العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد  03-10-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الجريمة والمجرمون والشهود

الاحد 26/9/2021

فايز سارة

الشرق الاوسط

تمثل مساعي السوريين للسفر خارج سوريا واحدة من أبرز الظواهر في مناطق سيطرة نظام الأسد، وبين أبرز مؤشرات الظاهرة، كثافة المراجعين في مديريات الهجرة والجوازات للحصول على جوازات سفر أو تجديد القديم منها، والضغط الكثيف على خطوط الطيران السورية، وبخاصة شركة «أجنحة الشام»، التي تعد الناقل الجوي الرئيسي الذي يربط دمشق ببعض المدن والعواصم العربية والأجنبية، وثمة كثافة كبيرة على خطوط السفر البري إلى لبنان بوصفه بوابة سفر السوريين نحو العالم الخارجي، وتكثفت في الأشهر الأخيرة حركة سفر المقيمين في مناطق سيطرة النظام باتجاه مناطق سيطرة قوات «قسد» في شرق الفرات، إضافةً إلى التوجه نحو مناطق شمال الغرب، التي تسيطر عليها تركيا والتشكيلات الإسلامية قرب بوابات السفر إلى تركيا وبخاصة من مناطق حلب وحماة. ويرتبط اتساع ظاهرة سفر السوريين مع تدهور الأوضاع المعاشية في مناطق سيطرة النظام بعد انهيار قيمة العملة السورية مقابل العملات الدولية وما جرّه ذلك من ارتفاعات هائلة في أسعار السلع والخدمات، وفقدان كثير من البضائع والسلع بما فيها سلع أساسية، بالتوازي مع اختلالات نظام الإدارة، وتعميم الفساد والخاوات إلى جانب الضغوط الأمنية وما يرافقها من عمليات ابتزاز، وكله يترافق مع غياب حكومي في معالجة أي قضية أو مشكلة. بل إن ثمة قناعات تتزايد لدى غالبية المقيمين في مناطق سيطرة النظام، أن تفاقم المشكلات وبخاصة المشكلات المعاشية هو سياسة رسمية، يتم تنفيذها، بهدف تطفيش ما أمكن من السوريين سواء للخارج أو إلى مناطق سيطرة قوات «قسد» في شرق الفرات، أو المناطق التي تتشارك السيطرة فيها تركيا مع تشكيلات مسلحة أغلبها من الجماعات الإسلامية.

وللحق فإن ما يتم تنفيذه من سياسات النظام في مفاقمة الأوضاع المعاشية، هو سلوك مقصود، ويمثل سياسة رسمية بين أهدافها غير المعلنة، تهجير مزيد من السوريين ودفعهم إلى مصائر مجهولة، يتشاركون مسؤوليتها في أماكن إقامتهم الجديدة، وينشغلون بأوضاعهم بدل أن يكونوا تحت مسؤولية النظام، وأن يقوموا بمعارضته أو انتقاده حتى من أجل سياسات أفضل.

ومنذ عام 2012 جرى إدخال عامل جديد على سياسة النظام في التهجير، حيث جرى تعزيزها بعمليات تغيير ديمغرافي، وتمت عمليات إحلال سكان جدد مكان السكان الأصليين في كثير من المدن والقرى، وكان من أولى الخطوات في هذا السياق، ما حدث في مدن وقرى مثل القصير في ريف حمص ويبرود في ريف دمشق، وقد وُضعت تحت تصرف ميليشيات «حزب الله» اللبناني، وصارت مدينة السيدة زينب وما يحيط بها من قرى وبلدات تحت تصرف الميليشيات العراقية والإيرانية والأفغانية، وجرى تحويل تلك المدن والقرى إلى تجمعات سكنية للوافدين وعائلاتهم من جهة، ومراكز تدريب وقواعد ميليشياتهم من جهة أخرى.

وثمة تطور خاص طرأ على سياسة التغيير الديمغرافي عام 2017 في إطلاق عمليات تبادل سكاني بين قرى شيعية في إدلب وأخرى سنية في وادي بردى غرب دمشق، وهي الحالة التي تمثلها اتفاقية البلدات الأربعة، التي شاركت فيها أطراف إقليمية بينها إيران إلى جانب ميليشيات بينها «حزب الله» اللبناني وتنظيمات إسلامية مسلحة متطرفة منها هيئة تحرير الشام، ولم يُسمح لهذه التجربة بأن تتكرر بفعل محتوى الاتفاقية، وما جرى حولها من تعتيم واتهامات، وسط اعتراضات ورفض شعبي واسع في سوريا.

ومما لا شك فيه، أن سياسات نظام الأسد وحلفائه في عمليات التهجير والتغيير الديمغرافي، التي جرت في القرى والمدن الصغرى مثل القصير ويبرود والسيدة زينب، كان من الصعب تكرارها أو استنساخها في المدن الكبرى ومنها دمشق وحلب واللاذقية وغيرها، مما فرض إجراء تغييرات في تلك السياسات من حيث شكلها ومساراتها، لكن مع الحفاظ على جوهر أهدافها في الدمج بين تهجير ما أمكن من سكان المدن الكبرى والقيام بتغيير ديمغرافي في سكانها، وهو ما تكرسه سياسات نظام الأسد اليوم في مناطق سيطرتها بصورة واضحة.

ففي عموم هذه المناطق، وكما سبقت الإشارة يجري تضييقٌ معاشيٌّ على السكان، ودفعهم للمغادرة، التي تبدو مخرجاً مؤقتاً من المعاناة، ثم تتحول لاحقاً إلى تهجير وهجرة وتوطين في الخارج بفعل عوامل متعددة، ويتوازى معها تغيير ديمغرافي مؤلف من شقين، يقوم بهما الإيرانيون خصوصاً، الأول هو جلب وافدين وإحلالهم في هذه المدن، والآخر توسيع عمليات التشييع في تلك المدن، وهو تشييع يتجاوز الطابع المذهبي ليأخذ طابعاً له أبعاد أمنية وعسكرية، ثم اقتصادية واجتماعية وثقافية، يصعب إعادة تفكيكها مع مرور الوقت.

إن الحالة على نحو ما تظهر عليه من تعقيد وخطورة، تحتاج إلى وقفة جدية، ليس من جانب السوريين فقط، وهذا أمر طبيعي، بل من المحيط الإقليمي والدولي الذي يعاني من النتائج الكارثية لتهجير السوريين، وهي أكبر عملية تهجير في العالم، وسوف نرى لاحقاً ما هو أشد في كارثة التغيير الديمغرافي العميق، بما فيها ولها من تأثيرات خطيرة على مستقبل الشرق الأوسط كله وعلاقاته بالعالم. وحتى يكون الأمر أكثر وضوحاً، فإن آثار التهجير والتغيير الديمغرافي لا تخص البلدان العربية أو بعضها، كما يمكن للبعض أن يفكر، بل ستصيب جميع دول المنطقة بما فيها تركيا وإيران ذاتها، إضافةً إلى الجوار والأبعد منه، لأنها سوف تفتح بوابة صراعات لن تنتهي على مدار عقود في وقت تحتاج المنطقة إلى مرحلة تهدئة، تسبق سلاماً عادلاً بين كل أطرافها، يكون مدخلاً لتعاون إقليمي - دولي من أجل مصلحة شعوب المنطقة والعالم. لقد آن لشهود الكارثة السورية، وما يحصل فيها من جرائم وبخاصة التهجير والتغيير الديمغرافي، أن يخرجوا عن صمتهم، ويتوقف المتواطئون عن تواطئهم، وأن يتحول الجميع إلى فاعلين في مواجهة جرائم، تتوفر كل عوامل وقفها ومعاقبة القائمين بها بأقل قدر من التكاليف، إذا قورنت بآثارها الراهنة فقط، وليس بآثارها المستقبلية المدمرة للمنطقة وقسم كبير من العالم.

=========================

وجهة نظر : هل من إيجابية في بقاء المجرم الرجيم على كرسي السلطة؟؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٣/ ١٠ / ٢٠٢١

في حوار جاد دار بيني وبين صاحب علم وفضل ..

قال: أي وجه للإيجابية للسوريين ان يبقى المجرم القاتل على كرسي السلطة؟؟ ودار حوار

وماذا كان سيحدث لو أن الذين يملكون استبداله استبدلوه فأزاحوه إلى الظل...وغاب وجريمته أو كثير منها عن أعين الناس وقلوبهم، بوصفه المجرم العتيد الذي قتل وهجر ودمر ..؟؟!! وأصبح وجريمته من الماضي، ومع أن الشعوب لا تنسى ، فإن أكثر الناس تصلي الحاضر !!

ثم ماذا كان سيحصل لو أن الذين يملكون خلعه أو استبداله استبدلوه بمثل "شهاب الدين" الذي هو أفعل من أخيه، وشغلوا الناس بهذا الاستبدال المقيت... وتمنوا به عليهم، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت؟؟!!!

كتبت بالأمس ما كل تغير أو تغيير يكون إيجابيا، والقول أنه لا أسوء من بشار الاسد يرد عليه الذين ترحموا على النباش الأول، قعر جهنم سبعون خريفا يتهاوى فيه المجرمون،  وكل أمة تدخلها تلعن أختها!!

إصرار أصحاب القرار على التمسك ببشار الأسد غارق في الحقارة والضغينة، ولكنه  في وجه له إيجابي ، هو أن المبالغة في الظلم والإذلال والإهانة وكسر إرادة الشعوب، طريقة من الطرق غير المباشرة في إنعاش جذوة الثورة فلا تموت...

وما كان أخنع لو جاءنا مثله في الشر والجريمة ولاستكمال طريقه ، وأن يقول قائل: رئيس جديد وواقع جديد، ودعونا نعطيه فرصة...وندخل في دوامة الجدل أكثر..

ودفعا لسوء الفهم، هذه ليست دعوة إلى بقاء الظالم المستبد حبيب الفناء عدو الحياة، بشار الاسد. وليس تجميلا لهذا البقاء. وإنما إلحاحا على أن أي إصلاح في سورية لا يكون ببقاء المجرم الأثيم وأن وجوده في ذاته سببا من أسباب استمرار الثورة وتسعير جذوتها.. وأن أي ثورة في حجم ثورة الشعب السوري لن تنطفي جذوتها  إلا بانتفاء عواملها.

وأن أي تغيير في سورية لا يكون بأيدينا لن يكون على مقاسنا- نحن السوريين- ولا هو في مصلحتنا ، ولن يقدم أي طرف مصلحتنا على مصلحته!!

والعمل على محور الجهد الأول في سورية هو عمل الجادين والقاصدين وما عداه " بضاعة مزجاة"

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

من روسيا إلى سوريّا ولبنان: حزب واحد بأحزاب كثيرة

حازم صاغية

الشرق الاوسط

الاحد 26/9/2021

حزب «روسيا الموحّدة»، حزب الرئيس فلاديمير بوتين، نال نصف أصوات المقترعين الروس. لكنّ النصف الآخر لم يذهب إلى المعارضة، أيّة معارضة. لقد تقاسمتْه أحزاب تؤيّد كلّها السيّد الرئيس. هي قد تعترض على تفصيل هنا، وعلى نقص في الكفاءة عند وزير هناك، أو على تزوير طفيف في قلم اقتراع، إلاّ أنّها كلّها مُجمعة على أنّ فلاديمير بوتين هو وحده من تتجسّد فيه كرامة روسيا وصمودها في وجه خارج مُعادٍ.

الروس الذين لا يرون هذا الرأي، كالمنشقّ أليكساي نافالني، مُنعوا، على الطريقة الإيرانيّة، من المشاركة في الانتخابات. ذاك أنّ روسيا بوتين، التي ترفض «فرض القيم الغربيّة» على غير الغربيّين، باتت لا تجد ما يغري بالتقليد إلاّ قيم إيران الخمينيّة.

مسخرةٌ لا تملك إلاّ أن تذكّر بمسخرة «الديمقراطيّة الشعبيّة» التي اخترعتها الشيوعيّة السوفياتيّة لتحطيم الديمقراطيّة، وفي الوقت ذاته السيطرة على الشعب في بلدان أوروبا الوسطى.

لكنّ مسخرة الانتخابات في روسيا لا تكتمل بغير مسخرة الأحزاب والإيديولوجيّات سواء بسواء. الأحزاب لم تعد تعبّر عن اختلافات في وجهات النظر وفي المصالح، وهذا تعريف الأحزاب. في المقابل، كلّها باتت متّفقة على الأساسيّات، وليس هناك اليوم ما هو أكثر أساسيّة من الاصطفاف وراء الرئيس، فيما التسميات الآيديولوجيّة لهذه الأحزاب المتوافقة تتباين تبايُن الشيوعيّ والقوميّ والديمقراطيّ والليبراليّ. الوصف إذاً لا يصف الموصوف. الكلام لا يعني ما يُفترض أن يعنيه. فلاديمير جيرينوفسكي سبق له منذ 1989 أن أسّس المسخرة، مُستبقاً ظهور بوتين، حين سمّى حزبه القوميّ المتطرّف «الحزب الروسيّ الديمقراطيّ الليبراليّ».

واقع الحال أنّ الذين تقاسموا أصوات الروس في الانتخابات التي أجريت قبل أيّام هم كلّهم حزب واحد برؤوس كثيرة، أو بأحزاب كثيرة. أمّا الحزب الخفيّ الواحد فحزب القوميّة الشعبويّة وزعيمه الأوحد هو بوتين. على هذا النحو فقط تغدو الديمقراطيّة شيئاً نابعاً من «قيمنا» ومن «أصالتنا» وسبباً للوحدة بدل أن تكون باعثاً على التجزئة والتناحر!

السوريّون واللبنانيّون من أكثر الشعوب التي تتفهّم النموذج الروسيّ هذا.

هذان البلدان ليسا مثلين حصريّين لكنّهما مثلان نافران: فيهما يصطفّ وراء الرئيس السوريّ بشّار الأسد قوميٌّ عربيّ بعثيّ أو ناصريّ، وقوميّ سوريّ، وشيوعيّ عمّاليّ، وإسلاميّ من أتباع حسن نصر الله. الكلّ «إخوة» و«رفاق»، لا فرق بين واحدهم والآخر إلاّ بدرجة الولاء للسيّد القائد وأجهزته. أمّا الدعم الروسيّ والإيرانيّ للأسد فيتكفّل بإزالة ما قد يتبقّى من شكّ حول وجوب هذه الرابطة الأخويّة الصلبة والفردوسيّة.

ولا بأس، حرصاً على الرابطة إيّاها، بتصحيح التواريخ المغلوطة تبعاً لجاهليّة حديثة: فلا القوميّين السوريّين اغتالوا الضابط البعثيّ عدنان المالكي، ولا القوميّين العرب قتلوا القياديّ الشيوعيّ فرج الله الحلو أو الضابط القوميّ السوريّ غسّان جديد، ولا أنصار «حزب الله» صفّوا المثقّفين الشيوعيّين حسين مروّة وحسن حمدان... القاتل هو دائماً الإمبرياليّة والصهيونيّة والضحايا ضحاياهما حصراً. مَن يقول عكس هذا إمّا مستشرق لعين أو دارس على المستشرقين.

هكذا يغدو الدفاع عن الأفكار والدفاع عن السياسة محكومين بالدفاع عن الصدق والحقيقة. يصحّ هذا في روسيا وإيران، كما في لبنان وسوريّا.

لقد شمل خلطُ المعاني والازدراء بها جميعاً تعريفَ اليمين واليسار، والمحافظة والليبراليّة، والتديّن والعلمانيّة... أمّا ممارسو الخلط فنجحوا في غزو بعض أعرق الديمقراطيّات. نجد هذا مثلاً في «اليساريّ» الفرنسيّ جان لوك ميلونشون، كما نجده في «اليمينيّة» الفرنسيّة مارين لوبين. ذاك أنّ الأولويّة لم تعد تطال الموقف من الأفكار والمصالح. إنّها تطال الموقف من الخارج، ومن الهويّة التي يقال أنّ هذا الخارج يتهدّدها. وهناك دائماً زعيم تهفو له القلوب، كبوتين أو الأسد، يُنصّب حامياً لتلك الهويّة في مواجهة الخارج الذي هو دائماً مطّاط: يتّسع للإمبرياليّة والصهيونيّة مثلما يتّسع للعولمة والشركات متعدّدة الجنسيّة، وللاجئين والمهاجرين، وللراغبين في الحرّيّة أو في الاستقلال على أنواعهم.

أمّا الرهان على أن يتصدّى حزبيّون لإنقاذ أحزابهم، ولإنقاذ الأفكار التي آمنوا بها حين انتسبوا إلى تلك الأحزاب من الأكاذيب اللاحقة بها، فرهان في غير محلّه. ذاك أنّ التطبّع على الكذب غلب الطبع، مستعيناً بشبكات مصالح صغرى، وبتورّط في الدم هنا وهناك، وطبعاً بحرص على إبقاء الجماعة الحزبيّة على قيد الحياة بعد زوال مبرّراتها.

وفي ظلّ هذا التزوير المتمادي للأحزاب كما للأفكار لن تكون النتيجة سوى موت النقاش العامّ وانتفاخ الركود الفكريّ والثقافيّ وانتشاره على مساحات بلدان بأكملها.

فحين يكون النموذج الروسيّ أو النموذج الإيرانيّ موضعَ التقليد والاتّباع، يصعب أن تنتهي الأمور إلى غير ما تنتهي إليه: صفرٌ ينطح صفراً.

=========================

على ضوء الحاضر السوري الكئيب

راتب شعبو

العربي الجديد

الخميس 30/9/2021

لأمد طويل، لن يملّ السوريون من استعادة قصتهم والتمعّن فيها، فيروا الماضي مجدّداً على ضوء الحاضر، كما نفعل الآن. الحاضر السوري الكئيب يدفع إلى استعادة القصة مرّة بعد مرّة .. لا يحتاج المرء اليوم إلى "تحليلاتٍ عميقة" كي يرى ما بات واقعاً مريراً في كل بقعة من سورية. لنذكر بعض المؤشرات مما وصلت إليه سورية اليوم.

قدرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، في تقرير صدر في سبتمبر/ أيلول 2020، الخسائر المباشرة وغير المباشرة لسورية بنحو 442 مليار دولار (للتذكير، كان الناتج المحلي الإجمالي لسورية عام 2010 حوالي 60 مليار دولار، أصبح في 2020 حوالي 16 مليارا). وتذكر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف)، في بيان أصدرته في مارس/ آذار 2021، أن 90% من الأطفال في سورية يحتاجون مساعدة إنسانية، وأكثر من نصف مليون طفل تحت سن الخامسة يعانون من التقزّم نتيجة سوء التغذية المزمن، مع تزايد كبير في حالات الانتحار بين الأطفال. وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يشكل السوريون اليوم أكبر مجموعة من اللاجئين في العالم، وصارت سورية ثالث أخطر بلد في العالم بعد أفغانستان واليمن، بحسب مؤشّر السلام العالمي لعام 2020. وتزداد اللوحة سواداً إذا أكملنا المؤشّرات في التعليم والصحة والفساد وعدد الضحايا والمعاقين... إلخ.

    تشمل المؤشّرات الكارثية كامل مناطق سورية، على اختلاف أيديولوجيات السلطات المسيطرة فيها، وعلى اختلاف قوى النفوذ الدولية

تشمل هذه المؤشّرات الكارثية كامل مناطق سورية، على اختلاف أيديولوجيات السلطات المسيطرة فيها، وعلى اختلاف قوى النفوذ الدولية. ولملاحظة شمولية الحال المأساوي للشعب السوري في كل مكان من سورية، يفيد الاطلاع على الدراسة التي صدرت في الشهر الأول من العام الحالي عن "مشروع التماسك والاستقرار المجتمعي" ومنتدى الاقتصاديين العرب، لمجموعة من الاستشاريين المستقلين والباحثين الميدانيين تحت إشراف سمير العيطة، بعنوان "الاقتصاد السياسي والتداعيات الاجتماعية في ثلاث مدن سورية، طرطوس وأعزاز والقامشلي"، بهدف سبر آليات معيشة السكان في خلال دراسة أحوال ثلاث مدن سورية متقاربة في الحجم والموقع (كلها حدودية) والظروف (بقيت بعيدة نسبياً عن الدمار)، وتخضع كل منها إلى سلطة مختلفة.

تبين الدراسة تشابه آليات "الاقتصاد السياسي" في المدن الثلاث التي تشكل كل منها منطقة نفوذ لدولة خارجية مختلفة، بدءاً من تداعي آليات الإنتاج فيها إلى سيطرة أمراء الحرب والتحوّل إلى "مهنة" القتال لتأمين المعيشة، إلى سيطرة السلع المستوردة الإيرانية والتركية... إلخ. الصادرات التركية إلى سورية لم تتراجع كثيراً عقب اندلاع الثورة السورية، واللافت أن ذروة الصادرات التركية إلى المناطق السورية خلال السنوات العشر المنصرمة كانت في 2014، في الفترة التي سيطر فيها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على جزءٍ كبير من الشمال السوري، فيما تراجعت كثيراً الصادرات السورية، وهذا مفهومٌ بسبب تراجع الإنتاج بما في ذلك الزراعي.

    انتهى الاصطفاف في العمق إلى تيارين سياسيين رئيسيين. يتلخص أحدهما في "المهم أن يرحل الأسد" والثاني في "المهم أن يبقى الأسد"

تبين الدراسة المذكورة تقطّع آليات التكامل الاقتصادي الإنتاجي بين المناطق، وأن لأمراء الحرب في المدن الثلاث نفوذ محلي فقط، لا يتجاوز المدينة ومحيطها، وأن الحاجات الاقتصادية الأساسية تفرض نوعاً من التواطؤ بين سلطات الأمر الواقع المسيطرة، لمصلحة احتكاراتٍ ذات صلة بالسطات، وأنه يجري استخدام الحاجات الأساسية من مياه وكهرباء ووقود .. إلخ، كسلاح ضغط بين هذه السلطات، والنتيجة دائماً هي مزيدٌ من البؤس للشرائح المفقرة من السوريين، ومزيد من تفكيك التواصل الاقتصادي السوري.

يمكن لطفلٍ أن يسأل: إذا كان هذا ما وصلنا إليه، على الرغم من اكتشاف النظام المؤامرة الكونية، والتصدّي لها والانتصار على المتآمرين، فماذا كان للمؤامرة أن تفعل ببلدنا أكثر؟ لم يكن ما وصلت إليه سورية اليوم من حال بائس وكارثي على الشعب، في كل مكان، خارج إطار التوقعات. على العكس، ارتفعت أصواتٌ كثيرة تحذّر مبكراً من أن المسار الذي تتخذه طغمة الأسد في معالجة خروج السوريين متظاهرين في الشوارع والساحات، سوف يقود بخط مستقيم إلى كارثة ٍعلى الشعب وعلى عموم البلاد.

لكن ظهرت أيضاً أصوات سورية كثيرة حينها، ليس فقط من داخل الآلة الإعلامية والأيديولوجية السياسية للنظام، دافعت، بصيغ صريحةٍ أو مواربة، عن الخيار القمعي، بناء على أن هناك استهداف للدولة السورية وليس للنظام، وأن هناك مؤامرة على البلاد، تقف وراءها قوى خارجية تستند إلى عملاء في الداخل. وتوفّر لدى بعض هذه الأصوات ما يكفي من "العقلانية" للقول: نعم مطالب المتظاهرين محقة وهناك عيوب كثيرة في النظام، وكثيرة جداً حتى، لكن لا ينبغي أن نسمح لمؤامرة أن تتستر بهذه العيوب. معالجة العيوب تبدأ بعد أن ندحر المؤامرة... من بين هذه الأصوات، أصوات لها تاريخ طويل في معارضة النظام، ودفعت، جرّاء ذلك، أثماناً باهظة، الأمر الذي عزّز هذا المنطق، فكان بمقدور هؤلاء أن يقولوا: حين كنا في السجون كان هؤلاء المتظاهرون يخرجون في مسيرات التأييد، وأن يضيفوا إن المعارضة شيء والاندراج في مؤامرة ضد البلاد شيء آخر.

    لم يكن ما وصلت إليه سورية اليوم من حال بائس وكارثي على الشعب، في كل مكان، خارج إطار التوقعات

مهما يكن الإطار السياسي (رهاب الإسلاميين مثلا) أو الإطار النفسي (رهاب التغيير مثلاً) لهذه الأصوات، فإنها ساهمت في تسهيل مهمة طغمة الأسد في تدمير الثورة (لم تعترف بها الأصوات المذكورة)، وتحويلها إلى صراع سلطاتٍ بدعم خارجي، وكان هذا مقدّمة للتدمير المستمر للبلاد.

منذ وقت مبكر بعد اندلاع الثورة السورية، انتهى الاصطفاف في العمق إلى تيارين سياسيين رئيسيين. يتلخص أحدهما في "المهم أن يرحل الأسد" والثاني في "المهم أن يبقى الأسد". لكل تيار أولوية أساسية تمتصّ ما دونها من تباينات، وتحيل المعركة إلى صراع وجود خال من السياسة. استقر المنطق البسيط التالي: يؤجّل كل شيء إلى ما بعد إسقاط النظام، أو يؤجل كل شيء إلى ما بعد إسقاط المؤامرة. ومنه خرجت النتيجة الكارثية التالية: يجوز فعل كل شيء لإسقاط المؤامرة، ويجوز فعل كل شيء لإسقاط النظام... ومن البديهي، والحال هذه، ألا يكون هناك أي حوار ممكن، وأن الحوارات التي فرضتها الإرادة الدولية كانت مجرّد شكل.

يبقى أنه لا يمكن مساواة مسؤولية نظام يمتلك كل قوة الدولة، ويمتلك (افتراضاً) المسؤولية السياسية والأخلاقية عن المجتمع الذي يحكمه، مع مسؤولية معارضين، مهما كانوا جذريين ضد النظام. هذا فضلاً عن أن ما أظهره نظام الأسد، طوال تاريخه، من سياسة إنكارية واحتكارية و"تأبيدية"، يكمن في أساس "تطرّف" المعارضين. الحق، مع ذلك، أن الجانب المعارض لم يكن موحّداً، وكان ثمّة كثيرون يريدون حلاً وسطاً، ولكن النظام ظل واحداً موحداً طوال الخط في رفض الحلول، وفي رمي معارضيه بالخيانة الوطنية، والحال إنه لا يمكن لكلمةٍ غير هذه أن تصف سياسة نظام أوصلت سورية إلى هذه الحال.

=========================

السوريون في ألمانيا بعد الانتخابات

سوسن جميل حسن

العربي الجديد

الاربعاء 29/9/2021

بعد ستة عشر عامًا من تبوّئها منصب المستشارة في ألمانيا، تغادر أنجيلا ميركل، تاركة وراءها تاريخًا سياسيًّا حافلًا ولافتًا في مفاصل عدة، في السياستين، الداخلية والخارجية، لبلادها، وهي كانت قد صرّحت مرات، وفي مناسبات عدة قبل هذا الموعد الانتخابي، بأنها لن تترشّح لفترة جديدة، ما يعتبر قرارًا حكيمًا من سيدة خاضت ميدان السياسة متدرّجة في المناصب والمسؤوليات، وصنعت تجربتها الخاصة التي تركت بصماتها على الحياة في بلادها، إذ حققت نجاحاتٍ على المستوى الاقتصادي بشكل ملموس، وكانت مجال اهتمام الرأي العام العالمي وقادة العالم وسياسييه أيضًا، بين منتقد ومؤيد لسياستها، من دون أن يؤثّر هذا على موقفهم منها، خصما أو صديقا. من المؤكد أنها تعرف متى تتنحّى، من دون أن يُطلب منها أن تتنحّى مثلما صرّحت مرّة: لم أولد مستشارة. إذ ما معنى أن يبقى الفرد في الحكم مدة طويلة في بلاد ديموقراطية؟ هذا لا يمكن أن يحدُث إلّا في الأنظمة الملكية، حيث يُورّث الحكم بموجب دستور البلاد، أو في الأنظمة الديكتاتورية التي تسطو فيها جهةٌ أو طرف ما على الحكم، ويستمر بالقوة إلى آماد مفتوحة من دون شرعيةٍ شعبيةٍ في الغالب.

    أصبحت قضية اللجوء إشكالية وخلافية فيما بين الائتلاف الحاكم والمعارضة، حتى ضمن الائتلاف الحاكم نفسه

تغادر أنجيلا ميركل بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 26 من سبتمبر/ أيلول الحالي، والتي تحدّد نتائجها من هو المستشار/ة المقبل/ة لألمانيا، الدولة التي استقبلت أكبر عدد من اللاجئين السوريين، وما زالت في البال الحدود التي فُتحت أمامهم في العام 2015، لتتدفق مئات آلاف منهم ممن كانوا عالقين خارج الحدود، مغلقة في وجوههم عدة بلدان أوروبية، كما لا يُنسى الاحتفاء الشعبي الذي قوبلوا به، وجهود المجتمع المدني المتضافرة مع جهود المؤسسات الحكومية لمساعدة اللاجئين، وفتح أبواب الاندماج أمامهم، وتقديم العون وفرص العمل والتعليم، عدا المساعدات التي تقدّمها الحكومة الألمانية عن طريق المؤسسات الاجتماعية. لم يستمر الحال بالزخم نفسه فيما بعد، لا شعبيًّا ولا حكوميًّا، وهذا حديثٌ آخر، إنما أصبحت قضية اللجوء إشكالية وخلافية فيما بين الائتلاف الحاكم والمعارضة، حتى ضمن الائتلاف الحاكم نفسه صارت تُطرح آراء واجتهادات في الأمر.

حضرت، في تصريحات المرشحين الثلاثة المتنافسين على خلافة ميركل، أرمين لاشيت عن الائتلاف الحاكم، أنالينا بيربوك عن حزب الخضر، وأولاف شولتس عن الحزب الاشتراكي الديموقراطي، قضية اللاجئين، بين مدافع عنهم، أو رافض أسوة بدول أوروبية عديدة بدأت منذ مدة العمل على استصدار قراراتٍ تنص على إعادة بعضهم باعتبار أن هناك مناطق من سورية أصبحت آمنة. وتجب الإشارة هنا إلى أن الأحزاب في ألمانيا تدخل في ائتلافٍ تكون له الأغلبية داخل البرلمان، وبالتالي تحظى المقترحات التي يقدّمها بالموافقة على الغالب. وبعد الانتخابات يظهر شكل الائتلاف الجديد أو تكوينه، وهذا سوف يحدث حراكًا ضمن البرلمان، وسجالًا في قضايا خلافية.

    بات واضحًا ميل الدول الغربية والعربية والإقليمية نحو التأسيس لمرحلة جديدة بالنسبة إلى سورية

بالاطلاع، في سجلّات التصويت داخل البرلمان الألماني (البوندستاغ) على مواقف المرشّحين الثلاثة، بالإضافة إلى المستشارة الحالية عن الهجرة، نرى تباينات في المواقف بين رافض ومؤيد ووسطي من هذه القضية، لكن المهم في الأمر أن ما يبرّر إعادة اللاجئين، فيما لو صدرت قراراتٌ تقضي بها، أن سورية صارت منطقة آمنة من وجهة نظرهم، فهل فعلًا سورية منطقة آمنة؟ وماذا ينتظر المدنيين في مناطق النزاع التي ما زالت تدور فيها المعارك، ويُحصد المدنيون، ومنهم أطفال بغارات الطيران الروسي؟ وماذا عن المهجّرين الذين تم ترحيلهم إليها نتيجة التسويات والمصالحة التي جرت في باقي المناطق، وصارت تحت سيطرة النظام؟ وماذا عن السوريين في مخيمات اللجوء في دول الجوار وفي الدول الأوروبية التي ستصل، في النهاية، إلى إجراءات متوافق عليها فيما بينهم حول هذا الأمر؟

هل هناك معايير متفق عليها عالميًّا وفي الهيئات الدولية المعنية بشأن مفهوم المناطق الآمنة؟ هل يكفي إيقاف العمليات الحربية في دول انهارت مجتمعاتها ومؤسساتها وتحتاج عقودا من العمل الجاد من أجل النهوض وإعادة الإعمار، على مستوى البنى الاجتماعية والعمرانية والدولة، لنقول إنها مناطق آمنة؟ بل السؤال الأهم: هل ستتغير سياسة النظام في إدارة الحياة والهيمنة على المجال العام؟ وهل سيحصل السوريون على قليل من هامش الحرية في الرأي والتعبير، أم سيبقى سيف كمّ الأفواه والمحاسبة مسلّطًا على رقابهم وكأن شيئًا لم يحدث، والسنوات الدامية التي مرّت على سورية فدمّرت مدنها وبنيانها وهجّرت أهلها، ليست إلّا مزحة سخيفة في مصير الشعوب؟ ثم أين الأمان إذا كانت غالبية الشعب، أو ما يفوق التسعين بالمئة منه، يعيشون تحت خط الفقر، يعانون من أزمات حياتية لا توصف، يجوعون إلى رغيف الخبز، ولا تتوفر مقومات الحياة بحدّها الأدنى اللازم للحياة الإنسانية، عدا الانفلات الأمني المرشّح للتفاقم بعد صمت المدافع ونضوب التمويل للمليشيات والفصائل المدعومة خارجيًّا، واصطدام عناصرها بواقع اقتصادي، قاتل، بينما لا يجيدون غير حمل السلاح، والواقع يفتقر إلى فرص العمل أيضًا، إذا ما وضعنا جانبًا ما خلّفته الحرب والتجييش الطائفي والعنف من ثأريةٍ لدى شريحة واسعة من السوريين؟

    الشعور بالقلق الوجودي لدى الشعوب سوف ينمّي النزعة العنصرية المتعصّبة تجاه المهاجر أو اللاجئ

بات واضحًا ميل الدول الغربية والعربية والإقليمية نحو التأسيس لمرحلة جديدة بالنسبة إلى سورية، وفتح أبواب على النظام، وترتيب المراحل المقبلة، من دون أي ضمانات للشعب الممزّق المشتت في الداخل والخارج، ومن دون أن تكون مصالحه الهدف الأول. هي السياسة في النتيجة، وسعي كل دولة إلى تأمين مصالحها، وإعادة النظر في أدائها السابق. ولا شك في أن العالم صار أكثر ارتباكًا في العامين الماضيين، بما أحدثه وباء كوفيد 19 من ارتجاجاتٍ دفع النظام العالمي إلى إعادة التفكير في أدائه وكيفية الخروج منه، وهذا أثر أيضًا على المزاج الشعبي والرأي العام في بلدان عديدة، ما نجم عنه من فقدان فرص عمل وجنوح الحياة نحو أشكالٍ أخرى تراجعت فيها بعض الأنشطة والوظائف الاجتماعية، في ظل تغيّر أنظمة التشغيل، هذا الشعور بالقلق الوجودي لدى الشعوب سوف ينمّي النزعة العنصرية المتعصّبة تجاه المهاجر أو اللاجئ، وسوف تستغل هذه النقطة الأحزاب اليمينية، وتوسّع قاعدتها الشعبية، ما سوف يكسبها مزيدًا من الزخم والدعم. لذلك من الطبيعي أن ينتاب السوريين اللاجئين قلق وخوف من المستقبل، مما تخبّئ السياسة وحكومات الدول من قرارات ومفاجآت، ومنها ألمانيا التي تضم أكبر شريحةٍ لاجئةٍ من السوريين، قسم كبير منهم لم يحصلوا على اللجوء، إنما حصلوا على الحماية الإنسانية، وهذا يعني أن إمكانية ترحيلهم أقل تعقيدًا بالنسبة لدول اللجوء من البقية، فأين سيعود هؤلاء، لو فعلًا تم تفعيل قرارات من هذا النوع؟ أين بيوتهم؟ أين حقوقهم؟ أين فرص العمل التي تنتظرهم، أو تنتظر أبناءهم؟ بل الواقع أكثر سوداوية، بحسب لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة التي تقول إن تصاعد العنف في سورية، إلى جانب انهيار اقتصادها، يجعل الآفاق أكثر قتامة بالنسبة إلى المدنيين.

تعقّدت قضايا السوريين وتشابكت، وطاول نفوسَهم اليأس، ودقّت الأسافين بين مكوناتهم، وتُركوا وحيدين، من دون أصدقاء، بعدما لعبت كل الأطراف الضالعة بالحرب بأحلامهم وحياتهم ومصائرهم، وبعدما خذلتهم كل القيادات التي نصّبت نفسها ممثلة لهم، فهل من بارقة أمل بأن تنبثق من هذا الواقع شخصياتٌ لها برنامج ورؤية وانتماء لقضايا الشعب، ونزاهة عقل وضمير، تجتمع وتتلاقى على أهدافٍ تحقق لهذا الشعب إمكانية النهوض وبناء وطن من جديد؟ هل يمكن أن تتوفر هذه الشخصيات وتعرف كيف تشتغل سياسةً تخدم مصالح الشعب، سواء في الداخل أم الخارج، وتنسق مع دول اللجوء أيضًا بشأن مصير السوريين المقيمين فيها، ما دام أن سياسات هذه الدول، خصوصا الغربية تقرّرها الحكومات المنتخبة، وهي ليست كتبًا منزلة أو أبدية؟

=========================

دولة التهريب .. دولة حزب الله

سعد كيوان

العربي الجديد

الاثنين27/9/2021

قوافل من الصهاريج تعبر الحدود والمعابر السورية - اللبنانية غير الشرعية، قادمة من مرفأ بانياس السوري، محمّلة بالمازوت الذي رفعه حزب الله إلى منزلة أهم من منزلة الخبز بالنسبة للناس، وبمثابة "نصر إلهي"، فخرج الأهالي لملاقاة المازوت، المادّة السوداء السحرية، على وقع الأهازيج والزغاريد وإطلاق النار احتفاء في شوارع بعلبك، وهتافا بـ"حياة السيد" (حسن نصر الله). صهاريج تعبر بطريقة غير شرعية، ولا من يراقب ولا من يحاسب، علما أن زعيم حزب الله كان قد أعلن قبل أشهر عزمه على استقدام بواخر إيرانية محمّلة بالمحروقات إلى لبنان للتعويض عن النقص الحاصل في الأسواق المحلية. ومع ذلك، عبرت الصهاريج مظفرة في ظل صمت الدولة المطبق، وتحت أقواس النصر، فيما لم يتردّد رئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، الذي دخل القصر الحكومي، قبل أيام، مظفرا وحائزا دعم حزب الله وثقته، في الاعتراف بأن عملية دخول الصهاريج "تشكل انتهاكا للسيادة اللبنانية"، ولكنه اكتفى، في الوقت نفسه، بالقول "أنا حزين"، وأسوأ من ذلك تنصّل من المسؤولية، مؤكّدا أن "لا علاقة للحكومة بالأمر"! فهل هذا اعترافٌ بالعجز أم أنه غض نظر عن طرفٍ لم يكن ممكنا لحكومة ميقاتي أن تبصر النور لو لم يمنح الضوء الأخضر لولادتها.. فيما رئيس الجمهورية، المؤتمن الذي أقسم يمين الحفاظ على السيادة بحسب الدستور، التزم الصمت، وكذلك فعل رئيس المجلس النيابي والنواب، وكأن الأمر لا يعنيهم.

 

    غموض يكتنف عمليةٍ هي أقرب إلى بوليسية فولكلورية

 

والأطرف أن النواب، في لحظة انعقاد الجلسة النيابية للتصويت على الثقة بالحكومة، اكتشفوا أن لا كهرباء في القاعة، بسبب نقص في المازوت وتوقف المولّدات عن العمل، فأنجدهم تدخل أحد نواب حزب الله، الذي أعلن أنه اتصل بالمحطة التابعة للحزب التي أمنت على الفور المازوت الإيراني لإنارة القاعة، ولكن متحدثا باسم الحكومة نفى هذا الأمر، خوفا من أن يعتبر خرقا للعقوبات المفروضة على إيران. والأنكى أن نصر الله يمعن في التحدّي، معلنا أن حزبه قد كسر الحصار المفروض من الولايات المتحدة، علما أن لبنان غير خاضع لأي حصار أو عقوبات، فقد قدّمت واشنطن، الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، 48 مليون دولار مساعدة للجيش اللبناني، والمساعدات الإنسانية تصل من مختلف الجهات الدولية والأوروبية، كما أن مصر والأردن قد قرّرتا، أخيرا، تزويد لبنان بالكهرباء والغاز عبر خط أنابيب تغذية يمتد من مصر عبر الأردن وسورية إلى لبنان، على الرغم من العقوبات المفروضة على النظام السوري. ومما يزيد في غرابة هذا التصرّف الأشبه بالعرض المسرحي الهزلي أن نصر الله كان قد عظّم من شأن استقدام البواخر الإيرانية، محاولا تصويرها كأنها من أهم (وأشرس) المعارك البحرية التي تُخاض ضد الإمبريالية في عرض البحر الأحمر، وأكثرها جرأة وتحدّيا للعقوبات التي تفرضها أميركا على إيران، وأرعب، في الوقت نفسه، السلطة اللبنانية محذّرا من تسوّله نفسه محاولة منع البواخر الإيرانية من دخول المرافئ اللبنانية وتفريغ حمولتها. ولكن هذا التهديد الذي يمارسه نصر الله بكل أريحية، وهو أساسا يعرف أنه لن يجد من يقف في وجهه، ما هو إلا أسلوب ووسيلة يلجأ إليهما باستمرار لتعبئة جمهوره المسكين المتعلق بحبال الهواء وشحنه، وبأي خيط أملٍ بين من ينتشله من مستنقع معاناته اليومية وسراب الحلول. وعلى الرغم من كل هذه التهديدات والعنتريات والشحن الجماهيري والنفسي، فان البواخر التي أعلن أمين عام حزب الله عن إقلاعها من إيران منذ نحو شهر، وتوجّهها إلى الشواطئ اللبنانية لم يظهر لها أي أثر في المياه اللبنانية، فهل فضل نصر الله عدم استفزاز الولايات المتحدة، في وقت تسعى فيه طهران إلى إعادة إطلاق عجلة المفاوضات معها في فيينا؟ وفجأة قيل إن البواخر وصلت إلى مرفأ بانياس السوري، حيث راحت تُفرغ حمولتها في صهاريج أفاد نصر الله نفسه بأنها تقدمة من حليفه بشار الأسد، وبدأت منذ منتصف الأسبوع الماضي تعبر الحدود إلى الداخل اللبناني.

 

    كلفت عملية التهريب المنظمة للمحروقات من لبنان إلى سورية في السنة الماضية ضعفي ما كان يتطلّبه الاستهلاك المحلي

 

اللافت أنه لم يُنشر أي تقرير مصوّر في أي وسيلة إعلامية، لا محلية ولا عربية أو أجنبية، عن عبور البواخر الإيرانية البحر الأحمر أو قناة السويس أو عن وصولها إلى مرفأ بانياس، ولا حتى مجرد فيديو يظهر واحدةً من هذه البواخر في عرض البحر؟! وقد علق أحد الظرفاء سليطي اللسان قائلا: "إن حزب الله يعيد شحن ما هرّبه من مادتي المازوت والبنزين إلى سورية في السنتين الأخيرتين، بعدما اشتد عليها الحصار، بموجب قانون قيصر الذي أقره الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب...". بغض النظر عن هذا الغموض الذي يكتنف عمليةٍ هي أقرب إلى بوليسية فولكلورية، وبغض النظر عن لعبٍ بأعصاب الناس، فإن مسألة التهريب أصبحت من الموارد الأساسية التي يرتكز عليها حزب الله في مصادر تمويله، منذ اشتدّ الحصار على إيران وبدأ التمويل يشحّ. ففي وقتٍ كان النظام السوري يزوّد بهذه المواد النفطية وغيرها من المنتوجات الغذائية، وكذلك الدولار من الأسواق اللبنانية، كان هذا التهريب يشكل مصدر رزق لكثيرين من مسؤوليه ومناصريه على مدى السنتين الماضيتين، وبالأخص بعد انهيار الليرة اللبنانية والتدهور الاقتصادي والمعيشي، والانكماش الذي أصاب البلد بعد انتشار وباء كوورنا في بداية عام 2020. وكان هذا التهريب مبرمجا وممنهجا ومنظما بشكل دقيق ومدروس سياسيا وماليا ولوجستيا، وأيضا أمنيا بالاستناد إلى النفوذ الذي بات لحزب الله داخل المؤسسات الأمنية التي كان بعضها يغضّ النظر هنا وهناك. وقد كلفت عملية التهريب المنظمة للمحروقات إلى سورية خلال السنة الماضية ضعفي ما كان يتطلّبه عادة الاستهلاك المحلي، إذ تخطت الكلفة سبعة مليارات دولار في السنة بدلا من نحو أربعة مليارات. كما أن تهريب حزب الله وتجارته في المحروقات كانت مزدهرة في السوق المحلية، فقد تم ضبط آلاف الأطنان من البنزين في مخازن عائدة لمسؤولين في الحزب في الفترة التي بدأ ينقطع فيها البنزين والمازوت لدى محطّات توزيع الوقود وبيعه. ومارست هذه التجارة غير الشرعية قوى سياسية لبنانية أخرى ومراكز قوى ومهرّبون كبار من مختلف الانتماءات والحسابات والمصالح. إلا أن ما يثير الاستغراب والاستهجان أكثر فأكثر أن حزب الله ليس فقط يجاهر بما يمارس، ويجد له كل الحجج والذرائع الممكنة، وبطبيعة الحال، التفاسير الشرعية، وإنما في ما يخصّ التهريب رفعه إلى مصاف الوسائل المقدسة، إذ لم يجد أحد مشايخ الحزب حرجا في القول، من على منبر إحدى الشاشات، إن "التهريب وسيلة من وسائل العمل المقاوم"!

 

=========================

 صورة اللحظة الأخيرة قبل اجتماع سوتشي

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 30/9/2021

سيكون اجتماع القمة، في سوتشي، بين الرئيسين الروسي والتركي، بوتين وأردوغان، قد انتهت حين تنشر هذه المقالة. لكن الأحداث والتصريحات السابقة على انعقادها يمكن أن تعطينا إشارات كافية عن مضامينها والتوافقات التي قد تنتهي إليها. وعلى رغم كثرة العناوين الخلافية بين البلدين التي يعول على حلها خلال المباحثات، يبرز موضوعان أساسيان في حاجة إلى توافقات عاجلة، هما التصعيد الروسي في إدلب وجوارها، والاحتياجات التركية من الغاز الروسي.

كان الجديد في التصعيد العسكري الروسي في منطقة «خفض التصعيد» في محافظة إدلب وجوارها، هو قصف الطيران الروسي، للمرة الأولى، مواقع لـ«الجبهة الوطنية للتحرير» التابعة لتركيا في ريف عفرين الجنوبي، أي خارج محافظة إدلب التي اعتادت روسيا ونظام بشار على قصفها. هذا التوسع الروسي في الأهداف العسكرية، إضافة إلى التصعيد في محافظة إدلب نفسها، لا بد أن يحتل الأولوية الملحة على جدول أعمال قمة سوتشي، من وجهة نظر الجانب التركي.

قيل ويقال كثيراً بشأن هذا التصعيد، على أنه «رسائل» موجهة من بوتين إلى أردوغان. والحال أنها تتجاوز هذا التوصيف لتشكل مادة للابتزاز. إذ سيضيف الرئيس التركي، بعد هذا التصعيد، إلى مطالبه العادية مطلباً ملحاً هو وقف هذا التصعيد، فيطالبه بوتين بمقابل. بل إن المطالب «العادية» قد تنسحب من طاولة المباحثات لمصلحة هذا الطلب العاجل، فيكون هم أردوغان الوحيد هو المطالبة بـ«كف البلاء» الروسي! هذه هي الطريقة البوتينية في ابتزاز محاوريه.

ولكن لماذا يشكل وقف التصعيد مطلباً ملحاً بالنسبة لتركيا؟

لأن إدلب وجوارها التي تنتشر فيها نقاط المراقبة العسكرية التركية، ناهيكم عن مناطق سيطرة القوات التركية كعفرين وريف حلب الشمالي، قد تحولت، في غضون السنوات السابقة، من ميزة لتركيا إلى «بطنها الرخو» تحت رحمة الطيران الروسي. ففي شباط 2020، قتل هذا الطيران 33 جندياً من القوات التركية في ريف إدلب، وإن كانت تركيا اتهمت، وقتها، طيران نظام بشار بتلك العملية. فطيران النظام لا يمكنه أن يفعل شيئاً إلا بقرار روسي. بعد شهر على تلك الحادثة توصلت أنقرة وموسكو إلى اتفاق التهدئة الجديد الساري المفعول إلى اليوم. يبدو أن بوتين قد قرر انتهاء العمر الافتراضي لاتفاقية آذار 2020، وما التصعيد الأخير إلا تعبيراً عن الحاجة إلى اتفاق جديد، من وجهة النظر الروسية، يتسق مع التغيرات التي جرت منذ ذلك الوقت.

 

    كان لافتاً كلام بوتين الموجه لبشار الأسد، في اللقاء الذي جمعهما في موسكو منتصف الشهر الحالي، عن أن العقبة الرئيسية أمام إعادة الاستقرار في سوريا، هي القوات الأجنبية الموجودة بصورة «غير شرعية»

 

كان لافتاً كلام بوتين الموجه لبشار الأسد، في اللقاء الذي جمعهما في موسكو منتصف الشهر الحالي، عن أن العقبة الرئيسية أمام إعادة الاستقرار في سوريا، هي القوات الأجنبية الموجودة بصورة «غير شرعية» على الأراضي السورية، قاصداً بذلك القوات الأمريكية والتركية. هذا تلويح بشرعنة أي استهداف جديد للقوات التركية في محافظة إدلب أو جوارها القريب، ما لم تستجب أنقرة للمطالب الروسية. ومشكلة تركيا الكبرى هي أن قواتها الموجودة في «منطقة خفض التصعيد» محرومة من الحماية بغطاء جوي أو وسائل دفاع جوي، متروكة لإنصاف روسيا. ولا يخفف من ذلك تعزيز تركيا لقواتها البرية في المحافظة بمزيد من قوات النخبة والآليات، بل يزيد هذا من رخاوة بطنها أمام استهدافات روسيا والنظام. يمكن لتلك التعزيزات فقط أن تتيح لتركيا الرد الانتقامي على قوات الأسد، كما فعلت بعد مقتل الجنود الـ33 المشار إليه، لكن النظام قلما يأبه بمقتل جنوده، مقابل حساسية الرأي العام في تركيا أمام مقتل أي جندي تركي.

إضافة إلى هذا الميزان المختل سلفاً على طاولة مباحثات الرئيسين في سوتشي، هناك غياب تام للظهير الأمريكي لتركيا، بخلاف ما كان في عهد دونالد ترامب. فقد استعاد نظام بشار، بدعم روسي، السيطرة العسكرية التامة في درعا البلد وبلدات أخرى في محافظة درعا، بعد حصار وقصف استمر لأكثر من شهرين، ولم يصدر مجرد تصريح أمريكي مندد بذلك. كذا غابت واشنطن عن موجة التصعيد الأخيرة في إدلب وريف حلب وعفرين، حتى على مستوى التصريحات. بل إن الرئيس التركي الذي شارك في اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، منتصف الشهر الحالي، عبر بصراحة عن خيبة أمله من العلاقة مع إدارة جو بايدن، بعدما أخفق في ترتيب لقاء مع الرئيس الأمريكي على هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك.

هذا الجفاء المعلن بين واشنطن وأنقرة هو مما يسر الرئيس الروسي باعتباره شقاقاً بين خصمين عضوين في الحلف الأطلسي، ومما يقوي موقفه الابتزازي تجاه تركيا. يمكن قراءة تصريحه لوسائل الإعلام قبيل الاجتماع مع أردوغان في هذا الإطار، إذ قال: «لقاءاتنا مع تركيا تكون صعبة أحياناً، لكنها تنتهي دائماً نهاية إيجابية، فقد تعلمنا كيف نتوافق».

وبالنسبة لإدلب اشتكى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من «تباطؤ» تركيا في الوفاء بالتزاماتها وفق اتفاق 2020، بخصوص عزل المنظمات الإرهابية عن الفصائل المعتدلة، وفقاً للرطانة الروسية المعتادة، وهو ما يصعب على تركيا تحقيقه في منطقة تسيطر على معظم أراضيها «هيئة تحرير الشام». إذن سيكون «تسريع» العزل المطلوب مطلباً روسياً ضاغطاً مقابل خفض التصعيد الروسي.

على أبواب فصل الشتاء، ومع نمو الاحتياجات التركية من الغاز الطبيعي الذي يشكل أحد أهم وسائل التدفئة المنزلية، إضافة إلى استخدامه في توليد الطاقة الكهربائية، سيحتاج أردوغان إلى قدرة إقناع كبيرة لاستجرار ما يسد النقص في السوق من الغاز، بأسعار خاصة، في ظل ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا ارتفاعاً حاداً. هذا موضوع ابتزاز آخر، أو إغراء لتركيا مقابل تلبية مطالب روسية إضافية.

الخلاصة أن الاجتماع الجديد بين أردوغان وبوتين سيكون صعباً على الرئيس التركي.

=========================

روسيا دور انتدابي في سوريا

فاطمة ياسين

سوريا تي في

29/9/2021

لابد أن روسيا ومنذ اللحظة الأولى لانطلاق الثورة مع بدايات العام  2011 فكرت في الاستثمار في سوريا، فاستخدمت قوتها في مجلس الأمن لإيقاف العديد من القرارات التي كانت كفيلة بسقوط النظام لو ترك للإرادة الدولية النفاذ، ولكن روسيا التي كانت لديها خطة بديلة ذات رؤيا استراتيجية، وضعت كل وزنها الدولي لمنع ذلك، فتدخلت بشكل مباشر قبل أن يسقط النظام بلحظات عبر القوة الأكثر تأثيرا وتفوقا، وهي السلاح الجوي، واحتلت على عجل مطارا مدنيا قرب اللاذقية وجهزته على وجه السرعة، ليستوعب طائراتها العسكرية من كل الأحجام، وشهد المطار ذاته انطلاقا للطائرات الروسية المتطورة التي ضربت المناطق السورية المعارضة، وكان النظام الروسي صبورا حتى وصل إلى لحظة وسع فيها نطاق المساحة التي يسيطر عليها النظام، وفي بعض الأوقات بدا مستعدا ليدخل في مجابهة مع أميركا في المناطق الشمالية ترسيخا لموقفه المتصلب في سوريا ودعما لنظامها، ومحاولة لتضعيف موقف الولايات المتحدة فيها، وقد ساعد اضطراب وتردد الموقف الأميركي في تشبث روسيا لرؤيتها بعيدة المدى نحو سوريا.

لكن روسيا التي كانت لديها خطة بديلة ذات رؤيا استراتيجية، وضعت كل وزنها الدولي لمنع ذلك، فتدخلت بشكل مباشر قبل أن يسقط النظام بلحظات عبر القوة الأكثر تأثيرا

حرصت موسكو ومنذ كانت في عهدة الاتحاد السوفييتي على وضع أصبع أو قدم أو رأس جسر في سوريا وقد تمكنت من ذلك في وقت مبكر من عام 1955، وأعطى شكل الصراع مع إسرائيل أفضلية لموقف الانضمام إلى معسكر الاتحاد السوفييتي أو التمسح به، وقد أجبر هذا الصراع حتى بعض القوى الوطنية في سوريا، ذات المرجعيات المختلفة، على أن تطلب العون من السوفييت، وهذا ما فتح أبواب البحر المتوسط أمام الكرملين، الذي حرص على الظهور في هذا المكان ورفع رايته على شاطئ المتوسط، ولم يختلف هذا الهدف بمرور الوقت، فرغم سقوط الاتحاد السوفييتي ما زال الكرملين يعتقد بأنه رقم صعب في هذه المنطقة ويقدم نفسه بهذه الصفة، وهو راغب في الاستمرار بالمنافسة، ما يدفعه إلى الوقوف خلف أخر قطعة أرض صالحة له على المتوسط وهي اليوم في سوريا، وقد نجح حتى الآن في ترسيخ مكانه بجعل سياسته تتشعب فحاول ضم إيران تحت جناحه، واقترب أكثر من تركيا، مع الغزل الحميم لدول الخليج، وإبقاء علاقه دافئة (غير ممانعة) مع الجانب الإسرائيلي، بغية الاستمرار في جوار منابع واعدة للغاز على الشاطئ الشرقي للمتوسط وهي البقعة التي يصارع من أجلها.. اليوم يوجد ضباط روس من رتب مختلفة في سوريا وعلى تماس مباشر مع وجهاء أو أعلام محليين للتفاوض وإقرار الترتيبات الأمنية والعسكرية ودون الرجوع إلى النظام إلا بالشكل البروتوكولي، وهو دور قامت به فرنسا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، حين كان لها في سوريا مندوب سامٍ ومستشارون تأتمر كل الوزارات بأمرهم، واستمرت مدةً تتجاوز خمسة وعشرين عاما ولم تخرج إلا بعد ثورة شعبية عارمة وعامة ومقاومة، متقطعة ومتفرقة، وبعد حرب عالمية شاملة أُجبرت بعدها على لملمة جنودها ومعداتها، وتركت كل شيء خلفها.

اليوم يوجد ضباط روس من رتب مختلفة في سوريا وعلى تماس مباشر مع وجهاء أو أعلام محليين للتفاوض وإقرار الترتيبات الأمنية والعسكرية ودون الرجوع إلى النظام

 واليوم يحقق بوتين في سوريا حلما راود الكرملين منذ الخمسينيات، وأصبح واقعا وسياسة يومية تكتب عنها وكلات الإعلام بما فيها إعلام النظام ذاته، وقد أُطلق على الروس في سوريا ألقابا تظهر الرضا والقبول الذي تحظى به هذه القوة التي تشبه في أوجه كثيرة الاستعمار، ما يعني أن السوريين يواجهون اليوم موجة استعمارية ثانية بدأت في الواقع بعد انطلاق ثورة شاملة ضد النظام، وصولا إلى لحظة دخول القوات الروسية للبلاد، والحالة الآن تأخذ طورها الأخير في الاستقرار بعد أن احتلت روسيا دور المفاوض فنابت عن النظام، وقبلت بها القوى المناوئة له، بل طالبت بها أحيانا، وهنا نجد أنفسنا بحاجة لاستعادة تراث سلطان باشا الأطرش وزملائه، واللجوء إلى ثورة ذات طعم مختلف وخاص يقارب ثورة السوريين على فرنسا التي جرت في القرن العشرين.

=========================

وجهة نظر : سنة سادسة احتلال .. القرار السوري بيد من !!؟؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

27/ 9 / 2021

#سنة-سادسة-احتلال .. القرار السوري بيد من !!؟؟

ومهما قالوا، ومهما كادوا ، يبقى القرار السوري بيد أصحاب الحق من السوريين، يعني بأيدينا جميعا ، إن شئتم قلت بأيدينا نحن  ...وإن شئتم قلت بأيديكم أنتم ، ففي لحظة التماهي العام تختلط النحن بالأنتم وبالأتنن وبالهم وبالهنّ ...

القرار السوري بيد صاحب كل حق كليّ عام أو جزئي خاص، حتى ينال حقه، وللا يلغي هذا الحق قانون ولا طاغوت ..

القرار السوري الحق ليس بيد بشار ، ولم يكن يوما كذلك، وليس بيد بوتين ولا بيد بايدن، ولا بيد أي جهة من الجهات في الداخل أو الخارج التي فيها يأمل الآملون ، ومنها يتخوف المتخوفون ..

القرار السوري بيد أصحاب الحق من السوريين، وهم وحدهم الذين يمكن أن يتنازلوا عن حقهم، أو أن يتمسكوا به حتى يدركوه، وما مات حق وراءه مطالب. ..

لاحظوا القضية الفلسطينة، بعد سبعين سنة، والعالم أجمع يقف وراء المحتلين والمستوطنين، بالسلاح والمال والقرار!! سينتصر الصهيوني فقط  يوم يتخلى آخر عجوز فلسطيني من الجيل السابع والسبعين عن حقه هذا إن حصل، وما نظنه يحصل ..

والأمر بالنسبة إلينا نحن السوريين كذلك، حقنا في الحرية والكرامة الإنسانية وحقنا في العيش في وطننا، وعلى أرضنا، وبالطريقة التي نرتضيها بجمعنا،   لن يستطيع أن يصادره علينا أحد ..

لا أحد يستطيع أن ينتزع منا هذا الحق، ولا أحد يستطيع أن يكرهنا على ما لا نريد، وفي الطريق إلى ما نريد سنجد الكثير من تضارب المصالح أو تقاطعها، لقوى ودول وأفراد يستجد لهم ما يسمونه "مصالح آنية" عاجلة أو مستعجلةأو عارضة أو قريبة، أو يسوغ لهم مبدأ عنوانه " شيء خير من لاشيء" ويعدون تعديل مادة في دستور إنجاز أو مكسب ، سنجد كثيرا من هؤلاء  على الطريق عقبات وعثرات وقطاع طرق ومثبطين ...وأسوء شيء يحصل هو أن يؤثر فينا منطق هؤلاء، أو طرائق هؤلاء، أو عجلة هؤلاء؛ إلى مائدة "يحلم بها أشعب"، فيقول قائلنا: لعله خير وقد سبقونا إليه...

التمسك بالحق، والدفاع عنه، يحتاج إلى كثير مما يسمى في لغة العرب "الصلابة والعناد ويبوسة الرأس" والتمترس وراء " لا " الكبيرة يرمى بها  قائلها في وجه كل شيء.. !!

والعناد ويبوسة الرأس تنفي عن صاحبها الميوعة والتكسر والتخلع والتردد أمام المغريات، ولكنها لا تنفي التعقل ولا حسن التأتي ، وحسن التدبير، والتفكير المستدام ، وصناعة المقاربات، ولالتفاف على العثرات والمطبات..

لعلي لا أحلم كثيرا ولا أحلم طويلا أيضا، وحتى الآن لم نستطع - والضمير يعود علينا جميعا - أن نجد "مائة سوري" على قلب أو عقل أو يجتمعون تحت لواء. وأفرق بين قولي يجتمعون وبين قولهم يجمعهم وزير أو سفير ، وأسمعهم عندما يتفذلكون يقررون أن هذه المؤسسة أو الهيئة يعترف بها الذين ...وأقول يعترف بها الذين يخططون " للكدنة " عليها ولعلها الشاة لا تعلم سر تسمينها..

وحتى الذين كنا نظنهم مجتمعين أو نحسبهم أو نغبطهم على اجتماعهم كشفوا عن انفراط عقد وتيه في وادي (كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا) فباتوا في ريبهم يترددون..

ومما قالوه عن أهل الاعتزال في عصر البطر الفكري لهذه الأمة، أنهم كانوا كلما نبغ فيهم رأس أسس فرقة باسمه ، وكذلك  اليوم يفعلون ..

قرارنا ..حاضرنا ..مستقبلنا ...مستقبل أجيالنا بأيدينا، نصنعه في كل سطر نكتبه، وفي كل كلمة نقولها، وفي كل بيان نصدره، وفي كل خطوة نخطوها..

وعلى الرغم من كل ماكان ، وعلى الرغم من ألف سلاح جربها شويغو على أهلنا وديارنا ، وعلى الرغم من مجلس الأمن وكل قراراته وفيتوياته المجحفة، وعلى الرغم من بايدن والإيباك وكل من لف لفهم ....

يجب أن نخاف من شيء واحد فقط، يجب أن نخاف من أنفسنا، ومما تكسبه أو تجنيه أيدينا، وغيرنا لا أحد يستطيعنا. وفرارنا دائما إلى الله ربنا ، وعياذنا دائما بالله ربنا ..لعلكم تتفكرون

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

دروس من "ماما " ميركل

رضوان زيادة

سوريا تي في

الثلاثاء28/9/2021

قضت المستشارة أنجيلا ميركل 16 عاما كمستشارة لألمانيا الاتحادية في أطول فترة يقضيها مستشار في منصبه منذ الحرب العالمية الثانية، والأهم أول مستشار يذهب باختياره وليس بعد هزيمة انتخابية، فقد قررت عام 2019 أنها لن تجدد ولاية جديدة إلى ما بعد عام 2021 بعد أن فازت في أربع ولايات انتخابية منذ عام 2005.

ما يمكن القول إن ثلاثة قرارات رئيسية سوف يذكرها التاريخ لميركل أو على الأقل على مستوى العالم الخارجي، أما قراراتها الاقتصادية الداخلية والتي حولت ألمانيا لأكبر قوة اقتصادية في أوروبا وقربت علاقاتها التاريخية مع باريس جعل منها رمزاً ألمانيا داخليا أيضا، لكن قراراتها الثلاثة المهمة، كان الأول عام 2008 بعد الأزمة المالية العالمية وإنقاذ الاتحاد الأوروبي مالياً عبر مساعدة اليونان وعدم التفريط بعقد الاتحاد أو اليورو عملته الرئيسية كما فعلت بريطانيا فيما بعد بالبريكست وغيرها، فقد آمنت ميركل بقوة الاتحاد الأوروبي وطورت هوية المواطن الألماني كي يصبح مواطنا أوروبيا بالدرجة الأولى كهوية مشتركة مع كونه ألمانياً.

    فقد آمنت ميركل بقوة الاتحاد الأوروبي وطورت هوية المواطن الألماني كي يصبح مواطنا أوروبيا بالدرجة الأولى كهوية مشتركة مع كونه ألمانياً

أما القرار الثاني فكان عام 2014 أو 2015 مع استضافة ألمانيا لما يفوق عن مليون لاجئ كان منهم أكثر من 750 ألف سوري وقد دافعت عن هذا القرار بقوة وإيمان قوي بصحة ما فعلته، وما يثبت نجاح هذا القرار هو انخفاض التأييد للحزب اليميني "ألمانيا البديل" مقابل صعود الأحزاب اليسارية والاشتراكية حيث حصل حزب الاشتراكي الديمقراطي على أعلى الأصوات يليه حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي ثم حزب الخضر فالحزب الليبرالي الديمقراطي.

لم تكن قضية اللجوء جزءا من النقاش الانتخابي حيث نجحت ألمانيا خلال ست سنوات في إدماج اللاجئين وعلى رأسهم السوريون حيث وصل أربعة من أصول سورية إلى البوندستاغ اثنان منهما من النساء، والأهم أن "ماما" ميركل كما وصفها اللاجئون السوريون دافعت عنهم وعن قرارها باستضافتهم بجرأة كبيرة ودون خشية من حدة الهجمات التي واجهتها من المعارضة اليمينية ومن داخل حزبها أيضا الذي فرض سياسة الأبواب المفتوحة.

    لم تكن قضية اللجوء جزءا من النقاش الانتخابي حيث نجحت ألمانيا خلال ست سنوات في إدماج اللاجئين وعلى رأسهم السوريون حيث وصل أربعة من أصول سورية إلى البوندستاغ اثنان منهما من النساء

أما القرار الثالث والذي ميز دورها، هو سياستها في التعامل مع جائحة كورونا، والإيمان بفكرة المساواة العالمية بتقديم اللقاح وعدم احتكاره  على الدول الغنية وهو ما جعل ألمانيا من الدول المتقدمة في تقديم ملايين الجرعات المجانية للدول الفقيرة.

هذه القرارات الثلاثة ميزت ميركل وسيذكرها الألمان والعالم والسوريون بشكل خاص بسبب قراراتها في استضافة مئات الألوف من السوريين الذين شردهم الأسد ودمر منازلهم وقتلهم تحت التعذيب، ربما من قراءة قرارات ميركل نجد الفارق بين قيادة ميركل في ألمانيا وقرارات الأسد في سوريا، ربما تكون المقارنة مجحفة بحق ميركل أن يتم مقارنتها بالأسد، لكن ما أود التركيز عليه هو القدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة والتي يبرهن المستقبل صحتها ومن خلالها يسجلها التاريخ وتحفظ بالذكرى، مقابل قرار الأسد في إدخال سوريا في حرب دمرت الوطن والوطنية بين السوريين وحولت السوريين لاجئين ونازحين ومشردين.

هذا هو الفرق الحقيقي في إدارة دفة الدولة وحماية مصالحها ومصالح أبنائها بدل تدمير الوطن على أبنائه، ربما المسافة شاسعة بين الأرض والسماء بين ميركل والأسد، لكنه درس لكل الذين ما زالوا يؤيدون الأسد أن قرارات الأسد أين أخذت سوريا وأين هي الآن، وبين قرارات ميركل وأين أخذت وأوصلت ألمانيا اليوم وكيف ستكون في المستقبل.

سيأتي يوم عسى أن يكون قريباً تستحق سوريا قائداً يؤمن بها وبأبنائها وستمنحه العملية الديمقراطية القدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة بحق سوريا وبحق شعبها العظيم الذي دفع أثمانا يفوق تحملها في هذا العالم اليوم.

=========================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com