى الأسس ذاتها؟ ألا تُقلِّد أميركا، أو تسرق عنها، أو تتعلم على يديها؟

تبدو روسيا مقلّدا لسياسات أميركا، وقد ظهر ذلك في أكثر من مجال، من الخطاب "ضد الإرهاب" إلى "الدفاع عن الأراضي الروسية" في سورية، وغيرها. ويبدو أنها تقوم بالأمر نفسه الآن، بعد أن احتلت سورية. إنها لا تنظر إلى شعب، بل تنظر إلى مجموعات عرقية ودينية وطائفية، وتنطلق من أن تناحراً يحكم العلاقة بينها، ولهذا سيكون الحل الأفضل هو الدولة الفيدرالية، أي اللامركزية الاتحادية التي تعبّر فيها كل مجموعة عرقية أو دينية أو طائفية عن وجودها السياسي، وتتحصّل على استقلال معيَّن عن السلطة المركزية. والمشكلة أن روسيا تكرّر هذه الصيغة، والشكل العراقي يعاني من الفشل الذريع، وتميل حتى قوى طائفية إلى العودة إلى "الوطنية"، وينتفض الشعب ضد النظام، ويرفض طابعه الطائفي وفساده. لكن يبدو أنه ليس لدى روسيا الإمبريالية، ممثلةً بزعيمها بوتين، أي مخيال لاجتراح حلولٍ مختلفة. ولأنه بات يمارس السياسة الإمبريالية لم يجد سوى تقليد أميركا ذات الخبرة الواسعة في ممارسة الإمبريالية. ويمكن التوضيح أن هذا المنظور الذي يقوم على فهم الشعوب، باعتبارها مجموعات عرقية ودينية وطائفية، عنصر متأصّل في كل إمبريالية، حيث إنها لا تستطيع السيطرة إلا في مجتمع مفكّك، وهي بالأساس لا تنظر إلى الشعوب الأخرى، سوى أنها تعيش عصور التناحر العرقي والديني والقبلي والطائفي، أي أنها شعوب بربرية، لم تصل إلى العصر الحديث. وهو المنظور الذي يهوِّن عليها الجرائم التي تمارسها، والوحشية التي تلجأ إليها.

وروسيا إمبريالية جديدة، ليس أمامها سوى تقليد الإمبريالية الأقدم، حيث تعتقد أن تلك الإمبريالية نجحت نتيجة "حكمة" سياساتها. لكن الفارق كبير في الزمن وفي الممكنات. وعلى الرغم من ذلك، لا يبدو أن سياسة الإمبريالية الأميركية ناجحة. ربما النجاح الوحيد، وهو مشترك بين الإمبرياليتين، هو التفوق في تدمير المدن والقرى، وقتل الشعب وتشريده. ربما كرّرت روسيا هذه السياسة، من دون أن تفهم مغزاها، لكنها أيضاً قلدت أميركا فيها.

الأخطر هنا أن المصير الذي ترتبه روسيا لسورية لا يختلف عن الذي حددته أميركا للعراق، فهي تريد بناء دولة مفكّكة، ضعيفة، ومستمرة الصراعات، لكنها منحكمة لسيطرتها. بالتالي، ها هي تقوم بعمل ما لم تستطعه أميركا، وهي تريد تعميم "الفوضى الخلاقة". تكمل روسيا ما بدأته أميركا، بعد أن ضعُفَت وأخذت في التراجع. إنها تكمل "مخطط" الفوضى الخلاقة، بعد أن أهملته أميركا. لكن، هل يدقق داعمو روسيا والمدافعون عنها، والذين يجهدون في تلميع صورتها، هؤلاء الذين يدّعون أنهم يسار وشيوعيون، فيما تقوم به روسيا، وما تطرحه الآن خيارا لمصير سورية؟ هؤلاء الذين أتحفونا، في خطاباتٍ نارية، ضد "الشرق الأوسط الجديد" و"الفوضى الخلاقة"، هل يقوموا بمقارنة صغيرة بين ما رفضوه، حين طرحته أميركا، وما يطرحه الروس الآن؟

كانت سياسة اللعب بالطوائف والأعراق والأديان سياسة الاستعمار منذ بدأ، وظل سياسةً تتبعها الدول الإمبريالية، كما فعلت أميركا في العراق، وقبلها في لبنان، وفي مناطق عديدة. وبالتالي، سيكون حتمياً أن تمارسها روسيا، بعد أن باتت رأسمالية وإمبريالية، فهذه سياسة الرأسمالية.

.. روسيا إمبريالية وتمارس إمبرياليتها، هذا واضح في كل خطوة تخطوها، وفي كل سياسة تتبعها.

========================

خمسون عاماً من تدمير سورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الثلاثاء 28/11/2017

في اليوم الرابع من شهر يونيو/ حزيران عام 1967، وجه أحد شعراء "البعث" رسالة إذاعية مفتوحة إلى الأمة العربية، تدعوها إلى الاصطياف في نهاريا، مدينته الفلسطينية التي سيحرّرها جيش "البعث" في الساعات الأولى لنشوب حرب التحرير والعودة، القادمة بإرادة الله، التي لا رادّ لها. بعد أربعة أيام من الدعوة إلى الاصطياف في فلسطين المحرّرة، كانت رئيسة الاتحاد النسائي في حينه تطلق صرخات استغاثة يائسة من إذاعة النظام تناشد العالم أن يسارع فورا إلى وقف تدمير دمشق، أقدم مدينة في العالم، على يد العدو الصهيوني، الذي ادّعت كذبا أنه يشن عليها موجات قصفٍ متلاحقةٍ أسقطت عشرات آلاف الشهداء من أطفالها ونسائها. في ذلك اليوم، أي بعد أربعة أيام من الاصطياف في نهاريا، أذاع وزير دفاع النظام، الفريق الركن حافظ الأسد، بيانا أعلن فيه سقوط القنيطرة، عاصمة الجولان، في يد العدو، وأمر جيشه في رسالةٍ إذاعية موجزة، وليس بالطرق العسكرية، السرية عادة، بتنفيذ انسحابٍ كيفي مما صارت تعرف فيما بعد باسم غامض هو "الهضبة"، وكم بوغت العدو بالخبر المفخّخ الذي أسقط القنيطرة في يده، على الرغم من أنه لم يكن قد وصل إليها بعد، بل كان على مسافة ثلاثة أيام منها.

في وقتٍ لاحق، قال رجال قانون سوريون إن أمر وزير الدفاع الفريق حافظ الأسد بالانسحاب الكيفي يعادل قانونياً حل الجيش الذي تسابقت وحداته العقائدية إلى تنفيذ أمر "المعلم"، فتخلت عن سلاحها وذخائرها، وعن أرض كان ضباطه وجنوده يعلمون أنها لم تسقط، لأنهم كانوا فيها لحظة إذاعة الخبر، لكنهم سلموها من دون قتال إلى عدوٍّ ظن أول الأمر أن "الأسد" نصب لهم فخّا محكماً، ثم أيقن قادته أن نية الوزير الذي يحمل اسم "البهيم الأشرس" طيبة، وأن النتيجة الوحيدة التي أملت عليه أمره كانت دبّ الفوضى في صفوف جيشه العقائدي، وتفكيكه، وإجباره على تنفيذ انسحاب فوضوي من أرضٍ لا يهدّده أحد فيها أو منها، مليئة بالتحصينات والأسلحة والذخائر والمؤن. بعد ثلاثة أيام من الحيرة والارتباك، أذعن العدو للأمر الأسدي، ونشر جنده في الجولان، ولبي دعوته إلى احتلال القنيطرة.

"بعد احتلال الجولان، وانقلابه العسكري عام 1970، اعتمد حافظ الأسد استراتيجية "سنتحدث عنه دائما، لن نفكر فيه أو نعمل لتحريره أبداً""

بين وعد التحرير والدعوة إلى الاصطياف في نهاريا، وحرب لم تدم غير سويعات قليلة، سلم الأسد الجولان لإسرائيل وحل الجيش، ولم يقم بأي إجراء لحماية سلاحه الجوي من التدمير، وتركه مصفوفا بانتظام على مدارج مطاراته، ووهب إسرائيل آلاف الدبابات والمصفحات والمدافع الأرضية والمضادة للطائرات بذخائرها، عرفانا بتفاعلها الإيجابي والمتفهم معه.

بعد هزيمته التي قال خبراء عسكريون سوفييت وأوروبيون إنها كانت إذاعية أكثر منها عسكرية، بشر النظام الشعب: أن "الحزب القائد" وجيشه الهارب من القتال أحبطا مؤمراة إمبريالية/ صهيونية، استهدفت "نظامه الوطني/ التقدمي، ومنعا العدو من إسقاطه، وحققا انتصارا سياسيا تاريخيا عزّ نظيره في معارك الشعوب والدول وحروبهما، قديمها وحديثها. وكان الأسد يدّعي، في بلاغاته الحربية، حتى قبل دقائق من إذاعة أمر تسليم الجولان في التاسعة من صباح يوم 9 يونيو/ حزيران أنه يدمر الكيان الصهيوني، وأنه لم يبق على إزالته من الوجود غير أيام معدوداتٍ على أبعد تقدير. وحين أقر بأنه كان يكذب، أطلق كذبة جديدة، هي أنه أحبط مؤامرةً على النظام، وأن ضياع الأرض الوطنية ليس مهما، بما أن النظام الثوري يستطيع تحريرها متى أراد، بالقوة طبعا، أما إذا سقط النظام، والعياذ بالله، فستكون الإمبريالية والصهيونية قد حققت نصرا استراتيجيا لا مثيل لنتائجه الكارثية على عموم الرب والإنسانية التقدمية جمعاء. أفشل الأسد المؤامرة. لذلك، يجب توجيه شكر شعبي/ وطني خاص له، لإحباطه مخططا جهنميا، بمجرد إذاعة بيان يبدو، في الظاهر، أنه تخلى عن الجولان، بينما أنقذ في الحقيقة والواقع نظاما ثوريا استهدفه الصهاينة، لكنه خيب آمالهم بعبقرية ردّه الذي وضعهم أمام معضلتين: نجاة النظام الثوري، واستحالة الاحتفاظ بالجولان. وقد تساءل النظام بألف لسان: أليس إفشال المؤامرة شرط تحرير الأرض، في إطار استراتيجيةٍ ثوريةٍ، وضعت أصلا لتحرير فلسطين وتحقيق "الوحدة والحرية والاشتراكية"، في سورية والبلدان العربية.

ذات يوم، احتلت فرنسا أرضا ألمانية، فجمع رئيس أركان جيشها مساعديه، وأمرهم بوضع خطة لتحريرها، وهو يقول: "سنفكر فيها ونعمل لتحريرها دوما، لكننا لن نتحدث عنها أبدا". بعد احتلال الجولان، وانقلابه العسكري عام 1970، اعتمد حافظ الأسد استراتيجية "سنتحدث عنه دائما، لن نفكر فيه أو نعمل لتحريره أبداً". وبفضل هذه الاستراتيجية التي حافظت على النظام منذ 1967، يرزح الجولان تحت الاحتلال منذ خمسين عاما، بلور الأسد خلالها سياسةً حولت احتلاله إلى "لاـ قضية"، استهلكتها مزايداتٌ ضد جميع الأطراف الداخلية والعربية، هدفها وحدة شعب سورية، وكتم أنفاسه، وتشويه مشاعره الوطنية، وتخويفه من عقابيل أي ذكرٍ للجولان، وردع معارضيه وتخوينهم واتهامهم بالعمالة للعدو، بذريعة أن أنشطتهم تمنعه من تحرير فلسطين والجولان، بما تحدثه من انقسام وطني، وبما تضعه من عراقيل تضعف فرص إجهاز "الثورة" على عملاء الصهاينة في البلدان العربية، وخصوصا الذين منهم في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية وقياداتها، وقوى لبنان الوطنية، ونظام العراق وجميع من رفضوا "المساعدة الأخوية" التي قدمها جيشه للبنان بغزوه واحتلاله عام 1976، لرد مؤامرة السلام

"لماذا تعاديه إسرائيل، إن كان تدمير سورية والمشرق يكفل تفوقها الاستراتيجي على جيرانها لنصف قرن مقبل، ستكون في أثنائه سيدة المنطقة" الصهيونية التي أيقن الأسد بوجودها خلال محادثاته مع وزير الخارجية الأميركي، هنري كيسنجر، عام 1974، الذي طالبه باحتلال القطر الشقيق، وتكفل بالحصول على ضوء أخضر شخصي من رئيس وزراء العدو، المجرم مناحيم بيغن الذي لم يكتف بمنح موافقته، وإنما ادّعى أنه يؤيد خطتنا لإحباط التسوية بين كيانه وأنور السادات، ولمنع فرضها على البلدان العربية الأخرى، وخصوصا لبنان، خاصرة نظامنا المقاوم الرخوة، الذي التزم بيغن، في تصريح علني، بحماية أقلياته وطوائفه، تكريسا لسلام أمر واقع، يفضله على السلام التعاقدي مع مصر. وأكد رئيس أركان جيش العدو أننا تقيدنا بعدد من تم الاتفاق مع كيسنجر على إرسالهم من جيشنا إلى لبنان، وأشاد بدورنا في تأجيج سعير الحرب الإيرانية/ العراقية، واعتبره دليلا على رغبتنا في انتهاج سياساتٍ تطوي، بعد فصل القوات في الجولان عام 1974 صفحة الصراع العربي/ الإسرائيلي، وتفتح، بدءا بغزو لبنان، بالتفاهم مع أميركا وموافقة إسرائيل، صفحة الصراعات العربية/ العربية المفتوحة بالفعل على مصراعيها منذ ذلك التاريخ، ويرجّح أن تبقى مفتوحة إلى أن يشاء الله، بدعم من إيران التي تدرك أهمية هذه الانعطافة في نجاح خططها، وما ترتب عليها من تصعيدٍ غير مسبوق لخلافات العرب وتناقضاتهم، ضمن ما يسمى مجالهم القومي، ومن توفيق إيراني بالنسبة للاختراقات المذهبية التي عاشتها مجتمعاتهم، وأخضعتها لاحتلال داخلي، نموذجه حزب الله الذي أسسه عام 1982حافظ الأسد، بالتعاون مع قاسم سليماني، فكانت أول إنجازاته القضاء على "المقاومة الوطنية اللبنانية" التي قدمت مئات الشهداء والجرحى والأسرى، في معارك خاضتها ضد إسرائيل في بيروت وجنوب لبنان، وإخضاع لبنان لإيران، وكيلا محليا لها، وفصيلا مسلحا تابعا لحرسها الثوري، يقوم بالمهام التي كان سيقوم بها، لو احتل لبنان.

قال حافظ الأسد عام 1967: لا أهمية للأرض الوطنية، ولا ضير في التخلي عنها، إذا تطلب إنقاذ "النظام الوطني التقدمي" إحباط مؤامرة العدو الخارجي. وفي عام 2011، عام الثورة السورية، قال ابنه بشار في عشرات البيانات: لا أهمية للشعب، في حال تطلب الأمر إحباط مؤامراته باعتباره عدوا داخليا، ولا ضير في التضحية به وإبادته وتهجيره من وطنٍ لم يكن يوما وطنه. وفي الحالتين: لا أهمية لغير النظام الذي أحبط خطة إسقاطه على يد العدو الصهيوني عام 1967 التي تولى تطبيقها منذ عام 2011 شعب سورية الخائن، بالتواطؤ مع تل أبيب وواشنطن، فهل يلام الأسد الأب أم يشكره، لأنه سلم الجولان، لكي يحبط عدوانا استهدف الثورة والقضاء على نظامها؟ وهل يلام الأسد الابن أم يشكر لأنه يبيد شعبا خائنا وغير سوري، يدّعي المدافعون عنه من الصهاينة وعملائهم أنه قام بثورة من أجل الحرية، مع أن هدفه تحقيق ما أعجز أبوه الصهاينة عن بلوغه عام 1967: ضرب الثورة وإسقاط النظام. أليست الصلة واضحةً بين عدوان حزيران الخارجي وعدوان الثورة السورية الداخلي على الأسدية ونظامها، وهل أجبر العدو الداخلي النظام على شن الحرب ضده، إلا ليستقوي بشركائه في المؤامرة، ويستعين بهم لإسقاطه.

... والآن، ما هذا النظام الذي يتآمر شعبه عليه مع أعداء تخلت قيادته لهم منذ خمسين عاما عن أرض وطنية، قوّض احتلالها الدولة السورية، وألفى أحد أركانها: سيادتها على إقليمها، وتعايش بسلام وأمانٍ مع محتليها وتجاهل تهويدها، وحجته أن استعداداته لم تكتمل، بسبب شدة المعارضة الداخلية وضعف الدعم العربي، متناسيا الفترة الطويلة التي تفصلنا عن سقوطها،

"لم يكن نصف القرن كافيا لتحرير الجولان، لكن سويعاتٍ قليلة كانت كافيةً لاتخاذ قرار بشن حرب ضارية ضد منظمة تحرير فلسطين، استمرت خمسة عقود" وانفراده المطلق بحكم سورية شموليا خلالها، في حين انقض من دون إبطاء، وبجميع ما لديه من سلاح على شعبه، بمجرد أن طالبه سلميا بإصلاح أحوال العباد والبلاد؟ وما هذا النظام "المقاوم" الذي يتخلى، منذ خمسين عاما عن أرض وطنه، على الرغم من اعتراف القانون الدولي بحقه في تحريرها بمختلف الوسائل، وانصرف إلى احتلال لبنان، وسط إدانات دولية متلاحقة، وقاوم إخراجه منه طوال ثلاثة عقود، نزلت سنوات الانتداب الفرنسي بالمقارنة معها بردا وسلاما على قلوب اللبنانيين؟ وهل سبق لنظامٍ أن احتل أراضي دولة مجاورة، بحجة تحرير أرضه، من دون أن يقاومه من يحتل هذه الأرض أو يمنعه من غزوها، بما يمتلكه من تفوق عسكري ساحق عليه؟ وهل يعقل أن إسرائيل تساهلت فيما يتعلق باحتلاله لبنان لتمكّنه من تحرير الجولان الذي ضمته عام 1981 رسميا إلى أراضيها؟

لم يكن نصف القرن كافيا لتحرير الجولان، لكن سويعاتٍ قليلة كانت كافيةً لاتخاذ قرار بشن حرب ضارية ضد منظمة تحرير فلسطين، استمرت خمسة عقود، بدعم "جمهورية إيران الإسلامية" التي أيد عدوانها على العراق: البعثي والعلماني مثله. أخيرا، هل تحرير الجولان يتحقق من خلال تدمير دولة ومجتمع سورية، وقتل شعبها وترحيله من وطنه؟ الغريب أن العدو الصهيوني لم يبادر إلى اغتنام الفرص الكثيرة التي أتيحت له لإسقاط النظام، خلال هزائمه أمامه والثورة الداخلية العارمة عليه، بل سارع إلى إبلاغ واشنطن وعواصم أوروبية عديدة، أنه لا يقبل بديلا له، فهل كان الصهاينة ليفعلوا ذلك، لو كان حقا ما يدّعيه: نظام وطني وتقدّمي وثوري ومقاوم؟ والآن، وبعد هذا الشرح المقتضب، قولوا لي بربكم: لماذا تعاديه الصهيونية والإمبريالية، إن كان يسلمهم كلما هجموا عليه أرضا سورية جديدة، ويقوم منذ ستة أعوام بما كان تحقيقه مستحيلا بيد "العدو": القضاء على دولة سورية ومجتمعها، وشطبهما من علاقات القوة في المنطقة بأسرها، وليس فقط على حدود الجولان وفلسطين؟ تُرى، كم كان بلوغ هذا الهدف سيكلف جيش إسرائيل، وكم كان سيبقى من عمرانها لو خاضت هي الحرب؟ وهل كان نجاحها سيبلغ المدى الذي وصل إليه تدميرهما على يد نظام "المقاومة والممانعة"؟

إذا كانت النظم تحافظ على أرض وطنها وسلامة شعبها، بأي معيار وطني أو إنساني، يراد لنا أن نسمّي الأسدية نظاما، وأن نعتبرها وطنية، إن كانت قد تخلت عن أرض الوطن، وقضت أو كادت على الشعب؟ ومن غير إسرائيل أفاد من هذا ال"لا نظام"، الذي اعتدى على لبنان وفلسطين والعراق، وقتل شعب سورية؟! ولماذا تعاديه إسرائيل، إن كان تدمير سورية والمشرق يكفل تفوقها الاستراتيجي على جيرانها لنصف قرن مقبل، ستكون في أثنائه سيدة المنطقة، وستتمتع بقدرةٍ مفتوحة على التدخل فيها، وستلتهم فلسطين من دون أن يغضب ذلك من سيسارعون إلى مصالحتها من العرب، بعد تحولها من قوة محلية وازنة إلى قوةٍ فوق إقليمية، أثبتت قدرتها على حماية الأسد من شعبه، بنفوذها الدولي وسماحها بتدفق عشرات آلاف المرتزقة على سورية من أجل الدفاع عنه، ولو أنها حالت دون ذلك لكان الآن في خبر كان، ولانتصرت ثورةٌ رأت تل أبيب فيها خطرا داهما على ضامن أمنها الأسدي الذي قبل، منذ 1974 ميزان قوى وضعه تحت إبطها وفي خدمتها.

========================

الطوائف بدلاً من الشعوب! .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 28/11/2017

في هذه الفترة قامت قيامة مجموعات من الداخل والخارج، تأكيداً على أن الأمر السوري ليس أمراً داخلياً، وإنما هو قاسم مشترك مع «الأقوياء». وهنالك قواسم مشتركة تجمع بين السوريين وتقرّب بينهم وبين الشعوب العربية. وقد تحدثنا، ويتحدث معنا البعض من أصحاب الأقلام العربية الآخرين، باتجاه ما يُعرف بكونه مواقف وطنية وقومية مشتركة. ومن ثم، فقد انطوى ذلك على ثوابت بين العرب تؤكد ما يجمع بينهم.

وحيث يكون الأمر كذلك، فإن ما يعلنه البعض بين فينة وأخرى، من بقاء قواتهم العسكرية التابعة لإيران، يمثل خروجاً عن الثوابت الوطنية والقومية، إن الأحلام الإمبراطورية التي تراود مجموعات سياسية وعسكرية بالهيمنة الإيديولوجية والسياسية، إنما هي «أضغاث أحلام» مخالفة للتاريخ وللوقائع العلمية. ومن ثم، فإن الاعتقاد بأن إعادة السلم في المنطقة المشتعلة عندنا يمكن أن ينتهي إلى المشروع الإيراني، إنما هو اعتقاد واهٍ ومخالف لمعطيات تاريخ المنطقة. وبالأساس، لا تصحّ المراهنة على استبدال التاريخ العربي (الإسلامي) بالتاريخ الإيراني الفارسي، فمثل هذه المراهنة لم يصل إلى القول بها حتى «المستشرقون» بمختلف توجهاتهم وأديانهم.

إن الدخول في اللحظة الجديدة من الصراع القائم في المنطقة العربية، لا تعود إلى لحظة «الآخر»، ذلك لأنها لحظة عربية بامتياز بمكوناتها وبنياتها ونتائجها. وبتعبير أكثر وضوحاً، لا يمكن القول بأن مصائر ما يجري حتى الآن في العالم العربي، وضمن النسيج العربي، مصائر يمكن أن تفضي إلى استبدال الشعوب بالطوائف، فإن هذا لا يستقيم لا بالاعتبار التاريخي، ولا بالاعتبار البنيوي، فأولئك ليسوا من نمط هؤلاء، وهذا ما لاحظناه في الأوقات السابقة، حيث كثر الحديث عن الطوائف بدلاً من الشعوب. وأنتج هذا المعطى الجديد حالة جديدة، هي إكساب الطوائف دلالات الشعوب بحيث صار الحديث عن طائفة الشيعة، مثلاً، وكأنه مماثل للحديث عن الشعب الإيراني، والحديث عن طائفة السنة مماثلاً للشعب العربي.. إلخ.

ومن هنا بالذات تكتسب المسألة دلالة على خلط هذا بذاك، ومفهومٌ أن ذلك الخلط لا يمثل مسألة نظرية منهجية فحسب، وإنما قد يحدث أيضاً حالة مركبة جديدة، إضافة إلى أنه سينسحب على المسائل والمشكلات الأخرى، منتجاً حالة من الاضطراب في العلاقة بين منظومات الشعوب والطوائف والفئات. وحين تصل المسألة إلى هذه الحالة، فإننا نكون قد دخلنا نسقاً جديداً من المفاهيم والعلاقات والدلالات يمكن أن يطلق عليها ذلك التعبير التراثي: «حالة حيص بيص»!

وهنا، نكون قد اقتربنا من مرحلة التصدّع، إن إنهاء الصراع الذي استمر أكثر من ستة أعوام في منطقتنا على هذا النحو، قد يكون بداية لصراع أو صراعات أخرى جديدة، ما قد يضعنا أمام مشكلات ومصائب أخرى جديدة أكثر تعقيداً وخداعاً للباحثين والعاملين على الوصول إلى «مسك الختام».

وإذا أتينا على ما تم الاتفاق عليه بين سوريا وروسيا من اتفاق يمتد لنحو خمسين عاماً تتيح لروسيا تحقيق مصالح استراتيجية خاصة بها، فإن تأثيرات ذلك ستطال رغبات الآخرين في التأسيس لمصالح لهم من حقل أو آخر. وحيث يتم ذلك، فإن الباب يكون قد فُتح للتدخلات، ما قد يخلق حالة جامحة من نمو مصالح أولئك وغيرهم لآماد طويلة، تجعل الاستقلال السوري قابلاً لإنتاج نقيضه. ويكون ذلك، من ثم، حالة انكشاف قد فُتحت، أما إغلاقها والعودة إلى الاستقلال الوطني فهذا أمر ما لا حساب له ولا تقدير!

وإذ نكون قد وصلنا إلى هذا الحد الساخن والقابل للتعاظم بل كذلك للانفجار، فإن مراجعته وإعادة النظر فيه تدقيقاً واستيعاباً، تصبحان أمراً يتطلب الإصرار عليه من باب الحكمة والرغبة في درْء المصائب قبل حدوثها. فقد كان عنوان هذه المقالة ينطوي على فكرة الحذر من تصدّع محتمل للموقف الراهن، الذي يواجهنا، ومن هنا، كان التأكيد العميق على الحذر من الوقوع في أخطاء ذات طابع حاسم يمكن أن يقلب طاولة الحل رأساً على عقب، مع الإشارة الحاسمة إلى أن أطرافاً كثيرة من اللاعبين في الخارج والداخل سيجدون أنه من مصالحهم أن تسير الأمور بعكس ما ينبغي!

إنها ما يزيد على ستة أعوام من الأحداث المأساوية، التي ربما ستكون تكلفتها حالة فريدة من القسوة والتدمير لوطن أسهم إسهاماً فعلياً وعميقاً في بناء التاريخ. ومن هذا الباب، فإن سوريا العربية بقدر ما تفتح أبواب حيطانها عبر العالم العربي والعالمي كله، فإنها تدرك وتعلم ولا تنسى أنها عربية وذات أفق إنساني عالمي يسعى إلى التوافق مع الجميع من باب الاستقلالية والكرامة والتآخي مع البشر عموماً. سنحاول أن نجعل ما مرّ على سوريا دفتراً من الذكريات المريرة، ولكن المكتنزة في دلالاتها التاريخية العميقة والبنّاءة.

========================

لعبة بوتين في سورية .. غازي دحمان

الحياة

الثلاثاء 28/11/2017

لكل مرحلة أدواتها وتكتيكاتها، وبوتين الذي تفرّغ للأزمة السورية منذ أكثر من سنتين، عبر متابعته تقويم المواقف التي تصدرها مؤسساته البحثية والأمنية ورصد مواقف الدول وتحليلها، وحتى إقامة ورش عصف ذهني، بات محترفاً بكل تفاصيلها ودقائقها ومعرفة كيف يتصرف إزاء كل نقلة وأين يضع قدمه، في الوقت الذي ينهمك الآخرون بالإنشغال بأكثر من قضية وصراع.

لم يكن عناد بوتين من فراغ بل كان عناد العارف أكثر من الجميع. مئات المصالحات التي أجرتها استخباراته في أرجاء سورية أعطته صورة واضحة عن كل شيء في البلد، ممّ يخاف الناس وماذا يطمحون، آلاف طلعات الرصد والمراقبة التي قامت بها طائراته، قدمت له صورة مفصّلة شملت حتى ينابيع المياه التي يردها مربو الماشية في البادية، ومن تلك التفاصيل صنع بوتين أسس قوته في سورية، فيما كان الآخرون يأنفون إلا الاضطلاع بالقضايا الإستراتيجية الكبيرة.

يلعب بوتين على نقاط ضعف جميع الأطراف المحليين والإقليميين والدوليين، يعرف أن اللاعبين السوريين (نظاماً ومعارضة) مستنزفون إلى أبعد الحدود، وأن ايران وجماعاتها لو كانت لديهم قوّة كافية لإنجاز مشروعهم لما جلبوا الدب الروسي الى كرمهم، وأن تركيا بعد الانقلاب وانكفاء «الناتو» أصبحت دولة هشة وضعيفة، وأن إسرائيل مكبلة بمخاوفها وحساباتها التي اصبحت أكبر رادع لها، وأن دول الخليج خفّضت سقف حماستها رؤيتها إدارات أميركية غير ملتزمة أمن الخليج، لذا صارت تطرق أبواب موسكو للبحث عن مقاربات جديدة تحفظ أمنها.

وللمفارقة، هذا ما يطلق عليه البعض، تلطفاً ومحاولة لتخفيف وقع الرضوخ للمقاربة الروسية، وجود قاعدة دعم دولي للجهود الروسية في سورية وتفويضها إخراج الحل، وفي الواقع لا يعدو الأمر استسلام جميع اللاعبين أمام القوّة الروسية الجبارة.

ومن يسمون شركاء روسيا في الحل، هم قوى جرى ترويضها وتشذيب سلوكها، وإيصالها إلى هذا المكان، فإيران لم تكن تريد مفاوضات مع أي طرف سوري يعارض النظام بل كانت ترى ان لا حلول إلا في سحق المعارضة واستسلامها، وتركيا كانت لها رؤية مختلفة تتمثل بسقوط الأسد ووضع سورية كلها تحت جناحها، لكن ما حصل ان بوتين، وبهدوء، تلاعب بمقادير المعطيات فتغيرت اتجاهات الحدث كلية.

كثيراً ما نظرت الأطراف الإقليمية والدولية الى التدخل الروسي في سورية من زاوية حسابات كمية، مرّة عبر حساب الطائرات المشاركة في الحملة الروسية، ومرّة حساب المصاريف اليومية التي تستهلكها روسيا في الحرب، وبنت رهاناتها على أن موسكو لن تنجح في السيطرة على الواقع السوري الملتهب ولن تثبت تالياً أنها قوة جديرة بالاحترام وتستحق ان تكون طرفاً دولياً مقرراً.

لكن روسيا كانت لها رؤية مختلفة، اعتمدت على هندسة شاملة للوضع السوري تشتغل فيه بكامل طاقتها لتؤسس عليه بناء صعودها الدولي الجديد. استعمل بوتين إستراتيجية التركيز الأقصى على الدور الروسي في سورية واعتبره فرصة يجب استغلالها إلى أبعد الحدود. ونتيجة ذلك راكمت روسيا في الحيز السوري تأثيراً وسيطرة ومعرفة بالواقع المحيط بالحدث السوري بكل تفاصيله، ومواقع وأوضاع اللاعبين فيه.

اليوم، ونتيجة هذا الجهد غير المنقطع والمكثّف، أصبح بوتين قادراً على الانتقال الى الخطوة الثانية بثقة واقتدار، وأما المطالب والاعتراضات من هنا وهناك للاعبين المحليين والإقليمين والدوليين، فبوتين قادر أيضاً على تفنيدها عبر تكتيكات ثلاثة باتت ملامحها واضحة في تعاطيه مع الأطراف المذكورة:

الواقعية: التي تقوم على ضرورة الاعتراف بتغير موازين القوى واستحالة تغييرها لأن ذلك يستدعي إعلان الحرب على روسيا، من مستعد لهذه المهمة؟ لذلك على جميع اللاعبين التعامل بمرونة إن أرادوا الخروج بأقل الخسائر من سورية.

مفاضلة الأولويات: حيث تصبح قضية بقاء الأسد ورحيله تفصيلاً صغيراً مقابل التحدي الذي يفرضه النفوذ الإيراني، وروسيا لا يمكن ان تضمن لأي طرف اقليمي او دولي الحد من النفوذ الإيراني ما لم تكن هناك دولة مستقرة ونظام قوي.

تأجيل الملفات الإشكالية: استطاع بوتين تحويل كل ما يتعلق ببقاء الأسد ووجود إيران ومصير المهجرين والمعتقلين ومصير مناطق خفض التصعيد، إلى قضايا إشكالية لا يفيد طرحها الأن، وما يستحق العمل والاهتمام فقط هو أجندة مواعيد المؤتمرات الروسية حول سورية لأن فيها يكمن الحل.

غير أن جزءاً من الحقيقة مغيب تماماً، أو لم يستطع الكثيرون رؤيته، وهو أن بوتين يريد التصرف بسرعة لاستغلال انتصار قواته على الأرض ووضع الآخرين أمام الأمر الواقع، أي تهميش الدور الغربي واستغلال ضعف المعارضة السورية، وأن الرجل يخفي من الخوف والقلق أكثر بكثير مما يعتقد خصومه، فهو الأدرى والأعلم بإمكانات دولته وظروفها وكيف وصلت الأمور الى هذا الحد.

هل نتوقع جولة مفاوضات ترد الروح وتقوي العزائم؟ إن لم يكن هناك تفاوض يفصّل كل بند بأبعاده وتأويلاته واحتمالاته، وإن لم تكن هناك متابعة خطوة بخطوة لتفكيك إستراتيجية بوتين العميقة، فلا شيء يعول عليه، ومن ليس لديه ترف الوقت والجهد لمتابعة ذلك فليتوج بوتين ملكاً على سورية.

========================

تحرير" الرّقة والسياسة الأميركية في سورية .. رضوان زيادة

العربي الجديد

الاثنين 27/11/2017

لم تكن مدينة الرّقة السورية تحظى في أي يوم بأي اهتمام سياسي أو إعلامي سوري، حتى أن الرئيس الراحل حافظ الأسد لم يزرها أبداً خلال سنوات حكمه الثلاثين. وترك هذا الإهمال السياسي والاقتصادي والإعلامي لها المحافظة بأكملها لكي تصبح الأقل تعليماً والأكثر فقراً، مقارنة بكل المحافظات السورية، وفقا لتقرير خارطة الفقر الذي نشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011. وربما يفسر هذا جزئياً كيف تحولت مدينة الرقة إلى عاصمة لدولة "الخلافة" الإسلامية، بسبب تراكب الفقر والجهل فيها بنسبة عالية جداً، مقارنة مع كل المحافظات السورية.

حظيت الرّقة بتركيز إعلامي غير مسبوق، عندما أعلنها "داعش" عاصمةً لخلافته المزعومة بعد السيطرة الكاملة عليها في 12 يناير/ كانون الثاني 2014، وبدأت تنفيذ إعداماتٍ حيةٍ بحق صحفيين وعمال إغاثة ومواطنين غربيين بطريقة هوليودية من داخل الرّقة، ومن داخل أبنيتها المختلفة، عندها أثارت الرأي العام الغربي بشكل غير مسبوق. ومع تتالي تحمل "داعش" مسؤولية الهجمات الإرهابية التي جرت في مدن أوروبية وأميركية مختلفة، مثل باريس وبروكسل، بدأت السياسة الأميركية تتغير جذريا في الطريقة الأمثل بالتعامل مع المسألة السورية، حيث نحت الإدارة الأميركية السابقة تركيزها على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها نظام الأسد بحق المدنيين السوريين، وبدأت تركيزها السياسي والعسكري في القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في سورية، من دون التعامل مع النظام السوري بشكل مباشر.

"قرّر البيت الأبيض إعطاء القيادات العسكرية القرار فيما يتعلق بإعطاء الأوامر بقصف الأهداف وتنفيذ الطلعات الجوية في سورية"

عندما غيرت الإدارة الأميركية في عهد الرئيس باراك أوباما سياستها تجاه سورية، وقرّرت عدم التركيز أو إيلاء أي اهتمام لعملية الانتقال السياسي في العاصمة دمشق، والتركيز فقط على التخلص عسكرياً من "داعش" في الرّقة، وغيرها من المناطق التي سيطرت عليها في سورية، نشأ داخل الإدارة الأميركية نقاشٌ مطولٌ حول "الحلفاء" الذين يمكن الاعتماد عليهم في سورية، للتخلص من "داعش" من دون الاعتماد على حكومة النظام، فالوضع في سورية يختلف عن العراق، من حيث وجود حكومة مركزية في العراق تدعمها الولايات المتحدة، ويمكنها التعامل معها في جهودها للتخلص من "داعش"، فلم ترغب إدارة أوباما السابقة بالتعاون بأي شكل مع حكومة النظام السوري، وحاولت في البداية تسليح مقاتلين منشقين عن جيش النظام وتدريبهم، بهدف الاعتماد عليهم في القتال ضد "داعش"، لكن الفكرة منيت بهزيمة منكرة، مع رفض معظم مقاتلي الجيش الحر الانضمام إلى هذا التدريب، بحجة أنه يركز القتال ضد "داعش"، في حين يجد معظم المنشقين أن الأولوية كانت للتخلص من نظام الأسد الذي ارتكب معظم الجرائم، وقتل أكبر عدد من المدنيين، مقارنة مع "داعش" أو جبهة النصرة، أو غيرهما من التنظيمات الإرهابية.

هنا بدأت معركة عين العرب (كوباني) في سبتمبر/ أيلول 2014، فهذه المدينة، وأكثرية سكانها من الأكراد، خضعت لسيطرة وحدات حماية الشعب في يوليو/ تموز 2012 وهي المليشيا العسكرية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، أو بلغة أصح النسخة السورية من حزب العمل الكردستاني، الكردي- التركي، وأعلنها الحزب حينها كانتوناً تابعاً لما يسمّى الإدارة الذاتية الديمقراطية، باعتبارها جزءا مما يسميه "غرب كردستان" أو "كردستان سورية"، تعرّضت المدينة لهجوم كبير من تنظيم داعش في بداية سبتمبر/ أيلول 2014، ثم خضعت لحصار خانق من "داعش" الذي حاول الدخول إلى المدينة واستباحتها، لكنها قوبلت بصمود كبير من مليشيا وحدات الحماية الكردية التي تمكّنت، في النهاية، من فك الحصار عن المدينة، وتحريرها بشكل كامل من "داعش" بعد مساعدة قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. هنا بدأت الثقة الأولى بين الولايات المتحدة وقوات الحماية الكردية، فقد وجدت الولايات المتحدة في هذه القوات تدريبا عسكريا جيداً بحكم أنهم مقاتلون ذوو خبرة من حزب العمال الكردستاني في حربه ضد الحكومة التركية عقودا. وفي الوقت نفسه، تنسجم هذه المليشيا مع سياسة الولايات المتحدة سياسياً وأيديولوجياً في عدم الاصطدام عسكريا مع قوات النظام السوري، والتركيز فقط على قتال "داعش". وهنا، وجدت قوات الحماية الكردية أيضا هدفا استراتيجيا لها في توسيع نطاق النفوذ الكردي، أبعد من الكانتونات الثلاث التي سيطرت عليها بالتعاون مع النظام السوري في الحسكة وعفرين وعين العرب (كوباني). وهنا ركزت الولايات المتحدة على تحالفها مع قوات الحماية الكردية التي طلبت منها تغيير اسمها إلى ما يطلق عليها اليوم "قوات سورية الديمقراطية" لإعطاء انطباع أنها تضم قوات عربية عشائرية في حربها ضد "داعش".

"استعجل ترامب النصر العسكري ضد "داعش" في سورية والعراق، وأعلن عن بدء العملية العسكرية ضد التنظيم في الرّقة"

وازداد الدعم الأميركي لقوات سورية الديمقراطية مع وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض الذي قرّر إعطاء القيادات العسكرية القرار النهائي فيما يتعلق بإعطاء الأوامر بقصف الأهداف وتنفيذ الطلعات الجوية ضد الأهداف في سورية، كانت نتيجة ذلك مضاعفة القتلى المدنيين في الرّقة وغيرها بشكل كبير، المهم أن الرئيس ترامب استعجل النصر العسكري ضد "داعش" في سورية والعراق، وأعلن عن بدء العملية العسكرية ضد التنظيم في الرّقة، ودخلت الولايات المتحدة في شقاق علني مع الحكومة التركية التي تعتبر قوات الحماية الكردية منظمةً إرهابية، وضغطت على الولايات المتحدة من أجل الاعتماد على قوات المعارضة السورية المسلحة في عملية تحرير الرّقة، كما قامت بذلك من قبل في عملية درع الفرات، والتي أسفرت عن تحرير مدينة الباب من "داعش" بشكل كامل. ورفضت الولايات المتحدة العرض التركي، وقرّرت المضي في تسليح قوات سورية الديمقراطية، ودعمها جويا وعسكريا، في معركتها لتحرير الرّقة، حتى تمكنت بعد أكثر من خمسة أشهر من تحرير المدينة نهائيا، بعد السيطرة على الطبقة، وغيرها من المدن المحيطة بالرّقة. وأعلن البيت الأبيض النصر العسكري في هذا التحرير. وقال الرئيس ترامب، في بيانه، إن ذلك يعد "مرحلة مهمة في حملتنا الدولية لهزيمة داعش وأيديولوجيتها الشريرة"، ووعد بأن يكون ذلك مقدمة "لتحقيق الاستقرار والسلام الدائمين في سورية".

========================

الرياض وطهران: شتان بين الجربا وسليماني! .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 26/11/2017

في وسع المرء أن يبدأ معادلة التصارع الإقليمي الإيراني ـ السعودي من هذا المشهد المتناظر: احتضان المملكة لملتقى المعارضة السورية الذي عُرف باسم الرياض ـ 2، والذي بدأ في هيئة مسرحية ركيكة الإخراج، وانتهى إلى نتائج أشدّ هزالاً؛ مقابل مشاركة الرئيس الإيراني حسن روحاني في قمة سوتشي الثلاثية، مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الروسي المضيف فلاديمير بوتين، والتي انتهت إلى تفاهم متقدم حول مستقبل سوريا، الانتفاضة الشعبية والنظام معاً.

وليس الأمر أنّ التناظر كان فاضحاً بين فشل الرياض ونجاح سوتشي، فحسب؛ بل حقيقة أنّ الرياض ـ 2 بدا بمثابة تمرين أوّلي قوامه تأهيب هذه «المعارضة» السورية لمؤتمر سوتشي المقبل، الذي تنظمه موسكو أيضاً وتخطط لتحويله إلى منصة هائلة لتطبيق «التسوية السياسية» كما ترى عناصرها، أو كما توافقت عليها مع طهران وأنقرة؛ بعد تعهيد من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، و(كما تقول مؤشرات كثيرة) إيماءة رضا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

في عبارة أخرى، بدل أن يكون الرياض ـ2 ورقة ضغط سعودية في الملف السوري، أسوة بما امتلكت تركيا وإيران من أوراق، لا يلوح أنّ نجاح المملكة في جمع أشتات «هيئة التفاوض» والفصائل و«هيئة التنسيق» والمستقلين والمستقلات ومنصتَي القاهرة وموسكو… يمكن أن يُترجم إلى أيّ مقدار من فرض بعض عناصر الأجندة السعودية في ترتيبات المستقبل القريب ذات الصلة بالملف السوري، في جنيف وأستانة وسوتشي.

هذا بالرغم من أنّ زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو، مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، كان يُفترض بها أن تقرّب الرياض من المشروع الروسي حول سوريا، خاصة بعد «الانقلاب» الجذري في خيارات المملكة بصدد مصير بشار الأسد، والذي كان قد اتضح قبل شهرين خلال الاجتماع الشهير بين وزير الخارجية السعودي عادل الجبير والمنسق العام لهيئة التفاوض السورية رياض حجاب. واقع الحال أنّ طلب انتساب المملكة إلى النادي الذي تديره روسيا، لم يمنحها عضوية مكافئة لتلك التي تتمتع بها إيران، أو حتى تركيا.

وقد يساجل البعض بأنّ السعودية ليست موجودة عسكرياً على الأرض السورية، كما هي حال روسيا وإيران وتركيا؛ وهذا عامل مرجِّح وجدير بالاعتبار، غني عن القول. غير أنّ المملكة، وطيلة ستّ سنوات على الأقلّ من عمر الانتفاضة الشعبية في سوريا، نجحت في تجيير شرائح واسعة من هذه «المعارضة» السورية لصالح أجندتها، وبالتالي صارت الرياض رقماً تفاوضياً كلما توجب أن تشهد المحافل الدولية ومؤتمرات التفاوض حضوراً للمعارضة إلى جانب النظام. وليس ببعيد ذلك الزمن الذي كان فيه أحمد الجربا، رئيس الائتلاف الأسبق، رجل السعودية أكثر مما هو ممثل تلك «المعارضة»؛ وليس إقصاؤه اليوم عن صفّ «المعارضين» السوريين الموالين للمملكة إلا علامة بيّنة على انحسار نفوذ الرياض في هذه الورقة.

في المقابل، يمكن ـ مع حفظ الفوارق الكثيرة، بالطبع! ـ استدعاء مثال الجنرال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس»، وضابط الإيقاع كليّ الحضور في سوريا والعراق، وربما في اليمن أيضاً، في أيّ وقت قريب؛ والذي، لإنصاف حقائق التاريخ، استُقبل في الكرملين بأحسن مما استُقبل به الجربا في البيت الأبيض. صحيح، هنا أيضاً، أنّ سليماني إيراني الجنسية، وضابط في «الحرس الثوري الإيراني»؛ ولكنّ الجربا، في المقابل، قبل وخلال رئاسة الائتلاف، لم يفتقر إلى دعم السعودية الأقصى، سياسياً ودبلوماسياً ومالياً.

وهكذا، فضلاً عن مشهد المسرحية الركيكة في الرياض، مقابل النجاح الجلي في قمة سوتشي؛ ثمة عناصر كثيرة ترجح كفة التفوق الإيراني، راهناً بادئ ذي بدء، ثمّ لاحقاً كذلك. فالقادم أعظم… أغلب الظنّ!

========================

السوريون ومفاوضات الحل السياسي .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 26/11/2017

اجتمعت بالرياض عشرات حركات المعارضة السورية، إلى مستقلين وعسكر، وأهمها أربع: الهيئة العليا للمفاوضات، وهيئة التنسيق، ومنصة موسكو، ومنصة القاهرة، وكان المقصود التوافق على وفد واحد للذهاب إلى جنيف في دورته السابعة أو الثامنة من أجل الانطلاق في مفاوضات الحل السياسي على أساس القرار 2254. إنما بعد مفاوضات عسيرة، وتنازلات صعبة من جانب الهيئة العليا خصوصاً، انسحبت منصة موسكو أولاً، ثم انسحبت أخيراً منصة القاهرة! وفي وقت متأخر من يوم الخميس الماضي، كان المجتمعون ما يزالون ينتظرون عودة منصة القاهرة عن انسحابها!

منذ أشهر افتتح الروس مؤتمر أستانا بكازاخستان، والذي أرادوه بديلاً لجنيف. وهذا أمرٌ سُرّت به كلٌّ من إيران وتركيا، وإيران أكثر من تركيا. ففي جنيف كان المفروض دائماً التفاوض على الانتقال السياسي، والذي يبدأ أو ينتهي بتنحّي بشّار الأسد. وهذه هي المشكلة الرئيسية بعد انتهاء الإرهاب في البلاد. فقد كان النظام السوري مصراً على عدم الدخول في مناقشة أي بند من بنود التفاوُض، قبل ملف الإرهاب، والذي أراد من الجميع الدخول في خضمّ مقاتلته بالنيابة عنه. والآن وبعد النهاية الوشيكة لإرهاب «داعش» و«النصرة»، فإنّ الروس بدؤوا يتحدثون عن سحب معظم قواتهم في آخر هذا العام. إنما في الوقت نفسه تعددت المهام لديهم ولدى شريكيهم الإيراني والتركي. فقد أرادوا أولاً وعن طريق «مناطق خفض التصعيد»، البدء في أستانا أيضاً باشتراع الدستور، والتهيئة للانتخابات بشتى أنواعها، بحيث لا تعود لجنيف أية فائدة أو مهمة! لكن الدول الأوروبية والولايات المتحدة أبت ذلك، فضلاً عن إباء الهيئة العليا للتفاوُض، وكثير من عسكريي «الجيش الحر» والكتائب القريبة منه. إنما الأهمّ أن الأميركيين، والذين كانوا يتفاوضون مع الروس حول الترتيبات على الأرض، ما قبلوا الوصول إلى أفق مسدود، لصالح حل روسي بحت، لا يشارك فيه عملياً غير الإيرانيين ثم الأتراك. لذلك لجأ الروس إلى خطوة وسطية، لكنها لا تُقرّبُ كثيراً لجنيف. فقد أرادوا جمع ألف سوري في سوتشي المدينة السياحية الروسية، تحت عنوان: مؤتمر الشعوب السورية! ويبدو أنهم فكّروا في أن يكونَ القادمون إلى سوتشي هم مَن يذهبون لاحقاً إلى جنيف إرضاءً للأميركيين والعرب. لكنّ هذا الأمر ما حظي باستحسان أحد، حتى اضطروا إلى عقد اجتماع للرؤساء الثلاثة بسوتشي، بوتين وروحاني وأردوغان. وذلك لتكوين تنسيق أدق بعد الاتفاق الأميركي الروسي على حاشية مؤتمر بفيتنام على الحل السوري، والذي اعترف فيه الأميركان بفائدة مناطق خفض التصعيد في الوصول إلى وقف شامل للنار، بينما اعترف الروس بضرورة العودة إلى جنيف! وبقيت نقاط خلافية بشأن الجنوب السوري، وبشأن الحدود السورية العراقية، وبشأن نوايا الأتراك والإيرانيين. واتفق الطرفان على دعم مناطق خفض التصعيد، لكن النظام وحلفاءه ما يزالون يقصفون «دومَا»، ويجوّعون سكانها وسكان القرى والبلدات المجاورة. يحاول الروس الاتفاق مع شريكيهم على ضرورة الانسحاب من سوريا، وبخاصة الميليشيات. وهذا أمر لا يقبله الإيرانيون. أما الأتراك فما يزالون يريدون الاستيلاء على منبج وعفرين، لكي يمكن التفكير بالانسحاب إنما ليس في الأمد القريب!

لدينا إذن رغبة موسكو في التوافق مع حليفيها قبل جنيف، وحول عدة مسائل إضافةً لإمكان الانسحاب. وهناك همّ الإيرانيين والأتراك أن لا يخسروا إن سرى الحلّ السلمي بشأن الانتقال السياسي، لأن الإيرانيين (وربما الروس أيضاً) لا يحبون التفكير الآن بضرورة تنحّي الأسد في بدء الحل أو في وسطه! لذلك، فكما هم مترددون في الانسحاب، الإيرانيون رافضون قطعاً لكل تدخل سياسي يمسُّ حليفهم، بينما هَمُّ الروسي التجاوُب مع الولايات المتحدة بشأن اعتبار مسار جنيف مساراً جدياً، ولكي يثبت بوتين أنه جادٌّ، استدعى الأسد وأخبره بما يُرادُ منه. واتصل بالملك سلمان بن عبد العزيز راجياً المساعدة في أن يكون هناك وفدٌ موحَّدٌ للمعارضة. وبذلك لا تتخلى موسكو عن حلفائها أو تظهر ذلك، بينما لا يزال الإيرانيون والنظام مصرين على الحلّ العسكري، الذي اتفق الروس والأميركيون في فيتنام على أنه لا يشكل بديلاً للحلّ السياسي!

لقد عمل المعارضون السوريون بجدّ وجدية، وبضغط سعودي، على تشكيل الوفد الموحد. لكنّ أهل المنصات الذين لم تنقطع علائقهم بالنظام، وتتغير الآن علائقهم بموسكو تدريجياً، يخشون التجاهُل. هل يكون هناك فشل في تشكيل الوفد الموحد؟ أياً ما يكن، فالحل في سوريا لا يزال صعباً.. صعباً!

========================

لا إعادة إعمار في سورية .. جهاد يازجي

الحياة

الاحد 26/11/2017

يعلّق المستثمرون والسياسيون، على امتداد الشرق الأوسط، آمالاً كبيرة على إعادة بناء سورية لتوليد فرص عمل جديدة وإعادة تشغيل اقتصاداتهم التي لحق بها أذى كبير منذ الانتفاضات الشعبية في 2011. وتؤكد تكلفة إعادة الإعمار، التي تقدر بما بين 100 و300 مليار دولار، المصالح الكبيرة جداً التي تمثلها تلك العملية بالنسبة إلى المنطقة ككل.

غير أنه من الناحية العملية، لا يوجد احتمال كبير بأن تحدث أية عملية لإعادة البناء ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي شامل، وهو أمر غير محتمل بحد ذاته.

فالدول والمؤسسات التي لديها القدرة المالية، والتي غالبا ما تموّل مثل هذه الجهود المالية الواسعة النطاق، وهي دول الخليج والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وعبرها البنك الدولي، خسرت الحرب في سورية، وهي لن تنفق أموالها في بلد تسيطر عليه إيران. أما الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فيريدان التوصل إلى اتفاق سياسي قبل الشروع في تحويل الأموال إلى سورية. وفيما يعتقد البعض أن الخوف من اللاجئين سيدفع الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف إلى دفع الفاتورة، فإن إعادة بناء العلاقات مع النظام السوري ستكلف الاتحاد الأوربي كلفة سياسية عالية، لم يزدها الهجوم الكيماوي في خان شيخون إلا سوءاً.

بالمقابل، فإن الدول التي ربحت الحرب، أي روسيا وإيران، لا تملك الإمكانيات المالية لدفع ثمن إعادة الإعمار. وقد بذل كل من البلدين، منذ 2011، جهوداً كبيرة وأموالاً طائلة في الحرب (وقد حققت روسيا بالفعل مكاسب من وراء قتل السوريين، وذلك من خلال صفقات تصدير أسلحة)، ولكنها لم تقدم سوى القليل جداً من حيث المساعدات الاقتصادية المباشرة، باستثناء إمدادات النفط من طهران.

ويتوقع البعض أن تقوم الصين بملء الفراغ، بيد أن كل الدلائل من بكين تشير إلى انعدام رغبة السلطات الصينية في المشاركة في شكل كبير في بلد يقع في خضم التوترات والصراعات الإقليمية والدولية المختلفة. ولا ننسى أن إيران والمملكة العربية السعودية كليهما مورّدان مهمان للنفط الخام للصين، ما يجعلها تتردد في استعداء أي منهما. أضف إلى ذلك أن الصين كلما استثمرت في بلد من البلدان الناشئة، كحال أفريقيا، كانت تطالب في المقابل بالحصول على الموارد الطبيعية لهذه البلدان، ولكن سورية ليس لديها إلا القليل من هذه الموارد، التي استولت عليها، على أي حال، روسيا وإيران.

ويقول بعض المسؤولين في الحكومة السورية الذين أدركوا حجم العقبات التي يواجهونها، إنهم سيعتمدون على الشراكات بين القطاعين العام والخاص من خلال المستثمرين والمصارف المحلية. والحال أن معظم المستثمرين البارزين غادروا سورية، وليست البنوك في حال يؤهلها لتوفير التمويل. ففي نهاية حزيران (يونيو) 2017، بلغ مجموع الأصول الموجودة للبنوك في القطاع الخاص البالغ عددها 14 مصرفاً، 3.5 مليار دولار فقط، وهو ما يشكل أقل من عشر أصول مصرف واحد كبير في لبنان أو الأردن، مثل بنك عودة أو البنك العربي.

بيد أن المشكلة ليست مالية فحسب، ولكنها تكمن أيضا في فقدان أي استراتيجية شاملة لإعادة الإعمار. ويبدو أن السياسة الوحيدة التي تتبعها الحكومة تعطي الأولوية لمصالح روسيا وإيران من ناحية، ورجال أعمال النظام من جهة أخرى.

ولا شكّ في أن موسكو وطهران تريدان أن تحصّلا ثمن الدعم السياسي والعسكري الذي قدمتاه إلى النظام في السنوات الماضية. وقد اكتسبت روسيا بالفعل، على سبيل المثال، حقوق تطوير مناجم الفوسفات السورية وحقول النفط والغاز، وكثير من عائدات هذه الموارد التي كان يمكن استخدامها لتمويل إعادة الإعمار سيذهب في الواقع إلى شركات روسية. وعندما اجتمعت أخيراً «اللجنة الروسية- السورية المشتركة للتعاون الاقتصادي»، لم تُناقش مشاريع الاستثمار في البنية التحتية السكنية أو شبكات المياه التي تشتد الحاجة إليها، ولكن انحصر النقاش في مشاريع الطاقة وإنشاء خط سكة حديد يربط بين مناجم الفوسفات وميناء طرطوس بهدف خفض تكاليف تصدير الفوسفات لمصلحة الشركة الروسية التي تستخرجه من المناجم.

وفي الوقت ذاته، تستعد إيران لتقديم قرض بقيمة مليار دولار إلى الحكومة السورية (وهو مبلغ ضئيل جداً بالمقارنة مع الاحتياجات الحقيقية للبلاد) شرط أن تُستخدم حصراً لشراء المنتجات الإيرانية. وبالتالي فإن أموال طهران هي مساعدة للشركات الإيرانية بمقدار ما هي دعم للاقتصاد السوري.

من ناحية أخرى، تستثمر الحكومة الأموال المحدودة التي لديها لتمويل المشاريع التي من شأنها أن تفيد رجال الاعمال الموالين لها. ولعل الرمز الأبرز لهذا التعاون هو مشروع «بساتين الرازي» العقاري الواقع في حي المزة بدمشق، والذي تم طرد آلاف العائلات السورية من بيوتها فيه.

ويطلق العديد من السوريين على مشروع بساتين الرازي اسم «سوليدير السوري» بسبب المباني الشاهقة المخطط لها، ولأنها ستكون مخصصة حصرياً لتلك الفئة الضئيلة جداً من السوريين التي تستطيع شراء مساكن باهظة الثمن.

لكن على رغم الطلب الهائل الآن على السكن الشعبي لبناء منازل محل مئات ألوف البيوت التي دمرت خلال الحرب، وعلى رغم قدرات الإقراض المحدودة جداً للبنوك المحلية، أصدرت الحكومة تعليمات لأحد بنوك القطاع العام لتمويل البنية التحتية لمشروع بساتين الرازي، الذي ليست له جدوى اقتصادية مهمة، ولكنه يحقق أرباحاً ضخمة لعدد ضئيل من رجال اللأعمال. وهذا ما تعطي الحكومة الأولوية له.

إن الآمال الكبيرة بوجود حملة لإعادة الإعمار في سورية مبنية، أساساً، على افتراضات زائفة. وآخر مثال على جهود إعادة الإعمار الكبيرة في المنطقة هو لبنان. في تلك الحالة كانت هناك جملة من العناصر: 1) صفقة سياسية تدعمها الأطراف الفاعلة الرئيسية إقليميا ودوليا، 2) الدور البارز لرفيق الحريري، الرجل القوي ذي العلاقات الاقتصادية والسياسية المتينة في جميع أنحاء العالم، 3) رؤية لما يجب أن تقوم عليه إعادة الإعمار، أي إعادة وضع لبنان، وبيروت، كمركز للوساطة بين الشرق الأوسط والغرب، 4) ودعم مالي قوي من دول الخليج والغرب.

في حالة سورية اليوم كل هذه العناصر مفقودة. لذلك، من غير المرجح أن تبدأ إعادة إعمار سورية في أي وقت قريب.

========================

ضم الأسد إلى نادي الملوك .. غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 25/11/2017

انتهت ثورات الربيع العربي، حتى في اليمن، إلى حصول تغييرٍ ما، أقله على مستوى سقوط رؤوس الأنظمة، إلا الثورة السورية، حيث تصر روسيا وإيران على إسقاطها، وجعل العالم يندم لأنه صدّق يوماً أن ثورةً حصلت في سورية!

المنطقي والطبيعي أنه، بعد تلك النكبة المديدة التي حلت بالسوريين، وحتى على افتراض أن الثورة هزمت، أن تذهب الأطراف التي تدّعي رعايتها السلام إلى الانتقال إلى أوضاع مختلفة، وإلى إيجاد صيغةٍ جديدة، تضمن من خلالها عدم انتكاس الظروف التي أنتجت الصراع، والهروب من شبحها قدر الإمكان.

لم يتغير شيء في سورية، كما لم يتحقق أي شيء، باستثناء إنجاز الوعد بحرق البلد. لكن حتى هذا الوعد كان يفترض أن يتحقق مقابل رحيل الأسد، لأن الأنصار المحليين للأسد في سورية كانوا يدركون تماماً أنهم لا يستطيعون حرق البلد وإبقاء الأسد، ولذلك لم يختاروا سوى مهمة واحدة، وبما أن غالبية الشعب السوري أصرت على رحيل الأسد، وانحصر خيار المؤيدين بحرق البلد.

هل كانت المعركة مع الخصم المحلي أرحم؟ إذ على الرغم من مجازره المبكرة وجبروته، إلا أن ضعفه وحسابات بيئته بعيدة المدى كانتا ثغرتين يمكن من خلالهما إيجاد خياراتٍ أفضل، للخروج من الأزمة التي صنعها نظام الحكم الأبدي. ولكن، وبما أن الخارج استدعى نفسه لإنقاذ الأسد، فإن هذا التحسّر لم يعد له معنى اليوم.

اليوم، يستفيق السوريون على مشهد غير الذي تأملوه وحلموا به، وعدا عن حجم كارثة مهول، 

"تعرض السوريون لسلسلة من الخدع والتضليلات التي أنتجت الوضع الحالي" وخصمين من أبشع ما عرف التاريخ من خصوم، روسيا وإيران، لا صديق ولا شقيق، بعد أن نفض الجميع يديه من عار تضامنهم معهم يوماً ما، وصارت كل الأطراف على مسافة واحدة منهم، الفرق بين طرف وآخر هو في نوعية الاستثمار الذي يريد تحقيقه من نكبة السوريين.

وربما أن المفارقة تكمن هنا، وفي هذه الجزئية بالذات، وهي تحوّل نكبة شعبٍ إلى فرصة واستثمار بنظر العالم الخارجي، من ترويج السلاح إلى إعادة الإعمار إلى تقاسم النفوذ وتبادل المنافع والمصالح، وكأن رقعة الدم السوري أخصب أرض للاستثمار، في زمن أزمة الأفكار القابلة للتحول إلى استثمارات؟

والمفارقة الثانية أن يجد طرفٌ نفسه، الثورة السورية، أمام سلسلة طرقٍ مسدودة ومحاصرة، تماما مثل مناطق خفض التصعيد التي أوجدتها روسيا، لتحاصر الثوار في بؤر متفرقة. وقد تشكّلت غالبية أجزاء هذا المشهد في اللحظة التي تخلى فيها أصدقاء الثورة عن دعمهم، في حين كانت روسيا وإيران في ذروة هجومهما على الثورة. وقد جاء هذا التخلي بدون سابق إنذار، ولم تمنح قوى الثورة الفرصة للملمة نفسها، وإعادة التموضع بما يتناسب والتغيرات الجديدة. ونتيجة ذلك، كان الحصار وفق الشكل الذي حصل فيه.

لا ترضى روسيا اليوم بمحاصرة الثوار، ولا ظهورها بمظهر المنتصر، ولا باعتراف القوى الدولية الإقليمية بعلو كعبها في سورية. إنها ترى ذلك كله تحصيل حاصل لجهودها، وإنما تطمح إلى أكثر من ذلك بكثير، تريد ضمان مستقبل "ابنها" بشار الأسد الذي غامرت لأجله، وواجهت التحديات، وغيّرت الوقائع بطريقة قاسية ومؤلمة، للوصول إلى هذه النتيجة، حتى أنها تعتقد ان مصيرها "في سورية والشرق" مرتبط بسلامته وبقائه.

لذا، كان القرار الروسي تحويل بشار الأسد إلى ملك سورية. لم لا؟ يليق بالرئيس بوتين، بعد هذا النضال العالمي ومقارعة القوى الكبرى، أن يصبح صانع ملوك. ولم لا ومنطقة الشرق 

"ثمّة صحوةٌ بدأت تظهر في أوساط الثوار والناشطين ستشكّل محركاً للثورة التي ستنفجر بروسيا وملكها الوكيل" الأوسط أرض ملوك، حتى الجمهوريات والدول في هذه البقعة صنعت ملوكها؟ ألم يصبح أردوغان ملك تركيا، ونتنياهو ملك إسرائيل، ولإيران ملكها الولي الفقيه، وحتى مصر سائرة على طريق جعل عبد الفتاح السيسي ملكاً؟

ثم ألم يصبح بوتين نفسه ملكاً لروسيا الحديثة، وحتى لو حصل، وأن ترك السلطة بعد حين، سيحكم ظله روسيا عقودا، وليس بعيداً أن يعمل بوتين على توريث ابنته الحكم، ومن استطاع تمرير مهزلة التناوب مع ميدفيديف لن يعجز عن اختراعاتٍ أخرى.

بشار الأسد ملك، يعني أن السلطة سيجري توريثها لابنه، وهذا يوفر مساحة زمنية كافية لتأمين الاستقرار الروسي في سورية، حيث تطمح موسكو إلى القيام بمشاريع اقتصادية عملاقة، وخصوصا في مجال ستخراج (وتسويق) الغاز من البحر المتوسط، بعد أن عقدت صفقات مهمة في هذا المجال مع إسرائيل وقبرص. وتتطلع إلى غاز لبنان وسورية، وترغب في جعل سورية مركزا لعملياتها ومشاريعها في المنطقة.

أمام هذا السيناريو الذي لا يتوفر سيناريو آخر غيره، ويبدو أن كل المسارات يتم تحويلها لتدعيمه، لا تترك روسيا لغالبية الشعب السوري سوى خياراتٍ محدودة، بل يمكن القول إنها لا تهتم حتى بمنحهم خيارات، على اعتبار أن الاستسلام الذي تطرحه عليهم ليس خياراً، ولا تنتظر موافقتهم عليه.

كيف وصل السوريون إلى هنا؟ لعل التفكّر قليلاً بمجريات الأحداث الماضية يكشف أن السوريين تعرّضوا لسلسلة من الخدع والتضليلات التي أنتجت الوضع الحالي، ورفعت سقف طموحات روسيا وأحلام إيران وأماني بشار الأسد. وثمّة صحوةٌ بدأت تظهر في أوساط الثوار والناشطين ستشكّل محركاً للثورة التي ستنفجر بروسيا وملكها الوكيل.

========================

يحدث في سورية .. هيفاء بيطار

العربي الجديد

السبت 25/11/2017

ظاهرة تستحق الدراسة، تساعد في الإضاءة على تدهور التعليم في سورية، وهي ظاهرة صفوف البكالوريا (شهادة الثانوية العامة) الخاوية، في المدارس، حيث يعتمد معظم طلاب البكالوريا على المدرسين الخصوصيين الذين يعطونهم دروساً في منازلهم. وتتراوح أجرة الساعة من الدرس الخصوصي بين ألفي ليرة إلى ثلاثة آلاف ليرة. وللمدرسين الخصوصيين مهمتان، فهو يشرح الدرس للطالب، ثم هنالك حصص للتسميع، أي يقوم الأستاذ بتسميع الدرس للطالب، وإرشاده إلى الأسئلة المُحتملة في الامتحان النهائي. ويتحمل الأهالي أعباء مالية طائلة، لا قدرة لهم على تحملها إلا بالدخول في جمعيات شهرية مالية مع زملائهم، أو أخذ قروض على رواتبهم، أو بيع مُقتنيات من بيوتهم. ولا تبالي وزارة التربية والتعليم العالي بهذه الظاهرة، ولا تُرسل مفتشين إلى المدارس، ليعاينوا صفوف البكالوريا الخاوية، وحتى المفتشون يغضون النظر، أو يرتشون لغض النظر عن الظاهرة المُعيبة واللا أخلاقية، وهي انعدام التعليم في الشهادة الثانوية في المدارس. ولأن الفساد في سورية حلقة مُتكاملة ومتلاحمة بقوة، فإن الدروس الخصوصية في المنزل للطالب لا تأخذ منحى تنويرياً ومعرفياً، ولا تحض الطالب على التفكير، بل تعتمد على التلقين، وعلى إرشاد الطالب إلى الطريقة التي يحصل فيها على أعلى العلامات في كل مادة. ولم يعد مثارا للعجب أن طلاباً يحفظون صماً أسئلةً في الرياضيات والفيزياء والكيمياء، تتكرّر غالباً في الإمتحانات، ويحفظ الطالب المسائل من دون أن يفقه منها شيئاً.

لا أنسى ما سرده لي مدرس للغة الفرنسية، طُلب منه أن يعطي دروساً خصوصية لطالب بكالوريا، فقد سأله: هل تريد أن تتعلم الفرنسية، أم أن تحصل على العلامة الكاملة في فحص البكالوريا النهائي؟ كان جواب الطالب هو الحصول على العلامة التامة. أعطاه المدرس حوالي أربعين ورقة، وطلب منه أن يحفظها صماً طوال العام الدراسي. وسيقوم المدرّس بتحفيظه تلك الأوراق التي تشتمل على الأسئلة التي تتكرّر في امتحانات الشهادة الثانوية في اللغة الفرنسية. وفعلاً حاز الطالب على العلامة التامة في الفحص النهائي للشهادة الثانوية، لكنه لا يعرف معنى كلمة فرنسة واحدة. وينطبق هذا المثل على كل المواد.

كيف سنعد جيلاً في سورية للمستقبل، ولبناء دولةٍ لا يعرف أبناؤها التفكير، ولا البحث العلمي؟ ولا يختلف التعليم في الجامعات السورية كثيرا عنه في المدارس، وخصوصا التعليم في الشهادة الثانوية. إذ أذكر كيف حذف لنا أستاذ الجراحة العصبية في كلية الطب ربع المُقرّر من المادة، ويومها تساءلنا، نحن الطلاب: ماذا لو عادنا مريض في المستقبل بمرض من القسم المحذوف.. كيف نشخص حالته؟ وكيف سنعالجه؟ ولم نتعلم في الجامعة قطعاً منهج البحث العلمي، بل كان كل أستاذ يُملي علينا مادته على شكل نوطة (كتاب من تأليفه) علينا حفظها صماً، وكما كتبها هو، وويل لمن اجتهد وجاء بمعلوماتٍ جديدة. وكانت الكارثة الكبرى إصدار قرار تعريب الطب، وخصوصا مادة التشريح، فمثلاً صار اسم غضروفي الحنجرة الغضروفين الطرجحاليين. وليس في كل معاجم اللغة العربية وقواميسها معنى لكلمة طرجحالي. وكنا نحفظ هذه العبارات، كما لو أننا نحفظ لغة صينية أو يابانية، فلم يكن لها أي مدلول.

وأذكر أنني طرحت تلك الفكرة في ندوةٍ في الكويت، نظمت بمناسبة اليوبيل الذهبي لمجلة العربي، وكانت عن دور العرب في تطور العلوم وأهمية الترجمة، وسألت العلامة في علم اللسانيات، عبد السلام المسدّي، عن معنى كلمة "غضروفان طرجحاليان"، وما اشتقاقها، وأية غايةٍ أن نحفظ كلماتٍ لا مدلول لها في وعينا وذاكرتنا؟ وكان جوابه أن لا معنى لها على الإطلاق.

تبدأ حلقة فساد التعليم مُروعة في سورية من مبدأ التلقين في المدرسة، والذي يتخذ شكله الأعظم في الشهادة الثانوية، ويستمر في الجامعة، والنتيجة إنتاج أجيال لا تعرف التفكير، ولا البحث العلمي، ولا اتخاذ قرارات، فكيف ستبني هذه الأجيال الأوطان، وتتحمل مسؤولية القرارات. وختاما في هذا الموضوع الموجع، حدث في عدة سنوات في تدريس مادة التشريح في كلية الطب أن أستاذاً اختصاصياً في علم الحيوان هو من يدرس مادة تشريح جسم الإنسان لطلاب الطب البشري.

========================

ملاديتش والأسد: مصادفات التاريخ العشوائية .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 25/11/2017

مصادفات التاريخ عشوائية غالباً، رغم أنّ الفرصة متاحة على الدوام لإقامة الروابط بينها، على أساس من مفارقات التاريخ ذاته، ودروسه الماضية. وهكذا، في ظهيرة اليوم الذي شهد الحكم بالسجن المؤبد على مجرم الحرب الصربي راتكو ملاديتش، في لاهاي حيث تنعقد جلسات المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة؛ كان الرؤساء الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني، يشاركون في إصدار حكم لا يغسل يدَي بشار الأسد من جرائم الحرب والإبادة الجماعية واستخدام الأسلحة المحرّمة دولياً، بما فيها الكيميائية، فحسب؛ بل كانوا يحثون السوريين على إعادة توليف الأسد، وغسله وتنظيفه وتنصيبه، لخمس سنوات أخرى، على الأقلّ!

ملاديتش لقي بعض جزائه، وليس كامل ما يستحق حسب سجلات التاريخ التي باتت حقائق ثابتة، بسبب مسؤوليته عن مقتل 8.000 بوسني مسلم خلال مجزرة سربرنيتشا، في تموز (يوليو) 1995، وحصار سراييفو حيث قتل أكثر من 11 ألف مدني على مدى 43 شهراً. الأسد مسؤول عن مقتل 350 ألف مواطن سوري، وتشريد الملايين، وتخريب سوريا طولاً وعرضاً؛ ولكن قمّة سوشي تعيد تثبيته في الموقع ذاته الذي يمكنه من حصد أرواح آلاف جدد، وتدمير المزيد من المدن والبلدات والقرى، وتسليم ما تبقى من البلد رهينة أمام جحافل الميليشيات الغريبة والاحتلالات الأجنبية. وليس عجيباً، بالطبع، أن يكون رعاة توليف مجرم الحرب هذا، هم أنفسهم دعاة «السلم» و«الاستقرار» و«المصالحة الوطنية» و«إعادة الإعمار» في سوريا!

يبقى أنّ الحكم على ملاديتش يرسل إلى أمثاله من الناجين، وخاصة أولئك الخاضعين منهم لعمليات التجميل والتأهيل وغسل الأيدي المضرجة بالدماء، رسالة صريحة تفيد بأنّ حساب التاريخ آت لا محالة، طال الزمان عليه أم قصر. هذا ما قاله الكثيرون اليوم، تعليقاً على قرار قضاة لاهاي، ممّن ذكروا الأسد بالاسم أولاً؛ ثم ذهب بعضهم أبعد، حين ذكّر بأن طلقاء على غرار رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، يستحقون الوقوف في قصف الاتهام، كتفاً إلى كتف مع ملاديتش.

والحكم، من جانب آخر، يرسل رسالة أخرى ذات طراز مختلف، حول مدى قدرة محاكم مثل هذه على بلوغ الحدود الكافية، وليس تلك الدنيا فقط، من واجب إنصاف الضحية. ففي قرار سابق، اعتبرت محكمة العدل الدولية أنّ ذبح آلاف المسلمين البوسنيين في بلدة سربرنيتشا كان إبادة جماعية منظمة، من جانب أوّل؛ وأنّ حكومة صربيا تتحمل مسؤولية الفشل في منع وقوع المجزرة، من جانب ثان. وذاك قرار استحق الترحيب لاعتبارات إنسانية وقانونية وسياسية عديدة، لكنه ظلّ إشكالياً وناقصاً وقاصراً في آن معاً؛ لأنه ببساطة حصر صفة الإبادة الجماعية في مجزرة سربرنيتشا وحدها، وتجاهل أنّ هذه لم تكن سوى مجزرة واحدة ضمن «مشروع صربي متكامل لتدمير المجتمع الصربي المسلم، اعتُمدت في تنفيذه أعمال القتل والاغتصاب والتهجير الوحشي»، كما كتب الأكاديمي البريطاني مارتن شو، صاحب كتاب «ما هي الإبادة الجماعية؟».

كذلك كان مدهشاً أن تقرّ المحكمة الدولية بمسؤولية الحكومة الصربية، وتلك كانت مسؤولية جسيمة لأنها تخصّ جرائم حرب وجرائم بحقّ الإنسانية، بدليل نصّ القرار ذاته (الذي يقول بالحرف إنّ السلطات الصربية وقفت متفرجة حين كان يجري ذبح 8.000 رجل من مسلمي البوسنة)؛ وأن تمتنع، في الآن ذاته، عن إدانة الحكومة الصربية بجريمة الإبادة الجماعية، رغم أنّ هذا بالضبط هو جوهر الدعوى المرفوعة إلى قضاة لاهاي. ما أدهش أكثر أنّ قرار المحكمة الدولية أقرّ، صراحة وبوضوح أقصى، أنّ صربيا انتهكت بنود «ميثاق منع وعقاب جرائم الإبادة»، الذي صدر سنة 1948 للبتّ في قضايا الهولوكوست وإبادة اليهود، ووقّعت عليه يوغوسلافيا في حينه؛ ليس بصدد منع وقوع مذبحة سربرنيتشا، فحسب، بل الفشل في القبض على ملاديتش، المدان غيابياً بتهمة تنفيذ المذبحة، وتسليمه إلى القضاء. وما أدهش، ثالثاً، أنّ المحكمة تجاهلت الدور الأممي إزاء ما جرى، أي مسؤولية قوّات السلام التابعة للأمم المتحدة، وتحديداً القوّات الهولندية دون سواها، في عدم بذل أيّ جهد لوقف المذبحة على الأقلّ، وليس الحيلولة دون وقوعها.

وكالة الصحافة الفرنسية لم تغفل الإشارة إلى صُور فوتوغرافية وأشرطة سينمائية تبرهن على وقوف الهولنديين مكتوفي الأيدي أمام فصول المجزرة، إذا لم يتحدّث المرء (كما يفعل كثيرون من مسلمي البوسنة في الواقع) عن «أعمال تواطؤ على التصفية العرقية» شاركت فيها الوحدات الهولندية. وفي كلّ حال، لا يسع المرء ذاته ـ في قضية بالغة الخطورة، والحساسية، مثل هذه ـ إلا أن يتعامل بجدّية، وبالكثير من المرارة واليقين، مع نتائج تحقيق أجرته الشرطة العسكرية الهولندية في العام 1999، ونشرته تحت ضغط الرأي العام وأحزاب المعارضة؛ يقول بوضوح إنّ «القبعات الزرق كانت لديهم أحكام سلبية ضدّ المسلمين، بينما حملوا آراء إيجابية جداً حول صرب البوسنة».

وسوى ذلك كيف نفسّر تلك الصورة الشهيرة التي تظهر ضابطاً هولندياً، هو العقيد توم كاريمانس، يمازح الجنرال ملاديتش ويتبادل معه الأنخاب والضحكات المجلجلة، في تلك الفترة السوداء الدامية تحديداً؟ وكيف يمكن إغفال أقوال ضابط هولندي ثانٍ، رون روتن، أقرّ بأقصى الوضوح الممكن أنّ عناصر الوحدة الهولندية العاملة تحت راية الأمم المتحدة ساعدوا جنود صرب البوسنة على «جمع المسلمين في مجموعات من 60 إلى 70 شخصاً، وتكديسهم في آليات تحت أنظار الصرب الساخرين»؟ وكيف لا تُضاف إلى بند التواطؤ تلك التقارير التي تحدثت عن وجود أفلام أخرى، بمثابة أدلة دامغة على صمت الهولنديين أو تقصيره أو تواطئهم؛ وأنها «تعرّضت للتلف أثناء التظهير»، ليس في أي مكان آخر سوى معامل وزارة الدفاع الهولندية ذاتها؟

وفي صيف 2001، حين جرى تسليم الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش إلى محكمة جرائم الحرب الخاصة بيوغوسلافيا السابقة، كانت الفضيلة الكبرى لذلك الإجراء تتمثل في أنّ هيئة دولية واحدة على الأقل ارتأت التمييز بين الحاكم والمحكوم في تصنيف سلّم المسؤولية، وفصلت المقال الحقوقي بين الصرب كشعب وأمّة، وبين ميلوسيفيتش كحاكم وفرد. وكانت تلك خطوة إلى الأمام، دون ريب، بيد أنها ظلت جزءاً من مسيرة تحكمها القاعدة العتيقة: خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء. وليس أدلّ على ذلك من حقيقة أن ساسة الحلف الأطلسي واصلوا التفاوض مع ميلوسيفيتش، الحاكم والفرد، طيلة سنوات بعد قرار إحالته إلى المحكمة. وليست دبلوماسية صائبة، إذا لم تكن دبلوماسية خرقاء سيئة النيّة، تلك التي تتفاوض مع خصم بعد تجريمه، كما عبّر آنذاك وزير الداخلية الفرنسي الأسبق جان بيير شوفنمان.

على الوتيرة ذاتها، ولكي تتقاطع مصادفات التاريخ العشوائية، كان الرئيس الروسي يطري جنرالات جيشه من آمري آلاف طلعات القصف التي ألحقت الخراب في طول سوريا وعرضها؛ وفي الآن ذاته يبلغ نظيريه، التركي والإيراني، أنّ الأسد ملتزم «بمبادئ الحل السلمي للأزمة السياسية، والاستعداد لتنفيذ الإصلاح الدستوري، وإجراء انتخابات حرّة برعاية الأمم المتحدة». كان القضاة في لاهاي يصدرون الحكم على مجرم حرب، ظنّ أنه نجا من ملاحقة أشباح الماضي وعذابات ضحاياه؛ وكان الساسة في سوتشي يستبقون أي حكم عن طريق استصدار صكّ براءة بحقّ مجرم حرب، ظناً منهم أنّ إعادة إنتاجه هنا، سوف تنجيه من حساب الضحية هناك.

ظناً، أيضاً، أنّ مصادفات التاريخ ليست مثقلات حبالى، يلدن كلّ عجيب!

 

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

========================

هل تركت روسيا شيئا للسوريين كي يقرروه بأنفسهم؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 25/11/2017

هل تعلمون أن كل دول أوروبا الشرقية التي كانت تنضوي تحت لواء الاتحاد السوفياتي انتقلت فعلياً من المرحلة الشيوعية إلى المرحلة الديمقراطية، باستثناء روسيا نفسها التي لم يتغير فيها سوى الاقتصاد من الاشتراكي إلى الرأسمالي المتوحش، بينما ظل النظام السياسي ديكتاتورياً؟ بعبارة أخرى، فإن وكر الشيوعية الأصلي الذي كان يتمثل بالاتحاد السوفياتي لم يفارق عهد الطغيان إلا شكلياً.

على عكس كل الدول الأوربية الشرقية التي كانت تدور في الفلك الروسي، انتقلت روسيا بعد ثورتها، أو لنقل بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، انتقلت من الديكتاتورية الشيوعية إلى عصر المافيا، حيث حكمت المافيا هناك لفترة من الزمن ريثما يتشكل نظام جديد يحكم البلاد بعد سقوط النظام الشيوعي. وبعد طول انتظار، لم يحظ الشعب الروسي بحكم ديمقراطي على غرار بقية دول أوروبا الشرقية التي انتقلت فعلياً إلى النظام الديمقراطي الحقيقي. لا شك أن النظام الروسي الجديد راح ينافس الرأسمالية المتوحشة اقتصادياً، حيث تحولت موسكو إلى واحدة من أغلى العواصم في العالم، لكن النظام السياسي الجديد ظل نظاماً سوفياتياً بواجهة ديمقراطية زائفة. صحيح أن الدولة الروسية الجديدة تظاهرت باتباع النظام الديمقراطي والانتخابات والتعددية الحزبية وغيرها من مظاهر الديمقراطية، إلا أنها في الواقع كانت وما زالت بعيدة عن الديمقراطية الحقيقية بعد الأرض عن الشمس.

انظروا فقط إلى لعبة التداول على السلطة المزعومة في روسيا منذ سنوات طوال. لقد تحولت روسيا إلى لعبة في أيدي الثنائي الشهير ميدفيديف ـ بوتين. مرة يكون ميدفيديف رئيساً للجمهورية وبوتين رئيساً للوزراء، ومرة يكون العكس، مع الانتباه طبعاً إلى أن الحاكم الحقيقي الوحيد في روسيا هو بوتين، بينما يلعب مدفيديف دور الكومبارس الديمقراطي. ولسنا بحاجة أبداً لأي برهان كي نرى كيف أصبحت روسيا العظمى كلها مرتبطة باسم بوتين، بينما ينظر حتى الروس أنفسهم إلى ميدفيديف، شريك بوتين في السلطة، على أنه مجرد ديكور ديمقراطي، بينما السلطة الحقيقية للقيصر بوتين، وهو الاسم الذي تطلقه عليه وسائل الإعلام الغربية، لأنه الحاكم بأمره بقوة الجيش وأجهزة الأمن الروسية الشهيرة التي ورثت أساليب الكي جي بي من ألفها إلى يائها.

وبما أن روسيا أصبحت صاحبة الكلمة العليا في سوريا بعد احتلالها المباشر للبلاد بغطاء شرعي زائف اسمه بشار الأسد، فهي لا شك ستنقل للسوريين تجربتها «الديموخراطية» الكوميدية، بحيث ستعمل على إجراء انتخابات يفوز فيها عميلها في دمشق سواء كان بشار أم عميل آخر من الطينة نفسها. ويجب أن ننوه هنا إلى أن روسيا تغلغلت عميقاً داخل المؤسستين العسكرية والأمنية السورية، وتعرف أيضاً كيف تتلاعب بأتباعها داخل المؤسستين. وبالتالي، فيما لو حصل تغيير في سوريا، فلا شك أنه سيكون على الطريقة الروسية، بحيث سيبقى الأمن والعسكر مسيطرين على البلاد بالطريقة نفسها التي يدير بها بوتين روسيا «الجديدة». بعبارة أخرى، فإن الثورة السورية ستفرز واقعاً مشابهاً للواقع الذي أفرزته الثورة الروسية المسكينة التي انتقلت ظاهرياً من العهد السوفياتي الشيوعي إلى العهد الديمقراطي الزائف، بينما ظلت اليد العليا فيها عملياً للجيش والاستخبارات. ولا ننسى طبعاً أن الرئيس الروسي بوتين نفسه هو أحد رجالات المخابرات الروسية «الأشاوس». وهذا يؤكد أن روسيا شذت عن باقي ثورات أوروبا الشرقية.

وفي أحسن الأحوال، إذا ظلت روسيا ممسكة، بزمام الأمور في سوريا، فلن يحصل السوريون إلا على نسخة مشوهة من «الديموخراطية» الروسية، بحيث سيكون لدينا رئيس من فصيلة المخابرات والعسكر حاكم بأمره يتناوب على السلطة مع شخصية أخرى من وزن «الطرطور» كي يقنع العالم بأن سوريا تغيرت وأصبحت ديمقراطية، بينما هي في الواقع انتقلت من سيء إلى أسوأ. ولا شك أن «الديموخراطية» السورية ذات النكهة الروسية ستكون مناسبة جداً لإسرائيل، لأنها تطمئنها بأن الشعب السوري سيبقى تحت ربقة العسكر والمخابرات الذين حموا إسرائيل من الشعب السوري على مدى نصف قرن من الزمان.

ولعل أكثر ما يثير الضحك في التصريحات الروسية حيال الوضع السوري أن الكرملين يكرر باستمرار أن السوريين وحدهم سيقررون مصير النظام والرئيس، مع العلم أن من يقرر كل شيء في سوريا الآن هم الروس بآلتهم العسكرية الجبارة. لا أدري لماذا يستحمر الروس السوريين وبقية العالم بهذه التصريحات الهزلية القميئة. قال شو قال: مصير الأسد بيد السوريين. طيب، ألا تقدم روسيا كل أنواع الدعم للنظام السوري؟ ألا تستخدم كل أنواع أسلحتها الجديدة للقضاء على معارضي النظام بالحديد والنار؟ هل تركت فصيلاً معارضاً على الأرض إلا واستهدفته طائراتها؟ ألم تتدخل في سوريا بحجة محاربة تنظيم «الدولة» (داعش) ثم اكتشفنا أنها جاءت حصراً لمحاربة كل من يعارض النظام؟ ألم تستخدم الفيتو في مجلس الأمن إحدى عشرة مرة لحماية النظام؟ ثم يخرج علينا الكرملين بكل صفاقة ليقول إن الشعب السوري سيقرر مصير النظام؟ وماذا كان جيشكم الروسي وطائراتكم وقواتكم تفعل في سوريا على مدى سنتين؟ هل كنتم توزعون الأزهار والحلوى على أطفال سوريا، أم كنتم تقتلون وتشردون الأكثرية في سوريا، بينما تعملون على إعادة تأهيل النظام والطوائف المتحالفة معه لتفرضوه على ما تبقى من السوريين المكلومين وعلى العالم مرة أخرى ككلاب حراسة لمصالحكم واستثماراتكم وقواعدكم الجديدة في سوريا؟ حتى الدستور السوري وضعته موسكو!

قال شو قال: مصير الأسد يقرره الشعب السوري.

ليش خليتو دور لحدا منشان يقرر شي في سوريا؟

٭ كاتب واعلامي سوري

========================

موقفنا : حول ورقة ديمستورا لتكريس سورية بلدا متعدد الأعراق والأديان والمذاهب !! .. زهير سالم

2 / 12 / 2017

مركز الشرق العربي

سورية ليست بلدا متعدد الأديان والمذاهب والأعراق ..والنقاء المطلق لا يكون إلا في أعماق البوادي . سورية بلد عريق في الحضارات ، وكان من أجمل سننه الحضارية قبوله بالتعدد ، وافتخاره به ، وحرصه عليه .

سورية وطن فيه هوية سائدة تشكل 80% من أبنائه مسلمون عرب سنة .

وهوية المجتمع السوري تعبر عن حضارته ، وارثة الحضارات ، في صورة حضارة الإسلام ، التي قامت على كاهل قوم هم العرب ، الذين أسسوا وبنوا وأشركوا في إطار بنائهم أبناء الأمم والشعوب وأتباع الملل والمذاهب .

عناوين الهويات الفرعية في سورية يتجاوز 80 مكونا ، إنها عناوين لمجموعات وأفراد أكثر منها عناوين لمكونات ؛ تشكل هذه المجموعات بكليتها 20% من مجموع السكان . بعض هذه المكونات لا يشكل 001% ، وبعضها يشكل بمعدل 02% و05% . وأكبر الهويات الفرعية القومية 5% ، وأكبر الهويات الفرعية الدينية 4% تتوزع على عشرين هوية . وأكبر الهويات المذهبية : 7%

مجموع الهويات الفرعية تشكل بحدود 20% على تفرقها وتشرذمها ..

إن الاعتماد على هذه النسب لتحويل وطننا سورية إلى وطن أقليات هو نوع من المكر السياسي الخبيث . لا يجوز أن ينطلي على الصادقين والمخلصين والعاملين .

في كل بلدان العالم ترسم هوية الأكثرية الهوية العامة . إنها مؤامرة سياسية تعبر عن حقد تاريخي موروث ضد الأكثرية السائدة ، التي توافق كل أشرار العالم على التصدي لها وحرمانها من حقوقها . المؤامرة التي اتضحت أبعادها في الموقف الدولي من هذه الثورة المباركة . حتى لا يقول لافروف في كلام صريح قبيح ( لن نسمح للمسلمين السنة أن يحكموا سورية ) !!

الحقيقة الأساسية : هي أن هذا الكلام لا يهدر حق أي مواطن أو مواطنة سوري وسورية . المساواة الكاملة بين الناس في مجتمع أسنان المشط حسب مصطلحنا الحضاري ، أو في دولة المواطنة حسب تعبيرنا العصري هو أساس قيام الدولة .

المساواة الكاملة بين الناس في الحقوق والواجبات من كل المكونات ومن الرجال والنساء حقيقة ظللنا نعلمها للناس منذ 1500 عام .

الحفاظ على حق المواطن الفرد ، أو الحق الفئوي لأي فئة ، لا يكون على حساب حقوق الأكثرية ..وهذه هي الأمانة التي يجب أن ينتبه إليها المفاوضون ..

سورية في تركيبتها الديموغرافية ليست لبنان بلد المحاصصات الطائفية ، وسورية ليست العراق حيث اخترع بريمر مصطلح العرب السنة . وبالتالي فمن الجريمة السياسية التي لن يغفرها التاريخ أن يقبل سوري أن يوصف مجتمعه أنه مجتمع متعدد الأعراق والمذاهب والأديان .

ثم هذه دول العالم الحر جميعها اليوم تتمسك بهويتها وبمقومات وجودها على الرغم مما يشوب بنيتها التاريخية والمعاصرة من اختلاطات . المفارقة الأخطر أن هذه الدول قد نجحت في المزواجة بين وجودها الوطني والقومية ، وشعبنا ما تزال أوداجه تشخب دما نتيجة مؤامرة التقسيم .

الدولة الحديثة دولة المواطنة ، والمجتمع المدني الموحد ليس فيه أقلية ولا أكثرية إلا على قاعدة الفكر والرأي . كل هذا حق ولكن ليس من حق أن ينزع المتآمرون والمراوغون عن شعبنا ووطننا لباسه ، لباس التقوى ، كما فعل إبليس مع أبوينا من قبل ..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

============================

المجازر تتشابه  .. يحيى حاج يحيى

عندما أقدم المجرم رفعت أسد على تنفيذ مجزرته بسجناء سجن تدمر الصحراوي اختار مئتي عنصر مع ضباطهم من طائفته حصراً ، وعلى رأسهم صهره ، وظن أن الجريمة لاتنكشف ، وكان ضحاياها أكثر من ٩٠٠ سجين باعتراف العناصر المشاركة ، والذين ألقت السلطات الأردنية القبض عليهم وقد قدموا إلى عمان لاغتيال مضر بدران رئيس الوزراء ، وأذاعت اعترافاتهم في الصحافة والتلفزيون  !!

وتأتي مجزرة المسجد في سيناء وقد راح ضحيتها المئات من المصلين ، وظن المجرم أيا كان !؟ أنه أحكم خطته ، وأن جريمته ستكون طَي النسيان ، وماعلم أن لهؤلاء رباً يكشف الخفايا ، وأنه سيفتضح قريباً ، وقريباً جداً ! وإن ربك لبالمرصاد !

========================

آذار وبحار الدم - (الحلقة 34) حافظ الأسد ينحني أمام العاصفة ويتقدم ببرنامج مصالحة وطنية .. محمد فاروق الإمام

نشطت المعارضة غير المتجانسة بشكل خاص في شباط عام 1980م، وطرحت كتلة التجمع تحويلاً ديمقراطياً شاملاً وعميقاً بالأساليب السلمية بما فيها الإضراب الشعبي والعصيان المدني، كمخرج وحيد لحل الأزمة. في حين لم يكن لدى الطليعة أي برنامج سوى إسقاط (النظام) بأسلوب (الكفاح المسلح).

وفي هذا السياق تقدم حافظ الأسد في 13 شباط عام 1980م من خلال الجبهة الوطنية التقدمية التي تمثل الإطار المؤسسي الرسمي الوحيد التي يقودها حزب البعث للعمل السياسي في سورية، بما يمكن أن يسمى بإعلان مصالحة وطنية، يشكل نوعاً من حل وسط بين الكتلتين الأساسيتين (الإسلامية) و(الجبهة الوطنية). وحدد البيان الإجراءات التي قامت بها السلطة وستقوم بها بـ:

تشكيل حكومة (تكنوقراط)، وتبني سياسة القضاء على نشاط رأس المال الطفيلي والوسطاء والسماسرة في دوائر الدولة ومؤسساتها، وحصر اختصاص محكمة أمن الدولة في الجرائم التي تقع على أمن البلاد، وإعلان إيقاف العمل بقانون الطوارئ والأحكام العرفية، إلا في الحالات الخاصة التي تتعلق بأمن البلاد وسلامتها، وتنفيذ الأحكام القضائية أياً كان نوعها وحجمها، وتطبيق أحكام القانون على الجميع، ومنع إعطاء أي استثناء لأي إنسان، وضبط سلوك العاملين في مختلف أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، وتشكيل لجان خاصة لدراسة أضبارات الموقوفين واتخاذ الإجراءات الفورية لإطلاق سراح من ثبتت براءته منهم، أو إحالتهم إلى القضاء.

و(تطوير الجبهة الوطنية التقدمية بحيث تأتي ممثلة لأوسع الجماهير، ومعبرة عن الاتجاهات الوطنية ومهما تعددت أصدق تعبير).

كان هذا البيان وما رافقه من إجراءات حسن نية إعلان تسوية يقع في فضاء سياسة المصالحة الوطنية.

كما أقر البيان بعدم كفاية الأطر المؤسسية القائمة للمشاركة السياسية وإعادة النظر بآلياتها والاستعداد لتطويرها، وإرساء دولة القانون على أساس يوفق ما بين متطلبات استقرار النسق السياسي السائد واستمراره وبين جزء كبير من تطلعات القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة في سورية، سواء كانت إسلامية أم قومية ويسارية معارضة أم إصلاحية في إطار السلطة نفسها.

ولم يستثن البيان من دائرة الحوار سوى ما سماه (عصابات القتل المأجورة) التي تقوم بـ(أعمال التخريب والقتل وزرع الفتن الطائفية في الداخل) دون الإشارة إلى المقصود بهذه التسمية.

وتجسيداً لوضع البيان موضع التنفيذ، فقد تم فعلياً في شباط عام 1980م إطلاق سراح النقابي البارز (عمر قشاش) عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي المعارض، والإفراج عن حوالي (500) من كوادر التنظيم العام لجماعة الإخوان المسلمين، الذين اعتقلوا بدءاً من حملتي شباط ونيسان عام 1979م، عقب مفاوضات مكثفة بين الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين المعتقل (عبد الله الطنطاوي) ورئيس جهاز الأمن السوري (اللواء علي دوبا) في سجن (المسلمية) شمالي مدينة حلب، وألف هؤلاء المفرج عنهم الصف القيادي الأول والثاني في التنظيم العام.

وفي هذا السياق قامت عدة وساطات لتقريب وجهات النظر وجسر الهوة بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام، كان من أهمها وساطة نائب المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين (أمين يكن). وعلى ضوء هذه الوساطة دخل (علي صدر الدين البيانوني) نائب المراقب العام في أوائل شباط عام 1980م إلى مدينة حلب، وأقام في القاعدة المركزية بحلب، واتصل بـ(عدنان عقلة) بغرض استيعابه وإعادته إلى صف الجماعة، ولكنه أخفق في ذلك أمام رفض عقلة أي لقاء مع المتخاذلين، جماعة (التنظيم العام) – على حسب قوله – مما جعل نائب المراقب العام البيانوني يطلب إلى الأمين العام للجماعة عبد الله الطنطاوي (الذي أجرى المحادثات مع دوبا وأفرج عنه مع من أفرج) أن يغادر سورية حفاظاً على حياته، كما طلب إليه الإيعاز إلى كوادر الإخوان الذين يشعرون بالخطر إلى مغادرة البلاد. وفي تلك الأثناء تشكلت (لجنة العلماء)، وترأسها الشيخ (أبو النصر البيانوني) التي أصدرت بيان تهدئة ساهمت أجهزة الأمن السورية في توزيعه، في الوقت الذي عممت فيه أجهزة الأمن على مخبريها خطياً بإشاعة أن (الدكتور إبراهيم سلقيني) الشخصية الإسلامية البارزة والمحترمة أنه سينضم إلى (الجبهة الوطنية التقدمية).

إضراب عام يشل الحياة العامة في سورية

شكل الإضراب العام الذي دعت إليه (النقابات المهنية والعلمية) في سورية محور التحدي للسلطة بشكل علني وسافر، وشاركت (الطليعة) بضغطها على التجار لإغلاق الأسواق في مدينة حلب، ثم أصدرت بياناً في حلب سخرت فيه من المطالب الديمقراطية الليبرالية للنقابات، ودعت إلى مواصلة المجابهة المسلحة حتى إسقاط النظام. فقد رأت (الطليعة) في برنامج (النقابات) وتبني (التجمع الوطني الديمقراطي) له، محاولة قومية يسارية لاستثمار ما قامت به وأدت أعمالها إليه، والاستيلاء السياسي عليه. ولم تفلح محاولة بعض الإخوان النقابيين من إقناع (الطليعة) بتأييد برنامج الإضراب العام. وشهدت معظم المدن السورية خلال النصف الثاني من شباط، والنصف الأول من آذار عام 1980م حلقات هذا الإضراب العام الذي لم تكسره سوى العاصمة دمشق، وهذا ما جعل المعلومات عن هذا الإضراب شحيحة ومحدودة في غياب وسائل الإعلام المستقلة. وكان هدف (التجمع) يذهب إلى تطوير الإضراب إلى أن يصل إلى عصيان مدني شامل وعام يتم من خلاله فرض (التحول الديمقراطي) على السلطة، أما (الطليعة) فقد تمكنت من تحويل الإضراب إلى حركة عصيان وتمرد وإحداث شغب وإرباك للسلطة وتقليم أظافر أجهزة الأمن وإسقاط هيبتها. وقد تصور (عدنان عقلة) في حينها أن سقوط النظام بات مسألة وقت.

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com