العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03-06-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

أميركا لروسيا: لدرعا حساب آخر .. غازي دحمان

العربي الجديد

الخميس 31/5/2018

انتهى زمن الحروب السهلة في سورية، التي كانت تقرّرها الأطراف المحلية، وتلك التي كانت تديرها الأطراف الإقليمية، وحتى التي أدارتها روسيا  منفردة. هي مرحلة وانتهت. ولأن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كان يعرف هذه الحقيقة، استدعى وكيله في سورية، بشار الأسد، ليطلب منه الاستعداد للبدء في مرحلة جديدة، إطلاق عملية السلام.

لكن، ماذا عن جنوب سورية، درعا والقنيطرة، وعن إدلب وأجزاء من شمال سورية، وعن كامل شرقها؟ ماذا عن المعابر مع الأردن وتركيا وحقول النفط والغاز والقمح والقطن في الجزيرة السورية، ألا تستحق تلك المناطق والبقاع أن يجرّد نظام الأسد الحملات العسكرية لإخضاعها، وإذا بقيت خارج حدود سيطرته، فما الذي ستكون حققته انتصاراته، بمساعدة كل جيوش إيران البرية في المنطقة، وكامل سلاح الجو والصواريخ لثاني قوّة عسكرية في العالم؟

ليس خافياً أن الأسد وبوتين غير راضيين عن هذه النتائج، بعد أن خلصا إلى حكم عاصمةٍ، وبضعة مدن ليس لديها ما تقدمه لهما سوى المطالبة بميزانيات إنفاق لتسيير شؤونها اليومية، وإصلاح الأعطاب الهائلة في بناها التحتية، من دون أن يكون في استطاعتها المساهمة في توفير الموارد التي يحتاجها نظامٌ يعيش على قنوات التغذية التي تمدّها له إيران، في مقابل بيعها أصول سورية الاقتصادية، وجزءا كبيرا من ثروتها التاريخية.

لكن، وبما أن بوتين لم يكن بمقدوره السيطرة على المساحة التي يقف عليها الآن، من دون

"شغّل نظام الأسد منظومة عملائه وخلاياه النائمة في الجنوب" إجراء شبكة معقّدة من الترتيبات والوعود للأطراف الإقليمية، بما تضمّنه ذلك من تفاهماتٍ شفوية واتفاقات مكتوبة في أحيان كثيرة (مناطق خفض التصعيد)، وبما أن الدول ليست ساذجةً بالقدر الذي يجعلها تتنازل بالسياسة عمّا حصّلته تحت ضغط النيران، فإن بوتين يدرك مدى صعوبة المرحلة، وخطورة أي حساباتٍ خاطئة.

جرّب، في مرّة سابقة، تغيير المعادلات والخروج عن التوافقات، فكانت مذبحة دير الزور التي قتل فيها مئاتٌ من المرتزقة الروس، ثم لم يستطع إعلام روسيا، بكل قدرته على التحريف والتلفيق، إخفاء الفضيحة، وصمتت الدبلوماسية الروسية في هذا الشأن، ووحدهن أمهات القتلى وزوجاتهم من كشفوا فظاعة الكارثة.

واليوم يبدو أن بوتين يحاول اختبار طريقة مختلفة في درعا، باتباع أسلوب التهويل والوعيد، على فصائل المعارضة. وكانت النية أن يتم إفراغ اتفاق خفض التصعيد من داخله، من دون حاجة إلى إعلان صادم مع القوى الراعية، فقد أرادت روسيا دفع فصائل الجنوب إلى الاستسلام، عبر آلية إجراء المصالحات وتسوية أوضاع الراغبين في البقاء في مناطقهم، وترحيل غير الراغبين إلى إدلب. وعند ذلك الحين، لن تبقى لأميركا، الراعي اتفاق خفض التصعيد، ذريعةً للدفاع عن هذا الاتفاق، ما دام أصحاب الأرض قبلوا بالحل الذي اقترحه الروس عليهم.

واشتغلت مكائن الروس ونظام الأسد لإنجاز الأمر، قبل أن يعي الطرف الأميركي حقيقة ما يجري، واجتمع ضباط قاعدة حميميم، برفقة مخابرات الأسد، مع عشرات الوفود من درعا والقنيطرة وأريافهما، ووضعوا على الطاولة ما حصل في الغوطة الشرقية بكل تفاصيله، من التدمير الذي تنقّل من حي إلى آخر، إلى الضربة الكيميائية، وصولاً إلى التهجير، وكيف أن العالم لم يستطع فعل شيء لفصائل الغوطة وسكانها. كما ضربوا لهم أمثلة القلمون وريف حمص الشمالي، داعين الوفود إلى الاتعاظ بما حصل للغوطة، وتقليد فصائل القلمون وريف حمص الشمالي، والاستفادة من الفرصة المتاحة التي تتضمن ضمانة روسيا اتفاق المصالحة وتسوية الأوضاع.

ولم يتم الاكتفاء بذلك، بل شغّل نظام الأسد منظومة عملائه وخلاياه النائمة في الجنوب، وهم بقايا البعثيين وعملاء المخابرات، بالإضافة إلى أثرياء الحرب الجدد، لتوهين نفسية البيئة 

"أرادت روسيا دفع فصائل الجنوب إلى الاستسلام، عبر آلية إجراء المصالحات وتسوية أوضاع الراغبين في البقاء في مناطقهم" الجنوبية، وتشكيك الأهالي في قدرات الفصائل على مواجهة النظام، ودفعهم إلى البحث عن خياراتٍ بديلة، مثل قبول المصالحة بشروطها المجحفة، وعودة نظام الأسد إلى السيطرة على الجنوب، من منطلق أنها عودة متحقّقة برضى أهل المنطقة أو من دونه، لكن الفارق يبقى في تجنّب درب الآلام أو خوض مخاض عسير يمكن تجنبه.

وأخيراً، جاءت مناورة إخراج المليشيات الإيرانية من مناطق في الجنوب، في محاولةٍ بدا غرضها سد ذرائع أميركا وإسرائيل، والالتفاف على اعتراضهما على أي تحرّك في جنوب سورية. وكانت روسيا ترغب في طرح القضية في قالبٍ جديد، قضية محلية وترتبط بالسيادة، طالما أن أميركا لا تعترض على المسألة، وطالما أن إسرائيل ترحب ببقاء الأسد، وترسيخ سيطرته على جنوب سورية، ما دامت إيران خارج اللعبة.

بيد أن الفيتو الأميركي أعاد الأمور إلى مربعها الأول، فالمسألة أعقد بكثير من حسابات الروس، وأكبر من ألعاب وكيلهم السوري الساذجة. إنها مرتبطةٌ بدرجة كبيرة بمصير سورية والإقليم والتشكّلات الجديدة والمعادلات المرتسمة، والتي وافقت عليها روسيا التي تتلطى خلف حشود الأسد الذاهبة إلى الجنوب، وحصلت في مقابل ذلك على تسهيلاتٍ ساعدتها في السيطرة على حلب والغوطة، بل والقضاء على جزءٍ مهم من جسم فصائل المعارضة.

إلى ذلك، تدخل درعا في خانة المناطق التي لها حساب خاص ومختلف، تماما كما تم تصنيف شرق سورية وشمالها، وهنا تصبح القوّة الروسية محدودة، وفعاليتها ليست كاملة. وفي وقت تصبح فيه أوزان القوى الدولية على المحك، تطلق صفارات الإنذار في وجه الحشود المتجهة جنوباً، معلنةً عن وجود حالة تسلل واضحة.

==========================

موقفنا : نحن والقمر جيران .. حول حرص الصفوي على التماس مع الصهيوني .. زهير سالم

2 / 6 / 2018

مركز الشرق العربي

لن يلتفت أحد إلى تصريحات بشار الأسد للإعلام الروسي أنه لا وجود لقوات إيرانية في سورية !! تفضح حالةَ الإنكار التي يعيشها هذا المضطرب نفسيا ، التصريحاتُ والتأكيدات قبل اللافتات والشعارات والمجسمات وصناديق الموت تحمل ثمرات الاحتلال الأثيم !!

ولن يلتفت أحد إلى شعارات المقاومة والممانعة والمداجلة التي تعوّد أتباع دين (التَّقية)، بفتح التاء ، وكسر القاف وتشديد الياء ، على إطلاقها ، فكل العقلاء ، غير مرضى التومان ، باتوا يعرفون مبتدأ مقاومة هؤلاء وخبرها ، ومدخلها ومخرجها ..من الضاحية الجنوبية وحتى حيفا ..

كل ما في الأمر أن ميليشيات الاحتلال الصفوي في سورية تطمح إلى إنشاء تفاهمات حسن جوار مع الاحتلال الصهيوني ؛ لتستحق بالتالي كل الحمد والثناء على الوفاء الذي نعم به حافظ وبشار الأسد منذ 1974 أو الذي نعم به حسن نصر الله منذ 2006 ، بيننا وبين 2006 اثنا عشر عاما والعلاقات بين الجارين الودودين أجمل وأرقى منها يوم كان أنطوان لحد وقواته ( العميلة ) . حتى جمهورية مزارع شبعا سكن فيها كل شيء حتى الهواء ..

هذا الهيام الصفوي بالالتصاق بالصهيوني يبدو أنه هيام من طرف واحد في هذا الظرف ، أو أن الصهيوني ما يزال يتطلع إلى صداق أكبر لمتعة أكبر إما في السعر وإما في الأجل. وربما كان منه هذا الذي لم نسمع عليه اعتراضا بحجمه من أحد... أن يعترف الصفوي و الأسدي بما طالب به وزير الاستخبارات الصهيوني ، من شرعنة ضم الجولان أو سلخها والموضوع بإلحاح على أجندة الرئيس الأمريكي صاحب البدوات. وقد يكون منها بعض الاشتراطات في ترتيبات القيافة الصفوي منها ما يتعلق بالأظافر ومنها ما يتعلق بأمور ملك سرها ابن سبأ منذ ألف وخمس مائة عام ...

المهم أن ندرك أن حرص الاحتلال الصفوي على التماس مع الاحتلال الصهيوني لا يتعدى حرص أحدهم على أن يكون له في غرفته شرفة على القمر ، ليعطي كل المشككين برهانا عمليا على حسن السيرة والسلوك : نحن والقمر جيران وبيتو فوق تلالنا ..

والمهم أيضا أن نؤكد نحن السوريين أن أي تسويات دولية أو إقليمية تتم على حساب سورية الوطن وسورية الإنسان هي تسويات مرفوضة في جملتها وفي تفصيلاتها .

وأن نؤكد أن كل الاحتلال إلى زوال ، وأن نؤكد لكل الذين يديرون مساوماتهم وصفقاتهم على كل جنبات الشام وعلى حساب دماء السوريين : أننا لن نبيعهم ...لن نبيعهم ...لن نبيعهم في أي ظرف كما يبيعون ..

وأنه ما أسرع أن يستدير الزمان ، ولن يستغرق طويلا حتى يسترد شعبنا قراره ومبادرته ، بعد الخديعة الكبرى التي أفاق عليها من قبل كل أدعياء التحضر والتمدن والمثرثرين عن حقوق الإنسان ..

لا عم ..ولا خال ..ينشد الشعب السوري اليوم :

نبئتُ أن النار بعدك أوقدت ..واستب بعدك يا كليب المجلس

وتنازعوا في أمر كل عظيمة ..لو كنت حاضر أمرها لم ينبسوا

وتصرخ المرأة السورية : واذلاه يالتغلب

لا يعلمون أن موطن تغلب كان الجزيرة العليا وأن ديار بكر اليوم هي دويارها ويتكأكؤون

قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال

______________

* مدير مركز الشرق العربي

===============

سوريا: في التعفيش وأصوله .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 31/5/2018

في ربيع العام 1982، مر عليّ قريب لي، في إجازة قصيرة من خدمته العسكرية الإلزامية، قبل أن يكمل طريقه إلى قريته. كان مجنداً في الوحدات الخاصة، وقد شارك في الحرب على مدينة حماة في شهر شباط من ذلك العام. والوحدات الخاصة بقيادة اللواء علي حيدر كانت من تلك الوحدات العسكرية عالية التدريب التي يعتمد عليها في حماية النظام، وتقع خارج ولاية قيادة الجيش، كحال الحرس الجمهوري اليوم.

حكى لي قريبي عن بعض ما شهده من فظاعات بحق السكان، وأراني مجموعة من الصور كان قد حصل عليها من أحد البيوت التي اقتحموها بعد خلوها من أهلها (قتلاً؟ اعتقالاً؟ هروباً؟..). صور عائلية عادية تظهر فيها فتاة شابة جميلة بوجه ضاحك. استغربت الأمر بشدة، وسألته لماذا يحتفظ بتلك الصور؟ فقال لي إنها الشيء الوحيد الذي «خرج به» من معركة حماة، في حين نهب زملاؤه المصاغ الذهبي وكل ما خف حمله وغلا ثمنه من البيوت التي استباحوها.

لم أسمع شهادات عن نقل أثاث البيوت المستباحة، كما يحدث اليوم، في سيارات شحن من مدينة حماة الجريحة في ذلك العصر البعيد. ربما حدث ذلك ولم يسمع به أحد بسبب التعتيم الشديد على كل ما حدث هناك من فظاعات، حيث تدور التقديرات حول عدد هائل من القتلى يعد بعشرات الآلاف، ودمار شمل نصف المدينة.

قد يمكننا القول، برغم ذلك، أنه كانت لتعفيش ذلك العصر «كرامته»! أعني أنه ربما لم يبلغ من الانحطاط والوضاعة ما بلغه على يد بشار الأسد، فكان لجندي من الوحدات الخاصة أن يكتفي مغنماً بصور فوتوغرافية لفتاة جميلة لا يعرفها، أو يتم التركيز على النقود والمجوهرات، مقابل تعفيش هذه الأيام الذي يعبر عن جوع وضيع لا يمكن إشباعه بكل غسالات سوريا وبراداتها وكابلات خطوط تليفونها وبلاطات مراحيض بيوتها. جوع موغل في التاريخ للطغمة التي استولت على السلطة في سوريا في الستينيات ولم تشبع من النهب والسلب، ولن تشبع.

نعم، لا يعبر التعفيش المباح في حروب النظام الكيماوي على سوريا، فقط، عن عمل ممنهج لمزيد من إذلال السوريين وتحطيمهم معنوياً بعد تحطيمهم الفيزيائي، بل يعبر أيضاً عن نزوع وضيع و«عين جوعانة» لدى الجنود الأفراد، كل بذاته. ربما لهذا السبب يمكن الافتراض أنه يتم اختيار «كتيبة التعفيش» بعد كل تدمير وترحيل للأهالي، اختياراً دقيقاً من أشد الجنود سفالة، ممن هم مستعدون لبيع أمهاتهم بارتياح، لكي تتم المهمة على أفضل ما يرام. يروي وزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس في كتابه المخصص لتمرد رفعت الأسد على أخيه، في عام 1984، حين كان الأخير على فراش المرض، فيقول إن رفعت قد أمر جنوده في سرايا الدفاع باستباحة العاصمة دمشق لمدة ثلاثة أيام، بعد استيلائه المأمول على السلطة، فحلل لهم أموال الناس ونساءهم. وتوعد كل من يحتمل أن يطلب منه شيئاً، بعد انتهاء الفترة المذكورة، بأشد القصاص. إذلال سكان العاصمة و«كسر عينهم» بتلك الطريقة هي «البيان الحكومي» الخاص بالعهد الجديد وبرنامج عملها، فيما لو نجح تمرد رفعت. غير أن الرياح خذلت قائد سرايا الدفاع، وتمكن حافظ الأسد من استعادة السيطرة على الوضع. وتنازل رفعت عن طموحه السلطوي مقابل «تعفيش» المصرف المركزي الذي ستشكل الأموال التي نهبها منه رأس ماله في بلاد الاغتراب.

سبق لـ«الجيش العربي السوري» أن تدرب على التعفيش في لبنان، قبل نقل التجربة إلى الداخل السوري. هناك مرويات كثيرة عن الاستيلاء على بيوت في بيروت ونهب محتوياتها بما في ذلك صنابير الماء وبلاط الأرضيات وأسلاك الكهرباء. ولم يخرج الجيش الأسدي من لبنان، في عام 2005، مذلولاً مخذولاً، إلا وهو يحمل منهوباته في شاحنات مكشوفة.

هناك من يجادلون في موضوع التعفيش هذا بالقول إن الاستيلاء على الغنائم هو عمل مألوف في جميع الحروب، وليس مسلكاً يخص هذا الجيش. هذه الحجة فاسدة من أساسها، لأن الجيوش لا تحتل مدناً وأراضي في بلدها نفسه، ولا تقاتل شعبها، بل يتعلق الأمر عادةً بحروب بين بلدين، يسعى المنتصر فيها إلى إذلال المهزوم فيرتكب ما يرتكبه كجيش احتلال (هذا لا يعني أنني أبرر تلك الأعمال الشائنة حتى حين يتعلق الأمر بحرب بين بلدين). هذا ما يؤكد النتيجة المنطقية التي سبق ووصل إليها السوريون، ومفادها أن النظام الأسدي إدارة استعمارية أجنبية، وجيشه جيش احتلال أجنبي. ليترتب على هذا الحكم مقتضاه: يجب اقتلاع المحتل الغاصب. نقطة على السطر. هناك فيديو يتم تداوله يصور جنوداً من كتيبة التعفيش، في أحياء جنوب دمشق، ألقت عليهم القبض الشرطة العسكرية الروسية بالجرم المشهود. فبطحتهم أرضاً قبل اعتقالهم. لا شيء يدعو للافتراض أن الجنود الروس المحتلين هم أقل سفالة من جنود التعفيش «الوطني» المبطوحين على الأرض. ومع ذلك يثير المشهد الشماتة لدى السوريين، ولا أحد شعر بالتعاطف مع أولئك المجرمين، الأسود على أهل البلد ـ الجرذان تحت أقدام المحتل الروسي.

قريبي الذي ورد ذكره في مطلع المقالة، سيزورني مرةً أخرى، بعد عدة أشهر على زيارته الأولى. فبعدما استتب النصر للوحدات الخاصة على مدينة حماه، انتقل قريبي مع وحدته العسكرية إلى لبنان. لدى عودته الثانية بدا لي شخصاً آخر: مكسوراً منطفئ النظرات. سألته عن حرب لبنان (الاجتياح الإسرائيلي 1982). فقال لي: الطيران الإسرائيلي حطمنا. كنا نموت رعباً كلما سمعنا صوت الطائرات.

لقد اختفى ذلك الجندي الجسور القوي في حماة الذي كان سكان المدينة يرتعدون أمامه قبل أن يتم إعدامهم، وحل محله جندي مذعور ينبطح عند سماع أزيز الطائرات في الجو. لا يفصل بين الحالين أكثر من ثلاثة شهور.

لم يختلف الوضع كثيراً اليوم. جنود بواسل يقتلون المدنيين العزل بكل شجاعة، في المدن والبلدات والقرى السورية. ثم تأتيهم طائرات العدو الغاشم فيفعلونها في سراويلهم. هذه هي صورة النظام المطابقة لحقيقته.

 

٭ كاتب سوري

==========================

الربيع العربي ودورة الحروب الأهلية .. رضوان زيادة

الحياة

الخميس 31/5/2018

هناك تاريخ طويل للدراسات والبحوث حول الحروب الأهلية وتعقيداتها ونهاياتها، لا سيما أن الحروب الأهلية وسمت تاريخ القرن العشرين في شكل كبير بخاصة في أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط.

فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتأسيس ما أُطلق عليه الأمم المتحدة بعد فشل تجربة عصبة الأمم، كان المبدأ الرئيس في الميثاق التأسيسي للأمم المتحدة هو سيادة الدول، وتحول مبدأ السيادة إلى المبدأ الذي يحكم مبدأ العلاقات الدولية وفيما بعد القانون الدولي. ونص الميثاق أيضا على أن الحرب لا يجوز إعلانها أو التهديد بها إلا في حالة الدفاع عن النفس أو بقرار من مجلس الأمن، وعليه استقرت جغرافيا العالم لفترة الحرب الباردة التي كانت تعتمد اعتماداً رئيسياً على توازنات القوى بين الولايات المتحدة من جهة والاتحاد السوفياتي من جهة أخرى.

وأصبحت الحروب بين الدول محدودة وتركزت حول نزاعات حدودية أو على أراض جغرافية أوحقوق تاريخية، لكن بدأت منذ ثمانينات القرن الماضي ظاهرة جديدة تركزت في الحروب داخل حدود الدولة نفسها، وهي في جزء رئيس منها صراعات على السلطة أو على الموارد المادية والطبيعية وهو ما أصبح يطلق عليه الحروب الأهلية التي صارت سمة الحروب في أفريقيا ثم أميركا اللاتينية في الثمانينات والتسعينات التي شهدت ما يسمى حروب العصابات «الغيريللا» أو الميليشيات المسلحة التي تقاتل من أجل السيطرة على السلطة أو تقاسمها أو من أجل الاستقلال.

بدت المنطقة العربية مستقرة نوعاً ما بعد الاستقلال عن الاستعمارين الفرنسي والبريطاني في المشرق العربي والمغرب وسيطرت النخب العسكرية بمجملها على الحكم في المنطقة العربية بسبب شرعيتها التي كسبتها في النضال ضد الاستعمار كما حصل في الجزائر وبنسبة ما في مصر عبد الناصر الذي وقف ضد العدوان الثلاثي وتونس في حالة بورقيبة. ومع تأسيس دولة إسرائيل على حساب أرض فلسطين التاريخية عام 1948 اكتسبت هذه القيادات شرعية أكبر بسبب التهديد الخارجي الذي صورته في إسرائيل وبدت كل الحشود والخطابات السياسية مختصرة في عبارة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». طبعاً انتهى هذا الاستغلال السياسي الذي لم تستطع القوى السياسية العربية تغييره بالطرق السلمية إلى فاجعة أدت إلى تدمير كل القوى والمبادرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات العربية وهو ما افضى إلى تحطيم الأمل تماماً داخل المجتمعات العربية وحوّلها إلى مجتمعات مهمشة لا يحدوها حلم النمو الاقتصادي ولا المنافسة الدولية وأصبحت سمتها تدمير المواهب الفردية التي انعدمت كلياً لصالح انعدام الأفق وتدمير النجاحات بشكل كلي.

شكّل الربيع العربي في جزء منه رداً على هذا الإحباط وانعدام الأمل ليخلق في صيغة جديدة تقوم على الثقة بين المواطنين وقدرتهم على كتابة التاريخ بشكل مختلف، لكن فشل الربيع في إدارة التحول الديموقراطي أدخل هذه الدول العربية في دوامة الحرب الأهلية وربما تدخل تجربة الجزائر في هذا الإطار أيضاً حيث سيطرت القوى العسكرية على مسار التحول بعد انتخابات عام 1991 وحول المسار إلى دورة من العنف والحرب الأهلية انتهى بسيطرة أكبر للعسكر على الحياة السياسية ولا يبدو أن مسار الأمور في سورية وليبيا واليمن ومصر سيكون مختلفاً كثيرا عن ذلك.

وبالتالي ستذهب المجتمعات العربية لتبحث عن الاستقرار أكثر من أي شيء آخر بعد سنوات دموية من الحرب الأهلية من دون أن يكون هناك أي تفكير من قبل النخب بفتح المجال السياسي وإطلاق المسار الديموقراطي الذي يمكن أن يحقق النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي الحقيقي على المدى البعيد، لكن من الواضح تماماً أن النخب السياسية والعسكرية العربية ليس لها أي اهتمام أو مصالح وطنية سوى الاستمرار في الحكم. فجوعها للسلطة يدفعها إلى قتل أو إجهاض أي مرحلة تحول قد تقود إلى تغيير ديموقراطي لبّه التداول السلمي على السلطة أو تحقيق نمو اقتصادي يكون جوهريا ويرمي الى تحسين مستوى دخل الفرد ورفع مستوى حياته الاجتماعية والاقتصادية، وإنما الهدف الحقيقي لهذه النخب هو البقاء الطويل في الحكم وتحويل مبدأ الخدمة العامة إلى مكان للثراء الشخصي والانتفاع من موارد الدولة على حساب المنافع والمصالح العامة.

وللمفارقة، أن الحروب الأهلية الطويلة في بلدان أخرى من العالم لم توقف المسار الديموقراطي في أي يوم من الأيام، فعلى سبيل المثال استمرت الحرب الأهلية في سيريلانكا أكثر من 26 عاما من عام 1983 وحتى 2009 بين نمور التاميل والحكومة المركزية في كولومبو المكونة بشكل رئيسي من العرق السنهالي البوذي، فالحرب الأهلية لم توقف يوماً الانتخابات في كولومبو بل بالعكس كانت تجري كل أربع سنوات الانتخابات التي يقرر الناخبون وفقها الطريقة التي يجري تعامل الحكومة فيها مع المتمردين ويختارون الحزب الذي يعكس بالنسبة لهم الطريقة الأفضل لإنهاء هذه الحرب والتي كانت تتراوح بين الحرب وبين التفاوض السياسي، والأمر نفسة في كولومبيا حيث دار الحرب الأهلية الأطول في العالم بين متمردي «فارك» والحكومة المركزية لم يعطل مسار الانتخابات يوماً أو يحول الحكومة المركزية في بوغوتا إلى حكومة مستبدة يطمح رئيسها في الاستئثار بالحكم على مدى الحياة. بل كانت الانتخابات تجري دوما على قاعدة تحديد الوجهة التي يجب أن تتبعها الحكومة في تعاملها مع المتمردين بين استخدام القوة أو اللجوء إلى المفاوضات، بل إن رئيس وزراء سيريلانكا الذي أنهى الحرب الأهلية في عام 2009 بالقوة العسكرية خسر الانتخابات بسبب الفساد والمحسوبيات في تعيين أقاربه وأخوته على مستوى الوزراء ومديري المؤسسات الحكومية.

يمكن القول إذاً إن العرب فشلوا في إدارة مسار التحول الديموقراطي بعد الربيع العربي ويبدو أنهم في طريقهم إلى فشل مضاعف في إدارة وإنهاء الحروب الأهلية. وتبدو النتيجة الوحيدة الآن هي استمرار النخب العسكرية في الحكم ولو على حساب مستقبل الشباب العربي ودمائه وأحلامه في مستقبل جديد ومختلف.

==========================

مؤسسات الدولة السورية تحت الأقدام .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 30/5/2018

لأول مرة يرى العالم كله قوات النظام السوري بحالة إذلال واحتقار وإهانة كهذه إذا استثنيا ما تعرضت له على أيدي الثوار، والأسوأ من ذلك أن تجري مشاهد الإذلال من الحليف الروسي الذي لم يعد يطيق ممارساتهم وتصرفاتهم من النهب والتعفيش والسلب والقتل، فأقدمت القوات العسكرية الروسية على إجبار عصابات الأسد على الانبطاح أرضاً في الغوطة الشرقية، بعد أن أزكمت رائحة السرقة والتعفيش لبيوت المهجرين فيها أنوف العالم كله. وغرقت منصات التواصل الاجتماعي بقصص السرقة والنهب الذي تفرغ له حماة الديار، بعد أن طردوا مع المحتل الأجنبي أهل البلاد الأصليين، بعيداً عن أرضهم وبيوتهم.

التعفيش والنهب والسلب لم يكن جديداً على سلالة آل الأسد، فقد خبرها أهل الشام منذ اليوم الأول الذي سطا فيه حافظ الأسد على الشام، وقد رأينا ما فعلته في حماة عام 1982، وما فعلته بعدها في لبنان، وما دوّنه باتريك سيل -كاتب سيرة مؤسسهم حافظ الأسد- من دعوة شقيقه رفعت عيد -قائد ميليشيات علوية في طرابلس- لمساعدته ضد شقيقه، إبان الصراع على الخلافة عام 1984 مقابل أن تكون دمشق مستباحة له ولميليشياته ثلاثة أيام، لكن الأوضح من ذلك وعلى الشاشات الفضائية، وفي بث حي ومباشر، كانت الميليشيات الأسدية -على مدى 7 سنوات- تعفش وتسرق وتنهب دون حسيب أو رقيب.

الأنكى من ذلك كله أن العالم كله، المتشدق بالمطالبة بالإبقاء على مؤسسات الدولة، رأى -إن كانت لا تزال به أعين تبصر- هذه المؤسسات كيف تُداس تحت أقدام الاحتلال الذي لم يعد يطيق القبول بممارساتها، وبالتالي هذه هي المؤسسات التي يطالب العالم الشعب السوري بالقبول بها، ويطالبه بالمحافظة عليها وصيانتها وحمايتها، وهي التي شردته وقتلته وعذبته، ولا تزال تحتجز 750 ألف معتقل سوري في أقبية تعذيبها.

المثير للضحك أكثر وأكثر هو قبول المجتمع الدولي ترؤس النظام السوري مؤتمر نزع السلاح، فهل هناك سوريالية أشد من هذه؟ وهل بقي بعد هذا القبول الدولي مكانٌ للتحليل والتوضيح؟ فنظام قَتل وشرّد واعتقل نصف ما يُفترض أن يكون شعبه، واستخدم كل أنواع السلاح المحرم دولياً، بما فيها الكيماوي، باعتراف شرق العالم وغربه، لا يزال له مكان في هذا المجتمع الدولي، بل وأن يترأس مؤتمراته ويفرض قراراته!

الشعب السوري الذي انتفض بعد خمسين عاماً، صبر فيها على كل ممارسات العصابة الطائفية من سجون، ومجازر، ومذابح، ومعتقلات، وتشريد، ونهب، وسلب، لن يقبل أن يعيش مجدداً في عباءة عصابة تمزّقت حتى لم يعد فيها مكانٌ لتؤوي طيوراً، فضلاً عن أن تؤوي شعباً حضارياً، يملك عاصمة هي أقدم عاصمة مأهولة في العالم، والشعب المشرد الذي صوت بقدميه يوم هاجر إلى دول الجوار ونزح بعيداً عن مدنه وقراه ضد هذه العصابة، لا يمكن له أن يعيش مجدداً مع هذه العصابة، أما إن أراد عالم ومجتمع دولي أن يتعايش مع هذه العصابة، فله ذلك، ولعلها تليق به ويليق بها.;

==========================

معركة إيران في سورية .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 30/5/2018

تنشغل وسائل إعلام، عربية خاصة، منذ فترة، بسؤال خروج إيران أو إخراجها من سورية، وقد ازداد الشغف بإثارة هذا السؤال، ومحاولة الإجابة عليه أخيراً بفعل ثلاثة مستجدات. الأول: اشتداد الضغوط الأميركية على إيران، خصوصاً بعد انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي، وتبنّي سياسة تهدف الى تطويق النفوذ الإقليمي الإيراني وتحجيمه، ابتداء من سورية (واليمن أيضاً). وقد عزّز هذا التوجه ورود أخبار عن استهداف قوات التحالف الدولي، بقيادة واشنطن، قاعدة عسكرية يستخدمها الحرس الثوري الإيراني ومليشيات تابعة له في منطقة حميميم في محافظة دير الزور، شرق سورية. وتعد هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها الولايات المتحدة قواتٍ تابعة لإيران بشكل مباشر، منذ انطلاق الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية خريف العام 2014، بعد أن كانت هذه المليشيات حليفاً موضوعياً لها في الحرب على التنظيم (وإن على الجانب العراقي من الحدود). المستجد الثاني، تصاعد الاستهداف الإسرائيلي قواعد ومقرات إيرانية على امتداد الجغرافية السورية، في تغير واضح في السياسة الإسرائيلية تجاه الصراع في سورية، فبعد أن كانت إسرائيل تتقبل الوجود الإيراني في سورية، طالما ظل محصوراً في دعم النظام، ومرتبطاً بموازين الصراع السوري، أخذت إسرائيل تستهدفه، بعد أن أخذ يتحول إلى وجود عسكري دائم لإيران في سورية، يهدف إلى التأثير في معادلات الصراع الإقليمي. أما العامل الثالث، والذي أجج النقاش بشأن مستقبل الوجود الإيراني في سورية، فهو التصريحات التي أدلى بها مسؤولون روس، وفي مقدمتهم الرئيس فلاديمير بوتين، حول ضرورة خروج كل القوات الأجنبية من سورية، وإيران هي من ضمن هذه القوات بطبيعة الحال.

تدفع هذه المستجدات إلى الاعتقاد بوجود تنسيق روسي - إسرائيلي، ليست واشنطن بعيدةً عنه، هدفه إخراج إيران من سورية، وإذا أخذنا بالاعتبار تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريباكوف، أن الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني غير ممكن، من دون أن تقدم إيران تنازلاتٍ، يتنامى الاعتقاد بوجود "طبخة" يقدم فيها بوتين إيران قرباناً لتصحيح العلاقات مع واشنطن من جهة، ومنع حصول مواجهة إيرانية – إسرائيلية - أميركية في سورية، تودي بكل الاستثمارات الروسية فيها، من جهة أخرى. وقد تردّد أخيراً، أن تفاهماً روسياً - إسرائيلياً، بمشاركة الأردن، تواكبه واشنطن لترتيب الوضع على حدود سورية الجنوبية، قيد الإنجاز، يتم بموجبه السماح للنظام السوري باستعادة السيطرة على معبر نصيب، وإعادة فتح الطريق الدولي بين دمشق والحدود الأردنية، في مقابل إبعاد إيران مسافة 60 كم عن الحدود، فيما يتحدث الروس عن تفاهم أوسع، يتضمن انسحاباً إيرانياً - أميركياً متزامناً من جنوب سورية.

يشير ذلك كله إلى أن معركة اخراج إيران من سورية، بعد أن أتمت مهمتها في تثبيت النظام هناك، قد بدأت فعلاً، وأننا نشهد الآن بعض تجلياتها، لكن كل هذه التحليلات تنحو إلى تجاهل موقف إيران من المساومات التي تجري على رأسها في سورية، فمن الخطأ الاعتقاد أن الإيرانيين سوف "يضبضبون" أشياءهم، بمجرد أن يُطلب إليهم، ويخرجون من سورية بهدوء، أخذاً بالاعتبار ما فعلوه من أجل الاحتفاظ بالسيطرة عليها.

الحكمة السائدة أن العراق ولبنان هما البلدان الأكثر أهمية لإيران في المنطقة، وأن سورية بعدهما. هذا صحيح من دون شك، فليس هناك هدف أعظم قيمة في سياسة إيران الخارجية من إبقاء العراق ضعيفاً وتحت هيمنتها. أما لبنان فهو الركن الأهم في استراتيجية إيران الدفاعية حال تعرّضها لهجوم إسرائيلي أو أميركي. لكن الاحتفاظ بالعراق ولبنان غير ممكن من دون سورية، بدليل أن تنظيم الدولة الإسلامية غزا العراق من سورية عام 2014. وحتى لو فقدت إيران السيطرة على العراق، فإن احتواءه لا يكون إلا عبر سورية، على ما دلت حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران. وبحسب مستشار المرشد علي أكبر ولايتي، فإن سورية هي "واسطة العقد في محور المقاومة، وخروجها يعني سقوط المحور بكامله". وإذا لاحظنا أن إيران تخلت عن برنامجها النووي، لقاء الاحتفاظ بنفوذها الإقليمي، على اعتبار أن السلاح النووي يمكن الحصول عليه دائماً، طالما توفرت المعرفة النووية، بينما "إذا خسرت إيران سورية لا تستطيع الحفاظ على طهران"، على ما قال القيادي في الحرس الثوري، مهدي طيب. لذلك ستكون المعركة مع إيران في سورية أطول وأعقد مما يعتقد كثيرون.

==========================

رسائل إيران التطمينية إلى إسرائيل .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الثلاثاء 29/5/2018

لم تأخذ إيران وقتاً طويلاً في دراسة المطالب الأميركية الاثني عشر، والتي تنحصر النقاط الأهم فيها بما يتعلق بحماية الأمن الإسرائيلي، لجهة وجود قوات إيرانية على الحدود السورية الأردنية والسورية "الإسرائيلية"، ولجهة تطوير برنامجها النووي والصاروخي، وبدأت الرد الجاد والفوري، بأقرب الطرق إلى قلب إسرائيل برسالة "طمأنة" نشرتها عبر لقاء السفير الإيراني في الأردن، مجتبي فردوسي بور، مع صحيفة الغد الأردنية، حيث أوضح أن توزيع قوات إيران في سورية لا يشمل منطقة الجنوب، أي أن قوات الممانعة الإيرانية لم ولن تقترب من خطوط التماس مع إسرائيل، لا سابقاً ولا مستقبلاً، ما يجعل الطلب الأميركي المتعلق بوقف التهديدات الإيرانية لجيرانها حلفاء الولايات المتحدة، والتوقف عن التهديد بإزالة إسرائيل قيد التنفيذ الفعلي والفوري من إيران "المقاومة والممانعة".

وربما ليس من قبيل المصادفة، أو توارد الأفكار أن يتزامن الرد الإيجابي من إيران على إسرائيل مع تصريحاتٍ سوريةٍ بأن انسحاب القوات الإيرانية وحزب الله من سورية غير مطروح للنقاش، ما يعني أن اتفاقاً من تحت الطاولة مرّر، من الجهتين المعنيتين بالمطالب الأميركية (إيران وحزب الله) مع إسرائيل، يلتزم به المعنيان بحماية الحدود الإسرائيلية، بدلاً من تهديدها، ويصبح وجودهما في سورية ضمن اتفاق الهدنة المعمول به سورية منذ حرب

"ليس من الصواب الاستعجال في تقدير واقع خلاف روسي إيراني قادم في المنطقة" أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وهو بالضمانة الروسية الحليفة للطرفين، السوري والإسرائيلي، ما يفتح الخيارات من جديد أمام آلية تنفيذ ما تبقى من البنود الإثني عشر التي يقع معظمها في خانة المصالح الإسرائيلية، بما فيها البرنامج النووي والصاروخي، ودعم المنظمات الإرهابية. ولعل هذا ما يجعل التزامن في الرّدين، السوري على المطلب الروسي بشأن إخراج القوات الأجنبية من سورية، والإيراني على المطلب الأميركي بوقف التهديد لإسرائيل.

يبدو أن النظام السوري التقط اللحظة المناسبة له، ليدخل بازار المساومة الدولية. من جهةٍ، مع إيران وروسيا، لتوسيع حصته داخل التفاهمات التي تعقدها روسيا مع تركيا، ومن جهةٍ ثانيةٍ، مع إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة، فالإعلان عن شرعية الوجود الإيراني المساوية لشرعية الوجود الروسي في سورية، بعد أيام من لقاء بوتين بالأسد في سوتشي (17 مايو/ أيار الجاري)، وبعد يومين من إعلان الولايات المتحدة استراتيجيتها تجاه إيران، يفيد بأن ثمة خياراتٍ موضوعة على طاولة النظام السوري، منها الحفاظ على دوره الوظيفي في تطويع عملية خلط أوراق التحديات في المنطقة، وتبديل الأولويات، من الصراع ضد إسرائيل إلى الصراع ضد الإرهاب، ما يجعل من هذا الدور محورياً في عملية تقارب إيران وحلفائها مع إسرائيل، وهو في الوقت نفسه يمثل مصلحةً روسيةً في إبعاد خطر الحرب عن مناطق نفوذها في سورية، كما أنه يمثل رسالة تهدئة للولايات المتحدة، تمنحه بعض الوقت لمتابعة تغييره الواقع الميداني في سورية التي لن يتركها لخريطة "اتفاقات أستانة" التي تمنح تركيا حصته في إدلب.

لذلك ليس من الصواب الاستعجال في تقدير واقع خلاف روسي إيراني قادم في المنطقة، كما أنه من المبكر جداً قراءة الرد السوري على أنه يدخل العلاقات السورية الروسية في مرحلة تأزم ومواجهة، بقدر ما يمكن قراءة تصريحات نائب وزير الخارجية، فيصل المقداد، على أنها تلاعب روسي بالرد على المطالب الأميركية الإثني عشر، والتي قرأت روسيا فيها ما يقلل من احترام نفوذها في المنطقة، وبالتالي يخرجها من أي دور مستقبلي في عملية المقايضة على ملف الوجود الإيراني في سورية، وهو ما هيأ لرد إيراني، عبر الإعلام الأردني، يحمل بين طياته رؤيةً لمستقبل العلاقات الهادئة مع إسرائيل.

يمكن القول إنه من جديد تلعب إسرائيل دور الحكم في المنطقة عامة، وفي الصراع على سورية خصوصا، وتمارس من خلال الضربات المركزة والفاعلة على مراكز نفوذ إيران

"أي وجود إيراني في سورية، بعد المطالب الأميركية في سورية ولبنان، هو بموافقة إسرائيلية، وتحت الحماية الأميركية" العسكرية في سورية الضغوط اللازمة لتحجيم دورها، وردع أدواتها عن التحرّك خارج المساحات المرسومة لهم، ما يعني أن أي وجود إيراني، بعد المطالب الأميركية في سورية ولبنان، هو بموافقة إسرائيلية، وتحت الحماية الأميركية، ليسقط كلياً عنها قناع المقاومة والممانعة، وتتحول بدورها الوظيفي، من التخريبي والطائفي الذي مارسته في كل من العراق ولبنان واليمن وسورية، إلى دور الشرطي الذي يحمي إسرائيل من جهة، ويكون بمثابة العصا الأميركية في المنطقة من جهة ثانية.

رسائل التطمين الإيرانية إلى إسرائيل بابتعادها عن حدودها ستعقبها رسائل عديدة، كما سبقتها رسالة تدمير مخيم اليرموك في جنوب دمشق، وتحويله إلى أثرٍ بعد عين، ثم ملاحقة ما بقي من ذلك الأثر "بالتعفيش" لكل ما يمكن الاستناد إليه في ذاكرة الفلسطينيين، من حق العودة إلى الجغرافيا التي تجمعهم في مخيمٍ إحدى أهم علاماته تمسّك ساكنيه بهويتهم، وابتكارهم وطناً مصغراً يرسمون فيه أحلام وطنهم فلسطين، أي أن مقدّمات إيران كثيرة، لكن مهر رضا إسرائيل على ما يبدو أكثر، ولا يمكن التكهن بمدى القبول بهذه التطمينات، إلا عندما ترفع إسرائيل جاهزيتها القتالية إلى أقصى درجاتها، أو تنهيها إلى حالة الأمان والاستقرار الذي تضمنه لها إيران، بالتحاقها بحرس حدود إسرائيل، سورياً ولبنانياً.

==========================

معركة الجنوب السوري الممكنة .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 29/5/2018

ثمة تطوران لا بد من التوقف عندهما، فيما يتعلق بموقف نظام الأسد من الوضع في الجنوب السوري. التطور الأول قيام نظام الأسد بتحشيد قواته وقوات حلفائه على نقاط التماس، بين المناطق التي يسيطر عليها والمناطق الخارجة عن سيطرته في الجنوب السوري، وخاصة على طول الخط الدولي الذي يصل بين دمشق ودرعا. والتطور الثاني، إطلاق تصريحات من أركان النظام بعزمهم التوجه نحو الجنوب لـ«تحريره من الإرهابيين»، واستعادة سلطة «الدولة» عليه.

وللحق، فإنه لا يمكن فصل التطورين السابقين عن التطورات الميدانية والسياسية الجارية في بقية المناطق، والتي كان أبرزها تقاسم السيطرة في المناطق الأخرى، حيث النظام أحكم سيطرته على منطقة القلب، الممتدة من السويداء جنوباً إلى دمشق وحمص وحماة وطرطوس واللاذقية، مع تعرج خاص يصلها بمدينة حلب متجاوزاً إدلب. ورغم أن النظام هو الحلقة الأضعف في تحالف ثلاثي يجمعه مع إيران وروسيا، فإن الأهداف العامة لهذا الحلف، وقدراته العسكرية المشتركة، تجعله الأبرز في قوى تقاسم السيطرة في سوريا.

القسم الثاني من السيطرة، هو سيطرة تركيا على الشمال الغربي، التي تشمل بصورة أساسية مناطق حملة «درع الفرات»، وتتمركز في منبج، وتمتد في أنحاء من محيط حلب، وصولاً إلى مناطق عملية «غصن الزيتون» التي اتخذت من عفرين قلباً لها، بل إن إدلب وجوارها، ليست أكثر من منطقة نفوذ تركي، بحكم سيطرة قوى سورية مسلحة هناك، يرتبط أغلبها بعلاقات وثيقة مع تركيا، وحتى المختلفين مع الأخيرة يسعون إلى تجنب معركة حاسمة معها. وقد عززت تركيا سيطرتها في المنطقة، ليس بتحالفها في إطار آستانة مع روسيا وإيران فقط؛ بل أضافت إليه مؤخراً اتفاقاً تم التوصل إليه في أنقرة مع الولايات المتحدة، حول استراتيجية مشتركة، تطمئن تركيا على مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، حليفة واشنطن، والخصم الرئيس لتركيا في الشمال.

القسم الثالث من تقاسم السيطرة في سوريا، واقع تحت السيطرة الأميركية، شاملاً الجزيرة السورية، وخاصة الرقة، حيث تنتشر «قوات سوريا الديمقراطية»، التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بدعم أميركي ظاهر. ولا تمثل خروقات النظام في المنطقة، على نحو ما هو عليه وجوده في الحسكة، أهمية تخفف من حقيقة السيطرة الأميركية، والحال في هذا تنطبق على أي وجود آخر جنوب نهر الفرات.

وسط تركيز تقاسم السيطرة في المناطق الثلاث، تبدو منطقة الجنوب الأقل تركيزاً؛ لكنها الأكثر تعقيداً. ففي الخط الواصل بين دمشق ودرعا، وفي بعض انفراجاته، يسيطر نظام الأسد وحلفاؤه من الإيرانيين وميليشيات «حزب الله» الراغبين في التمدد بالمنطقة، على أمل السيطرة الكلية عليها، فيما تنتشر في بقية الأرجاء تنظيمات المعارضة المسلحة الوثيقة العلاقة مع الأردن، إضافة إلى جيوب لجماعات التطرف والإرهاب من «داعش» و«النصرة» وأتباعهما، يعاديها الجميع علانية، ويدعمها الحلف الإيراني الروسي مع نظام الأسد ضمناً، ويستخدمها في تكتيكاته السياسية والميدانية.

وباستثناء تداخل السيطرة في الجنوب السوري بين النظام والمعارضة، فإن الجنوب موضع تقاسم سيطرة سياسية لهاتين القوتين مع قوى أخرى، أبرزها الولايات المتحدة وإسرائيل، من خلال نفوذهما وقدراتهما السياسية والعسكرية، وعلاقتهما المعقدة بالنظام والمعارضة من جهة، ومن جهة أخرى علاقتهما مع الطرف الأردني الذي يسعى لضمان مصالحه للاتفاق والتوافق مع كافة الأطراف بما فيها الروس، والتي أثمرت في إحدى نتائجها إلى وضع الجنوب السوري ضمن ترتيبات مناطق خفض التصعيد، التي يتمسك بها الأردن ليتجنب من خلالها أضرار أي حرب يشهدها الجنوب.

وسط تلك اللوحة المعقدة المحيطة بالجنوب، فإن مساعي النظام لاستعادة سيطرته على الجنوب تواجه باعتراضات من مختلف الأطراف، ولا سيما إسرائيل التي لا تعارض عودة قوات الأسد؛ لكنها ترى أن العودة سوف تعطي إيران و«حزب الله» فرصة اقتراب أكثر من خط وقف إطلاق النار على جبهة الجولان، وهو أمر تعارضه واشنطن، ليس من الناحية السياسية فقط؛ بل وصولاً إلى استخدام القوة أيضاً، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى حرب تحاول إيران ونظام الأسد تجنبها، فيما يسعى الروس إلى عدم حصولها أصلاً.

الجنوب السوري على ما في وضعه من تعقيدات وتشابكات، حالة مؤجلة في حسم تقاسم السيطرة. ولأن الوضع على ما هو عليه، فإن الجنوب يفتح على بوابة مختلفة أساسها اتفاق وتوافق بين الأطراف المختلفة، وهو أمر إذا حدث في سياق حل تعقيدات وضع الجنوب، فإنه يمكن أن يكون بوابة في حل للقضية السورية، قبل أن يمتد من الجنوب إلى المناطق الأخرى، وما لم يحصل ذلك، فإن الوضع القائم سوف يستمر في الجنوب في المدى المنظور، وتستمر معه التعقيدات والتحديات، وبينها احتمالات الصراع العسكري وربما الحرب الشاملة.

==========================

بوتين يستعجل السلام .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 26/5/2018

أخبر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشار الأسد أن المرحلة العسكرية من الصراع في سورية انتهت، وسيبدأ العمل للسلام، بعد "الإنجازات العسكرية الكبيرة التي حققها الجيش العربي السوري" ضد الإرهاب.

هذا القول الذي يوحي بأن بوتين كان يتشاور مع الأسد حول رؤيته لم يعجب الأخير، لذلك ذكر بـ "عمله الدائم من أجل السلام" الذي له وجه ثان هو الحرب ضد الإرهاب. وعندما طلب بوتين، بصيغة آمرة، طي رفضه اللجنة الدستورية وإرسال مندوبيه إليها في جنيف، قال نعم في موسكو، ثم أعلن في دمشق أن عملها سيكون تعديل دستور 2012 الذي وضعه نظامه على مقاسه الشخصي.

ما الذي يدفع بوتين إلى الانتقال من الحرب إلى "السلام"، والحديث عن انسحاب القوات الأجنبية من سورية، وهو يزعج الأسد، حتى إن كان المقصود به قوات واشنطن وأنقرة وبلدان أوروبا التي دخلت أخيراً إلى سورية.

هناك أولاً اكتمال تطبيق "خطة راند" الأميركية بأيدي الروس، بعد إخراج الفصائل من غوطة دمشق وريف حمص الشمالي، وقرار أستانة المحافظة على منطقتي خفض التصعيد في شمال سورية وجنوبها، حول إدلب ودرعا. وتتيح هذه التطورات التي تمت بموافقة واشنطن التقدّم نحو الخطوة التالية في "خطة راند": إخضاع سورية لوقف إطلاق نار شامل، قال بوتين إنه سيفرض نهاية العام، وترتيب أوضاع منطقتي الخفض إدارياً وعمرانياً، تمهيداً لعقد مفاوضات حل سياسي مدخله دستور جديد، أو تعديلٌ ينسف الدستور الحالي، وانتخابات برلمانية ورئاسية تجري عام 2021، يقال إن الأسد لن يفوز فيها، بقرار من الدولتين العظميين.

هذه الخطة التي توافقت واشنطن مع موسكو على تطبيقها، في إطار تقسيم عمل يعطي واشنطن حق وضع الخطط ومشاريع القرارات، وموسكو الحق في تطبيقها، تلقى رفضاً مشتركاً من الأسد وإيران. ولأن موسكو تعلم ذلك، فهي "تتجاهل" غارات إسرائيل ضد عسكر إيران في سورية، على الرغم من توسعتها وتكثيفها من يوم إلى آخر، وربما كانت ترحب بالإجهاز على وجود طهران العسكري في سورية، الرافض للسلام الذي يبشر به بوتين، لأن روسيا ودولاً أخرى ستنتزع الفريسة السورية من أيدي ملاليها، وستمارس عليهم ضغوطاً لا قبل لهم بمواجهتها، بدأت بما يبدو موافقةً روسيةً على ضربات إسرائيل التي تستهدف اقتلاعهم من سورية، ومرّت بخروج واشنطن من الاتفاق النووي، وصولاً إلى نقاط بومبيو الاثنتي عشرة، والتي تعتبر إعلاناً ببدء معركة دولية ضد نظامهم وفرعه الأسدي، تتخطى قدراتها التي صارت اليوم هدف إسرائيل، ويرجح أن تكون قريباً هدف تحالف دولي تتزعمه واشنطن، لا قدرة أو مصلحة لروسيا في التصدّي له.

أرسل بوتين بتصريحاته رسالتين: واحدة تعلم واشنطن برغبته في تطبيق قرار مجلس الأمن 2245 بشأن الانتقال إلى السلام، بعد إنهاء الجانب العسكري لـ "خطة راند". وأخرى إلى الأسد وإيران، تعلمهما أن الانتقال من زمن الحرب الذي جمعها بهما إلى زمن السلام الذي يرتبط نجاحه بتل أبيب وواشنطن سيشهد نقلة مفصلية في علاقة موسكو بهما، ستأتي بمرحلة جديدة، لن تكفي خلالها "إنجازات الجيش الأسدي" للإبقاء على التفاهم التحالفي بين روسيا وبينهما، الذي لا مفر من أن يتراجع أمام تفاهم روسي/ أميركي/ إسرائيلي عليهما التكيّف معه، إذا أراد الملالي حصةً ما من السلام، ونجح الأسد في جعل العالم ينسى حربه ضد الإرهاب التي ذبح بذريعتها شعب سورية ذبح النعاج، ولا يستبعد إطلاقاً أن يتطلب السلام ذبحه بالسكين عينها، التي جزّ بواسطتها أعناق الملايين من شعب"ه" الإرهابي، من دون تمييز بين طفل وامرأة وشيخ.

==========================

موقفنا : حول الحديث عن انسحاب الميليشيات الإيرانية من نقاط التماس مع الكيان الصهيوني : نحن نطالب بخروج جميع القوات والميليشيات الأجنبية من وطننا سورية .. زهير سالم

٣١/ أيار ٢٠١٨

مركز الشرق العربي

ونؤكد على ضرورة خروج القوات الإيرانية من كل المناطق والتجمعات السكنية . ومن مدن الشرق والشمال والوسط ومن محيط دمشق قبل مناطق التماس مع العدو الصهيوني . ومهما تكن التعقيدات فان انسحاب القوات الإيرانية في الظرف الحالي من مناطق التماس ليبتلى بها الشعب السوري في المناطق الأخرى ، هو نوع من تكريس الاحتلال ، كما هو استكمال لمؤامرة روسية - صهيونية - أسدية . مؤامرة تحاك ضد سورية وشعبها ووحدة أرضها ، وليس ضد إيران المعتدية ولا ضد مشروع المقاومة والممانعة المدعى والمزعوم.

إن إصرار الكيان الصهيوني على إشهار الكرت الأحمر أو الأصفر في وجه الاحتلال الإيراني وتوابعه بعد أن أدى دوره في قتل السوريين وتدمير وجودهم ، هو نوع من الدعاية السمجة لأصحاب المشروع الصفوي ، دعاية لا تنطلي على العقلاء .

أن انسحاب القوات الإيرانية المحتلة من الجنوب السوري إن تم فهو جزء من المخالصات بين الشركاء المقتسمين بثمرات مؤامرتهم الكونية على شعبنا . وعلينا أن ندين كل هذه الاتفاقات المشبوهة جميعا مهما يكن أطرافها ؛ ومهما حملت في ظاهرها من تسويات هي في الحقيقة تسويات مشبوهة على المستويين المتوسط والبعيد .

ويظل بوتين بطل اللعبة القذرة التي تدار على أرضنا .

ويظل. المشروعان الصهيوني والصفوي هما المشروعان الأخطر على وجودنا وهويتنا.

________________

* مدير مركز الشرق العربي

==============

لا يصح إلا الصحيح .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 26/5/2018

من السذاجة بمكان الاعتقاد أن ايران لعبت دورها الحالي خلال الأعوام الأربعين الماضية رغما عن العالم، واختارت هذا الدور تعبيرا عن إرادتها المستقلة التي فرضتها على الشرق والغرب، بدهاء ملاليها وقوتهم.

لإيران في استراتيجية واشنطن دور محدّد، هو تخويف دول الخليج إلى الحد الذي تطلب معه حماية واشنطن التي نالتها دوما في مقابل حصول البيت الأبيض على ما يريده: نفطها وبترودولاراتها، فإن اشتطت طهران، وتوهّمت أنها تستطيع تخطّي خط الاستئثار الأميركي بالخليج، وانتزاع حصةٍ من خارج الحدود التي رسمتها أميركا لعلاقاتها بالعالم، ولعلاقات العالم معها، جرى تصحيح شططها، بردّها إلى جادة الصواب وحجمها الطبيعي. توهّم الشاه أنه صار شريك واشنطن، ففقد عرشه، بعد أن كبل البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) أيدي المخلصين من جنرالات جيشه، لتمكين الحراك الشعبي من إسقاط نظامه، وتمكين الملالي من الاستيلاء على السطة. وإذا كان هناك من نسي كيف أخرج الشاه من طهران، فذاكرة العالم السياسية لم تنس تصريح وزير خارجية واشنطن، سايروس فانس، إن على الشاه أن يغادر بلاده.. فغادرها.

لعب الملالي الدور التخويفي ذاته الذي مارسة الشاه، لكنهم بالغوا فيه إلى الحد الذي أرعب العالم العربي بأسره، ولم يقتصر رعبه على الخليج وحده، في حقبةٍ كان من الأهمية بمكان، 

"لعب الملالي الدور التخويفي ذاته الذي مارسة الشاه وبالغوا فيه إلى حدّ أرعب العالم العربي" بالنسبة إلى واشنطن وربما الغرب، أن تستخدم فيها قوى جديدة لصراعٍ من طبيعة جديدة، أوسع بكثير مما كان الشاه يستطيع خوضه. لذلك، جيء بالملالي كي يقوموا به، فمارسوه بحماسةٍ من خلال الصراع المذهبي داخل الصف الإسلامي الذي شطره إلى فريقين، يراد لهما أن يصيرا متنافيين: أحدهما تقوده طهران، لكنه منظم وممول ومتعسكر من رأسه إلى أخمص قدميه، والآخر فضفاض ومتسيب، ويفتقر إلى قياده ونهج، معظم أتباعه من المعدمين الخاضعين لنظم متهالكة ومستبدة، يرغمها عجزها عن حماية نفسها من الفريق الأول على طلب حماية واشنطن التي تقرّر اليوم رد نظام طهران إلى حدودٍ لا تمكنه من وضع يده على ما لا يجوز له الاستيلاء عليه، من دون الحؤول بينه وبين ممارسة دورٍ من شأنه دفع النظم المجاورة إلى الارتماء في حضن أميركا الحنون.

قال وزير خارجية واشنطن، مايك بومبيو، في نقاطه الاثنتي عشرة للملالي: لن يكون بيننا وبينكم أية مشكلة، ولن نعاقبكم إن عدتم إلى تقسيم العمل الذي يضمن أمنكم من جهة، وإقلاعكم عن اختراق جيرانكم، والسعي إلى وضع يدكم على بلدانهم، والإمساك، في الوقت نفسه، بالمفاصل والممرات البرية والبحرية لمنطقة الشرق الأوسط عموما، والبلدان العربية خصوصا، من جهة أخرى. عودوا عن سياساتكم التي تتخطى المشكلات التي أنتجتها قدرتنا على التحكّم فيها، وتعالوا إلى عقد سياسي جديد بيننا وبينكم، كي لا نضطر إلى العمل لاستبدالكم بغيركم، مثلما عملنا لاستبدال الشاه بكم، عبر بنودٍ أعلنها الوزير بومبيو للعالم ولكم، فيها عصا التهديد بالعقوبات الأقسى في التاريخ التي ستقوّض قدراتكم بأكثر الصور إضرارا بكم، وجزرة الوعد بتطبيع علاقاتكم مع أميركا، إن وافقتم على الجلوس حول طاولة المفاوضات، وبدأتم نقاشا جدّيا يتجاوز الاتفاق النووي إلى السياسات التي تعتقدون أنها تستطيع تقليص دور واشنطن في المنطقة، وهذا لن يكون متاحا لكم تحت أي ظرف أو سبب. لذلك، لا بد أن تقبلوا علاقات جديدة بينها وبينكم، تتحدّد حركتكم فيها بما تتيحه هي لكم منها.

وتمتلك إيران مجموعة من الأوراق، أولها القوة العسكرية التي اعتمدتها وسيلةً رئيسةً لتحقيق استراتيجيتها القومية ذات الغطاء المذهبي، ووضعت ديبلوماسيتها متنوعة الموارد والجوانب في خدمتها، دامجة بذلك وموحدة أجهزة وأنشطة السلطة والدولة في كيانٍ يستمد قدراته من مؤسسته العسكرية/ الأمنية التي يقف في مقدمتها الولي الفقيه، مرشد ما تسمى الثورة علي خامنئي، الذي تجتمع في يده السلطات المذهبية والعسكرية والسياسية، ويعتبر المسؤول عن رسم أهداف إيران ومتابعتها وسبل بلوغها. وقد فشلت هذه القوة في الحرب ضد العراق، ولم تختبر بعد في أي سياقٍ يتخطى معارك محلية تلعب عسكريتاريا إيران فيها دور الداعم والموجه، وتخوضها بالوساطة: في لبنان والعراق واليمن وسورية. ولا يعرف أحد بعد إن كانت تستطيع مواجهة جيوشٍ على درجةٍ رفيعة من التنظيم والتقدم التقني والتدريب والتسليح، كجيش أميركا وإسرائيل اللذين يتفوقان تفوقا ساحقا على جيشها، لافتقاره إلى أسلحة جو وبر وبحر حديثة وكافية، واعتماده على الصواريخ قوة ردع، وعلى موقع إيران المحمي نسبيا بقواتٍ تابعةٍ لها، لكنها ترابط خارجها، مثالها الأشهر حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيون في اليمن، وجيش الأسد في سورية، فهل تستطيع هذه القوى حماية إيران بما لديها من قدراتٍ متفاوتةٍ ومحدودة بالمقارنة مع قدرات أعداء إيران؟ وإلى أي حد يمكن أن تتحول هي إلى نقاط ضعف قاتلة للمركز الإيراني؟ ومن سيحمي الحوثيين، إيران أو أنفسهم، في حال استهدفهم الأميركيون والخليجيون بغرض استئصالهم من اليمن؟ وماذا ستفعل إيران لهم، وفي حال ظلت خارج الحرب، أية انعكاسات سيكون لهزيمتها في اليمن على داخلها؟ هناك أيضا نقاط ضعف إيرانية، منها مثلا عجزها عن منع أعدائها من تعطيل إنتاجها من النفط، بإغلاق ومحاصرة طرق تصديره وممراته، واستيراد ما تحتاجه من الخارج. ومنها عجزها عن ردم أو تحييد الهوة التقنية الهائلة بين اعدائها وبينها التي يرجّح أن تعطل أسلحتها الصاروخية أو تدمرها. ومنها عداء جيرانها لها الذي لم يعد يقتصر بعد مجازر طهران في سورية على الحكام، وإنما تكنه الشعوب أيضا ضدها، بسبب ما مارسه الملالي حيالهم من عنفٍ وقتل وابتزاز، مثاله الأهم سورية، حيث أعملوا سكاكينهم في عنق شعب مؤمن مسالم، أقام الإسلام نظام أمن كامل لحمايته وأمثاله من شطط إخوته في الدين، فأتت جموع إيران المسلحة لقتله وحماية سفاح أشر، لو كانوا مسلمين حقا لبادروا إلى رد ظلمه وأذيته عن الناس. كان هؤلاء الجيران دوما دريئة تحمي العالم الإسلامي. أما اليوم، وبعد أن فعلت إيران بهم ما فعلته، فإنهم سيؤيدون أي إجراء يتخذ ضد ملاليها، من شأنه رفع ظلمهم عن شعبها وعنهم.

ليست أوروبا نقطة قوة لإيران، لكونها تتبنى مطالب ترامب الثلاثة: نزع سلاحها الصاروخي الذي يمكن أن يحمل أسلحة نووية، وخروجها من الدول المجاورة ووقف اعتداءات مرتزقتها

"تمتلك إيران مجموعة من الأوراق، أولها القوة العسكرية التي اعتمدتها وسيلةً رئيسةً لتحقيق استراتيجيتها القومية ذات الغطاء المذهبي"  على شعوبها، والتزامها بفتح مفاعلاتها ومراكز أبحاثها وثكناتها ومرافقها الخاصة والرسمية أمام تفتيشٍ دوليٍّ غير محدود زمانا ومكانا، ولفترة مفتوحة تتخطى عام 2025 في هذه النقاط، لا يختلف موقف أوروبا عن موقف أميركا، بل هو يتبناه. لذلك، يقترح على إيران قبول التفاوض حوله، ويعلن أن أوروبا لا تستطيع حماية طهران، والاتفاق من دون تنازلاتٍ تقدمها، كما قال أوروبيون عديدون. وأيدهم نائب وزير خارجية روسيا، حليفتهم المفضلة. صحيح أن لأوروبا مصالح في إيران، لكنها لا تقارن إطلاقا بمصالحها في أميركا. ولو أخذنا فرنسا مثالا لوجدنا أن استثماراتها هناك تبلغ 300 مليار دولار، فكم هو حجم استثماراتها في إيران، وهل تضحي بمصالحها من أجلها؟ لا تستطيع روسيا أيضا حماية الملالي من واشنطن، بسبب تناقضات استراتيجيات البلدين، وأهدافهما ومصالحهما، وما صار معلوما من تنافسٍ بينهما في سورية وصل أحيانا إلى حد استخدام السلاح.

والنتيجة، طرحت إيران الملالي على نفسها مهمةً تتخطّى كثيرا قدراتها، يستحيل عليها القيام بها، هي الاستيلاء على الدول العربية أو إخضاعها، وبلغ الشطط بها حدّا جعل أحد كبار مسؤوليها، أحمد يونسي، يتفاخر بقيام أمبراطورية فارسية عاصمتها بغداد! مشكلة الملالي أنهم لا يعلمون أن مكرهم ليس أكبر من مكر التاريخ، وأن استغفال الشعوب، بمصادرة قضاياهم، لا يدوم، خصوصا إن كانت نتيجته الوحيدة اضطهادها وقتلها واحتلال أوطانها. مشكلة إيران ومشكلة العالم مع إيران تكمن في عيش ملاليها خارج عصرنا، واعتمادهم وسائل عنيفة لتحقيق أهدافهم، وأفكارا عفا عليها الزمن لبلوغ غاياتهم، عائدها الوحيد إثارة حروبٍ أهلية في العالم الإسلامي، وتمكين أعدائه منه. ومشكلة إيران أنه لن يحميها غير مصالحة تاريخية مع العرب، إخوتها في الدين والدنيا، وإلا فإنها ستنصاع من الآن فصاعدا لما تطالبها به واشنطن، بما يعنيه من سقوط لأوهامها الأمبراطورية، وربما لنظامها نفسه.

لدى ملالي إيران فرصة تاريخية، هي تصحيح علاقاتهم مع شعبهم وجيرانهم، ودعم حق شعوب المنطقة جميعها في الحرية، بما في ذلك شعبهم نفسه، فهل يفيدون من هذه السانحة، فيربحوا معركتهم ضد أميركا، أم يواصلون تجبرهم الاستعلائي فيهزمون؟

==========================

هل هو الشرق الأوسط الجديد؟ .. غازي دحمان

الحياة

السبت 26/5/2018

بين من يدّعي أن مشروع الشرق الأوسط الجديد جرى إحباطه وكسره، عبر كسر حلقة تغيير الأوضاع في سورية، وبين من يعتقد أن الشرق الأوسط غادر مواقعه القديمة من دون تحديد اتجاهاته المقبلة، جرت متغيرات كثيرة، جعلت من الرؤى والتصورات الخاصة بالمتنازعين الشرق أوسطيين، مجرد أفكار رغبوية، أو منحازة لأوضاع بعينها أكثر من قدرتها على قراءة الواقع واستشراف مآلاته.

ينطلق أصحاب نظرية هزيمة مشروع الشرق الأوسط من اعتقادهم أنهم هندسوا المنطقة بما يتناسب مع مصالحهم، وأنهم قاموا بترتيب تفاصيلها باحترافية دقيقة لتصل إلى هذا المكان، بعد أن هندسوا الجغرافيا والديموغرافيا، وصنعوا التحالفات السياسية اللازمة «التحالف الإيراني –الروسي - الصيني»، والأدوات التشغيلية، «الميليشيات الطائفية»، وقاموا بإعادة صياغة القيم السياسية، «المقاومة والممانعة»، وعلى رغم أن كل ذلك يعني أننا أمام مشهد شرق أوسطي جديد في النهاية، إلا أنه وفق تفسيرهم فإنهم كرسوا واقع الشرق الأوسط ولم يتغير وفق ما بشَرت به، يوماً ما، أميركا، الشرق الأوسط الديموقراطي والحداثي، ويمكن وصف هذا الاتجاه بالاتجاه المحافظ، الذي يبتغي أصحابه من وراءه الحفاظ على الأوضاع القائمة بوصفهم أصحاب السلطة والنفوذ.

أما أصحاب نظرية حلول الشرق الأوسط الجديد، فهم يعتقدون أن المشهد بعد عام 2011 تغيّر كلية ولا يصح معه التوصيف القديم لعدم قدرته على تفسير المشهد الحالي، وبالإضافة إلى استحالة عودة عجلة الأمور إلى سابق عهدها، فإن الواقع الجديد سيلد وقائع أخرى تهيّء صورة المشهد، في مقبل الأيام، لصورة الشرق الأوسط الجديد الذي ولد من رحم تلك التحولات الهائلة التي تعمّدت بدماء مئات الآلاف، الذين لن يقبل أحد أن تذهب دماؤهم هدراً، ووفق تصور هؤلاء أنهم صنعوا دينامية التغيير والتي لن تتوقف قبل أن توصلهم إلى المكان الذي تصوروه، وأصحاب هذه النظرة ثوريون لأنهم يريدون تغيير الأوضاع القديمة بأوضاع جديدة تتناسب مع مصالحهم.

تؤشر هذه التصوّرات إلى طبيعة الصراع الحاصل في المنطقة والقوى التي تقف وراءه، والأهداف التي يبتغي كل هدف تحقيقها، وإن كان كلا الطرفين يميل إلى المبالغة لدرجة يذهب معها إلى رسم مسار افتراضي تنضبط التطورات بداخله بعيداً من السياقات الحقيقية التي تجري بها الأحداث وتشكّل الوقائع بطريقة مغايرة، وبناء على ديناميات أكثر تنوعاً وثراء من تلك التي يرتكز عليها أصحاب الرؤى السابقة. والسبب في ذلك أن المتغيرات الحاصلة، ليست من صناعة أيدي أصحاب الرؤى السابقة، بقدر ما هي نتاج ظروف عديدة، ومساهمة أطراف أخرى، ولكونهم لا يستطيعون التحكم بالظروف لجعل هذه المتغيرات تشتغل في مصلحتهم، كما أن تأثيرهم في الأطراف، وبخاصة الخارجية، متدن وضعيف، فإن تحكّمهم بالمآلات النهائية للتطورات غير مضمون وادعاءهم بالتالي بأن اتجاهات الأحداث تسير وفق ما هو مرسوم لها من قبلهم غير دقيق.

لكن ذلك كله لا ينفي حقيقة أن الأمور في الشرق الأوسط لم ولن تبقى كما كانت، وبعيداً ممّن يستطيع جني ثمار التغيرات وتجيير السياقات لمصلحته، فإن الأمور تغيرت، أو على الأقل تحركت من الحالة السابقة إلى حالة مختلفة، وثمة مؤشرات عدة تؤشر إلى هذا التغير، وتدعم الرأي القائل إن الشرق الأوسط على طريق التغيير، وإن لم تتضح صورة هذا التغيير بعد، أو تستقر على مشهد معين:

- عدم القدرة على التنبؤ: لزمن طويل كان يمكن توقّع الأحداث في المنطقة، وكانت الأمور قد وصلت إلى حالة من السكون والرتابة، أنظمة مستبدة وشعوب خاضعة ونخب مهمشة، وفي ظل هذا الوضع لم يكن يصدر عن هذا الشرق سوى مسيرات تأييد أو بيعات جديدة للحكام، وكانت هذه الفعاليات تأتي لتكريس حالة السكون والتأكيد عليها بين الفترة والأخرى، وهو ما خلق صورة نمطية عن السياسة والاجتماع في المنطقة، جعلت المهتمين بشؤونها، وبخاصة علماء السياسة والاجتماع الغربيين، يقدّرون استحالة حصول تحولات عميقة وفارقة، على الأقل في المديين القريب والمتوسط.

تغير الوضع تماماً بعد 2011، ولم تعد ممكنة المغامرة بإصدار توقعات نمطية، ذلك أن الأحداث والتطورات سائلة وجارية لدرجة أن التحليل الذي تتم كتابته في الصباح قد تناقضه التغيرات في المساء، سواء على مستوى الأحداث أو الفاعلين.

- انهيار المؤسسات العسكرية والأمنية المركزية، في أكثر من بلد، وبروز تشكيلات مليشياوية، بديلة، وأحياناً رديفة، في سياق الصراع السياسي، ولا يبدو أن هذه البدائل موقتة، بل يجري مأسستها وإدماجها في الحياة العامة، بعد تبييضها وإعطائها طابعاً سياسياً، كما حصل مع الحشد الشعبي العراقي، وقبله حزب الله، ومن المنتظر تكرار التجربة في سورية.

- تشكيل الهويات القبلية والطائفية والإثنية في سياقات إقليمية متجانسة، بعيداً من قدرة الدولة الوطنية ومصالحها، ويبدو هذا المثال واضح في علاقة إيران بأتباع المذهب الشيعي في العراق ولبنان وسورية، كما يتجلى على الصعيد العرقي بمحاولات الأكراد إعادة تشكيل هويتهم في شكل مستقل عن البلدان التي انتموا إليها منذ تشكّل الدولة في منطقة الشرق الأوسط. لم يعد الشرق الأوسط كما كان، الصورة القديمة تمزقت بدرجة كبيرة، ولكن الصورة الجديدة لم تتضح بعد، وهذا مبعث التضليل الحاصل لدى الكثيرين في منطقتنا، وحتى لو لم يكتمل التغيير حتى اللحظة، فالمؤكد أن ركائز الشرق الأوسط القديم تخلخلت ولم تعد صالحة، وتأسست ركائز جديدة تناسب الهيكيلية المفترضة للشرق الأوسط الجديد.

وليس بالضرورة أن تتمظهر التغيرات الجديدة على شكل جغرافيا جديدة، ظهور دول جديدة وزوال أخرى قديمة، ذلك أن الجغرافيا إحدى صور التغيير وليست كلها، على رغم أن المنطقة باتت مهيئة لحصول مثل هذه الاحتمالات، وبخاصة في سورية والعراق.

ولعلّ اتضاح صورة الشرق الأوسط الجديد يتوقف، اليوم وبدرجة كبيرة، على تفاعلات اللاعبين الدوليين، توافقهم أو صراعاتهم، الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الروسي، والاتحاد الأوروبي الذي بدأ ينشط على خطوط التفاوض وبعض الجبهات السورية، فالغالب أن أدوار اللاعبين المحليين في هذا الإطار انتهت ولم تعد ذات تأثير مهم.

* كاتب سوري

==========================

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا .. د. خطار أبودياب

العرب اللندنية

السبت 26/5/2018

يتميز النزاع السوري متعدد الأطراف بالتهافت الإقليمي والدولي والرهانات الكبرى والمصالح المتضاربة، لكنه استثنائي لجهة أسلوب المنظومة الحاكمة في استدعاء الخارج والتدمير المنهجي والإدارة الخبيثة للصراع والهندسة البشرية والجغرافية للبلاد.

وفي نفس سياق التغريبة السورية والتغيير الديموغرافي تأتي بعض القوانين الاعتباطية والمحيرة مثل القانون رقم 10 للعام 2018، كي تعقد أو تمنع عودة المنفيين وتهدد بنزع الملكية من أبناء حاضنات الحراك الثوري وذلك بغية إعادة رسم سوريا وإعادة إعمارها بما يتلاءم مع ديمومة السيطرة الأسدية.

يمكن للمراقب أن يتساءل عن جدوى إصدار قوانين أو الاهتمام بقوانين في وضع محكوم بقوانين الطوارئ والأحكام العرفية، وتسود فيه ما يشبه شريعة الغاب أو النزاعات بين المتحكمين أو قوى الأمر الواقع، لكن من يفهم دوافع النظام يتوجب عليه التنبه لخطورة هذه التشريعات التي تكرس انقلاب الأمر الواقع، وذلك انطلاقا من خطاب شهير لبشار الأسد في أغسطس عام 2017 قال فيه حرفيا “بالفعل خسرت سوريا الكثير من شبابها وبنيتها التحتية، لكنها كسبت في المقابل مجتمعا أكثر نقاء وأكثر تجانسا”.

ويُنسب إلى أحد مسؤولي حزب البعث قوله في بداية الأحداث في العام 2011 “ثمة إمكانية لإرجاع عدد السكان في سوريا إلى ما كان عليه عندما استلم حافظ الأسد الحكم” أي حوالي ثمانية ملايين نسمة بدل 21 مليونا. وإذا جمعنا عدد المبعدين والنازحين والضحايا من الأكثرية السنية نصل إلى حصيلة تعكس مفاعيل التطهير المذهبي والإفراغ والتغيير السكاني واستباحة مقومات الوحدة الوطنية وتدمير الحجر والبشر، ربما لفرض التقسيم الضامن لبقاء السيطرة الفئوية المرتبطة بالمشروع الإيراني الإقليمي.

من الناحية القانونية يطرح القانون رقم 10 إشكالية لا يستهان بها، لكونه تسبب بازدواجية غريبة في التشريعات الناظمة لموضوع تنظيم وعمران المدن

واللافت أن القانون رقم 10 المثير للجدل صدر في الثاني من أبريل الماضي، أي في موازاة سقوط الغوطة الشرقية وكأنه جاء ليكرس استكمال غالبية حلقات التغيير الديموغرافي وحركات السكان وليؤكد من خلال التشريع القانوني القسري الوقائع الجديدة على الأرض.

تحت ستار تنظيم المناطق والعشوائيات وفي وقت يتم فيه التسويق لإعادة الإعمار، يعتبر العديد من القانونيين السوريين أن إصدار هذا القانون مستغرب وتوقيت الإصدار مشبوه، لأن هناك القانون رقم 23 للعام 2015 والقانون رقم 33 للعام 2008، وهما كافيان لتنظيم إعـادة الإعمار ومعالجة مناطق العشوائيات.

لكن لغاية في نفس يعقوب تم طبخ القانون 10 ومهلته الزمنية التي تطلب من كل سوري إثبات ملكيته في الطابو (سند الملكية)، إن بشكل مباشر أو عبر توكيل أحد أقربائه خلال ثلاثين يوما من تاريخ بدء إعلان إعادة تنظيم المناطق وإلا سيخسر حقه في الملكية. وهذه الفذلكة تعني عمليا إغلاق الباب أمام عودة النازحين والمنفيين، في الوقت الذي يكافأ فيه الموالون للنظام.

ولوحظ منذ بدء التطهير من المعضمية وداريا بواسطة “الباصات الخضر” سيئة الذكر، مرورا بالاتفاق المريب للتبادل بين الزبداني – مضايا وكفريا – الفوعة، وصولا إلى الغوطة وجنوب دمشق وريفي حمص وحماة، كيف مهدت المنظومة الحاكمة لهذا التزوير في نزع ملكية الناس والعمل من دون ضوضاء على تشريع يهدف إلى إعادة تشكيل البلاد بعمق.

ويسهّل هذا النص مصادرة مناطق كاملة من الأراضي السورية، لا سيما في المدن والمناطق شبه الحضرية، التي أصبحت الآن مدمرة، حيث تجذرت الانتفاضة المناهضة لبشار الأسد.

والمخجل أن ما يسمى مجلس الشعب، وهو غرفة مطيعة تنفذ الأوامر العليا، اعتمد ذلك سريعا باسم إعادة بناء البلاد، علما أن هذا التشريع يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف من اللاجئين من أي احتمال للعودة، ويكرس أوضاع استعصاء وتوطين في البلدان المجاورة، وأبرزها لبنان لأن النازحين أو اللاجئين الموجودين فيه ينحدرون غالبا من مناطق ريف دمشق ووسط سوريا المستهدفين بالقانون رقم 10، وكذلك القانون رقم 3 الصادر في يناير 2018 الخاص بإزالة أنقاض الأبنية المتضررة (الـذي سيغير الجغرافيا ويمحو آثار الملكية).

بعد التدمير الذي تخطى في بعض الأمكنة، الدمار في الحرب العالمية الثانية، يبدأ السباق النفعي البشع على حساب الضحايا. ويستعجل رجال أعمال المنظومة الحاكمة، وعلى رأسهم رامي مخلوف، مع أصدقائهم الروس والإيرانيين السعي لقطف ثمار رسم مناطق جديدة وعوائد إعادة الإعمار، ويجعلون من إغراءات منح العقود نوعا من الطعم للكثير من الدول مثل الصين وألمانيا وبعض الدول الأوروبية الطامعة بالمشاركة في الكعكة السورية.

والملفت للنظر أنه خلال الزيارة الأخيرة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى روسيا صرح الرئيس فلاديمير بوتين أمامها بما يشبه خارطة الطريق لجذب الأوروبيين إلى مشاريع إعادة الإعمار قبل الولوج إلى الحل السياسي الفعلي والواقعي، إذ قال “نؤكد سعي جمهورية ألمانية الاتحادية للمشاركة بشكل جدي في إعادة إعمار البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية لسوريا، ومن الضروري أن تكون أي مساعدات بالتوافق مع السلطات الشرعية”.

يمكن للمراقب أن يتساءل عن جدوى إصدار قوانين أو الاهتمام بقوانين في وضع محكوم بقوانين الطوارئ والأحكام العرفية، وتسود فيه ما يشبه شريعة الغاب

ولم ينس بوتين التلويح بموضوع اللاجئين عندما حدد أنه “في حال أرادت أوروبا عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم عليها المساعدة في إعادة إعمار سوريا ورفع القيود عن مناطق سيطرة الحكومة السورية”. وفي المقابل طلبت ميركل من بوتين الضغط على النظام السوري لإلغاء القانون 10 الذي يعطل عودة اللاجئين ولم تلق جوابا.

بالرغم من أن روسيا عبر مراكز المصالحة تحاول التخفيف من وطأة التغيير الديموغرافي وتثبيت بعض السنة السوريين في أماكن سكناهم، لكنها تبدو عاجزة أو لا تريد لجم إيران والمنظومة الحاكمة المتورطتين في تغيير وجه سوريا وبلاد الشام.

من الناحية القانونية يطرح القانون رقم 10 إشكالية لا يستهان بها، لكونه تسبب بازدواجية غريبة في التشريعات الناظمة لموضوع تنظيم وعمران المدن، نظرا لوجود قانون عام لتنظيم المدن وعمرانها، وهو القانون رقم 23 للعام 2015، مع العلم أن هذا القانون يمكن أن يطبق على المناطق المصابة بكوارث طبيعية من زلازل وفيضانات، أو التي لحقها الضرر نتيجة الحروب والحرائق، (المادة 5/ أ).

كما يشمل مناطق المخالفات الجماعية القـائمة ضمن المخططات التنظيمية المصـدقة، (في المادة 3)، ويشمل أيضا أي منطقة ترغب الجهة الإدارية في تنفيذ المخطط التنظيمي العام والتفصيلي المتعلق بها (في المادة 5/ ج).

يعتبر قانون العام 2015 أكثر رأفة بملاك العقارات في المنطقة التنظيمية من القانون رقم 10 لعام 2018، سواء لجهة مبدأ التوزيع الإجباري الذي يعتمده بدلا من خيارات المادة الـ29 الثلاثة في القانون 10، أو لجهة الاقتطاع المجاني من عقارات المنطقة التنظيمية لصالح الوحدات الإدارية، أو لجهة الإعفاء من الرسوم بالنسبة للعقارات التي طالها الدمار جراء الحرب.

يقول مرجع قانوني كبير “يجب أن يُفهم القانون في ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي نشأ وترعرع في ظله”، ولذا لا يمكن مقاربة القانون رقم 10 للعام 2018 إلا في ظل الاستنسابية السائدة وتجيير كل شيء من تدمير البلد إلى إعادة رسمه وتركيبه من أجل تأبيد المنظومة الحاكمة.

==========================

القانون رقم 10 وإسرائيل جديدة .. إبراهيم العلوش

عنب بلدي

الاحد 27/5/2018

يتواطأ الروس والإيرانيون مع النظام، من أجل خلق إسرائيل جديدة، تحرم اللاجئين والمهجرين السوريين من وطنهم ومن أملاكهم، وتعمل على خلق بؤر استيطانية من الميليشيات الإيرانية، والعراقية، واللبنانية، وقد تفكر روسيا على المدى البعيد، بتهجير ناعم لبعض الشيشان، والشركس، وبعض مواطنيها المسلمين الذين تحتقر وجودهم داخل روسيا، وهي في حرب معهم منذ قرنين أو أكثر.

القانون رقم 10 لعام 2018، الذي أصدره رأس النظام، والقاضي بمصادرة أملاك المهجرين، واللاجئين السوريين، والمقدرة أعدادهم بأكثر من عشرة ملايين لاجئ ونازح، ومعظمهم غير قادرين على مراجعة أجهزة النظام خلال شهر من صدور أي أوامر للاستيلاء على الأراضي، والبيوت، بحجة إعادة التنظيم والإعمار، وهذا القانون يعيد إلى الذاكرة القانون الإسرائيلي السيئ الذكر في مصادرة أملاك الغائبين.

وقد أثار هذا القانون جزع لبنان والأردن وتركيا وأوروبا، واعتبره المبعوث الأممي ديمستورا مؤشرًا خطيرًا وتصعيدًا ضد الشعب السوري، واعتبرته أوروبا ابتزازًا لمنع عودة اللاجئين السوريين، فحوالي نصف الشعب السوري يسلك المنحى الفلسطيني الذي صممه الإسرائيليون له بكل عنصرية وعدوانية، وصار منهجًا لنظام الأسد، ولشبيحته الذين لم ترتو أحقادهم بعد كل هذا التدمير والقتل والوحشية.

التدمير الشامل الذي انتهجه النظام منذ الأيام الأولى للثورة السورية، نضجت أوهامه الآن، وهو يحاول أن يحقق أهدافه البعيدة، والقاضية بخلق وطن مصمم على قياس الشبيحة وعائلة الأسد، والغلبة فيه للون طائفي واحد، ويتمتع بخصوصيته، التي تضمنها الكراهية العميقة التي خلقها النظام تجاه بقية السوريين، وهو محمي من قوى دولية، أهمها روسيا وإيران، وربما لاحقًا، ستنضم الصين إلى التجربة التي تحاول أن تحاكي التجربة الإسرائيلية.

هذا القانون الاستيطاني يجعل الإيرانيين يتوهمون بأنهم سيختارون نوعية سكان سوريا الجدد، والذين يتلاءمون مع المتطلبات التي يفرضها النظام، والمحتلون الروس. وحسب تصوراتهم سيحقق مجتمعًا متجانسًا، وممانعًا، ويرضخ لأبدية الوجود الأسدي، طالما هو يخدم المحتلين، ويؤمّن لهم القواعد العسكرية، والممرات البرية، والجوية والبحرية، اللازمة لمد نفوذهم على حساب الشعب السوري واستقلالية قراره.

لقد مهد الأسد الأب لهذا القانون بمجموعة من الأنظمة والقوانين التي أوصلت البلاد إلى هذا الخراب، وهذا الضياع، فالقانون رقم 60 لعام 1979، كان أيضًا يشبه قانون الأحكام العرفية، ولكن بشكل عقاري، هذا القانون كان يصادر كل قطعة أرض تدخل المخطط التنظيمي إذا كانت مساحتها أكثر من 800 متر مربع، فالأراضي المجاورة للمدن تم الاستيلاء عليها بموجب هذا القانون، وتم تحويلها إلى بؤر لمخالفات البناء التي تزيد مساحتها في دمشق -مثلًا- على 60% من مساحة مدينة دمشق، وصارت هذه البؤر في كل المدن السورية مجالًا لنهب الأراضي، وإعادة بيعها على شكل مقاسم معدة للبناء المخالف. ذلك البناء المفتقد للبنية التنظيمية وللسلامة الإنشائية، كان يضخ أكداسًا من الأموال لأجهزة المخابرات، للمسؤولين المقربين من النظام، وتقدر قيمة الأموال المدفوعة على مخالفات البناء بمليارات الليرات السورية، عبر سنين طويلة من رعاية الفساد، ومن غض الطرف عن هذا التعفيش شبه الرسمي لأموال الناس الفقراء المحتاجين للسكن، نتيجة هجرة الريف إلى المدينة، والتي تدفق عبرها الناس إلى المدن الكبيرة بسبب فشل النمو الاقتصادي، وبسبب تحطيم البنية الزراعية، وعدم تطويرها بما يتناسب وقدرات البلاد ومواردها.

قطع الأراضي التي نجت من البناء المخالف تحولت إلى مقاسم لجمعيات سكنية فارهة، يتم تخصيصها للمسؤولين، ولأجهزة المخابرات وعناصرها المهمين، والذين يتاجرون بهذه المقاسم، ويربحون الملايين منها، علمًا بأن التعويض لأصحاب الأراضي المصادرة كان بخسًا، وجزافيًّا في التقدير.

فإذا كان قانون الأحكام العرفية قد ضمن الأبدية السياسية لعائلة الأسد، فإن القانون رقم 60 ضمن التعفيش والتمويل لهذا النظام خلال سنوات طويلة، وهو نفس النظام الذي يدفع اليوم بسوريا إلى فم المحتلين الأجانب، والذي يدعم مؤيديه وشركات التشبيح، بالقانون رقم 10 لعام 2018، وكذلك يدعمهم بالتعفيش الذي صارت أسواقه من أهم أسواق النشاط التجاري في البلاد في عصر بشار الأسد.

في محادثات رئيس الاحتلال الروسي بوتين والمستشارة الألمانية ميركل الأخيرة، والتي تمت هذا الشهر (أيار)، طلب بوتين أن تقوم أوروبا، ودول الخليج، بتقديم مبلغ 296 مليار دولار من أجل أن يجعل النظام، والإيرانيين، يمهدون لإعادة اللاجئين، وطبعًا حسب رؤيتهم، وحسب ما يتواءم مع مفاهيمهم عن سوريا، والتي يفصّلونها وفق مصالحهم ووفق رؤيتهم للبقاء في سوريا.

إنهم يريدون ثمن الصواريخ والقنابل التي قصفونا بها، ويريدون أن تقوم شركاتهم بإعادة الإعمار وفق القانون رقم 10، ووفق ما يماثله من إصدارات تنتظر الظهور. وهم يفترضون بأنهم هم المنتصرون وبشكل نهائي، وأن نصف الشعب السوري قد تم ترحيله إلى الأبد، وبتصورهم لن يجرؤ السوريون على النظر إلى بلادهم، ولا إلى بيوتهم، فالقوزاق الذين يحمون النظام سيظلون يحمونه مع القواعد الأجنبية، بهمجيتهم وبعدوانيتهم.

هذا القانون وغيره من القوانين لن تنفع معالجته، ما لم يتم إسقاط هذا النظام، فهذا السرطان السياسي، لا علاج له إلا بالاستئصال، وهذه هي حكمة الثورة الأولى (الشعب يريد إسقاط النظام)، وستظل هي العلاج الشعبي لهذا الألم ولهذه المرارة. ولن يهنأ أحد من الشبيحة، ولا من المحتلين بالسلام، ولن يهنأ أحد بعودة أبنائه إليه، ما لم يتم إسقاط هذا النظام، وبناء سوريا جديدة، غير استيطانية، ولا طائفية، ولا يحرسها القوزاق من الشبيحة ومن المعفشين، بل يحرسها القانون العادل الذي يتساوى الجميع أمام هيبته.

==========================

“التعفيش” في القانون الدولي .. منصور العمري

عنب بلدي

الاحد 27/5/2018

يحظر القانون السوري أي تغطية إعلامية لكل ما يتعلق بالجيش والقوات المسلحة، وهو ما قد يفهمه البعض أنه حماية لأسرار الدولة، لكن هذا الحظر انحطّ بالجيش لأدنى المستويات الأخلاقية، ونشر الجرائم كقواعد عرفية غلبت قوانين الجيش النظرية، وانتشرت فيه ثقافة الرشوة (التفييش) والنهب المنظم (التعفيش) لعقود طويلة، لتصبح إحدى عقائد “الجيش العربي السوري”، وأحد الدوافع للانخراط في صفوفه.

“التفييش”

تعني مفردة “التفييش” دفع العسكري مبلغًا ماليًا مقابل تغيبه عن الخدمة العسكرية، ويتراوح التفييش بين مبلغ مالي أو هدية مقابل إجازة 24 ساعة أو ليلية، وبين مبلغ شهري مقابل التغيب الدائم.

اشتهر مصطفى طلاس وزير الدفاع السوري السابق، الذي وطّد أركان نظام الأسد، وترأس الجيش 32 عامًا، بأنه من روّاد التفييش والتعفيش في سوريا. انتشر بين السوريين أن من يستطيع الوصول إلى طلاس ودفع المبلغ الشهري المناسب يحصل حتى على هويته المدنية، وهو ما يشكل حماية كلية له من دوريات الشرطة العسكرية، بحيث ينفي أنه عسكري، وأن من أراد استملاك أراض في المناطق الشمالية الشرقية من سوريا عليه الوصول إلى طلاس ليبيعه أراضي الدولة.

للتفييش أصوله في جيش طلاس، فيحق للملازم تفييش شخصين، وللملازم الأول ثلاثة، لتصل إلى العقيد بتفييش نحو 15 شخصًا، أي سرية بأكملها. أما الضباط الأمراء من العميد حتى العماد فتصبح شكل سرقاته أكبر، حسب منصبه، ومسؤولياته في عقود الإطعام أو التوريد الداخلي أو الخارجي للسلاح وغيره. شكّل هذا العمل واردًا ضخمًا لضباط الجيش بما لا يُقارن بالراتب الضئيل الذي يتقاضونه.

“التعفيش” أو النهب

أما التعفيش كمبدأ أساسي في دليل “الجيش العربي السوري”، فيبدأ من العرف السائد بين العسكر “حلال عالشاطر”، أي أن من يستطيع سرقة علبة سردين من زميله فهو يستحقها، ويلقى اللوم على الضحية لعدم حفاظه على أشيائه.

أظهر “الجيش العربي السوري” التزامًا حقيقيًا بقواعده العرفية خلال حربه على مواطنيه، ومارس التعفيش بشكل منهجي، ولم يتوانَ عن نهب أي شيء حتى حنفيات المغاسل وسيراميك الجدران، منذ بداية حملاته ضد السوريين مع بدء الثورة السورية. اقتدت بهذا الجيش أيضًا أطراف أخرى في الحرب السورية، في مناطق مثل عفرين ومناطق سوريا الشرقية، وادعى عدد من هذه الأطراف أن التعفيش كان حالات فردية وأنه سيتم محاسبة مرتكبيه، باستثناء “الجيش العربي السوري” الذي يبدو أنه يمعن أكثر في ارتكاب هذه الجريمة وبشكل علني وصريح، دون أي محاسبة.

يكمن التناقض الصارخ لجريمة التعفيش بأنها محظورة في القانون السوري، وتعتبر جريمة يجب معاقبتها. حظر النهب بحد ذاته هو تطبيق محدد للمبدأ العام للقانون الذي يحظر السرقة. هذا الحظر موجود في التشريعات الجنائية الوطنية في جميع أنحاء العالم. عادة ما يعاقب على النهب بموجب القانون العسكري أو قانون العقوبات العام. لا يوجد قانون وضعي أو عرفي أخلاقي يبيح هذه الجرائم، ورغم ذلك يرتكبها “الجيش العربي السوري” بشكل ممنهج.

“التعفيش” أو النهب في القانون الدولي

يعرف النهب قانونًا بأنه الاستيلاء القسري للجيش المهاجم أو المنتصر على ممتلكات العدو.

يحظر القانون الدولي النهب (التعفيش) في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حد سواء، ويعتبر هذا الحظر قاعدة قديمة في “القانون الدولي العرفي” وفي قانون ليبر وإعلان بروكسل ودليل أكسفورد. كما تحظراتفاقيات لاهاي النهب في جميع الظروف. ورد في تقرير لجنة المسؤولية التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الأولى، أن النهب جريمة حرب، وكذلك في ميثاق المحكمة العسكرية الدولية (نورمبرغ) الذي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية، كما أن “نهب مدينة أو مكان، حتى في أثناء الاعتداء عليه” يشكل جريمة حرب بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

تتحمل قيادة الجيش مسؤولية هذه الجريمة وعليها إصدار أوامر صارمة لمنع جميع الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي والإنساني، بما فيه النهب.

الجرائم السابقة للتعفيش

ما يزيد من فظاعة هذه الجريمة، هو أنها تأتي تتويجًا لمجموعة من جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش وحلفاؤه بمسؤولية كاملة للقائد العام للجش والقوات المسلحة بشار الأسد، وبدعم ومشاركة من القوات الروسية والإيرانية و”حزب الله” اللبناني. جميع هذه الأطراف شاركت في حصار المدنيين وتجويعهم كوسيلة حرب، للضغط عليهم لتسليم مناطقهم، وإخراجهم منها في تهجير ممنهج، ثم نهب ممتلكاتهم.

تنطلق مظاهرة في حي ما، ثم تداهمه ليلًا قوات الجيش وتنفذ حملات اعتقال عشوائي وتعسفي وتنكل بالعائلات، وهي جرائم حرب، ثم يأتي القصف العشوائي كجريمة حرب بعد محاولة الأهالي الدفاع عن أنفسهم، ليقتل المدنيين ويدمر البنى التحتية والأعيان مدنية، كالمشافي والمدارس، كجرائم حرب، تمهيدًا للسيطرة البرية. يحاول الجيش اقتحام هذه المناطق والسيطرة عليها فيصمد الأهالي ويصدونه، ليلجأ الجيش إلى الحصار والتجويع كجريمة حرب، والقصف العشوائي واستهداف المدنيين والأعيان المدنية بمختلف أنواع الأسلحة بما فيها المحظورة كالكيماوية والعنقودية والحارقة وغيرها، وجميعها جرائم حرب. يدمر الجيش جميع البنى التحتية والمشافي ويمنع المساعدات الغذائية، إلى أن يفرض ما يسميه “المصالحة” تحت النار، ويرغم الآخرين على الخروج من بيوتهم ومناطقهم في جريمة حرب تسمى التهجير. هنا يطلق قادة الجيش عناصرهم ليرتكبوا جريمة الحرب الأخيرة في سلسلة الجرائم هذه وهي التعفيش، لكن الأمر لا ينتهي، بل يبدأ التعفيش الحكومي الأوسع، فيشرّع بشار الأسد بمرسومه رقم 10 لعام 2018، سرقة الأراضي الخاصة، تحت شعار التخطيط لإعادة الإعمار، وهو ما سيزيل الأدلة على جرائم الحرب السابقة، وينزع أداة أساسية للتحقيق في هذه الجرائم، لتصبح العدالة في سوريا ضربًا من المستحيل.

==========================

تدمر.. غيابة الجب .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاحد 27/5/2018

تحلّ بعد أيام الذكرى السنوية السابعة والثلاثين لمجزرة تدمر، والتي راح ضحيتها ألف من كبار مثقفي سوريا وفي جميع المجالات والتخصصات، يوم اقتحمت سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد -شقيق حافظ الأسد- سجن تدمر وقتلت كل من كان فيه بأوامر مباشرة من شقيقه. حصل هذا دون أن يرفّ للعالم كله جفن، وما دامت المجزرة تلد أخرى مع الصمت والتواطؤ الدولي، فقد واصل النظام السوري مجازره، بحسب شهود عيان والسجانين الذين التقيتهم في الفيلم المميز الذي عرضته «الجزيرة» أخيراً بعنوان «تدمر.. حدثني السجين والسجان»، وهو موجود على اليوتوب.

لقد واصل النظام -بحسب ضيوفي- مجازره مرتين أسبوعياً، أسفرت خلال السنوات التي تلتها عن مقتل أكثر من ثلاثين ألف سجين، وسط صمت عالمي مطبق يصاحبه إصرار رهيب من قِبل العصابة الطائفية على المضي قدماً في هوايتها المفضلة التعذيب والقتل، شملت النساء والأطفال الأحداث، ومن جنسيات عربية عدة؛ لبنانية وفلسطينية وأردنية وعراقية وغيرها..

أكثر من سنة أمضيتها وأنا أزور البلدان لاستجواب السجناء والسجانين، كانت تجربة قاسية على النفس، تستمع للضحايا الذين لم يُنصفهم أحد، بل وحتى الآن لا يعلن النظام عن أسماء وهويات من قتلهم في سجونه؛ كي لا يريح أُسراً لا تزال تنتظر أبناءها، فقد صمّم النظام على معاقبة السوريين حتى بعد رحيلهم من خلال حرمانهم معرفة مصير أبنائهم وذويهم، لتبقى الزوجة معلّقة وكذلك المواريث ونحوها.

المخيف أكثر وأكثر بالنسبة لمن نجوا من غيابة الجب التدمرية، هو تواطؤ العالم كله مع العصابة الطائفية، التي لا تزال تُمعن في القتل والتدمير والخراب والتعفيش، وما صور القيصر التي وثّقت 11 ألف ضحية بخمسة وخمسين ألف صورة إلا قمة جليد ما جرى ويجري في جمهورية الخوف والقتل والدمار والخراب.. وإلا فلماذا لم يحاكم أي مسؤول؟! بل ويسرح ويمرح رفعت الأسد في أوروبا دون حسيب أو رقيب!

ومع هذا كله نرى العالم كله تقريباً يصرّ على مشاركة الطاغية بمستقبل سوريا، إنه ليس انحطاط نظام وعصابة طائفية حاكمة، بل هو انحطاط قيمي عالمي لم يُنصف الضحايا، ولم يقف مع ثورة الشام، بل حرص كل الحرص على الوقوف إلى جانب العصابة الطائفية لمشاركتها في السلطة المقبلة. أما المحاكمات العادلة فإلى جحيم المؤتمرات والقرارات الدولية المعروفة بحسب واقعهم العملي الممارس يومياً.

لكن ما يفاجئك تماماً في مسيرة الرحلة التدمرية لنسل يوسف -عليه السلام- أن كل من التقيته كان النجاح الباهر حليفه في حياته، يفاجئك قدرتهم الرهيبة على التأقلم مع الظروف الجديدة، فبعضهم خرج ولم يكن قد تخرّج من الثانوية ليدرسها مجدداً ويصل إلى أعلى المراتب، وكان حسن الختام في الفيلم الذي أعددته ما ذكره الأخ المعتقل محمد نزار موسى بقوله: «نحن لسنا بحاجة إلى التأهيل، فنحن من نقوم بتأهيل الآخرين، لقد اصطفانا الله في هذه الرحلة الإيمانية اليوسفية بسجن تدمر».;

==========================

موقفنا : عجب ثم عجب ثم عجبجبان ، كيف يتجرأ صحفي روسي على " رئيس دولة " !! .. زهير سالم

31/ 5 / 2018

مركز الشرق العربي

لا يهم أن يكون السوري مواليا أو معارضا ، قابلا ببشار الأسد أو رافضا لوجوده ولزمرته ولنظامه . لا يهم أن يكون السوري ممن يتألمون من أي نيل يناله ( آخر ) ممن يعتبره البعض وما يزال ( رمزا لسيادة وطن ) أو أن يكون ممن يرى في كل إهانة أو تحقير أو إذلال فرصة لشفاء النفوس من كل ما أصابها على يد الطاغية الحقير الذي وطئته في عالم السياسة كل الأقدام ، أقدام مخالفيه ومحازبيه على السواء .

وليس مهما في عالم السياسة أن يوجه رئيس مثل ترامب إهانة مباشرة لبشار الأسد، مع أنه ما يزال يعترف به كرئيس دولة ، فيصفه في أكثر من تغريدة بأنه ( حيوان ) فما أكثر ما تراشق الرؤساء والزعماء والسياسيون بما هو أكثر سوقية من هذه الأوصاف ..

المهم كيف يتجرأ صحفي يجلس بين يدي من يوصف ( بالرئيس ) ثم يواجهه بالشتيمة وجها لوجه في صيغة سؤال: ما ردك على وصف ترامب لك ..، لم يتوقف الصحفي هنا ، ولم يترك للمخاطب ومن ورائه جمهور شبيحته أن يقدروا الموقف ، وإنما استمر الصحفي الروسي في التعبير عن الإغراق في اللامبالاة والرغبة في التجاوز ، ووضع الأصبع في العين ، والضغط حتى الفقء : ما ردك على وصف الرئيس ترامب لك بالأسد الحيوان ؟!

هكذا تخرج الكلمات من فم الصحفي الروسي قذفا وجاهيا ، وما كنت أعتقد أن الرئيس ترامب كان سيقدم عليه لو ضمه المجلس مع بشار الأسد . بل إن السوقة في أحيائنا الشعبية كانوا إذا تقاذفوا .. تقاذفوا عن بعد ، فإذا وقعت العين على العين قال أحدهما للآخر ، كانت ساعة شيطان ، والله يخزي الشيطان على سبيل اللفلفة والاعتذار. أما أن يبلغ الأمر بصحفي أجنبي ، حصل على حق مقابلة من يسمى (الرئيس ) بعد دراسة وقرار أن يواجه هذا الشخص المسمى زورا بالرئيس بهذا الحد من المهانة والازدراء فتلك مهانة أبلغ من المهانة التي وجهها الرئيس ترامب بعشرات المرات .

ثم نعود إلى الرد المفحم الذي رد به من تلقى الصفعة من الشاتم ومن المبلغ على السواء ، والعامة عندنا تقول : إنما شتمك من بلغك !! نعلق على هذا حتى لا يقال : بأن السؤال كان متفقا عليه ، وكان مدرجا على قائمة الأسئلة ، وإنما طرح ليأخذ ( الرئيس فرصته ) للجواب ..

فهذا الجواب الطفولي الذي سمعناه من بشار الأسد لأكثر من مرة ، مما يعني أنه مقتنع به ، ويجد فيه انتصارا ، هو دليل عملي على القدرات العقلية والنفسية التي يتمتع بها هذا الذي اختارته الصهيونية العالمية ومن ثم الرئيس شيراك وعمدته مادلين أولبرايت رئيسا لجمهورية منكوبة اسمها الجمهورية العربية السورية .

" الكلام صفة المتكلم " هو الجواب الطفولي الذي كان يلقننا إياه أهلنا وأساتذتنا ونحن في المدرسة الابتدائية كطريقة لحسم مادة النزاع بين أطفال ، وصون ألسنتهم على المجارة في تبادل الاتهامات ، ولكنه ليس جوابا يتمسك به من يوصف بأنه رئيس دولة ، تعتبر الإهانة الموجهة إليه حسب القواعد البروتوكولية إهانة للدولة بكل من فيها .

" الكلام صفة المتكلم "

ثم تعالوا نجري أي نطبق دلالات هذه العبارة على المستويات العقلية والأخلاقية والسياسية . في حقائق التفكير يقولون : ما كل عبارة جميلة صحيحة . فهل يصح عقليا أن نطلق هذا القانون فنعتبر أن كل توصيف أو تعبير عن الحقائق الخارجية مهما كان موضوعيا . هو صفة قائله . ترامب مثلا أطلق وصفه لبشار الأسد ، ومع أن الكثير حول العالم متفقون على إدانة سلوك ترامب الاستفزازي العام ؛ إلا أن الأكثرين وافقوه على وصفه للأسد ، وصفقوا له ، واعتبروه قد نطق بالحق والصواب وجاء بقول لا يعاب !! إذ هل يعقل أن يستمر كائن حي يتحلى بالحد الأدنى من صفات الإنسانية أن يستمر بالاستهتار بأرواح البشر ، على نحو ما يفعل بشار الأسد وزمرته بشعب سورية وأطفالها بشكل خاص ؟!

ثم دعونا نجري قاعدة بشار الأسد ( الكلام صفة المتكلم ) على تفوهات بشار الأسد نفسه ضد مخالفيه من المواطنين السوريين ، والذين لم يتوقف عن وصفهم بالجريمة والإرهاب والعمالة والجراثيم لنرد عليه كل ذلك : برده الذهبي البراق : الكلام صفة المتكلم ..يا صاحب نداء : أنصاف الرجال ..

في الحقيقة لم يُؤت بشار الأسد مع عيّه من عي ، وإنما أوتي من جبن وذلة وخنوع وأنه لا يستطيع أن يفتح عينه ليس فقط أمام ترامب وإنما أمام صحفي روسي يدوس على بساطه فيظل الصحفي يحدق في وجهه وعينه الغضيضة في الأرض فلا نمير ولا كعب ولا كلاب ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

============

مع سورية أو ضدها .. فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 27/5/2018

حياة سورية الاقتصادية مرهونة بالحرب، وتتحكم بالاقتصاد أعدادُ المقاتلين، والجيوش، وطرق تمويلها، ومقداره.. وتختلف حياتها الاجتماعية عن التي تظهر في مسلسلات رمضان، فحالة الخراب الراهنة تصلح لذرف الدموع، أما الممارسة السياسية فمقفلة منذ زمن بعيد.

قبل الحرب، كان الحزب الواحد، والرأي الواحد، مع وضع متخلفٍ سياسياً يحرّكه منطق الحفاظ على المصالح، وبعد العام 2011 تحول النظام إلى سياسة إدارة الحروب، منطلقاً من الشرط الابتدائي نفسه، وهو الحفاظ على المصالح التي ظلت محفوظةً حتى هذه الساعة.

الممارسات السورية، وقسمات المشهد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، لم ينحصر تأثيرُها ضمن الحدود السورية، فتشكَّل في لبنان معسكران، ما زالا يتجاذبان البلد حتى هذه اللحظة: معسكر مع النظام السوري، ومعسكر ضده. وشكلت هذه الصيغة مفصلاً في السياسة اللبنانية. وكان نبيه بري، رئيس مجلس النواب الأزلي، مخطئاً عندما ابتكر مصطلح س س (ويقصد السعودية وسورية)، فالمعادلة، في الحقيقة، هي س (سورية) أو ضدها.

لبنان، بشكله وحدوده وتركيبته الحالية، نتاج تسوياتٍ في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، ونتيجة مباشرة للانتداب الراغب بقليلٍ من الفصل المذهبي. كان لبنان موزّعاً على شكل أقضيةٍ وسناجق متداخلة مع زميلاتها السوريات. وكان العثمانيون في أثناء حكمهم المنطقة العربية حريصين، بكل التشكيلات الإدارية المعتمدة للمنطقة، على فصل الساحل عن الداخل، لكن مقص الاتفاقيات الفرنسية البريطانية أوجد الخرائط الحالية، إنما بحساباتٍ تناسب ذلك العصر. وجرى التوافق على شكل لبنان السياسي، بعد عملية إحصاءٍ سريعةٍ لأعداد ملله ومذاهبه، من دون أن يُؤخذ بعين الاعتبار أي شكلٍ للمستقبل، فكان أن خاض لبنان حربه الأهلية نيابة عن الإقليم كله. وبالطبع تدخل الكيان السياسي السوري، وبشكل متذبذب مع أطراف الصراع، إلى أن نجح في إتمام صفقةٍ أبقته سيداً مطلقاً للموقف خمسة عشر عاماً.. بعد انحسار الهيمنة السورية، أعاد لبنان تموضعه السياسي، وأصبح جزءا كبيرا حليفا (أو تابعا) لسورية "بنظامها السياسي"، وجزءا كبيرا آخر ضدها.

نتائج آخر انتخابات نيابية في لبنان أفرزت ما سمي نصراً لحزب الله، بعد الاتفاق عن صيغة انتخابية جديدة، هي خليط يلحظ فيه دخول عوامل النسبية. ولم يغير هذا النصر المزعوم المعادلة المسيطرة السابقة، فجرى الاتفاق على توزع السلطة بما يناسب المعسكرين الكبيرين، ومن دون الالتفاف إلى الكتل التي زادت أعداد نوابها، أو إلى التي تقلص حجمُ وجودها البرلماني، وبقيت العقلية التي تنظر إلى سورية بمناظير مختلفة مهيمنة، وجرى التقاسم على أساسها.

على الرغم من كل شعارات الالتفات إلى الداخل، ومحاربة الفساد، والحد من الاعتماد على الطائفية، يبقى الموضوع السوري الخط العريض في أعلى الصفحة. ولم تنفع كل محاولات التداخل السعودي، أو حتى الإيراني الذي لا يجد له مدخلا إلا من البوابة السورية. وعلى الرغم من تراخي، أو حتى تلاشي، القضية السورية عن كل شيء، بقيت معادلة "مع سورية أو ضدها" متفشية في الوسط السياسي اللبناني.

نقلت المعارك مع إسرائيل من الأراضي اللبنانية إلى الأراضي السورية، وربما كان ذلك بتوافق "جنتلمان" ومن تحت الطاولة. ونَقَل حزب الله قواته إلى الجانب السوري، وجرى تبادل أدوار نموذجي. ولكن ما زال التعافي من اللوثة السورية بعيد المنال، فقد تعالت أصواتٌ عند انتخاب نائب رئيس مجلس النواب اللبناني، إيلي الفرزلي، مندّدةً، بعد اتهامه بالعمالة لسورية، وارتفع سقف الاتهام حد القول إن الهيمنة السورية على لبنان لم تنته مع وجود هذا الشخص في هذا المكان السياسي الرفيع، ربما يكون ذلك صحيحاً، لكن سورية المهيمنة أصبحت كومةً من الإسمنت، ومجموعة من الأطلال. والمشكلة الأساسية في عقلية سياسية تمتلكها المنطقة تتصف بمزايا ثابتة، متجمدة عند لحظة الحرب الأهلية.

==========================

الطريق إلى القدس .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الخميس 23/5/2018

منذ سقوط القدس علنياً عام 1948، وإن كان الأمر بدأ واقعياً بدخول قوات اللنبي عليها عام 1917، ولا يزال الحديث جارياً عن استرجاعها واستعادتها لمكانتها الدينية، كونها أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ولأنها أرض محتلة، ولكن ما رأيناه طوال العقود الماضية أن الأنظمة الاستبدادية الشمولية الديكتاتورية اتخذتها ركيزة لبقائها في السلطة، بحجة الحرص على استعادتها، ونجحت بشكل خطير طوال عقود في تنميط ثقافة الأمة والمجتمعات على نظرية استعادة القدس مجردة كل التجريد من الأدوات الحقيقية والطريق إلى هذه الاستعادة، وبالتالي غدا مجرد النقاش في غيرها من القضايا تهمة خطيرة قد تودي بصاحبها إلى الخيانة والتفريط، وانحدرت إلى هذا المستوى النخب، حتى المحسوبة على الخط الإسلامي من حيث أدركت أو جهلت.

فاكتفت هذه الأنظمة الشمولية بالاجتماعات واللقاءات والندوات والمهرجانات واستنسخها في ذلك النخب، دون البحث عن آليات وأدوات للوصول إلى هذه الاستعادة، ولذلك فقد رأينا حين انتفض المارد العربي مطالباً بحريته في ربيعه العربي سعت هذه الأنظمة إلى هذه الأسطوانة المشروخة عندها بالحديث عن القدس، وكأن خيولها قد أُسرجت، وسيوفها قد أُستلت من أغمادها، وسكاكينها قد شُحذت من أجل اليوم الموعود، وتبعها في ذلك البعض للأسف ممن أدمنوا الخديعة، ونسوا أو تناسوا أن الحرية هي الخطوة الأولى للتحرير، فلا يمكن لمن يهاجم مخيم اليرموك الفلسطيني، وبعضهم مقدسيون، أن يكون أميناً على القدس واستعادتها.

حين يأتي الحديث عن فلسطين والقدس لا بد من الحديث عن الآليات والطريق الحقيقي إلى تحريرها، وبداية هذا الطريق استعادة الأمة حريتها وقرارها المستقل، بعيداً عن أنظمة شمولية ديكتاتورية مستبدة رفعت شعار فلسطين والقدس من أجل أن تجثم على قلوب المتشوقين لتحريرها، وما زلت أتذكر قول ياسر عرفات لصدام حسين حين هدد بحرق نصف إسرائيل: «إن قضية فلسطين مؤجلة، وقضية العراق معجّلة، ففلسطين لا يمكن حلها سريعاً، ولذا لا بد من الحفاظ على العراق الآن»، ونفس الأمر ينطبق الآن، فإن قضية الربيع العربي وثوراته وانتزاع حرية الشعوب هو المعجل اليوم، لنضع بذلك حداً لخديعة أنظمة ونخب ضحكت علينا لعقود من تشدقها بتحرير القدس، لكن في الحقيقة والواقع ترسّخ استبداداً أكبر، أهدافه بقاؤها في السلطة، ولو كان على ركام القدس وفلسطين.

ما جرى أخيراً من نقل السفارة الأميركية إلى القدس، لم يغير من الواقع شيئاً، تماماً كما لم يغير من فلسطين المحتلة وقدسنا، فهي محتلة، تم نقل السفارة الأميركية إليها أم لم يتم.

علّمنا التاريخ منذ التحرير الأول لفلسطين أيام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن تحريرها مرهون بتحرير الشام ومصر، وما لم يتحرر الجناحان، فإن تحرير فلسطين والقدس عبث، وأولى خطوات تحرير الشام ومصر هو التخلص من الاحتلال الداخلي والخارجي لهما، ثم الانطلاق إلى تحرير القدس، ولذا فقد فُرضت فلسطين كحاجز بينهما لمنع تواصلهما وانطلاقتهما سوية، وإلا فحالنا كمن يضع العربة قبل الحصان، ويحرث البحر، ويلهث وراء السراب.

طريق تحرير القدس يبدأ إذن من التخلّص من الاستبداد العربي الجاثم على صدور الشعوب العربية، والذي يمنعها من نصرة القدس عملياً، وليس شعاراتياً، إذ يخدم أكثر ما يخدم الأنظمة نفسها، ويخدم معها من جلبته من احتلال غربي وشرقي لتثبيت أركانها ضد شعوب تتطلع لحرية ذاتها وحرية القدس، ولذا فمن العبث الحديث عن تحرير القدس على أيدي أنظمة وقوى إقليمية ودولية تقتل وتهجّر وتدمر أخوات القدس، فالشعوب العربية في غالبيتها تعيش حالة أقرب ما تكون إلى العبودية لأنظمة مستبدة، ولا يحرر القدس إلا الحر، كما قال عنترة من قبل «إن العبد لا يحسن الكر»، وهنا مسؤولية كبيرة على النخب في أن تضع الأصبع على الجرح، وألّا تختفي وراء أصبعها وتطبطب على أنظمة أو قوى استعمارية محتلة مدمرة، ويشفع لها يوماً أعلنته باسم القدس، أو شهراً قاتلت فيه باسم فلسطين، أو ممارسات إجرامية... جلبت دماراً لشقيقات القدس وأخواتها، وأخيراً فمن أهلك الحرث والنسل في أهالي القدس وفلسطين بمخيم اليرموك لن يكون أميناً على القدس وأهلها.;

==========================

عن برنارد لويس .. مروان قبلان

العربي الجديد

الخميس 23/5/2018

لا يبدو مستغرباً أن ينعى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، شخصيا المفكر والأكاديمي الأميركي من أصل بريطاني، برنارد لويس، باعتباره "أحد أعظم المؤرخين المعاصرين"، على حد وصفه، وأن إسرائيل "سوف تكون دائما ممتنّة للخدمات الجليلة التي قدمها لأجلها"، وفق البيان الصادر عن رئاسة الحكومة الإسرائيلية، يوم الأحد الماضي، بعد الإعلان عن وفاة لويس في مستشفى في نيوجيرسي عن عمر ناهز 101 عام.

ما هي طبيعة الخدمات التي قدمها برنارد لويس لإسرائيل، ولماذا تهتم حكومتها لوفاة مؤرخٍ مهما علا شأنه؟ واقع الأمر أن الرجل من موقعه، مفكرا ومؤرخا وأستاذا جامعيا، نذر جل حياته المهنية في الدفاع عن إسرائيل، وكان خصماً عنيداً للعرب والمسلمين في الأكاديميا الغربية، سواء عندما كان في موطنه الأصلي، بريطانيا، أو بعدما انتقل منها إلى الولايات المتحدة عام 1974، حيث عمل أستاذا لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برنستون أكثر من عقدين، ولمع نجمه فيها.

مصدر النفوذ الكبير للويس في الأوساط الأكاديمية والسياسية الغربية كتاباته الغزيرة عن تاريخ المنطقة التي ألف فيها أكثر من ثلاثين كتابا، فضلاً عن مئات الدراسات والمقالات، كما تتلمذ عليه عشرات الأكاديميين والخبراء الغربيين، تبوأ بعضهم مناصب عليا في الحكومة الأميركية، وجديدهم ديفيد شينكر، الذي عيّنه الرئيس دونالد ترامب، قبل نحو شهرين، مساعدا لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، فكان لويس بذلك مساهما رئيسيا في رسم ملامح الشخصية العربية الإسلامية في الغرب، ومؤثرا من ثم في التوجهات السياسية نحو المنطقة.

فوق هذا، أدى لويس، منذ انتقاله إلى الولايات المتحدة، أدوارا مباشرة في صنع السياسة الأميركية من خلال الاستشارات التي كان يقدمها لدوائر صنع القرار، باعتباره "شيخ مؤرخي" الشرق الأوسط وأخبر الناس به. ويعد لويس المؤلف الحقيقي لنظرية صراع الحضارات، وقد أشار إليها في مقالةٍ نشرت عام 1990 في مجلة ذا أتلانتيك بعنوان "جذور الغضب الإسلامي"، أي قبل عامين من ظهور كتاب صموئيل هنتغتون الذي حمل العنوان نفسه. تحدث فيها عن حتمية الصدام الحضاري بين الإسلام والغرب، وأن سبب ذلك يعود الى بنية الفكر الإسلامي المقاوم للحداثة ومنظومة القيم الغربية، ورفضه الاعتراف بتفوقها عليه، والإقرار بهزيمته أمامها، وأنه لا علاقة لهذا الغضب الإسلامي بالظلم أو التجربة الاستعمارية الغربية في العالمين، العربي والإسلامي. واعتبر لويس أن الصراع العربي - الإسرائيلي جزء من الصراع الحضاري الإسلامي مع التراث اليهودي - المسيحي.

في كتبه التي ظهرت بعد "11 سبتمبر"، مثل "أين الخطأ؟ الصدام بين الإسلام والحداثة في الشرق الأوسط "(2002) و"أزمة الإسلام" (2003)، تحول برنارد لويس إلى متحمس لفرض الديمقراطية على المنطقة، يقول في كتابه الإيمان والقوة الذي صدر عام 2010: إما أن نعلمهم قيم الحرية أو أنهم سيدمروننا. .. المفارقة أنه عندما خرج هؤلاء الذين يتحدث عنهم طلبا للحرية بعد ذلك بعام، تحوّل لويس إلى خصم شرس لثوراتهم، فحرّض عليها، وانتقد سياسات الرئيس باراك أوباما تجاه مصر تحديدا، محذّرا من وصول الإسلاميين إلى السلطة. وناشد "العالم الديمقراطي" أن لا يعتبر الديمقراطية دواءً لكل أمراض الشرق، وأن لا ينخدع بشعارات الديمقراطية الزائفة التي يرفعها الإسلاميون، لأنها أداتهم في الوصول إلى السلطة، لا يلبثوا أن يرموا بها بعد ذلك.

برزت أسوأ أدواره عشية غزو العراق، عندما استغل علاقاته الوثيقة بنائب الرئيس ديك تشيني ونائب وزير الدفاع بول وولفيتز، ورموز المحافظين الجدد للدفع نحو اجتياح العراق. ويقال إنه، في أحد اجتماعات مجلس الأمن القومي الأميركي التي حضرها عشية غزو العراق، حيث دعي لإبداء رأيه، قال عبارة أخذت تُعرف بين الأكاديميين بمبدأ أو عقيدة برنارد لويس، "اضرب بقوة أو تنحّ جانبا".

ومن المفارقات أن حكومة نتنياهو احتفت قبل أسابيع بتسمية برنارد لويس أحد أهم 70 شخصية أميركية ساهمت في بناء العلاقات الأميركية - الإسرائيلية وتطويرها في الذكرى السبعين لاغتصاب فلسطين. لا عجب إذاً أن تنعاه إسرائيل، باعتباره أكاديمياً صهيونياً مخلصاً.

==========================

سورية.. أستانة والخيار الروسي .. علي العبدالله

العربي الجديد

الخميس 23/5/2018

أطنب ممثلو ثلاثي أستانة، الدول الضامنة، وفق الوصف المفضل لديهم، في وصف نجاح مسارهم؛ وجدّدوا التأكيد على التمسّك به وبمخرجاته، خصوصاً "استمرار عمل مناطق خفض التصعيد وحمايتها، وحماية نظام وقف إطلاق النار في سورية"، وفق البيان الختامي لاجتماع أستانة 9 الذي عُقد يومي 14 و15 مايو/ أيار الجاري، من دون أن ينسوا استكمال مصفوفتهم بالإعلان عن التزامهم الثابت "بسيادة سورية واستقلالها ووحدة أراضيها"، والدعوة إلى تفعيل الجهود الرامية إلى مساعدة السوريين في استعادة الحياة السلمية الطبيعية عبر توفير "حرية الوصول إلى المعونات الإنسانية والمساعدة الطبية، إضافة إلى تأمين عودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم".

انجلى الاجتماع عن نتائج مكرّرة: استمرار مسلسل أستانة، التمسك بآلية "خفض التصعيد"، من دون وضع آلية مراقبة ومحاسبة لخرقها، ترحيل ملف المعتقلين والمختطفين والمخفيين والمفقودين إلى اجتماع أنقرة، الاجتماع الثالث للجنة مشكلة من ممثلين عن ثلاثي أستانة، من دون مشاركة النظام والمعارضة، والذي سيعقد في شهر يونيو/ حزيران المقبل، مع الإشارة إلى مشاركة الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي في اجتماعات اللجنة، لتأكيد شرعيتها وتدويل نتائجها. وكان لافتاً إطلاق موسكو اسم "لجنة الأشخاص المحتجزين ضد إرادتهم" على هذه اللجنة، في التفافٍ واضحٍ على جريمة الاعتقال السياسي، وعلى ما يدور في المعتقلات من تعذيبٍ واغتصابٍ وقتلٍ خارج القانون، وقول القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية "يعتبر الملف الخاص بالمعتقلين السياسيين أمراً خاصاً بالسلطات الحكومية السورية، ويبقى لها الحق في إلقاء القبض على من يشكلون تهديداً على الأمن العام في البلاد".

"جاء كلام الرئيس الروسي عن انسحاب كل القوات الأجنبية من سورية في لحظة سياسية دقيقة وحساسة"

ومما انجلى عنه الاجتماع أيضاً، الاتفاق على وضع محافظة إدلب تحت الحماية التركية، واعتبارها حالة متقدمة في عملية "خفض التصعيد"، حالة وقف إطلاق نار، ومواصلة محاربة الإرهاب، وتهيئة الظروف المناسبة لإطلاق عمل اللجنة الدستورية في جنيف بأسرع وقت ممكن، وعقد الاجتماع المقبل في مدينة سوتشي الروسية في شهر يوليو/ تموز، واعتبار ما تم في الاجتماع دفعاً للتسوية السياسية في سورية؛ وربطها (التسوية السياسية) بتسهيل تنفيذ توصيات مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي.

غير أن الإعلان الاحتفالي لم ينجح في إخفاء الوقائع التي تقول شيئاً آخر، لا يرغب الثلاثي استحضاره، كي لا يشوّه الصورة الوردية التي حرص على عرضها، العنف المدمر الذي طاول مناطق "خفض التصعيد"، وحركة الحافلات التي ما فتئت تقذف المهجّرين قسراً إلى المجهول، احتجاز آلاف النازحين في مراكز اعتقال جماعي للتحقيق والفرز، وشحن الشباب والكهول إلى معسكرات التدريب، قبل زجّهم في معارك النظام ضد أهلهم وأبناء شعبهم، الاشتباكات والاغتيالات في محافظة إدلب، التعفيش الذي غطى مدن الغوطة الشرقية والقلمون الشرقي ومنطقة عفرين، التغيير السكاني القائم على قدم وساق في منطقة عفرين. وقد اختصر مبعوث الرئيس الروسي لشؤون التسوية السورية، ألكسندر لافرينيتيف، الذي مثل روسيا في الاجتماع، وصف ما جرى في الغوطة الشرقية والقلمون الشرقي وريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي، حيث تمت أكبر عملية تهجير قسري في سورية، بقوله "انضمت منطقتان من مناطق خفض التصعيد إلى المصالحة الوطنية". لا يهم كيف انضمت، وتحت أية صيغة وتبعات ومآلات، المهم بالنسبة إليه "الأخذ بالاعتبار تطور الوضع على الأرض والوقائع الجديدة"، و"القضاء على كل من لا يلتزم باتفاق المصالحة والتهجير القسري".

ولم تستمر فرحة الثلاثي العتيد بلعبته طويلاً؛ فقد أفسدها عليه تحذير المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، من تكرار "سيناريو" الغوطة الشرقية في إدلب؛ ومن النتائج الكارثية التي ستنجم عنه، وهو تحذير عكس تشكيكاً بوعد الثلاثي ضمان عدم حصول حربٍ في المحافظة، عبر تأكيد البيان الختامي الحفاظ على وقف إطلاق نار فيها، ناهيك عن "النقلة" الروسية في لعبة الشطرنج مع شريكيها في أستانة، بإعلانها، على لسان لافرينيتيف، "أن محادثات جنيف تتعثر، ويجب البحث عن بديل للخروج من الأزمة"، وإشادته بمسار أستانة الذي "يعطي نتائج ملموسة وسيستمر"، ودعوته إلى "توسيعه ليشمل المسائل الإنسانية والسياسية". وهذا وضع طهران وأنقرة في الزاوية، بتضييق مساحة المناورة أمامهما، صمتت طهران، على خلفية حاجتها لدعم موسكو في مواجهة قرارات الولايات المتحدة المتوقعة بشأن برنامجها النووي والصاروخي، وتدخلها في شؤون دول الجوار، وإشاعة عدم الاستقرار والفوضى والصراعات المذهبية فيه. وأيدت أنقرة التي لا تريد إفساد شهر العسل مع موسكو التي مكّنتها من احتلال عفرين، والسيطرة على معظم محافظة إدلب، وحاجتها إلى رضاها، بعدما جدّدت واشنطن دعمها "قوات سورية الديمقراطية"، واستعدادها للدفاع عن حلفائها في منبج. بقول وزير خارجيتها مولود جاووش أوغلو:"في حال عدم تحقيق تقدم في مسار جنيف الذي ترعاه الأمم المتحدة لحل الأزمة السورية، يمكن التوجه إلى مسار آخر"، وتجديد قاعدة حميميم دعوتها الجانب التركي إلى التنسيق مع دمشق بشأن أي تحرّك عسكري في سورية، وتأكيدها على ضرورة تسليم مدينة عفرين للقوات الحكومية السورية، بعدما تم القضاء على المجموعات المسلحة غير الشرعية، قبل أن يفاجئهما الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بإعلان خارج التوقع؛ بدعوته إلى انسحاب كل القوات الأجنبية من سورية، بمن في ذلك الأتراك وحزب الله والإيرانيون ومليشياتهم، بالإضافة إلى الأميركيين بطبيعة الحال، بحيث تبقى القوات الروسية وحدها على الأرض السورية، وفق توضيح مبعوث الرئيس الروسي لشؤون التسوية السورية، ألكسندر لافرينيتيف، إعلان الرئيس الروسي. وقد علل وزير الخارجية، سيرغي

"لم تستمر فرحة الثلاثي العتيد بلعبته طويلاً؛ فقد أفسدها عليه تحذير دي ميستورا، من تكرار "سيناريو" الغوطة الشرقية في إدلب" لافروف، استثناء القوات الروسية بـ "دعوتها من الحكومة الشرعية للجمهورية العربية السورية التي توجهت إلى روسيا بطلب مساعدة في شأن محاربة الإرهاب، وإحلال استقرار الوضع في البلاد، وإيجاد ظروف ملائمة للتسوية السياسية للأزمة الحادة المستمرة". ما شكل صدمةً لأنقرة وطهران، لم يخفف منها قول لافرينيتيف "كلام الرئيس الروسي في هذا الشأن يمثل رسالة سياسية، ويجب عدم النظر إليه بداية لعملية انسحاب القوات الأجنبية من سورية، فالمسألة معقدة للغاية، لأنه يجب تنفيذ هذه الإجراءات جماعياً، وينبغي أن تبدأ هذه العملية (سحب القوات الأجنبية) بالتوازي مع بدء الاستقرار وإطلاق العملية السياسية، لأن الجزء العسكري يقترب من نهايته، والمواجهة تشهد حالياً مرحلة نهائية".

جاء كلام الرئيس الروسي عن انسحاب كل القوات الأجنبية من سورية في لحظة سياسية دقيقة وحساسة، انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران، وتصعيدها اللهجة ضدها، توسع الغارات الإسرائيلية على موقع إيرانية في سورية؛ ما عزّز احتمال انفجار حربٍ شاملةٍ بين الطرفين، مقاطعة الغرب اجتماع أستانة 9، التصعيد الغربي في الملف الكيميائي بعقد اجتماع لمجموعة "الشراكة الدولية ضد الإفلات من العقاب لاستخدام الأسلحة الكيميائية"، المكونة من ثلاثين دولة في باريس، ومطالبتها بإنشاء آليات لتحديد المسؤولين عن الهجمات الكيميائية ومعاقبتهم، وهذا استدعى تحرّكاً روسياً لاحتواء نذر الحرب التي ستدمر كل ما حققته من تدخلها العسكري في سورية، واستثمار الموقف لفتح مساومةٍ مع الغرب بشأن الملفات العالقة بين الطرفين، بإعطاء إشارة عن استعدادها للانخراط في عملية إخراج إيران من سورية، بتأكيد انفرادها في التقرير في الملف السوري عبر استدعاء رئيس النظام إلى سوتشي، وإعلانه من هناك عن القبول بالتوجهات الروسية لجهة التوجه إلى حل سياسي، وتنفيذ تشكيل اللجنة الدستورية التي انبثقت عن مؤتمر سوتشي للحوار السوري.

==========================

لماذا تتحاشى روسيا وإيران الحرب مع إسرائيل؟ .. غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 22/5/2018

تستطيع إسرائيل أن تفعل في سورية كل ما تعتبره ضرورةً لحماية أمنها ومصالحها، من دون أن تخشى ردود فعل خارج حساباتها وتقديراتها، أو من النوع الذي تستطيع استيعابه وتحمل نتائجه، ذلك أنها باتت تعرف سقوف ردود الطرفين الفاعلين في سورية، روسيا وإيران، حيث لن يتجاوز رد موسكو تبليغ السفير الإسرائيلي انزعاج روسيا من الأمر، ومن إيران أكثر من إطلاق رشقات، يمكن وصفها بالتحذيرية أكثر منها ردعية وانتقامية.

لم تترك إسرائيل خطاً أحمر في سورية إلا وتجاوزته، مع العلم أن روسيا وإيران لم تضعا خطوطاً حمراً في مواجهة إسرائيل منذ تاريخ انخراطهما في سورية، والمقصود هنا خطوطاً حمراً افتراضية، مثل تحليق الطيران الإسرائيلي في السماء السورية، أو ضرب أهداف عسكرية للنظام وداعمته إيران، وباستثناء قاعدة حميميم، لا يوجد مكان ممنوع ضربه من إسرائيل، بما فيها مطار دمشق الدولي وجميع المواقع العسكرية والأمنية التي تقدّر إسرائيل أنها مصدر خطر عليها.

من السهل إيجاد مصفوفة، نظرية، من التفسيرات لسلوك روسيا تجاه إسرائيل، تجعل ردة فعلها تجاهها تبدو بهذا الشكل المتساهل، من نوع تأثير اللوبي اليهودي في موسكو، ووجود مليون من اليهود الروس في إسرائيل، فضلاً عن حقيقة أن روسيا لا ترغب بتشتيت تركيزها عن هدفها الأساس في سورية، وهو فرض نفسها شريكاً له وزن في مواجهة أميركا والسيطرة على اتجاهات الأحداث ومخرجاتها. وذلك كله بغرض تحقيق غايةٍ معلومة لدى الروس، وهي وضع روسيا في مكانةٍ دوليةٍ متقدمةٍ، تزيح عنها شبهة القوّة الإقليمية، وتصبح أحد مراكز القرار الدولية.

"تنطلق إيران، في سلوكها تجاه إسرائيل، من تقديراتها أنها باتت على عتبة السيطرة الحقيقية على المنطقة"

على الرغم من ذلك، فإن اندفاع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، نحو تحقيق هدفه في إيصال بلاده إلى المكانة المنشودة، لم يكن يقف في مواجهته أي اعتبار، وعلى الرغم من علاقاته الاقتصادية والمصلحية الواسعة مع أوروبا وتركيا، إلا أنه في مراحل كثيرة، منذ انخراطه في الحرب السورية، تعاطى مع هذه الأطراف بمنطق حافّة الهاوية، وقطع علاقاته مع تركيا وأوصلها إلى حافة الحرب، كما تأزمت علاقاته مع الدول الأوروبية الكبرى، فرنسا وبريطانيا وألمانيا.

في ذلك الحين، جرى تفسير هذا السلوك الروسي أنه تعبير عن تقدير موسكو أنها إزاء فرصة تاريخية محدودة بزمن ولاية رئيسٍ ضعيف، مثل باراك أوباما، حيث تستطيع خلال هذه المدّة تشكيل وقائع وصناعة حيثيات تكرّس من خلالها وضعها دولةً فاعلةً في الشرق الأوسط، وتالياً على مستوى العالم. ومن ثم، يتطلب الأمر جرأة كبيرة من صانع القرار الروسي تدفعه إلى تحدّي تركيا وأوروبا. لكن لماذا يحسب لإسرائيل تحديداً كل هذه الحسابات؟ التفسير المنطقي أن لدى بوتين مشكلة مع إسرائيل أكبر من تأثيرات اللوبي اليهودي، ومن وجود مليون روسي في إسرائيل، فالرجل يحكم بقبضةٍ من حديد، ولم يعرف عنه أنه يعطي لهذه الاعتبارات أية أهمية، ولو كان بوتين متيقناً من قدرة أدواته وأسلحته على مواجهة إسرائيل، لما انتظر لحظة واحدة، ذلك أن بوتين من القادة الذين يؤمنون بالقوّة لفرض احترامهم، ويعتقد أن عالم اليوم لا يحترم الضعفاء ولا يرحمهم، وإسرائيل من خلال ضربها نظام الأسد تقلّل من هيبة روسيا، وتضعف صورة القوّة لديها.

على ذلك، تبدو روسيا غير معنيةٍ بمواجهة مع إسرائيل تكشف كثيراً من خبايا أعطال تقنيتها، والأرجح أن هذا هو السبب الحقيقي وراء امتناع موسكو عن تزويد نظام الأسد بمنظومة إس 300، ذلك أن هذه المنظومة ستكون موضع اختبار في أول طلعة للطائرات الإسرائيلية، ولن يكون هناك متسع للمناورة أمام روسيا، وحينها ستتفكَك هيبة أسلحتها بما يؤثر على أسواق السلاح التي باتت أحد رهانات روسيا لحل أزمتها المالية.

"تبدو روسيا غير معنيةٍ بمواجهة مع إسرائيل تكشف كثيراً من خبايا أعطال تقنيتها"

ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لإيران، وإن كانت اعتباراتها من نوع آخر، ذلك أن إيران ليست معنيةً بمواجهة مع إسرائيل في كل الأحوال. ولولا الضغط الإعلامي والإحراج الكبير الذي تعرّضت له أمام شعبها، وأمام أنصار حلف "المقاومة" لما اضطرت لإطلاق طلقة رصاص واحدة باتجاه إسرائيل.

وتنطلق إيران، في سلوكها تجاه إسرائيل، من تقديراتها أنها باتت على عتبة السيطرة الحقيقية على المنطقة، وخصوصاً في ظل اكتساح حلفائها في العراق ولبنان نتائج الانتخابات البرلمانية، الأمر الذي يضع إيران في موقع المسيطر سياسياً، وتهمها بالتالي المحافظة على هذه الأوضاع وعدم المغامرة بحرب مع إسرائيل، من الممكن أن تغيّر موازين القوى لغير صالحها.

ما يهم إيران في سورية تثبيت نظام الأسد، وعدم تعريضه لمخاطر قد تؤثر على استقراره، والحرب مع إسرائيل أحد هذه المخاطر، خصوصاً بعد أن صرح أكثر من مسؤول إسرائيلي إن رأس الأسد ستكون ثمن إقدام إيران على استخدام الأراضي السورية في الحرب ضد إسرائيل.

ولا يبدو أن إيران مستعدة للمغامرة بأوراق قوتها كاملة من أجل خوض حربٍ مع إسرائيل، وخصوصاً حزب الله الذي توفره عامل ضغط تفاوضي، أكثر منه قابلية للاستخدام الميداني، وهذا يثبت حقيقيةً بدأت بالظهور أخيراً، وهي خروج حزب الله من معادلة الصراع مع إسرائيل، خروجه لاعباً أساسياً، ووضعه في الاحتياطي، خوفاً من خسارته نهائياً وإلى الأبد.

بالإضافة إلى الاعتبارات السابقة، ثمّة فارق مهم، يدفع روسيا وإيران إلى تحاشي الحرب مع إسرائيل، فهذه تخوض حرباً وجودية، على أساسها قد يتقرّر مصير وجودها بأكمله. وسيدفعها هذا الشعور إلى استخدام كل أوراقها، بما فيها النووي، بعكس روسيا وإيران اللتين تسعيان إلى تحسين مواقعهما التفاوضية والدولية، حتى أن إسرائيل لا تمانع في هذا الأمر شرط أن يكون بعيداً عن تهديد مجالها الأمني.

==========================

عن تصريحات أحمد طعمة .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاثنين 21/5/2018

لا يهدف هذا المقال للدفاع عن تصريحات رئيس وفد المعارضة السورية في أستانة، أحمد طعمة، أخيرا، بقدر ما هو محاولة للوقوف على الإشكالية السياسية، وربما الفلسفية، القائمة الآن على الرغم من مرور سبع سنوات على الثورة السورية، وأعادت إحياءها تصريحات طعمة أن حمل المعارضة السورية السلاح ضد النظام خطأ، وأن المعارضة السورية لم تطرح نفسها بديلا للنظام، في وقت دعا إلى تغيير الدستور الذي وضعه النظام في العام 2012، وأعطى للرئيس سلطات مطلقة على مجمل الحياة السورية، وهو موقفٌ يبتعد عن موقف الائتلاف المعارض الذي يطالب بتجاوز هذا الدستور كليا، ويقترب من الموقفين الروسي والأميركي اللذين يقبلان بتغيير بنوده، ويختلفان في حجم التغيير ومستواه.

من حيث المبدأ، يكاد لا يختلف أحد على أن عسكرة الثورة (أي ثورة) ستنتهي إلى فشل ذريع، وتقضي على المبادئ التي خرجت للمطالبة بها مع الانزياحات الاجتماعية الاقتصادية التي أحدثتها عملية العسكرة في المنظومة الاجتماعية. والتاريخ والقريب شاهد على ذلك، فهناك عشرات التجارب الثورية السلمية استطاعت تحقيق أهدافها: ثورة العمال في روسيا عام 1905 التي استطاعت بسلميتها إسقاط السلطة القمعية. وثورة السلفادور عام 1944 حين نجحت الطبقة الوسطى المتحضرة في القيام بإضراب عام شل البلاد، وأجبر الجنرال مارتينز على الاستقالة. وثورة إيران عام 1979. وثورة تشيلي عام 1983 بقيادة الحركة الشعبية التي أطاحت حكم الديكتاتور أوغستو بينوشيه. وثورة 1986 في الفيليبين بقيادة كورازن أكينو التي نجحت في إسقاط ديكتاتورية فرديناند ماركوس. وثورة التشيك عام 1989 (المخملية) التي أسقطت الحكم الشيوعي، إلى ثورات إستونيا ولاتفيا وبورما وجورجيا وأوكرانيا وتونس ومصر.

كان للنظام السوري الدور الرئيس في عملية العسكرة، باستخدامه القوة المفرطة، وإدخاله مندسين بين المتظاهرين، لزرع الفتن وتشويه الحراك الثوري، ولكن البنى الاجتماعية السياسية في سورية لم تكن ناضجة تاريخيا لاستيعاب متطلبات الثورة، ولذلك سرعان ما انجرّت إلى ساحة النظام وملعبه.

"تصريحات طرحت إشكاليات بالغة الأهمية، وتتطلب معالجة واعية، بعيداً عن الغضب والعواطف، وبعيداً عن التخوين"

وقد صدقت الأيام والسنون، بعد أن أصبح معلوماً وضع المعارضة بشقيها السياسي والعسكري، فلم تنجح في ترتيب بيتها الداخلي المليء بالمتناقضات. ولذلك من الطبيعي ألا تشكل حالة بديلة عن النظام وفق المعايير الدولية في قيادة الدول، لا وفق معايير الشارع. وبذلك، عمليا، لا غبار على كلام أحمد طعمة، وأهميته ليست في ذلك، وإنما في توقيته ودلالاته السياسية، بعد اجتماع "أستانة 9" الذي ثبت وقف العمليات العسكرية الكبرى، بترك مسألة الجنوب معلقة للتفاهمات الروسية ـ الأميركية، وترك مصير إدلب للإدارة التركية، في وقت تتجه روسيا بقوة إلى تحويل أستانة من المستوى العسكري إلى السياسي.

هنا قد تُفهم تصريحات طعمة أن الحل العسكري للقضية السورية مستحيل، وأن على الفصائل المسلحة الانخراط بقوة في المسار السياسي، والعودة بالثورة إلى سيرتها الأولى، مع ما قد يحمله ذلك من فهم بسحب الشرعية عن هذه الفصائل، وهو ما لا يقصده طعمة الذي يجسد تيارا سياسيا في المعارضة، تأخر سنوات في إدراك حقيقة المعادلة السورية، بأبعادها المحلية والإقليمية والدولية، لكن هذا التيار يعي اليوم إمكانات الحل ضمن قراءة ليست مغرقةً في الواقعية، ولا في التفاؤلية المثالية. وهذا يعني أن المعارضة مطالبة بطرح خطاب سياسي معقول، قابل للتنفيذ، انطلاقا مما هو قائم، لا مما ينبغي أن يكون، وهذا ما يفسر اقتناعه بأن روسيا تسعى إلى إيجاد حل سياسي.

ومع ذلك، لا تحل تصريحات طعمة الإشكالية، بل تزيديها تعقيدا، فالطرح الواقعي يتطلب من الطرف المقابل تقديم طروحاتٍ واقعية أيضا، وهذا غير متوفر إلى الآن مع نظامٍ ما زال يستخدم مفردات المؤامرة والإرهاب في خطابه، ولا يقبل إلا بإحكام سيطرته على البلاد، مع إصلاحات شكلية، لا تؤدي لاحقا إلى تغيير في بنيته الحاكمة.

وأمام هذه الحقيقة، من الأفضل على المعارضة اعتماد الطروحات الراديكالية، ولا يتم التنازل عنها إلا بتسوية دولية توازي بين خطابي المعارضة والنظام، وتدفع بكليهما إلى تقديم تنازلات جادة. أما إن تنازلت المعارضة عن أساسيات الثورة من طرف واحد، فذلك سيشكل مقتلة لها، وللقاعدة الداعمة لها.

أهمية تصريحات طعمة أنها طرحت إشكاليات بالغة الأهمية، وتتطلب معالجة واعية، بعيداً عن الغضب والعواطف، وبعيداً عن التخوين ومصادرة آراء من لهم رأي، وإن كانت صادمة أو مبهمة. والملفت أن بعض أعضاء الهيئة السياسية للائتلاف ردوا على أسئلة الصحافيين بشأن تصريحات طعمة، بالقول إنها تعبر عن رأيه، من دون محاولة شرحها، بغض النظر إن وافقوا عليها أو رفضوها كليا أو جزئيا، في مشهد يعكس واقع المعارضة السياسية، وعدم قدرتها على طرح الأسئلة الكبرى.

==========================

«التعفيش» في سياسة نظام الأسد .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 21/5/2018

لعله مما يبدو غريباً، قيام سلطةٍ ما تدّعي مشروعية وجودها، باستباحة ممتلكات «مواطنيها»، والأغرب من ذلك قيام السلطة بشرعنة سلوكها في ارتكاب الجريمة والسكوت عن القائمين بها، وسط سكوت عام عن تلك السياسة، بما يعني تكريسها سابقةً ونهجاً في السياسة والممارسة، بدل اعتبارها واحدة من الجرائم التي ينبغي محاسبة مرتكبيها، وإيقاع القصاص بهم.

وللحق، فإن سياسة نظام الأسد في استباحة ممتلكات السوريين، والمعروفة محلياً بـ«التعفيش»، تكاد تكون متفردة، خصوصاً إذا تم تمييزها عن عمليات المصادرة والاستيلاء التي يقوم بها بعض السلطات بما فيها نظام الأسد ضد أشخاص أو جماعات سياسية أو عصابات في إطار الحرب ضدهم.

وبالعودة إلى سياسة التعفيش في ممارسات نظام الأسد، يمكن القول إن بداياتها، ارتبطت بالاجتياح السوري للبنان في عام 1976، عندما دفع الأسد الأب قواته إلى الدخول إلى لبنان بحجة وقف الحرب الأهلية وإعادة الأمن إلى البلاد، فانخرطت تلك القوات في عملية تعفيش المناطق التي وصلت إليها، وأخذت تستولي على كل ما صار تحت يد ضباطها وجنودها من مناطق، استولت فيها على أموال ومفروشات وتجهيزات ومعدات، بل وصل الأمر إلى تحويل البيوت والمحال والمزارع، التي سيطرت عليها إلى خرائب بعد أن فككت الأبواب والنوافذ والأدوات والتمديدات الصحية والكهربائية ومواد الإكساء. وكان من المألوف رؤية القوافل العسكرية العائدة من لبنان وهي محمّلة بما تم تعفيشه.

وسمح التمرير الصامت في مستوياته المختلفة لجرائم نظام الأسد في التعفيش اللبناني، بانتقال هذه السياسة إلى الفضاء السوري، وكانت سنوات صراع النظام مع الجماعات الإسلامية المسلحة في الثمانينات الفرصة الأكبر لظهور تلك السياسة، حيث قامت قوات الجيش والأمن باستباحة مدن وقرى ولا سيما في الوسط والشمال السوري بينها حماة وجسر الشغور وحلب، وفيها قام ضباط وجنود الأسد بالاستيلاء على كل ما وصلت إليه أيديهم في البيوت والمحال والمزارع التي مرّوا عليها، وقد تكررت مشاهد القوافل العسكرية المحملة بما تم تعفيشه على نحو ما حصل سابقاً في لبنان.

ويعيدنا الحديث عن التعفيش في سياسة نظام الأسد إلى الانقلاب الفاشل الذي قاده رفعت الأسد على سلطة أخيه في عام 1984، والتي استدعى رفعت في إحدى مقدماتها اللبناني علي عيد، أحد أبرز أنصاره في طرابلس اللبنانية، وأبلغه بأنه وبالتزامن مع العملية الانقلابية، سوف يتم إطلاق يد الميليشيات التابعة له لمدة ثلاثة أيام في دمشق للاستيلاء على كل ما يمكن الوصول إليه، وقد أعدّ علي عيد في حينها، مجموعة من مائتي شخص للقيام بهذه المهمة، لكنْ تسرُّب الخبر إلى السلطات السورية، مكَّنها من اعتقالهم في الطريق إلى دمشق.

وثمة نوع خاص من التعفيش أبدعته أدوات النظام في المؤسستين الأمنية والعسكرية، وهو الاستيلاء على رواتب ومخصصات الرتب الدنيا والحصول على أُعطيات عينية في المؤسستين من قبل الضباط والنافذين من صف الضباط، حيث درجت العادة مع وصول الأسد الأب إلى السلطة في عام 1970، على أن يقوم كبار الضباط بمنح العسكريين الصغار ولا سيما المجندين منهم إجازات بمقدار ما يدفعون من مال أو أُعطيات عينية، أو يؤدونه من خدمات للنافذين في الوحدات العسكرية والأمنية لدرجة وصلت إلى حد عدم الانخراط في الخدمة العسكرية بصورة كاملة.

وسط هذا الإرث في تجربة التعفيش، جدد نظام الأسد الابن سياسة أبيه بعد انطلاق ثورة السوريين في عام 2011، حيث تم إطلاق يد الجيش والأمن في استباحة المدن والقرى الخارجة عن سيطرة النظام، فبدأت عمليات السطو على ممتلكات السوريين من بيوت ومحلات ومزارع، وتعفيش ما فيها.

ولم يكن ذلك منفصلاً عن مجمل سياسة النظام ضد السوريين، بل كان جزءاً من منظومة القمع والإرهاب التي شملت القتل والاعتقال والتهجير وتدمير الممتلكات وسط تميز أهداف سياسة التعفيش بثلاثة أهداف أساسية؛ أولها منح ضباط وعناصر النظام حوافز مادية، تعزز هجماتهم على المناطق المعارضة وسكانها للحصول على مكاسب مادية. والثاني تصعيد عمليات التخويف للسوريين، لأن التعفيش لم يكن مقتصراً على المعارضين وأقربائهم، بل شمل الجميع دون استثناء. والهدف الثالث تصعيد النزعات الإجرامية، وجعل الاستيلاء على أموال السوريين من المعارضين وسكان المناطق الخارجة عن سيطرة النظام سلوكاً مبرراً بغطاء رسمي.

لقد صاغ الفاعلون الأساسيون في نظام الأسد مساراً عملياً لسياسة التعفيش. فبعد أن يتم طرد سكان المناطق المستولَى عليها من جانب قوات الأسد وميليشياته وحلفائه، يتم إغلاق تلك المناطق، ومنع عودة أي من السكان إليها بصورة نهائية، ثم يتخذ التعفيش واحداً من طريقين؛ أولهما أن يقوم المسؤول الأمني عن المنطقة بتعهيد تعفيشها إلى نافذين من الشبيحة مقابل عائد مادي يتسلمه سلفاً، وبهذا يستأثر المسؤول الأمني الذي غالباً ما يكون من كبار ضباط الجيش أو الأمن بالعائد الرئيسي للتعفيش، أو أن يفلت ضباطه وجنوده لتعفيش المنطقة مقابل حصة يدفعونها له، وفي هذه الحالة تعود فوائد التعفيش على الجميع من الأعلى إلى الأسفل.

لقد خلقت سياسة التعفيش بنية متكاملة، أحد أبرز وجوهها تشكيل نخبة من رجالات النظام الأمنيين والعسكريين تدير عمليات التعفيش، وفئة وسيطة من المتعهدين والوسطاء المرتبطين بالفئة الأولى، وفئة دنيا تقوم بعمليات التعفيش، وترحيل منتجاتها وتصريفها في الأسواق، كما تتضمن البنية المتكاملة أسواقاً منها أسواق علنية لعل الأولى فيها كانت «سوق السنة» في منطقة السومرية غرب دمشق، قبل أن تصبح أسواق التعفيش ظاهرة علنية في العديد من المدن الخاضعة لسيطرة النظام.

إن سياسة التعفيش، كما يرسمها نظام الأسد، وتنفّذها قواه الأمنية والعسكرية وميليشياته من الشبيحة، تشكل جزءاً أساسياً من نظام معاقبة السوريين وإخضاعهم، إضافة إلى أنها طريقة لسرقة ما لم تدمره حرب النظام، وتحويله إلى مغانم، ينتفع منها ضباط النظام وجنوده وشبيحته من أجل تعزيز ولائهم لنظامٍ فقد كل القيم الإنسانية والوطنية والأخلاقية، وصار من اللازم أن يحاسَب على جرائمه، ويغادر بطريقة أو بأخرى.

==========================

كيف يكون الرد الإيراني؟ .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 20/5/2018

جاءت العقوبات الأميركية والخليجية قبل أيام على شخصيات جديدة من «حزب الله» اللبناني (عسكرية وسياسية) لتعيد التذكير بأنّ السياسة الأميركية ماضيةٌ قُدُماً في مواجهة إيران وتنظيماتها في المنطقة. ومع أنّ هذه الإجراءات كانت متوقَّعةً بعد الانتخابات اللبنانية والعراقية، فإنّ اللبنانيين والعراقيين على حدٍ سواء، لا يزالون منهمكين بتقاسم الأنصبة والمراكز والسلطات على وقع نتائج الانتخابات التي زادت الأمر غموضاً!

وإذا شئنا الدقة، فإنّ التقديرات الإسرائيلية والإيرانية لنتائج الانتخابات اللبنانية كانت متطابقة. فحسن نصر الله والمسؤولون الإيرانيون والمتحدثون الإسرائيليون، كل هؤلاء قالوا إنّ طهران كانت من خلال حزب الله تسيطر عسكرياً على لبنان، وهي تسيطر الآن سياسياً للمكاسب الانتخابية التي حقّقها الحزب. نصرالله والإيرانيون يعتبرون «الانتصار الانتخابي» رداً على مزاعم القهر الذي يصيب السنة والمسيحيين تحت وطأة السلاح. إذ صوَّت للحزب هذه المرة سنّة ومسيحيون، وحصّل مرشح الحزب في بيروت أصواتاً تفضيلية أعلى من أصوات سعد الحريري! لذلك قال نصرالله إنّ بيروت هي بيروت المقاومة، وفوَّض لميليشياته الاحتفال بالسلاح في شوارعها طوال ثلاثة أيام. وعلى هذه الاستباحة علقت إسرائيل بأنّ الحزب هو من يحكم لبنان، لذا فإنّ مقاتلته الآن وليس غداً لا تحرِّر الحدود الإسرائيلية من التهديد فقط بل وتحرر اللبنانيين من سطوة الحزب!

لكنّ إسرائيل لا تزال تتوقع نشوب الحرب من سوريا أو في سوريا، على أساس أنّ قواعد إيران هناك جديدة، بينما هي قديمةٌ في لبنان، وسبق أن ضربتها إسرائيل أكثر من مرة دون أن تزول! وبينما يسلِّم خبراء عسكريون إسرائيليون بأنّ ضرب قواعد إيران في سوريا ضروري، فإنهم لا يزالون يعتبرون قواعد الحزب في لبنان أخطر عليهم.

الأميركيون والإسرائيليون يسعَون لحربٍ عاجلة، بغض النظر عن التوصيفات هل هي شاملة أم محدودة. وتصرفاتهم تدل على ذلك: بالإغارات الإسرائيلية على سوريا عبر الأجواء اللبنانية، وكانوا قد قالوا الأسبوع الماضي إنهم أنْهَوا قواعد إيران هناك، وعادوا يقولون الآن: بل هناك قواعد باقية. ثم إنّ الولايات المتحدة ما خرجت من الاتفاق النووي وحسْب، بل قالت إنها تريد مكافحة النفوذ الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة، والمهدِّد لإسرائيل، والداعم للإرهاب. وجاءت أخيراً قضية العقوبات على «حزب الله». وهناك تنافُسٌ بين إيران وأميركا الآن على تشكيل حكومتي لبنان والعراق بعد الانتخابات. إيران تعتبر وجودها داخل الحكومات العربية درعاً لها ورهينة، والولايات المتحدة تعتبر الوجود الإيراني في الحكومات مزعزعاً للاستقرار، فمن الذي يعلّق الجرس؟ فقبل سوريا وبعد سوريا هناك 150 ألف صاروخ إيراني في لبنان وعلى مقربة نسبية من الحدود مع إسرائيل. وهذه الصواريخ لن تُزال لا بـ «الاستراتيجية الدفاعية» من جانب حكومة لبنان الضعيفة، ولا بـ «النوايا الحسنة» من جانب إيران! إنما هناك عاملٌ جديدٌ طرأ. هو أن إيران، وبسبب هجمات ترامب المتكررة، وإغارات إسرائيل المتتالية، ما عادت في مواقع الهجوم والقدرة على الابتزاز، كما في أيام أوباما.

لذلك فالذي أُقدّره أنّ إيران لن تردَّ الآن على التصعيد الأميركي والإسرائيلي بهجوم مضادّ، بل وإثباتاً للمسالمة، ستردّ بالشكوى والتظلم، وبالذهاب إلى الروس والصينيين والأوروبيين ليقفوا معها في النووي وغير النووي. وهي متحالفة مع الروس في سوريا وسيتوثق هذا التحالف كلما اتجه الرئيس ترامب لمخاصمة العالم أجمع صوناً وتدريعاً للولايات المتحدة ولازدهارها الاقتصادي.

والتقدير أيضاً أن لا تقاوم إيران قيام حكومات معتدلة في لبنان والعراق، إنما هل يُرضي ذلك كله الولايات المتحدة.. وإسرائيل؟ ستمضي الولايات المتحدة وإسرائيل قُدماً في المطالبة بخروج الإيرانيين من سوريا، وتفكيك صواريخ «حزب الله» في لبنان، وهذا الأمر لن يجد استجابة من إيران بالطبع. لذلك فقد تصبح الحرب لا مفرَّ منها لتحقيق مكاسب نوعية أو لدفع الأخطار القائمة. وروسيا وحدها هي من تستطيع إلى حدٍ بعيد منْع نشوب نزاعٍ واسع بالتأثير على كل من إسرائيل وإيران، فهل تفعل؟ هذا ما ستكشفه الأسابيع القادمة.

==========================

أسطوانة "الحل السياسي" في سورية .. يحيى العريضي

العربي الجديد

الاحد 20/5/2018

وحده السوري لم يُستَفت في أي حل يريد لبلده. كل العابثين بقضيته أدلوا بدلوهم من دون أن يُستفتوا. والكل قالوا إن الحل للقضية السورية سياسي؛ ولكنهم، ما فعلوا إلا عكس ذلك. رداً على صرخات السوري الأولى بالحرية وبحكم القانون وبالعيش الكريم؛ تدرّج النظام بحلّه "السياسي" من البندقية الروسية إلى الدبابة، فميليشيات المرتزقة/ فالمقاتلات الحربية، فالصواريخ، فالسلاح الكيميائي، وصولاً إلى الاستعانة بالاحتلال الأجنبي لإيجاد "الحل السياسي" للقضية السورية!

تطلّع السوري الذي يبحث فعلاً عن حل سياسي لقضيته إلى أن يتكوّن جسد سياسي معارض، يمكّنه من التعبير عن تطلعاته، فتنطّع مزيج غريب عجيب من السوريين لإيجاد ذلك الجسد؛ فأتى مشوها عَبَثت في تكوينه كل الأحقاد والمصالح والأنانيات والمحاصصات والثأريات والمستحاثات والاختراقات والمخابرات؛ وكان فيه قلة من الصلّاح والراشدين. ومع ذلك كله، بقي هواه مدنياً سياسياً يبحث عن حل سياسي للقضية.

تغلبت العسكرة على الجميع؛ وارتاح النظام بسحب صرخة الحرية إلى ساحته العسكرية، وصبغها بالإرهاب؛ ليبرّر قتلها بإطلاق آلاف المتشددين الحربجيين من معتقلاته؛ ومعظمهم كان قد استخدمهم يوماً في ابتزاز أميركا في العراق، لتبرير قتلها العراقيين هناك؛ فكانت مساهمته الأكبر في إنتاج "داعش" و"ماعش" وجبهة النصرة، بعد أن انتشرت الألوية والفصائل والفرق بكل أنواع التسميات من فجر الجاهلية إلى حسن نصر الله وحزب الله في الضفة الأخرى. منسوب الدم والدمار والفرار من النار حَشَرَ الأمم المتحدة، وتحيَّزت مجبَرةً إلى جانب السوري؛ وبدفع من جسد مشوه آخر أُطلِق عليه اسم "أصدقاء سورية"؛ ليبدأ البحث عن "حل سياسي"؛ فكان مؤتمر جنيف، بعد ما يقارب العامين على المقتلة السورية. كان الكل يرفضه، إيمانا بالمعادلة الصفرية: إما أنت، أو أنا. "النظام" ملتزم بشعاره [الأسد أو لا أحد]، و"المعارضة": {سورية لا تعيش بالأسد}.

أضحى الشغل الشاغل للوزير الروسي، لافروف، تلبيةً لرغبة منظومة الأسد وإصرارها على الحل العسكري، الدعم العسكري للنظام، وإفراغ أي قرار دولي يدعو إلى حل سياسي من 

"زادت الجغرافيا التي يسيطر عليها "النظام" بفعل روسي - إيراني" مضمونه. أما الشغل الشاغل للوزيرة الأميركية، هيلاري كلينتون، وبعدها جون كيري، فكان أيضاً الحديث عن حل سياسي ودعم العسكرة في المعارضة، شريطة ألا تهزم النظام؛ ليصار إلى تعهيد الملف السوري، بعد سحب ترسانة النظام الكيميائية، إلى روسيا. وهنا انصبَّ عمل لافروف على مقاربة القرارات الدولية انتقائياً؛ كأن يعمل على نسف مصداقية المعارضة أو المعارضات السياسية باعتبار لقاء تمَّ في موسكو (منصة) معارضة، وآخر جرى في مكان آخر (تيار) معارضة؛ .. إلخ. ومن ناحية روح القرارات الدولية المتمثل بوقف العسكرة، وتحديداً بند "وقف إطلاق النار"، باجتزائه وتشويهه في أستانة لـ "مناطق خفض تصعيد" لم تكن إلا عملية التقاط أنفاس لاستمرار الحل العسكري، تماماً كما يريد نظام الأسد؛ وتريد موسكو وطهران.

من هنا، جاء إقحام ممثل بوتين نسخة من "دستور لسورية" في أول اجتماعات أستانة. رأت روسيا أن الحل السياسي في إيجاد دستور لسورية، وهي تعرف أن الدستور لم يُحترَم يوماً في سورية إلا بما يخدم نظام الطغمة. وعندما لم تنجح روسيا بذلك، وبعد أن استنفدت كل ما تريده، ويريد النظام عسكرياً من أستانة؛ انتقلت بالقضية الدستورية إلى "سوتشي"، في محاولة للإجهاز على مسار جنيف والقرارات الدولية. جاء ذلك، بعد أن سحبت تركيا إلى الساحة الأستانية عبر إغرائها بنكرزةٍ للغرب. وتمّمتها باشراك إيران "ضامنا" في تحالفٍ غير مقدّس تحتاجه الأخيرة. وبذا حولتهما إلى ضامنين لـ"اتفاقات أستانة" المسمومة.

استمر النهج العسكري. خفَّ منسوب الدم، لأنه لم يعد هناك سكان ليُقتلوا. نصف سورية أضحى في الشتات. زادت الجغرافيا التي يسيطر عليها "النظام" بفعل روسي - إيراني؛ و"النظام" فقط واجهة لذلك [التحرير أو الانتصار]. من جانبها، تضع أميركا يدها على ثلث البلاد المفيد وتركيا على جزء، والجزء الأكبر المرعوب الخائف المدمر روحياً واقتصادياً تحت السيطرة الفعلية الروسية - الإيرانية والشكلية الأسدية.

وهكذا فإن أسطوانة الحل السياسي المشروخة التي يجري الحديث عنها لا يمكن تفصيلها على

"رأت روسيا أن الحل السياسي في إيجاد دستور لسورية، وهي تعرف أن الدستور لم يُحترَم يوماً في سورية إلا بما يخدم نظام الطغمة" مقاس روسيا وإيران والنظام؛ بل لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار أميركا وإسرائيل وتركيا وفرنسا وإنكلترا والأردن والسعودية و.. و.. و... أما المنسيّ في حل سياسي كهذا، والذي لا يُستفتى، ولا يُؤخَذ رأيه، فيبقى ذلك الإنسان السوري الذي يريد حلاً سياسياً حقيقياً. ومن هنا، لا يمكن أن يكون هناك حل سياسي إلا إذا تمت العودة إلى جوهر القضية السورية: {{شعب يريد الحرية، يتوق للعيش في بلد واحد تحت سقف القانون، يختار من يتعاقد معه للحكم، كأي شعب يستحق العيش الكريم}}. وهنا الفرق الحقيقي بين مَن يحمل أمانة شعب ينشد الحرية؛ يريد لسورية وشعبها أن يعودوا إلى سكة الحياة، عبر حل سياسي مُشَرِّف من جانب؛ ومن يحمل "أمانة" الحفاظ على كرسي الدم المستبد الذي لا تستطيع قوة في العالم إزاحة ملفات الإجرام عن كاهلة وإعادة تأهيله. يأتي الحل السياسي بتوافق دولي وسوري عبر تفعيل إرادة دولية صادقة، تعمل على تطبيق القرار الدولي الذي ينص على انتقال سياسي تقوده هيئة حكم انتقالية سورية، تُدعم دولياً لإيجاد بيئة آمنة سليمة موضوعية، تمكّن كل السوريين من وضع بلدهم على سكة الحياة ثانية.

==========================

من وعد بلفور إلى وعد ترامب .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاحد 20/5/2018

تسقط من جديد رهانات الزعامات العربية في التعويل على الدور الأميركي في صناعة السلام في منطقة الشرق الأوسط عموماً، وفلسطين خصوصا، فعلى الرغم من انحيازاتها المستمرة لمصلحة إسرائيل، في القضية الفلسطينية، قبلت المنظومة العربية والقيادة الفلسطينية أن تسلم أوراقها للجانب الأميركي، في وقتٍ يمكن تسميته لحظة "انعدام الخيارات"، لفرض تسويةٍ "غير موثوقة" تسمح للشعب الفلسطيني بتقرير مصيره في دولته المستقلة، في الأرض المحتلة (1967)، وفق ما سمي حل الدولتين، عبر مسار أوسلو الذي انتزع القضية من مسارها الأممي، أي وفقا لقرارات الشرعية الدولية، ليضعها في مساراتٍ جانبيةٍ لم يتحقق منها سوى حكم ذاتي للفلسطينيين في بعض من بعض أرضهم، ولجزء من شعبهم. وقد أدّى ذلك إلى استسلام المجتمع الدولي، عبر مؤسسته الأممية المتمثلة في الأمم المتحدة، وركن قراراته ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، لا سيما منها القرار 181 الخاص بالتقسيم، والقرار 194 الخاص بحق العودة للاجئين، و242 الخاص بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها، وعدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة. هكذا بقصد أو من دونه. وفي لحظة فقدان الثقة بقوة الحق، استسلمنا عربياً وفلسطينياً لقوة الهيمنة الأميركية غير الحيادية.

"عاشت أميركا... تسقط أميركا"، هذا هو الحال الذي يعتمل داخل نفوس العرب، فمن ترامب الذي "نحبّه" عندما يداعب مشاعرنا في إعلان عدائه إيران، إلى ترامب ذاته الذي نكرهه، 

"لم تدّع الولايات المتحدة يوما أنها تحابي مصالح العرب وحقوقهم" ونحن نتلقى الصفعات واحدة تلو الأخرى منه، في مجال حقوق الفلسطينيين. والمنصف في الأمر الاعتراف أنه ليس هو من تلاعب بمشاعرنا، وربما لم يسع إليها، أو أنها ليست على جدول أعماله أساساً، منذ بدأت مسيرة شهرته، حين لم يكن على قائمة التنافس الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية، ومروراً بتحولاته السياسية، المتنوعة، وبرنامج دعايته الانتخابية الذي لم يلامس فيه أي حلم عربي كان، أو "إسلامي"، وانتهاء بوعده "المشؤوم" في 6 ديسمبر/كانون الأول 2017، بخصوص نقل السفارة الأميركية إلى القدس. هذا الوعد الذي أطلقه في حين لا تزال مكرمات بلاد الخليج عالقةً على جنبات ثيابه وأهل بيته الذين شاركوا وباركوا مقتل نحو ستين فلسطينياً، على وقع خطوات ابنته "الفاتنة" إيفانكا التي أزاحت الستارة عن سفارة الولايات المتحدة الأميركية في القدس المحتلة في 14 مايو/أيار الجاري، لتكون أول دولة تعترف بالديانة جامعا لشعب تقوم على أساسه دولة دينية يهودية، توازي، إن لم تتفوق على، الدولة الإسلامية إيران، المماثلة لها في قوامها وجامعتها (الدين) وسلوكها نحو العرب، والتي تدّعي أميركا خصومتها والسعي إلى تحجيم دورها، بدعوى إخلالها بالسلم والاستقرار الدوليين، وتخليص العالم من شرورها القادمة عبر سلاحها النووي.

وفي الحالين، الولايات المتحدة الأميركية التي نستنجد بها لتخلصنا من جرائم إيران واحتلالها مذهبيا وعسكريا سورية  والعراق، هي نفسها التي تساند الاحتلال الإسرائيلي، وتبرّر جرائمه في فلسطين، وتصون مصالحه في مجلس الأمن، وتعزّز قوته العسكرية والاقتصادية على حساب انتزاع القدرات العربية، وتدميرها منهجياً لمصلحة التفوق الإسرائيلي، ما يجعل السؤال مبرّراً عن إمكانية أن يكون لإدارة ترامب اليوم أي دور في إرساء الأمن والسلام الدوليين في منطقتنا العربية، في ظل انحيازه التام لإسرائيل، وتبنّيه فرضية وجودها الأسطورية الخارجة عن منطق بناء الدول في العصر الحديث.

أقصد أن الحديث عن "خيانة" للإدارة الأميركية، أو عن تراجع لها، هو فقط لتبرير الأخطاء الجسيمة التي انطوت عليها مراهنة بعضهم على الولايات المتحدة الأميركية التي لم تدّع يوما أنها تحابي مصالح العرب وحقوقهم، بل أكدت على الدوام أنها لا تهتم إلا بمصالحها الخاصة، وضمن ذلك مصالح إسرائيل في المنطقة، أي أن الذين راهنوا عليها، وبنوا سياساتهم على أساس توهماتهم عنها، هم الذين يتحملون المسؤولية، في هذا الخصوص.

قد يحيل بعضهم توهماته إلى تصريحات الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، وأركان 

"الولايات المتحدة لم تكن تريد إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني عبر أوسلو، وإنما تغيير مسار الصراع وتحجيم أهداف الفلسطينيين ومحاصرتها" إدارته، لكن تلك الإدارة التي تتحمل جزءا كبيرا عن مآلات الصراع السوري، والمآسي الناجمة عنه، أرسلت إشارات عديدة واضحة تفيد بأنها غير معنية بإنهاء الصراع السوري، أو بترحيل نظام الأسد، وحصل ذلك مرارا في سكوت وزير خارجيتها، جون كيري، عن تفسيرات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، لبيان جنيف، ثم عن عبثه بمسار مفاوضات جنيف، أي أن الولايات المتحدة هي التي سهلت وغطت الدور الروسي، السياسي والعسكري، كما سهلت سابقاً استيلاء إيران على العراق سياسياً واقتصادياً، وما كان لإيران التي تحمل شعار "الموت لأميركا" أن تصل إلى الحدود السورية مع الكيان الإسرائيلي إلا بقرار صامت أميركي، يوظف من جديد الوجود الإيراني لمصلحة خلط الأوراق، وانتزاع الأولويات العربية من المواجهة مع إسرائيل إلى المواجهة مع إيران.

تبيّن كل الدلائل بوضوح أن الولايات المتحدة لم تكن تريد إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني عبر أوسلو، وإنما تغيير مسار الصراع وتحجيم أهداف الفلسطينيين ومحاصرتها ضمن حدود قصر حكم السلطة الفلسطينية ("المقاطعة" في رام الله)، كما الحال بالنسبة للصراع في سورية، فحيث كان يمكن للإدارة الأميركية، والتي بدأت تدخلاتها بالثورة السورية مع الأسابيع الأولى لانطلاقتها 2011، من خلال التصريحات وحراك السفارة الأميركية في دمشق، أن تنهي الصراع، وتلزم النظام بالخضوع إلى تسويةٍ سياسيةٍ عادلةٍ وعاجلة، إلا أنها اختارت الطريق الأطول والأصعب على السوريين، لاستنفاذ قواهم بصفتهم طرفين متصارعين، ولتوسيع عدد الأطراف، بما يضمن تحقيق "الفوضى الخلاقة" التي لاتزال تتشكل في المنطقة كاملة، في وقت تحتفي هي بالقدس، أحد أخطر ملفات الصراع العربي الاسرائيلي، عاصمة للدولة اليهودية.

==========================

أوهام عودة نفوذ النظام السوري إلى لبنان .. أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 19/5/2018

تحتار في تحديد السبب الذي دفع البعض، فور انتهاء الانتخابات البرلمانية اللبنانية، إلى المبالغة والقول بعودة النفوذ السوري إلى لبنان. هل يكمن في حصول رجالات من عهد الوصاية الأمنية على بضعة مقاعد نيابية؟ أم في ادعاء «حزب الله» أنه حقق فوزاً كاسحاً في تلك الانتخابات؟ أم السبب هو التشفي من زعماء لبنانيين تعاطفوا مع ثورة السوريين ولم يتسنّ لهم النجاح؟ أم ربما محاولة لإحلال رغبات وأوهام مدفونة مكان الوقائع، ومناجاة مرحلة ذهبية من تمدد النفوذ الإقليمي للنظام السوري، يحدوها ما يحققه الأخير وحلفاؤه من تقدم عسكري على حساب جماعات المعارضة؟!

بداية ومع الاعتراف بأن خريطة المقاعد النيابية والاصطفافات البرلمانية قد تغيرت، وبأن ثمة أكثرية ذهبت نظرياً لمصلحة «حزب الله»، يصعب في ظل التركيبة الطائفية اللبنانية والتوازنات القائمة إقليمياً ودولياً، وما وصل إليه الوضع السوري من ضعف وارتهان، ترقب تحولات نوعية تحدثها هذه الانتخابات لفائدة السلطة السورية أو تمهد لعودة دورها المؤثر في الحياة السياسية والأمنية اللبنانية، وإذا كان ثمة تحذير وخوف من دور جديد للنظام السوري إقليمياً وفي لبنان، فإنهما يتأتيان من احتمال تقدم حاجة روسيا في توسل هذا النظام لخوض معارك حضورها ونفوذها في المنطقة، أو ربما من نهج سلطوي عتيق يستسهل التدخل والتحرش في لبنان وغير لبنان، لتحويل الأنظار عن ارتكاباته الداخلية وعمق أزماته المتفاقمة، مستعيناً بفائض قوة من جماعات عسكرية سلطوية خلفها الصراع وصارت عبئاً عليه.

واستدراكاً، فإن من يدعي أن نتائج الانتخابات اللبنانية صبت في مصلحة دمشق ودورها الإقليمي، يغفل أو يتغافل عن ثلاث حقائق؛ أولها، أن العملية الديمقراطية في لبنان وأياً تكن نتائجها تشكل حصانة للدولة وحافزاً لمكونات المجتمع كي تعبر عن ذاتها، ما يحاصر تفرد أي طرف في الهيمنة، ويحجم موضوعياً التدخلات الخارجية وخاصة من جانب النظام السوري الذي خبره اللبنانيون جيداً وعانوا منه طويلاً ولديهم من المظالم والذكريات المؤلمة معه ما يكفي لحضهم على مواجهته ومنع عودته إلى بلادهم. وثانيها، حدود دور الندوة النيابية، وأياً كانت توازناتها، في المشهد السياسي اللبناني ما دام سلاح «حزب الله» حاضراً، وما دامت لديه القدرة على تهديد وابتزاز هيئات المجتمع ومؤسسات الدولة ومحاصرتها، مثلما كان الحال عندما عطل لسنوات دور البرلمان والحكومة. وثالثها، إن من يستحق الإشارة إلى فرصته في قطف ثمار هذه الانتخابات، إنْ كانت هناك ثمار، ليس النظام السوري، بل إيران التي تعتبر تمدد «حزب الله» في مؤسسات الدولة اللبنانية إحدى الوسائل المضافة لتعزيز نفوذها الإقليمي، في حين لا يرى من يراهن على عودة النفوذ السوري من البوابة الإيرانية، أو لا يريد أن يرى، التباين النسبي في المصالح والحسابات بين دمشق وطهران، وتالياً بين «حزب الله» والنظام السوري، ولعلها لا تزال طازجة الانتقادات التي وجهها أحد أعضاء لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني عن سلبية الموقف السوري من الغارات الإسرائيلية على مواقع «الحرس الثوري»، وتمنين نظام دمشق بأن طهران هي من أنقذه ومنع سقوطه!

صحيح أن لسوريا موقعاً مفصلياً في منطقة حساسة من العالم لم تعرف الاستقرار بسبب التنافس الشديد للهيمنة عليها، وصحيح أن الانقلابات العسكرية التي حصلت فيها وتناوبت على السلطة منذ الاستقلال عام 1946 كانت محصلة لصراع القوى العربية والعالمية للسيطرة على هذا البلد والتحكم بموقعه ودوره، وصحيح أن السلطة نجحت، خلال العقود الأخيرة، في نقل سوريا من ساحة نزاع وملعب لمشروعات الآخرين واختباراتهم إلى لاعب رئيس في المنطقة، وبات لها نفوذ ودور يتجاوزان حدودها في ملفات كثيرة، أهمها فلسطين ولبنان، حتى صار نظام دمشق أشبه بقبلة للنخب اللبنانية والفلسطينية، عنده الحل والربط، وعلى يده تقرر النتائج وشروط معالجة أي حدث أو توتر، لكن الصحيح أيضاً أن معظم معالم تلك الصورة قد اختفت اليوم وتغيرت الأوزان والمواقف والاصطفافات، وبتنا أمام صورة جديدة لبلاد تئن تحت الخراب والدمار وأعداد ما فتئت تزداد من الضحايا والمعتقلين والمفقودين والمشردين، تحدوها استباحة غير مسبوقة لوطن استسهلت أطراف دولية وإقليمية العبث بمكوناته ومقدراته وتوظيفه كورقة لتحسين الموقع واستنزاف الآخر.

لقد ساهمت الثورة السورية، وبلا شك، في إشغال النظام عن أدواره الإقليمية ودفعته للالتفات إلى همومه الداخلية، لكن انحسار نفوذ النظام السوري في المنطقة، لمن يحلو له تحميل المسؤولية لثورة السوريين، كان سابقاً لها، ربطاً بتداعيات الاحتلال الأميركي للعراق وانسحاب الجيش السوري من لبنان، وتقدم مصلحة غربية وعربية في تخليص النظام من دور إقليمي عانوا منه كثيراً، وربطاً بتنامي حصة النفوذ الإيراني في المشرق العربي على حساب حليفه السوري، لكن يبقى السبب الأهم هو النهج العقيم للسلطة السورية في تأكيد دورها وفرض هيمنتها إقليمياً، وإصرارها على الأساليب الأمنية ومنطق القوة والغلبة في إنتاج القوى والمواقع على حساب صحة الوضع الداخلي وعافيته.

إن السوريين يدركون مدى المسؤولية التي يتحملها النظام عما حل بالبلاد عندما أنكر الأسباب الحقيقية لثورتهم وصم أذنيه إزاء كل الدعوات لإبقاء الصراع وحلوله في الإطار الوطني، واعتمد منذ اللحظة الأولى القوة المفرطة والعنف المنفلت، متوغلاً إلى نهاية الشوط في سفك الدماء وتدمير البلاد وتحطيم مقدراتها، وفاتحاً الباب لاستجرار أي دعم خارجي يضمن بقاءه وامتيازاته، بما في ذلك استيلاد ما أمكنه من قوى التطرف الإسلاموي لتشويه الثورة السورية وعزلها، ويدركون أيضاً أن لا مصلحة لهم في التدخل بشؤون الآخرين واللعب بأوراق النفوذ الإقليمي التي كلفتهم كثيراً ومكنت الاستبداد من خنق أرواحهم وخياراتهم، وأنهم بتحررهم من العنف والقهر والفساد، هم وحدهم القادرون على وقف تحويل بلادهم إلى ساحة لصراعات الآخرين.

==========================

بين أستانة وجنيف .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 19/5/2018

إذا كانت الأمور بخواتيمها، فإن خواتيم مؤتمرات أستانة تؤكد أن هذا الانتقال من جنيف إلى أستانة كان مخططاً ذكياً رسمته روسيا ونفذته للتخلص من القرار الدولي 2254 الذي حدد حلاً سياسياً قبلته المعارضة على مضض، لأنه يخفض سقف مطالب الشعب السوري، من المطالبة برحيل النظام، إلى قبول المشاركة معه في هيئة حكم انتقالي، وقد وضعنا حداً لايمكن التنازل عنه، هو ألا يكون لرئيس النظام- والمجرمين الذين دمروا سوريا -أي دور في مستقبل سوريا، مع الإصرار على ملاحقتهم قانونياً، وقد اعتبرت روسيا أن هذا المطلب شرط مسبق، وبدأت تعطل مسارات جنيف بذريعته، وأصرت على رفض التعامل مع الوفد المفاوض، واشترطت دخول منصتي موسكو والقاهرة، وأبدت هيئة التفاوض مرونة في قبول ممثلين عن المنصتين.

ولم تكن بين الهيئة العليا ومنصة القاهرة ما يمنع التلاقي لأن الخلاف في رؤية التفاوض بسيط وقابل للتفاهم، بينما كانت الخلافات في الرؤية مع منصة موسكو جوهرية، فهذه المنصة بدت ممثلة لسياسة روسيا المدافعة عن النظام، وهي تسعى لتمكينه، وتعتبر الحديث عن رأس النظام شرطاً مسبقاً كما تراه موسكو، وقد طلبت هذه المنصة إبعاد من سمتهم متشددين في الهيئة العليا وتم ذلك، ولكن الذي حدث أن الهيئة الجديدة لم تستطع أن توافق على رؤية منصة موسكو رغم ترحيبها بها، فقد جاء بيان مؤتمر الرياض 2 مواكباً إلى حد مقبول للبيان الأول، وإن كان أقل تشدداً، لكن هيئة التفاوض الثانية رفضت المشاركة في مؤتمر سوتشي، وظهرت بين أعضائها تباينات جوهرية في المواقف. وقد تم إهمالها وإهمال مسار جنيف كله رغم الإشارة إليه دائماً في بيانات أستانة.

كانت عقدة التفاوض في جنيف من بدايته هي الرفض الروسي للحل السياسي عملياً رغم الموافقة النظرية، ثم رفض ديمستورا الحديث المباشر عن الانتقال السياسي، وكان من المفترض أن يبدأ المجتمع الدولي بتنفيذ قرارات مجلس الأمن حسب السيناريو المرسوم فيها بموافقة دولية، وأول الخطوات بناء الثقة، وقد حددت القرارات وقف إطلاق النار، وفك الحصار، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية، وإطلاق سراح المعتقلين، بكونها خارج عملية التفاوض وفوقه، لكن «ديمستورا» جعل هذه الخطوات موضوعاً تفاوضياً في جنيف، وكان الوزير كيري يحث المعارضة على أن تحول هذه الخطوات الفوق تفاوضية إلى طاولة التفاوض، ويومها بدأنا نشعر بأن الولايات المتحدة دخلت مرحلة التخلي، وأنها تعلن شيئاً وتخفي شيئاً أخر في موقفها، وهذا ما دعا وفد التفاوض إلى التأجيل (وهو انسحاب مرحلي)، وكان النظام وروسيا يصعدان الهجوم على شعبنا مع كل جولة تفاوض كما حدث في مضايا ثم في حلب، وبدأ ديمستورا بالتحايل على مسار التفاوض حين أعلن عن (السلال) التي بدأت ثلاثاً ثم أضيفت إليها سلة رابعة هي سلة الإرهاب التي أصر عليها النظام وروسيا لتكون ذريعة للتصعيد العسكري ضد الشعب السوري الذي يراه النظام شعباً إرهابياً شريراً يتمرد على حكم عادل وحكيم.

وفي يناير 2017 طرحت فكرة الفصل بين ملفات (ما قبل التفاوض) وبين عملية الانتقال السياسي، بحيث يناقش بعض العسكريين قضية وقف إطلاق النار وفك الحصار والمسار الإنساني وملف المعتقلين في مسار خاص في أستانة، وأن يتفرغ مسار جنيف لقضية الحل النهائي، وشعرنا بالريبة من ذلك، لأن ديمستورا لم يناقش الحل النهائي، وإنما راح يشغل الوفد بقضية الدستور والانتخابات، وهو يلبي بذك ما أعلن عنه الرئيسان ترامب وبوتين في بيانهما المشترك في فيتنام، حيث بدا أن الحل النهائي هو إخضاع مناطق سيطرة المعارضة للنظام الذي (رفض كل ما عرض عليه)، وبات يعتد كلياً على مساعدة روسيا وإيران في طغيانه العسكري.

لقد طالبنا دائماً بأن يكون مسار جنيف بمرجعياته القانونية الأممية موقع حل سياسي يقبله الشعب حسب القرارات الدولية، لكن الحسم العسكري الذي أعلنت كل الدول رفضها له، بات هو الحاسم بصمت دولي مريب. والمفجع أن يختصر حل القضية السورية بدستور على الطريقة اللبنانية وانتخابات على الطريقة العراقية.

==========================

موقفنا : حول تصريح وزير الاستخبارات الصهيوني : "نسعى لكسب التأييد الأمريكي لضم الجولان " .. زهير سالم

26 / أيار / 2018

مركز الشرق العربي 

الجولان الأرض العربية المحتلة منذ 1967 هي الشاهد الحي على خيانة وعمالة الأسد وفصيله على مستوى العالم العربي .

ولقد كانت حرب السابعة والستين بحقيقتها التاريخية تراجيديا مدبرة جُرت إليها الأمة العربية بأقطارها الثلاثة مصر وسورية والأردن ، وكان حافظ الأسد وزير الدفاع السوري يومها هو الذراع الصهيوني المباشر المحرك للمشهد في الصف العربي.

لن ينسى التاريخ ولا المؤرخون  تصريحات وزير الدفاع الخائن حافظ الأسد  لجريدة الثورة البعثية ، قبل الحرب بعشرة أيام تقريبا ( ننتظر وأيدينا على الزناد قرار القيادة السياسية لنلقي بالعدو الصهيوني في البحر ..) ولن ينسى سوري واع  قصة البلاغ 66 عنوان الخيانة البواح ، الذي سبق إلى إعلان سقوط القنيطرة ، قبل وصول صهيوني واحد إليها  ..

سقط الجولان في خمسة أيام ،  ثم أصبح " تحرير الجولان " المغتصب بإنسانه وترابه ومائه ذريعة لكل ما ارتكب بعد هذه الخيانة من خيانات ، وما حدث بعد هذه الجريمة من جرائم ، على مدى خمسين عاما.

وكان أخطر من انكسار الجيش العربي في الأقطار الثلاثة ، وضياع الأرض ، ما أثمرته الهزيمة المنكرة المدبرة من تحول استراتيجي في موقف المنظومة العربية كافة ، فقبل الهزيمة الجريمة كانت الأمة تسعى ، ولو ظاهرا ، لمواجهة تحدي ( النكبة ) وبعد الجريمة المدبرة استسلمت المنظومة العربية لواقع النكبة ، وسلمت بها ؛  ليتشاغل الجميع بالحديث عن ( النكسة ) تحت عناوين مموهة مثل ( غسل آثار العدوان ) أو(الأرض مقابل السلام ) أو ( السلام العادل والدائم ) .

أكثر من أربعة عقود والشعب السوري مستذل مستعبد مستباح تحت عنوان ( لا صوت يعلو على صوت المعركة ) .

 ومن شعارات (الصمود والتصدي ) و إعادة بناء ( التوازن الاستراتيجي ) إلى شعار ( الأرض مقابل السلام ) إلى عنوان (المقاومة والممانعة) ، مرّ خمسون عاما والجولان ما زال أسيرا، ولم تشهد الساحة السورية منذ ذلك اليوم أي مشروع وطني جاد لتحرير الجولان ، بل كان ما جرى في الثالثة والسبعين مسرحية أخرى لخسارة المزيد من الأرض ، وفتح المزيد من المخيمات فبعد (اللاجئين )/ 1948 ، و(النازحين) 1967 ، استقبل الشعب السوري أفواج ( الوفداين ) 1973 ، حيث خسر بطل الصمود والتصدي عشرات القرى العربية تكريسا للهزيمة في نفوس الأجيال .

يتساءل كل السوريين اليوم : لو دافع حافظ وبشار الأسد عن الجولان بنفس الحمية التي يدافعان بها عن كرسي سلطتهم ، هل كان سيسقط الجولان ؟! سؤال مفتوح لأصحاب العقول والقلوب ..

ومنذ اتفاقية ( فصل القوات ) سنة 1974 دخل الجولان الإقليم السوري المحتل / 1200 / كم ، في مرحلة سبات واستسلام . استقر فيه العدو الغاصب ، دون أن يكلفه نظام المقاومة والممانعة أن يدفع حتى ثمن فاتورة مائه العذب النمير !!

وكان العدو الصهيوني قد سبق في 1981 إلى إعلان ضم الجولان من طرف واحد ، لجعل هذه الأرض العربية بؤرة للاستيطان ، وبالتالي لسلخ سكانها العرب من هويتهم ، وترك للزمن أن ينضج هذا المشروع الخبيث وساعده على ذلك كما في البداية والوسط والنهاية نظام الزمرة الأسدية الضالعة في الجريمة ، والمستثمرة فيها .

واليوم ، وقد حولت العصابة الأسدية المجرمة سورية إلى ساحة حرب دولية وإقليمية ، وأجلب عليها بشار الأسد وزمرته الروس والأمريكيين والصفويين الإيرانيين والهزارة والعراقيين واللبنانيين ،  يطلع علينا وزير الاستخبارات الصهيوني يسرائيل كاتس ليخبرنا أن كيانه ، يضع على أجندة الكونغرس الأمريكي والإدارة الأمريكية مشروع قرار لاعتراف أمريكي بضم الجولان  إلى الكيان الصهيوني الغاصب ، وسلخه عن الجغرافيا والديموغرافيا السورية  افي إطار ما يسميه  تسويات الفسيفساء السوري القادم وحسبما يتفاوض عليه الأسد وحلفاؤه ..مع داعميه الدوليين .

- فماذا يمكن أن ينتظر السوريون الشرفاء من ترامب وإدارته بعد إقدامه على الجريمة المنكرة بحق القدس وبيت المقدس ؟!

- وماذا يمكن أن ينتظر السوريون من بشار الأسد وفصيله وزمرته وهم الذين ارتكبوا الجريمة ومارسوا الخيانة على مدى نصف قرن، وهم الذين دمروا في سورية إنسانها وعمرانها سعيا إلى المجتمع ( المتجانس !!) . ولعل المعنى الذي لم يدركه البعض في مفهوم ( المجتمع التجانس) أن يكون قابلا لزرع الكيان الغاصب على مدرجته الزمنية من الفرات إلى النيل ..

- وماذا يمكن أن ينتظر السوريون من مشروع الولي الفقيه الصفوي الطائفي المؤسس تحت مظلة ( إيران غيت ) ؟! ( إيران غيت ) لم تكن صفقة عابرة ، ولم تكن جريمة محدودة ، ولا خيانة ظرفية ، بل كانت جسرا لدور وظيفي نُفذ  تحت شعار سياسي خداع 

( الموت لأمريكا الموت لإسرائيل ) ، فدمر العراق وهو في طريقه لتدمير كل الشام

- لم نكتب هذا البيان لنسطر عبارات الشجب والاستنكار والإدانة للمسعى الصهيوني إلى سلخ الجولان ، ولا لنحذر ترامب وإدارته من التمادي في سياسات الغطرسة التي ستجر المنطقة والعالم إلى المزيد من الكراهية والاحتراب ..

- لم نكتب هذا البيان لنحمل بشار الأسد وزمرته وفصيله والمحتلِين لوطننا سورية مسئولية أي عملية سلخ أو تفتيت أو تقسيم ، فقد ورث الناس من كلام النبوة الأولى أن من لا يستحي يفعل ما يشاء.

- بل نكتب هذا لندعو كل السوريين الصادقين إلى الالتفاف حول الجوامع الكبرى التي تحمي وجودهم وهويتهم وأرضهم وتضمن مصير أجيالهم ..

- المشهد السوري اليوم ، ولمو بحاجة إلى ( رجال اللحظة ) يرفعون لواء المثابة لكل سوري ينادون لجميع السوريين الأحرار الشرفاء : نحن فئتكم فإلينا إلينا أيها الأحرار الشرفاء ..

- المشهد السوري بحاجة إلى الميثاق الواحد الموحد في خطوطه الأعرض ، الذي يجمع ، والذي يعصم ، والذي يثبّت . وإذا كنا اليوم لا نملك ، بفعل المؤامرة الدولية والإقليمية ، أوراق القوة المعينة على التغيير والتحرير ؛ فإننا نملك بلا شك قدرات غير محدودة على الثبات والصبر والتمسك بالحق والصدع في وجه الباطل ..

ولتكن ثوابتنا الأساسية : لا شرعية لمحتل على كل الأرض العربية. لا لصهيوني ولا لصفوي ولا لروسي ولا لأمريكي .

ولا شرعية لمستبد ولا لفاسد ولا لمجرم قاتل سفاح .

 وستبقى سورية وطنا حرا سيدا لجميع أبنائها .

فالصبر الصبر ..الثبات الثبات ..الوحدة الوحدة حتى نسقط كل المؤامرات والمخططات ..

" وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ "

________________

* مدير مركز الشرق العربي 

===============

فلسطين في زمننا العربي .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 19/5/2018

لست من الذين انطلت عليهم يوما أكذوبة "النظام العربي" حول فلسطين التي زعمت أنها "قضيته المركزية"؛ ولم يصدّقها غير سذج العامة من العرب وبهاليلهم.

لو كانت فلسطين حقا "قضية العرب المركزية"، لتمحورت علاقاتهم ومواقفهم ومصالحهم حولها، ولتمت رؤية كل شأن من شؤونهم، وعلاقة من علاقاتهم الداخلية والخارجية، بدلالتها، ولما تعاملوا معها خلال نيف وقرن باعتبارها مشكلة ثقيلة الوطأة فرضت نفسها عليهم، لا بد من إبقائها برانية بالنسبة لنظمهم، وإبقاء شعب فلسطين غريبا عن شعوبها، كي لا يدسّ الفلسطينيون أنوفهم في شؤونها، ويتحولوا إلى صاعقٍ يفجّر ما في أوضاعها من ديناميت سياسي واجتماعي.

بما أن فلسطين لم تكن يوما "قضية العرب المركزية"، فقد رأت نظمهم فيها قبل عام 1948 مصدر خطر يتحدّى قدراتها، وتفاعلت معها بالحد الأدنى من الالتزام، وسط صراخ "قومي" يصم الآذان، وتحاشت الانخراط الجدّي في معركتها، لاعتقادها أن عائده السياسي سيكون كارثيا عليها، وأن من الأسلم تحاشيه بجعل الصراع على فلسطين مسألة تخصّ شعبها وحده، فإن حدث واضطروا لخوضها، فليكن همهم إبقاء دورهم فيها محدودا. وهكذا كان، فقد همش العرب دورهم الفلسطيني في مؤتمر بلودان وحرب 1948، وحولوا اتفاقيات الهدنة إلى سلام أمر واقع مع إسرائيل، وصولا إلى منع فلسطينيي بلدان اللجوء من ممارسة حقهم في النضال من أجل وطنهم، انطلاقا من أراضيها، واعتبارهم مسألة أمنية لا بد أن تضبطها أجهزة القمع.

ما أن توهمت نظم العرب أنها وضعت فلسطين وقضيتها على الرف، حتى نقلتها حرب 1967 إلى داخلها، حين تفلسطنت هي نفسها من خلال اجتياح إسرائيل ما كان تحت الحكم الأردني من فلسطين، وصحراء سيناء المصرية، وأهداها حافظ الأسد الجولان عبر بيان بثته إذاعة دمشق. دخلت مفاعيل القضية الفلسطينية إلى داخل البلدان العربية، وظهرت فداحة التعامل معها بوصفها مسألةً برّانية، والاعتقاد بأن القبول بإسرائيل أمراً واقعاً أنقذ النظم العربية من المصير الفلسطيني. بيد أن النظم لم تتعلم شيئا من هزيمتها، ولذلك ركّزت جهدها على استعادة وضعها قبلها، بالثمن الذي تطلبه واشنطن وإسرائيل، وبما أن هزيمتها كانت بنيوية وراسخة، فإنها تعايشت معها، كما يفعل نظام الممانعة السوري منذ نيف ونصف قرن، ولا يجد وزراء خارجية الدول العربية ردا على مقتل وجرح آلاف الفلسطينيين في غزة غير الاستعانة ب "المجتمع الدولي" إياه الذي يستمتع منذ سبعة أعوام بذبح السوريين.

يهرب النظام العربي مرة جديدة من التزاماته تجاه فلسطين وشعوبه، ويطمر قضيتها في رغاء كلامي تافه، بينما تمتد قبضة الصهاينة عبر الحدود لتمسك بخناق "أمةٍ" غيبها حكامها حتى غدت افتراضية، قرر وزراء خارجيتها التعبير عن عجزهم عن التصدّي لإسرائيل خلال اجتماعهم في جامعة الدول العربية، بإجراء استخارة دولية بشأن ما عليهم عمله "للقضية المركزية" التي يتفرّجون منذ أسابيع على شعبها، وهو يذبح بيد جيش إسرائيل، لمجرد أنه لم يفقد ذاكرته بعد، وقرّر التظاهر على أرضه، ليذكّر بحقه في العودة إلى وطنٍ كانت "الشرعية الدولية" قد أقرّته رسميا قبل سبعين عاما، من دون أن تفعل شيئا لتطبيقه، بينما وجد الرئيس عبد الفتاح السيسي الجرأة في نفسه أخيرا على فتح معبر رفح بين مصر وقطاع غزه خلال شهر رمضان، في مقابل إغلاقة خلال الأشهر الأحد عشر الباقية من السنة، على الرغم من أنه معبر دولي يعني إغلاقه استكمال وإحكام حصار إسرائيل للقطاع وشعبه، ورفض فك هذا الحصار عنه، بما في ذلك من انصياع للعدو واستهانة بدماء وحقوق شعب عربي، وقع المواقف العربية عليه أشد إيلاما من رصاص إسرائيل القاتل!

==========================

سورية تتلقى الضربات وإيران تحصد الغنائم .. برهان غليون

العربي الجديد

السبت 19/5/2018

سماء السورية، عاد الهدوء إلى العلاقات الإيرانية الإسرائيلية، وربما قريبا يجري التوصل إلى توافق بينهما، وسقطت أوهام كثيرين ممن اعتقدوا أن الحرب بين الدولتين قادمة لا محالة. ولا يخفى أنه من دون تشجيع إسرائيل، وغض نظرها، ما كانت طهران قادرةً على التمدّد في سورية، ومراكمة السلاح والقواعد العسكرية فيها، سبع سنين متواصلة، فتل أبيب تعرف أنه من دون طهران ما كان من الممكن لعملية التدمير المنظم لسورية، دولةً وشعبا، أن تستمر أو تحصل.

محور الصراع الذي تفجر اليوم بين طهران وتل أبيب يدور حول قطف ثمار هذه الحرب التي شنت بالتعاون ضمنا بين طهران وروسيا وإسرائيل والولايات المتحدة على سورية، وحوّلتها إلى فريسةٍ، تتنازعها ضواري المنطقة والعالم.

وعلى الرغم من عنتريات نتنياهو الاستهلاكية، ليس لإسرائيل مصلحة في شن الحرب على إيران ونزع سلاحها، باستثناء السلاح النووي الذي تريد الاحتفاظ باحتكاره في الإقليم. فهي بحاجة إلى طهران، للإبقاء على الحرب القومية والطائفية بين العرب والفرس، والسنة والشيعة، وتسعيرها، وتحييد عموم المنطقة عقودا طويلة مقبلة. لكن مصلحتها الأساسية تكمن في منع طهران من أن تستفيد من انهيار سورية لفتح جبهة حرب مناوشاتٍ وتسللٍ على حدود الجولان، تستخدمها، كما كان الأمر في جنوب لبنان قبل حرب 2006، للضغط على إسرائيل والغرب من جهة، ولتبرير سياساتها التوسعية في المشرق العربي واحتلالها سورية، والإبقاء على أسطورة "عقيدة المقاومة" التي تستند إليها في بناء شرعية نظامها، أعني عقيدة مقاومة الصهيونية والغرب، حية وفاعلة ثانيا، وللتغطية أخيرا على فشل سياستها الاجتماعية والاقتصادية، وتنامي التوترات في الداخل الإيراني نفسه ثالثا.

ولأن أحدا لا يريد التصعيد ولا الحرب، وإنما حصة أكبر من الفريسة السورية، وهذا ما أكد

"لا أحد يريد التصعيد ولا الحرب وإنما حصة أكبر من الفريسة السورية" عليه الطرفان بتصريحاتٍ علنية، جاءت الضربة الإسرائيلية ردا على صواريخ طهران على الجولان، كما وصفها محللون عسكريون إسرائيليون، متزنة، لا قوية ولا ضعيفة. ولترك باب التفاوض مفتوحا، قللت طهران أيضا من أهمية الضربة الإسرائيلية، واعتبرت أنها ليست معنية بها، وإنما كان هدفها سورية. ولذلك بدل أن ترد عليها عسكريا، أصدرت بيانا يدين انتهاك سيادة دمشق وحرمة أراضيها وحقها في الرد.

وفي السياق ذاته، قرّرت روسيا إيقاف صفقة تسليم صواريخ إس 300 لدمشق، كما نقلت صحيفة إزفيستيا الروسية عن فلاديمير كوجين، مساعد الرئيس فلاديمير بوتين الذي قال إن "لدى الجيش السوري بالفعل كل ما يحتاجه".

إذا كانت طهران تريد من احتلالها سورية ضمّها إلى الهلال الشيعي، والوصول بحدود إمبراطوريتها الموهومة حتى شاطئ المتوسط، والتموضع، إذا أمكن، على حدود إسرائيل، لتبرير جميع مشاريعها السياسية والجيوسياسية والطائفية، فإن ما تسعى إليه إسرائيل، في هذه المواجهة العسكرية السياسية معا، هو أن تمنع طهران من تحقيق هدفها الثاني، وعدم السماح لها باستخدام العمليات العسكرية، ولو المحدودة، لتعكير صفو الأمن الإسرائيلي. لكن إسرائيل لا تمانع في أن تبقى طهران في سورية، وتشغل كل ميادين النشاط فيها، بل إنها تشجع عليه. وكل ما يهمها تأمين شريط حدودي على مدى 40 كلم من حدودها، خال من الوجود الإيراني، بالإضافة إلى القضاء على مخازن الأسلحة الاستراتيجية الإيرانية التي تهدد أمنها. أي تطبيق ما ضمن لها الأمن والاستقرار، بعد توقيع التفاهم في جنوب لبنان في 2006، والذي قضى على عمليات حزب الله تماما في شمال فلسطين المحتلة، ودفع مقاتلي هذا الحزب إلى المشاركة في احتلال سورية بعد سنوات قليلة من "البطالة الجهادية".

السؤال: هل ستقبل طهران التراجع عن طموحاتها المعلنة بجعل جنوب سورية بديلا لجنوب لبنان، والتخلي عن فذلكة المقاومة التي تشكل موردها الوحيد لنيل الشرعية لمشروعها التوسعي والإمبراطوري والاستبدادي معا لدى الرأي العام العربي والإيراني؟ في اعتقادي نعم. ليس لطهران أي مصلحةٍ في أن تصعد وتدفع إلى الحرب. هي تقول علنا إنها تحتل سورية لتمنع عن نفسها الحرب وليس العكس. سوف تفاوض طهران على ما يمكن أن تبتلعه من الفريسة السورية، وهو أكبر بكثير مما يعتقد كثيرون، اقتصاديا واستراتيجيا واجتماعيا. هكذا تكون نغمة "المقاومة" قد حققت أهدافها، وحولت سورية إلى منطقة نفوذ إيرانية، بينما ستؤدي الحرب مع إسرائيل إلى إخراجها منها.

لكن، مهما كان الحال، سواء قبلت طهران تقاسم النفوذ من مستوى أدنى في سورية مع إسرائيل والدول الأخرى، بمفاوضات علنية أو سرية لا فرق، فقد جاء موقف النأي بالنفس الهزيل الذي اتخذته في المواجهة الأخيرة مع تل أبيب، وتحميلها المسؤولية فيها لحلفائها السوريين، لتكشف حقيقة سياسات المقاومة التي تدّعيها وغاياتها الحقيقية. وقد كانت الحصيلة الفعلية لهذه السياسات التي تتاجر بالمقاومة لتحقيق غايات مناقضة لها تماما:

• تدمير سورية التي تشكل قاعدة العمل الوطني العربي لمواجهة إسرائيل في أي نظام قادم لا يراهن على بقائه عن طريق ضمان أمن إسرائيل.

• تسميم علاقات الدول والشعوب في المنطقة بإشعال الحروب الأهلية الطائفية والقومية، في سورية ولبنان والعراق واليمن، وتمزيق نسيج شعوبها الوطني، لتمكين طهران من اختراقها وسوق شبابها في مليشيات مرتزقة بالآلاف على معارك استعادة عظمتها الإمبراطورية الدارسة.

• تقويض نظام الدولة والقانون في المشرق، لصالح إطلاق قوى المليشيات والجيوش الخاصة التي لا تخضع سوى لإرادة أمرائها وتأويلاتهم الدينية أو ولاءاتهم القبلية.

• تقديم الذريعة للدول الكبرى للتدخل في المنطقة، واستباحة سيادة بلدانها وتوسيع حضورها العسكري والأمني، كما لو أن الأمر تحول إلى عودة حكم الوصاية الأجنبية في عمومها.

• دفع نظم عربية عديدة خائفة على نفسها من الاجتياح الإيراني إلى الارتماء على إسرائيل، ومد جسور التحالف السري معها، والإجهاز على تفاهم الحد الأدنى الذي كان قائما بين دولها للحفاظ على مقاطعة إسرائيل، وعدم التفريط بالحقوق الفلسطينية.

• بدل أن تساهم سياسة "المقاومة" الطائفية التي نظمتها طهران وحلفاؤها في تحرير القدس، سرعت في عملية إلحاقها باسرائيل، وعطلت أي مساع إقليمية لمواجهة سياسة ترامب العدوانية.

• وكانت الحصيلة النهائية لكل ما ذكر نصرا مجانيا مدوّيا لإسرائيل، على المستوى

"ليس لطهران أي مصلحةٍ

في أن تصعد وتدفع إلى الحرب" الجيوسياسي والسياسي والمعنوي، لم تعرفه منذ إنشائها في 1948، ولم تكن تحلم به في أي احتمال.

هكذا أصبح بإمكان تل أبيب أن تطمح إلى لعب دور رئيسي في رسم مستقبل النظام الإقليمي الجديد، على حساب تفكّك المنطقة، وتدهور العلاقات الإقليمية بين دولها، وتنامي مشاعر العداء في ما بين شعوبها ومجتمعاتها. وهي التي تطمح إلى أن تحتل الموقع الذي خسرته طهران، بسبب سوء اختياراتها، قوة إقليمية شريكة الدول الكبرى في تقرير مصير المشرق ومصير بلدانه. ومنذ الآن، أصبحت تل أبيب الدولة الوحيدة التي تنسق مع القوتين الكبريين، روسيا وأميركا، وتضع شروطها في عملية ترتيب أوضاع سورية الجديدة النازفة، وتقاسم مناطق النفوذ فيها.

في المقابل، لم يبق لطهران التي حولت إسرائيل من بلد معزول وأجنبي في المنطقة إلى واحدة من الدول القليلة المقرّرة، مع أميركا وروسيا، لمستقبلها، من دور تحفظ لنفسها فيه بعض المكانة الإقليمية سوى تكملة سياسة إسرائيل، ومدّها بعوامل القوة والشرعية، من خلال النشاط الوحيد الذي أظهرت البراعة فيه، والذي ينسجم مع تفكير نخبتها السياسية الطائفية العقيمة القائمة: تسعير الخلافات والنزاعات القومية والدينية والسياسية داخل مجتمعات المنطقة، وفي ما بين شعوبها، وإشعال الحروب الداخلية وتمويلها، على حساب تحرّر الشعب الإيراني، واحترام حقوقه وازدهاره.

==========================

انقلاب آستانة والحل السوري المؤجل .. سميرة المسالمة 

الحياة

السبت 19/5/2018

بعض المصطلحات التي يستخدمها ديبلوماسيو دول الصراع على سورية، ومنهم محور روسيا وإيران وتركيا، ضبابية ومضللة واستفزازية، في آن معاً، ذلك أن سورية التي ترزح اليوم تحت احتلالات متعددة ومتنوعة ومتباينة الأهداف هي، بنظر شركاء آستانة، «دولة ذات سيادة»، على رغم أن جيوشهم (مع غيرهم) تصول وتجول فيها، وعلى رغم أن التصعيد في «مناطق الاقتتال»، التي شهدناها خلال عام كامل بأعنف مظاهرها، وبمستويات أشد من تلك التي شهدناها خلال سنوات خلت، يتناقض تماماً مع ادعاءاتها عمّا تعتبره مناطق «خفض تصعيد» متفق عليها ويجدر الالتزام بها.

وفي حين لا ينقص وصاية هذه الدول على مناطق نفوذها داخل الأراضي السورية، وحتى على التحكم بالقرار السياسي للنظام، من سيادة الدولة، فإن الدول المذكورة، لا سيما روسيا وإيران، لا تنكر أيضاً أن هذه المناطق مجرد محطة على طريق التسوية، حيث ستعود في نهاية المطاف لنفوذ النظام السوري، بعد انتهاء مفاعيل هذا «الإجراء الموقت»، أي أن لا شيء يمكن الاعتماد عليه في ظل اتفاقات آستانة على أنه الشكل النهائي لخارطة سورية، كما أنه لا يمكن الارتكان في شرح مفردات، ومصطلحات هذه الاتفاقات، إلى المفاهيم العامة المتداولة بين علماء «فقه السياسة»، فهي في بيانات اجتماعات آستانة «علم قائم بذاته ولذاته»، لا يصلح استخدام مفرداتها او تعميم مفاهيمها خارج التفسير الروسي، أو الفهم الإيراني، أو الإدراك التركي.

هكذا فإن اجتماعات آستانة تقدم نموذجاً جديداً من الاستهتار، في طرق تعاطي هذه الدول الراعية لما سمي اتفاقات «خفض التصعيد»، مع المأساة السورية، حيث هم الضالعون بأسبابها ومآلاتها ونتائجها، وحتى في استعصائها. ففي الوقت الذي يؤكد فيه شركاء مسار آستانة التزامهم -وفق بيانهم الصادر الثلثاء الماضي 15 أيار (مايو)- سيادة سورية واستقلالها ووحدة وسلامة أراضيها، فإنهم يعرفون أنه لم يعد يتوافر لسورية كل مقومات الحديث عن ذلك الاستقلال، بفعل وجودهم العسكري داخل أراضيها، سواء كان هذا الوجود بطلب من النظام/الحكومة، التي يسميها أنصار النظام (روسيا وإيران) بالشرعية، أو بطلب من المعارضة التي تراها (تركيا) الممثلة الشرعية للشعب السوري، وتحتضن أحد كياناتها «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة»، وتدعم فصائلها المسلحة التي تتشارك معها عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، وفق الأجندة التركية، التي ترى أن حماية حدودها من المشروع الكردي «الانفصالي» تبدأ من داخل الحدود السورية، وعلى عمق يتجاوز في بعض نقاطه 80 كيلومتراً، ما يبرر السؤال عن أي سورية مستقلة يتحدث هؤلاء؟

تستخدم روسيا وشركاؤها أدواتهم العنفية في فرض واقع ميداني جديد يسمح بتمرير مخططات تقاسم النفوذ الدولي على سورية، بما يترك الفرص متاحة لتسويات طائفية في دمشق وريفها وصولاً إلى حمص وحماه وطرطوس واللاذقية، ترضي من خلالها إيران، مع توافقات وتسويات قومية تبدد فيها مخاوف تركيا، سيما من وجود شريط كردي على حدودها، ونفوذ روسي يتحكم بمعابر سورية الجوية والبحرية، ويترك الباب مفتوحاً أمام تسويات من جهة مع الولايات المتحدة الأميركية، من باب الواقع السوري، ومن جهة ثانية مع الدول الأوروبية لإنهاء الملفات العالقة معها مقابل دور أوروبي على حساب الدورين الإيراني والتركي، وهو ما يجعل اتفاقات آستانة متحركة وقابلة للتغيير وفق مقتضيات المصلحة الروسية داخل سورية وخارجها.

إن التغييرات الميدانية التي أنجزتها اتفاقات آستانة وكان آخرها تسليم المناطق للنظام، في الغوطة والقلمون وريف حمص الشمالي، وعمليات التهجير القسري والتغيير الديموغرافي جميعها تبدو بمثابة إنجازات حقيقية لمحور روسيا، بالتعاون مع الطرفين المحليين المشاركين في التنفيذ، أي النظام المستفيد، والفصائل المسلحة» المحسوبة على المعارضة» المستسلمة، ولعل أهم وأخطر ما أنجزه مسار آستانة هذا لموسكو هو مؤتمر سوتشي، الذي فرض معادلة تسوية سياسية جديدة، أصبحت المعارضة السياسية أيضاً رهينتها، في مسارها التفاوضي الأممي في جنيف، وبهذا تكون موسكو حققت أمرين لازمين لتفريغ القرارات الأممية الصادرة عن مجلس الأمن حول الصراع السوري من مضامينها، خصوصاً في ما يتعلق بالانتقال السياسي، وإنهاء الحرب الدائرة في سورية على أساس بيان جنيف 1 والقرارات ذات الصلة.

لقد عملت روسيا بداية على تمرير القرار 2254 ليكون بمثابةً مرجعية أممية بديلة عن بيان جنيف1، وأجبرت المعارضة على تنفيذ التزاماتها المتعلقة بالقرار، من خلال بناء منظومة معارضة جديدة تستوعب أطيافاً قريبة منها كمنصة موسكو (هيئة التفاوض)، وفي حين تساهل المجتمع الدولي في التعاطي مع بنود القرار كاملة، والتي تتعلق بتنفيذ النظام لإجراءات بناء الثقة، ومنها موضوع اطلاق سراح المعتقلين، والالتزام بإيصال المساعدات لمستحقيها وفك حصار المدن، ما ترك الفرصة لروسيا بالتلاعب بالعملية السياسية برمتها، وقلب الطاولة على المعارضة، من خلال الانقلاب على مفاوضات جنيف السياسية، بمفاوضات آستانة العسكرية، حيث تم من خلالها نزع أسنان المعارضة السياسية، وإنهاء سلاح المعارضة العسكرية، لتتحول الفصائل إلى شرطة تنفيذية لاتفاقات دولية تعيد إنتاج النظام في مناطق خفض التصعيد تحت مسميات التسويات المحلية.

واليوم تتابع الفصائل المسلحة دورها المساند لمحور (موسكو، طهران، أنقرة) من خلال مؤتمر آستانة، وما يفرضه الواقع الميداني الذي صنعته تلك الفصائل بامتدادتها غير المدروسة على المدن، وإعلانها للمدن والمناطق «المحررة» كمناطق نفوذ تحت هيمنتها، من دون توفير البنية الخدمية اللازمة والضرورية لأهالي المناطق، ثم محاصرتها من قبلهم داخلياً، ومن النظام خارجياً، ما جعلها أي «المناطق المحررة» عبئاً على أهاليها، وسلاحاً بيد النظام يشد من خلال محاصرتها الحبل على رقاب السكان، ويخفف من أعباء التزاماته تجاه هذه المناطق، ليتمكن من التفرغ للقتال في مناطق أكثر أهمية له، مستفرداً بكل واحدة منها على حدة، نتيجة معرفته بواقع الخلافات الفصائلية في المعارضة وقدرته على الاستفادة منها في تأزيم العلاقة البينية بين المدنيين والمسلحين.

على ذلك فإن تأكيد بيان آستانة «الاسترشاد» بأحكام قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 لتعزيز عملية التسوية، من خلال تنفيذ توصيات مؤتمر سوتشي (عقد أوائل العام)، من أجل تهيئة الظروف لتسهيل بدء عمل اللجنة الدستورية في جنيف، تلك اللجنة التي تم تشكيلها في غياب المعارضة السورية، ووسط هيمنة الدول الراعية لآستانة، والشريكة في الانقلاب على مسار جنيف، لتصنع دستوراً لسورية «الدولة ذات السيادة»، وهي حقا السيادة المختطفة، بينما يحين موعد الحل السوري المؤجل أميركياً والمتفق عليه أوروبياً، وغير المستعجل طرحه أممياً، في انتظار ما تسفر عنه تفاهمات محور روسيا، لتقابلها تفاهمات محور الولايات المتحدة الأميركية، التي لن تكون لمصلحة أي من أطراف الصراع المحلية بل على حسابها جميعها نظاماً ومعارضات.

==========================

«النكبة» السورية برعاية دولية .. رضوان زيادة   

الحياة

السبت 19/5/2018

في البداية يجب أن نرفض أي نوع من المقارنة بين ما قام به الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين من قتل وتهجير وتشريد بحق الشعب الفلسطيني بخاصة أننا نتذكر الذكرى السبعين للنكبة هذه الأيام وبين المأساة السورية على يد احتلال داخلي لم يتسم في أي شكل من أشكال الوطنية، لقد كان مزيجاً رثاً كما يقال بين الفاشية والطائفية انتهى به المطاف إلى ما آلت إليه سورية اليوم أو ما تبقى منها.

بالتأكيد، ممارسات الأسد الهمجية والتي وصلت إلى مستويات تفوق القدرة على التخيل في القتل والتعذيب لأكبر عدد من السوريين كانت فرصة كي يستغلها بنيامين نتانياهو في كل مرة من أجل «أنسنة» سياساته العنصرية التي لا تقل إجراماً ودموية في ما نشهده اليوم من إطلاق رصاص قاتل وأعمى بحق المتظاهرين السلميين المطالبين بحق العودة في غزة.

فالمقارنة هنا يجب أن لا تكون بين من قتل أكثر أو من شرد أكثر، فالجريمة لا تقاس بعدد الضحايا وإنما تقاس بكونها فعلاً مخالفاً للقانون الدولي الإنساني وللقانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو ما يجعل المشابهة مثيرة بحدود ما، لا سيما أن كلا النظامين يحظيان برعاية وحماية رسمية في مجلس الأمن الدولي، إسرائيل من قبل الولايات المتحدة وإن كانت تنتقد جرائمها علناً في بعض الأحيان، والنظام السوري من قبل روسيا التي لا تخفي جرائم النظام السوري وإنما تبررها وأحياناً تلفق الأكاذيب من أجل تبرير هذه الجرائم، وهو ما وجدناه في الاستخدام الأخير للنظام السوري للسلاح الكيماوي في الغوطة.

فضلاً عن ذلك، يبدو النظام السوري ممعنا في استكمال فصول «النكبة» السورية بفصولها المختلفة وآخرها التهجير القسري للسوريين من بيوتهم ورفضهم البقاء أو العودة إلى منازلهم تحت طائلة القتل والتعذيب أو الخدمة الإجبارية في صفوف «ميليشيات الأسد» تحت مسمى «الجيش العربي السوري» ولذلك يفضل الملايين من السوريين مرارة اللجوء وقسوتها وصعوبتها على العودة إلى «حضن الوطن» الذي لا يعني بالنسبة إليهم إلا التعذيب والقتل وغياب القانون مع الفقر وغلاء المعيشة وانعدام الفرص واللامساوة والتمييز الطائفي وكل ما تحمله الذاكرة السلبية من ذكريات سبع سنوات مليئة بالمرارة والحزن والألم ويفوقها الألم اليوم أنهم لا يجدون ضوءاً في نهاية النفق وأن الأسد يخرج اليوم ليصبح أكثر دموية وطائفية وأكثر عطشاً للتعذيب وأكثر حقداً على السوريين الذي شقوا عصا الطاعة، وأكثر لا مبالاة بالسوريين اللاجئين للحفاظ على «سورية المتجانسة».

تبدو هذه السياسات كلها شبيه مما سمعنا عنه وقرأنا عنه من سياسات التمييز العنصري الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني، وبالتالي تبدو المأساة اليوم أن يخير السوريون بين قسوة اللجوء ومرارة العودة إلى الوطن فيختارون اللجوء على الوطن، يختارون البدء من الصفر على العودة إلى ركام بيوتهم ومنازلهم، يفضلون الكرامة على ثمنها الغالي في الغربة على الذل والمهانة في دولة اللاقانون ودولة السجون التي لا تنتهي وأخبار المفقودين التي لا تتوقف.

كما قيت في البداية ان المقارنة مضللة وغير صحيحة لكن يبدو أن السياسات تبدو متشابهة وبالنسبة للضحايا تبدو النهايات أيضا متشابهة إلى حد كبير، وهو ما يدو للمقارنة بين الكثير من المتابعين والسوريين وحتى الفلسطينيين، وهذا إن دلل على شيء فإنه يدلل على انعدام فكرة القانون ليس في المنطقة العربية وحدها وإنما إسرائيل ذاتها التي تتغنى بفكرة القانون على أرضها لكنها الأشد عداء وانتهاكاً لفكرة القانون الدولي وتطبيقاته، وهو موطن المأساة، فمنطقة أميركا اللاتينية التي هي دون المنطقة العربية بما يتعلق بالموارد المادية وأقل غنى تاريخاً وثقافة إلا أنها الأكثر تطوراً بما لا يقاس في ما يتعلق بالالتزام بفكرة القانون وتطبيقها والأكثر دعماً لتطبيقات القانون الدولي على أرضها وخارجها، إنها المنطقة التي طورت الاتفاقية الدولية ضد الاختفاء القسري في حين تعج منطقتنا بهذه الممارسة التي تمتزج فيها طبعا عمليات الاعتقال التعسفي مع عمليات التعذيب مع عمليات القتل خارج نطاق القضاء والقانون، النكبة الفلسطينية وقعت عندما شعرت إسرائيل نفسها وإلى اليوم أنها فوق القانون الدولي و»النكبة السورية» اليوم تجري بسبب حماية روسيا لنظام الأسد وجعله خارج القانون الدولي فضلاً عن انهيار فكرة القانون ذاتها منذ وصول حزب البعث إلى السلطة في 1963 حيث تم إعلان حالة الطوارئ قبل ذلك بعام، وبقيت هذه الحالة معمولاً بها حتى 2012 عندما ألغى بشار الأسد العمل بحالة الطوارئ وبدأ القتل الجماعي بكل أنواعه من تعذيب وبراميل وتجويع وحصار وغيرها من يوميات النكبة السورية التي لن تنس من ذكريات السوريين.

غياب فكرة القانون حول سورية إلى حقل من الغابة الهمجية حيث القتل المستباح وانعدام المسؤولية والمحاسبة وانتهى بنا بسورية إلى ما هي عليه اليوم يخاف أن يعود لها أبناؤها ويتمنى من يقطنها الهجرة منها بأي طريقة وبأسرع وقت، إنها بلد العذاب والنكبة المستمرة ليس ذاك البلد الذي حدثت فيها النكبة لمرة واحدة وانتهت، إنه بلد النكبة المستمرة التي لا تنتهي.

==========================

ماذا يعني الانسحاب الأميركي من سورية؟ .. رضوان زيادة

العربي الجديد

الاربعاء 16/5/2018

أثارت تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إن دول المنطقة يجب أن تتحمل تكاليف أكبر في مواجهة "داعش"، ثم تصريحاته عن ضرورة أن تدفع السعودية أربعة مليارات دولار في مقابل بقاء القوات الأميركية في شرق سورية، أثارت تكهنات كثيرة بشأن مشاركة قوات عربية في سورية مكان القوات الأميركية التي أعلن الرئيس ترامب أنها يجب أن تنسحب قبل أن تتعدل تصريحاته؛ إنها ستبقى هناك إلى فترة لا تطول عن ستة أشهر.

وقد أرسل الرئيس الأميركي وزير الخارجية الجديد مايك بومبيو إلى السعودية، كما تحادث الأخير هاتفياً مع نظيره المصري سامح شكري في الموضوع ذاته. كان رد الرياض أنها مستعدة لإرسال قوات عربية تحت غطاء التحالف الدولي إلى سورية، بل كرّر وزير الخارجية السعودية، عادل الجبير، مرات إن بلاده عرضت إرسال قوات سعودية إلى سورية مرتين خلال فترة الرئيس أوباما والآن تكرر العرض نفسه. وقال "ما زلنا نبحث آلية إرسال هذه القوات إلى سورية بغطاء من التحالف الدولي". أما الوزير المصري فقال ببساطة إن بلاده تدرس الموضوع.

ويعود موضوع تشكيل القوات العربية المشتركة إلى عقود طويلة، حيث بحث الموضوع ضمن إطار جامعة الدول العربية، وبسبب الخلافات السياسية الدائمة فشل تحقيق الموضوع، وكان عصب الفشل هذا ما سميت القوات العربية التي دخلت لبنان في عام 1976، لكنها في أغلبها كانت قوات سورية، هدفت إلى إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، غير أنها بقيت هناك حتى 

"إرسال مزيد من القوات إلى سورية سيزيد المشهد تعقيداً على المستويين السياسي والعسكري" أُخرجت بمظاهرات شعبية حاشدة عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، وخلال العقود الثلاثة من وجودها هناك، تحولت وظيفتها من قوات حفظ سلام ضمن تنفيذ قرار جامعة الدول العربية إلى أشبه بقوات الاحتلال التي أصبحت وظيفتها تحطيم الزعامات التاريخية اللبنانية والفلسطينية في لبنان، فدخلت حرباً مع منظمة التحرير الفلسطينية في البداية، ثم مع حركة أمل وحزب الله قبل أن تتحالف معهما، ثم حرباً مع القوات المسيحية اللبنانية متمثلة بقوات الكتائب ثم تيار الرئيس اللبناني الحالي ميشال عون، فخرجت هذه القوات منهكةً، وفي الوقت نفسه، فاقدة أية شرعية قانونية أو سياسية يمكن أن تضفى عليها، أو يمكن أن تبرّر لجامعة الدول العربية، اتخاذ أي قرار آخر بإرسال قوات عربية إلى أية دولة عربية أخرى، مهما كانت، ومهما كانت الظروف.

ولذلك لم تفكر أي من السعودية أو مصر بالذهاب إلى جامعة الدول العربية للحصول على تفويض بإرسال قوات عربية إلى سورية، لأنها تعرف الانقسام السياسي داخل الجامعة. وفي الوقت نفسه، ثمة الرصيد السياسي لإرسال قوات كهذه بناءً على التجربة اللبنانية السابقة.

تزدحم الأرض السورية اليوم بقوات أجنبية من كل البلدان المجاورة تقريباً، إضافة إلى قوات من دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، فلدى تركيا وجود عسكري قوي، يتمثل في الشمال السوري بعد عملية ما تسمى درع الفرات والمعركة أخيراً في عفرين التي تمكّنت من خلالها من السيطرة على المدينة، بعد طرد قوات الحماية الكردية المشكلة من قوات حزب العمال الكردستاني الذي يخوض حرباً شرسة مع الحكومة التركية على الأراضي التركية والعراقية والآن السورية. كما أن العراق والأردن غالباً ما ينفذان عمليات عسكرية عابرة للحدود، بهدف ضمان أمن الحدود التي لم يعد يسيطر على أي منها النظام السوري، أما فرنسا فقد أعلنت أخيراً إرسال قوات عسكرية إلى سورية عبر العراق، حليفة للقوات الأميركية التي تتمركز في شرق سورية، وخصوصاً بعد سيطرة القوات الأميركية على الرقة وطرد "داعش" منها.

أما الولايات المتحدة فلديها وجود عسكري كبير في سورية يزيد عن ألفي جندي في شرق سورية ويسيطرون على المناطق التي كانت يوماً ما تحت سيطرة "داعش". وعلى الرغم من الجدل الكبير الذي أعقب تصريح الرئيس ترامب عن انسحاب القوات الأميركية من سورية، ثم وضع جدول زمني لذلك لا يتجاوز ستة أشهر، ثم وفي أعقاب الضربة الثلاثية الأميركية البريطانية الفرنسية على منشآت تتبع للنظام السوري، بعد استخدامه السلاح الكيميائي في دوما المحاصرة آنذاك، قرّر الرئيس ترامب إبقاء القوات الأميركية هناك، لكنه أعلن أن الدول الإقليمية ودول الخليج يجب أن تتحمل تكلفة بقاء هذه القوات، إذا كانت ترغب في مقارعة الوجود الإيراني ومنع تمدد نفوذه.

لدى إيران أيضاً وجود عسكري كبير، سواء عبر من تسميهم "المستشارين"، ويقدّرون

"يحتفظ العراق في سورية بقوات غير نظامية، ممثلة بمليشيات طائفية" بالآلاف، أو عناصر الحرس الثوري الإيراني الذي وُجد قائده قاسم سليماني مرات في معارك مختلفة في الشمال السوري. فضلاً عن ذلك، تعتمد إيران على تجنيد مرتزقة من الشيعة الأفغان والباكستانيين، والذين لجأوا إلى إيران، فتستخدمهم هذه عبر مليشيات تطلق عليها "زينبيون" و"فاطميون"، وهي مليشيات طائفية شيعية، أثبتت نجاعةً في الحرب السورية، لأن تكلفتها على إيران والنظام السوري رخيصة للغاية، فعلى الرغم من مقتل آلاف منهم، إلا أن لا أسر أو عائلات تمثلهم أو تدافع عن حقوقهم، ولا يشكلون بمقتلهم لا ضغطاً على إيران ولا على النظام السوري، إنهم أشبه بالمرتزقة المجانية التي تقاتل من أجل المال فقط وتحفزها عقيدة طائفية تغذّيها الأيديولوجيا الشيعية التي تسيطر عليها المرجعية الإيرانية، ممثلة بالمرشد خامنئي بشكل كامل.

وأخيراً، يحتفظ العراق في سورية بقوات غير نظامية، ممثلة بمليشيات طائفية، تعتبر امتداداً لـ "الحشد الشعبي"، مثل حركة النجباء. وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية تنفي مسؤوليتها عن مشاركة هذه المليشيات في سورية لدعم نظام بشار الأسد، إلا أنه يجب أن لا يُنسى أن النظام العراقي أخذ موقفاً داعماً للرئيس السوري تحت التأثير الإيراني من جهة، وبناء على اعتبارات طائفية من جهة أخرى، كما أن مليشيات الحشد الشعبي، ممثلة في الحكومة العراقية، وتدعمها وتمولها رسمياً، وبالتالي من الصعب تصديق أن المليشيات العراقية الموجودة في سورية لا تحظى بدعم رسمي، وإنْ لم يكن بشكل علني.

يمكن القول إذاً إن الأراضي السورية توجد فيها قوات أجنبية من كل الجنسيات، ما يجعل إرسال مزيد من القوات سيزيد المشهد تعقيداً على المستويين، السياسي والعسكري، لا سيما أنها لن تأتي ضمن اتفاق سياسي، أو ضمن إطار الأمم المتحدة، وهو ما يعقد وجودها ويجعلها عرضة للاشتباكات العسكرية، ضمن تغير الحدود العسكرية المتغيرة في الحرب السورية، وضمن الانقسام السياسي العميق الذي تشهده سورية اليوم.

==========================

الصراع على سورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الثلاثاء 15/5/2018

بدأت في 15/3/2011 ثورة في سورية، هدفت الى إسقاط النظام، تحوّلت إلى حرب حقيقية، تدخلت فيها مجموعات "جهادية" مرسلة من أجهزة مخابرات، ونشأت مجموعات أصولية تطمح إلى إقامة "دولة إسلامية"، ومن ثم أصبح كثير من هذه المجموعات والكتائب المسلحة أدواتٍ لدول إقليمية، فأخذ الصراع يتحوّل الى تنافس إقليمي يهدف إلى السيطرة على مصير سورية. ومن ثم تدخلت دول عظمى لتفرض وجودها على الأرض السورية، أميركا في شرق سورية وشمال شرقها، وروسيا في مناطق النظام.

ما حدث في الأشهر الأخيرة أن أميركا عزّزت وجودها في الشرق والشمال الشرقي، وتحكمت بمصادر النفط ومواقع إنتاج القمح. وتحكمت تركيا في الشمال الغربي بتوافق مع روسيا، وتسعى إلى توسيع سيطرتها إلى منبج وكل الحدود السورية التركية. وظل الجنوب السوري خاضعا لاتفاق خفض التصعيد برعاية الضامنين، روسيا وأميركا والأردن، لكن التحوّل الأكبر كان فيما حققته روسيا على الأرض، حيث قرّرت أن تحسم في وجود مناطق خارجة عن سيطرة النظام في كل المساحة الممتدة من جنوب دمشق إلى حدود محافظة إدلب، وشرقاً إلى غرب نهر الفرات. وكان واضحاً أنها مصمّمة على الحسم السريع، ولهذا استخدمت أقصى أنواع الوحشية، كما ظهر في الغوطة الشرقية، وهدّدت بإبادة كل من يرفض الصيغة التي تطرحها للوصول إلى حل، والقائمة إما على التهجير أو الخضوع الكامل لسيطرة النظام. عبر ذلك، استطاعت سحق الغوطة الشرقية وإخضاعها، وتقدّمت إلى جنوب دمشق، فسحقت مخيم اليرموك والحجر الأسود وببيلا وحي التضامن، وذهب إلى ريف حمص الشمال، وريف حماة الجنوبي، وإلى القلمون بنتائج ما حققته في الغوطة الشرقية عبر وحشيتها، لتفرض الحل الذي أرادته، والذي فرض تهجير مئات آلاف العائلات. وبهذا، سيطرت على كل المناطق التي كانت خاضعة للمجموعات المسلحة، وباتت تسيطرة على 62% من الأرض السورية.

"لم تعد فصائل المعارضة تشكّل تهديداً بعد أن أُبعدت إلى الشمال، ووُضعت تحت القبضة التركية"

بهذا، لم يعد للمعارضة المسلحة تأثير يُذكر، فقد خرجت من معظم مناطقها، وما بقي بات محكوماً بقرار دول إقليمية أو عظمى، فالجبهة الجنوبية خاضعةٌ لقرار أردني أميركي، ومناطق إدلب إلى جرابلس خاضعة لقرار تركي. وقد لعبت روسيا جيداً حينما قرّرت تسليم كل المقاتلين المهجرين من مناطقهم للراعي التركي. وطبعاً منْ يتحكم بمناطق قوات سورية الديمقراطية هو أميركا التي تسلح وتدمر بطيرانها وخبرائها وقواتها، هذه القوات. على ضوء ذلك، يمكن القول إن القرار بشأن مصير سورية بات بيد كل من روسيا التي كرّست وجودها بعقد احتلالي مع النظام، وأميركا التي تمسك بورقة وجودها للمساومة مع، والضغط على روسيا، وتركيا التي تريد ضمان عدم كيان كردي على حدودها الجنوبية.

تجاهلت الإشارة إلى النظام الإيراني، لاعتقادي أن دور إيران في سورية انتهى، فقد أرسلت قواتها لدعم النظام بعد أن بدأ يتهاوى (قبل وجود كل المجموعات الأصولية والتدخل الخارجي)، لكنها عجزت عن ذلك بعد تفاقم الصراع وزيادة التدخلات الإقليمية، لهذا جاءت روسيا لتحمي النظام من السقوط، وإيران من الهزيمة. ولقد استخدمت روسيا مجمل القوات التي ترسلها إيران، من حزب الله إلى المليشيا الطائفية العراقية والأفغانية والحرس الثوري، في الحرب ضد الفصائل المسلحة التي تقاتل النظام تحت مظلة من القصف الجوي الروسي، حيث أن قوات النظام باتت قليلة وعاجزة، وفي الغالب باتت تتشكّل من شبيحة. لهذا كان الوجود الإيراني ضرورةً روسيةً، وحاجةً لا يمكن الاستغناء عنها، فقواتها هي التي تقاتل على الأرض، وتسيطر على مناطق المعارضة، على الرغم من أنه كان يُبرز، في نهاية المعارك، وجود "الجيش العربي السوري".

الآن، لم تعد فصائل المعارضة تشكّل تهديداً بعد أن أُبعدت إلى الشمال، ووُضعت تحت القبضة التركية، ولا يبدو أن روسيا تريد حسم الوضع في الجنوب السوري، ولا أن تدخل في صراعٍ مع قوات سورية الديمقراطية التابعة لأميركا. لهذا، وفق المنظور الروسي، لم يعد من حاجةٍ لإيران وقواتها، فقد أنهت مهمتها.

أنهت مهمتها؟ لإيران مصالح في سورية لا تتعلق بـ "وصل" الطريق إلى حزب الله في لبنان، فهذا تفصيل صغير، بل يتعلق بالاقتصاد وبتوسيع سيطرتها ونفوذها في إطار رؤيتها الإمبراطورية التي طالما عبّر عنها كبار المسئولين فيها. وقد دفعت مليارات الدولارات، وقتلى كثيرين، لكي تفرض وجودها، وتمنع سقوط النظام، ليس لكي ترحل بكل بساطةٍ لأن مهمتها انتهت، بل لكي تحصد مصالح ونفوذ. لكن، أيضاً، لم تأت روسيا لمنع سقوط النظام فقط، فقد جاءت لكي تحتلّ سورية، وتفرض سيطرتها، وتحظى بمشاريع اقتصادية تخدم "الشركات الروسية" والدولة الروسية كما صرّح مسؤولون روس عديدون. ولهذا حصدت السيطرة على النفط والغاز، وإعادة الإعمار، والتسليح، وربما كل "شاردة وواردة". وهي كذلك تريد أن تسدّ الطريق على أن تمدّ إيران خط أنابيت الغاز إلى البحر المتوسط، المشروع المشترك مع قطر، والذي كان قد وقّع عليه بشار الأسد سنة 2010.

وكذلك، لروسيا مصالح مع دول أخرى، لا بدّ أن تدفعها لمراعاتها، وأقصد هنا الدولة الصهيونية التي تعتبرها روسيا حليفاً مركزياً في "الشرق الأوسط". وبهذا، لا بد أن تكون روسيا حريصةً على أمنها و"سلامة أراضيها"، واستقرارها. لهذا، ستأخذ حساسية الدولة الصهيونية من وجود حزب الله، ومن الوجود الإيراني في سورية، بعين الاعتبار بالضرورة. هذا الموقف هو الذي سمح للدولة الصهيونية أن توجه أكثر من مائة ضربة جوية لحزب الله في سورية، والآن أن تخوض معركة تصفية الوجود الإيراني في سورية، فقد استشعرت، وربما أخذت الضوء الأخضر من روسيا لكي تحقق هي طرد إيران من سورية، حيث تسهّل عليها السيطرة الكاملة، فلا شك في أن قناعة الروس بأنه لم تعد هناك حاجة إيران كانت في صلب القرار الصهيوني ببدء المعركة المباشرة مع إيران، بعد أن كانت تقصف حزب الله فقط.

"أخذ الصراع يتحوّل الى تنافس إقليمي يهدف إلى السيطرة على مصير سورية" ويرتبط بذلك القرار الأميركي للانسحاب من الاتفاق النووي، أميركا التي تشترط على الروس، أيضاً، إخراج إيران من سورية. بهذا ستكون الدولة الصهيونية رأس الحربة ضد إيران في سورية، مدعومةً من روسيا وأميركا، وستكون الضغوط الأميركية الشديدة على إيران جزءًا آخر في مسار الضغط الروسي لانسحابها. وسيكون بشار الأسد مسروراً بذلك، بعد أن باتت إيران تطالبه بتسديد الديون التي قدمتها له، وتضغط من أجل الحصول على مصالح اقتصادية، في مقابل دورها في منع سقوطه.

بدون إيران ستكون المفاوضات لترتيب وضع سورية هي بين كل من روسيا أساسا، ودولة محتلة، وكل من تركيا التي لا تريد فيدرالية كردية، وأميركا التي تعتبر وجودها في سورية ورقة مساومة مع روسيا. لكن ربما تسعى روسيا إلى عقد "اتفاق سلام" بين بشار الأسد والدولة الصهيونية التي باتت تعلن أنها ليست ضد استمرار حكمه (كما كانت في الماضي)، ويكون ذلك جزءًا من الحلّ، يكرّسه من دون معارضة أميركا، كررت مراراً أنها مع رحيله. إن تجاوز "الشرط" الأميركي الأوروبي بضرورة تنحي الأسد شرطا للمساهمة في إعادة الإعمار، يمكن أن يصبّ في خدمة تحقيق "سلام" مع الدولة الصهيونية.

ما هو الحلّ إذن؟ دستور جديد وانتخابات مزورة، أي مخرجات لقاء سوتشي، ربما مع تعديلاتٍ بسيطة. طبعاً هذا إذا جرى التفاهم الأميركي الروسي على الملفات المختلف عليها، حيث تريد أميركا أن تحصد مقابل "تنازلها" السوري.

==========================

نظام التعايش القلق في الشرق الأوسط .. حسام ميرو

الخليج

الاثنين 14/5/2018

منذ أن انتهت منظومة الأمن والاستقرار القديمة في الشرق الأوسط، بعد أن هزّ ما يسمى «الربيع العربي» عدداً من البلدان، وتباينت مصالح ومواقف الدول الإقليمية منه، غابت مع نهاية النظام القديم ملامح التوافق على مشتركات لإعادة البناء، فقد كان زلزال التغيير في المنطقة فرصة سانحة لبعض دول الإقليم من أجل مدّ نفوذها، وتوسيع رقعة سيطرتها المباشرة، معتمدة على متغيّرات طالت النظام الدولي.

اعتمدت منظومة الأمن والاستقرار القديمة على الدور الأمريكي في ضبط مجمل المنظومة، وعدم السماح للتناقضات أن تتحوّل إلى مواجهة بين الدول، وكان للتحالف التقليدي بين الولايات المتحدة ودول الخليج دور كبير في ذلك التوازن الذي حظي به الشرق الأوسط، وقد أحدث الرئيس أوباما شرخاً في العلاقات التقليدية بين بلاده ودول الخليج، فقد فضّل الوصول إلى اتفاق مع إيران على برنامجها النووي، بدلاً من الإبقاء على علاقات راسخة وتاريخية مع الحلفاء الخليجيين.

أثبت توجه أوباما نحو تخفيف التوتر مع إيران على حساب الخليج أنه توجّه غير مدروس، ومضر بتوازنات المنطقة، فإيران لم تستفد من الاتفاق بالالتفات نحو الداخل، وإعادة بناء الاقتصاد الإيراني، وتحسين شروط المعيشة لسكانها.

هل كان بالإمكان التعايش مع التوسّع الإيراني في المشرق العربي؟ وهل بإمكان الدول الرئيسية في الشرق الأوسط السماح للنفوذ الإيراني بالتمدد إلى ما لا نهاية؟ وهل يمكن توقع المدى الزمني للفوضى التي ستعم الإقليم في حال حدوث مواجهة مباشرة بين واحدة من الدول الإقليمية أو أكثر مع إيران؟.

إن تخلي إدارة أوباما عن الشرق الأوسط وأزماته، والتعاطي مع منظومة الأمن والاستقرار بانتهازية وتجريبية، دفع دول المنطقة أيضاً لتمارس سياسات تجريبية، وجعلها تنخرط بشكل أكبر في الصراعات الموجودة، حتى من دون وجود حسابات دقيقة حول الجدوى من تلك السياسات، وتراجع العمل الديبلوماسي إلى أدنى حدوده.

في هذا السياق الحدّي والخطير، تتحمّل إيران مسؤولية كبيرة، فهي ترى في تعايشها مع الفوضى في العراق وسوريا تفوّقاً على خصومها الإقليميين، لكن هذا «التفوّق» هو أحد الأسباب الرئيسية المباشرة في هدم أي آمال في إعادة بناء منظومة الأمن والاستقرار في المنطقة، بل وفتحها من جديد أمام تدخل القوى العظمى، فساحة الشرق الأوسط تبدو لتلك القوى المسرح الأمثل لخوض مواجهات منخفضة التكلفة، بل واستخدام قوى إقليمية في صراعها.

لقد عوّل أطراف الصراع في الشرق الأوسط على انتصارات ساحقة، وقبلوا بصيغ تعايش مؤقتة، ريثما يكون بإمكانهم إحداث فوارق نوعية، يقومون بتثبيتها في منظومة أمن واستقرار جديدة، تضمن لهم حالة من التفوّق لعقود مقبلة، لكن هذا التعويل ما هو إلاّ مجرد وهم كبير، إذ لا يمكن لأي طرف من الأطراف إحراز انتصار ساحق من دون مساندة قوى دولية، وهو ما يعني فعلياً تقديم تنازلات هائلة لتلك القوى، وهي تنازلات ستجعل من نتائج أي انتصار تذهب لمصلحة القوى الدولية، وليس لمصلحة دول الإقليم.

لقد بات واضحاً، بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع طهران، ومع استمرار إصرار القيادة الإيرانية على الاستحواذ على المشرق العربي، أن صيغة التعايش القلق في طريقها إلى الزوال، وأننا سندخل مرحلة جديدة، بسيناريوهات محدودة، تحتاج إلى تقديم تنازلات من جميع الأطراف، وإلا فإنه سيكون من الصعب التكهن بمستقبل المنطقة ومآلات دولها خلال العقد المقبل.

==========================

«مليونية العودة» في غزة.. تخوّف مع أمل .. رضوان الأخرس

العرب

الاثنين 14/5/2018

اليوم هو الرابع عشر من مايو لعام ٢٠١٨، وهو التاريخ المعلن لنقل السفارة الأميركية، وكذلك تاريخ يوم «الالتحام»، أو يوم الحشد الأكبر ضمن مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار، حسب ما خرج عن اللجنة المنظمة للحراك.

لا شك أن هذا الحراك هو موضع جدل، ليس من حيث النتائج المرجوة منه، ولا الأهداف والآمال المتعلقة به، ولكن من حيث مدى جدواه في تحقيق ذلك، وما بين الانتفاضة السلمية أو الشعبية وبين العمل المسلح تكثر النقاشات والأطروحات، إلا أن من يناقش جدوى المقاومة كمن يناقش جدوى استعادة أرضه وحقه والدفاع عنهما.

كثيرون كانوا متحمسين لهذا الحراك قبيل انطلاقه، لأنه عمل شعبي يجمع الكل الفلسطيني بين طياته، والبعض خفتت حماسته اليوم، ربما لأنه كان يريد النتائج في وقتٍ مبكر قبل الوصول إلى الذروة المتوقعة في منتصف هذا الشهر، أي في هذه الأيام، أو خوفاً من الثمن وحجم التضحيات.

والبعض يتذرع بتراجعه عن الحراك تحت ذريعة أن الحراك فقد مقصده، أو أن هناك من استولى عليه، ولم يعد شعبياً كما بدأ، وهذه مغالطة كبيرة تصم عينها عن حقيقتين، أولاهما هي أن جميع الفصائل من البداية كانت ضمن تشكيلات هذا الحراك ودعت متحدة له، والحقيقة الأخرى هي أن جزءاً كبيراً، أو الجزء الأكبر من الشعب منضوٍ ضمن هذه الحركات، فلم تأتِ لنا من كوكب آخر، ولا داعي للتظاهر بالمفاجأة من وجودها، فهي موجودة بالأساس، ضمن نسيج المجتمع.

وليس ذنب هذه الحركة، أو تلك المؤسسة، أنها الأكثر حضوراً أو حشداً لهذه الفعاليات، بل على العكس من الإيجابي العمل بعنفوان على إنجاح حراك متوافق عليه داخلياً، أم أن البعض يريد مشاركة صورية في هذا الحراك لا فعلية، أو أنه يعلن الوطنية ويضمر غيرها راضياً بالاحتلال ومتقبلاً مخططاته التي تستهدف عنق القضية!

لا شك أن هذه الوسائل الشعبية تحتمل وجهات النظر، وليست أطروحة منزلة من السماء، لكن لا يمكن وصف أصحابها لا بالتهور ولا بالتشكيك فيهم، بل على من يجد طريقة أنجع لطرد الاحتلال وكسر مخططاته الحالية أن يقدمها أو يتقدم بها، لكن لا فرصة أمامنا للسكون في ظل هذا التسارع المحموم بمخططات التصفية للقضية الفلسطينية، فإما أن نكون أو لا نكون.

قضية اللاجئين الفلسطينيين مستهدفة، والمؤسسات التي ترعاهم مهددة، ومشاريع التهويد التي تستهدف القدس والمسجد الأقصى تتصاعد، وقد كان آخرها يوم أمس تضاعف أعداد المقتحمين للمسجد الأقصى، ورفع المستوطنون الصهاينة العلم «الإسرائيلي» أمام قبة الصخرة المشرفة، ومنذ أسابيع يجري استهداف ونبش قبور مقبرة الرحمة الملاصقة للأقصى، والتي تحوي قبوراً لبعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اليوم الثاني لما بعد يوم الاثنين هذا أو ما اصطلح على تسميته «مليونية العودة وكسر الحصار» ليس معروفاً تماماً، لكنه قد يكون مؤلماً، وقد يكون فيه إنجاز لشعبنا أو كلاهما معاً لا أدري، وما سيجري اليوم أيضاً تسوده الضبابية، لكن قد نشهد أموراً مفاجئة من قبيل دخول أعداد كبيرة من المواطنين الفلسطينيين إلى أراضيهم المحتلة، وما بعد ذلك متروكٌ للميدان ولمن فيه.

وللبعض أقول: إن لم تكونوا على قدر جرأة هؤلاء المنتفضين وتضحياتهم وإيمانهم العميق فلا تنقصوا جهدهم، أو تسخروا منهم، وقولوا خيراً أو اصمتوا، ولا شك أنني متخوف على قدر ما أنا متأمل، لكن على الله قصد السبيل، ومنه نرتجي العون والرشد، وفي سبيله نحتسب كل سعي وجهد «فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده».;

==========================

في أصل حظوة الأسد في الغرب والعالم .. برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 14/5/2018

لا يوافق أغلب قادة دول العالم بشار الأسد على سياسته الدموية في سورية، ولا يقر بشرعية القتل الجماعي والتعذيب حتى الموت التي يطبقها وحلفاؤه للحفاظ على مواقعهم ومكتسباتهم، كما أن أحدا منهم لا يجهل العواقب الوخيمة للتغاضي عن استخدام الاسلحة الكيميائية، أو حصارات التجويع، أو القصف العشوائي على المدنيين بالبراميل المتفجرة، الغبية مثل من يأمر بإلقائها. لكنهم سمحوا بها جميعا، لأنهم كانوا يكرهون، بشكل أكبر، فكرة أن ينتزع السلطة في سورية طرفٌ لا يثقون بتعاونه، ولا يعرفون إذا ما كان سيضع الدولة السورية وأجهزتها في المستقبل في خدمة أهدافهم الأمنية والاستراتيجية، كما فعل الأسد الذي لم تكن لديه، في التعامل مع الدول الأجنبية، أية مبادئ وطنية أو دينية أو إنسانية، سوى مبدأ الاحتفاظ بالسلطة، واحتكارها للأبد وتوريثها لأبنائه.

وإذا كانت سورية تعني، في نظر موسكو وطهران، مسرحا لاستعراض القوة، وحقل مناورات استراتيجية وتقنية، ومعبرا للجيوش الإمبرطورية، وفرصة لمواجهة رخيصة التكاليف مع خصومهما، تجري على أرض غير أرضهم، وعلى حساب شعبٍ ليس شعبهم، فهي بالنسبة للغربيين أجهزة أمنية وشراكة استراتيجية في مواجهة الإرهاب الذي تم التسويق له وصناعته بوصفه خطرا أو مصدر مخاطر لا يمكن تقديرها، منذ زوال البعبع السوفييتي، مشروعا لحرب عالمية غير نظامية، عابرة حدود الزمان والمكان، يبرّر الإنفاق المتزايد على القطاع العسكري. وهو القطاع الذي يكاد يتحول أيضا إلى القطب الأبرز والأهم في منظومة الإنتاج الرأسمالي المعولم، بما يؤمنه من الحماية والاتساق لجميع القطاعات الأخرى، وإدارة عملية العولمة، وانتزاع جزء من الريوع العالمية لصالح الدولة التي تملك احتكار القوة أو السيطرة على النصيب الأكبر منها. وقد قدم الأسد الأب، وبعده الابن، أوراق اعتماده للجانبين بالاستمرار في التزود بالسلاح من روسيا، واستقبال أسطولها البحري في قاعدة روسية في طرطوس، ومن خلال التعاون الاستراتيجي على الصعيد الأمني وأجهزة المخابرات مع الأجهزة الغربية.

"عرف الأسد كيف يحول الأمن إلى مجال استثمار مربح يتجاوز في فوائده ما يمكن أن يقدّمه التعاون مع الغرب في تقديم المعلومات أو التسهيلات" وبضمان رضى المعسكرين، أصبح من الممكن للنظام أن يتجاهل وجود الشعب السوري، وأن ينظر إليه كسقط متاع، ويخرجه من حساباته السياسية والاقتصادية تماما، ويراهن على سياسة قاطع الطريق، لابتزاز الدول المجاورة سياسيا، والدول الخليجية الغنية بالنفط ماليا واقتصاديا.

 

(1)

اكتشف الأسد بالتجربة، ومن خلال صراعه مع إسرائيل والغرب، وتفاعله معهما في الوقت نفسه، القيمة الكبرى لاستخدام مسألة الأمن إطارا للتعاون، ومن أجل الحصول على الدعم والقبول الدوليين. وخلافا لكثيرين من الزعماء في البلاد الفقيرة والصغيرة الذين شاركوا في توفير خدمات الأمن، ومعلوماته للدول الكبرى الحليفة أو الوصية أو الحامية لهم، مقابل بعض العوائد الاقتصادية أو السياسية، عرف الأسد كيف يحول الأمن إلى مجال استثمار مربح يتجاوز في فوائده ما يمكن أن يقدّمه التعاون مع الغرب في تقديم المعلومات أو التسهيلات، أو تنفيذ مهام التعذيب والقتل التي لا يستطيعون هم القيام بها في ظل أنظمتهم القائمة على احترام القانون. وتحويل الأمن/ الإرهاب إلى مجال استثمار، والتحكم بلعبته وتقنياته إلى رأس مال، يستغله لفرض إرادته على الآخرين، خصوما وأصدقاء معا، يعني أيضا إتقان تجارة التهديد وزعزعة الاستقرار وبث الرعب وترويع المجتمعات والدول، وسحب أكبر العوائد، الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية منها.

هكذا بدل أن يتعاون مع الآخرين، للقضاء على التطرّف والإرهاب، تخصص نظام الأسد في تصنيع التطرف والإرهاب. وفي الوقت نفسه، إنتاج مضادّاته، ليجعل الآخرين يطلبون مساعدته، ويعتمدون عليه ويدينون له. وبالتالي، وهذا هو المهم، أن يقبلوا منه، في مقابل المساعدة في المعلومات أو الكف عن استهدافهم بالإرهاب، كل ما يفعله في الداخل السوري وفي الإقليم. وهذا ما حصل عليه بالفعل. فلم يحاسب الأسد على أي جريمةٍ ارتكبها، لا بحق الشعب السوري، ولا بحق الشعوب المجاورة في لبنان وفلسطين والأردن والعراق. لقد نجح الأسد، أو نظامه بالأحرى، في أن يخلق سوقا خاصة به، لتصنيع الإرهاب وتوريده ومكافحته، وتحويله إلى بضاعة تمكّنه من أن ينتزع موقع الشريك الذي لا يستغنى عنه في الحرب على الإرهاب، بل أحد أبرز معلميها. والواقع أن الاقتصاد السياسي للإرهاب، تصنيعا وتوزيعا ومكافحةً، أصبح العمود الفقري والحامل الرئيسي لنظام الأسد، والقطاع القائد والأكثر مردودا سياسيا وأيدولوجيا وعسكريا فيه.

لم يكن استثمار الغرب الأهم والأكبر في نظام الأسد اقتصاديا أو سياسيا أو تقنيا أو علميا، فليس لهذا النظام قيمة في جميع هذه المجالات. لذلك لم تستفد سورية أبدا من مثل هذه الاستثمارات. ما كان يهم الغرب، وما وجد أن من الممكن لسورية الأسد أن تقدمه، وتكون طليعة فيه، هو قطاع الأمن بما يعنيه من مشاركة أجهزة الدولة السورية في مكافحة الإرهاب والتطرّف في الداخل والخارج، ومساعدتها على تطبيق الخطط الدولية المتعلقة به. وقد اقتنع الأسد الأب والابن بدرورهما و"رسالتهما" العالمية، وجعلا من سورية مختبرا لتطوير تقنيات صنع التطرّف والإرهاب، ومكافحته بشتى الوسائل المخابراتية والعنيفة، بما في ذلك إيجاد مجموعات إرهابية وإبادتها لكسب الصدقية في هذه الحرب، وواجهة لعرض بضاعتهم على الدول الأجنبية في الوقت نفسه.

وكما استخدموا شعار المقاومة لإسرائيل ذريعة لتجريد الشعب من حقوقه السياسية والمدنية، وحرمانه من أي مشاركة في تقرير مصيره ومصير بلده، استخدموا الحرب على الإرهاب وسيلة لتخدير النظام الدولي، وتحييده، ونيل صمته وسكوته عن الجرائم الداخلية والخارجية التي لم يكفّ النظام عن ارتكابها، للحفاظ على وجوده وتوسيع دائرة سيطرته ونفوذه وممتلكاته. هكذا تحول قطاع الأمن/ القمع إلى محور بناء العلاقات السورية الدولية. وكانت مذبحة حماة إحدى "الرسائل" الدموية التي أرسلها الأسد الأب إلى الغرب، المسكون بالخوف من عمليات التفجير الإرهابية الإسلامية، أوراق اعتماد في الحرب الدولية المعلنة على الإرهاب. وفي هذا السياق، كان الخلط بين التطرّف والإسلام من جهة، والمطابقة بين المعارضة السياسية وأي انتقاد لطريقة حكمه والإسلام أحد تقنيات هندسة العنف والإرهاب وشرعنتهما، حتى أصبح من المفروغ منه، في نظر النظام وأتباعه وأنصاره، أن جميع تظاهرات النقد والمساءلة والاحتجاج، مهما كانت أفكارها والقائمون عليها، حركات إرهابية متطرّفة لا نقاش في ضرورة القضاء عليها وسحقها بكل الوسائل.

 

(2)

باختصار، كان القضاء على التطرّف الإسلامي، ومن ورائه الإسلام "الحاضن" للتطرّف، هو العرض الرئيسي المغري الذي قدمه النظام السوري للغرب، ونجح من خلاله في أن يموضع نفسه في مركز مهم داخل استراتيجيته الدولية لمكافحة التطرّف والحفاظ على الأمن، وأن يحظى لقاء ذلك بثقة الغرب وتأييده، ويضمن لنفسه معاملةً خاصةً تجنّبه أي مساءلةٍ دوليةٍ سياسيةٍ أو قانونيةٍ أو أخلاقيةٍ عما يقوم به، وما يمارسه من انتهاكاتٍ غير مسبوقة للقانون وحقوق الناس. وبشراكته هذه مع الغرب ضد الارهاب، حظي الأسد بالمعاملة الخاصة التي جعلته مطلق اليدين في استخدام العنف في قمع مظاهر الاعتراض، أو الانتقاد السياسي في الداخل، حتى البسيط منها. بل لقد أصبح يبالغ متعمدا في الإفراط في العنف واستخدام أبشع الوسائل للتنكيل بالمعارضين وسجنهم المؤبد، وفي انتهاك كل القيم والأعراف والتقاليد المرعية عالميا، ليقنع الغرب بفائدة الرهان عليه عدوا موثوقا في الحرب على التطرّف الإسلامي والإسلام السياسي، مستعدا لتنفيذ جميع المهام الصعبة التي تتردد النظم السياسية التابعة لشعبٍ في استخدامها. وبقسوته في سحق الإسلاميين مهما كانوا، وإخضاع مجتمع المسلمين بالقوة والشوكة واجباره على احترامه، جيّر لحسابه جميع مشاعر الخوف من الإسلام والعداء للمسلمين الذي راكمتها في الغرب عقود طويلة من الصراع على الهيمنة على الشرق الأوسط، قبل الاستقلالات وبعدها.

"كان القضاء على التطرّف الإسلامي، ومن ورائه الإسلام "الحاضن" للتطرّف، هو العرض الرئيسي المغري الذي قدمه النظام السوري للغرب"

ومما زاد من أهمية الأسد ونظامه في اقتصاد "الامن العالمي" ما سودته أجهزة مخابراته من إمساك قوي بمفاتيح أسرار قوى متطرفة وإرهابية عديدة صنعها بنفسه، أو نجح في اختراقها في منطقة الإرهاب الدولي الرئيسية، وذلك بالتوازي مع تفاقم مخاوف المجتمعات الغربية من اعتداءات المجموعات المتطرّفة الإسلامية، وخوف حكوماتها من عمليات زعزعة الاستقرار بعد تعرّض عواصمها لبعض التفجيرات التي لا يستبعد أبدا أن يكون قسمٌ منها من صنع الأجهزة الأمنية للدول المستثمرة في الإرهاب.

وأكثر فأكثر، تبدو الأنظمة الفاشية والتسلطية التي تجعل القمع في مركز نشاطها ومحور استثماراتها نموذجا مثاليا للنظم التي يجدر التحالف معها لمواجهة الإرهاب فحسب، وإنما أهم من ذلك لضبط حركة الشعوب، والوقوف في وجه تزايد حركات الهجرة والنزوح، بموازاة تطور الأزمة العالمية، وخوف الغربيين من تقويضها نظمهم الاجتماعية والسياسية، بعد أن تحولت قارتهم إلى جزيرة نعيم وسلام في محيطٍ هائجٍ تتقاذفه أمواج الفقر والبؤس وتفكك المجتمعات من كل جانب. وقد لاقى نموذج النظام السياسي المبنى على أولوية الأمن، قبل الدولة والقانون والاقتصاد والشعب، كما طوّره الأسد في إطار الدفاع عن سلطته ونيل حظوة عند الغرب المهدد، والذي جمع لأول مرة، وفي ظل دولةٍ لها مكانتها في النظام العالمي للدول، بين صنع الإرهاب ومكافحته، لاقى هوى عند كثيرين من قادة الدول الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن تطمين الرأي العام، بعد تفجيرات برجي مركز التجارة في نيويورك في سبتمبر/ أيلول 2001، ووجدوا في النظام السوري المستعد لكل المهام ضالتهم المنشودة لتجاوز القيود المفروضة عليهم في بلدانهم، لمواجهة التطرّف الإسلامي خارج إطار القانون.

لذلك، عندما ينظر الغرب في اتجاه الأسد، لا يرى ما يفعله بشعبه من ويلات، وإنما يرى فيه بالعكس حليفا قويا، وفارسا صليبيا يعمل على ردع الإسلام، ووضع حد لصعوده الخطير وعنفه الجامح، وينظر إلى عنف الأسد وحرب الإبادة الجماعية التي يشنها على شعبه عنفا "معقولا" إن لم ير فيه عنفا مفهوما ومشروعا ضد التطلعات الطغيانية والظلامية للاسلام الخارج من رقاده بثياب القرون الوسطى وأفكارها. يظهر الأسد في نظر الغرب، كما لم يخفه بطريرك موسكو كيرييل، كما لو كان أحد الملوك الصليبيين المتأخرين الذين يستحقون الدعم والتقدير والتشجيع، بدل الإدانة والانتقاد والمساءلة. بعد أن ارتقى بمقامه ودوره من المشاركة في الحرب ضد "الإرهاب الإسلامي"، من خلال التعاون الاستخباراتي، إلى المواجهة المسلحة والحرب الشاملة ضد "الإسلام القرسطوي" المتطرّف والمعادي للسلام العالمي، في سورية والمشرق، لم يعد ممكنا انتقاد الأسد، ولا من باب أولى محاسبته. ينبغي بالعكس تكريمه، وربما تحول في نظر بعض الطوائف في المستقبل إلى قدّيس، يحمل راية الانتقام من الإسلام والرد المستحق عليه. هذا يفسر استمرار الأسد في عمليات القتل المنهجي، وحرب الإبادة والتطهير الطائفي الرسمي والعلني، وبتعاون روسيا والغرب، من دون أن يتعرّض لأي نقد، كما يفسر السكوت على الغزو العسكري الرسمي لسورية من النظام التيوقراطي الإيراني، المدان فكريا وسياسيا وعسكريا في الغرب.

 

(3)

على أرضية الكفاح ضد حركات التطرّف الإسلامي، ومن وراء ذلك ضد الإسلام المشكوك بنيات أصحابه أكثر فأكثر، نشأ بين النظام السوري والغرب تفاهم خفي وعميق، ليس سياسيا وأمنيا فحسب، وإنما عاطفي أيضا، يشبه ما قام بين إسرائيل والغرب، وساهم حتى الآن في تبرير أعمالها وحروبها، وغض النظر عن بنية نظامها العنصري، وانتهاكاتها قرارات الأمم المتحدة ومواثيقها جميعا، وصمت العالم عنها. وقد زادت أهمية هذا التفاهم مع الوقت، ومع تنامي روح المواجهة بين الإسلام والغرب، خلال العقود الخمسة الماضية، وأخذ النظام يظهر أكثر فأكثر، وكأنه قاعدة متقدمة للهجوم على الإسلام قوة جيوسياسية صاعدة، ومحارب عنيد وجريء لا يتعب، في احتواء مخاطر التطرّف الإسلامي، ولجم نزوعاته، بل مواجهته في العالم كله. وربما ساعد التكوين الأقلوي للنظام في تعزيز هذا الشعور الإيجابي تجاهها. لكن تكاد تكتشف أنظمة عربية عديدة اليوم فائدة التماهي مع هذا الدور، وهي تحاول أن تحل محل نظام الأسد في لبسه، وفي وراثة موقعه، فيما يشبه المشاركة في حربٍ صليبيةٍ مستحدثةٍ، ومتجددة على الإسلام.

"كانت وظيفة أجهزة الأمن زعزعة أمن المواطن واستقراره ومنعه من الشعور بالأمان أو الثقة أو الاطمئنان، وتعريضه لترويعٍ مستمر"

ما يريده الغرب الذي اتحد مع الشرق الروسي والصيني والايراني في الحرب على الإرهاب، كل لمصالح مختلفة ولاستخدامات متباينة، في ما وراء السعي إلى الحفاظ على الأسد أو على حكم عائلته، هو المحافظة على الدور الذي رسمه الأسد لسورية، والمهمة التي أوكلها لها النظام الدولي، بوصفها مركزا مهما من مراكز رصد تطورات الإسلام السياسي ومواجهته، في المنطقة، وتجنيدها في الحرب العالمية على الإرهاب، والاستفادة من خبرتها في الحرب الدعائية والإعلامية أيضا ضد الإسلام المؤرّق والمهدّد، بمقدار ما هو ضعيف ومتخبط ومنقسم ومأزوم، وبالتالي الحفاظ على الدولة السورية باعتبارها جزءا من جهاز الأمن العالمي، أو على شروط إعادة إنتاجها جهاز أمن عامل، كما كانت في عهد بشار، ووضعها من جديد في خدمة أهدافه. وهذا ما يفسر التنصيب الدولي لبشار وريثا لأبيه، والاحتفاء به ورعايته الكبيرة من الدول الغربية جميعا، حتى بعد جريمة اغتيال رفيق الحريري الكبرى التي عكست الانحراف الخطير في سلوك دولة جهاز الأمن، أو الدولة التي انحلت في أجهزة الأمن، وصارت تفكر بمنطقها وتخضع لحسابات رجالها، وتعيش على توزيع خدماتها الأمنية على النظم والدول والعالم. وهو ما يفسر أيضا تمسّك الغرب، على الرغم من الفظائع غير المسبوقة لنظام الأسد ضد شعبه، بنظام الأسد والحيلولة دون سقوطه، وصرف النظر عن تدخل إيران الخمينية العسكري الواسع، ثم روسيا ضد الشعب السوري، والإصرار أخيرا على أن يبقى الأسد جزءا من الحل في سورية المستقبل أو التهديد بتقسيمها.

لكن لا ينبغي أن نخطئ. ليس الأمن، لا في الداخل ولا في الخارج، هو الذي يشغل النظام السوري. إنه البضاعة التي يسوّق بها النظام نفسه، ويريد أن يستمد منها شرعيته في النظام الدولي وفي الداخل. ما يحرّكه ويشكل غاية جهده هو تأبيد السيطرة والتسلط على البلاد التي استعمرها، والمحافظة على الإمارة التي انتزعها بالقوة. وجوهر جهده لتحقيق ذلك هو، بالعكس تماما مما يعلنه، نشر الخوف والرعب وزعزعة الاستقرار على مستوى المجتمع، وفي ميدان العلاقات الدولية. يعمل النظام السوري كمشعل الحرائق الذي يشعل الحريق، ويصرخ: النجدة، ويقدم نفسه المتطوع الأول لإطفائه. ولذلك كانت وظيفة أجهزة الأمن زعزعة أمن المواطن واستقراره ومنعه من الشعور بالأمان أو الثقة أو الاطمئنان، وتعريضه لترويعٍ مستمر، يجبره على الاستسلام والتسليم بكامل حقوقه وأرزاقه. وهذا هو الحال أيضا مع نكتة مكافحة الأسد للإرهاب. إنه لا يشارك في مكافحته، إلا لتدفيع المجتمع الدولي ثمن التوسع في انتاجه. كأي جسم دخيل، لا أمل للنظام الأسدي الذي ليس نظاما، ولا سياسيا بأي معنى، ولكن عصابة منظمة بالمعنى الحرفي للكلمة تعمل على مستوى المنطقة، وتحت غطاء دولة رسمية وشرعية، في البقاء والنمو وسلب حقوق الناس وموارد الدولة ومراكمتها في جيوب رجاله، عبر المصارف العالمية، إلا ببث الفوضى والرعب والخراب وزعزعة الاستقرار الاجتماعي والدولي معا. دولة الأسد أبعد ما تكون عن دولة الأمن. إنها دولة الرعب، أي الإرهاب الداخلي والخارجي. هذا هو رأسمالها الحقيقي، ومصدر نموها وتمكّنها وازدهارها وموتها أيضا.

==========================

تقاعد صحّي في سورية الأسد .. خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 13/5/2018

في سنة 1994 التمعت في مخيلتنا فكرةُ ترك العمل الوظيفي، والحصول على "التقاعد الصحي". كنا خمسة أصدقاء، صديقي الظريف أبو النور، وأبو محمد، وأبو وردان، وأبو صبحي، وأنا.. قيل لنا إن بلوغ التقاعد الصحي يقتضي أن يتحقّق لدى الموظف حَدٌّ أدنى من العَجْز الجسدي مقدارُه 85%! القوانين السارية في "سورية الأسد"، تتطلب أن يبقى منك 15% فقط حتى تتقاعد صحياً، ومَنْ كان عاجزاً بهذه النسبة لا يمكنك أن تتصوّره ماشياً على قدميه، بل محمولاً في قفة مصنوعة من الخوص، أو زنبيل بلاستيكي، والأغلب أن يكون هناك جهاز تغذية اصطناعي "سيروم" معلق فوقه، وبعض الخراطيم والقناطر الداخلة إلى جسمه، أو الخارجة منه.

كان أبو النور في سن الخمسين، ولكن مَنْ يَره يعتقد أنه في الثلاثين، طويل القامة، أشقر، وجنتاه حمراوان، لا يوجد لديه سوى مرض واحد هو السكري.. أردت أن أقول إنه من العسير إقناع أي لجنةٍ طبيةٍ بأن هذا الشاب القوي يمكن أن يُمْنَحَ فرصةَ التقاعد الصحي، من دون أن يشك الناس بأنه قد دفع لأعضاء اللجنة رشوة كبيرة.

قبل أن نسافر إلى حلب، للمثول أمام اللجنة الطبية التي ستقرّر إحالتنا إلى التقاعد الصحي أو إعادتنا إلى العمل، بثلاثة أيام فقط، دخل شهر رمضان. ذهبتُ لزيارة أبي النور في مكتبه في مديرية مالية إدلب، قسم الجباية، فوجدت بابه مغلقاً. نقرتُ عليه وانتظرت لحظات، لم يأتني خلالها أيُّ جواب، فلجأتُ إلى الخبط على الباب بقدمي، ورحت أصيح: يا أبو النور، افتح يا أبو النور، وإذا به يفتح ويمشي في الممر، من دون أن يكترث بوجودي، فعدوتُ خلفه واستوقفته. قال لي: عفواً، من أنت؟ قلت: أنا خطيب، هل يعقل أنك لم تعرفني؟ ثم لماذا لم تفتح الباب حينما طرقته عليك؟ قال لي: تعال معي. ثمّة حديث مهم جداً سأحكيه لك. حديث تاريخي.

سحبني من يدي، ومشينا معاً نحو المكتب، فما إن دخلنا حتى أغلق الباب، وأقفله بالمفتاح، وقال لي: أنا الآن أعيش في العالم الافتراضي. .. وسكب كأسين من الشاي لي وله، وقال: اشرب. قلت له: صيام. قال: بل إفطار مع مسوّغ شرعي. أنا الآن، وأنت مثلي، عبارة عن 15% من الرجل، لا أسمع حتى الخبط بالأرجل على الباب، ولا أرى أكثر من ربع متر أمامي. أحتاج إلى سماعتين في أذني، ونظارتين سميكتين على عيني، وعكازتين قويتين تحت إبطيّ، وبخّاخ للربو، ويجب أن أحمل في جيبي الحبوب التي توضع تحت اللسان لحظة عبور الجلطة الدموية في الشرايين، وحبوب تخفيض الضغط، وحبوب معالجة البروستات، والكولون، إضافة إلى الأنسولين الذي يحقن تحت الجلد، كلما ارتفع السكري في الدم..

أخرج علبة سجائره، وأشعل سيجارتين لي وله، وقال: وبما أن الإنسان كائنٌ طموحٌ فأنا اليوم بدأت أصبو لأن أحصل على التقاعد الصحي الكامل، بدلاً من التقاعد النسبي، فقد أخبرني المحامي الأستاذ جورج، قبل قليل، إن الحصول على نسبة عجز 100% أفضل من التقاعد النسبي 85%، ففي هذه الحالة يدفعون لك مئة وخمسين ألف ليرة، عدا الراتب التقاعدي الذي يستمر مدى الحياة، وهذه النسبة يمكن أن يحصل عليها مرضى داء السكري حصراً.. وعندما قال لي ذلك، فرحتُ فرحاً شديداً، لأنني مصاب بهذا الداء، ولله الحمد! لا تنظر إليَّ باستغراب هكذا، فأنا أعرف ما تفكّر فيه أنت، وهو أن المتبقي من الإنسان المتقاعد بنسبة 100% (صفر)، يعني أنه يجب أن يرمى في أقرب حاوية زبالة. وهنا أنا أريد أن أقول لك كلمتين فقط.. اقترب. قلت له: نحن وحدنا. قال: مع ذلك، أريدك أن تقترب. فلما اقتربت قال لي: نحن، في ظل حكم حافظ الأسد، أصفار، سواء بمرض، أو بدون مرض.

==========================

لماذا تنتصر إيران وتنهزم السعودية؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 12/5/2018

لا هم للسعودية إلا التصدي لإيران، فهي العدو الأول للمملكة حسبما يتبادر للذهن عندما نرى التجييش الإعلامي السعودي ضد الجمهورية الإسلامية. لكن سياسات السعودية على أرض الواقع تكاد كلها تصب في مصلحة المشروع الإيراني، بحيث بات البعض يشبّه العداء السعودي لإيران بالعداء الإيراني لأمريكا وإسرائيل، خصوم في العلن، وحلفاء في السر، مع الإشارة طبعاً إلى أن إيران تستفيد كثيراً من خلال تفاهماتها مع إسرائيل وأمريكا، بينما تخسر السعودية كثيراً في علاقتها مع إيران.

لو نظرنا إلى السياسات السعودية لوجدنا أنها لا تخدم أحداً بقدر ما تخدم إيران، حتى لو كان الهدف السعودي غير ذلك. لكن العبرة دائماً بالنتائج على الأرض، بدءا من لبنان مروراً باليمن وسوريا والعراق. لماذا خسرت السعودية وربحت إيران في تلك البلدان؟

من المعروف للقاصي والداني أن السعودية لعبت دوراً محورياً في إسقاط النظام العراقي السابق، وتكفلت بدفع قسم كبير من التمويل، لكن بدل أن ترّسخ أقدامها في العراق الجديد، خسرت كل أوراقها هناك، فأصبح العراق مجالاً حيوياً إيرانياً بامتياز، إن لم يكن مستعمرة إيرانية. لقد أصبحت إيران الآمر الناهي في بلاد الرافدين مع الأمريكيين، لا بل إنها تفوقت على الأمريكيين أحياناً في نفوذها في العراق، مع العلم أنها لم تساعد الأمريكيين في غزوهم للعراق كما ساعدتهم السعودية. لكنها قطفت ثمار الغزو الأمريكي، بينما صار النظام العراق الجديد عدواً للسعودية، لا بل إن بعض القيادات العراقية المرتبطة بإيران هددت بغزو السعودية مرات ومرات. أين التفكير الاستراتيجي السعودي من بلد عربي جار ومهم جداً للأمن القومي السعودي؟ وقد قال الدبلوماسي الإيراني المعروف أمير الموسوي قبل فترة إن السعودية تزرع ونحن الإيرانيين نحصد كما حصل في العراق.

حتى في حديقتها الخلفية اليمن، يبدو أن السعودية تخسر معاركها، فماذا أنجزت بعد أكثر من ثلاث سنوات في حربها ضد الحوثيين حلفاء إيران في اليمن؟ خسرت المليارات وربحت حقد الشعب اليمني، بينما يتعزز النفوذ الإيراني في اليمن عبر الحوثيين.

وها هي السعودية بعد سبع سنوات من التدخل في سوريا تخسر المعركة بشكل بشع أمام الإيرانيين، فلم يبق من جماعاتها أحد على الأرض، ففي غوطة دمشق خسرت حليفها جيش الإسلام الذي اضطره القصف الروسي والزحف الإيراني للانتقال إلى شمال البلاد. لا شك أن السعودية دفعت الكثير على معاركها في سوريا، لكنها خسرتها جميعاً. والغريب أن دولة الإمارات الحليف الأول للسعودية في الخليج يتحالف بطريقة غير مباشرة مع الإيرانيين في سوريا لصالح النظام، بدليل أن بشار الأسد لم يتهم الإمارات في مقابلته الأخيرة بالتآمر على سوريا، وكأنه يقول إن الإماراتيين والإيرانيين يد واحدة معي في سوريا. ولا ننسى أنه بينما كان الثوار على مقربة من القصر الجمهوري في دمشق تراجعوا بشكل فظيع بعد أن استلمت السعودية الملف السوري، وكأنها جاءت لدعم النظام والميليشيات الإيرانية في سوريا. فعلاً عجيب، ألم تصب كل الخطط السعودية في سوريا أخيراً في صالح إيران؟ ألا تصول الميليشيات الشيعية في طول سوريا وعرضها بينما انفرط عقد الجماعات المدعومة سعودياً؟ لماذا انقلبت المملكة على جماعاتها وسلمتهم لروسيا وإيران على طبق من ذهب بحجة أنها باتت تدعم الحل السياسي في سوريا؟ هل هذا تفكير استراتيجي أم تفكير بطيخي؟

وحدث ولا حرج عن لبنان، فقد فقدت السعودية في الانتخابات الأخيرة آخر أوراقها، وتعرضت جماعتها لهزيمة، بينما ربح مؤيدو النظام السوري وإيران مزيداً من المقاعد في البرلمان الجديد، بحيث بات سعد الحريري وحلفه في لبنان كالأيتام على مائدة اللئام. لماذا؟ لأن السعودية لم تعرف حتى كيف تتعامل مع حلفائها في لبنان، وقد كان لاعتقال الحريري في السعودية قبل فترة وإجباره على تقديم استقالته بطريقة مهينة أثر عكسي حتى على حلفاء المملكة في لبنان. وقد خسرت السعودية الكثير جراء تلك الخطوة الغشيمة. وبدل تعزيز التحالف السني في لبنان راحت المملكة تصنع جماعات جديدة لها في لبنان وكأنها كانت تريد تمزيق الصف السني وتفتيته، وهذا ما ظهر جلياً في نتائج الانتخابات الأخيرة، بحيث فاز مؤيدو النظام السوري وإيران حتى في المناطق السنية المحسوبة على السعودية.

الفرق بسيط جداً بين السعودية وإيران، فالسعودية لا تتقن جمع الحلفاء حولها، بل شاطرة جداً في دق الأسافين بين حلفائها، لا بل تعمل أحياناً على استعدائهم وتنفيرهم بسياساتها التي لا يمكن أن نصفها إلا بالغبية. كيف تتوقعون من السعودية أن تناصر السنة في العالم العربي إذا كانت قد تآمرت على الحركة الوهابية التي أبقت النظام السعودي في الحكم لحوالي قرن من الزمان؟ لاحظوا بينما تجمع إيران تحت جناحها كل الفصائل الشيعية في المنطقة وتستخدمها لمصالحها، نرى السعودية تستعدي كل من يمكن أن يقف إلى جانبها، فقد ضربت كل الحركات الإسلامية في اليمن ومصر وسوريا ولبنان والمنطقة عموماً، فكانت النتيحة أنها أصبحت بلا معين ولا حليف، لا بل وصل بها الأمر إلى حصار أشقائها ودفعهم قسراً إلى التقارب مع الآخرين رغماً عنهم. لاحظوا كيف تآمرت على تركيا ودفعتها إلى التقارب مع إيران. لا أعتقد أن أحداً يمكن أن ينافس السعودية في سياسة إطلاق النار على قدميها، مع أنها تتمتع بمزايا معنوية ومالية لا ينافسها فيها أحد في المنطقة، فالتاتج الإجمالي المحلي السعودي يكاد يكون ضعف الناتج الإيراني، ناهيك عن أن السعودية قبلة المسلمين جميعاً، لكنها لا تعرف كيف تستثمر أوراقها، أو أنها مجرد وكيل لقوى خارجية لا يهمها حتى السعودية ذاتها؟

ألم يحن الوقت لأن تراجع السعودية سياساتها إذا كانت جادة فعلاً في التصدي للمشروع الإيراني؟ ولو استمرت على هذا النهج، فستجد الكثيرين يتساءلون: هل فعلاً السعودية خصم لإيران أم أنها باتت رافعة للمشروع الإيراني في المنطقة؟ وكما يقولون في السياسة: لا تنظر إلى كلام الساسة، بل إلى أفعالهم على الأرض. ألا تصب كل الأفعال السعودية في المنطقة لصالح إيران بشكل مباشر أو غير مباشر؟

==========================

موقفنا : وما زالت الحرب التي تدور على وطننا حربا من طرف واحد .. زهير سالم

24 / 5 / 2018

مركز الشرق العربي

كان هذا واقع الحال منذ أول يوم انطلقت فيه ثورة الشعب السوري وما زال هذا هو الحال حتى اليوم . ما ملّ العقلاء من النداء أن أبسط قواعد لعبة شد الحبل أن يكون في الطرف الآخر فريق أو إنسان يمسك بالحبل . وظل العقلاء يؤكدون أن هذا الفريق أو الإنسان - على الرغم من كثرة الأدعياء- غير موجود .

أنا ألعب الشطرنج مع حفيدي ، ومع الفارق الزمني بين السبعين سنة والسبع سنين ، مع كل ما تتضمنه هذه العقود من فروقات ؛ إلا أنني أشعر أن على الطرف الآخر من الرقعة ( لاعب ) ، حتى هذا اللاعب افتقدناه وما زلنا نفتقده في مشهد الثورة السورية بشكل خاص ، وفي إطار الحرب على الأمة بشكل عام .

ولقد كان الغرور منذ البداية مشكلة بعض الناس . فاندفع إلى مواقع القرار مستغلا عوامل معقدة في بنية المجتمع وفي الوضعين الإقليمي والدولي مَن إذا قلت له ( قيادة ) سألك ( مطعوم أو مشموم أو ملبوس ) ولكن هذا البعض أو هذا الفريق على خطره لم يكن هو كل المشكلة ..

كان الجزء الأكبر من المشكلة ، عند ابن السبع سنين، بالموازاة مع الطرف الآخر الذي يملك كل الأوراق والمؤهلات والذي يستحوذ على الحبل من طرفيه . هذا الفريق الذي كان يملك أدنى المؤهلات وأقل الإمكانات ليمسك بطرف الحبل ، لتنمو وسط المراس والتجربة وبالاستفادة من التقاطعات خبراته وإمكاناته ، آثر هو الآخر أن يرهن دوره وموقفه وقراره بالفريق الأول ، تحت عناوين مموهة ، لعمل جماعي أو وطني لا يقوم على وعي حقيقي ، ولا على توزع أدوار صادق ؛ وليظل جمع رواد الحمام البلدي بين البراني والوسطاني والجواني يتبادلون الطاسات الساخنة والباردة حينا بعد حين ..

قيل لهؤلاء الذين كانوا يملكون أقل المؤهلات والإمكانات تراجعوا ، فأطاعوا وتقدم آخرون ، وراح الجميع ، يسرون حسوا في ارتغاء ، فالمتراجع تراجع تخليا والآخر تقدم تحليا ، ومع أن كل الذين تقدموا لم يسدوا أدنى ما يعقل من الثغرة إلا أن دورهم في عدم القدرة على التمييز بين المطعوم والمشموم اليوم قد نسي ، وأعاد الضمير الجمعي للشعب السوري، محقا ، المسئولية على الذي كان يظنه الأخ الكبير الذي تخلى وما تولى ..

نتابع المشهد السوري اليوم فنجد أن السواد العام من المواطنين كما من الشخصيات والهيئات قد تناسوا أصحاب الأسماء اللامعة التي ائتلقت في سماء الثورة ، بل ما زالت يُعول على الكثير منها المعولون تمدحا وإشادة بينما باء بإثم ما حصل بعض من ركب الصعب ، وبعض من تخلى بادعاء فلا كان من هؤلاء ولا صار إلى هؤلاء !!

وكان من أسباب تخلي من تخلى إيثار بعض الناس المركب الناعم ، بعيدا عن ذات الشوكة ووعثائها ، فآثر بعض الناس الاشتغال على العير ، ويظنون أنهم أفادوا ويقول آخرون أنهم استفادوا ويبقى الحكم العدل في هذه القضية هو الله .

من الكلام المكرور أن نقول إن الإمساك بطرف الحبل هو واجب الوقت بالنسبة لأي عمل وطني رشيد .

وبانتظار قيادة ما تزال مأمولة تضع على أجندتها اليومية كل التغيرات الميدانية والسياسية والاجتماعية في آفاقها المحلية والاقليمية والدولية ليس أمام السوريين سوى الأمل . قيادة يهدي إليها الرشد ، أو تنطلق عفويا من قلب المعاناة ..

إن التناقضات التي بدأت تظهر على الساحة السورية والإقليمية تعج بالفرص التي تحتاج فقط إلى من يلتقط أطرافها ...نتابع حال لاعبين في ملعب الكرة ممن تنادي عليه : إن الكرة قد اصطدمت بقدمك فاركلها !!

والحلم بقيادة عملية واقعية تنطلق من إدراك الواقع والتأسيس عليه ليس حلما طوباويا ، وما زلنا كسوريين نمتلك الكثير . وما زلنا قادرين على أن نبدأ بداية صحيحة .

ويبقى السؤال : من يوقظ النائم ؟! من يبعث الحمية في قلوب المحبطين ؟! أين هم رجال اللحظة ؟! إلى متى يستبد بنا الذين ظنوا المنابر أسرة للهجوع ، وما كانت المنابر يوما لتكون.

لو كان في الألف منا واحد فدعوا .. من فارس ؟ خالهم إياه يعنونا

_____________

* مدير مركز الشرق العربي

===============

طهران وتل أبيب حول إنقاذ الجندي الأسد: شقاق بعد اتفاق .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 12/5/2018

أصاب المؤرخ الفرنسي جان ـ بيير فيليو حين اعتبر أنّ رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، «يواجه صعوبة في التكيّف مع واقع أنّ القوة الإيرانية باتت على مقربة من حدود إسرائيل أكثر من أي وقت مضى، نتيجة لسياسته التي اتسمت بقصر النظر والتي تمثلت في اعتبار نظام الأسد، أهون الشرّين، لا بل حتى أحد الحصون الضامنة للاستقرار». وبالفعل، في مناخات المنازلة العسكرية الراهنة بين طهران وتل أبيب على أرض سوريا، والتي تنطوي على احتمالات الانقلاب إلى حرب مفتوحة يمكن أن تشمل لبنان، وقد تنتقل إلى إيران ودولة الاحتلال؛ يسدد نتنياهو، والغالبية الساحقة من جنرالاته ومدراء أجهزته الاستخبارية، أثمان خيار مبكر فاضل بين آل الأسد وأيّ بديل آخر، فاستقرّ على «الشيطان الذي نعرف»، الذي يظلّ أكثر ضماناً من أيّ «شيطان» لا نعرف بعد.

والحال أنّ أهل هذا الخيار، وهم كثر بالطبع، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، سبق أن سددوا بعض الأثمان في صعود «داعش»، وفي امتداد توحشها إلى قلب عواصمهم؛ وها أنهم اليوم يستعدون لتسديد المزيد مع «صحوة» نتنياهو على مدى التوغل الإيراني في عمق ما تبقى من بنية عسكرية وأمنية تابعة لآل الأسد؛ وقرار الرئيس الأمريكي بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب وما سوف يقترن بالقرار من خسائر فادحة لعشرات الشركات الأوروبية العملاقة التي استأنفت التعامل مع الاقتصاد الإيراني؛ ثمّ ما يُنتظر من «فيلق القدس» على صعيد التسخين العسكري ضدّ المحور الأمريكي ـ الإسرائيلي، ليس في سوريا وحدها بل في العراق ولبنان أيضاً، وجبهات أخرى تبدو ساكنة لكنها قابلة للإشعال والاشتعال عندما تقتضي الحاجة. وليست مفارقة، إلا عند السذّج بالطبع، أنّ رامي مخلوف، ابن خال الأسد وصيرفي العائلة وتمساح الفساد الأشرس والأقذع، كان أوّل من أنبأ العالم، منذ أيار (مايو) 2011، بأنّ استقرار إسرائيل مرتبط باستقرار النظام السوري.

مفارقة مضحكة، في المقابل، أن يصرّح وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شتاينتز، أنه «لو سمح الأسد لإيران بأن تحيل سوريا إلى قاعدة عسكرية ضدنا وتهاجمنا من الأراضي السورية، فإن عليه أن يعلم أنّ هذه نهايته ونهاية نظامه ولن يبقى حاكماً لسوريا أو رئيساً لسوريا». ذلك لأنّ دولة الاحتلال ذاتها، وليس الأسد وحده، سمحت بتحويل سوريا إلى قاعدة إيرانية غير مباشرة عبر «حزب الله»، ثمّ قاعدة إيرانية مباشرة عبر الجنرال قاسم سليماني، ثمّ قاعدة روسية منذ أيلول (سبتمبر) 2015؛ من منطلق النظرية إياها: أنّ نظام آل الأسد هو الشيطان الذي عرفناه واختبرناه منذ سقوط الجولان، حين كان الأسد الأب وزير الدفاع؛ مروراً باتفاقية فكّ الاشتباك، 1974، التي حالت دون إطلاق بندقية صيد في طول الجولان المحتلّ وعرضه؛ وصولاً إلى سحب وحدات النظام من مواقع انتشارها على خطوط الجبهة مع الاحتلال، وتوجيهها إلى الداخل السوري لقمع التظاهرات السلمية وقصف القرى والبلدات والمدن.

كذلك يتجاهل شتاينتز (إذْ لا يعقل أنه يجهل، وهو العضو في الحكومة الأمنية المصغرة، وشغل في الماضي وزارات حساسة مثل الاستخبارات، والعلاقات الدولية، والشؤون الستراتيجية…)؛ أنّ الأسد لم يختر طائعاً تحويل الوجود العسكري الإيراني إلى قاعدة آخذة في الاتساع والتضخم، بل كان في هذا مرغماً، غير كارهٍ بالطبع؛ تماماً كما كانت عليه حاله حين اقتيد إلى موسكو للتسليم بكلّ ما اشترطه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبيل التدخل العسكري الروسي المباشر. ومثلنا نحن السوريين، ومثل العالم بأسره، لا بدّ أنّ شتاينتز قرأ تصريح علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي، أنه «لولا الدعم الإيراني لسقط نظام بشار الأسد خلال أسابيع»؛ أو تصريح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بأنّ «دمشق كانت ستسقط خلال أسبوعين لولا تدخلنا». فإذا كانت إيران عامل إنقاذ لنظام «أهون الشرّين»، الذي تحرص إسرائيل أيضاً على إنقاذه، وعلى بقائه؛ فإنّ شتاينتز يُغفل هنا هذه الحقيقة البسيطة: لقد تطابقت أغراض طهران وتل أبيب، يومئذ، حول إنقاذ الجندي الأسد!

.. ثمّ تقاطعت الأغراض، بعدئذ، أو تناقضت في قليل أو كثير، حين مارست طهران حقها في البناء على كلّ قطرة دم خسرتها دفاعاً عن نظام الأسد، وحين تمسكت بكلّ مكسب جنته أو يتوجب أن تجنيه لقاء الجهود العسكرية والمالية الهائلة التي بذلتها في سوريا منذ عام 2012 على وجه التحديد، حين تلقى حسن نصر الله التكليف الشرعي من وليّه الفقيه بنقل «بندقية المقاومة» من الجبهة ضدّ إسرائيل إلى الجبهة ضدّ انتفاضة الشعب السوري. فهل توقع نتنياهو أن تلتزم طهران بما جمعها مع إسرائيل من توازن، خفيّ في معظم بنوده ومعلَن في قليل منها، منذ فضيحة «إيران ـ كونترا»، 1985؛ حين عقدت إيران اتفاقاً مع إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان (أو «الشيطان الأكبر» دون سواه!)، لتزويدها بأسلحة متطورة في حربها مع العراق، لقاء إطلاق سراح رهائن أمريكيين كانوا محتجزين في لبنان. يومها كان أري بن ميناش، المندوب عن المخابرات الإسرائيلية، حاضراً في جلسات التفاوض الأمريكية ـ الإيرانية التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس، لأنّ دولة الاحتلال كانت هي المكلفة بنقل شحنات الأسلحة؛ ويومها، أيضاً، كان تطابق المصالح بين طهران وتل أبيب هو سيد اللعبة.

اتفاق، إذن، توجّب أن يعقبه شقاق تلقائي حين أخذت برامج إيران تتجاوز إنقاذ نظام الأسد، إلى بناء منظومة جنينية مرشحة للتطوّر إلى ما يشبه سيرورة هيمنة «حزب الله» على الحياة السياسية والاجتماعية والعسكرية والأمنية في لبنان. وهذا في ذاته تطوّر جدير بإثارة قلق نتنياهو وجنرالاته في الجيش والاستخبارات، فكيف إذا اقترن بخطوات ملموسة على درب تطوير الصناعة البالستية الإيرانية إلى مستويات أرقى ليست بالغة الخطورة على جميع أراضي دولة الاحتلال فحسب، إذْ كان هذا الخطر ماثلاً أصلاً في كثير أو قليل؛ بل كذلك في ارتقاء التصنيع الصاروخي إلى مستوى حمل رؤوس نووية، قد تطيح في أية لحظة بالدرجة صفر من التوازن، المعيار الذي حكم التسابق الذرّي منذ هيروشيما وناغازاكي. وكيف إذا كان النظام، الذي ضمن صمت المدافع المطبق في الجولان المحتل منذ 1973، لم يعد هو الناظم الأول للسلطة في سوريا، فتبعثرت هذه بين طهران وموسكو وما هبّ ودبّ من ميليشيات جهادية ومذهبية.

جدير بالانتباه، أخيراً، أنّ الجولة الأحدث من عمليات القصف الكثيفة التي نفذها الطيران الحربي الإسرائيلي ضدّ مواقع إيرانية في سوريا، تمّت بعلم موسكو كما أعلن مسؤولون في دولة الاحتلال. وليس في هذا أيّ جديد، بالطبع، إذْ ظلت الرادارات الروسية صمّاء عمياء أثناء عمليات إسرائيلية مماثلة؛ ما خلا أنّ نتنياهو كان في موسكو، كتفاً إلى كتف مع بوتين، أثناء تنفيذ الضربات الأوسع. في عبارة أخرى، ليس منافياً للمنطق أن يكون الكرملين سعيداً بالضربات الإسرائيلية التي تستهدف تهميش الوجود العسكري الإيراني في سوريا، فهذا مآل يخدم الاستثمار الروسي هنا، على المدى القريب والبعيد معاً؛ خاصة في ضوء التقارير المتزايدة التي تتحدث عن منافسة شرسة بين موسكو وطهران على اكتساب، أو تجنيد، الميليشيات المنتشرة كالسرطان في الساحل السوري.

وما دامت فواتير مبدأ «الشيطان الذي نعرف» مستحقة الدفعة، فلا غرابة أن تسير المقايضات على هذه الشاكلة المتشابكة، الشعواء.

 

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

==========================

التوتر الإسرائيلي الإيراني إلى أين؟ .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

السبت 12/5/2018

ليس مهما ما إذا كانت الأدلة التي كشف عنها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، حيال البرنامج  النووي الإيراني صحيحة أم لا، وليس مهما ما نقلته وسائل إعلام عبرية أخيرًا عن مصادر أمنية وعسكرية إسرائيلية من أن إيران تستعد لشن ضربات صاروخية عبر قوات موالية لها في سورية ضد إسرائيل.

المهم هو هدف البروباغندا السياسية/ الإعلامية التي تسعى وراءها حكومة الاحتلال في هذا التوقيت ضد إيران، هل هي نابعة فعلا من خوف إسرائيل من ردة فعل عسكرية إيرانية لم تظهر إلى الآن بوادرها؟ أم هي مقدمات تمهيدية، تشرعن قيام إسرائيل بعمل عسكري ضد إيران في سورية أو لبنان؟

قواعد الاشتباك الحالية بين الجانبين غير مريحة لكليهما، على الرغم من أن إسرائيل تمتلك مساحة واسعة في التحرّك، في حين لا تمتلك إيران مثلها.

وبالنسبة لإسرائيل، لا تؤدي ضرباتها المتكرّرة إلى إضعاف الحضور العسكري الإيراني في سورية، ولا تمنع من نشر إيران أسلحة ومعدات متطورة، ولا يبدو هذا الهامش الإسرائيلي من التحرك كافيا لإسرائيل، لأنه قد يتغير في أي لحظة إذا ما قرّرت روسيا، لأسباب عدة، التدخل في المعادلة ومنع إسرائيل من القيام بعمليات عسكرية نوعية في سورية.

وبالنسبة لإيران، فإن قواعد الاشتباك الحالية، وإن كانت لا تمنعها من تعزيز وجودها في سورية، إلا أنها لا تسمح لها بالرد عسكريا على الهجمات الإسرائيلية لأسباب كثيرة، بعضها قانوني وسياسي مرتبط بطبيعة النظام الدولي، وبعضها الآخر مرتبط بموازين القوى العسكرية بين الجانبين. وأمام هذا الوضع، تبدو إسرائيل مصممة على استغلال الظرف الإقليمي ـ الدولي الحالي، خصوصا مع وجود إدارة أميركية متحمسة لمعاقبة إيران.

لا يعني ذلك شن إسرائيل حرباً ضد إيران بشكل مباشر أو العكس، فهذا محال، لأن مثل هذه

"إسرائيل تمتلك مساحة واسعة في التحرّك، في حين لا تمتلك إيران مثلها" الحرب ستكون مدمرة لكلا الطرفين.. إيران تعاني من ضعف اقتصادي واضح، وحليفاها الإقليميان منهكان تماما (سورية، حزب الله)، وستكون هذه الحرب بمثابة التدمير الاستراتيجي للحضور الإيراني في المنطقة، كذلك الأمر بالنسبة لإسرائيل، فهي لن تخاطر بتلقي مئات الصواريخ المتطورة. فضلا عن ذلك، أصبح قرار الحرب بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973 بيد الولايات المتحدة التي لن تسمح بقيام معارك كبرى من شأنها أن تهدد إنتاج النفط العالمي.

ستبقى قواعد الاشتباك القائمة مستمرة، لكن سيحدث تطوران مهمان: تشديد الولايات المتحدة حصارها الاقتصادي على إيران، وتوسيع إسرائيل هجماتها العسكرية في سورية، لتنتقل من مرحلة الردع إلى مرحلة التعطيل. والتطوران مبنيان على تقديرات أميركية ـ إسرائيلية بأن إيران غير قادرة على تغيير سياستها في عموم المنطقة، بسبب تكوينها الأيديولوجي/ الطائفي، وبسبب أن هذا الانخراط في الجغرافيا العربية يشكل لها ورقة استراتيجية، لتثبيت أقدامها أقوى لاعب في المنطقة بعد إسرائيل، ويمنحها القوة اللازمة للتفاوض مع الغرب فاعلا إقليميا يجب أخذ مصالحه بالاعتبار في التسويات الكبرى للمنطقة.

عند هذه النقطة، يمكن وضع الحملة السياسية/ الإعلامية الإسرائيلية في موضعها الصحيح، فهي تتضمن، في المقام الأول، رسالة إلى طهران بعدم الرد عسكريا على أي هجوم إسرائيلي نوعي داخل الساحة السورية، فمثل هذا الرد ستترتب عليه نتائج مدمرة لا تتحملها دمشق ولا موسكو.

وهذه هي المسألة التي يناقشها نتنياهو مع بوتين في موسكو في زيارته المفاجئة، لا يتعلق الأمر بمجرد ردع روسي لإيران، فمثل هذه المسألة لا تتطلب زيارة مفاجئة، وإنما يتعلق الأمر بخطوات روسية ملموسة، مثل عدم تزويد دمشق بمنظومة صواريخ متطورة مثل إس 300 ومنع إيران من نشر صواريخ متطورة داخل سورية.

ويبدو التفاهم الروسي ـ الإسرائيلي معقداً إلى حد ما، فموسكو منزعجة جدا من حجم الهجمات الإسرائيلية، لأنها تعرّي روسيا وتظهرها بمظهر العاجز. ومن جهة أخرى، لا تستطيع موسكو في المقابل غض الطرف عما يجري، لأن من شأن استمرار الهجمات الإسرائيلية أن يضرب عرض الحائط جهود موسكو في المحافظة على التوازنات الصعبة القائمة، ويفقدها ورقة الضامن الاستراتيجي في سورية، بالنسبة لكل الأطراف، بما فيها إسرائيل التي تنسق تحركاتها مع الروس منذ سنوات.

روسيا اليوم أمام ثلاث مشكلات: استسلامها لرؤية النظام السياسية، اضطرارها للانصياع لمصالح شريكيها في أستانة (إيران، تركيا)، عجزها عن ردع إيران وإسرائيل على السواء. وفي ضوء ذلك، ستبقى الساحة السورية تراوح مكانها في المرحلة المقبلة، وستبقى ساحة للاشتباك الإقليمي ـ الدولي.

==========================

عن عناتر طهران .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 12/5/2018

حرّر ملالي طهران وعسكرها فلسطين أكثر من مائة مرة خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، وقضوا تماما على السرطان الصهيوني في تصريحاتٍ لم يغب عنها أيٌّ من أصوات قادتهم. وحددوا مواعيد زمنية لإبادة الكيان إن تجرّأ وتحرّش بهم ولو بالكلام. قرّر أحد كبار حرسهم الثوري أنها لن تتجاوز الدقائق الخمس، يكون "الكيان السرطاني" بعدها أكواما من الحطام. بل إن حسن نصر الله، مندوب الحرس السامي في لبنان، أعلن مرات عديدة خطةً لتحرير مزارع شبعا وتلال كفر شوبا والقرى السبع وما وراءها ووراء ورائها، حتى خلنا أنه صار عند قناة السويس، بينما لا يقاتل لا هو ولا الحرس إسرائيل، بل حشدوا مرتزقةً من كل صنف ولون، جاء بهم مال الملالي من عالم الفقر والجريمة، إلى سورية، بدعم من قتلة عراقيين وزّعوا فيديو يظهر "مجاهديهم" يشربون الشاي ويتضاحكون، بينما تشتعل على بعد مترين منهم أجساد خمسة رجال علقوهم على شجرة، وأضرموا فيهم النار، هم من عرب العراق، وليس فيهم صهيوني واحد.

باعنا طرزانات طهران عناتر ومراجل يومية، تتصل بتحرير فلسطين، صدّقها سذج قوميون وشيوعيون، و"جهاديون" يقبضون منهم، ليشيدوا بحرسهم، وهو يقبض أرواح السوريين، بتهمتين: اختلافهم المذهبي والقومي عن الملالي، وقتل الحسين عليه السلام الذي كان جميع قتلته من الشيعة، باستثناء عبيد الله بن زياد، بل إن شمر ابن الجوشن الذي قال له ساخرا، وهو يقطع رأسه: "أنتم أهل البيت تذهبون إلى الجنة"، كان قائدا كبيرا في جيش أبيه، في أثناء معركتي صفين والجمل.

صدق هؤلاء اليساريون عنتريات طرزانات طهران عن تحرير فلسطين التي تعلموها من حافظ الأسد، طرزان الجولان ثم من حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية الذي وصل عناترته، وهم يحررون فلسطين إلى حدود سورية الشرقية مع العراق، بعد دخوله منذ عام 2006 في ما أسميه "زمن الأسدية الجولاني"، القائم على تحاشي التحرش بإسرائيل لأي سبب، وتحت أي ظرف، وشن حرب شعواء على عملائها من أعداء الأسدية ومرتزقة إيران، كياسر عرفات ورفيق الحريري ورياض الترك والشعب السوري الذي لم يتوقف يوما عن المطالبة بتحرير الجولان، ولاحقت مخابرات بطل التحرير، منذ نيفٍ وخمسين عاما، بتهمة إضعاف نظامه الممانع/ المقاوم، وقتله وريثه بشار كشعب إرهابي يحاربه نيابة عن الصهاينة، ليحول بينه وبين إيجاد الزمان والمكان المناسبين لبدء معركة تحرير فلسطين، ناهيك طبعا عن الجولان.

قصفت إسرائيل موقعا على قدر عظيم من الأهمية بالنسبة لحرس إيران الثوري، وقتلت وجرحت مائة وثلاثين من منتسبيه بينهم جنرالات، فانتظرنا أن يأتي "الرد الموجع" الذي أعلن عنه أمين مجلس أمنها القومي، الأميرال علي شمخاني، فإذا ببيان يصدر عنه يعلن أن الضربة لم تقع. أين الدقائق الخمس والقضاء في أول مناسبة، وبضربة واحدة، على "السرطان الصهيوني"، إن غامر وتحرش بالجمهورية، كما فعل من خلال ضرب مطار التيفور يوم 7 إبريل/ نيسان الماضي؟ فهمت إسرائيل، وفهم العالم أن قوة عناترة طهران في ألسنتهم، وأنهم دخلوا "الزمن الجولاني"، ولن يردوا خلال نصف القرن المقبل، لأنهم سيكونون مشغولين بالقضاء على شعب سورية، الإرهابي/ التكفيري عند نصر الله، وعميل الصهيونية الذي يجب أن تسبق أولوية القضاء عليه مواجهة إسرائيل، عند بشار وملالي الكذب في طهران الذين فضحهم جبنهم، وقرّروا الاختباء تحت جثث وأشلاء جنرالاتهم وجنودهم، كما فعلوا بعد تدمير جبل المانع، ومقتل 32 جنديا وضابطا من حرسهم، بينهم جنرال كبير.

==========================

موقفنا : بين المحتلين أو بين القصرين ؟! قصر من ورق .. " قصر من ورق " .. زهير سالم

15 / 5 / 2018

مركز الشرق العربي

عنوان العملية التي أطلقها العدو الصهيونية على الهجمة الصاروخية على القواعد الإيرانية في وطننا المحتل سورية صباح الخميس 10 / 5 / 2018 . يدور الصراع اليوم على أرضنا السورية بين محتل صهيوني في قصرنا الفلسطيني وبين محتل صفوي في قصرنا السوري .

المثير أن المحتل الصفوي وداعمه صاحب حيفا ، قد لزما الصمت المريب المهين الكاشف عن الحقيقة . والعجيب أن يخرج علينا السيد حسن روحاني على طريقة السيد محمود عباس تماما ، الذي كلما نزع عنه نتنياهو قطعة من ثيابه أكد تمسكه بالحل السلمي ، أن يخرج علينا حسن روحاني بلغة لا تخلو من عنترية : ( سنتمسك بالاتفاق النووي رغم أنف أمريكا ..)

كلام فحواه : أنهم مستعدون لتلقي اللسع بالكرباج كما أنهم مستعدون لدفع الجزية والخراج في وقت معا .

أما صاحب القصر الورقي في دمشق فما قصّر ، وكما تقول العامة : الله لا يعطيه العافية رغم تعبه !!

تقول المصادر اللبنانية إن حوالي عشرة صواريخ سام 5 سورية ضربت في العماء ، وسقطت على سهل البقاع في الأرض اللبنانية . وتضيف جريدة النهار ، أن أحد صواريخ ( سام 5 ) فخر الصناعة الروسية ، سقط دون أن ينفجر على خيمة مهجّر سوري ، مما اضطر القوات اللبنانية إلى إفراغ المخيم من سكانه والتعامل مع الصاروخ وتفجيره ..

وبالمناسبة فإن تصريحات بشار الأسد الأخيرة بما تحتويه من قلق حول نزاع ( القوى العظمى : الروسية - الإيرانية - الصهيونية . توحي لنا بمزيد من الطمأنينة . واستعمال لفظ الصهيونية بتصرف مهم من طرفي أما رجل الممانعة فقد قال بالحرف ، أقتبس كما يقول بشار الجعفري ، وناقل ألفاظ الخيانة ليس بخائن كما تعودنا أن نقول ( القوى العظمى الروسية - الإيرانية - الإسرائيلية ) ..

في عملية تصفية الحسابات بين أطراف الجريمة كل شيء يمكن أن يكون ..

___________

* مدير مركز الشرق العربي

=============================

صراع الشقيقين على حكم سورية (الحلقة 6) تفقد طلاس للوحدات المؤيدة للرئيس حافظ الأسد .. محمد فاروق الإمام

بعد أن أصبحت القيادة العامة للقوات المسلحة في وضع آمن وكذلك القصر الجمهوري ومنزل السيد الرئيس قررت أن أنطلق بزيارات ميدانية لكافة أنواع وصنوف وتشكيلات قواتنا المسلحة, وكان يرافقني بهذه الزيارات العماد علي أصلان نائب رئيس الأركان. وفي كلمتي التوجيهية العامة التي كان يحضرها الضباط وصف الضباط والجنود كنت أهاجم بقسوة الهيمنة الأمريكية وعملاءها في المنطقة ودعم أمريكا غير المحدود للعدو الصهيوني وتحيزها المكشوف له ومعاداة كل هدف يخدم مصلحة الأمة العربية. وكنت أنوه بالمآثر القيادية للرئيس حافظ الأسد ودوره في بناء سورية الحديثة وحرب تشرين وحرب الاستنزاف للدفاع عن استقلال لبنان ليبقى دائماً عربي الوجه واليد واللسان.. كما كنت أشيد بالدور الوطني الذي لعبته المقاومة اللبنانية ضد الجيش الإسرائيلي وضد الجيوش الأجنبية التي جاءت لتشد من أزر إسرائيل ضد أمتنا العربية, وكانت هذه الكلمات تلاقي صدى إيجابياً لدى المستمعين كافة.

وفي اللقاءات الخاصة مع الضباط حتى مستوى قائد كتيبة كنت أضعهم في صورة المؤامرة كاملة وأسمي الأسماء على المكشوف بصراحتي المعهودة, وفي نهاية الجولة كان التشكيل الذي أزوره يقدم لي وثيقة عهد بالدم ولاء للسيد الرئيس.

وكانت أخبار اللقاءات تصل للسيد الرئيس سواء عن طريق القنوات الرسمية أو الخاصة, وكان سعيداً بالنتائج وأن الجولات بدأت تعطي ثمارها ميدانياً وقد سحبت البساط من تحت أقدام رفعت ولم يعد أحد في القوات المسلحة ينخدع بأنه الحارس الأمين لشقيقه سيادة الرئيس.. وسألني القائد الأسد فيما إذا كنت أقوم بهذه الجولات يومياً.. واعترفت للرفيق الأمين العام للحزب بأن العماد مصطفى طلاس لم يعد مثل المقدم طلاس أيام زمان عندما كان يفلح الأرض شرقاً وغرباً في أوائل ثورة الثامن من آذار وإبان الحركة التصحيحية وفي أيام الإعداد لحرب تشرين المجيدة!. فقال: إذن كيف تبرمج وتيرة العمل؟..

فأجبت أقوم بزيارة التشكيلات يوماً وأرتاح في العمل المكتبي يوماً آخر..

فقال: هذا جيد تابع العمل على نفس الوتيرة وذات النهج.

وكان موعد السابع عشر من نيسان 1984م مكرساً للقاء مع الفرقة الخامسة في موقع أزرع, وطلبت إلى قائد الفرقة اللواء (احمد عبد النبي) أن يدعو قيادة الفرع في درعا وأمناء الشعب الحربية كما يدعو كافة الوجهاء والمثقفين والمخاتير وزعماء العشائر في حوران لأن السابع عشر من نيسان هو عيد وطني لكافة شرائح المجتمع ويجب أن يعكس الاحتفال هذه الحقيقة.. ولبى المدعوون جميعاً الدعوة وازدان المكان بصور الرئيس الأسد وأعلام الحزب وأعلام الجمهورية غير أن أمين الفرع (أحمد زنبوعة), والمحافظ (محمد مصطفى ميرو) اعتذرا عن الحضور بحجة أن لديهم جولة حزبية في وادي اليرموك..

قلت لقائد الفرقة: ألم تقل لهم أنني قادم إلى المحافظة بتوجيه من رئيس الجمهورية حافظ الأسد وأن اللقاء رسمي وليس جولة عسكرية أو حزبية..

فقال: والله لقد قلت لهم ذلك ولكنهما آثرا التملص لسبب ما أجهله..

فقلت له: إنهما من المنافقين المرتبطين مع العميد رفعت وسوف أجعلهما يدفعان ثمن الهروب مهما طال الزمن.

علم العميد رفعت الأسد بهذه الزيارات الميدانية فحاول أن يستبق الموضوع وبعث إلى سيادة الرئيس عهداً كاذباً بالدم من سرايا الدفاع ولكن الكلام الذي يخرج من القلب يدخل إلى القلب أما الكلام الذي يخرج من اللسان فلا يكاد يتجاوز الآذان ومن هذا المنطلق لم يجد (عهد النفاق بالدم) الذي أرسله العميد رفعت أي صدى لدى سيادة الرئيس.

وبعد اثنتي وستين جولة ميدانية إلى المناطق العسكرية كافة وتشكيلات قواتنا المسلحة بأنواعها وصنوفها تمت صياغة كتاب (عهد بالدم) الذي قدّمته لسيادة الرئيس في عيد ميلادي الثاني والخمسين أي في 11/5/1984. وكانت المقدمة التي تصدرت وثائق العهد بالدم من أروع ما كتبت في النواحي السياسية والقومية.

يوم الجمعة الحزينة 13/4/1984م

في الساعة الخامسة بعد الظهر اتصل اللواء علي حيدر من مقره في معسكرات القابون وأبلغني بأن المعلومات المتوافرة لديه أن سرايا الدفاع بدأت بالتحرك من بين أشجار الزيتون باتجاه دمشق..

وبعد لحظات اتصل العميد عدنان الأسد. قائد سرايا الصراع ضد الدبابات وقال بأن سرايا الدفاع تحركت باتجاه دمشق وأنه يراها من معسكر (المعضمية) بالعين المجردة..

كما أعلمت مفارز المخابرات العسكرية المنتشرة على كافة محاور الطرق المتجهة إلى دمشق بهذا التحرك.. وهتفت إلى الرئيس الأسد وأعلمته بالأمر وبعد أقل من دقيقة هتف الرئيس الأسد وقال لي: لقد اتصلت بالعميد رفعت وأكد لي أن المعلومات التي أعلموك بها كاذبة ولا أساس لها من الصحة.. وقلت للرئيس الأسد: إنني على يقين كامل بأن العميد رفعت قد أمر عناصره بالتحرك وهو يريد أن يكسب الوقت..

وقال لي: سأتصل من جديد وأعلمك..

وبعد خمس دقائق لم يتصل وإنما اتصل العميد عدنان مخلوف قائد الحرس الجمهوري وقال بأن السيد الرئيس قد توجه بمفرده إلى مقر شقيقه رفعت الأسد (في ضواحي المزة) وأعطاه التوجيه التالي: إذا لم أعد بعد ساعة من الآن قل للعماد طلاس أن ينفذ الخطة وعليك في الوقت نفسه أن تعطي التعليمات لقادة الفرق أن لا ينفذوا أي أمر إلا إذا كان صادراً عن العماد طلاس.

يتبع

===============================

صراع الشقيقين على حكم سورية (الحلقة 7) غياب الرئيس حافظ الأسد واضطراب قيادته العسكرية .. محمد فاروق الإمام

يقول طلاس معبراً عن قلقه وما أصاب القيادة العسكرية من اضطراب: كانت الساعة التي غاب فيها الأسد عن عرينه تعادل دهراً بكامله (وأن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون) كانت القيادة تعيش على أعصابها وكذلك قادة التشكيلات الضاربة لأن المعركة ستكون ضارية ولا أحد منا يريد أن يصاب مواطن بريء بأذى.. وكان العميد رفعت يطبق تكتيكات صديقه ياسر عرفات (أبو عمار) لأن من عادة المذكور الاختباء بين المدنيين حتى لا تطاله الضربة مباشرة. وجاءنا الفرج قبل خمس دقائق من الموعد المحدد لتنفيذ الخطة, فقد تمكن الأسد بحكمته وشجاعته وحنكته من أن ينزع فتيل الأزمة وتم سحب الدبابات من المواقع التي وصلت إليها في جنوب وشمال دمشق. وحتى يعيش القارئ في جو الأحداث سأروي له ما جرى في تلك الجمعة الحزينة.

اتفق الرئيس الأسد مع شقيقه رفعت أن ينتظره رفعت في نهاية طريق (أوتوستراد المزة) ومن هذه النقطة توجها إلى الطريق المحلق الذي يؤدي إلى المطار وإلى دوار (كفر سوسة). وفي دوار (كفر سوسة) ترجل الرئيس وشقيقه وقال له: انظر بعينيك إلى الدبابات التي كنت تزعم أنها لم تتحرك.

وطلب الرئيس الأسد إلى قائد السرية الملازم أول (معين بدران) أن يعيد الدبابات إلى مكان تمركزها, ولكن قائد السرية بقي في مكانه متجاهلاً أوامر سيادة الرئيس وكأنه آخذ سيجارة حشيش: وكان رفعت مسروراً من هذا المنظر لكي يوحي إلى السيد الرئيس بأن الأمور خرجت من يده وأنه غير قادر على لجم اندفاع الضباط وحماسهم في مؤازرته للاستيلاء على السلطة.. هنا خرج الرئيس الأسد عن هدوئه المعهود وقال لقائد السرية بصوت قصم ظهره: أنا قلت لك أرجع الدبابات إلى أماكنها فوراً، عندها صعد العميد رفعت بحركة مسرحية على ظهر الدبابة وصفع الملازم معين كفاً على خده قائلاً له: نفذ أوامر الرئيس هل أنت أطرش لا تسمع.. وعادت الدبابات إلى أماكنها وعاد الرئيس الأسد والعميد رفعت كل إلى مقر قيادته، وهكذا انزاحت الغيمة السوداء عن صدورنا وعن صدر الوطن.

خطة القيادة في مجابهة سرايا الدفاع

لم نضع خطة عملياتية لمجابهة المشكلة التي نواجهها لسبب بسيط وهو اختلال ميزان القوى وميلانه بشكل راجح إلى جانب الرئيس الأسد، وكانت سرايا الدفاع تعادل واحد إلى عشرة بالنسبة لقوة الجيش البرية، بالإضافة إلى سلاح الطيران وقوات الدفاع الجوي وسلاح المدفعية والصواريخ والاستطلاع والهندسة والتسليح، وكافة وحدات وتشكيلات القيادة العامة هي مع الرئيس الأسد حُكماً، وإذا كان هناك بعض الخروقات فقد انقلب المنافقون على أعقابهم بمجرد الإعلان أن رفعت الأسد أصبح مناهضاً للنظام، وقد سُحبت عنه مظلة أخيه الرئيس الأسد وغدا بمفرده يحيط به بعض أصحاب المصالح والوصوليين مثل محمد حيدر نائب رئيس مجلس الوزراء السابق، والعماد ناجي جميل رئيس مكتب الأمن القومي والقوى الجوية السابق، وحفنة من المرتزقة تذكرنا بقول الشاعر سليمان العيسى يصف جماهير المنافقين والانبطاحيينوالإمّعات من الاتحاد القومي في حلب الذين هرعوا إلى المطار وتزاحموا مثل الكلاب على الطريدة الميتة ولم يتركوا مجالاً للمثقفين وأصحاب الشأن للقيام بواجبهم.

والتفت شاعرنا وقد أضاع "شاروخه" في الزحمة إلى زميله المقدم مروان السباعي المسؤول الأمني في المنطقة الشمالية وقال له:

وحولك "ركّة" تدعى اتحاداً .. فخذ نعلاً ودق بها وآجر

ومع كل هذه الحقائق والتوضيحات فقد وضعنا تصوراً لمجابهة التمرد على الشكل التالي:

لدى تحرّك وحدات سرايا الدفاع لاحتلال الأهداف الرئيسية في مدينة دمشق يقوم سلاح الطيران بتوجيه ضربة كثيفة بالقنابل الارتجاجية والصواريخ المضادة للدبابات مدتها ثلاثون دقيقة، بعد ذلك تقوم صواريخ أرض – أرض بتوجيه ضربة نارية إلى مواقع الخصم وبنفس الوقت تقوم طائرات "الغازيل" وال "ميج 25" التي تحمل صواريخ "جو – أرض" بالتحليق فوق التشكيلات المناوئة لضرب أي تحرك!. كما تقوم بنفس المهمة وحدات سرايا الصراع ضد الدبابات واللواء(65) (احتياط القيادة العامة المضاد للدبابات).

في اللحظة نفسها ومع بداية الضربة الجوية يكون الرئيس الأسد والعماد رئيس الأركان ونائب رئيس الأركان لشؤون العمليات والتدريب وعدد من الضباط الأمراء والمساعدين من الاختصاصات كافة قد غادروا دمشق إلى موقع قيادة تبادلي في معسكرات الجلاء (الكسوة) ويبقى اللواء (91) دبابات كحراسة مباشرة لمقر القيادة بينما تتوجه باقي ألوية الفرقة لتشتبك مباشرة مع ما تبقى من سرايا الدفاع في معسكر "المعضميّة" وتكون الفرقة التاسعة نسقاً ثانياً للفرقة الأولى لمتابعة مهمتها إذا لزم الأمر..

كما تقوم الفرقة الثالثة بالاستيلاء على مقرات وحدات سرايا الدفاع في موقع "يعفور" وكان موقع تمركزها الميداني في (وادي القرن) يساعدها على إنجاز المهمة وتكون الفرقة السابعة كاحتياط للفرقة الثالثة إذا لزم الأمر.

وتم الاتفاق أن أظلّ في مقر القيادة الرئيسي ومعي رئيس هيئة العمليات وقائد القوى الجوية وقائد الدفاع الجوي ورؤساء الهيئات التي لها علاقة بالتأمين القتالي (المادي والفني والطبي).

كان قادة التشكيلات يحثونني على إقناع الرئيس الأسد بتنفيذ الخطة وكذلك أجهزة القيادة العامة جميعاً، وكان أكثر المتحمسين العماد حكمت الشهابي والعماد أصلان واللواء علي دوبا وقادة الفرق كافة.. وكنت أقول لهم:

لقد كلمت الرئيس ثلاث مرات حول الموضوع وكان جوابه الوحيد: أبو فراس اتركوا لي هذا الموضوع فأنا أعالجه بحكمة وعلى نار هادئة.. يجب أن تظلوا في حالة الجاهزية الكاملة وعيونكم مفتوحة.. فقلت له: إن أعصاب الرفاق محروقة.. فقال: أعطيهم مهدئات.. وكنت أنقل للرفاق في القيادة والتشكيلات المقاتلة توجيهات السيد الرئيس.. ومع ذلك كانوا يلحون عليّ يومياً ويقولون: متى نبدأ؟.. وكنت أجيب ظلوا هكذا والإصبع على الزناد. على أن ضغط الضباط القيادة والتشكيلات كان بكفة وضغط زوجتي أم فراس كان بكفة ثانية، فزوجتي بطبعها محروقة ولذلك كل يوم وعبر القناة الهاتفية تطالبني بالحسم، وكان جوابي دائماً اتركي لنا هذا الموضوع.. ولكنها لم تيأس فكانت دائماً تلجأ إلى ولداي (فراس ومناف) لكي يعزفا على نفس اللحن ولكن النتيجة كانت واحدة في جميع الحالات، ولم تهدأ الأعصاب وتستقر النفوس إلا بعد أن بدأت المفاوضات الجديّة بين الرئيس الأسد وشقيقه الأصغر لحل الأزمة.

يتبع

===============================

الجيش السوري في ظل البعث الطائفي أتعس جيش  في العالم !؟.. يحيى حاج يحيى

بكل الأسى والحزن ينظر الشعب السوري إلى الجيش الذي أنفق عليه طيلة ستين عاماً ، ماكان يجعل سورية في نهضة تنافس فيها أرقى وأغنى دول العالم !؟

فمنذ أن اختطف حزب البعث البلاد ، معتمداً على أبناء الطائفة الذين تغلغلوا في صفوف الجيش بناءً على تسهيلات المحتل الفرنسي ، الذي أسس جيش الشرق ، وكان عددهم فيه أكبر من غيرهم ، حتى إن  المفكر النصيري القومي العلماني زكي الأرسوزي باعتراف منه في كتاب الأعمال الكاملة ( طبع وزارة الثقافة في عهد البعث ) عاتب المندوب الفرنسي ؛ لأن الفرنسيين يفرقون في تعاملهم بين المسيحيين والعلويين ، مع أن جيش الشرق أكثره من العلويين - كما يقول - !؟

وجاء أكرم الحوراني ليركب الموجة ، ويستغل هذه الكتلة في وجه منافسيه السياسيين ، فكان يحرض ويشجع ويسهل دخولهم للجيش ، ومما يرويه السوريون أنه كان ينظر إلى شبابهم ويقول : متى أرى النجوم على  أكتافكم وهي تلمع ؟ ( وكان جزاؤه منهم أن جعلوه من أوائل ضحاياهم ، وقد روى عضو في التحالف الوطني لتحرير سورية  الذي أنشئ عام ١٩٨٢ ، وضم مختلف جهات المعارضة السورية آنذاك ، أن الحوراني اعترض على عدم وجود أحد من العلويين فيه !؟ فأُوكل إليه الاتصال بمن يعرف ، فاستدعى إلى باريس  ضابطاً ذا رتبة عالية منهم وصل إلى التقاعد ولكنه على صلة قوية بالحيش والحكم ، وعاتبه الحوراني على الصبغة الطائفية التي أخرجت الحزب عن مفاهيمه ، وتوجهاته !؟ ولكنه خرج  من اللقاء خائباً ، بعد أن   قال الضابط له : بو رشيد ! نحنا لا ننكر فضلك ، اطلب أي شيء ،أي منصب ، أي وزارة ! أما الجيش فلا نسلمه لأحد غيرنا !؟ )

ونفذ ضباط الطائفة المخطط ذا الهدفين : وصول البعث إلى السلطة ، ووصولهم إلى الحكم على أكتاف البعث،  فجمعوا في يدهم الاثنين معاً !؟ وهكذ اكان ، وكان من تداعياته أن أكثر من ثمانين بالمئة من ضباط الجيش السوري ، أصبحوا من الطائفة التي تأتمر بأوامر المجلس الملي وعصابة آل أسد !؟

ففقد الجيش انضباطه ، وأخلاقياته ، وأصبحت مهمته - بعد أن أُعطي له في لبنان وسورية صلاحيات في السلب والنهب والقتل - أصبحت مهمته تمشيط المدن ، وإسكات أي صوت يعارض النظام القائم على أسس طائفية مقيتة متخلفة !؟

وبكل الحزن والأسى - مرة أخرى - أصبحت تتأذى ، وأنت ترى جيش البلاد يقتل بلا رحمة ولا إنسانية ، أبناء الشعب الذين يدفعون له رواتبه وثمن أسلحته !؟

وأصبحت ترى أبناء الشعب المقهور ، المُفترض فيهم أن يحبوا جيشهم ، ويعتزوا به ، يقاتلونه ، ويُعبّر بعضهم - بعفوية عن كرهه له ، فيضربون ويصفعون ويبصقون على الضباط والطيارين الذين يقعون في أيديهم !؟

أليس ذلك محزناً، ويجعل الإنسان السوري يحس بالكآبة والإحباط والألم !؟

أيها المخططون لهذه الطائفة ! أي جريمة ارتكبتم ، وأي شرخ في بلادنا الحبيبة اقترفتم !؟

قاتلكم الله على مافعلتم ! ولن يحيق المكر السيء إلا بأهله !

سيتعافى هذا الوطن ، وستلتئم جراحاته ، ولكنكم ستحتاجون إلى إعادة تأهيل إنساني ، ووطني ، واجتماعي ! كي تستطيعوا العيش مع الآخرين !؟

======================

لأمر ما جدع قصيرٌ أنفه !؟ العائدون إلى حضن النظام نموذجاً .. يحيى حاج يحيى

الحكاية تاريخياً : أراد جذيمة الأبرش الأزدي ملك الحيرة وماحولها الزواج من ابنة الزباء ! فطلبته ، فجاء إليها ، فغدرت به !؟ ونجا قصير منها ، فأراد الانتقام منها ، فجدع أنفه ( الجدع : قطع الأنف والأذن ) وأتاها قائلا ً : إن ابن أخت جذيمة نقم علي ، لأنني أشرت على خاله بأن يأتيك  ! وطلب منها أن يبقى عندها ، فأعطته مالا ً يتاجر لها به ، حتى تمكن من كل مالها !؟ فذهب إلى عمرو ابن أخت جذيمة ، فجهزوا لها جيشاً من ألفي رجل مسلحين ، فحملوهم في توابيت ، وأتوها ، فقتلوها !؟

فقيل : لأمر ما جدع قصير أمره !

ولأمر ما جاء كثيرون إلى صفوف الثورة ، ولكنهم في الواقع لم يغادروا حضن الاحتلال الطائفي  

في التاريخ المعاصر : دخل الرائد النصيري محمد النبهان مع الضباط الوحدويين الناقمين على سرقة البعث لانقلاب آذار  ، والاستئثار بالبلاد ،!؟ وادعى أنه معهم ، فقاموا بحركة عسكرية بدمشق في وسط النهار في ١٨ تموز ١٩٦٣، وساقهم بخيانته إلى السجون والمقابر !؟ ( انظر كتاب : الصراع على السلطة في سوريا : الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة ١٩٦١ -١٩٩٥، للدكتور نيقولاوس فان دوم : سفير هولانده في بغداد ثم القاهرة !

نبيكم يقول : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين !

وماأكثر جحور الباطنيين ! وماأقذر من يكمن ُ فيها !؟

فلماذا تُلدغون أكثر من مرة !؟

===============================

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com