العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03-11-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

"نبع السلام" فرحة لم تتم

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 30/10/2019

تطوّرت العملية العسكرية التركية (نبع السلام) في شرق الفرات في سورية من السيطرة على مساحةٍ من الأرض السورية، جزر متباعدة بين رأس العين (كوباني) في محافظة الحسكة وتل أبيض في محافظة الرّقة، إلى الاتفاق على إيقاف العملية، بموجب الاتفاقين، التركي الأميركي (17/10/2019) والتركي الروسي (22/10/2019)، بعد الاعتراف لتركيا بمنطقة أمنية تحت سيطرتها بطول 120 كلم وعرض 32 كلم، هي المسافة بين المدينتين المذكورتين، وبعمق يصل إلى الطريق الواصل بين حلب والقامشلي، طريق إم 4، وانسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من كل المنطقة الحدودية السورية التركية بطول 450 كلم وعمق 32 كم ومن منبج وتل رفعت، أثارت عشرات الأسئلة وعلامات الاستفهام: ماذا حققت "نبع السلام" للسوريين؟ وما الثمن الذي دفعته الثورة السورية لتحقيق هدف تركي؟ وأي مستقبل لشرق الفرات بعد رش الملح على جرح الخلاف العربي الكردي، النازف أصلا، بإهراق الدماء، وتصعيد الأحقاد والكراهية؟ وأين أصبحت "وطنية" الجيش الوطني بعد غرقه في مستنقع الممارسات الوحشية والسرقة والنهب والاستيلاء على ممتلكات المواطنين؟ وماذا يعني منح تركيا هدايا لروسيا من حساب الثورة السورية واتفاقها معها حول عودة اللاجئين؛ بحيث تمكّنها من العودة إلى فتح ملف إعادة الإعمار وابتزاز الغرب والعرب للمساهمة فيه بمعزل عن طبيعة الحل السياسي المنتظر؟ أسئلة تكشف الكارثة التي لحقت بالثورة السورية؛ والهدية المسمومة التي قدّمتها تركيا للمعارضة السورية، السياسية والمسلحة، بدفعها إلى الانخراط في معركة تركية بذريعة محاربة الانفصاليين، حيث لم يلحظ أي من الاتفاقين دورا للحكومة السورية المؤقتة في إدارة المنطقة الأمنية، ولا دخول الجيش الوطني إلى منبج وتل رفعت.

لم تنجح تركيا بتحقيق هدفها الرئيس: إقامة منطقة أمنية من عين العرب (كوباني) إلى فيش 

"قد تواجه تركيا قريبا قوى كثيرة تتفق، كل لحساباتها الخاصة، على محاصرتها والضغط عليها"خابور؛ عند تقاطع الحدود التركية السورية العراقية؛ بطول 450 كلم وعرض 32 كلم تحت سيطرتها وحدها؛ بل وجدت نفسها بين المطرقة الأميركية والسندان الروسي، وجنت ثمار لعبها على التناقضات الأميركية الروسية، عبر استخدام التقارب مع طرفٍ للضغط على الطرف الآخر، بانقلاب اللعبة عليها واضطرارها، في اللحظة التي كانت تتطلع فيها إلى جني مكاسب جمّة، لدفع الطرفين، في ضوء ضعف قدراتها السياسية والعسكرية، في مواجهة الطرفين، أو كل منهما على حدة؛ وتوجهات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ضد استمرار التدخل الأميركي المجاني في الخارج، وتغاضيه عن التمدّد الروسي في سورية؛ ما سمح للأخيرة بتحديد هامش حركة تركيا في سورية، والوجود على معظم الشريط الحدودي السوري التركي بالاتفاق معها.

صحيحٌ أن تركيا حققت مكسبا في نقطتين: الاعتراف بنفوذٍ لها شرق الفرات، المنطقة الأمنية بين رأس العين وكوباني وتل أبيض؛ والمشاركة بدورياتٍ مع القوات الروسية في بقية الشريط الحدودي بعمق 10 كلم، وإضعاف قوات "قسد" بإبعادها عن الشريط الحدودي مسافة 32 كلم، وسحب السلاح الثقيل منها، على فرض تنفيذ هذا البند في الاتفاق الأميركي التركي، واعتبار مشروعها، وفق ما ورد في الاتفاق مع روسيا، حالة انفصالية يجب "تعطيلها"، ما دفع وزير الخارجية التركي، ميلود جاويش أوغلو، إلى التباهي بتحقيق نصر سياسي ودبلوماسي، بعقد اتفاقين مع الولايات المتحدة وروسيا في خمسة أيام. إلا أنها دفعت، وستدفع، ثمنا باهظا لهذه المكاسب الهشّة، أولها دخول روسيا والنظام إلى منطقة شرق الفرات، وثانيها الكلفة العسكرية والاقتصادية التي ستتحمّلها لمراقبة المنطقة الأمنية الواسعة، خصوصا أن الاتفاقين لم يحققا طلبها تفكيك "قسد"، أو إخراجها من المعادلة، حيث بقي الجزء الأعظم من قواتها سليما، ما يسمح بالافتراض بمواصلتها العمل ضد الوجود التركي على الأرض السورية، فالعملية العسكرية التركية، بضحاياها من العسكريين والمدنيين الكرد، وما ترتب عليها من دمار ونزوح، قد عزّزت قناعات الكرد بعداء تركيا كل ما هو كردي، وصعّدت مشاعر المظلومية وذكرياتها السوداء؛ ما خلّف تعاطفا والتفافا حول الإدارة الذاتية و"قسد" ومنحها المبرّر والشرعية لأي عمل ستقوم به مستقبلا، واحتفاظ الأخيرة بدورٍ في شرق الفرات: حماية النفط والغاز وملاحقة خلايا "داعش" النائمة، ما يبرّر استمرار الشراكة الأميركية معها، في ضوء الحاجة إليها بعد قرار الرئيس الأميركي، ترامب، الاحتفاظ بالسيطرة على آبار النفط والغاز، وحمايتها ودعمها عسكريا، حمايتها متضمنة في البند السادس من الاتفاق التركي الأميركي، ونصه "تتفق تركيا والولايات المتحدة على أن عمليات مكافحة الإرهاب يجب أن تستهدف فقط الإرهابيين وملاجئ مخابئهم ومواقعهم والأسلحة والمركبات والمعدات الخاصة بهم"، إذ معلومٌ أن الولايات المتحدة، على عكس تركيا، لا تعتبر "قسد" منظمة إرهابية.

هذا بالإضافة إلى احتمال تحرّك إيران المضاد على خلفية تجاهل وجودها ومصالحها في الاتفاقين، التركي الأميركي والتركي الروسي؛ وتحفظها السابق على العملية العسكرية؛ وعلى تزايد النفوذ التركي على الأرض السورية، من خلال التشويش على الاتفاقين بدفع جيش النظام إلى صدام عسكري مع الجيش التركي، للتذكير بعدم شرعية وجوده على الأرض السورية، 

"العملية التركية عزّزت قناعات الكرد بعداء تركيا كل ما هو كردي، وصعّدت مشاعر المظلومية وذكرياتها السوداء"والتضييق على الوجود التركي هناك، والتأكيد الروسي الدائم على الطابع المؤقت للوجود العسكري التركي في عموم سورية، ما يعني أن أنقرة قد تواجه قريبا قوى كثيرة تتفق، كل لحساباتها الخاصة، على محاصرتها والضغط عليها. كان الممثل الأميركي الخاص في سورية، جيمس جيفري، قد قال للصحافيين على متن طائرة وزير الخارجية مايك بومبيو: "نحن حذّرنا تركيا من هذه العملية، لأننا كنا نخشى أن تتعامل "قسد" مع النظام وتغيّر الوضع في المنطقة، وهذا ما حدث، ونحن لن نوقف تدخل قوات الأسد في مناطق "قسد". علاقتنا محصورة بـ "قسد" وتركيا فقط".

يبقى الجزء الأكثر إيلاما وخطورة ما ترتب على العملية العسكرية من أضرار على العلاقات العربية الكردية عامة، وعلى أفق العلاقات بين مؤسّسات المعارضة السورية السياسية (الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والهيئة العليا للمفاوضات)، والعسكرية (الجيش الوطني) خصوصا، في ضوء مباركة هذه المؤسسات للعملية ومشاركة الجيش الوطني فيها، ما كرّس القطيعة وأسّس للصدام على خلفية الانتقام مما حصل خلال أيام القتال.

كان على المعارضة السورية، السياسية بخاصة، التعاطي مع الموقف بصورةٍ مختلفةٍ تماما، حيث كان الواجب الوطني والمنطق السياسي السليم يستدعيان إلى تجنّب تكريس القطيعة والعداوة مع مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، واستثمار التصعيد السياسي والتحشيد العسكري بينها وبين تركيا في كسر الجمود السياسي والتحاور معها على حل وطني سوري، يبدأ مثلا بدعوتها إلى المشاركة في هيئة التفاوض واللجنة الدستورية، تساعدها فيه على النزول عن الشجرة التي علقت عليها، بطرحها عالي السقف ومطالبها المستحيلة، ومدّ حبل النجاة لها، ولمشروع الثورة السورية في آن، بتجنيب الطرفين الغرق في تبعات حربٍ بين العرب والكرد في معركةٍ هي تركية بامتياز، والتعاطي مع حليفها التركي على قاعدة أصحاب القضية وأم الولد. .. كان القائد الفلسطيني، ياسر عرفات، قد وضع قاعدة للتعاطي مع ضغوط الدول العربية التي تسعى إلى استتباعه مفادها: "نحن أصحاب القضية، فلا تسألونا أنتم مع من بل قولوا لنا هل أنتم معنا". والتفاهم معها على تفكيك المعادلة من دون حرب تعمّق القطيعة وتزيد الجراح السورية، وعلى إعطاء فرصة للسياسة والدبلوماسية على الحوار بينها وبين "مسد" يتوصل إلى حلٍّ يلبّي بعض

"أضاعت المعارضة السياسية فرصة رأب الصدع بالانخراط في حوار سياسي مع "مسد"مطالب الطرفين، ويخرج الموقف من عنق الزجاجة بالاتفاق على حلٍّ يوحد الجهود، ويضعها في خدمة حل سياسي شامل، ينهي، في الوقت نفسه، هواجس الأتراك ومخاوفهم. "مسد" بدورها ارتكبت خطأ فادحا عندما لم تضع في تصوّرها التوجه إلى مؤسسات المعارضة وقواها لتخفيف التوتر والانخراط في حوار معها، بحثا عن مخرج توافقي، كانت فرصتها باستثمار وجود المجلس الوطني الكردي في "الائتلاف" و"الهيئة" كبيرة لكسر الجمود بين الطرفين، كان التلميح باستعدادها لمراجعة تصوّرها وخططها شرق الفرات كاف لفعل ذلك، لكنها مالت نحو الخيار القاتل باللجوء إلى روسيا والنظام، وهي تعلم تبعات ذلك على مشروعها، وعلى الثورة السورية، لم تنظر إلى الموقف بعين السياسي المتّزن، بل تصرفت على خلفية العداوة والبغضاء القائمة.

لقد قادت إدارة السياسة من المعارضة السورية، السياسية والعسكرية، و"مسد" على قاعدة "كل شيء أو لا شيء" إلى خسارة الطرفين، حيث أضاعت المعارضة السياسية فرصة رأب الصدع بالانخراط في حوار سياسي مع "مسد" لردم الفجوة وتقريب المواقف وتمهيد الطريق إلى حل سياسي شامل. وخسرت "مسد" فرصة حوار مع المعارضة السياسية، كانت تسمح بدخولها في العملية السياسية طرفا أصيلا؛ والعمل على تحقيق بعض تطلعات الكرد عبر توافق وطني سوري.

===========================

موقفنا : حين تفقد الشرائح الثائرة المستهدفة في سورية من يمثلها يكون الحل الأممي قد نجح في إحداث شرخ شاقولي في بنية المجتمع

زهير سالم

مركز الشرق العربي

30/ 10 / 2019

وانقسام المجتمع شاقوليا يعني أن قرارا قد اتخذ بإعدام شريحة من أبناء المجتمع ، أو التخلص منها استئصالا أو إقصاء أو تهميشا . من قمة الهرم إلى الأرض السابعة هناك رأي دولي وإقليمي " ووطني أسدي ، وأسدي وطني " يعتقد أن الله ، تعالى الله ، قد أخطأ حين خلق هذه المخلوقات من السوريين ..!!

ومن هذا الاعتقاد فما زالت الجراحات الاستئصالية تتم على مدى عشر سنوات من الثورة ، منها ما تم تنفيذه على الأرض وبالطرائق السارينينة والكلورية والفراغية والارتجاجية ، ومنها ما تم تنفيذه على مستوى ما سمي المجلس الوطني ثم الإتتلاف الوطني ثم هيئة التفاوض ثم منصة المنصات المتماهية في إطار " المفكرين الجدد " كما يقول " كبيرهم " مع فكرة المنصة المتجانسة المعبرة عن المجتمع المتجانس ، لصياغة الدستور المتجانس ، الذي سيمليه الأسدي والروسي والفرنسي والألماني والنيروجي كما وعد كبيرهم أيضا ..

لن أكون مدعيا ، ولن أقول : إن القسيم الشاقولي الذي تم التوافق والانسجام على استكمال استئصاله وإقصائه وتهميشه هو القسيم الأكبر في بنية المجتمع السوري . ولكن الذي أقوله بكل الثقة أن منصة "المفكرين الجدد " من المتجانسين والمتجانسات لا تمثل شريحةً من السوريين ، كان من حقها التمثيل . بل كان من حقها أن يخضع التمثيل لاعتباراتها لأنها صاحبة الدم ووليته إن كان غيرها صاحب المال .

"المفكرون الجدد " على المنصة المتجانسة مثلا لا يستشعرون مشاعر الثكل واليتم والترمل . والمتجانسات بكل تأكيد لا يدركن معاني الانتهاك والعزل وتشتيت الذات الذي تعيشه شريحة من السوريات غير المتجانسات مع المغتصبين ، واللائي يمثلن التفكير القديم الذي ظن أن الثورة هي سبيل الخلاص فثار ..

هؤلاء المتكأكئون على منصة المنصات المتحدة بإشراف بيدرسن أو بوتين وترامب وشركاهم حول العالم ، والذين يبشروننا اليوم " بفتح الفتوح " بفكرهم الجديد المنسلخ عن فكر أطفال درعا وثوار دوما ومتظاهري ساحة الساعة في حمص أو ساعة العاصي في حماة، والمترفعين عن ضحايا الحولة وبانياس والأحياء الشرقية في حلب وحيث كان بؤرة المجازر في الرقة ودير الزور لا يستطيعون أن يزعموا أنهم يمثلون دماء مليون شهيد ، يبدؤون بإدانتهم في أول كلمة لهم وهم يبشرون " بالتفكير الجديد " يعني على غير طريقة الشهداء والمعتقلين والمنتهكات والمشردين ..

ويبقى سؤالي المفتوح : إذا كنتم على منصتكم المتجانسة ستفكرون بتفكير جديد وهذا من حقكم ، فمن سيمثل أصحاب التفكير القديم الذين شاركتم في لعبة استئصالهم وإقصائهم وتهميشهم ..؟!

وإذا كان من حقكم أن تقفزوا من مركب إلى مركب وبهذه السرعة وبهذه الجرأة فمن للمستضعفين الذين ما زالوا متعلقين بما ظنوه يوما مركبهم ، وظنوكم لطيبة قلوبهم البيكوات والأغوات الذين تمثلونهم .. ..:

ونحصد كل هذا اليوم لأن اللعبة الوطنية ، كما يسمونها ، بنيت على ريبة وفساد وجهل من أول يوم . وهذا حصاد الريبة والفساد والجهل وسوء التقدير ..ومع أول ومضة منفعة حط سرب الحمام حيث ينتثر حب الآخرين . وفي لحظة واحدة بدأ فتاة الحي تعد ..

من قرارة اليأس وفقدان الأمل والشعور بالانكسار أكتب هذه الكلمات عزاء إلى كل الذين يشاركونني الشعور ..

لقد تم خيانة دماء الشهداء . والتفريط بكل شيء . وعلى المنصة المتجانسة التقي ، وبدأت سعيدة تستجيب لإغراءت سعيد ، وتبشرنا بتفكير جديد ... " أنا بعث وليمت أعداؤه " ..

ولقد عشت هذه اللحظات من الانكسار منذ أربعين سنة وما انكسرتُ بفضل الله عليّ ، ولكن الانكسار فيما بعد السبعين يبدو أقسى وأصعب وأشد على النفس .

لست مغرورا لأزعم أنني صاحب راية أرفعها ..

وحتى الذين عشت تحت رايتهم عقودا طوالا ، حتى أولئك الذين أمّل فيهم السوريون كما أمّلت ، وعوّلوا عليهم كما عوّلتُ ، يفجؤننا منذ عشر سنوات بالقول : العبء أكبر . والمسئولية أعظم ، فيظلون حيال المشهد حيارى أو واجمين ..!!!!

قريبا من ستة عقود قضيناها لم تكن في أي لحظة حسابات ربحنا أو خسارتنا رياضية أو عقلية كما يريدونها اليوم ..وكنا دائما لفضل الله علينا في حكم الصيرورة منتصرين ..

في المشهد السوري اليوم وعلى منصة المنصات المتجانسة قوم عراة لم يُبق لهم من وسدهم ما يخلعون ..

ونطوي على أمل بالله وحده أن نسمع يوما جيل المهمشين والمهشّمين ينشد : ..

لنا الجبل المطل على نزار .. حللنا النجد منه والهضابا

__________

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

سياسة الفشل الإيراني

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 30/10/2019

ظهر مفهوم «الهلال الشيعي»، بوصفه تجسيداً لطموحات إيران في إحكام سيطرتها الإقليمية في شرق المتوسط، خصوصاً في تمددها عبر جوارها في الغرب: انطلاقاً من العراق، مروراً بسوريا، وصولاً إلى لبنان. وقد تجاوز المفهوم حدود الطموحات إلى الواقع العملي في سياسات إيران نحو جوارها، بل يمكن القول إن المفهوم تطور أساساً على هامش سياسة إيران في شرق المتوسط، التي شهدت تغيراً عميقاً بعد مجيء الملالي، بزعامة الخميني، إلى السلطة عام 1979، بعد إسقاط نظام الشاه محمد رضا بهلوي.

كانت الخطوة الأهم في تغييرات السياسة الإيرانية في شرق المتوسط انفتاح الحكم على الفلسطينيين، فاستبدلت السلطة الجديدة بعلاقات النظام السابق مع إسرائيل علاقة من الفلسطينيين، وتحول مقر السفارة الإسرائيلية في طهران إلى مقر لمنظمة التحرير الفلسطينية. واحتل نظام الأسد مكانة الأفضلية في علاقات إيران الخارجية، ونشطت سياسة طهران في لبنان الذي يضم أقلية شيعية هي الثانية في لبنان، وأنشط الأقليات الشيعية في البلدان العربية، وصار العراق إلى المقدمة في سياسة إيران، التي كانت تعتمد في حينها فكرة تصدير الثورة نحو محيطها القريب، خصوصاً أن العراق يضم أكثرية شيعية بين سكانه.

رسمت سنوات الملالي الأولى ملامح السياسة التي نتابع نتائجها اليوم في شرق المتوسط. فقد عززت إيران حضورها في لبنان، بإحكام سيطرتها على حركة أمل التي أسسها موسى الصدر، ثم قادها نبيه بري، بعد اختفاء الصدر عام 1978، ثم عملت على توليد قوة سياسية - عسكرية مسلحة بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وصلت إلى إعلان «حزب الله» اللبناني عام 1985، وكرست حسن نصر الله على رأس الحزب في عام 1992، وهو الذي أعلن نفسه وكيلاً للمرشد العام الإيراني. وبواسطة تحالف بري ونصر الله، أحكمت إيران قبضتها على لبنان، وصارت صاحبة القرار فيه، عبر سياسة الترغيب والترهيب.

وذهبت طهران في سياستها السورية نحو توثيق علاقاتها مع نظام الأسد (الأب)، عبر سياسة الدعم المادي والسياسي، مقابل تأييدها في الحرب على العراق، فأغرقت النظام بالمساعدات، وفي مقدمتها النفط، وشكلت داعماً قوياً لسياسته الإقليمية، خصوصاً في الصراع العربي - الإسرائيلي، مما سمح لها بوضع أسس لتمدد مذهبي وثقافي واقتصادي في سوريا، وساهم في تطور كبير لعلاقات إيران معها بعد مجيء الأسد (الابن) للسلطة عام 2000، تمهيداً لتحول سوريا إلى محمية إيرانية، عبر امتدادات بشرية وطائفية وسياسية واقتصادية وعسكرية، بعد ثورة السوريين على النظام عام 2011. وصارت طهران مع موسكو صاحبتي أكبر تأثير في القرارات السورية.

أما في موضوع سياسة إيران العراقية، فبدأ بعد ثورة الملالي تصعيد صراع وخلاف مع العراق، أدى إلى حرب مدمرة بين البلدين انتهت بهزيمة إيران، ولم يستفد نظام بعث العراق من دروسها، فاندفع إلى حروب لاحقة بدأت باحتلال الكويت، مما أدى إلى تحالف دولي ضده انتهى بإسقاط النظام، وتولى آنذاك عملاء إيران زمام السلطة هناك، من خلال الحكومة والأحزاب والميليشيات والجيش، بدعم مباشر من المخابرات الإيرانية الحاضرة في غالبية مناطق العراق، وفي معظم أجهزته ومؤسساته.

ووسط صورة الحضور والسيطرة الإيرانية في الدول الثلاث، يمكن فهم التصريحات المتعددة الصادرة عن مسؤولين إيرانيين عن تأكيد سيطرة إيران على البلدان الثلاثة، إضافة إلى سيطرتها على الفصائل الفلسطينية المسلحة، لا سيما حركتي «حماس» و«الجهاد»، مما يعني أن «الهلال الشيعي» أصبح «حقيقة واقعة»، في تعبيره عن علاقة إيران بالمنطقة، وأن هذه البلدان لم تصبح فقط تحت السيطرة الإيرانية، بل صارت جزءاً من جبهة المواجهة مع خصوم إيران ومعارضي استراتيجيتها في المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

وتشمل جبهة المتضررين من سياسات إيران شعوب كل من العراق وسوريا ولبنان والفلسطينيين، التي تسللت إيران مباشرة، أو عبر أدواتها المحلية، أو بالحالتين معاً، بما فيها الحكومات القائمة، لإحكام قبضتها على تلك البلدان، ومقدراتها البشرية والمادية، الظاهرة والكامنة، وهذا ما تم القيام به في البلدان الثلاثة. كما تشمل الجبهة أغلب دول المنطقة، التي تأذت من سياسات إيران على مدار العقود الماضية، خصوصاً لجهة تدخلات نظام الملالي في شؤونها الداخلية، عبر إثارة النعرات الطائفية بين جناحي الإسلام من السنة والشيعة، وادعاء إيران أنها تمثل مرجعية الشيعة، وعبر مطامع إيران بأراضي الدول المجاورة في الخليج، خصوصاً في البحرين، ومن خلال تكريس احتلالها ثلاث جزر إماراتية منذ عام 1969، وعبر تعزيز سياسة المحاور، وتصعيد الصراعات البينية بين دول المنطقة.

ويتجاوز البعد الإقليمي صراعات إيران مع البلدان العربية، ليشمل بلداناً أخرى ذات تماس مباشر مع العرب، كما هي حال تركيا وإسرائيل اللتين تتجنب إيران الدخول في اشتباك مباشر معهما، وإن كان ذلك لا يمنعها من التحرش بهما، على نحو دفعها عملاءها إلى تأسيس «حزب الله التركي»، ودعمها «حزب العمال الكردستاني» في تركيا (PKK)، واتباعها استراتيجية في تمزيق المنطقة، بالتوازي مع ما تقدمه إيران من دعم متعدد للتنظيمات الإسلامية في فلسطين، خصوصاً لحركتي «حماس» و«الجهاد»، ودعمها «حزب الله» اللبناني الذي أصبح أداة إيران في صراعاتها الخارجية، تحت لافتة العداء لإسرائيل.

إن الأهم في البعد الدولي لصراعات إيران يتمثل في مشروعها النووي، وفي تطويرها صناعات عسكرية، بينها المجموعات الصاروخية. وقد سعت المجموعة الدولية «5الاربعاء 30/10/20191» إلى الحد من طموحات إيران النووية، عبر اتفاق بين المجموعة وإيران، لكن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق أعاد إلى الواجهة صراع إيران مع القوى الدولية، الذي نجد له تعبيرات في عقوبات وحرب إعلامية وتحشدات سياسية وتماسات عسكرية، خصوصاً في الخليج.

ووسط لوحة واسعة من صراعات إيران المتعددة المستويات، تتوالى تحركات شعوب سوريا والعراق ولبنان نهوضاً في وجه السلطات الحاكمة، بما تمثله من أنظمة ديكتاتورية مستبدة فاسدة مرتبطة بإيران واستراتيجيتها في المنطقة، وهي تحركات تتجاوب في مضمونها مع التحركات الأخيرة للإيرانيين في مواجهة سلطة الملالي، ومطلبها الرئيس إسقاط النظام الحاكم، مما جعل نظام الملالي بإيران، وأدواته من حكومات دول، هدفاً لتحركات عموم شعوب شرق المتوسط.

إن صعود شعوب شرق المتوسط في مواجهة إيران وأدواتها بات يتطلب مواقف حاسمة ضد إيران وأدواتها والأنظمة المرتبطة بها، ليس انتصاراً للنضال من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان فقط، بل دعماً وتأييداً لنضال الشعوب في مواجهة إيران وسياساتها وتدخلاتها في شؤون دول وشعوب المنطقة والعالم؛ لقد بات من المطلوب تغييرات جوهرية إقليمية ودولية، تتجاوز ما تم اعتماده من سياسات حيال العراق وسوريا ولبنان في أوقات سابقة.

===========================


العملية العسكرية التركية وبعض خلفياتها

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 28/10/2019

نحن نرى ما يدور على مسرح الأحداث، فنقوم بتحليلها وفقاً للمعلومات المتوفرة للعموم. أما ما يدور خلف الكواليس، فلا يعلم به إلا أصحاب الشأن المباشرون، يسربون منها ما يشاؤون، ويحتفظون بما تبقى طي الكتمان. ما نسميه بـ"استباق الأحداث" هو قراءة ما يجري بمزيج من الوقائع والتسريبات والتخمينات. لن تقوم هذه المقالة باستباق الأحداث من خلال إطلاق تخمينات، بل ستسعى إلى الربط بين مسارين أديا، في النهاية، إلى دخول القوات التركية والميليشيات التابعة لها إلى الأراضي الواقعة بين تل أبيض ورأس العين، وحدوث توافق أميركي – تركي حول إطار العملية من جهة، ومذكرة تفاهم روسية – تركية حول الترتيبات الأمنية بشأن المنطقة وجوارها من جهة ثانية.

وقائع المسارين يعرفها كل الناس، لكن انتشارها الزمني هو ما قد يخفي الترابط بينهما. في المسار الأول نرى نوعاً من "الحوار" غير التقليدي بين الحكومة التركية (أو الاستخبارات التركية بتعليمات من الحكومة) وعبد الله أوجالان، تمت فصوله بمناسبة الانتخابات المحلية، بين أوائل أيار و23 حزيران من العام الحالي. توقيت ظهور أوجالان أمام الرأي العام ارتبط بالانتخابات المحلية، بصورة مباشرة، بل إنه حاول، في آخر رسالة له قبيل الانتخابات، أن يوجه الناخب الكردي في إسطنبول باتجاه الحياد، أي عدم دعم مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو، وهو ما اعتبر دعماً غير مباشر لمرشح السلطة بن علي يلدرم. لكن رسائله المتتالية، في تلك الفترة، تناولت أيضاً الموضوع السوري بصورة مباشرة، وإن كان ذلك بلغة مرتبكة تفتقر إلى الوضوح، أعني موضوع "شرقي الفرات" تحديداً الذي كان، منذ قرار ترامب بالانسحاب من سوريا في أواخر كانون الأول 2018، موضوع تجاذبات بين أنقرة وواشنطن ومحور نظام الكيماوي وحلفائه.

كان واضحاً، في موضوع الانتخابات البلدية على الأقل، أن ثمة اختلافاً سياسياً في بنية الحركة الكردية، بين أوجالان وحزب الشعوب الديموقراطي وقيادة "العمال الكردستاني" في قنديل. وهو ما دفع الرئيس التركي إلى الحديث عما أسماه بـ"صراع على السلطة" في البنية المذكورة. من المحتمل أن موضوع "روجافا" كان موضوعاً خلافياً أيضاً بدلالة شعور أوجالان بالحاجة إلى تحديد موقفه منه. وكان هذا الموقف يتحدث عن "ضرورة الابتعاد عن الصدام، وحل المشكلات عن طريق الحوار" من غير أن يكون واضحاً في تحديد أطراف الصراع أو الحوار المفترضين. هل هما "قسد" ونظام دمشق الكيماوي، أم قسد وتركيا، أم كلاهما معاً؟ عبارة أوجالان غامضة بهذا الخصوص، لكن التتمة واضحة جداً: "ضرورة أخذ الهواجس الأمنية التركية بعين الاعتبار"!

لم يقتصر "الحوار" غير التقليدي على أوجالان، بل كان ثمة محاور آخر مع أنقرة هو قيادة قسد، بدلالة تصريحات لقائد تلك القوات، مظلوم عبدي، تعود إلى الفترة نفسها، قال فيها إن حواراً غير مباشر، بوساطة أميركية، يدور بين قسد وأنقرة. نتذكر، بهذا الصدد، زيارات عدة قام بها المبعوث الأميركي إلى سوريا، جيمس جفري، إلى أنقرة، في ربيع وصيف العام الحالي، بموازاة لقاءاته مع قيادة قسد. لا نعرف ما الذي نتج عن تلك "الدبلوماسية المكوكية" التي ينسب ابتكارها إلى وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر. لكن الأقرب إلى المنطق هو أنها أنتجت "اتفاق أنقرة" في أوائل آب 2019، بين الأتراك والأميركيين، بشأن إنشاء نطاق خالٍ من قوات قسد بعمق يتراوح بين 514 كلم، بضمانة دوريات مشتركة أميركية – تركية، برية وجوية، تقاد من غرفة عمليات مشتركة تم إنشاؤها في مدينة أورفة.

لم تترك قيادة قنديل لحزب العمال الكردستاني الساحة لأوجالان وعبدي وحدهما

ولم تترك قيادة قنديل لحزب العمال الكردستاني الساحة لأوجالان وعبدي وحدهما، فنشر القيادي مراد قرة يلان مقالة في صحيفة نيويورك تايمز، في شهر أيار، قال فيها إنه أوان إرساء السلام في تركيا بين الحكومة وكردها. كان ثمة تسريبات، في ذلك الزمن، عن مفاوضات سرية جارية بين قيادة "العمال الكردستاني" والمخابرات التركية، على غرار مفاوضات مماثلة جرت في العام 2013 في أوسلو.

ما الذي يمكن استنتاجه من كل هذه الوقائع؟

يبدو أن الأميركيين كانوا يضغطون على كل من تركيا و"العمال الكردستاني" لإطلاق مفاوضات بينهما من شأنها حل الصراع الأساسي الذي انعكس على شمال سوريا في صورة خلاف أميركي – تركي حول دعم واشنطن لقسد، كان المأمول أميركياً أن يحل هذا الخلاف من خلال حل الصراع الأساسي داخل تركيا. لا نعرف أين وصلت الأمور في مشروع طموح إلى هذ الحد. لكن الظاهر اليوم هو تجاوز تركيا لاتفاق أنقرة، بعد حصولها على ضوء أخضر من ترامب لغزو منطقة "نبع السلام". الأمر الذي نستصعب فهمه هو اللغة الأميركية المزدوجة تجاه كل من تركيا وكرد سوريا. وإذا كان مفهوماً الاختلاف بين ترامب من جهة والكونغرس من جهة أخرى، فغير المفهوم هو لغة ترامب نفسه التي تمتدح أردوغان مرة، وتهدده مرة، وتسيء إليه مرة ثالثة. كما أنه، بالمقابل، يمتدح الكرد في تغريدة، ليهاجمهم في تغريدة ثانية بدعوى أنهم لم يشاركوا في إنزال النورماندي! لا يكفي إرجاع ذلك إلى غرابة أطوار هذا الرئيس الإشكالي، بل من المحتمل أن هذه التذبذبات في قراراته وتصريحاته تمهد لقرارات مبيتة لا يمكننا الآن التكهن بها.

أما بين أنقرة و"حزب الشعوب الديموقراطي" فالعلاقة عدائية على طول الخط، بخلاف علاقة أنقرة بأوجالان. فالحكومة مستمرة بحل بلديات الحزب الكردي وتعيين حكام الولايات بالوكالة بدلاً منهم، إضافة إلى اعتقال كوادر الحزب ونوابه ورؤساء بلدياته. لا شيء من مسالك الحكومة تجاه الحزب الكردي المتمتع بتمثيل اجتماعي واسع يشير إلى عودة قريبة إلى عملية السلام التي نادى بها مراد قرة يلان أو أوجالان. ومن شأن إجراء تغيير ديموغرافي متوقع في منطقة سيطرة الجيش التركي، بين تل أبيض ورأس العين، بدلالة نوايا أنقرة المعلنة بخصوص توطين لاجئين سوريين هناك، أن يخلق شرخاً كبيراً يصعب ترميمه بين تركيا وكردها في الداخل، من جهة، وكرد المنطقة وعربها في سوريا من جهة ثانية. لذلك طرحت ألمانيا مشروعاً مختلفاً للمنطقة الآمنة، بإدارة دولية، لحل مشكلة اللاجئين مع ضمان عدم حدوث تغيير ديموغرافي. وهو ما لم يلق قبول أنقرة. أعني أن مشروع التغيير الديموغرافي الذي يخشاه الكرد، ربما سيلاقي مقاومة دولية كبيرة تمنع حدوثه.

لدينا، إذن، مسار أول أوحى بمشروع حل سياسي للمشكلة الكردية في تركيا، لا بد أن ينعكس على شمال سوريا، ومسار ثان تمثل بدق طبول الحرب وغزو الأراضي السورية من جهة، ومواصلة التضييق على كرد تركيا ممثلين في حزب الشعوب الديموقراطي. هل هما مساران متعارضان، تغلب الثاني بينهما على الأول، أم هناك تكامل بين المسارين سنرى، في الأشهر المقبلة نتائجه؟

النقطة الأخيرة التي تستحق الإشارة إليها هي ما يمكن وصفه بصعود نجم مظلوم عبدي في هذه الآونة. فهو يتلقى مكالمة هاتفية من ترامب مع دعوة لزيارة البيت الأبيض، ويتحاور مع وزير الدفاع الروسي وقائد أركانه. "شو عدا ما بدا" في وقت بات فيه مشروع الإدارة الذاتية في خبر كان؟

===========================


كيف جرت صناعة ظاهرة بوتين

غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 28/10/2019

لم تعد مسألة سطوع نجم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في سماء الحدث الدولي، أمراً ينطوي على ألغاز وأحجيات، إذ تكفي إطلالة بسيطة، بنصف عين وقليل من الإدراك، على المشهد السياسي الدولي، لمعرفة لماذا وكيف تجرى الأمور على هذه الشاكلة وتلك، وكيف صار بوتين نجم السياسة الدولية في أشد لحظاتها ظلاماً.

تُجمع أغلب الدراسات التي تناولت ظاهرة صعود بوتين على المستوى الدولي على أن سورية صنعت الجزء الأكبر منها (الظاهرة)، ومن رصيد قوة بوتين العالمية، سواء على مستوى اضطرار القوى الإقليمية الشرق أوسطية على التنسيق معه لإدارة مخرجات الحدث السوري، أو على مستوى اعتراف أميركا به لاعباً فاعلاً، أو حتى على مستوى تأثيراته في القارة الأوروبية، ودعمه اليمين المتطرّف، بل إن أكبر واقعة نبّهت العالم إلى قوّة بوتين، وهي تدخله في الانتخابات الأميركية، كان سببها المباشر خوفه من وصول هيلاري كلينتون إلى البيت الأبيض، وما سيخلفه ذلك من تداعيات سلبية على غزوه سورية.

ولكن حتى في سورية، لم يصنع بوتين المعجزات، ليتحوّل إلى لاعب دولي بارز، فهو، بعد أربع سنوات من استخدام سياسة الأرض المحروقة، عاجزٌ عن تثبيت سيطرته على الأرض 

"بعد أربع سنوات من استخدام سياسة الأرض المحروقة، بوتين عاجزٌ عن تثبيت سيطرته على الأرض السورية"السورية، وما زالت الوقائع متحرّكة والأحداث جارية، واحتمالات قلب المعطيات وتغيير مسار اتجاه الأحداث ممكن، وإن بصعوبة بعض الشيء. ومؤكد أن بوتين لم تواجهه مخاطر حقيقية في سورية تعرقل تقدّمه، وما يحكى عن انتصاراته في سورية ليس المقصود منه سوى الحرب اللامتكافئة التي خاضها ضد كياناتٍ تفتقر للأسلحة الرادعة لطائراته. ومن الناحية العملانية، لم يكن بوتين يعمل في بيئة خطرة، بل في ساحة فارغة لا تصارعه فيها سوى الأحوال الجوية.

باستثناء ذلك، شكّلت الأطراف الدولية المفترض، أو نظرياً، أنها خصوم لموسكو، عوامل مساعدة لبوتين كي يسطع نجمه في سورية، فأوروبا انكفأت إلى حد بعيد، إلى درجة جعلت وزير خارجية الأسد يتجرّأ على شطبها من الخريطة الدولية. أما أميركا، فالمرجّح أنها هيأت المسرح السوري لروسيا، لرغبة إدارة الرئيس الأميركي السابق، أوباما، في التخلص من الضغوط التي تدعوه إلى التدخل. لذلك راح أوباما إلى أن سورية ستكون بمثابة أفغانستان ثانية لروسيا، من دون أن يهيئ الشروط اللازمة لذلك، بل إنه منع بعض حلفاء الثورة من العرب من شراء أسلحة مضادة لطائرات بوتين!

انطلق بوتين، في صعوده من واقع احتقار الغرب له، وكان ذلك أحد أهم محرّكات صعوده، فروسيا كانت، في نظر أوباما، قوّة إقليمية، وهو ما دفع بوتين إلى البحث عن فرصةٍ سهلة للفوز لإثبات أن هذا التقييم الأميركي لروسيا غير دقيق، وأن على العالم إعادة تقييم القوّة الروسية من واقع التجربة السورية القادمة.

ولكن لماذا سورية؟ تثبت معاينة سياق الأحداث، منذ بدء التدخلات الخارجية في هذا البلد، أن 

"رأى أوباما أن سورية ستكون بمثابة أفغانستان ثانية لروسيا، من دون أن يهيئ الشروط اللازمة لذلك"أغلب هذه الأطراف، الإقليمية، المتدخلة أنهكت خلال زمن قصير، وأن الأطراف الدولية غير معنية أبداً بما يجرى على الساحة السورية، وليست مستعدة لضخ موارد كبيرة لتغيير مجاري الأحداث أو لإسقاط الأسد. ولم يكن صعباً على بوتين الذي كان يراقب التطورات السورية الوصول إلى هذه الخلاصة، فالأحداث كان قد مرّت عليها أربع سنوات، وكانت هذه المدّة كافيةً لفهم اتجاهات الأحداث في هذا البلد، والموقف الدولي منها. وعلى الرغم من ذلك، لم يعلن بوتين عن تدخله في سورية، كما تفعل الدول الكبرى في مثل هذه الحالات، بل تسللت طائراته ليلاً كما يفعل لصوص الليل.

بعد ذلك، صار معروفاً السياق الذي تمّت به إدارة الصراع في سورية، فقد قدّمت الإدارات الأميركية سورية لروسيا على طبق من فضة، أراحتها من قتال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، قضت عليه في سورية والعراق، ومنحت بوتين نصراً لا علاقة له به، كان في ذلك الوقت مشغولاً بقتال الخوذ البيض وتدمير المستشفيات وقتل الأطفال ودفع الملايين إلى الهجرة.

وفي آخر الأمر، أعطت إدارة ترامب لبوتين مساحاتٍ في مناطق شرق الفرات، ما كان بوتين يحلم بالوصول إليها، بل إنه، ومنذ واقعة قتل الأميركيين مئات المرتزقة الروس الذين حاولوا 

"قدّمت الإدارات الأميركية سورية لروسيا على طبق من فضة، أراحتها من قتال داعش"عبور نهر الفرات، اقتنع بما منحته إياه الأقدار الدولية في سورية، ولم يبد أدنى انزعاج، كما أنه بدا راضياً بالمحاصصة التي فرضها الأمر الواقع، والتي قسمت الجغرافية السورية بينه وبين أميركا وإيران وتركيا، كما كان خاضعاً تماماً لمعادلة الأمن الإسرائيلي، القاضية بوجوب توجيه ضربات داخل الأراضي السورية لدى تقدير إسرائيل وجود مخاطر تستدعي ذلك.

ولكن ماذا يفعل بوتين تجاه الهدايا المجانية التي يهبها إياه اللاعبون الكبار، أميركا وغيرها، سواء في تردّدهم وحساباتهم المبالغ بها، أو من خلال تقديراتهم الخاطئة واستجاباتهم المتأخرة، ومثال ذلك، دعوة ألمانيا إلى تشكيل منطقة عازلة في شرق سورية بقوات أوروبية، بعد أن شعر الأوروبيون بأنهم ارتكبوا خطأ استراتيجياً يستوجب تداركه بسرعة؟ وبعد أن انتقدت وزيرة الدفاع الألمانية، أنيجريت كرامب كارنباور، السلبية التي طبعت سلوك ألمانيا والأوروبيين في القضية السورية، قائلة "هم كالمتفرجين من وراء سياج". ولكن ما فائدة تلك الصحوة في وقتٍ أصبح الوجود الروسي شرق الفرات أمراً واقعاً.

ربما يشكّل تراجع القوّة الأميركية أحد أسباب بروز الظاهرة البوتينة. ولكن على الرغم من ذلك التراجع، لم تصل روسيا إلى درجةٍ من القوّة تجعلها لاعباً دولياً فاعلاً، والتفسير الأقرب أن تهافت السياسة الدولية، وافتقارها إلى قادة حقيقيين، جعلا بوتين يتحوّل نجماً.

===========================


عالم يولد وآخر يموت

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 26/10/2019

انتظر جميع المعنيين بلبنان أن تصل أنسام الربيع العربي إليه، لتضع أوضاعه على محكّ التغيير والإصلاح، استجابة لمطالب شعبٍ لم يعد يطيق العيش في ظل نظام فقد شرعيته، وليس لديه ما يقدّمه لهذا الشعب غير مزيد الطائفية والفساد. وما كان منتظرا حدث، فقد قام شعب لبنان قومة رجل واحد، ضد وضع بلغ من انحطاطه أنه اوكل مسؤوليات حكوميةً "لشبيح" كجبران باسيل، واستسلم لحرس إيران الثوري الذي يحتل لبنان تحت اسم حزب الله، ووصل انفراد هذا الحزب بالبلد إلى حد زجّه في الحرب على سورية لإنقاذ سفاحها ، بأمر من المرشد خامنئي، ما عرّض اللبنانيين لأفدح الأخطار باسم حماية قبر زينب. وتصرّف دوما كسيد للبلاد والعباد، وحام للطائفية والفساد، وتوعد وهدد قبل أيام ملايين اللبنانيين من رافضي "عهد" ربيبه ميشيل عون، الذين لا يراهم شعبا حيا وله حقوق، بل جثة لن تقوى على العودة إلى الحياة، بما حقن به من سموم طائفية، وأخضع له من تخويف، ولسان حالهم يقول ما سبق أن قاله بشار الأسد: ليس في لبنان شعب فيثور، ومن سيثورون سيجدون الجيش والمخابرات في انتظارهم، وستنزل بهم كارثة كمتآمرين وعملاء للصهاينة، انصاعوا لإرهابيين أمروهم برفع راية الحرية والديمقراطية والثورة على الظلم والفساد، ليحجبوا إرهابهم عن الأعين.

لم يلاحظ أغبياء السلطة أن حزب الله ألغى حدود لبنان بغزوه سورية، وفتح الباب أمام عبور الربيع العربي إليه، وأن ما أورق وأزهر في السودان والجزائر وحراك العراق لن يستثنيه من أزهاره: شبابه الذي وحّده الغضب على الظلم والاحتقار اللذين يعامله بهما لصوص منحطّون، فقرّر النزول إلى الشارع، ليكسر متاريس الفئوية ونظامها البغيض الذي لم يعد قائما إلا عند اللصوص والفاسدين من أهل السلطة، المؤمنين بقدرة طائفيتهم على رد اللبنانيين إلى أماكنهم، إن حاولوا إخراج رؤوسهم منها، بدعمٍ من سلاح إيران المرابط في مختلف بقاع لبنان الذي لن يتوانى حزب الله عن استخدامه لكنس الشعب من الشوارع، وإعادته إلى حالة الموت السريري التي "يعيش" فيها.

لم يصدّق الحزب وساسة الفساد أن الربيع العربي الذي أخرج شعب سورية غير المسيس، والمفتقر إلى تنظيمات سياسية، في ثورةٍ زلزلت أحد أعتى نظم الإجرام والفساد في التاريخ، وأنزلت، في أحد الأيام، ثمانية ملايين متظاهر سلمي إلى الشارع، سينزل شعب لبنان في جميع مدنه وبلداته وقراه إلى الشارع، في ثورةٍ تتجمع منذ عقود في صدور بناته وأبنائه، وأن عدد الثائرات والثائرين سيكون هائلا إلى درجةٍ تجعل قمعه، والفتك بآلافٍ منه، القشّة التي ستقصم ظهر الطبقة الحاكمة، وستجرّدها من ورقة التوت التي تستر شرعيتها المزيفة بها، بفضل وحدة الشعب ووضوح مطالبه المحقة، وإصراره على التغيير السلمي، وموقف قيادة الجيش من حماية المتظاهرين الذي مثّل نسمة منعشة أخرى من نسائم الربيع العربي الذي تفتحت أزاهيره في السودان، ونشرت شذاها في قلوب عشرات ملايين الثائرين، عبر انضمام الجيش إلى الشعب، وقول قائده إن ما تم الاتفاق عليه عن إقامة الديمقراطية كان يجب أن يحدُث بعد الاستقلال مباشرة.

نزل شعب لبنان إلى الشارع، فهزّ بمجرد نزوله أسسا ومعادلاتٍ تخنق المجتمع اللبناني، منها أن قلة طائفية وفاسدة تتقاسم لبنان وشعبه، وتمارس سياسات إذلالية تحفظ أوضاعا دفع ثمنها الفادح، وأوصلت أغلبيته إلى حالٍ من الغضب، أفقدتها الخوف من المواجهة، وأنزلتها إلى الشارع، حيث نزعت أي غطاءٍ وطنيٍّ أو شرعي تدثرت به، وتطالب برحيل تمثيلاتها الحزبية والمسلحة وقياداتها التي حمت، طوال ثلاثة أرباع القرن، النظام الطائفي ومنتجاته السياسية والاجتماعية، وعمّقت بؤس الشعب، وأثارت الفتن والاقتتال بين أبنائه، وباعته لمن دفع.

لبنان القديم يموت والجديد يولد، فلنرحّب به.

===========================

موقفنا : ما وراء جغرافيا نبع السلام  ..؟ ما وراء ديموغرافيا الثلاثين كم ..!؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

28/ 10 / 2019

أين السوريون السوريون في الساحة السورية ؟! ودائما يغلبني الشعر العربي ومنه قول الأفوه ..

"والبيت لا يبنى إلا وله عمد"    فأين عمد البيت يا قوم ..؟!

بل راح يغلبني هذا الصباح قول الهجّاء دعبل الخزاعي ، ولا أريد هجاءً لأحد :

ما أكثر الناس .. لا بل ما أقلهم؟!    والله يعلم أني لم أقل فندا!!

إني لأفتـح عيني حين أفتحهـا .. على كثير ولكن لا أرى أحدا

وكثير منا – وأنا الواحد من الكثير – همنا " بنبع السلام " وما نزال نهيم ، دون أن نسأل أو نتساءل  : هذه الأشواك التي يتم نثرها على بعد ثلاثين كم من الحدود التركية ، أو من الحدود السورية ، يتم زرعها في أرض من ؟! وفي طريق من ؟! وهي إن كانت بذور حنظل وزقوم – وهي كذلك بكل تأكيد – فهي الغصة ستكون في حلق من ؟!

ثم هذا الثور الكبير الذي يجر خشبة المحراث ، فيشق بحديدته الأرض ، ويفجر الألغام ، ويحطم الدشم ، ويسقي زرعه في رحم أرضنا من صافي بترولنا ....سيصير بنا نحن أصحاب الحق بل الحقوق  إلى أين ؟!

لا أشك لحظة أن الشريف حسين بن علي الأول ، لو أدرك أن مآلات محادثاته مع مكماهون ستنتهي إلى ما انتهت إليه لكان له ولبنيه من بعده شأن آخر فيما كان ... ولكن لا قول بعد أن يسبق السيفُ العذلَ ..ويبقى درس التاريخ لمن يعتبرون ..!!

تعلمنا ونحن صغار حين نرسم " الإنسان " أنه لا يتحدد أنه إنسان إلا برسم رأسه ، ولا تتحدد حقيقة الرأس إلا برسم عينيه . ومن هنا أطلق العرب في كناياتهم عبارات مثل " وجوه الناس " و" أعيان الناس " هل حقا أن حافظ وبشار الأسد لم يتركا بين السوريين وجوها ولا عيونا.. تشعر بالإحباط أكثر عندما ترى الكبار – أو من يجب أن يكونوا – يتضاغون ، ويتشاغلون ، ويديرون ظهورهم للمهم من الأمر يصيبهم ، وقديما تمدح الصعلوك منا أنه : " قليل التشكي للمهم يصيبه " وإذا كان حال صعلوكنا فكيف يجب أن يكون حال ...

وأعود للأسئلة الأهم مذكرا لا معلما ، وما ينبغي لي :

ماذا وراء دفع الإرهابيين ثلاثين كم جنوبا ..؟!

وكيف سيكون عليه الحال بعد أن يستقروا ويتمكنوا  ؟!

وعلى حساب من سيكون الاستقرار والتمكن  ...؟!

لماذا يعيد ترامب 500 جندي أمريكي مع الأسلحة والمعدات ؟!

وماذا يعني ذلك لعينينا الساهرتين على الفرات  الرقة ودير الزور ؟!

أسئلة مصيرية مفتوحة على الغد الأقرب ، أو الأكثر قربا .. لست أزعم أنني أعلم من أجوبة هذه الأسئلة الكثير مما لا يعلمه هؤلاء الناس الذين أبحث عنهم ولا أراهم ..

لا أشك أنهم يعلمون أكثر .. ولكنهم يحبون السمر في أعراس الآخرين ، فالسمر في أعراس الأغنياء الأقوياء والأقوى يتحلب سمنا وعسلا ..

كلمتان لسيدنا رسول الله ..

" ولكن حمزة لا بواكي له "

هل نتفق على حمزتنا اليوم فنحميه قبل أن .. وانظروا إلى صفحاتنا .. قليلون يريدون أن يكونوا حيث امتدح رسول الله الأنصار : إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع ..

افعلوا شيئا ولو صغيرا ، قولوا كلمة أو كليمة يغفر الله لكم بها  ، أو يذكركم بها التاريخ .. أو تكون حبلا ممدودا بينكم وبين الناس .

نشهد الله ثم الناس أننا ..

ضد جميع الإرهابيين من الحكام المُتسلطين والأجراء المسلطين ، من كل الملل والنحل والأقوام والعناصر ..

وأننا ضد كل الدويلات العنصرية أو الطائفية أن تقام على أي بقعة من أرضنا ، تحت أي راية أو عنوان ..

وأننا نعلم من أمر بوصلتنا ما يحدد أولويتنا بين أولوياتنا .. ولكن الذين لا نراهم لا يعلمون ..

قتلوا الشرير وتركوا لنا بعده للشر مائة بعلزبول ...

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

بين سورية ولبنان

راتب شعبو

العربي الجديد

السبت 26/10/2019

ما يشهده لبنان اليوم هو أكبر خروج شعبي إلى الشارع، بعد التظاهرات الشعبية الواسعة في ساحات لبنان عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، في 14 فبراير/ شباط 2005، والتي أفضت إلى الانقسام السياسي الشهير بين فريقين سياسيين، حمل كل منهما اسم تاريخ نزول جمهوره إلى الشارع (فريقي 8 آذار و14 آذار)، وهما فريقان تعاكسا في الموقف من الوجود والدور السوري في لبنان، وفي الموقف من النظام السوري، ولكنهما كانا متفاهمين دائماً في ما يخص النظام السياسي الطائفي اللبناني.

على خلاف الحال في العام 2005، لا يخرج الشعب اللبناني اليوم إلى الشوارع تلبية لطلب قوى سياسية تريد استعراض شعبيتها، وتتبارى في ما بينها في أعداد المشاركين، بل يخرج بالأحرى ضد هذه القوى، أو للدقّة ضد دولة هذه القوى، أو ضد النظام السياسي الذي يشكّل من هذه القوى دولةً بطريقةٍ تسمح لها أن تتوازع الدولة، وأن تتبرّأ منها، في الوقت نفسه، كما يظهر اليوم على ضوء انتفاضة اللبنانيين.

زعماء الطوائف اليوم يؤيدون المتظاهرين، فلا يبدو أن للنظام اللبناني الذي يطالب المتظاهرون اللبنانيون بإسقاطه أبا في هذه اللحظات، الجميع يقر "بالمطالب المحقّة"، ويرى العلّة في 

"تركيبة النظام اللبناني تجعل من المستبعد أن يتعرّض المتظاهرون اللبنانيون إلى قمع "دولتي""الآخرين. أكثرهم موضوعية يقول إنها "مسؤولية الجميع"، هذه العبارة، في عموميتها وضياع معناها، لا تختلف في الواقع عن رمي المسؤولية عن النفس. أحد الأثرياء من زعماء الطوائف قال إن جمهورنا ينتفض ضد الدولة، وليس ضدنا. هذه هي الدولة الطائفية اللبنانية التي تسمح للزعماء بجعلها قنوات سلطةٍ ونهب، وتسمح لهم بالتنصّل من المسؤولية في الوقت نفسه، وحسب الحاجة. وهذا ما يدفع المتظاهرين اللبنانيين إلى التأكيد على شعار "كلن يعني كلن"، الشعار الذي يريد بلورة النظام السياسي في حزمةٍ واحدةٍ لاستهدافها "ككل". وفي السياق نفسه، يمكن فهم مطالبة بعض المتظاهرين بحكم عسكري، أي رغبة في الانتقال من نظام متعدّد الرؤوس إلى نظامٍ برأس واحد. ولكن حتى لو نجح المتظاهرون في إسقاط هذه الحزمة، وهذا غير متاح، فإنه لن يتمكّن من "إسقاط النظام".

يدرك جميع الزعماء الطائفيين الذين تحوّلوا اليوم إلى "ثوار" مرهفين، يشعرون بمشقّات حياة الناس ويدركون أحقية مطالبهم، أنهم يستندون إلى حائط متين، هو "النظام السياسي الطائفي" الذي يشكل المصيدة الأخطر لشعوب بلداننا، والتي إذا ما أطبقت على شعب، فإنها تحيل تطلعاته التحرّرية إلى ضربٍ من المستحيل. يدرك هؤلاء أن الهوية الوطنية اللبنانية التي تجمع المتظاهرين اليوم في أرجاء لبنان مكسورة الظهر، منذ تأسس النظام الطائفي، حتى أن حركة المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي، والتي يفترض أن تشكّل مصنعاً للوطنية اللبنانية، اتخذت، هي الأخرى، لوناً طائفياً، وراحت تفتّ في عضد الوطنية اللبنانية. على هذا، يطمئن هؤلاء الزعماء الطائفيون إلى أن الوطنية اللبنانية باتت أعجز من أن تعبر الخنادق الطائفية المصونة جيداً.

في الدولة ذات الرأس الواحد، كالدولة السورية، يبدو العدو واضحاً، ولا يمكن لمسؤولٍ أن يتنصل من مسؤوليته تجاه المتظاهرين المطالبين بالتغيير، إلا بأن يقطع علاقته مع النظام بصورة تامة، ويتحوّل بالتالي إلى عدو للنظام. هنا تكون العلاقة بسيطة وواضحة بين النظام السياسي والثائرين عليه، علاقة عداء متبادل. بدلاً من الشعار اللبناني الذي يؤكّد على مسؤولية الجميع، كان المتظاهرون السوريون يؤكّدون على إسقاط الرأس، بشار الأسد، فيما يرد النظام بالتأكيد القاطع على صيانة رأس النظام إلى حدود تأليهه. في حين أن التركيز في المظاهرات اللبنانية على "رحيل ميشال عون" وحرق صوره هو تقليد أعمى للسوريين، ودليل على ابتعاد المتظاهرين اللبنانيين عن فهم جوهر نظامهم السياسي. هذا لأن النظام السياسي اللبناني أقوى من رئيس الدولة، وقد أمكن لهذا النظام أن يعيش سنوات بدون رئيس (سنوات الفراغ الرئاسي)، أما في سورية فإن الرئيس يشكل مركز ثقل النظام وعقدة تماسكه.

في النظام السياسي اللبناني، حيث الدولة موزّعة بين قوى طائفية تشكل كل منها "دولتها" 

"الدولة موزّعة بين قوى طائفية تشكل كل منها "دولتها" الخاصة"الخاصة، تبدو العلاقات أقوى من الفاعلين، بما في ذلك "الرؤساء الثلاثة". القاعدة السياسية للنظام اللبناني واسعة باتساع القوى التي تتوازع سلطات الدولة. ولذلك، النظام يمكنه أن يسير وأن يعيد ترميم نفسه وترميم رئاساته. صحيحٌ أن هذا النظام متعدّد الركائز ومتعدّد الرؤوس ينتج دولةً ضعيفة، ولكنه في المقابل يتمتع بقدرة كبيرة على مقاومة التغيير الجذري، نقصد التغيير الذي يخرج بلبنان من وهدة الطائفية السياسية. الحال ليس كذلك في النظام السوري، حيث يستمد النظام استقراره من السلطة المطلقة للرئيس، هذه السلطة التي يمكن لغيابها أن يعطّل آلية النظام ويهدّده بالانهيار. النظام السوري لا يتحمل وجود فراغ رئاسي كما يتحمل النظام اللبناني، ولذلك رأينا كيف اندفع فاعلو النظام سريعاً إلى تأمين الرئاسة بعد وفاة حافظ الأسد.

كان يمكن للمرء أن يأمل بوجود فضيلة للنظام السياسي اللبناني متعدّد الرؤوس، تتمثل في الدور الرقابي الذي يمكن أن تمارسه القوى على أداء الدولة، وأن يشكل صراع القوى وتنافسها رقابة متبادلة على بعضها بعضا، وأن ينتج عن هذا النمط من العلاقة نوع خاص من "مجتمع مدني" لصيق بالدولة يحميها من الفساد غير أن النظام اللبناني عرض نوعاً من التواطؤ المتبادل بين القوى بالأحرى، وأحال هذا التواطؤ فاعلية كل الحريات المتوفرة في لبنان إلى ما يقارب الصفر، وأحال الدولة اللبنانية إلى بؤرة فساد عز نظيرها، من دون أن تتمكّن الدولة اللبنانية، طوال تاريخها، من محاسبة فاسد واحد. هناك كلامٌ عن أن قانون الإثراء غير المشروع لم يستعمل ولو مرة واحدة منذ إقراره عام 1952.

تركيبة النظام اللبناني تجعل من المستبعد أن يتعرّض المتظاهرون اللبنانيون إلى قمع "دولتي"، كالذي تعرّض له أشقاؤهم السوريون. القمع الذي يمكن أن يتعرّض له المتظاهرون اللبنانيون يمكن أن يكون طائفياً على شاكلة التركيبة اللبنانية نفسها، وعلى يد قوى طائفية تمتلك القوة على القمع، وذلك حين تتهدّد الزعامات الفردية. ويمكن أن نشهد، إذا استمرّت المظاهرات وتوسعت، بروز "شارع ضد شارع"، لتشتيت الطاقة وإدخال الحراك في مساحاتٍ سياسية ضيقة. وقد يكون حزب الله الجهة الأكثر قدرة على تفعيل هذا المسار، بالاستناد إلى أسطورة "العدو والمقاومة".

لن يكون "إسقاط النظام" في لبنان أسهل منه في سورية، على الرغم من الفرق الكبير في التضحيات والخسائر المترتبة على المحاولة هنا وهناك. تأتي الصعوبة في سورية من انعدام مرونة النظام، ما يجعله يرتد بأقسى ما يمكنه ضد أي محاولة تغيير، فيما تأتي الصعوبة في لبنان، على عكس ذلك، من مرونة النظام وقدرته على امتصاص محاولات التغيير، وجعلها بلا قيمة. على هذا، ستكون الخسائر اللبنانية أقل بكثير منها في سورية، من دون أن يؤثر هذا على النتيجة المباشرة هنا وهناك.

===========================


الدرس اللبناني

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 26/10/2019

لم تنجح الحلول السياسية والعسكرية للقضية اللبنانية التي شغلت العالم في السبعينيات من القرن الماضي، بالوصول إلى حالة الاستقرار والبناء المعافى من فتن الطائفية. كان التدخل السوري تحت شعار قوات الردع، يعتمد القوة العسكرية التي تمكنت من فض الاشتباك، لكنها لم تقض على أسبابه، فبقيت النفوس محتقنة، ولاسيما بعد أن فقد اللبنانيون قرارهم الوطني، ولم تتمكن الطبقة السياسية التقليدية الحاكمة، بعد اتفاق الطائف، من الوصول إلى لبنان جديد يستفيد من درس السبعينيات القاسي، الذي أدخل الشعب اللبناني في حرب طاحنة دمرت البلد، وهجّرت نصف الشعب. وما أخشاه لاحقاً أن يكرر السوريون هذا الخطأ فلا يستفيدون من الدرس السوري الراهن بعد انتهاء مأساتهم، وأن تستمر الأسباب التي أدت إلى المأساة الكبرى قادرة على بدء مأساة جديدة.

لقد كان ارتهان القرار اللبناني للخارج سبباً في إبقاء الصاعق الكامن قيد الانفجار، وهذا الصاعق هو الطائفية السياسية التي أنهكت لبنان، وهي الداء البغيض الذي يهدد سوريا أيضاً، وقادة العالم يعرفون جيداً أن الصراعات الطائفية هي مكمن الضعف في الوطن العربي، ولهذا جاء التوصيف الأول للحكم المنشود حلاً للقضية السورية من الأمم المتحدة، هو قيام حكم غير طائفي.

وهذه الوصفة التي يعرف الجميع أنها العلاج لكل القضايا التي تقود إلى الانهيار هي ما يحتاجه لبنان، وهي ما ينادي به الشعب اللبناني اليوم في تظاهراته الوطنية التي ملأت الساحات في كل مناطق لبنان وشاركت فيها كل أطيافه.

إنها لحظة تاريخية مهمة ينبغي أن يفيد منها القادة السياسيون الوطنيون الذين ينبغي أن يظهروا من قاع الشعب ومن هدير شعاراته الوطنية، للتخلص النهائي من هذا المرض التاريخي الذي أنهك بلاد الشام تاريخياً، وقد عانت منه أمم شتى، وتسبب في حروب مدمرة، لكن كثيراً من هذه الأمم في أوروبا وأميركا وسواهما، تمكنوا من السمو والارتقاء فوق المصالح الضيقة والانتماءات الصغيرة، وانتهوا من أسباب التمزق الاجتماعي، دينيةً كانت أم مذهبيةً أم عرقيةً، وباتت المواطنة وحدها هي أساس العقد الاجتماعي، وصار القانون وحده المرجعية التي تحقق العدل والمساواة بين المواطنين.

ويبدو أن الحل الوحيد أمام الشعب العربي، كي يواجه أعداءه، هو ترسيخ التسامح بين أطيافه، وهنا أجد اهتمام دولة الإمارات بجعل (التسامح) شعاراً مبدئياً، منهجاً أخلاقياً ينبغي أن تمارسه كل الشعوب التي تفتك فيها عوامل ونزعات التمزق والتفرق والتشتت، وطريق هذا التسامح هو الاعتراف المتبادل بكل الخصوصيات الدينية والثقافية والفكرية، وليس تجاهلها أو إلغاءها فهذا غير ممكن، وقد شهدنا في تسعينيات القرن الماضي ظهور (العولمة)، التي سعت إلى دمج الثقافات والمجتمعات عبر روابط اقتصادية وتجمعات سياسية وحلم (فوكوياما) بأن التاريخ انتهى بالانتصار النهائي للرأسمالية، وظن مفكرون كثر أن عصر الحروب سينتهي، لكن التاريخ فرض حركته على الجميع، فشهدت البشرية من الحروب في مطلع القرن الحادي والعشرين سلسلة لا تنتهي من الصراعات، واستيقظت الإثنيات في مناطق عديدة تبحث عن خصوصياتها، ولم يكن الحوار بالأفكار سبيل الوصول إلى الحقوق، وإنما صار حواراً بالأسلحة المدمرة.

ونحن في حالتنا العربية الكارثية أشد الأمم حاجة إلى التسامح، ولتجاوز كوارث التاريخ ومآسيه، لبناء مستقبل آمن عماده المواطنة، وأدعو الله أن يتمكن شعبنا العربي في كل مناطق التوتر والصراع من الارتقاء المطلق فوق الطائفية، والبحث عن عقد اجتماعي جديد.

* وزير الثقافة السوري السابق

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com