العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03-07-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مئذنة العروس والكتابة لـ... دمشق .. مرح البقاعي

الحياة

الاربعاء 29/6/2016

ليست هذه برسالة استقالة من جلالة الكتابة أو من هواجس الطيران، ولا هي اقتراف لسقوط حرّ نحو فوهة كاتم للصوت. إنها ببساطة وقفةُ استحقاق بين أيديكم، أهلي السوريين، أيديكم المدمّاة بوجعِ العالقِ بين فكّي ذئبٍ مهووسٍ برائحة قهركم الفائح على سديم القارّات.

القليلُ منكم يعرفُ أنني عبَرتُ إلى ضوضاءِ ثرثرةِ السياسة من صومعةِ رسولية الشِعر، وأنني ألقيتُ بقصائدي كلّها عروساً للنيل، تيمّناً بأجدادنا بالرضاع الفراعنة، قرباناً لخروجكم الكبير. والقليل منكم يعرف أنني طرقتُ أبواب الجان والحكماء والقضاة والسَحَرة بحثاً عن فدية أو تعويذة أفكّ بها عنق دمشق المشدود إلى حبل مشنقة الطاغية، فاقتربت من الحقيقة حيناً، وغافلتني السياسات أحياناً. والقليل يعرف أني عضضت على أشواك الوشايات تغزُّ في عظمي من كل عابر ثورة أو قاطع طريق من أجل أن يَكتبَ ماء وردِ دمِكم صحيفةً جديدةً من معلّقات الشام. والقليل منكم يعرف أنني ما راهنت يوماً إلا على نواصي صبركم النبيل منذ أول ظفرٍ سقط في سجون درعا إلى آخر طلقة صوّبها حراس الحدود إلى رئة أمّ تحاول تهريب أحلام أطفالها، وانتهاءً بأحجار طمرت اخضرار إدلب في عينيّ الشهيد خالد العيسى. القليل يعرف أنني قايضتُ مفردات البهجة، وصخب الأصدقاء، بسهرة سمر واحدة فوق العشب النابت على أرضية خيامكم، وباستضاءةٍ من خطّ النار ترسمه بنادقكم.

فإذا كنتُ قد تهتُ لبعض الوقت في دروب الذئب السياسية فإن «ليلى» لم يتمكّن منها تعبٌ ولا وجل ولا هزيمة، وإنني لو ضللتُ خارطة الطريق إلى دمشق وقد غادرتها ملاحقةً بقرون استشعار الأمن، ودبَّة قدم السجان الثقيلة من خلفي، فإنني أناوب على استعادتها، أصبى وأجمل وأشفى، في حوزات «ولادة» الشعرية، وتحت أقواس جامع قرطبة وأنين نواقيسه، وفي فواتح الماء من محيط قصر الحمراء حيث مراقد أجدادي الأمويين الأبلغ حياةً من الحياة نفسها. وأقول إنه إذ غُدر في غفلةٍ برصاص بنادقكم، وبغطاء رأس نسائكم، فإن الملحمة السورّية تمكّنت من شقّ البحر على قارب شبه مقلوب شبه عائم، وبلّغت البشرية رسالتَكم المحشوّة في قارورة عطر جريح من سوق العطّارين الحلبيّ.

تلك الرجفة الشعرية التي علقتها في كيس من كتّان قديم إلى سقيفة ذاكرتي لسنوات خمس خلت، وانصرفت لأحفر بأظافري أصواتكم وأسماءكم وبرد أطفالكم على جدران المحافل الكبرى والمقار الرسمية وأعمدة الأمم ولوائح أصحاب الأمر، تلك الرجفة ذات الكيمياء المعقدة، والأكثر نفاذاً في رئة مستبدّ بعين واحدة وساق من خشب، من رصاصة، رجفة تسترجع كبرياء الكلمات التي طأطأتْ رأسَها داخل غرف الثرثرة في محافل جنيف، وعلى موائد سفراء دول «أصدقاء سورية» العامرة بما لذّ وطاب من مكائد وزواريبَ ضاعت فيها صرخة طفل سوري يفتّش عن لعبة لا تنفجر بين يديه، وعن لقاح ضد الشلل لا يعطّل جهازه العصبي، وعن باحة مدرسة نظيفة لا تنهار حجارتها على قطن طفولته.

هكذا أستعيد رجفة قصيدتي وأرسلها ترف فوق دمكم المرشوش على تراب كروم دوما المسترسلة في تشييع قتلاها. هكذا أستعيد مسقط الرأس حيث كل دراويش مقام الشيخ محيي الدين بن عربي تدور حول أوراقي المنثورة فوق مخمل الضريح، وحيث أميمة غادرت غيمة البركة، تقرأ في حضرة الجليل بعينيها الزرقاوين النادرتين من مصحفها المذهب، كعادتها في صباح كل يوم جمعة دمشقي، سورة الشعراء.

وفي ساعة متأخرة من آناء الليل وأطراف حربكم التي هي حربي التي لا تلين، أعترف أن الرجل الوحيد الذي عشقته كان مدينةً اسمها دمشق. وأن عشقي لدمشق جعلني أنسحبُ من أكثر المدن جمالاً وقوة وترفاً لأختبئ في سطر شعري واحد أكتبه على جناح حمامة شامية تنقر قمحكم من كفي المغموسين في صلصال لغتي أشكّلها تمثالاً بين مآذنها التي ارتفعت على تراكم ديانات البشرية منذ الحَجَر الأول لمعبد جوبيتير. وأن عشقي لدمشق مكّنني من امتلاك الوصفة السرّية لإكسير الصبا، ولمواقيت اجتماع الإنس والجن في كرة الدهشة الزجاجية. وأن عشقي لدمشق، على عميق جرحه، قد تتكفّل به شمعةٌ برقت أمس في كنيسة يوحنا المعمدان أشعلها باسمي صديقٌ ما زال بإمكانه عبور أسوار المدينة المرعوبة من سيارات الأمن ومفخّخات حرّاس جهنم، وباقة بنفسج بيروتيّ نشرَها على قبر أمي المختبئ بين العشب المسقيّ لمراقد الشوام في «باب الصغير». وأن عشقي لدمشق أعانني على جرّ صليبكم المثقل بآلام القيامة مخترقةً به حاجز الصوت إلى مساحة النعمة من عرائش تحوط بهيبة «مئذنة العروس» من الجامع الأمويّ الكبير.

اليوم وقد وزّعَتْ سورية شهداءها على كل الأضرحة، وتهاوتْ المدنُ على أحشائها المفجورة تتعجّل قدراً قدّره جبابرةٌ جاؤوا من ما وراء البحر وآخرون حاقدون من أهل الجوار وبعضٌ من باعةِ موتٍ جوّالين، اليوم إثر خروج لعبة البارود عن قواعدها، وحَشْر السياسة في مضائق لا مصبّ لها، واعتلاء دعاة صنّاع السلام الرسميين المنصّات بأقدام حافية وربطة عنق حمراء... اليوم أتجرّأ على كتابة عودتي مدينةً وصلتُها قبلَ الحبّ، وغادرتُها بعد أن سقطت في ماء بُرْكته مغشيّاً عليّ.

* كاتبة سورية

======================

التغول المالي في الرأسمالية ووضع الدولة .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الثلاثاء 28/6/2016

يؤسّس الطابع المالي الذي بات يحكم الرأسمالية وضعاً جديداً للدولة، بحيث تصبح السلطة شكلاً ليس إلا. ووفق المتعارف عليه، فإن الدولة أداة طبقةٍ للسيطرة وتحقيق مصالحها، حيث تصبح القوى القهرية (الجيش والأمن والشرطة) أدواتٍ بيدها، من أجل إخضاع المجتمع، وفرض النهب والاستغلال من خلال مجمل القوانين التي تصدرها باسم الدولة، وتنفذها بيروقراطيتها. وفي هذه الوضعية، تتشكل "بنية" للدولة، من موظفين تعيّنهم السلطة. كل هؤلاء هم بيروقراطية الدولة التي تعيلهم، لكي ينفذوا أوامر السلطة التي هي سلطة الطبقة المسيطرة. وبهذا، ينشط الرأسمال في الاقتصاد محمياً بسلطة الدولة وأدواتها القمعية. كل هؤلاء هم الدولة، أي الجيش والأمن والشرطة والمؤسسات التي تشكل "كتبة" الدولة وبيروقراطييها. وعناصرها موظفون لدى الدولة، هي التي تدفع لهم أجرهم، بالضبط لكي يخدموا مصالح الطبقة المسيطرة. والدولة تسدّد لهم من الضرائب التي تتحصّل عليها من الشعب.

هذا هو الوضع في الدولة الرأسمالية منذ نشوئها، والذي كان يجعل الدولة "أداة حكم طبقي". وهو الوضع الذي حكم الرأسمالية في مرحلتها التنافسية (القرن التاسع عشر)، ومرحلتها الاحتكارية (القرن العشرون). حيث كانت الصناعة (ثم الزراعة) وسيلة الإنتاج الأساسية التي يذهب التراكم الرأسمالي نحو التوظيف فيها. لكن، أفضى التراكم المالي الهائل الناتج عن فيض الأرباح التي تتحقق إلى حاجةٍ لمنافذ استثمارية، تتجاوز كل أشكال الاستثمار السابقة، بعد أن أصبح "الاقتصاد الحقيقي" مشبعاً، بحيث لا إمكانية لاستثمارٍ زائدٍ فيه، بعد أن أصبح الإنتاج فائضاً عن المقدرة المجتمعية التي تتحدّد بسعة السوق من جهة، وبالقدرة الشرائية من جهة أخرى.

"ما يظهر من سياساتٍ اقتصادية، تُفرض عادة على الأطراف باسم صندوق النقد الدولي المتحكّم به من الطغم المالية، هو توسيع عمليات الخصخصة، لكي تطال كل شيء يمكن أن يدرّ ربحاً"

ذهب التراكم المالي الذي نتج عن الزراعة، ووقع بيد التجار، مع نشوء الصناعة، إلى التوظيف في الصناعة، بعد أن أصبحت مشروعاً مثمراً، لكنه استمر بالتوظيف في التجارة والزراعة، وإنْ بشكلٍ يتوافق مع الطابع الجديد للاقتصاد الذي أوجدته الصناعة. وتوسع في الخدمات، وفي الاستثمار في المواد الأولية، والتصدير إلى الأطراف (البلدان المتخلفة). وهذه هي العملية التي حكمت الرأسمالية قرنين تقريباً، لكن فيض الأرباح من جهة، وتشبّع السوق في كل هذه المجالات، وتصاعد المنافسة التي كانت تفضي إلى نشوء أزمة الكساد من جهة أخرى، فرض أن يبحث المال المتراكم في البنوك عن مجالاتٍ جديدة أوسَع من مجالاتٍ كانت هامشية، هي الديون والمشتقات المالية وأسواق الأسهم والمضاربات على السلع. وهي السياسة التي فرضتها أزمة سبعينات القرن العشرين، وأدت إلى "انحراف" التوظيف نحو أشكال قديمة/ جديدة، هي التوظيف المالي، أي التوظيف في المال من خلال أشكالٍ شتى، منها المضاربة، ومنها الديون، وأيضاً اختراع المشتقات المالية.

لكن، يظهر الآن، أن ذلك كله ليس كافياً، فالتراكم المالي يتصاعد بشكل سريع، نتيجة أن الأشكال الجديدة للتوظيف تحقق أرباحاً أعلى بكثير من التوظيف في "الاقتصاد الحقيقي". وبالتالي، إذا كان التوظيف في هذه القطاعات الجديدة هو الحلّ للتراكم المتحقق في الاقتصاد الحقيقي، حيث شهد الاقتصاد الصناعي حالتي فيض الإنتاج وفيض الأرباح، فإنه يعمّق الأزمة، فيدفع إلى البحث عن مجالات استثمار جديدة. لقد فرض فيض الأرباح التي تحقّقت في الاقتصاد الحقيقي، وبات مستحيلاً توظيفها فيه، كما كان في السابق، إلى التوظيف في أشكالٍ مالية، أشرت إليها للتو، بمعنى أن التوظيف خرج عن الاقتصاد الحقيقي، انحرف عن التوظيف في الاقتصاد الحقيقي، نحو القطاع المالي الذي بات وسيلة جذبٍ لاستثمار أرقام متزايدة من المال، باتت أضخم من الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي. لكن، لا بد من أن نلاحظ أن هذا التوظيف كان يضخّم الأرباح التي تضاعفت عما هو في الاقتصاد الحقيقي بشكل كبير، الأمر الذي أعاد إنتاج المشكلة مضخمةً، حيث بات هناك تراكم مالي هائل، يبحث عن توظيف، هو أكبر مما كان سابقاً. وإذا كان سابقاً قد جرى "اختراع" أشكال توظيف "وهمية"، مثل المشتقات المالية، لا نعرف ما هي الأشكال الوهمية التي يمكن أن يجري اختراعها، لتوظيف المال الجديد المتراكم، والذي يتراكم بتسارعٍ نتيجة الشكل سابق الذكر في التوظيف.

ما يظهر من سياساتٍ اقتصادية، تُفرض عادة على الأطراف باسم صندوق النقد الدولي المتحكّم به من الطغم المالية، هو توسيع عمليات الخصخصة، لكي تطال كل شيء يمكن أن يدرّ ربحاً. وصلت عملية الخصخصة إلى كل الخدمات التي كانت تعتبر من واجبات الدولة التي تجني الضرائب من أجل تحقيقها، مثل التعليم والصحة والبنية التحتية والمواصلات والماء والكهرباء. بدأت الخصخصة بإنهاء دور الدولة الاقتصادي بوصفها مستثمراً، حيث بيع "القطاع العام"، أي المصانع والشركات التابعة له، وبات الاقتصاد ملكاً للرأسمال الخاص، المحلي والدولي. انتقلت هذه العملية، بعدئذٍ، إلى مجالات التعليم والصحة والماء والكهرباء والغاز، والمواصلات، في دولٍ كثيرة، وهي تزحف إلى الدول التي لم يتحقق ذلك كله فيها، فتشهد الأطراف موجة لبرلةٍ جديدةٍ، تكمل ما بدأ مع سياسة الخصخصة منذ سبعينات القرن العشرين. وكما لم تقد أزمة جنوب شرق آسيا سنة 1997 وامتداداتها إلى وقف عملية الخصخصة وتنفيذ شروط صندوق النقد الدولي، فإن الثورات العربية لم تؤدِ أيضاً إلى وقف هذه العملية، بل إن مجمل السياسات الاقتصادية التي مورست، بعد امتصاص الصدمة، تمثلت في "تعميق" الخصخصة، وتوسيعها لكي تشمل القطاعات الخدمية والبنية التحتية.

أيضاً، سيظهر أن ذلك لا يبدو كافياً، فالتراكم المالي في ازديادٍ متسارع، على الرغم من تصاعد دور البورصات، وتوسيع المديونية، والتوسع في المشتقات المالية. بالضبط، لأن هذا التوظيف يضخم من عملية التراكم المالي، ويسرّع في المركزة، ليكون هناك بضع أشخاص يملكون ما يملكه نصف العالم. وتتمركز الشركات، بحيث تنحصر المنافسة في عدد محدود منها في كل فرع من فروع الاقتصاد. وتصبح الأموال المتراكمة في البنوك، أو المتداولة يومياً، بمئات التريليونات، أو حتى آلافها، التي هي بحاجة الى مجالات توظيف.

"مسار التوظيف المالي سوف يصل إلى أجهزة الدولة، بعد أن تكون كل مجالات الاقتصاد والبنية التحتية قد خُصخصت، وفي مسار "اختراع" أشكالٍ جديدة من "المشتقات المالية""

ما يظهر أن مسار التوظيف المالي سوف يصل إلى أجهزة الدولة، بعد أن تكون كل مجالات الاقتصاد والبنية التحتية قد خُصخصت، وفي مسار "اختراع" أشكالٍ جديدة من "المشتقات المالية". أصبحت بعض الدول تميل إلى خصخصة بعض القطاعات الأمنية (الشركات الأمنية)، وحتى العسكرية (الجيش)، وأيضاً بعض الإدارات. وذلك كله تحت عنوان "تخفيف العبء" على الدولة. لكن، يمكن أن نعتبر هذه مقدمةً لمسار جديد، يكمل خصخصة التعليم والصحة والبنية التحتية، سوف يوصل إلى أن تكون الدولة بلا أجهزةٍ وبيروقراطية. حيث سيكون الاتجاه نحو خصخصة وزارة الداخلية، بحيث توكل مهمات الشرطة لشركة خاصة، والجيش لشركةٍ أخرى، والأمن لشركة ثالثة (وربما كل هذه لشركةٍ واحدة). وكذلك ستوكل بيروقراطية الدولة (الدواوين) لشركةٍ، أو عدة شركات خاصة، بحيث تقوم هي بالإدارة في مختلف المجالات. وهذا يشمل القضاء الذي سوف يخضع اختيار القضاة لامتحان شركة خاصة. وأيضاً ستكون مؤسسات الدولة مؤجرةً من شركة عقارية، وسوف تصبح دائرة جني الضرائب من نصيب شركة خاصة، كذلك الجمارك. من ثم، لا يكون للدولة مدخول سوى هذه. وهي تُدفع للشركات التي توظفها الدولة، للقيام بمهامها المختلفة. بمعنى أن كل "أدوات" الدولة التي تحكم بها لمصلحة طبقةٍ ستصبح استثماراً خاصاً للطبقة نفسها. لكن، هذه المرة مشروعاً ربحياً، وليس "خدمة" للشعب الذي يدفع الضرائب من أجل ذلك.

في هذه الوضعية، سوف تصبح الدولة بلا "أدوات"، حيث تصبح المؤسسات التمثيلية (البرلمان) والتنفيذية (الوزارة)، والرئاسة، كلها تمارس نشاطها بموظفين تابعين لشركةٍ خاصة، وبمقرّات مستأجرة، وتتحدّد مهمتها في إقرار القوانين والإملاءات التي تفرضها الشركات الخاصة، والتي ستكون مصالحها أوسع من التوظيف في مؤسسات الدولة هذه. تصبح الدولة شكلاً ليس أكثر، ولا تعود أداة سيطرة طبقةٍ باتت هي أصلاً مسيطرةً على الدولة مباشرة، بل شكلاً سياسياً نافلاً، مظهراً فقط. وستكون الضرائب التي تفرض على الشعب، وأسعار الخدمات المختلفة التي كانت تقدمها الدولة بمبالغ رمزية، هي ما يسدّد "حقوق" الشركات التي باتت تستثمر مؤسسات الدولة كاستثمار خاص. وتصبح الشركات المستثمِرة هي التي تدفع أجور أعضاء البرلمان والوزراء والرئيس الذين سيكونون من "رجال الأعمال" انفسهم الذين يؤجرون "الدولة" مؤسساتها، ويقومون بكل خدماتها. هنا، يصبح التماهي واضحاً بين السياسة والاقتصاد، بين الرأسماليين وممثلي الدولة، ويصبح الربح أساس العلاقات، والاقتصاد هو المهيمن مباشرةً بعد أن كان "في الخفاء" يلعب دور "المحدِّد".

في هذه الوضعية، يتغوّل الاقتصادي مقصياً السياسي، أو محولاً إياه إلى شكلٍ ليس إلا. بالتالي، لا تعود السلطة أداة طبقةٍ، بل تصبح بيد الرأسمال مباشرة، وتكون "السلطة" الشكل الذي يبرّر ذلك. هي "المحلل" لكل سياسات الرأسمال، من دون حاجةٍ إلى شكل يظهر وكأنه يمثل "الشأن العام"، ويدافع عن "المصالح العامة". تظهر الدولة على حقيقتها أداة الرأسمال، وليس معبّراً عن "المصالح العامة".

======================

واشنطن وموسكو تبادل أدوار أم نار تحت الرماد؟ .. ميسرة بكور

القدس العربي

الثلاثاء 28/6/2016

أحداث كثيرة متراكمة متسارعة في وتيرتها وصخبها الإعلامي، جرت تحت جسر العلاقات الأمريكية الروسية.

في ظل استمرار الخلافات السياسية «الصوتية» خلال الأسابيع القليلة الماضية، نتيجة تباين الرؤى حول قضايا متقاربة في مواقعها السياسية متباعدة في جغرافيتها، من طهران إلى عواصم البلقان مروراً بدمشق وصولاً لكواليس الديمقراطي الأمريكي وسرقة بحوث أجراها الحزب الديمقراطي متعلقة بالانتخابات الرئاسية المقبلة في أمريكا، إلى نفي موسكو الاتهامات الامريكية بالخروج من الحوار حول منظومة الدفاع المضاد للصواريخ، لابد لأي مراقب للمشهدين الأمريكي الروسي، ومنشغل في تأثيرهما على المنطقة العربية، أن يتوقف بتمعن عندها.

المشهد بدأ في طهران التي استضافت اجتماعا لوزراء «تحالف الشر» على الثورة السورية، وزراء دفاع الدول الثلاث سيرغي شويغو (روسيا) وفهد الفريج (نظام دمشق) وحسين دهقان (إيران) تحت عنوان تعزيز مكافحة الإرهاب، على حد زعمهم. كان نتيجته تعيين علي شمخاني في منصب المنسق الأعلى في الشؤون السياسية والعسكرية والأمنية بين إيران وسوريا وروسيا.

رغم أننا نعتقد أن هذا المنصب المستحدث كان لإرضاء غرور وانتفاخ إيران ليس أكثر، على المقلب السوري وتأكيداً لما تردده إيران من أن دمشق باتت تحت سيطرتها التامة، وأنها صاحبة الحل العقد في سوريا ولا يمكن تجاوزها، لكن الأحداث المتسارعة على أرض المقصلة السورية كانت تشير بكل وضوح إلى غير ذلك، فما أن مضت أيام قليلة على هذا الاجتماع التنسيقي، حتى تكبدت إيران وحلفاؤها من الميلشيات خسائر كبيرة جداً في حلب، وتمكن الثوار السوريون من إعادة عقرب الأحداث إلى ما قبل سبتمبر، تاريخ إعلان روسيا عدوانها المباشر على الثورة السورية، وخرجت تصريحات من جانب حلفاء إيران وأقلامها المأجورة تنتقد غياب الدور الفاعل لسلاح الجو الروسي في تلك الهزيمة المضافة إلى هزيمة مخيم حندرات قبل شهر تقريباً.

روسيا أوفدت وزير دفاعها إلى طهران بهدف إرسال رسالة إلى المجتمع الدولي، على رأسه دول الخليج وحليفها الأمريكي، أن لديها إستراتيجيات بديلة في حال لم تتم تلبية طلباتها السياسية في الساحة السورية، التي تحولت لكرة بيد الروس تساوم به الشرق والغرب، ذلك بقصف المدنيين وإجبارهم على الهجرة واللجوء إلى أوروبا التي تعيش هاجس الإرهاب المقبل من الشرق، رغم أن كل من قام بعمليات إرهابية هو من مواليد أوروبا وعاش وتعلم فيها، وتبتزهم في ملفات البلقان وأوكرانيا.

هاجس اللاجئين الذي تُلاعب به موسكو الاتحاد الأوروبي كان واحدا من أهم أسباب خروج بريطانيا من الاتحاد. طبعاً أمريكا وروسيا مستفيدتان من إضعاف أوروبا وبقائها في حاجة للظل الأمريكي، رغم أن الانفصال سيكبح جماح مشروعات أمريكية كبرى في بريطانيا، في نظرة استراتيجية مستقبلية ستظل أمريكا أقوى قوة بشرية وعسكرية واقتصادية، من دون منافسة اليورو، والجنيه الاسترليني، وتظل أوروبا تابعة لأمريكا، كذلك روسيا ترغب في إضعاف الكتلة الأوروبية الرافضة لسياساتها العدوانية، وتجديد العقوبات الأوروبية عليها.

في ما وصفه صحافيون وخبراء أمريكيون أنه أكبر استفزاز لأمريكا في سوريا منذ بدء العدوان الجوي الروسي على الثورة السورية دعماً لنظام دمشق.

بهدف إجبارها على التحالف الفعلي في ما تسميه الحرب على الإرهاب في سوريا وخضوعها للاستراتيجية التي طبخت تفاصيلها الإجرامية في مطابخ الكرملين، الأمر الذي رفضة الكونغرس.

ولا يفوتنا في سياق الاستفزاز الروسي للأمريكان وحلف الناتو، تحذير خبراء وتخوف دول اوروبا وأمريكا من قيام روسيا باحتلال عواصم لاتفيا وليتوانيا وأستونيا خلال ستين ساعة، وأن قوات الناتو غير قادرة على الوقوف في وجهها، خلال تلك المدة، حسب تحليل صادر عن قسم البحوث العسكرية «إندبندنت» البريطانية، ما دفع بوزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر ليصرح من موقف «ضعف» بأن حلف شمال الأطلسي (الناتو) يدرس نشر أربع كتائب من القوات في دول البلطيق، للتصدي لما سماه السلوك العدائي لـروسيا.

وسبق هذا كله ما كان من أمر الطائرتين الروسيتين العسكريتين اللتين حلقتا بـ»صورة عدائية» قرب مدمرة بحرية أمريكية في بحر البطليق، بحسب مسؤولين أمريكيين، وقال مسؤول أمريكي إن الحادث يمثل «أحد أكثر التصرفات عدائية» في الآونة الأخيرة.

في ظلال التمادي الروسي وتجاهل التحذيرات الأمريكية لموسكو، خرج علينا الامريكيون بالوثيقة التي وقع عليها 51 دبلوماسياً أمريكيا تساوي ثورة داخلية واسعة، إلا أنها قد لا تكون ناجحة لإجبار أوباما على تغيير سياسته في سوريا، ودفع قوات بلاده إلى التدخل المباشر في سوريا. في هذه الأثناء يصرح وزير الخارجية الأمريك جون كيري، خلال زيارة للنرويج، إثر لقائه نظيره الإيراني محمد جواد ظريف: «على روسيا أن تفهم أن صبرنا ليس بلا حدود». وفي الواقع هو محدود جدا في ما يتعلق بمعرفة ما إذا كان الأسد سيوضع أمام مسؤولياته أم لا؟، على صعيد التزام وقف إطلاق النار، ومن ثم تراجع كيري عن قوله هذا وأنه ليس تهديداً لموسكو.

 

تبادل أدوار أمريكي روسي

 

تحذيرات جون كيري التي تراجع عنها تعاملت معها موسكو بمنتهى السخرية والاستهزاء، حيث قال وزير الخارجية أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما تحدث في مرات عديدة عن «سياسة صبر استراتيجي» تمارسها الإدارة الأمريكية،

واستطرد، «وفي ما يخص جوهر الموضوع الذي أثار قلق جون كيري لهذه الدرجة، فهو تحدث عن نفاد الصبر بشأن عجزنا عن عمل ما يجب علينا أن نفعله مع بشار الأسد، فأذكر بأننا لم نقدم أي التزامات أو وعود لأحد». وأضاف: «أننا اتفقنا على أن جميع من يعمل من أجل تسوية الأزمة السورية، سيسترشدون بالاتفاقات التي تم تحقيقها في إطار مجموعة دعم سوريا، التي تبناها مجلس الأمن الدولي في قراره».

لم تكتف إدارة أوباما بتراجع كيري عن تصريحاته، بل أضافت المتحدثة باسم البيت الأبيض، جنيفر فريدمان، في تصريحات للصحافيين «لا تغيير في سياسة أوباما تجاه سوريا»، وأن «الرئيس صرح مرارا، وبكل وضوح، بعدم وجود حل عسكري للأزمة السورية، وهذه الرؤية ما زالت قائمة» . تلقفت موسكو هذه المواقف الأمريكية الهزيلة، وقامت بالتصعيد السياسي والعسكري في سوريا، على لسان رئيس هيئة الأركان الروسية فاليري غيراسيموف الذي قال: «صبرنا ينفد حيال ما يجري في سوريا وليس صبر الأمريكيين. نفي بالتزاماتنا واتفاقاتنا لضمان وقف إطلاق النار والمصالحة الوطنية في سوريا على أكمل وجه».

على الجانب العسكري أعلنت إيران عن إرسال قائد فيلق القدس قاسم سليمان لبحث الوضع في حلب، طبعاً من دون ابلاغ نظام الأسد، كما حدث مع زيارة وزير الدفاع الروسي إلى قاعدة حميميم التي فاجأت الأسد، الذي اعترف بهذا بعظمة لسانه. لكن المشهد لم يتوقف هنا بل أن التصعيد الروسي على اثر الزيارتين كان كبيراً جداً، حيث بدأت روسيا باستخدام القنابل الفوسفورية والقنابل الحارقة ليس في ريف حلب فحسب، بل في حلب المدينة نفسها، في ظل صمت مطبق في البيت الأبيض، في ما يعتبره البعض تبادل أدوار، روسي أمريكي ولعبة شد الحبل، ويظل الإنسان السوري ضحية هذا النفاق السياسي الذي تمارسة الدولتان ومن خلفهما الأسرة الدولية .

٭ كاتب وباحث سوري

======================

خالد العيسى: قصة مصور صحفي سوري لن تنساه الثورة

ايوان

الاحد 26/6/2016

توفي الناشط الإعلامي والمصور الصحفي السوري خالد العيسى، متأثرًا بجروحه التي أصيب بها قبل أسبوع جراء انفجار عبوة ناسفة استهدفته مع الإعلامي هادي العبد الله في مدينة حلب، وذلك بعدما نقل إلى إحدى المستشفيات التركية ولكنهم لم يستطيعوا علاج الإصابات الخطيرة التي نتجت عن الانفجار.

فيما أكد نشطاء سوريون تحسّن الحالة الصحية لزميله الناشط هادي العبد الله، الذي أصيب في الانفجار نفسه، وجدير بالذكر أن هادي العبد الله وخالد العيسى أصيبا بجروح متوسطة قبل ذلك جراء قصف للنظام على حلب، قبل أن يُستهدفا بعبوة ناسفة بعد يومين فقط من إصابتهما الأولى.

هذا وقد كان من المفترض أن ينقل خالد العيسى إلى ألمانيا لتلقي العلاج هناك، حيث قاد نشطاء سوريون حملة طالبوا السلطات الألمانية فيها بمنح العيسى تأشيرة دخول لتلقي العلاج، حيث إن فرص نجاح علاجه بالمستشفيات التركية انعدمت في فترته الأخيرة، إلا أن القدر قد سبق وتوفي متأثرًا بجروحه الخطيرة قبل منتصف الليل.

وكانت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الألمانية، قد قالت، يوم الخميس الماضي، إن عيسى سيتم إرساله إلى ألمانيا لتلقي العلاج.

وفي تصريحات هاتفية، قالت المسؤولة لوكالة الأنباء الألمانية “نحن واثقون من أن الإخلاء الطبي (إلى ألمانيا) يمكن أن يحدث قريبًا، إذا كانت حالة المريض تسمح بنقله”، مضيفة أن الادعاءات عن رفض تأشيرة عيسى خاطئة.

العيسى من مواليد مدينة كفرنبل في ريف إدلب وعمره 24 عامًا، كان يرافق الإعلامي هادي العبد الله في تغطيات ميدانية عدة، وفي أكثر المعارك والمناطق خطورة، فهو أحد الذين فضلوا أن يكتبوا عن الانتهاكات والجرائم التي تحدث بحق الشعب السوري من داخل أراضي سوريا، رغم تمكنه من الخروج، لكنه فضل البقاء مستخدمًا كاميرا ومايكروفون ليحدث العالم عن طريقهما.

لقد كان العيسى من بين أول من نزلوا إلى الشوارع من السوريين في مدينة حلب، خلال الثورة السورية للمطالبة بالحرية في مواجهة نظام بشار الأسد في مارس من العام 2011، وظل في ميدان الثورة رغم تقلباته لقرابة 5 سنوات، رافضًا أن ينزح خاصة رغم الخطورة التي يتعرض لها الصحفيون في سوريا.

العمل الذي كان يقوم به العيسى كناشط إعلامي ميداني لا يتخيل صعوبته أحد إلا بعد أن يقرأ توثيق المركز السوري للحريات الصحفية، التابع لرابطة الصحفيين السوريين، الذي وثق الانتهاكات التي وقعت بحق الصحفيين خلال الثورة السورية قبل عام من الآن وقدرها بـ485 انتهاكًا، منها 282 حالة قتل، و111 حالة اعتقال، قضي 22 منهم تحت التعذيب، وبلغ عدد الجرحى الإعلاميين 59 حالة، كما تم تعرضت 31 مؤسسة ووسيلة مركز إعلامي لاعتداءات مختلفة من قبل جميع الأطراف المتحاربة.

فلم يكن العيسى أول من قُتل لنقله الحقيقة، لكن له من الذكريات مع أبناء الثورة السورية جعلت الجميع يرثيه، حيث امتلأت صفحات النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي بصور عيسى، معتبرين أن بطلًا جديدًا لنقل الحقيقة قد مات.

كما كان للعيسى دور كبير في مدينة كفرنبل التي انخرطت في الثورة منذ الأيام الأولى، عندما خطت كتابات على قبة جامع كفرنبل الكبير، والملاحظ وقتها أنها لم تكن كتابات خجولة كغيرها في بداية الثورة، بل طالبت بإسقاط بشار الأسد فورًا، ثم بعد ذلك انتشرت أحاديث في المدينة عن ضرورة التظاهر، وبالفعل خرجت أول مظاهرة في كفرنبل بتاريخ 1-4-2011.

وقد بدأت مدينة العيسى كفرنبل في استخدام أساليب مبدعة في إيصال رسائل الثورة السورية إلى العالم باستخدام لافتات تعبر عن الواقع السوري بلغات عالمية عدة، مستخدمين فن الكاريكتير ورسومات فناني كفرنبل، ولا يستطيع أحد إغفال دور المصور الصحفي والناشط خالد العيسى في إبراز هذه الأساليب المبدعة في الاحتجاج.

======================

من الفلوجة إلى حلب: أيّ لعبة «روليت» يدير بوتين؟ .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 25/6/2016

في مثل هذه الأيام، ولكن قبل 11 سنة، كانت أنظار العالم منشدّة إلى مدينة الفلوجة، حيث كانت قوات الاحتلال الأمريكية تحاصر سكانها، أو تشنّ عليهم هجمات وحشية متعاقبة أسقطت مئات الأبرياء قتلى، والآلاف جرحى؛ بذريعة محاربة الإرهاب، الذي بدا يومها وكأنه غادر كلّ أوكاره العالمية، واستقرّ هنا فقط! ثمّ دخل على الخطّ رجل لم يكن أحد ينتظره في معمعة الأخبار تلك، وما كان له أصلاً أن يُدعى إلى صناعة أيّ خبر ذي دلالة في حينه: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين! ففي اجتماع حافل بالمغزى مع أركان القيادة العسكرية الروسية، بشّر العالم بأنّ روسيا سوف تنشر في الأعوام القليلة القادمة أنظمة صواريخ نووية جديدة متفوّقة على كلّ ما تمتلكه جميع القوى النووية الأخرى في العالم. وتابع يقول، في تصريحات نُقلت على شاشات التلفزة الرئيسية، إنّ بلاده لا تكتفي بالأبحاث النووية والاختبارات الناجحة للأنظمة الجديدة، بل هي ستتسلّح بها فعلياً خلال السنوات القليلة القادمة: «أنا واثق أنّ هذه التطوّرات والأنظمة غير متوفرة لدى الدول النووية الأخرى، ولن تكون متوفرة في المستقبل القريب».

وقبل أيام قليلة، في ذروة خضوع الفلوجة لوحشية جديدة متعددة الرؤوس، بين ميليشيات «الحشد الشعبي» والجنرال الإيراني قاسم سليمان و»الخبراء» الأمريكيين وجيش نوري المالكي/ حيدر العبادي؛ خرج بوتين على العالم، في اجتماع مع قيادته العسكرية أيضاً، لينذر ويتوعد: «يعزز حلف شمال الأطلسي نبرته العدوانية وتصرفاته السافرة قرب حدودنا. في مثل هذه الأحوال من واجبنا أن نولي اهتماماً خاصاً بتعزيز الاستعداد القتالي لبلادنا». وكان بوتين يلمّح إلى قاعدة الصواريخ التي افتُتحت مؤخراً في ديفيسيلو، جنوب رومانيا؛ وإلى أنظمة الحلف الدفاعية الأخرى، في بولونيا ودول البلطيق الثلاث، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا. وقبل هذا، في حوار «شفاف» مع الموقع الإيطالي «كورييرا ديلا سيرا»، ذكّر بوتين بأنّ الولايات المتحدة تنفق على التسلّح أكثر مما تنفقه دول العالم مجتمعة، وأنّ إجمالي إنفاق الأطلسي العسكري يعادل عشرة أضعاف ما ينفقه الاتحاد الروسي».

لكن بوتين، وكما هو منتظَر منه، يتجاهل تماماً الوجود الروسي في سوريا، وعلى امتداد الشريط الساحلي السوري؛ حيث صار عديد القوات، وأنواع سلاحهم وعتادهم، لا يعادل قاعدة عسكرية متكاملة، وهجومية الطبيعة جوهرياً، فحسب؛ بل بات هذا الوجود يتفوّق على كثير من القواعد العسكرية الأمريكية، أو الأطلسية، هنا وهناك في العالم. أكثر من هذا، يدير بوتين، في شمال حلب تحديداً، ما يشبه لعبة «روليت» روسية حبلى بالمقامرات والمخاطر والمجازفات، قوامها هذه العناصر: 1) التواطؤ مع إيران و»حزب الله» والميليشيات المذهبية، وما تبقى من جيش بشار الأسد، على استهداف، وبالتالي إضعاف، فصائل «الجيش الحرّ» والفصائل الإسلامية المعتدلة؛ 2) الأمر الذي يُبقي «داعش» آمنة مطمئنة، ويتيح لها الاستقواء على خصومها، والدخول في معارك تنتهي لصالح النظام وحلفائه؛ و3) تأمين العون، تسليحاً ومعونات لوجستية، لوحدات «سوريا الديمقراطية»، بالتنسيق هذه المرّة مع التحالف الدولي، أي: واشنطن والأطلسي، فضلاً عن الوحدات الخاصة البريطانية والألمانية والفرنسية.

ثمة مخاطر ومجازفات في كلّ بند من البنود الثلاثة السالفة، وأمّا وجه المقامرة الأبرز فهو احتمال اضطرار تركيا إلى اجتياح مناطق تمدد «سوريا الديمقراطية»، أسوة بـ»داعش» أيضاً؛ ليس في المساحات التي تعتبرها أنقرة حيوية لأمنها القومي غرب الفرات فقط، بل كذلك ضمن مشروع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الخاصّ بإقامة منطقة، وربما مناطق، عازلة على الشريط الحدودي السوري ـ التركي. فإذا تدخلت تركيا عسكرياً، على هذا النحو، فإنّ احتمالات صدام جوي، أو حتى صاروخي، مع الوحدات الروسية سوف تصبح أكثر ترجيحاً من ذي قبل؛ وهذا تطور سوف يُلزم الحلف الأطلسي باتخاذ أيّ إجراء ملموس بموجب المادة الخامسة من ميثاق الحلف، الذي تستوجب الدفاع عن أية دولة عضو تتعرّض لاعتداء خارجي. سيناريو سبق أن طُرح مراراً، وناقشه عدد من المعلقين الغربيين (دافيد بلير، في «تلغراف» البريطانية مثلاً)، من منظور أوّل يخصّ أمن الحلف، وليس أمن تركيا أو الخشية من صبّ المزيد من الوقود على نيران الحروب في سوريا.

وإذْ يعلن بوتين أنّ روسيا لن تدخل في «سباق تسلّح» مع الولايات المتحدة أو الأطلسي، فليس هذا من باب التعفف والترفع عن إعادة إحياء تراث الحرب الباردة؛ بل، ببساطة واضحة جلية، لأنّ اقتصاد موسكو توقف منذ عقود عن تلبية هذه الرغبة العسكرية، كما قمع رغائب أخرى أقلّ منها طموحاً. وهذه هي روسيا كما أرادها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر (ومن قبله أوائل أنبياء الحرب الباردة)، وكما يريدها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبيوتات المال والأعمال: قوّة عظمى تملك ثاني ترسانة نووية في العالم، ولكنها تنزلق رويداً رويداً إلى مصافّ المقاييس التقليدية لدولة عالمثالثية، في المستويات الاقتصادية والاجتماعية.

اقتصاد نهض على التصنيع الثقيل، ولكنّ أساسه الوطني يعتمد اليوم على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات الغذائية المصنّعة، ويرتهن أكثر فأكثر للرأسمال الأجنبي والاستثمارات المتعددة الجنسيات. تباين صارخ في التوزيع الاجتماعي للثروة القومية، وشروخات حادّة بين الأغلبية الأكثر فقراً وبؤساً، والأقلية المنعَمة المنشطرة بدورها إلى كومبرادور رأسمالي متحالف مع الشركات الغربية العملاقة، وقطاعات طفيلية متحالفة مع المافيات الداخلية ومجموعات الضغط القوموية.

وإذا لم تكن روسيا هذه هي «بيت الموتى»، في الوصف الذي اختاره لها أديبها الكبير فيودور دستويفسكي أواخر القرن التاسع عشر؛ فإنها يمكن، بالفعل، أن تكون «بيت المجانين» في الوصف الذي اختاره الزعيم الشيوعي الروسي غينادي زوغانوف أواخر القرن العشرين. «ستّة رؤساء وزارة في ثمانية عشر شهراً… ألسنا بالفعل في بيت مجانين»؟ سأل زوغانوف، ذات يوم غير بعيد أيضاً، وهو لا يبدي أية سعادة بمجيء رئيس الوزراء الجديد، القادم مع ذلك من قلب الـ KGB: فلاديمير بوتين! ذلك لأنّ زوغانوف كان يملك تقارير موثقة تقول إنّ ربيب يلتسين هذا، وخلال عقود عمله في المخابرات السوفييتية، استحقّ لقب «الكاردينال الرمادي»: لأنه كاردينال أوّلاً (أيّ أقلّ مرتبة من أي القياصرة البطاركة)، ولأنه ثانياً رمادي (أي لا لون له في عبارة أخرى)!

وإذْ يجهد بوتين لإعادة إدارته إلى المربّع الأول في الحسابات الدولية الجيو ـ سياسية، عن طريق مغامرات/ مقامرات في أوكرانيا والقرم وسوريا، فإنّ البلد، في بنيته الاقتصادية ـ الاجتماعية، لا يشغل ذلك المربع إلا من بوابة كاريكاتور التحديث الليبرالي، الذي يتجلّى في صورته الأكثر بشاعة وإثارة للرعب: مخلوق ديناصوري نووي اغترب عن هويته وعن أطرافه الجغرافية والسكانية (25 مليون مواطن روسي يقيمون في بلدان الجوار غير الروسية)؛ لا يستطيع التقدم خطوة إلى الأمام إلا إذا توقّف في المكان، بمعدّل زمني يساوي خطوتين إلى الوراء! وهذا مخلوق عاجز عن مجاراة أعدائه الرأسماليين القدماء، تماماً مثل عجزه عن مجاراة حلفائه الشيوعيين القدماء (الصين بصفة خاصة). يقصف المشافي في سوريا، ويكذّب وثائق القصف الدامغة؛ وينشر الصور التي تُظهر تعمير قاذفات السوخوي بأسلحة محرّمة دولياً، ثمّ ينكر الصور ذاتها التي توزعها وزارة الدفاع الروسية؛ ويعتب على الأطلسي في سباق التسلّح؛ لكنه يهدد بأنظمة صاروخية ما أُنزل بها من سلطان…

ليس دون إنتاج، وإعادة إنتاج، واقع «روليت» انفجاري؛ كلّ يوم…

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

======================

الحوار أو الانتحار .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 25/6/2016

«التاريخ يعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة». مقولة شهيرة لكارل ماركس. ولو كان ماركس يعيش بيننا الآن لقال إن مقولته تلك تنطبق حرفياً على الصراعات التي يشهدها العالم العربي خصوصاً والإسلامي عموماً بين طوائفه ومذاهبه المتناحرة، وخاصة بين الشيعة والسنة.

من المحزن أن المتصارعين مذهبياً وطائفياً في عالمنا التعيس لم يستفيدوا قيد أنملة من تجارب التاريخ وصراعاته المشابهة. وإلا لما دخلوا أصلاً في صراعاتهم الحالية التي تعتبر نسخة هزلية عن حرب الثلاثين عاماً في أوروبا بين البروتستانت والكاثوليك. صحيح أن المسلمين سبقوا البروتستانت والكاثوليك بقرون في صراعاتهم السياسية المتدثرة بثوب ديني ومذهبي منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن المسيحيين عادوا بدورهم وطبقوا مقولة كارل ماركس أعلاه دون أن يستفيدوا بدورهم من تجارب المسلمين المريرة. وها هم المسلمون يكررون كوارثهم التاريخية الآن دون أن يستفيدوا بدورهم من صراعات المسيحيين في القرن السابع عشر التي اندلعت عام 1618 ودامت حتى 1648.

بعض الجاهلين بحقائق التاريخ، كما يجادل الباحث والكاتب سعد محيو، يعتقدون أن ما تمر به منطقتنا من صراعات وحروب مذهبية وطائفية فريدة من نوعها، بينما هي في الواقع مجرد نسخة كربونية عما فعله الأوروبيون ببعضهم البعض قبل أكثر من أربعة قرون. قد تظنون أن التوصيف التالي هو وصف لحالة العالم العربي الآن. لا أبداً. إن ما ستقرأونه في السطور التالية هو وصف لما حدث لأوروبا في القرن السابع عشر إبان حرب الثلاثين عاماً. لنقرأ أولاً:» إنها منطقة يُمزِّقها الصراع المذهبي بين تقاليد واجتهادات متنافسة في الدين نفسه. لكن الصراع يجري أيضاً بين المعتدلين والمتطرفين، وتُغذيه القوى الإقليمية المجاورة (والقوى الدولية) التي تسعى إلى تعزيز مصالحها الخاصة وزيادة نفوذها. النزاعات تحدث بين دول المنطقة وفي كل دولة، بحيث أصبح من الصعب التمييز بين الحروب الأهلية وبين الحروب بالواسطة، وبين الصراعات الدولية والاقليمية. ولذا فهو أيضاً صراع ديني يختلط بشدة بالتنافسات الجيو ـ سياسية التي تُفقد الحكومات السيطرة على المجموعات الصغيرة ـ الميليشيات ومثيلاتها ـ العاملة داخل الدولة وعبر الحدود، وتغيّر كل الخرائط السياسية. إن الخسائر في الأرواح هائلة وتكاد تبيد نصف سكان المنطقة، وكذلك الأضرار مخيفة على الصعد البيئية والاقتصادية والاجتماعية. الفظائع الإنسانية مروّعة، والملايين باتوا بلا مأوى».

هذا كان وصفاً ليس لمنطقتنا في القرن الحادي والعشرين، كما يقول محيو، بل لأوروبا في القرن السابع عشر، كما لو أن ماضي أوروبا بات حاضرنا الذي قد يعاني الآن من أعراض ثلاثين سنة مدمرة مماثلة قادمة.

الحرب الأوروبية بدأت العام 1618 حين حاول فيرديناند الثاني ملك بوهيميا، الذي أَصبح لاحقاً امبراطور روما المقدسة اللاحق، فرض العقيدة الكاثوليكية المُطلقة على مناطق حكمه، فتمرد عليه النبلاء البروتستانت في كل من بوهيميا والنمسا.

ويعتبر المؤرخون أن هذه الحرب كانت الأكثر دماراً في التاريخ الأوروبي، حيث تم تدمير ونهب وإحراق مدن وقرى وبلدات بأسرها على يد المرتزقة الذين قاتلوا خدمة لقوى مختلفة، ودمروا عملياً كل القارة الأوروبية. ما بين 30 إلى 40 بالمئة من سكان ألمانيا أُبيدوا، والتهجير والتنظيف الطائفي والعرقي طال ملايين البشر، والنسيج الاجتماعي تمزّق بعنف ووحشية، ومعظم البنى الاقتصادية والتحتية دُمِّرت.

حرب الثلاثين عاماً انتهت بسلسلة من المعاهدات التي وقعت في العام 1648 وعرفت بسلام وستفاليا، الذي أقام نظاماً سياسياً جديداً في أوروبا في شكل دول ذات سيادة متعايشة مع بعضها البعض على أساس: السيادة، واحترام وحدة الأراضي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. هذا السلام لم يكرّس حرية الانتماء الديني ولا حرية المعتقد، بل منع كل دولة أو فئة من فرض دينها على الآخرين، وأسس لبروز سيادة الدولة ـ الأمة.

لماذا لا يتعلم المسلمون المتناحرون الآن على أسس مذهبية من محنة الثلاثين عاماً أوروبا القرن السابع، خاصة وأنهم اطلعوا على نتائجها الكارثية؟ ألا يعلمون أن مشاريع الدويلات المذهبية والطائفية التي بدأت تشق طريقها رويداً رويدا نحو التنفيذ ستكون كارثة على أصحابها وشعوبها؟ لن تكون تلك الدويلات قادرة، مهما فعلت، على تجنُّب الحروب الدائمة بين بعضها البعض، ولا على إقامة طبعتها الخاصة من الدولة ـ الأمة، ولا على توفير مقومات البقاء الاقتصادي والأمني والاستراتيجي، كما يجادل محيو في تحليله الدقيق. وحتى لو نجحت هذه الدويلات في البقاء، في ظل إعادة انتاج صيغ الحماية الدولية على الأرجح، ستكون مضطرة في مرحلة ما إلى البحث عن صيغ اتحادية في المنطقة لتوفير ظروف الحياة لها، سواء في شكل نظام إقليمي مشرقي جديد، أو حتى في شكل تكتلات إقليمية.

في مرحلة ما أيضاً، حين ستوغل الهويات ما قبل الوطنية في المشرق في تغوّلها وتوحشها وحروبها، وفي اسقاطها لكل مقومات السيادة والكرامة بفعل استتباعها لإرادة وأوامر السيِّد الدولي الجديد، ستبرز مرة أخرى، وبقوة، الحاجة الماسة إلى أنموذج فكري ـ استراتيجي جديد، يستند إلى التعاون والتضامن الإقليمي المشرقي، بوصفه المنقذ الوحيد من جهنم حروب الدمار الشامل، وبكونه الجامع المشترك الأول بين مكونات مجتمعات المشرق.

ويضيف الكاتب، حين تتكشف أمام أفراد «الهويات القاتلة» ما قبل الوطنية والقومية أي أتون جهنمي دخلوا فيه، وحين يشعرون بالتعب من الحروب العبثية والقتل والدمار الشامل، وحين يبدأون بتلمّس الاثمان الباهظة للغاية للصفقة الفاوستية مع القوى الخارجية، وحين تتقطع بهم سبل الأمن والعيش، سيجدون أن المنقذ الوحيد من الضلال هو هذا الأنموذج الفكري- الاستراتيجي الجديد في المشرق، التعاوني والروحاني (في مقابل التكلّس الديني العصبوي) والمسالم.

هذه اللحظة ستأتي أيضاً حين تصل السعودية وإيران وتركيا والأكراد إلى حالة الانهاك، أو حين تصل ألسنة اللهب التقسيمية الطائفية والإثنية إلى عقر دارها (وهي ستصل حتما)، فتتوقف عن استخدام وإشعال الورقة المذهبية في المنطقة كعنصر أساسي في سياستها الخارجية، سواء الثورية أو المحافظة، وتبدأ البحث عن القواسم المشتركة لأمن مشترك، واقتصاد مشترك، ونظام إقليمي مشترك في الإقليم، ونزعة روحانية- ثقافية مشتركة.

الفاهمون للتاريخ يدقون ناقوس الخطر لكل المتورطين بالصراع المذهبي والديني والطائفي والعرقي في المنطقة بأعلى أصواتهم؟ الحوار أو الانتحار. فهل يصغي المتناحرون ويتداركون ورطتهم التاريخية قبل فوات الأوان؟

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

أوراق القيصر السوري .. د.خالص جلبي

الاتحاد

السبت 25/6/2016

روت لي ابنتي من نيويورك كيف اشتغلوا لمدة شهر وبالتعاون مع الحقوقي الأميركي «ديفيد كرين» لتعميم الصور التي هرب بها المدعو قيصر (وهذا اسم مستعار) من سوريا، ويقول القانوني «ديفيد كرين» إنه اجتمع بالقيصر وتحدث معه، وهو مختفٍ الآن باسم مستعار في بلد أوروبي. ومما روى عن تجاربه أنه لم يعد يتحمل التصوير (بعد قرابة 11 ألف جثة ماتت جوعاً وتعذيباً موثقة بـ55 ألف صورة) فقد كانت مهمته تصوير الجثث وتوريدها للقصر الجمهوري! ومن الغريب هذا التوثيق الذي قد يفتضح، ولكنه يذكر بالعقلية النازية الجهنمية، فهتلر لم يكن يرتاح قبل أن يرى النهاية لخصومه أو من يعتبرهم خصومه مصورين بفيلم حي من نوع 8 ملميتر في أيامهم! ويقول قيصر: وفي يوم كان أحد الضحايا صديقاً لهم فقرر الهرب لأنه سيكون الصورة القادمة والضحية التالية التي لا مفر منها.

ويتشكك «كرين» كثيراً في أن يتجاوز مجلس الأمن محلة الإدانة والدعوة إلى فتح تحقيق في المسألة، وذلك لمعرفته العميقة بهذا المجلس المنحاز وخاصة أن بعض زعماء الدول الكبرى فيه مهتمون لنجاة صديقهم الموهوب في القتل. وفي أميركا قام البعض بالتفاف مختلف من خلال الضغط في مجلس النواب والشيوخ الأميركيين، حتى قام الجمهوري كريس سميث (Chris Smith) بالتعاون معهم وعرض الفاجعة على لجنة مستقلة.

وحالياً تم تحضير خمس قضايا للرفع القانوني في وجه الأسد المفلت من العدالة بالفيتو الذي يسخره في صالحه بعض حلفائه. ولابد أن يكون للعدالة الدولية موقف ليس فقط في وجه النظام بل أيضاً في وجه بعض المجموعات المسلحة مثل «النصرة» و«داعش» وحتى بعض العناصر المحسوبة على «الجيش الحر» (روى لي صديقي طبيب الأسنان من بصرى الحرير كيف استسلم تسعة جنود للمعارضة المسلحة فقتلوهم ميدانياً).

يقول «كرين» عن خبرته الشخصية إن والده كان ضابطاً يخدم في الجيش الأميركي في ألمانيا الاتحادية ورأى وهو طفل معسكر «داخاو» الألماني حيث كان يجمع ويصفى المعتقلون. وقال لقد شممت رائحة الرعب وما زالت في أنفي حتى درست الحقوق، وكرست نفسي اليوم للسوريين، كما فعلت مع المجرم تشالز تايلور (رئيس ليبريا السابق المسؤول عن قتل مئة ألف أو يزيدون).

وحين يتحدث عن حملة بوش الابن يقول كنت أنا في وزارة الدفاع حين تمت التهيئة لاجتياح العراق، والحق أقول لكم، كانت من أجل النفط لا أكثر ولا أقل.

ومن أعجب ما يذكر الرجل عن قضية المجرم تشارلز تايلور أن عمله لم يسند من الحكومة الأميركية بل تمت عرقلته في بعض المراحل، ليكتشف بعجب أن تايلور كان عميلًا مدللًا ليس عند الاستخبارات المركزية(CIA) فقط، بل أيضاً المخابرات المركزية العسكرية (DFA)، وربما كان أحب إلى قلوبهم حتى لو قتل مائة ألف أويزيدون، أو مثل بشار 470 ألفاً من الأنام، وعطب مليونين وهروب عشرة ملايين! ومن أعجب ما يسرد أن هناك الكثير من المجرمين الذين لا يمكن جرهم لعدل أو عدالة أو محكمة أو هيئة لأنهم محروسون في المحافل الدولية بالفيتو غير المسؤول. لينتهي بالقول: إن الطريق لتحقيق العدالة طويل ومليء بالمفاجآت والمطبات، ولكن يكفي أننا نجحنا مرة في جر مجرم عتيد إلى العدالة، ووضعنا الأصفاد والسلاسل في معصميه، ومن نجح مرة في تحقيق العدالة فقد ينجح مرات.

ومن هذه الخلاصة نصل إلى أن الظلم في الأرض عريق، وبين الخلائق مستمر وعتيق، ومن ظلمات هذا الجو كان لابد من قانون وعدالة ووقف لمجرمي الحروب عند حدودهم بشكل حاسم.

======================

حرب التصريحات .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 25/6/2016

لم يعد السوريون يثقون بشيء مما يسمعونه من تصريحات كثيرة من قادة العالم حول قضيتهم، لقد فقدت هذه التصريحات مصداقيتها مثلما فقد أصحابها احترام الناس لهم، وباتت كلماتهم مجرد مادة للتداول الإعلامي الباهت، وبات السوريون يتذكرون قول شاعرهم أبي تمام «السيف أصدق إنباءً من الكتب». وفقدان أمل الشباب بحلول سياسية حكيمة توقف شلالات الدم يجعلهم أمام خيارات محدودة، فإما التعرض للاعتقال والموت تحت التعذيب، وإما الهرب من ساحات الموت إلى الهجرة عبر مغامرة مع الموت ذاته، وإما حمل السلاح ومواجهة الدم بالدم.

لقد نجحت عملية خلط الأوراق، وصار اللعب السياسي بدم السوريين ملهاة تراجيدية، وبات موقف مجلس الأمن مدعاة للسخرية حين يصدر قراره الشهير 2254 فتوافق عليه المعارضة ويعطله الروس الذين صاغوه في مجلس الأمن، تماماً كما صار وضع اتفاقية الهدنة التي صاغتها روسيا مع الولايات المتحدة وسرعان ما اخترقتها روسيا ذاتها عبر طيرانها الذي لم يتوقف. وقد كان مفجعاً أن يتم تجاهل دعوة الهيئة العليا للمفاوضات إلى هدنة في شهر رمضان المبارك، وأن يتصاعد القصف على كل المناطق وبخاصة على حلب وإدلب وحمص وريف دمشق. وقد كان كل الضحايا من المدنيين الذين تطالبهم روسيا بالابتعاد عمن تسميهم إرهابيين وهي تعلم أنهم محاصرون من كل الجهات! ولم تسمح الولايات المتحدة بإقامة منطقة آمنة يلجأ إليها مئات الآلاف من الأسر التي باتت في العراء هرباً من القصف اليومي، وهم يعلمون أن الحدود البرية مع تركيا مغلقة، وقد أغلقت كذلك الحدود مع الأردن مؤخراً لأسباب أمنية، وبات على ملايين السوريين أن يستقبلوا الصواريخ بأجسادهم العارية، وأن يقدموا أنفسهم وأطفالهم للموت تحت أنقاض منازلهم.

وإصرار النظام على تسمية غالبية الشعب السوري حاضنة للإرهاب وسعيه لإبادة ما يسميه الحاضنة يعني قتل ملايين من المواطنين، وليس سراً أن أهل السُّنة وهم الغالبية العظمى من الشعب باتوا يشعرون بأنهم هم المستهدفون ولاسيما أن شعارات إيران و«حزب الله» الطائفية تذكي شعور المظلومية السُّنية وقد أقحمت على الثورة السورية التي أطلقت شعار الكرامة والحرية وبناء الدولة المدنية، ورفض ملايين السوريين زج الأديان والمذاهب والأعراق في هذا الصراع السياسي.

كنا نأمل أن يستجيب النظام وحلفاؤه لما طلبناه من هدنة في شهر رمضان، وكان من الممكن أن تكون فاتحة لإمكانية استئناف المفاوضات بعد عيد الفطر، ويبدو أن «دي مستورا» سيحاول استئناف المفاوضات في شهر أغسطس القادم، على رغم أن خطاب الأسد الأخير في مجلس الشعب سد منافذ الحل السياسي، وجدد رفضه لإنشاء هيئة حكم انتقالي، وأعلن إصراره على متابعة الحل العسكري مستعيناً بالغرباء على شعبه، مصمماً على وصف كل من يعارضه بأنه «إرهابي» و«خائن»، وهو متمسك بكرسي الحكم حتى لو أبيد الشعب كله! والعالم يحرص على ألا يكون هناك غالب ومغلوب، وسيبقى الصراع مفتوحاً لا نهاية له، على رغم التصريحات المتوالية عن نفاد صبر روسيا مقابل نفاد صبر الولايات المتحدة، والحقيقة أن الوحيد الذي لم ينفد صبره هو الشعب السوري الذي تحمل من الفواجع والمحن ما يصعب وصفه.

لكن انتقال الصراع إلى المحيط الإقليمي والدولي سيجعل العالم كله يعيش توتراً أشد مما كان أثناء الحرب الباردة، فإيران بدأت تطلق تصريحات تهديد مباشر لجيرانها العرب، وتوحي بتفجير الوضع في البحرين والكويت بعد توسعها العدواني في العراق ولبنان وسوريا واليمن، ويبدو أنها تنظر إلى التوسع الفارسي الإمبراطوري على أنه قضية وجودية، فهي غير قادرة على العيش داخل حدودها دون تمدد وتصدير سلطوي ومذهبي. وأصدقاء إسرائيل يجدون في هذا السلوك الإيراني ما يخدم المشروع الإسرائيلي حيث يحل الصراع السُّني الشيعي محل الصراع العربي الإسرائيلي. وما دام المسلمون ينشغلون بقتال إسلامي (سُني وشيعي) فإن ذلك يحقق أمن إسرائيل الذي كان وما يزال الهم الشاغل لدول الغرب.

وقد انشغل العالم بتصريحات تحدثت عن الخطة «ب»، وهناك ترقب غائم لموعد الأول من أغسطس القادم، ومع التقليل الأميركي من شأن الخطة والموعد، نجد ضخاً جديداً للتصريحات، ودعوات لتدخل عسكري دعا إليه دبلوماسيون أميركان ضاقوا بصمت بلادهم على مجازر ضد الإنسانية. ولسنا بحاجة إلى مزيد من التدخل الأجنبي ومن الدمار والدماء، وحسبنا أن يكون أعضاء مجلس الأمن جادين وحاسمين في تنفيذ القرار 2254 دون هرطقات في التفسير.

======================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com