العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03-03-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

كيف هدّدته المخابرات بقصّ لسانه؟

سليمان نحيلي

حرية برس

الخميس 28/2/2019

أن تجد امرأةٌ جثةً ساكنة معلقة بحبلٍ مربوط بحلقةٍ في السقف وقد فارقت الحياة، ثم يتبين من تحقيقات الجهة القضائية المختصة وتقرير الطبيب الشرعي أن القضية عبارة عن حادثة انتحار وأنه لا جريمة في الأمر، فهذا أمرٌ عاديّ ويحصل في عالم القضاء.

أما أن تكون تلك المرأة في الخامسة والعشرين من عمرها، ومدلاة بحبل من سقف غرفة نومها، وأمّ ٌ لطفلين أكبرهما في الرابعة من عمره، وأن يوجد “سلسالها” الذهبي مقطوعاً من رقبتها ومستقراً على الأرض بعيداً عن مكان تدلّي الجثة، وأن تظهر آثار كدمات على وجهها إضافة إلى آثار تمزق بعض ثيابها، ويحفظ القاضي ملف القضية على أنها حادثة انتحار من دون فتح تحقيق واسع لكشف القاتل وصولاً إلى تحقيق العدالة، فهذا يعني أن الموضوع (فيه إنّ) كما يُقال بالعاميّة، و(إنّ) هذه قد تظهر خفاياها إذا ربطنا تلك الحادثة بالظروف المحيطة بها.

ففي بلد مثل سوريا يحكمه نظام همّه الأول المحافظة على السلطة واستشرى فيه الفساد في كل مناحي الحياة، لا يُستغرب أن يحصل مثل هذا الإخراج الفاشل لمسرحيةِ طمسِ جناية قتلِ إنسانٍ حيّ، بطلها الفساد والاستبداد.

روى لي هذه القصةُ محامٍ زميل لي يقيم في المنزل المجاور لمنزل تلك المغدورة في إحدى قرى ريف حمص، وعلائم التّأثّر واضحةٌ جداً عليه لمصير تلك المرأة التي دُفنت هي وسر قضيتها تحت التراب.

قال زميلي إن ذلك حدث في شهر تشرين الأول من عام 2011، أي بعد اندلاع الثورة السورية بحوالى سبعة أشهر، حيث كان الحراك الثوري السلمي قد امتدّ إلى قريتنا وأصيبت الأجهزة الأمنية بالارتباك والذعر، وكان همها الشاغل كيفية القضاء على المظاهرات وصرف أنظار الناس عنها.

وتابع، أن الوقت يومها كان قبيل الظهر، “ولدى سماعي صوت امرأة مذعورة يأتي من المنزل الملاصق لمنزلي، خرجتُ مسرعاً فكانت حَمَاة ُجارتنا تقول باكية ً (إلحقو البنت ياناس إلحقوها! مشنوقة.. مشنوقة)، فدخلتُ إلى البيت خائفاً لأتفاجأ بجارتنا تتدلّى من حبلٍ مربوط بحلقة في سقف غرفة النوم وقد فارقت الحياة”.

وعلى الفور ذهبت بسيارتي إلى مخفر الشرطة في القرية وأعلمت رئيس المخفر الذي اتصل بمدير الناحية مباشرة، ولم يستمر اتصاله أكثر من دقيقتين، لتنتهي المكالمة ووجههُ مكفهر، وهو يتمتم ببعض الكلمات، وحين سألته عما به، قال لي إن ّمدير الناحية وبخه وقال له: (هلق وقتك، خلّيهم يلتهو عنّا ببعضهم يافهمان، إن شاء الله يذبحوا بعضهم).

ثم عدتُ وكان كثير من أهالي القرية قد تجمعوا قرب منزل المغدورة لدى شيوع الخبر منتظرين مجيء الشرطة.

وبالرغم من أن الناحية لا تبعد عن قريتنا سوى 5 كيلو مترات، إلا أنّ القاضي والطبيب الشرعي ومدير الناحية لم يحضروا إلا بعد مضي 5ساعات، رغم أنه من المفترض أن يحضروا بأقصى سرعة نظراً إلى وجود جثة؛ من أجل القيام بواجبهم بالكشف على مكان الحادثة وعلى الجثة وتحديد سبب الوفاة وإجراء مايلزم من تحقيقات وسماع الشهود.

وبحكم كوني أول من شاهدَ جثة جارتنا، ولكوني محامٍ دخلت على القاضي ومرافقيه في أثناء إجراء الكشف وقلت للقاضي: “بعد إذنك حضرة القاضي أحبّ أن ألفت انتباه حضرتكم إلى مكان وجود ’سلسال’ المغدورة بعيداً عن مكان تدلي جثتها في الغرفة، وإلى الكدمات التي تظهر على وجهها وتمزق بعض ثيابها، وهذه كلها وقائع تدلّ على عنف تعرضت له المغدورة قبل الشنق، الأمر الذي يشير إلى جناية قتل، وهنا حملقَ القاضي فيّ وقال :(بدك تعلمني شغلي يا أستاذ ، تفضل اطلع برا)، ولم يكن أمامي إلا الامتثال إلى قرار القاضي.”

وبعد عدة أيام ولدى مراجعتي ديوان المحكمة وبحثي في سجل القضايا المحفوظة بشأن يتعلق بدعوى لي، شدّ انتباهي اسم جارتنا المغدورة، وقد كُتبَ على السجل إلى جانب اسمها في حقل الملاحظات: (حُفظت القضية لعدم وجود جرم كون الحادثة انتحار).

ومن خلال أحد الموظفين في المحكمة اطلعتُ على الملف بسرعة، وكانت الصدمة صاعقة حين لم أجد الملاحظات التي أشرتُ بها إلى لقاضي يوم الحادثة، التي ترجح وجود جناية قتل لا انتحار، وطردني لأجلها متذرعاً أنني تطاولتُ على وظيفته ومنصبه.

ولكن المفاجأة الأخرى كانت عند استدعائي إلى أحد الفروع الأمنية وحينما اتهمني المحقق أنني من قتلت المغدورة جارتي تخلّصاً منها بعد أن علمتْ بانتمائي إلى تنسيقية الثورة في القرية.

ولدى إنكاري ذلك قال لي المحقق: (إذاً يا أستاذ يا عاقل، موضوع جارتك لا تجيب سيرتو على لسانك أحسن ما نقصّه لك).

هكذا حُفِظَت جناية قتلٍ واضحة المعالم بكل سهولةٍ بحجة أنها حادثة انتحار، ليظل القاتل غامضاً مع أن شركاءه معروفون، لكنهم لغايةٍ فرضتها الأحداث العامة في القرية لايريدون أن يظهر وينال عقابه، وذلك لإشغال الناس بهذه الحادثة عن المطالبة بالحرية.

==========================

موقفنا : ماذا وراء دعوة بوتين إلى مجموعة دولية لصياغة الوضع النهائي في سورية !؟

زهير سالم

٣/٣/ ٢٠١٩

مركز الشرق العربي

هل مسار سوتشي واستانة وصل إلى غايته ؟ وهل الانتقال إلى المجموعة الدولية يعني التخفف من الدورين التركي والإيراني وتقليصهما ؟ التخفف من الدور الإيراني مفهوم ، تلبية للطلب الصهيوني والأمريكي ، والتخفف من الدور التركي مفهوم لتسهيل الولادة المستعصية للمنطقة الآمنة بين الشعب الثلاث روسية مع حليفها الأسدي وأمريكا مع حليفيها الأوربي والكردي ، ثم تركية مع معادلة أمنها القومي . السؤال الأهم هل ستلتقط الولايات المتحدة عرض بوتين فتخرج هي الأخرى من أزمتها في وعد الانسحاب الذي ارتجله ترامب ثم علق به ؟

ثم المهم في هذا العرض أمران

هل لهذا العرض علاقة بالدور الصهيوني في المنطقة وأي اقتران كان بين زيارة نتنياهو لموسكو وهذا العرض؟

ثم أين كان بشار الأسد في سياق هذا العرض حيث يبدو حسب تصريح الجعفري في مجلس الأمن أن يشار الأسد سمع بالخطة الروسية من الإعلام فقط وهذه حقيقة يجب أن يعيها المنحبكجية جيدا ..وكما أتساءل عن دور بشار الأسد في الحل النهائي في سورية والذي ظهر في الأيام الأخيرة كرة تتقاذفها أقدام اللاعبين بين تل أبيب وطهران ؛ إذ أن موسكو لم تعد في هذه المرحلة من الصراع غير وسيط .. يجب أن نتساءل أيضاً عن دور هؤلاء الذين من المفترض أن يمثلوا أحرار السوريين .

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

الرئيس العاري والسيادة الوطنية

خالد المطلق

سوريا تي في

الخميس 28/2/2019

عودنا الأسد الأب على الكثير من الشعارات الرنانة التي تمجد الوطن والدفاع عنه والتضحيات الجسيمة التي قدمت ويجب أن تقدم من أجله، وبنفس الوقت كانت المحادثات واللقاءات السرية تجري على قدم وساق مع أعداء الوطن، وهذا كله كان تحت غطاء إعلامي محكم التوجه قوي النبرة، يتلاعب بمشاعر الشعب المستعد لتقديم كل التضحيات من أجل هذا الوطن الذي تم استخدام الشعارات الرنانة ذريعة لتمرير المؤامرات عليه وتمزيقه وبيعه في سوق السياسة الدولية، فكم من الأفواه أُسكتت؟ وكم من الرجال اعتقل ونُكِل به؟ وكم من التُهم المعلبة الجاهزة التي رُفعت في وجه أبناء هذا الوطن بحجة النيل من الشعور الوطني والمساس بهيبة الدولة والرئيس الساهر على حماية الوطن؟ وكم من أموال وخيرات هذا الوطن المكلوم تم نهبها بحجة تعزيز جيش الوطن لحمايته وللأسف اكتشف أبناء هذا الوطن بعد فوات الأوان بأنها وضعت في بنوك دول من المفروض أنها من ألد أعداء هذا الوطن لتستخدم هذه الأموال والودائع في تنمية وتقدم وازدهار شعوب هذه الدول وليبقى شعب وطننا المنهوب يرزح تحت نير الفقر والتخلف والجهل.

لا شك أن السياسة التي نفذها الأسد الأب نجحت إلى حد ما في إسكات أصوات المجتمع السوري بأكمله، إلا قلة قليلة تم نفيهم خارج البلاد وبالتعاون مع الدول التي احتضنتهم، حيث تمت السيطرة عليهم بشكل كامل ولم نعد نسمع أي حراك سياسي خارج سوريا حتى جماعة الإخوان المسلمين أصبحوا يستجدون التقارب مع الأسد الأب دون أي مقابل، لعله يعفو عنهم ويسمح لهم في زيارة مدنهم وبلداتهم التي دمرها الطاغية وأعاد بناءها

سياسة القبضة الحديدية التي طبقها ونجح فيها الأسد الأب وبشكل منقطع النظير هي السمة الأكثر وضوحًا في فترة حكمه

وفق متطلبات مصالحه، وبهذا استطاع حافظ الأسد أن يسيطر على الشعب السوري وجميع مفاصل الحياة في سوريا طوال فترة حكمه تارة عبر كل أنواع وأساليب الخداع الإعلامية وتارة أخرى، من خلال أسلوب كم الأفواه عن طريق أجهزته الأمنية التي لم تترك طريقة أو أسلوب من أساليب البطش إلا واستخدمته ضد كل من يتحدث حتى بكلمة تمس النظام وأجهزته الأمنية، وكثيرًا من الأحيان كان يحاسب المرء على النية التي يمكن أن يبيتها في ذهنه ويمكن أن نقول أن سياسة القبضة الحديدية التي طبقها ونجح فيها الأسد الأب وبشكل منقطع النظير هي السمة الأكثر وضوحًا في فترة حكمه، إلى أن جاء الأسد الابن الذي رفع شعار الإصلاح ومكافحة الفساد وسمح لِمن يريد من السوريين أن يُشكل الأحزاب ويمارس حياته السياسية دون قيود.

وظهر على إثر ذلك الكثير من الأحزاب، سرعان ما تبين أنها أحزاب صورية أُسست في محاولة فاشلة لإظهار الأسد الابن بأنه راعي الحريات والديمقراطية في البلد، وهذا ما دعا الحزب الوحيد المنظم وهو الإخوان المسلمين إلى إعادة محاولة التقرب من الأسد الابن طمعًا في إعادة ترتيب أوراقهم من جديد، لكن سرعان ما بدأ التضييق على من صدّق هذه الأكاذيب وتم اعتقال الكثير من أعضاء هذه الأحزاب حتى الأحزاب التي تم تشكيلها من بعض أجهزة المخابرات، وقاد هذه الأحزاب أشخاص مقربون من السلطة لم تسلم من هذا التضييق، وتم تفريغ هذه الأحزاب من محتواها الفارغ أصلًا خوفًا من توسع هذه الظاهرة، وبهذا أصبح الأسد الابن مكشوفًا أمام الطبقة السياسية المهترئة أصلًا وأصبح الكثير لا يثق بهذا الرجل، وكثير من تصرفاته وتصريحاته أصبحت مبعث للاستهزاء والسخرية، وبهذا كُشف بشار الأسد على حقيقته التي لم يستطع التغطية عليها طويلا بعكس أبيه الذي استطاع أن يحكم سوريا حتى أثناء مرضه في سنواته الأخيرة بقبضة حديدية مرعبة.

ونتيجة إرهاصات تسلم بشار الأسد الحكم طوال عشر سنوات حكمه والتي لم يقدم من خلالها للشعب السوري أي إنجاز يذكر أو حقق أي وعد من الوعود التي صدع رؤوس الناس فيها، ولم يكتف بذلك بل جر سوريا والشعب السوري إلى مصائب كان أولها قضية مقتل الحريري الذي نتج عنها خروج مذل للجيش السوري من لبنان، وتبع ذلك ازدياد مُعاناة الشعب السوري وتفاقم وضعه الاقتصادي والذي ترافق مع ازدياد كبير وغير مسبوق في بطش الأجهزة الأمنية، وانتشار الفساد في كافة دوائر الدولة إلى درجة مرعبة، وطوال هذه الفترة لم يخرج بشار الأسد من مصيبة إلا وقع في مصيبة أخرى وجر معه الشعب السوري إليها، حتى وصل الشعب السوري إلى درجة الانفجار في محاولة للحفاظ على ما تبقى من كرامته، لكن الأسد الابن وكما هو متوقع ونتيجة العنجهية والغرور المرضي المصاب به هذا الرجل واجه المظاهرات السلمية كما هو معروف بالحديد والنار، ونكّل وقتل وشرّد أغلب الشعب الذي من المفروض أنه شعبه، وجلب العصابات والمافيات والميليشيات لمساعدته في إخماد الثورة لكنه فشل، ولهذا استعان بنظام الملالي الإيراني الطامح إلى إكمال سيطرته على ما يسمى الهلال الشيعي الممتد من طهران عبر العراق إلى سوريا ومن ثم إلى لبنان، لكنه أيضا فشل وبدأ حكمه يترنح تحت ضربات الثوار والصمود الأسطوري لشعبنا وأهلنا، على الرغم من استخدام كل أنواع الأسلحة حتى المحرمة منها دوليًا وارتكاب الغزاة لكثير من المجازر لكنهم لم يفلحوا في هزيمة الثورة والشعب السوري الثائر، وهذا استدعى أيضًا تدخل حليفه الرئيسي الروسي الطامح إلى تحقيق مصالحه في شرق المتوسط آخر نقطة له في هذه المنطقة، ومع ذلك فشل كل هؤلاء في إخماد الثورة والسيطرة حتى على شبر واحد من المناطق المحررة، وهنا لجأ داعمو الأسد وأصحاب القرار في العالم ممن ثبت أنهم وراء كل مصائب الثورة والشعب السوري الثائر إلى شراء ذمم قادة الفصائل في المناطق المحررة وكما هو معروف تم تسليم المنطقة تلو الأخرى وفق مسرحيات هزلية ومؤتمرات صورية اشتركت فيها مجموعة من المرتزقة لم يكلفهم الشعب السوري في تمثيله بل هم ومن نصب نفسه بل نصبته أجهزة المخابرات العربية والإقليمية ممثلا لهذا الشعب وثورته وحصل ما حصل.

وبنظرة سريعة للقوات والدول الفاعلة على الأرض السورية نجد أن عددها يتجاوز الخمسة أو أكثر، ومن المعروف أن هذه الدول عمدت إلى عقد المؤتمرات والاجتماعات حول سوريا والتي لم يحضرها ممثل واحد عن الشعب السوري وحتى عن نظام الأسد وبهذا يصبح كما هو واضح القرار الوطني مسلوبا ومصالح الشعب السوري وثورته في مهب الريح كي يستفاد من ذلك مجموعة من المنتفعين الباحثين عن مصالحهم الفردية والحزبية فقط وآخر ما يفكرون به مصلحة بلدهم وشعبهم ونجاح ثورته، وبالمقابل نجد بشار الأسد من جانبه قد أصبح مسخرة تتبارى كل الأطراف على إهانته وخاصة داعميه ومن كانوا سببا في بقائه حيًا هو وعصابته حتى الآن.

 وظهر هذا واضحًا جليًا من خلال تسريب بعض الصور المُذلة له أمام الرئيس الروسي في مطار

في سابقة لم تحدث عبر التاريخ وصف بشار الأسد بالحيوان وصحيفة لحليفه الروسي وصفته بذيل الكلب وهذا الوصف والنعوت المهينة المذلة لم يتلقاها رئيس في العالم عبر التاريخ

حميميم  بعد خطابه الأخير الذي تهجم به على الرئيس التركي الحليف الأقوى لروسيا في هذه المرحلة لتأتي الصفعة مؤلمة لمن به إحساس وشعور، وأعتقد أن هذا الرجل لا يملك هذا أو ذاك ومن المضحك المبكي معًا أنه يخرج ويتحدث عن الوطن والوطنية!، وهذا غيض من فيض الوصف الذي وصف به هذا المعتوه فالرئيس الأميركي ترمب وفي سابقة لم تحدث عبر التاريخ وصف بشار الأسد بالحيوان وصحيفة لحليفه الروسي وصفته بذيل الكلب وهذا الوصف والنعوت المهينة المذلة لم يتلقاها رئيس في العالم عبر التاريخ ناهيك عن استدعائه على إحدى طائرات الشحن لأكثر من مرة للقاء الرئيس الروسي وأخيرًا وليس آخرًا زيارته المفاجئة إلى طهران ولقائه بمرشد الثورة الإيرانية وإن كانت هذه الزيارة كما أعتقد رسالة من الأسد للعرب والروس والأميركان بأن قراره النهائي هو الالتصاق والتحالف الوثيق مع نظام الملالي في إيران والتخلي عن العرب والروس.

ومن الممكن أن نقول من خلال ما يحدث بأن المجرم أصبح في خبر كان ولن يستمر طويلًا، وكل ما يقوم به ويصرح به إنما يدل وبشكل واضح على فقدانه السيطرة على مؤسسات الدولة وخاصة العسكرية والأمنية والتي أصبحت منقسمة إلى قسمين رئيسيين الأول يتبع بأوامره للروس والثاني للإيرانيين، والصراع بينهما أعتقد أنه في مراحله الأولى وسيتطور إلى حرب يمكن من خلالها تدمير العاصمة دمشق على رؤوس ساكنيها وهذا ما يسعى له الإيرانيون وأعتقد أن هذا ليس ببعيد، ليسجل التاريخ أن الدولة السورية حكمها طوال عشرين عامًا رجل مريض نفسيًا لا يصلح أن يقود نفسه فكيف استطاع أن يستمر في الحكم طوال هذه الفترة لولا الضوء الأخضر الذي أخذه من مشغليه وفسره هو بغباء بأن هذا الغطاء لحمايته وحماية حكمه ومن خلاله يمكن أن يستمر في حكم سوريا إلى الأبد لكن لم يكن يعرف أن من حماه وأعطاه الضوء الأخضر لتدمير سوريا وقتل شعبها إنما أراد أن ينفذ مخطط تفتيت هذه الدولة وشعبها الذي يعرف هؤلاء بأنها الدولة الأقوى في المنطقة والشعب الأعظم من بين الشعوب العربية والإسلامية.

==========================

مناورات واشنطن بين طمأنة الحلفاء وفرض المنطقة الآمنة

 يمان دابقي

جيرون

الاربعاء 27/2/2019

يبدو أن الإدارة الأميركية تتهيأ لفرض أجنداتها في شمال شرق سورية، من منظور حماية مصالحها أولًا، ثم استرضاء حلفائها ثانيًا، بهدف استدراك الوضع الملتهب قبل الانفجار، ولا سيّما بعد التفجيرات التي حدثت في منبج والشدادي، وكشفت عن هشاشة أمنية لدى (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) في ضبط الوضع والسيطرة.

وبعد أن شهدنا بعض المناورات من قبل الفواعل الدولية في المنطقة (تركيا، روسيا، إيران) في التحضير لملء الفراغ والنقاش حول مفاهيم “المنطقة الآمنة”؛ تبين أن جميع السيناريوهات أجهضت بعد ردة فعل البنتاغون الذي استطاع تصحيح مسار قرار ترامب، من الانسحاب إلى البقاء، وإدارة المنطقة من الخلف، وعدم ترك أي فراغ لأي تحرك تركي أو روسي.

في مؤتمر ميونخ المنعقد في دورته الـ 55، منتصف شباط/ فبراير الحالي، أعادت الإدارة الأميركية النظر في مضمون قرارها، وأفصحت بعض الشيء عن ماهية استراتيجيتها في سورية، خصوصًا أنها تتهيأ لإعلان الانتصار الأخير على تنظيم الدولة (داعش) والتحضير لما بعده، مع الإشارة إلى أن الغموض ما يزال يلف مصير المفقودين والمقاتلين الأجانب وأعدادهم الحقيقة.

وبغض النظر عن كل ذلك، أفصح نائب الرئيس الأميركي مايك بنس عن رغبة أميركا في إنشاء قوة مراقبة دولية، في شرق سورية، بمساعدة الحلفاء (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) وهو الأمر الذي لاقى رفضًا أوروبيًا لأن تلعب دور الفصل بين الأتراك والأكراد، من دون وجود الأميركان، فكان الرد حازمًا: “أتينا معًا وسنخرج معًا”. ووسط سعة التباينات الأوروبية الأميركية، كانت الإدارة الأميركية تقوم بإعادة تقييم جديد لما بعد (داعش) ويبدو أنها ارتأت ضرورة طمأنة الحلفاء، ومن ضمنهم ذراعها (قوات سوريا الديمقراطية) وتركيا التي لطالما تاجرت معها بالوعود، بدءًا من اتفاق منبج وصولًا إلى المراوغة في إنشاء المنطقة الآمنة التي دفعت تركيا إلى التشاور مع موسكو، في قمة سوتشي 23 كانون الثاني/ يناير الماضي، كمحاولة لنزع تأييد التوجهات التركية في شرق الفرات. وهنا يبدو أن موسكو أضاعت فرصة ذهبية، فبدلًا من أن تعزز مسار علاقاتها مع تركيا وتسحبها رويدًا رويدًا من مظلة حلف الناتو؛ وضعت فيتو أمام تركيا في شرق الفرات، من خلال تدوير اتفاق أضنة 1998 وشرط التطبيع مع النظام السوري، لكن تركيا تمسكت بالثوابت الاستراتيجية تجاه أمنها القومي، وتركت الباب مفتوحًا لموسكو لقمم أخرى.

على الطرف الآخر، يبدو أن أميركا لم تعد راغبة في التنازل لتركيا بمنحها ضوءًا أخضر لإنشاء المنطقة الآمنة وإنهاء قوات (قسد)، كما أنها لم تبدِ أي اهتمام لمبادرات أخرى، كمقترح أحمد الجربا بدمج قوات البرزاني مع “قوات النخبة” لتحقيق الانتشار في الشريط الحدودي، كذلك قوبل موضوع المصالحة بين الأكراد والنظام مؤخرًا بموقف صارم من قبل واشنطن، التي هددت -على لسان بعض المسؤولين- بوقف الدعم عن الأكراد، إذا حدث أي اتفاق كردي مع النظام وروسيا للتحرك في شرق الفرات.

في السياق، ظهرت، عشية 22 من الشهر الحالي، ملامح اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وتركيا، عقب إعلان البيت الأبيض فحوى مكالمة هاتفية، جرت بين الرئيسين رجب طيب أردوغان ودونالد ترامب، إذ أكد الطرفان مواصلة الجهود في تنفيذ الانسحاب الأميركي من سورية المقرر 30 نيسان/ أبريل من العام الجاري، إضافة إلى مواصلة التنسيق في إنشاء المنطقة الآمنة، وتسريع خطوات تنفيد اتفاق منبج، وأضافت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز أن الولايات المتحدة ستبقي مجموعة من قواتها لحفظ  السلام بتعداد 200 مقاتل في شرق الفرات، ومثلها في قاعدة التنف في الحدود العراقية السورية الأردنية لبعض الوقت، وبدا ذلك أنه رسالة طمأنة للحلفاء الأوروبيين، مفادها أن واشنطن لن تتركهم بمفردهم في سورية، وستؤمن لهم كامل الدعم اللوجستي والمعنوي لقواتهم بهدف إبقاء قواتهم، ما يرشح أن أميركا قامت بعملية استدارة كاملة، برفض توكيل ترتيب المنقطة لتركيا أو لحلفائها بشكل كامل، واختارت هي أن تفرض المنطقة العازلة لإبقاء الوضع تحت السيطرة، بشكل يتناسب مع أهدافها الاستراتيجية في سورية. إزاء هذه التطورات يمكن استشراف أهداف واشنطن من الخطة الأخيرة كما يلي:

1 – منع ظهور (داعش) وضبط السيطرة

ترغب واشنطن، من خلال فرضها وإدارتها المنطقة الآمنة أو العازلة، في ضبط الوضع الأمني في المنطقة، منعًا من ظهور تهديدات جديدة، سواء من عناصر التنظيم الهاربين أو ظهور تنظيمات جديدة، قد تشكل بدورها خطرًا على الأمن القومي أو تعرقل أي صيغة أمنية لترتيب وضع شرق الفرات، بعد سحب 2000 مقاتل أميركي، ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يترتب على الإدارة الأميركية -حسب وجهة نظرها- عدم التخلي عن (قوات سوريا الديمقراطية) واستمرار دعمها لها، وتمكينها -أمنيًا ولوجستيًا- لإدارة المنطقة عبر اللامركزية الاتحادية، وإسنادها من خلال قوات حلفائها الفرنسيين والبريطانيين لحمايتهم من أي استفزازات تركية.

2 – تعزيز العلاقة مع الشريك التركي وقطع الطريق على موسكو

إن مؤشر إبقاء جزء من القوات الأميركية في المنطقة، وإعلان تركيا وأميركا تعزيز العلاقات الأمنية في المنطقة، ورفع مستوى التعاون الاقتصادي المتبادل، ووعود جديدة في تطبيق اتفاق منبج، يُفصح عن اتفاق غير نهائي بين الطرفين، ينبع من سعي البلدين لإعادة بناء الثقة، وقد بدا من خلال كلام وزير الخارجية التركي الذي رحب بالتفاهم الجديد، أن تركيا ستحصل على ضمانات جديّة من واشنطن، تسمح لها بحماية أمنها القومي، فعلى الرغم من رغبة واشنطن في عدم التخلي عن وحدات الحماية؛ يبدو أن لدى تركيا مقاربة جديدة للتعامل مع الحدث الجديد، تبدأ من خلال تنفيذ اتفاق منبج، وسحب السلاح من (قسد) وتحجيمهم، وفي الوقت نفسه سيكون لها دور كبير في إدارة المنطقة الآمنة أو العازلة، مع ذلك من غير الواضح مدى التعويل على الوعود الأميركية، ولا يجدر بتركيا الاتكاء عليها، كما حصل معها في العديد من المرات، مع وجود عنصر التراجع والمفاجأة، ومع ذلك فإن تركيا مضطرة إلى التماشي مع هذه الوعود، في ظل تقليص خياراتها أمام حالة الاستعصاء الماثل بين تخلف أميركي واستفزاز روسي بورقة إدلب. كذلك يمكن للإدارة الأميركية -في حال أثبتت صحة وعودها لتركيا- تقليل التعاون الروسي والتركي، وإغلاق باب التعاون مع النظام السوري والأكراد الذين رحبوا ببقاء القوات الأميركية، كما جاء على لسان عبد الكريم عمر، أحد مسؤولي العلاقات الخارجية في المنطقة التي تسيطر عليها (قوات سوريا الديمقراطية).

3 – طمأنة الحلفاء الأوروبيين

المقاربة الأميركية الجديدة قد تتجه أيضًا إلى فرض حظر جوي على المنطقة المختارة، بهدف تبريد مخاوف الأوروبيين وحثهم أكثر على البقاء، إذا ما كانوا يرون أن تنظيم (داعش) لم ينته. ومع إبقاء تلك القوات في قاعدة التنف؛ سيكون قرار ترامب قد تحوّل فعليًا، من الانسحاب إلى إعادة الانتشار والتموضع، مع التنبيه إلى أن الأرقام التي أعلنتها أميركا 200 بـ 200  قد لا تكون دقيقة، ربما يكون الرقم أكبر من ذلك بكثير، لكن الدافع الانتخابي لترامب يُحتم عليه تنفيذ وعده بإعادة بعض الجنود إلى الداخل الأميركي، وعلى الرغم من وضوح المشهد الحالي، فإن خيارات الموقف الأوروبي ما تزال غير واضحة، فبعد الرفض والاستياء؛ حوّل ترامب الكرة مرة أخرى إليهم في انتظار ردهم على محاولة الاسترضاء التي طرحها البنتاغون كتصحيح عن خطيئة ترامب.

في المحصلة؛ يبدو أن قرار ترامب الانسحاب من سورية سيُحقق جملةً من الأهداف، فقد أدى القرار إلى انكشاف استراتيجيات الحلفاء والأعداء، أمام صناع القرار داخل البيت الأبيض الذي عمل على البناء عليها، ورسمَ سيناريو آخر للمنطقة، يصب في مصلحتها على وجه الخصوص، ويقطع الطريق أمام الجميع الذين أضاعوا وقتًا كافيًا في وضع تقديرات لما بعد الانسحاب.

==========================

في تذكّر وحدة مصر وسورية

عبد اللطيف السعدون

العربي الجديد

الاربعاء 27/2/2019

بعد أكثر من ستة عقود على إعلان وحدة مصر وسورية، يصبح الحديث عنها ضربا من النوستالجيا الحالمة بزمان عبر، ولم يعمّر الحدث، بعظمته وعنفوانه، أكثر من ثلاث سنوات وسبعة أشهر، كانت حافلة بالآمال الكبار، وأيضا بالعواصف التي أخذت من عظمتها وعنفوانها، حتى أردتها قتيلةً ليس بأيدي خصومها الذين تنكّروا لها منذ إعلانها فحسب، وإنما أيضا بأيدي دعاتها وأصدقائها الذين ساهموا في ولادتها، وتحمّسوا لها ثم تنكّبوا الطريق، وتربّصوا فرص الإيقاع بها، مستغلين أخطاء رجالها، وبعض الأخطاء صارت خطايا. وجاء انقلاب الانفصال، ليثير الأسى في نفوس من رأى فيها تحقيقا لهدف كبير، ناضلت من أجله أجيال. بعد تلك العقود، انكشفت وقائع كثيرة ظلت غائبة عن العيون زمنا مديدا، ولبعضها ما يستدعي هذه الحاشية، للتأشير عليها، لعل الاعتبار بها يكون ممكنا.

واحدة من تلك الوقائع المهمة أن الرئيس جمال عبدالناصر كان الوحيد من بين الذين تفاوضوا وتبادلوا وجهات النظر في ولادة الدولة الجديدة، ومن بينهم الضباط السوريون الكبار الأربعة عشر الذين جاءوا القاهرة، داعين إلى إقرار الوحدة "قبل أن تضيع سوريا"، الذي أدرك المسار مبكّرا، وتنبأ بحصيلة ما قد يحدُث، لكنه لم يشأ أن يسجل التاريخ عنه أنه رفض قيام الوحدة وأضاع سورية. وبحسب ما قالته ابنته هدى، إنه صارح الضباط الذين جاءوا من دون معرفة حكومتهم بالغاية من سفرهم بوجهة نظره، أن يتم طرح مطلب الوحدة عبر المؤسسات الدستورية، مقترحا البدء بوحدةٍ عسكريةٍ وسياسيةٍ وثقافيةٍ على مدى خمس سنوات مرحلة انتقالية، قبل أن تتم الوحدة الدستورية الكاملة. ولو تم فعل ذلك، لربما نجت دولة الوحدة من الفخاخ التي نصبت أمامها، ولاستقر الشكل الدستوري على النحو الذي يضمن سلامة الدولة الجديدة وتقدمها.

اتسمت رؤية عبد الناصر تلك بالوضوح، فيما لم يكن في أذهان من تفاوض من السوريين، وبينهم قيادات بعثية وازنة، مشروعٌ مكتملٌ لدولة الوحدة، أو حتى رؤية واضحة في كيفية توزيع السلطات وإدارة الدولة، ربما لقصور تجربتهم العملية أو عجزهم عن قراءة ما يدور من

"القوتلي لعبد الناصر: سلمتك ستة ملايين سوري، ثلاثة ملايين يعتبرون أنفسهم أنبياء، وثلاثة ملايين مثلهم يعتبرون أنفسهم زعماء" حولهم، أو ربما نتيجة ضغط المد الشعبي المطالب بالوحدة عليهم.

وهكذا وقعت سلطات الدولة الجديدة مبكّرا في أخطاء وخطايا جعلت السكاكين تتكاثر عليها، ولم تكن معالجتها بالسهولة التي نراها نحن، بعد تلك العقود المديدة، فقد أوجد عبدالحكيم عامر وعبد الحميد السراج في سورية "دولة عميقة" مطلقة الصلاحيات، ومنفصلة عن الناس، حولت البلد إلى سجن كبير، وأثارت السخط والنقمة. وحسب رواية هدى، فإن عبد الناصر عندما وصلت إليه أخبار هذه الممارسات لم يكن راضيا، وكان بصدد اتخاذ الإجراءات المناسبة، ولكن الأمور جرت بسرعة على نحوٍ آخر متجهة نحو "الانفصال".

يُشار في وثائق ونشريات رصدت الحالة السورية في تلك الفترة إلى عوامل أخرى ساهمت في تردّي الحال، مثل الأضرار التي أصابت الاقتصاد السوري جرّاء القرارات الاشتراكية التي لم تراع أوضاع سورية المحلية، وشعور البورجوازية الوطنية أنها ضربت في مقتل، وكذلك حل الأحزاب والتضييق على الحريات، وممارسة نوع من "الهيمنة" المصرية على كل ما يرتبط بسورية، من دون اعتبار لخصوصية وضعها ووضع أهلها.

وعلى هامش "وضع أهلها" هذا يتندّر من عاصروا التجربة، وعاشوها بروايةٍ، يُزعم أنها صحيحة، مفادها أن الرئيس السوري، شكري القوتلي، قال لعبد الناصر غداة إقرار ميثاق الوحدة: "لقد سلمتك ستة ملايين سوري (سكان سورية آنذاك)، ثلاثة ملايين يعتبرون أنفسهم أنبياء، وثلاثة ملايين مثلهم يعتبرون أنفسهم زعماء"، يضيف الراوي أن "الأنبياء" و"الزعماء" تضافروا معا لإجهاض الوحدة.

ثمّة عامل خارجي لعب دوره أيضا، تمثل في خشية قوى دولية وإقليمية، وعربية من أن تكون"الجمهورية العربية المتحدة" قادرةً على استقطاب أقطار عربية أخرى، بحيث تشكل قوة اقتصادية وسياسية، ذات تأثير وفاعلية في إقليم واعد وزاخر بالثروات، وهو ما دفع تلك القوى إلى التآمر المعلن عليها حينا، أو الكيد لها سرا مرات ومرات!

وعلى أية حال، وبعد أكثر من ستة عقود، يبقى من وحدة مصر وسورية ذلك الطعم الرومانسي الحالم الذي يذكّرنا بعروبتنا التي اهتزت على وقع تراجع الهوية القومية لبلداننا، وصعود الهويات الفرعية من طائفية وعرقية، وبفعل خطوات التطبيع والتصالح مع العدو، والسياسات الشريرة لبعض الأنظمة العربية التي فرّقت أبناء الأمة، وشرعنت الحروب بين بلدانها.

==========================

خطاب الأسد.. رئيس صالح لشعب عاطل

راتب شعبو

العربي الجديد

الاربعاء 27/2/2019

بعد ثماني سنوات من الموت والدمار وصنوف البؤس كافة، وبعد أن وصلت نسبة السوريين الذين يعيشون في حالة فقر إلى 85%، بحسب تقارير الأمم المتحدة، وبعد دمار أو تضرّر حوالي ثلث المباني، ونصف المباني المدرسية والمستشفيات، بحسب تقارير البنك الدولي، وبعد وصول المجتمع السوري إلى حضيضٍ من الإنتاج الاقتصادي، وحضيض من الانقسام الطائفي، ومن الفلتان الأمني وانتشار الجريمة، وبعد أن أصبح السوري مشرّداً ومنبوذاً في كل مكان، بما في ذلك داخل بلده، وبعد أن أصبحت سورية ملعباً للدول الصغرى منها والكبرى، لا يتردّد الأسد في القول: "ما أريد التأكيد عليه إنه لم تكن ممكنة حماية الوطن من السقوط في المحرقة التي حضرت له، لولا الإرادة الشعبية الواحدة عبر مختلف أطياف وشرائح المجتمع السوري". الوطن إذن، بعد هذا كله، لم "يسقط في المحرقة". من الواضح أن الأسد يريد القول "حمايتي من السقوط في المحرقة"، السقوط في المحرقة في نظره لا يتعلق بكل ما مرّ ويمر على سورية من مآس وكوارث، إنه يعني فقط تفكيك نظام حكمه.

في مكانٍ آخر من خطابه، وفي معرض حديثه عن اللجنة الدستورية، يفاجئنا الأسد بالقول إن هناك من الشعب السوري من "يعارض الدولة"، فيتكلم عن "الجانب الآخر من الشعب السوري الذي لا يوافق على وجهة نظر الدولة"، لكي يقول إن الثلث "المعارض" من لجنة صياغة الدستور المقترحة لا يمثلون هذا الجانب، وهم "طرفٌ عميل" لا أكثر. نحن لا ندافع عن هذا الطرف، وسوريون كثيرون لا يجدون في هذا الطرف ممثلاً لهم، ويُدركون أن مؤسسات 

"السقوط في المحرقة في نظره لا يتعلق بكل ما مرّ ويمر على سورية من مآس وكوارث، إنه يعني فقط تفكيك نظام حكمه" المعارضة السورية لا تملك من أمرها الكثير، تماماً كما لا يملك نظام الأسد من أمره الكثير، لكن لا يقول لنا الخطاب كيف يمكن، إذن، تمثيل "هذا الجانب من الشعب السوري الذي لا يوافق على وجهة نظر الدولة"؟ وأين هو من يمثله؟ وهل يمكن، في دولة الأسد، أن يوجد ممثلٌ لجانب من الشعب السوري "لا يوافق على وجهة نظر الدولة"، من دون أن يكون عميلاً؟

قد يستغرب المرء كيف يفسح منطق الأسد مكاناً لوجود "هذا الجانب من الشعب السوري"، ولكن القصد من قوله هذا لم يكن إقراراً بحقيقة وجود انقسام سياسي في المجتمع السوري، بل القصد هو تجريد المعارضين (هكذا بالجملة ومن دون تحديد ومن دون حتى ذكر المفردة المرذولة نفسها) من أي تمثيل، تمهيداً لوصفهم عملاء. لا بأس، طبيعي أن يكون هناك انتهازيون وفاسدون وعملاء في أي حركةٍ سياسيةٍ، وطبيعي أن يكثر هؤلاء حين تتعرّض الحركة السياسية المعارضة إلى آلة إنكار وإبادة سياسية وفيزيائية، كما شهدنا في سورية، وطبيعي أن تتوفر في صفوف هذه الحركة كل صنوف القذارات السياسية. ولكن تماهي الحركة بهؤلاء الأشخاص يعني أنك ضد معنى الحركة أصلاً، ولست ضد الأشخاص القذرين فيها، بل يعني أنك أقرب إلى هؤلاء الذين يتيحون لك، بقذارتهم السياسية، أن تستخدمهم وتعمّم صورتهم، لطمس معنى الحركة المعارضة بالجملة، ويعني أخيراً أنك تهييء الوطن "لمحرقةٍ" مستمرة.

يستنفر خطاب الأسد اللغة لاحتقار السوريين، والحط من قيمتهم، سواء من منهم في صف "الإرادة الواحدة" أو من منهم في الصف الآخر المرذول. لا يوفر الخطاب مفردة سيئة: "سماسرة، رخيصون، خونة، ازدراء، احتقار، غدر، غش، نفاق، عميل، مرتزق، نفوس مريضة، حقد، جهل، فساد، قلة أخلاق، أنانية، ذل، هوان .. ". أن تأتي هذه المفردات على لسان أعلى سلطةٍ في النظام هذا يعيد التأكيد، لمن لا يزال بحاجةٍ إلى تأكيد، على أنه لا اندمال للجرح السوري في استمرار نظام الأسد الذي لا يكفّ عن زرع الشقاق في صفوف الشعب، والاستثمار في هذه الشروخ.

لدينا، في الداخل، "الفساد والتعدّي على حقوق الآخرين والأنانية والغش والأمور التي نعيشها جميعاً"، وفي الخارج لدينا الخونة.. إلخ، ولكن هذا لا يمنع الأسد، مع ذلك، من القول إن "الانقسام الاجتماعي الحقيقي في سورية غير موجود"، أي إن الانقسام الذي جعل السوريين على ضفتي حربٍ مدمرةٍ لم تنته (كما يصر الأسد بحق)، وستستمر إلى أجل غير معلوم، لا بل إنها أنجبت حروباً عديدة يعدّدها الأسد كما يلي: العسكري، والحصار، والإنترنت، والفساد، نقول إن الانقسام الذي ولّد كل هذا الصراع هو، في نظر الأسد، زائف وغير موجود، لأنه لا يرى في الواقع إلا من هم في صفّه، أي "الطرف الوطني" الموحد حول قيادته، والذي ينبغي له أن يشقى ويجوع من دون أن يشكو، لكي لا يسقط الوطن في "المحرقة". أما من هم في غير صف الأسد، فهؤلاء غير مرئيين، ولا ينبغي لحذفهم من الصورة أن يُزعج أحداً، لأن في حذفهم تطهيرٌ للوطن. هكذا إذن تكون الإرادة واحدةً، لأننا لا نرى إلا إرادة من هم معنا.

يتقدّم الأسد خطوة أخرى في عرضه تصوره عما جرى في البلد خلال السنوات الماضية، فيقول: "الحرب كانت بيننا نحن السوريين وبين الإرهاب حصراً". "نحن السوريين" ضد "الإرهاب"، هذه هي معادلة الصراع في السنوات الماضية إذن. الأسد هنا يجمع كل المعارضة السورية بكل تلاوينها، ويضعها في خانة الإرهاب مجرّدة من الجنسية السورية، ليضعها مقابل 

"الانقسام الذي ولّد كل هذا الصراع هو، في نظر الأسد، زائف وغير موجود، لأنه لا يرى في الواقع إلا من هم في صفّه" "نحن السوريين". لا وجود لألوانٍ سياسية في المعارضة، لا وجود لقمعٍ سياسي متواصل ضد معارضين سوريين، لا وجود لاحتكارٍ للسلطة والثروة، لا وجود للذل الذي وصل بالسوريين إلى حد طلب الموت بدلاً عنه. في نظر الأسد، لا يوجد معارضون سوريون ديموقراطيون علمانيون، حريصون على شعبهم، وكانوا يرون، منذ زمن بعيد، إن الأسد يقود البلد إلى "المحرقة"، ولا يوجد معارضون يعملون لإخراج وطنهم من المحنة التي أوصله إليها نظام الأسد. ما يوجد هو فقط، وبكل بساطة، "نحن السوريين" ضد "الإرهاب".

كل من هو خارج (نحن) ليس إلا عميل ومرتزق وخائن ..إلخ، لكن الأسد لا يوفر هذه الـ"نحن" من التوبيخ، لأن "الحقيقة تقول إن هناك حربا وإرهابا وحصارا، وهناك قلة أخلاق وأنانية وفسادا". ماذا لنا أن نفعل أمام شعبٍ تتناهبه الخيانة والسمسرة والانتهازية والعمالة من جهة، والأنانية والفساد وقلة الأخلاق من جهة أخرى؟ لن نجد أمامنا سوى الحل الوحيد الذي يقترحه الأسد، وهو "إعادة إصلاح النفوس المريضة وتطهيرها من الحقد والجهل وزرع القيم والأخلاق فيها، وتنقيتها من شوائب الانهزامية وتشريبها بالمفاهيم الوطنية" و"إعادة بناء العقول وإصلاح النفوس".

ليس اليوم هو مجال إصلاح النفوس، لأن "التحدّي الأساسي الآن هو تأمين المواد"، كما يؤكد الأسد. الشعب جائع، وهناك نقص في الغاز والوقود وغيرها من المواد، ولا وقت الآن "للتربية الوطنية". الخطة إذن هي تكريس النفس لخوض الحروب الأربع، ثم بعد الانتصار (هل يمكن الانتصار بالنفوس المريضة والعقول التي تحتاج إلى إعادة بناء؟) سوف يتفرّغ الرئيس الصالح لإصلاح نفوس شعبه العاطل وعقوله.

=========================
إيران: الاقتصاد السوري كغنيمة حرب

علي حسين باكير

سوريا تي في

الثلاثاء 26/2/2019

في تصريح له نهاية العام الماضي، قال حسين أنصاري مستشار وزير الخارجية الإيراني أنّ بلاده لا تريد أن تتحوّل إلى مؤسسة خيرية في سوريا، وإنّها تتطلع إلى حصد الفرص الاقتصادية في سوريا لتعويض ما أنفقته، وصرّح بمثل ذلك عدد من المسؤولين الإيرانيين من بينهم يحيى صفوي الذي قال الأسبوع الماضي إنّ بلاده تريد استعادة الأموال التي أنفقتها في سوريا. وفي هذا السياق، نقلت وكالة فارس للأنباء الأسبوع الماضي عن "ايرج رهبر"، نائب رئيس جمعية المقاولين في طهران، قوله إنّ إيران أبرمت مذكرة تفاهم مع السلطات السورية تتعلق بعملية إعادة الإعمار في سوريا.

وأوضحت الوكالة نقلاً عن رهبر أنّ مذكرة التفاهم تسمح لطهران ببناء حوالي 200 ألف وحدة سكنية في سوريا، وأنّ السلطات السورية ترغب في مشاركة المقاولين الإيرانيين في عملية إعادة الإعمار المزمع إطلاقها في البلاد قريبا. وعن التكلفة المتوقعة، أشار رهبر إلى أنّ بلاده قد تؤمّن خط ائتمان جديد للنظام السوري بقيمة ٢ مليار دولار، لافتاً إلى أنّه سيُصار إلى تنفيذ مذكرة التفاهم في حدود ثلاثة أشهر على الأرجح.

تأتي هذه المذكرة في سياق سلسلة مذكرات التفاهم والاتفاقيات التي وقّعتها السلطات الإيرانية مع تلك التابعة للنظام السوري خلال الفترة الماضية ويتمحور جلّها حول الكيفية التي يمكن من خلالها للنظام الإيراني استرداد أمواله التي استثمرها في الدفاع عن نظام الأسد في المرحلة السابقة. وينظر الجانب الإيراني إلى هذه الاتفاقيات التي تحكم قبضته على

ما تريده طهران هو توطين نفوذها الأيديولوجي والسياسي والعسكري الذي بلغ أوجه في سوريا خلال السنوات القليلة الماضية

الاقتصاد السوري على أنّها بمثابة فرصة للالتفاف على العقوبات الأمريكية التي فرضتها واشنطن مؤخراً على النظام الإيراني في محاولة لدفعه لتغيير سلوكه الإقليمي.

لا يوجد أدنى شك في أنّ النظام الإيراني يبحث عن طرق لتعويض الأموال التي أنفقها على نظام الأسد، لكن اللعبة الإيرانية أكبر من أن تنظر إلى الاقتصاد السوري على أنه مجرّد أداة للالتفاف على العقوبات، فما تريده طهران هو توطين نفوذها الأيديولوجي والسياسي والعسكري الذي بلغ أوجه في سوريا خلال السنوات القليلة الماضية، وليس هناك أفضل من الشق الاقتصادي لترسيخ هذا النفوذ. وتتطلع إيران إلى التركيز على عدّة قطاعات اقتصادية داخل سوريا من بينها النفط والفوسفات والمقاولات والإنشاءات. وبالرغم من أنّ النشاط الاقتصادي داخل سوريا مقتصر بالمجمل على إيران وروسيا والصين، الاّ أنّ التنافس ليس سهلاً لاسيما فيما يتعلق بالنفوذ الجيو-اقتصادي.

في العام ٢٠١٧، وقّعت إيران وسوريا على عدّة اتفاقيات تتعلق بإعادة الاعمار وحقول النفط وشبكات الموبايل والزراعة والمناجم والفوسفات، ومن بين هذه الاتفاقات كان هناك اتفاق يقضي بإعطاء إيران مساحة على الساحل السوري لبناء ميناء لتصدير النفط، لكن هذا القرار تمّ إيقافه بضغط روسي في خطوة تعكس حجم التنافس القائم بين البلدين داخل سوريا وعليها بالرغم من التعاون القائم على دعم نظام الأسد وتثبيت سيطرته وحكمه.

هناك عدّة تساؤلات تُثار حالياً حول مصدر الأموال التي سيتم استثمارها في سوريا إذا كانت إيران تتطلع إلى ذلك فعلاً، أو إذا ما كان الأسد سيمنح الإيرانيين قطاعات بأكملها دون مقابل كتعويض عمّا أنفقته طهران في دعمه خلال السنوات القليلة الماضية. إذا ما نجح النظام الإيراني في مهمّته للاستيلاء على الاقتصاد السوري كغنيمة حرب، فإنه سيكون من الصعب جداً مستقبلاً

سيكون من المهم أيضاً الضغط على حلفاء النظام الإيراني في العراق ولبنان، ذلك أنّ الكثير من النشاطات الاقتصادية للنظام الإيراني قد تتم بالوساطة عبرهما في المستقبل

العمل على مقاومة نفوذ إيران الجيو-اقتصادي لاسيما في ظل المساعي الجديّة القائمة للربط بين مناطق نفوذ إيران من طهران إلى البحر المتوسط مروراً بالعراق وسوريا ولبنان.

هذا السيناريو يفترض تشديد العقوبات على النظامين السوري والإيراني، لمنع طهران من استخدام دمشق كأداة للالتفاف على العقوبات أولا، ولقطع الطريق على إمكانية توطين نفوذها من خلال الشق الاقتصادي ثانياً، ولتشديد الضغط على نظام الأسد الذي سيكون بحاجة إلى تدفقات استثمارية هائلة ليس لإعادة ما تمّ تدميره، بل لاحتواء المشاكل الاقتصادية المتفاقمة التي بدأ يعاني منها في مناطق سيطرته أيضا. وفي هذا السياق، سيكون من المهم أيضاً الضغط على حلفاء النظام الإيراني في العراق ولبنان، ذلك أنّ الكثير من النشاطات الاقتصادية للنظام الإيراني قد تتم بالوساطة عبرهما في المستقبل.

==========================

متى ستغادر جبهة النصرة المشهد؟

عمار ديوب

العربي الجديد

الثلاثاء 26/2/2019

قبل بضعة أشهر، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) انتهى. وفي 15 فبراير/ شباط الجاري، عُمّم إعلامياً أن المعركة حُسمت ضده. على الرغم من ذلك، سرّبَ الإعلام أن "داعش" ما زال حيّاً يرزق في بادية السويداء! مشهد آخر: شاهدنا صوراً آتيةً من إدلب تظهر مسحاً لعبارات "الجهاد باب من أبواب الجنة، والحجاب يا فتاة الإسلام، والصلاة يا شباب الإسلام، والشيعة أعداء الشام".

تُغيِّرُ هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) جلدها، وفقاً لقراءتها الشروط الإقليمية والرسائل التي تصل إليها تباعاً من تركيا. وشطبها السابق هذا يوضّح أنّها مجبرةٌ عليه، وعلى تغيير رؤيتها بالكامل، وحدث ذلك بالتزامن مع اجتماع الدول الضامنة لاتفاق إدلب في سوتشي، وعلى وقع التهديد الروسي باجتياح إدلب في الأيام الأخيرة، والتهديد بأن المدينة أصبحت تحت حكم "القاعدة"، ولا بد من إنهاء الإرهاب فيها. ربما فهمت جبهة النصرة الشروط الإقليمية أخيراً، ومجمل اللوحة السورية كذلك، فتنظيم الدولة الإسلامية انتهى في شرقي الفرات، ووجوده في البادية، حراً طليقاً، بمثابة ورقة سياسية لتدوير الزوايا بين كل الدول، للتوافق على المصالح في سورية، وضمن ذلك لا تشكّل قوات سورية الديموقراطية مُشكلةً حقيقية، فتركيا حاسمةٌ بقرار اجتثاثها، وعرب شرقي الفرات لن يقبلوا بحكمها، وأميركا ومهما ناورت لن 

"تُغيِّرُ جبهة النصرة جلدها، وفقاً لقراءتها الشروط الإقليمية والرسائل التي تصل إليها تباعاً من تركيا" تضحّي بالعلاقة مع تركيا لصالح أكراد سورية، وبالتالي "لم يبقَ إلا حديدان بالميدان"، أي جبهة النصرة، وصارت إعادة إنتاجها باعتبارها حركة مقبولة هي القضية الموضوعة على طاولة الدول الضامنة والأميركان كذلك. فهل ستنجح في ذلك؟

الآن، ما المطلوب منها لتكون مقبولة، وهي المُلاحقة بقراراتٍ دولية باعتبارها جهة إرهابية؟ وهناك نهاية المعارك الكبرى في سورية. هيئة تحرير الشام حركة جهادية وأصولية أولاً، ووفق ذلك تغيّر في ممارساتها ورؤيتها ثانياً، والمطلوب منها، حالياً، أن تكون شبيهة بالفصائل الخاضعة لتركيا أو المليشيات التابعة لروسيا، سوى ذلك مرفوض قطعاً. ولكنها كذلك حركةٌ قويةٌ، وهناك ما يشبه القرار الدولي بعدم فتح معركةٍ ضد إدلب. سيدفع هذا الوضع الهيئة لإجراء خطواتٍ حاسمةٍ لتشريع نفسها، وضد نفسها؛ أقصد تطهير نفسها بشكل كبير، وأكثر مما تمّ، من كل العناصر الجهادية، وإنهاء أي وجودٍ للحزب التركستاني الإسلامي وحراس الدين، وإعطاء الحرية والاستقلالية لفعاليات إدلب، لتشكيل إدارة مدنية لتسيير شؤون المدينة، والتحوّل إلى ما يشبه شرطةً مدنية، وإنهاء المحاكم الشرعية، وجعل السجون والمعابر تحت إدارة مدنية وتابعة لمجلس المحافظة، وبالتالي هناك قضايا حاسمة مطلوب تنفيذها، وبما يمنع الهيئة من تشكيل أي خطرٍ محتملٍ على كل الدول المتدخلة في سورية. طبعاً لم يعد مقبولاً التخفي خلف الحكومة المؤقتة التابعة للهيئة، ومختلف أشكال الإدارة التي أنتجتها من قبل هيئة تحرير الشام.

تحيط الدول الضامنة بمناطق نفوذ هيئة تحرير الشام، وهي متحالفةٌ معاً، وتعمل بشكلٍ منسق. اللعب الذي كانت تجيده الهيئة بسبب الخلافات بين الضامنات هذه يتآكل تباعاً. الخلاف أخيرا بين تركيا التي تؤكد على دورٍ كبير لها في شرقي الفرات ومنبج، وتهميش دور النظام هناك، وبين رفضٍ روسيٍّ إيرانيٍّ لذلك، وتأكيدهما على إنهاء الإرهاب في إدلب، وتفعيل اتفاقية أضنة في شمال الفرات والتطبيع مع النظام. ولا يعني هذا التباين أن تركيا ستماطل بورقة هيئة التحرير، فكما أن لإيران مليشيات ولروسيا كذلك، تريد تركيا من الهيئة أن تكون كذلك بالضبط، وتوظفها في إطار الصراعات بين الدول المتقاتلة على سورية وفيها. ضمن ذلك هناك مصلحة لتركيا خاصة، وتتعلق بتفكيك هيئة تحرير الشام، والتخلص من الجهاديين، وإحكام سيطرتها الكاملة على إدلب، وتحويلها إلى ورقةٍ بيدها، وهذه مهمةٌ تركية بامتياز، ولكنها

ستُواجه باستغلالٍ روسي إيراني لكل خطوةٍ تُضعف الهيئة، وهناك قوة الهيئة ذاتها والهامش الذي تتحرك من خلاله.

قد يتأخر حسم الوضع ضد هيئة تحرير الشام، كلما تأخر حدوث توافقاتٍ بين الدول الضامنة على مستقبل سورية، ومصير كل من شرقي الفرات ومنبج، وهذا متعلقٌ بالانسحاب الأميركي، والذي تارةً يتأكد وتارةً يتأجل البتّ في توقيته! وذلك بسبب خلافات الإدارة الأميركية الداخلية، وعدم وجود اتفاق كامل بين تركيا وأميركا على القوات التي ستحلَّ محلها في شرقي الفرات ومصير قوات الاتحاد الديموقراطي أيضاً. الأشهر التي تكسبها هيئة تحرير الشام بسبب ما سبق تفرض عليها إحداث تغييراتٍ كبرى، بما يجعلها فصيلاً مسلحاً تابعاً لتركيا بالكامل؛ سوى ذلك، فإن روسيا وإيران وأميركا تعتبرها قوة إرهابية، ويجب اجتثاثها.

ليس من مستقبلٍ لتنظيم داعش، فهو بالأصل أداة لتخريب الصراعات الثورية والوطنية ولصالح دول وضد دول. هو أقرب إلى الشركات الأمنية، و"متعدّدة الجنسيات"، وهذا يشمل جبهة 

"كما أن لإيران مليشيات ولروسيا كذلك، تريد تركيا من هيئة تحرير الشام أن تكون كذلك بالضبط" النصرة وسواها أيضا، ولهذا تُتابع تحركاته دولياً وبشكل دقيقٍ، وهو من برّرَ تشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة، لاجتثاث الثورة وتدمير سورية باسم محاربة الإرهاب. الآن انتهت الثورة، وكل الحديث عن إعادة تأهيل النظام، والتخلص من بقايا الجهادية، وإعادة دورها إلى ما كانت عليه قبل مجيئها الكثيف إلى سورية، أي نقلها إلى أماكن أخرى، أو إلى خلايا نائمة، وهكذا؛ هيئة تحرير الشام أمام خيارات واضحة، إمّا أن تصبح فصيلاً تابعاً لتركيا أو تُنقل إلى خارج سورية أو تجتث؛ وكل هذه الاحتمالات ممكنة.

وبالتالي، هل من نهاية للجهاد في سورية؟ وُجِدَ الجهاد في سورية لاجتثاث الثورة، والآن هُجر نصف الشعب السوري، ودمّرت مدنه، وهناك محاولاتٌ لإعادة تأهيل النظام، وربما سيحدث هذا، وسيكون ذلك عبر توافق أميركي روسي أولاً، ولكن أميل إلى احتمال آخر، وهو إحداث تغيرات كبرى في النظام، وتطاول مفاصله الأساسية ليكون مقبولاً في المستقبل. ربما يمكن الاستنتاج هنا أن نهاية الجهادية ليست خبراً سعيداً للنظام السوري.

تتطلب عملية إعادة اللاجئين وبداية الإعمار التي تستعجلها روسيا، أولاً، نهاية الجهادية، وهو ما يُعمل لأجله عبر سوتشي وتركيا خصوصا، وعبر قول ترامب بانتهاء "داعش"، وثانياً من خلال إنهاء الوجود الإيراني الكبير. وهنا علينا التدقيق بمؤتمر وارسو أخيرا، وعدم التقليل من شأنه، وهو شرط إقليمي وأميركي، وثالثاً، إحداث تغييرات كبرى في النظام، وهو شرط أميركي وأوروبي خصوصا.

==========================

بين مطرقة القبر وسندان الحقد

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 25/2/2019

رغم أن المنطق يعجز أحيانا عن التحكم بتوصيف القضية السورية إذ إن البعض يحاول منطقة الأمور وعلى رأسها أن البلاء الكامن في القضية السورية لا يمكن حصره بشخص؛ فالقوى المتدخلة بالشأن السوري يصعب حصرها أحيانا.

واقع الحال، وعلى ضوء ما سمعناه من رأس النظام الأسبوع الماضي، يبدو أن شخصاً واحدا تحكم وربما يتحكم بما يجري. البعض يدفع بهذا التشخيص أبعد من ذلك ليقول إن سوريا تُحكم من القبر؛ ويرى الدليل بفتحها الكثير من القبور. يرى هؤلاء أن بشار الأسد لم يتمكن من أن يزيح قيد أنملة عن السكة التي غرس حافظ الأسد جذورها منذ نصف قرن، ومكتوب عليها: "إما أن تكون لي، أو لن تكون لأحد" – حتى لابنه – ولذلك لايزال يشد خيوط اختناقها من القبر.

لم يكتف هؤلاء بتنصيب أنفسهم أوصياء على من لا يشبههم؛ فمن عندهم تصدر صكوك الثورجية والوطنية كما تصدر من عند سلطة الاستبداد صكوك مشابهة

من هنا، شهدنا ولا زلنا تطبيق مبدأ (الكل، أو لا شيء)، إنه مبدأ القبور المبني على الإلغاء أو الإقصاء أو الإبعاد أو الموت للآخر متى فكر أو شكك أو تذمر أو توجع أو طلب الإنصاف أو حتى اشتكى بحسن نية.  إنه مبدأ من ليس معي، عدو لي؛ ومن لا يطبل ويزمر لي، لابد أن يُقصى؛ ومن هنا أتى التصفيق الأعمى في الخطاب الأخير. إنه مبدأ ما يقوله القائد- ولو كان هراء أو كذبا- فهو الصحيح، وما يقوله غيره بلا قيمة. وما يفعله غيره – إن كان مخالفا لما يريده – قد يصل إلى الخيانة. إنه مبدأ {(باسم الدولة) التي هي أنا ...} أتواصل حتى مع العدو الإسرائيلي؛ ومَن يحالفني، أو يفعل ما يشبه ما أفعل، يعتبر عميلاً، ويضعف عزيمة الأمة. تلك هي جذور شعار "الأسد أو نحرق البلد"؛ ومن هنا كانت الحصانة العالمية التي قادتها إسرائيل مسخرة أمريكا وروسيا ومتناغمة مع ما أراده وزرعه ملالي طهران لسنين.

مقابل تلك السموم القادمة من القبور، ماذا فعل بعض أهل الضفة الأخرى، الذين يعتبرون أنفسهم أصحاب حق حصري في مقاومة نفثات السموم تلك؟ هذا البعض تحوّل إلى نسخة كربونية، ومالك حصري لتلك المواصفات التي ذُكرت أعلاه. السلطة ترمي نفايات طائفية، فيتلقفها هؤلاء – حتى من جيشه الإلكتروني الذي تقوده إيران – ويغوصون في هذا المستنقع الآسن الذي فرشت له السلطة.  هذا البعض استحضر المقابر لتطلق أحكامها على كثيرين ممن رفضوا ظلم النظام واستبداده، وقرّبوا وانتسبوا إلى إمارات داعشية ونصروية تتناغم مع رائحة وصوت القبور القادم من الضفة الأخرى.

لم يكتف هؤلاء بتنصيب أنفسهم أوصياء على من لا يشبههم؛ فمن عندهم تصدر صكوك الثورجية والوطنية كما تصدر من عند سلطة الاستبداد صكوك مشابهة:” فلان مناسب، وعلاّن غير ذلك، عمر طويل، وزيد قصير، حنّا لا يزال مرتبطاً مع النظام، وسميرة لا تزال شبيحة، وفريد علماني كافر ومديحة مع المجموعة الفلانية؛ وفلان باع ونعسان اشترى"؛ تماماً كما أراد النظام يتصرفون؛ تماماً كخطاب النظام يخطبون؛ تماماً كما يخوّن النظام من ليس معه، يخوّنون ويظلمون ويقصون.

في ظل كل ذلك، وجد السوري نفسه أمام مشهد سُريالي؛ فهذا باسم ربّه يقطع الرؤوس، وذاك باسم رئيسه يرمي البراميل، وثالث باسم حقده وطائفيته يلغي أخاه في الوطن. وبين هذا وذاك وذلك ضاع السوري ووطنه؛ وزاد بذلك استهداف الخارج للسوري وبلده؛ وتمثّل باحتلال متعدد الرؤوس. ولا يتوقف نظام الاستبداد عن الحديث عن السيادة!!

فما هذا الغضب؟! وعلى أي جنب هذا السوري يستريح. ما أسهل عبارة طارق: " العدو من أمامكم، والبحر من ورائكم"؛ ماذا يفعل السوري وبلده أمام ألف عدو وألف بحر. وإن كان يُعاقب على ذنوب ارتكبها؛ فقد نال من العقاب ما يعادل كل ذنب. بقي عليه أن ينتظر عدل الله وفرجه؛ والله خير نصير.

يكفي أن أذكر عاصفة ثلجية واحدة تحل بخيمة فيها أطفال سوريون وأمهم في حالة ضعف مطلق، وعوز مدقع، وذل موجع، لتلعن كل رئيس وكل ملك وكل منظمة أو مؤسسة صاحبة سلطة يستمرون برؤية هذا الظلم ويبقون صامتين. والآن، ها هو نظام الاستبداد يبقى مع شعاراته: "أحكمها أو أدمرها"/ "إن لم تكن لي، لن تكون لأحد"/ و /"أنا، أو لا أحد"/؛ وها هو يدمرها، ولا يحكمها؛ وما هي له، بل لكل أحد. يكفيه منظر الذل في قاعدة حميم. يكفيه استخدام عبارة "قطط لوصف شعب سورية"؛ وهو الذي ما تجرأ يوماً أن يدافع عن أرض سورية وشعبها في وجه المعتدي، محتل الأرض.  ويبقى صوت السوريين يصدح عالياً: {ارحل! نريد أن نعيش}.

==========================

خطاب البشير بعيون سورية

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 25/2/2019

دفعني الفضول إلى متابعة خطاب الرئيس السوداني عمر حسن البشير، وقد سبقته تسريبات عن قرارات مهمة سيعلن عنها، في ظل الأزمة السياسية الحادة التي يمر بها نظامه.

الحق أنني فوجئت برصانة الدكتاتور الملاحق من قبل الأنتربول، المحكوم أمام محكمة الجنايات الدولية بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والأسلوب العقلاني في خطابه، على رغم أن جوهر القرارات التي أعلن عنها فيه هو تمسكه بالسلطة في مواجهة الاحتجاجات الشعبية التي تطالب بتنحيه.

وهو يتحدث، بوجهه المتجهم ونبرته التراجيدية، لم أتمالك نفسي من مقارنته مع خطابات السفاح بشار الأسد ومقابلاته الإعلامية. فكانت المقارنة لصالح البشير بلا منافسة. وعلى سبيل المثال، ضحك الأسد ببلاهة 29 مرة في خطابه الأول بعد انطلاق الاحتجاجات الشعبية في سوريا، في الوقت الذي كان قتلى المظاهرات السلمية في درعا ومدن أخرى قد بلغت العشرات خلال أسبوعين. مقابل ترحم عمر حسن البشير على من قتلوا في المظاهرات السلمية في السودان، وبلغ عددهم 51 وفقاً لأرقام المعارضة، خلال ثلاثة أشهر، واعتبرهم خسارة وطنية.

ووصف البشير مطالب المتظاهرين بالمشروعة، وأن الدستور والقانون يكفلان الحق في التظاهر السلمي تعبيراً عن المطالب الشعبية، في حين وصف الأسد المتظاهرين بأنهم مندسون وعملاء وجراثيم وأدوات مؤامرة عالمية تستهدف نظامه. أما البشير فقد تحدث عن أزمة وطنية، ولم يشر من قريب أو بعيد لأي تلاعب خارجي أو "مؤامرات" دولية. وتكلم بلغة المسؤولية الوطنية فدعا الموالاة والمعارضة وحاملي السلاح إلى الحوار والمفاوضات، مقابل عدم اعتراف الأسد بشيء اسمه معارضة. فإذا ذكرها وصفها بالإرهاب أو العمالة أو كليهما معاً.

لا تعني هذه المقارنات تبرئة البشير أو استحسان قراراته

لا تعني هذه المقارنات تبرئة البشير أو استحسان قراراته، فهي في جوهرها قرارات حاكم دكتاتور متمسك بالسلطة، كأي حاكم عربي آخر شهدت بلاده ثورة شعبية تطالبه بالتنحي. ولكن هناك فارق مؤكد مع أمثال الأسد أو القذافي، مثلاً، اللذين واجها شعبيهما باحتقار شديد ولم يعترفا مجرد اعتراف بوجود أزمة وطنية يتطلب تجاوزها حداً أدنى من الشعور بالمسؤولية الوطنية. فكان شعار الأول الذي كتبه شبيحته على الجدران "الأسد أو لا أحد" و"الأسد أو نحرق البلد"، في حين فوجئ الثاني بوجود شعب في بلده، بعد أكثر من أربعة عقود على حكمه، فقال عبارته الشهيرة "من أنتم؟".

وعلى أي حال، لم يكن أحد يتوقع من دكتاتور كالبشير أن يعلن، في خطابه المنتظر، عن تنحيه استجابة لمطالب الشعب. فهو، في أحسن الافتراضات، سيبحث لنفسه عن هامش مناورة وشراء للوقت، على أمل أن تخبو موجة الاحتجاجات الشعبية ويتجاوز النظام أزمته بأقل ما يمكن من الخسائر. لقد أصبح هذا هو "القانون" في علم الاجتماع السياسي العربي، وليس استجابة الحاكم لمطالب شعبه.

ما فعله البشير بالضبط. لقد مارس السياسة بدلاً من الحرب المفتوحة على الشعب

هذا ما فعله البشير بالضبط. لقد مارس السياسة بدلاً من الحرب المفتوحة على الشعب. مد جزرة صغيرة تمثلت في تأجيل التصويت على التعديلات الدستورية التي ستمنحه الحق في عدد غير محدود من الدورات الانتخابية لينال الحكم الأبدي الذي يصبو إليه. لم يلغ الأمر بصورة نهائية، بل أجلها وحسب على أمل أن يستميل قسماً من المعارضة، ليعزل القسم الآخر ذي المطالب الأكثر راديكالية، في حين يمنحه قانون الطوارئ الذي فرضه على البلاد، لمدة عام، الأداة اللازمة لكسر إرادة المحتجين، فيكون بذلك قد مهد الأرضية المناسبة لإعادة طرح التعديلات المشؤومة في ظرف أكثر راحة لنظامه.

هل الفوارق الشكلية أو الخطابية بين البشير ونظيره السوري تخلو من أي أهمية، ما دام الجوهر واحداً هو الرغبة في تأبيد السلطة؟ برأيي أن الفارق مهم، ومهم جداً بين حاكم يحتقر شعبه بصورة علنية، ويستبيحه بوحشية لا يقيدها شيء، وآخر يخاطب شعبه باحترام، ويعلن تمسكه بأولوية المصلحة الوطنية على تمسكه بالحكم. الأول يلغي السياسة ويعلن الحرب، فلا يوفر سلاحاً في جَعْبته إلا ويستخدمه لقتل أكبر عدد ممكن من الشعب الذي يرى فيه عدواً تنبغي إبادته، ويستقدم جيوشاً وميليشيات أجنبية للدفاع عن سلطته ضد الشعب. في حين يمارس الثاني السياسة، ويترك الباب مفتوحاً لحلول وسط قد يخرج منها الطرفان رابحين، وإن كان ربحاً دون السقف المأمول.

ترى هل كان من شأن خطاب مختلف لبشار الأسد، في بداية الثورة، أن يؤدي إلى نتائج مختلفة؟ يرى كثيرون أن هذا النظام غير قابل للإصلاح، ولو أنه قدم أي تنازل في بداية أزمته، لكان ذلك أدى إلى انهياره. لا أحد يملك الإجابة على افتراضات نظرية من هذا النوع، فقد حدث ما حدث ولا يمكن تغيير التاريخ المتحقق. لكني أفترض لو أن بشار ألقى خطاباً يشبه خطاب البشير، بدلاً من خطابه في 30 آذار 2011، ولو أنه التزم بروحية هذا الخطاب الافتراضي، لكان النظام قد أصبح قابلاً للإصلاح، بخلاف الجزم المعاكس السائد. ربما كان من شأن تحقق هذه الافتراضات أن يغير من مجرى التاريخ في سوريا.   

==========================

الخوف

بشير البكر

العربي الجديد

الاثنين 25/2/2019

يعرّف الشاعر الألماني ريلكه الخوف بالقول "إنني قد لا أكون قادراً على قول أي شيء، لأن كل شيء يجل عن الوصف".

هل كان ريلكه يتحدّث عن أحوالنا وأيامنا هذه، ورآها بعين المستشرف؟ هذا سؤالٌ يطرح نفسه على نحو تلقائي، حين نقف اليوم أمام هذه الرؤية، على الرغم من أن الكاتب رحل قبل قرن تقريبا. لم يكن الشاعر الألماني يتحدّث من موقع الكاتب المترف، بل من مكان الكاتب الذي عاصر وعاش مآسي العالم بسبب الحرب الكونية الأولى، ودور بلاده في الشقاء الذي سبّبته تلك الحرب للبشرية من كوارث، وما خلّفته من جراحٍ عميقةٍ في نفوس الناس على امتداد القارة الأوروبية على وجه الخصوص، فهي فقدت قرابة 16 مليون قتيل و12 مليون مصاب، وتدمرت عدة مدن وجرى تهجير شعوب.

يتجاوز خوف اليوم خوف الزمن الماضي في الشكل والمضمون، فالحرب ازدادت شراسةً في وقتنا. منذ اجتياح بغداد وحتى اليوم اختلف طعم الخوف ولونه وأدواته. ولعبت الصورة دورا هاما في تجسيم الحالة، ونقلها في تفاصيل تبعث الرعب في نفوس أولئك الذين يشاهدونها عن مسافاتٍ بعيدة. الفيديوهات التي بثها "داعش" يسجل فيها عمليات الذبح لم تخلق ردود فعل نفسية رهيبة فقط، بل ولّدت صدمةً كبيرةً ذهبت نحو تغيير مواقف وقناعات، وخلقت رأيا عاما دوليا جديدا يتسم بالسلبية تجاه قضايا العرب والمسلمين.

الخوف هو أن يصمت المرء نهائياً، ولا يتحدّث أو يفتح فمه لكيلا يقول شيئاً. النتيجة واحدة في الحالين. هناك من يسكت أمام ما نعيشه من أهوال، وهناك من يتحدّث كي لا يقول شيئا، أو يقدّم فكرة مفيدة ويعبر عن موقف يساعد الضحايا. وقد يسقط المرء رغما عنه في إحدى الخانتين، ولكن الخوف أن يمر بجانب الدم، ولا يتحرّك فيه شيء، أو أن يشمت، ضمنيا أو علانية، بالناس الذين لم يجدوا مفرا ووقعوا فريسة القتل، كما يحصل في مصر وسورية، حيث تبارك نخب محسوبةً على اليسار والتيارات القومية عمليات القتل التي يرتكبها النظامان ضد مدنيين أبرياء. يجب أن تخاف إذا أحسست أنك بدأت تقترب من صف القاتل، لمجرّد أن القتيل لم يتمكّن من الدفاع عن نفسه، وسقط في المواجهة. وهنا لن تفيدك كل القصائد التي كتبتها عن الخوف في الأيام الخوالي، حين كنت معتكفا على نفسك، ولن ينفعك الله الذي بقيت تصرخ باسمه لكي يشفيك من ورطة خيانة الذات والتاريخ الشخصي.

لا أدري من أطلق على سورية جمهورية الخوف، ولكنه وصفٌ عبقريٌّ استطاع أن يلخص حال هذا البلد الذي كان يخاف فيه الإنسان من ظله وخياله (بيت المرايا)، ولا يأنس بمساررة حتى أقرب البشر إليه. كان المواطن السوري يخاف أن يصل جهاز الأمن إلى أحلامه، فقرّر أن يهرّبها ويقاوم بالحيلة، على حد ما جاء في كتاب جيمس سكوت المترجم بالعربية تحت هذا العنوان، وساد في أوساط المثقفين مصطلح ثقافة الخوف التي كانت تعني عكس ثقافة الأمل والذعر من كل تفكير سياسي أو معارض، والعيش حياة الأشباح، ولكن تبيّن في عام 2011 أن السوري كان يقرأ في كتابٍ آخر، وحين حانت اللحظة انفجر الحلم المطمور، وكأن أول إنجاز حققته الثورة هو كسر حاجز الخوف، وهذا هو المكسب الوحيد الذي لم يفقده السوريون، على الرغم من كل ما حل بهم طوال ثماني سنوات، وبقي يشكل الأمل الوحيد ورأس المال الرمزي لأولئك الذين تهجروا من ديارهم تحت ضغط القتل والخوف.

ما هو أخطر من الخوف هو أن يتعايش المرء مع الخوف، ولا يبحث عن طريقٍ إلى الحرية مهما كان الثمن.

==========================

في النقد الذاتي: ثورة بلا قيادة ولا اجتماع مستدام!

نجاتي طيارة

سوريا تي في

الاحد 24/2/2019

1ـ علة فقدان القيادة.

على الرغم من ظهور بعض الشخصيات التي حظيت بحد ما من التقدير والاحترام في التاريخ القصير للثورة السورية، لكن ذلك لا يحجب الإجماع الشائع والمستقر بفقدان القيادة في ثورتنا، بل لا يستطيع أي ملاحظ أن يتحدث حاليا عن شخصية سورية معارضة توفرت لها تلك الكاريزما القيادية، التي شهدها تاريخ الثورات المعروف، سواء منها العالمية أو العربية، وحتى السورية القريبة العهد، كسلطان باشا الأطرش، وهنانو، وزعماء الاستقلال السوري. وجميع أولئك لم يهبطوا من السماء، ولم يظهروا فجأة أو في لحظة مفاجئة، إنما بدؤوا فتلقوا الدعم والاحترام والتقدير بين أبناء شعبهم وخلال مسيرة نضاله، ثم كبروا وتطوروا. 

حتى إن بعض قيادات الثوار في العالم كـ(جيفارا) كان غريبا نسبيا عن الشعب الكوبي، لكنه تطور واندمج بثوار كوبا ولم ينتقد كغريب أو قادم من الخارج. وأيّ من ثورات العالم وثوراتنا لم تضع شروطا لقيادتها تقوم على المحاصصة، طائفية كانت أو حزبية، أو زمنية أيضا، كشرط مدة الشهر الواحد الذي طولبت به رئاسة المجلس الوطني السوري لأول وهلة، ثم لم تتجاوز محاولة عقلنته اللاحقة مدة الأشهر الثلاثة، بعد أن تم التصويت ذات مرة عقلانية حقا على فترة السنة، فقامت قيامة بعضهم في أول مؤتمر للمجلس، واضطر الحريصون على الثورة، إلى إلغاء التصويت والفكرة، ثم تقصير المدة تحت ضغط الشعب وحسب. الأمر الذي إن دل على شيء، فهو لم يدل إلا على أوهام انتصارية راغبة توازت مع محاصصة ونزعة المسارعة إلى قطف الدور قبل كل شيء آخر،  يتطلبه  العمل الجاد والصبور لتحقيق أهداف الثورة وانتصارها !

وبغض النظر عن مدى صحة ما كان قد أورده الكاتب والصحفي الشهير هيكل عن مقولة للرئيس شكري القوتلي لجمال عبد الناصر بعيد توقيعه على وثيقة تنازله عن الرئاسة السورية: (أنت لا تعرف ماذا أخذت يا سيادة الرئيس؟ أنت أخذت شعباً من أربعة ملايين زعيم) فهي وغيرها من الشهادات والوقائع تشير إلى أن السوريين ديناميكيون بطبيعتهم، وهم مثل غيرهم من الشعوب، لا أقل ولا أكثر ، وكان يمكن لهم  إبراز قيادات أو بناؤها ودعمها، الأمر الذي لا يمنع من نقدها والحوار معها، لكن ليس على الطالعة والنازلة، ولا على طريقة رفع لافتة: يمثلني، ولا يمثلني، أو على مثال تصريح ركيك لممثل إحدى الجماعات المشاركة في المجلس الوطني، زعم فيه أنه هو القيادة الحقيقية التي تقف خلف صورة تلك الواجهة القيادية للمجلس. ولم يدر أن مثل هذا التصريح يحطم كل معنى للقيادة من جهة، كما يحطم كل معنى للتحالفات التي قام عليها المجلس من جهة أخرى.

أسهم معظم المعارضين بدأب ونشاط مؤسف في منع ظهور تلك القيادات وتطورها

ولقد أسهم معظم المعارضين بدأب ونشاط مؤسف في منع ظهور تلك القيادات وتطورها، كما كبحوا الصعود الرمزي لشخصياتها، اللهم إلا بعد موتها أو غيابها في سجون النظام وغيره (أمثال: حسين هرموش، أبو فرات، عبد العزيز الخير، رزان زيتوني، وغيرهم)  وذلك إلى جانب العمل المنظم والطبيعي المتوقع لعصابة النظام وحلفائه.

هكذا ، فإن فقدان القيادة في الثورة السورية أو تغييبها ومنع تطورها، لا يدل إذن على ظاهرة  تكاد تماثل الظواهر الطبيعية كما يراد لها ، أو تصويرها الشائع على أنها لازمة عنصرية في اجتماعيات شعبنا، بدليل توفر القيادات والزعامات البارزة له في فترة النضال ضد الاستعمار، أو دولة الاستقلال القصيرة العهد، أو بروز العديد من الشخصيات السورية  المتفوقة  في العديد من المجالات خارج سوريا والنظام .  بل هو بالضبط دليل على ضعف المعارضة السورية الراهنة وتهافت وعي ناشطيها وقادتها، في غمرة استعجالهم للانتصار والقفز إلى سلطة الثورة، بدلا من انتظارهم انتصار الثورة وتحرير الشعب السوري من ربقة عهد طويل من الاستبداد وظلماته !.

2ـ علة فقدان الاجتماع المستدام في منظمات الثورة وفعالياتها.

إلى جانب فقدان القيادة، غالبا ما افتقد السوريون المنتمون إلى الثورة مقدرتهم على استدامة الاجتماع المؤسسي للمنظمات والفعاليات الاجتماعية الناشئة في إطارها، بينما قدّم النظام نفسه (رغم بعض الدلائل االأخرى المتناثرة) كوحدة مجتمعية ومستدامة على الرغم من تبديات ظاهرتها كعائلة مافيوزية، وعصابة، ومراكز قوى، وأمراء حرب إلخ.

ذلك الفقدان المتكرر، الذي تخلله انفجار مبادرات ديناميكية نشطة، قامت وما زالت تقوم باستمرار، وبعض جديدها: الجبهة الديمقراطية جود، المؤتمر السوري لقوى الثورة، حركة ضمير وحركة الضمير للمعتقلات إلخ... يشير إلى قابلية مكينة على الفقدان، أكثر من الفقدان نفسه. فلا شك أن الآخر بكل معانيه (الآخر القريب: النظام وعملائه، والآخر الغريب: المحيط  العربي والاقليمي والعالمي) لعب دورا كبيرا في ذلك، لكن قابليتنا نفسها هي التي أتاحت ومكّنت له ذلك الدور، بل وربما كنا سباّقين إليه في معظم الأحيان.

ويعود ذلك في رأيي إلى نفسانية اجتماعية، أظن تفسيرها راجع إلى أن خروج السوريين إلى عالم الحرية كان انفجاريا، فبعد سنوات طويلة من عالم الصمت والقهر، الذي كان كابسا على أنفاسهم ولسانهم طوال مايقارب الخمسين عاما، من الحكم الأمني المتذرع بإيدلوجيا البعث القومجية الشمولية، انفجر السوريون وسارعوا إلى ممارسة الكلام المباح والاجتماع النشط بديناميكية ومبادرة، طالما عرفوا بها، لكنها لم تكتسب تقاليد الاجتماع الديمقراطي، المستفيد من تسامح التراث وتقبله الاجتهاد ووجهات النظر من جهة، أو المكتسب من حداثة غربية برلمانية في ظل الاستعمار الفرنسي القصير العهد من جهة أخرى. وهي تقاليد تتطلب فضائل الصبر والتواضع والتسامح والعمل الجماعي المنظم والمنتج، وذلك بعد أن مارسوا طويلا عادة الاستبداد بالقرارات الفردية السريعة والسهلة. لذلك كان خروجهم بعد طول غياب، كخروج أهل الكهف إلى الحياة، طالبين كل شيء، كل الأهداف ودفعة واحدة، من إسقاط النظام، وإسقاط الرئيس، إلى تغيير الدستور وتحقيق أحلام المواطنة والعيش الكريم والحر.

لكن بما أن عالم الأفكار يمكن أن يتحقق بالحلم فرديا وفوريا، بينما عالم الوقائع يتطلب التغيير التدريجي والبنّاء، فهو عالم يضم مختلفين ومتعددين بطبيعة الاجتماع البشري ذاته، ويتطلب تغييره الحوار بين أطرافه، كون ذلك البديل الوحيد للتغيير بالعنف والقوة. وذلك يفترض ضرورة الوصول إلى تسويات وتوسطات وتنازلات بين أطرافه، وبين مرحلة وأخرى على طريق التغيير المتدرج والطويل، وهذا هو المعنى الديمقراطي والنبيل للسياسة الممكنة، بديلا عن الانفجار الثوروي (وهو ما حدده العنوان الأصلي الكامل لأحد أبرز مكونات المعارضة الديمقراطية السورية، والذي تم اختصاره ونسيانه !).

ومن الواضح مبدئيا، أنه يعتمد على فضيلة الصبر الذي يبطئ الرؤوس الحامية ويبردّها، فهي وحدها التي تعوض عن كل نزعة انتصارية، تستعجل تحقيق العدالة وتحقق الرد على فظاعات النظام وجرائمه المنفلته من كل قيود أقرّتها الشرائع السماوية والأرضية!

والنتيجة المستخلصة، حسب ظني، هي أن الصراع بين متطلبات ممارسة الاجتماع الديمقراطي المستدام، وبين نزعة السوريين الانتصارية، في ظل العنف الكارثي للنظام وإجرامه غير المسبوق، قد أدى وما زال يؤدي إلى استمرارية انفجار الاجتماع الثوري السوري وضعف استدامته إلى المستقبل المنظور، على الأقل!.

==========================

خطاب الأسد

د محمد حاج بكري

الدرر الشامية

الاحد 24/2/2019

بتاريخ 17/2/2019 ظهر الديكتاتور المتهالك على شاشة التلفزيون ليقدم لنا إثباتًا عينيًّا عن عمق الأزمة، وعن تواصل الارتباك والصدمة مما يقع في سوريا من تحولات، وليعكس بوضوح حالة من ضيق الأفق والحيرة والتخبط أدت جميعها إلى فقدان البوصلة عنده؛ مما يؤشر إلى قرب التحاقه بقافلة المقتولين غير مأسوف عليه.

أريد فقط في مستهل كلامي هذا أن أذكّر بأن أهم الصفات التي يعيشها الأسد اليوم أنه جبان لأنه يعرف أنه فاقد للشرعية..أنه كاذب فهو يكذب للحصول على أي شرعية .وأنه غبي ومعتوه لأنه لا يسمع إلا ما يحب ولا يرى إلا ما يريد.

لكن ديكتاتور سوريا في خطابه الأخير أثبت للعالم أنه يحمل صفات أخرى فهو أنذل وأحقر وأسفل الديكتاتوريين الذين عرفهم العالم في تاريخه، فالشعب الذي نادى بصوت الملايين يقول له نحن نكرهك ولا نريدك بحيث لو كان عنده ذرة شرف وكرامة لتناول أقرب مسدس وأطلق النار على نفسه لكنه أجبن من أن يفعل ذلك لأن من صفاته أنه جبان.

بحكم وضاعة الخطاب وضعف حقه الدلالي، إضافة الى حجم التشنج الذي كان عليه المجرم بشار أثناء إلقائه فإنني أتجه للإقرار وبحكم التوصيف بعدم وجود مجالات واسعة لتحليل مفرداته وتتبعه مفاصله، نظرًا لحالة الفقر المضموني الذي كان عليه ولحالة الانفصام عن الواقع بشكل جذري وخاصة الكذب اللا متناهي لكن هناك بعض النقاط السريعة التي سأتحدث عنها وبإسهاب.

لقد جمع الأسد في خطابه وبشكل استثنائي ما يميزه عن كل الرؤساء بين خطاب الرداءة ورداءة الخطاب وهي سابقة تحسب له، وبدا متوترًا ومضطربًا ويحتاج إلى جرعات من التماسك والرصانة، وفي العادة يخضع الرئيس وخاصة من يعاني حالة فقر في علمه ومعرفته والخطابة والبلاغة إلى دورات تدريبية على يد مختصين في مجال إلقاء الخطاب ومخاطبة الشعب ويبدو أنه فشل في مراحل التأهيل فهو لا يزال كثير الحركة وخارج عن النص ويقدم مفاهيم جديدة لا يفهمها حتى هو ويبدو أن كمية الأدرينالين مرتفعة جدًا لديه نتيجة الضغط .

تحدث عن الفساد وتناسى أنه نتيجة حكمه والمقبور والده لمدة 50 عامًا وتناسى أن ثروته تتجاوز 120مليار دولار مع عدم إضافة ثروة باقي أفراد عائلته وثروة آل مخلوف وشاليش وباقي المقربين، لكن الحقيقة العتب على من قبلوا تعويضًا علبة متة أو كرت باص مجاني عن أولادهم الذين قتلوا في سبيله.

إنك فاسد يا فخامة الديكتاتور وإن الفساد يحيط بك وبكل المقربين منك فكيف سيصلح الفاسد الطالح، إنك وعصابتك تشبهون البيضة الفاسدة والتي لا تفيد معها كل أنواع العطور والتجميلات.

الوطنية في نظره تتلخص بعبارة الأسد للأبد، ومن يخرج عليها هو خائن وعميل وتابع واتهم جموع الشعب بالبأس والشدة على وطنهم وأنهم نعاج أمام الغير، وتناسى أنه لم يبق عليه إلا اللطم على صدره وأن لقبه الحيوان في الولايات المتحدة الأمريكية وذيل الكلب في روسيا، وغاب عن وعيه منظره الذليل في مطار حميميم أثناء وداع بوتين.

كيف لمرتزق أن يتحدث عن سيادة وطن وهو المرتهن العبد الذليل الذي أباح بلاده بجوها وبرها وبحرها عبر معاهدات واتفاقيات أكثر من أن تعد وتحصى ورمى بنفسه في مزاد الخزي والعار واستقدم عصابات الكون وميليشياته لتقتل شعبه.

تطاول الأسد على تركيا رئيسًا وشعبًا وكأنه لم ير كيف استجاب عشرات الملايين في تركيا إلى مكالمة هاتفية من هاتف نقال لرئيسهم، بينما هو قتل أكثر من مليون وشرد أكثر من نصف الشعب ويبدو أنه لا يقرأ التقارير العالمية وتصنيفاتها ولا يوجد تقرير إلا وسوريا تقبع في ذيله من الفساد إلى الإرهاب إلى الشفافية ...إلخ ولا يعلم أن تركيا تتبوأ المراكز الأولى على مستوى العالم في الاقتصاد والصناعة والزراعة والسياحة ...إلخ

تحدث الأسد أنه هزم في وسائل التواصل الأجتماعي ولا يدرك أنه أول من صرح عن جيش إلكتروني قوامه 60 ألف شخص

لن أغوص في الخطاب فهو مليء بالكذب والتفاهة ولن أتحدث عن جوقة المغفلين الحاضرين فقد سئمنا، فلم أكن يومًا أحب سماع خطاباته العقيمة التي تدل على أزمة الذهنية السياسية وضحالتها لديه في أغرب اطوارها، ولكن بدافع متابعة الشعب السوري استمعت لما سيقوله هذا المعتوه بعد أن انحسر عنه المجد والتاريخ والهالة العجائبية وأصبح من ركام الماضي وسنقرأ في كتاب الصف لأبنائنا الصغار لنقول لهم هذا الديكتاتور قتلنا.

هذا المعتوه لا يهمد ومازال فصامه السياسي يستثمر بعض العقول الصغيرة والمضحك المبكي مازال حتى اللحظة يعاني من فقدان ذاكرة فهو يقفز على أحداث 15/3/2015 المباركة، وعلى هتاف الملايين المطالبين إياه بالرحيل وإسدال الستار عن أبشع عهد مر على سوريا من الإحتراب الداخلي والفتن والتصفيات والإخفاء والتهجير القسري عهد اللا دولة واللا قانون واللا عدالة عهد الكيماوي والبراميل.

حالة من الفصام الغريب تجلّت في خطابه، اليد التي تحب التلويح ما زالت هذه اليد السوداء التي قتلت ودمرت وأخفت والتي بسطت جنونها على رقابنا لعهود طويلة لا تدرك أنه لولا إيران وروسيا وبعض المجتمع الدولي لكانت مقيدة في إحدى السجون.

بالنسبة لنا فقد انتهى نظام العصابات، وانتهى عصر الأصنام، وانتهى عصر العبودية لحاكم قاتل وجزار وخائن ومجرم، ليبدأ عهد ديمقراطية الشعب وحريته، انتهى عصر العصابات والفرد الحاكم لتمتد يد العدل والمساواة للجميع على قدم المساواة، وسوريا الغد ستكون بعون الله بتنوعها الطائفي والديني حديقة ورود تجمع كل الأطياف الزاهية لينعم الشعب بتنوع الأطياف وسباق وتنافس الثقافات في البناء، بعد أن ينعم بانسجام الوحدة الوطنية ضد نظام الإجرام وهو انسجام احترمه العالم بأجمعه وأكدته الدماء العطرة من كل أبناء الشعب الواحد، وهو وطن الحرية الذي نعمل من أجله ووطن حكم الشعب بدلًا من تسلط عصابات الضباع الحاكمة، والتي لا تميز في وحشيتها وعدوانها بين طفل وشاب وامرأة وعجوز وشيخ أو حتى الطوائف التي تشكل المجتمع

الديكتاتور لم يقتنع أن سوريا الأسد ولت بغير رجعة، سوريا الفرد الواحد الأحد المسيطر على كل شيء، سوريا الحزب الأوحد المنفرد في الوظائف والحياة، سوريا المواطنة المنتقاة والمفصلة على قياسه، وأن سوريا بدون الأسد تتشكّل اليوم من دماء الشهداء على امتداد أرضها الطيبة، وأنه رجل وحيد مهما احتشد حوله المطبلين والأبواق الصغيرة والتي ما زالت تعزف له على وتر الخوف وأن تركته الثقيلة سيحل محلها الحرية والكرامة والعدالة لكل مواطن سوري

==========================

موقفنا :ماذا وراء التصعيد الروسي الأسدي على الشمال السوري ؟! لعبة الدم أحب إلى قلوب القتلة وأهون على عقولهم

زهير سالم

٢٧/٢/٢٠١٩

مركز الشرق العربي

"خلا لك الجو فبيضي واصفري " ولأن قوى الشر العالمي المتواطئة على سورية وطنا وشعبا وحاضرا ومستقبلا قد تركت الحبل على غاربه للقاتل المبير بوتين وحليفه بشار الاسد أن يقتلا السوريين عندما يريدان ، وكيفما يريدان وبالسلاح الذي يريدان فقد تابع السوريون خلال الأيام العشرة الماضية تصعيدا في عمليات التقتيل والتهجير شملت أربعين بلدة في القطاع الشمالي من سورية وبشكل خاص ريفي حماة وإدلب . أودت الجريمة المتتابعة التي تغاضى عنها المجتمع الدولي ومجلس الأمن الموقر إلى استشهاد قرابة ثمانين مدنيا غالبيتهم من النساء والأطفال ..

إن الحقيقة المرة الفاجعة في عالم يتجلبب مواثيق حقوق الإنسان هي أن قتل السوريين لم يعد جريمة عند أحد . وأن المرور على أخبار حروب الإبادة على خلفياتها : الدينية بالنسبة لبوتين ، والمذهبية بالنسبة لإيران وبشار ، والعنصرية بالنسبة للميليشيات المتحالفة مع الولايات المتحدة على الأرض السورية لم تعد جريمة حرب لا في المواثيق الإنسانية ولا في القوانين الدولية .

لعبة الدم التي يستسهلها الروسي والإيراني والأسدي ويندفعون فيها لأهون الأسباب غالبا ما تأتي إشباعا لنهمة سادية متجذرة في نفوس المجرمين نادرا ما يستطيع قارئ لمسار الأحداث أن يجد لها تفسيرا ..

مشروع القتل للقتل الذي يرعاه عمليا محور الشر العالمي ضد الشعب السوري يستعصي على عقل العقلاء وفهم ذوي الألباب !!

لماذا هذا التصعيد العبثي ؛ ؟! ما سره وما خلفيته وأبعاده ؟! ولماذا يقتل هذا العدد الكبير من السوريين ؟!!!!

سيقول لك أبله وهو يفتح فمه ضاحكا : إنها حلقة في معركة الحرب على الإرهاب !! ولكن متى كان أصحاب العقول والقلوب في هذا العالم يفجرون طائرة بركابها لأن بضعة من الخاطفين قد سيطروا عليها والجواب للتمثيل الجدلي وليس للتحقيق العلمي او العملي..

ربما أصدق ما يمكن أن يقال في تفسير فعل الشر الصريح القبيح في استهداف السوريين هو أن عمليات القتل المبرمج في صور أشكال القصف الروسي - الإيراني - الأسدي ما هي إلا محاولات قاصرة، فعلَ كل مرضى النفوس من المجرمين لإثبات الوجود وتأكيد الدور ولو بالانتقام من لحوم الأحياء من النساء والأطفال ..

لن تخيف عمليات القتل الشعب السوري ولن تثنيه عن مطالبه الحقيقية في دولة للعدل والحريّة وحقوق الإنسان ..

ولن تعرقل عمليات القتل المبرمج مشروع المنطقة الآمنة التي ستكون بإذن الله قاعدة انطلاق لبناء سورية موحدة قوية منيعة مزدهرة ..

ولن تقطع عمليات القتل المستمرة - على عنفها وآثارها الإنسانية على سورية الدولة والإنسان - الطريق على بناء سورية واحدة موحدة مجتمعا وإنسانا ..

الْخِزْي والعار لكل القتلة والمجرمين وحلفائهم وداعميهم

والرحمة والرضوان لشهداء سورية الأبرار

وإنه لجهاد حتى تحرير الأرض والإنسان

والله أكبر ولله الحمد

______________

*مدير مركز الشرق العربي

=======================

حتى لا يتجدّد ظهور (داعش)

عمار ديوب

جيرون

السبت 23/2/2019

التنظيمات الجهادية هي بمنزلة شركات أمنية، حيث إن للدول العظمى، أو لأجهزة استخباراتها القوية، عناصر أساسية فيها، تنفّذ سياساتها. وكذلك هي تعبيرٌ عن تدهور كامل للأوضاع العامة لبلد ما، وتعبيرٌ عن غيابِ بديلٍ وطني قادرٍ على توحيد المجتمع حول هوية محددة، أو حول مشروعٍ سياسي للنهوض أو لمحاربة الدول المحتلة. هي أمران إذًا، ولكن ذلك لا يكتمل دون تأويل للدين، يُنتج أسوأ ما في الفقه، ويفسّر النص الديني بشكلٍ تكفيري ضد الآخر. هناك كذلك قضيّة السلاح والمال، وهي تكشف كل الأغطية عن تلك التنظيمات، ويتدفق إليها المال، بل في أحيان كثيرة تُرسل إليها الأطعمة والوقود عبر الطائرات. عدا كل ذلك، فإن المتشدّدين، وهو أمرٌ معروفٌ للجميع، قد وصلوا عبر الحدود، بإشراف استخباراتي دولي ومحلي.

تثير مسألة انتهاء (داعش) مصير الدواعش الذين قُبض عليهم، ولا سيّما الأوربيين منهم؛ فلهؤلاء أصل أجنبي وعربي، وصار لهم أسر وأطفال في خلافة البغدادي، وبالتالي لا بدّ من عودتهم إلى دولهم الأصلية. الآن القضية مطروحة للإعلام، وربما ستطوى لاحقًا وفقًا للسياسات الدولية، ولكنّها مطروحة للاستثمار السياسي الداخلي، والتنافس بين التيارات السياسية في أوروبا. والسؤال: كيف سنتعامل نحن السوريين مع هذه القضية؟

يعنينا في سورية التساؤل عن سبب جعلها مقبرة لنا وللجهاديين، ولا سيّما أن في سورية شعبًا، وليست أرضًا فحسب. هذا أولًا، وثانيًا، كان في سورية ثورة شعبية 2011 و2012، ضد النظام، والآن انتهت الثورة، وانتهت (داعش) وبقي النظام، والدول التي جاءت لمحاربة (داعش) أصبحت محتلة لسورية، أو سينسحب بعضها كما حال الأميركان. من كل ذلك، نقول هناك شعب خسرَ، وهناك النظام، ودولٌ استفادت مما حصل من سيطرة للجهادية والسلفية وانفلات السلاح والمال إلى سورية وفيها، وبالتالي لا يمكن النظر إلى (داعش) كتنظيمٍ جهادي فحسب، وأن العالم جاء لمحاربة الإرهاب. هذا استخفاف بالعقل، واستهزاء بالسوريين. قصدت من كل ذلك أنه كما تشكل تنظيم القاعدة، لتخريب النضال ضد الوجود السوفييتي في أفغانستان، وتمَّ إيصال تنظيم القاعدة إلى العراق لتخريب المقاومة ضد الأميركان، كذلك تم إيصال (داعش) وخلق (النصرة) و(جيش الإسلام) وسواها في سورية، بهدف تخريب الثورة وإعادة إنتاج النظام.

تنظيم (داعش) كان الأسوأ، نظرًا إلى حساسية المنطقة التي احتلها، فهي خزّان سورية النفطي والزراعي والمائي، وباعتبارها أصبحت خارج سيطرة النظام، فإن إنهاءها كان ضروريًا، وهي مهمة الدول التي تدخلت لمحاربة (داعش)، ولا سيّما أن النظام ترك شمال سورية ليتوسع فيه (داعش)، وفي هذا تتحدث التقارير الصحفية عن ندرة المعارك الحقيقية التي حدثت بينهما، حيث إن مشكلة النظام ليست (داعش) ذاته بل الثورة الحقيقية، والفصائل الوطنية، والمناطق التي تحاول تشكيل بديل عنه. دور النظام مع النظام العراقي والإيراني أساسي، في تسهيل مهمة دخول (داعش) إلى سورية، والأمر ذاته يخصّ تركيا وبقية الدول. هنا تكمن الكارثة، حيث حصل تعاون مباشر أو غير مباشر، لتخريب الثورة وتدمير سورية، وقبالة ذلك يُعوّم النظام.

المشكلة التي عاناها النظام والدول المتدخّلة، وكذلك الجهادية والسلفية أيضًا، أن الثورة لم تنحصر في مناطق بعينها، وتمدّدت وتوسّعت كثيرًا، وبالتالي امتد زمن الحرب، وتضاربت مصالح الدول، وخُلقت مصالح جديدة، حتى وصلنا إلى احتلال كاملٍ لسورية من قبل إيران وروسيا وتركيا، وتدخل كبير من قبل أميركا وبريطانيا وفرنسا ودول عديدة.

يحق للسوريين، بعد كل ما سقناه، محاسبة الدول التي تركت الجهاديين يصلون إليها، وكذلك محاسبة النظام السوري الذي أطلق سراح الجهاديين من سجونه في 2011. هذا ملفٌ لا يجوز تهمشيه. الآن سيعود من لم يمت من الجهاديين إلى بلادهم، وسيظل للسوريين محاكمة الدواعش أنفسهم عمّا ارتكبوه من قتل وتدمير وتهجير وقع في المناطق التي سيطروا عليها. لا يجب النظر إلى الدواعش وكأنّهم أجانب فحسب، ويجب أن يعودوا إلى بلادهم، وأن يحاكموا هناك لأنهم جهاديين.

لا يهم هذا المقال من سيملأ الفراغ الذي سيتركه (داعش)، فكل من تركيا وإيران وروسيا والنظام السوري، والاتحاد الديمقراطي وقوات أحمد الجربا وآخرين، يهيّؤون أنفسهم لتقاسم غنيمة شرقي الفرات، أو بقايا أرض “الخلافة”. يهم هذا المقال مصير بقايا (داعش) في تلك الأرض، والواقع الذي سيتشكل فيها، والمحاسبة. هناك تحليلات تؤكد أن الجهادية لا تنتهي إلا بانتهاء الوضع “الشاذ” الذي أنتجها، وبحدوثِ توافقٍ دولي وإقليمي حول مصير سورية والسوريين. القصد أن لوجود (داعش) وأشباهها أسبابًا كثيرة، كما أوضحنا، وتوسع (داعش) في سيناء وأفغانستان وليبيا ومناطق أخرى، يوضح أن القضية تكمن في الانهيار العام، وغياب الدولة المركزية، والاستثمار الخارجي لتخريب الوضع الداخلي، ولا سيّما إن وجدت ثورات أو حركات مقاومة حقيقية ضد الأنظمة أو الاحتلالات الخارجية.

إن كل أسباب إنتاج (داعش) مجدّدًا متوفّرة، وبقاياه لم تنته بعد، وبالتالي يشكّل تأخّر مصير النظام السوري، وإعادة الإعمار، وغياب توافق دولي وإقليمي، وغياب مشروع وطني سوري، أسبابًا حقيقية لظهور (داعش) أو أشكال جديدة منه. كل ما قلته لا يُغيّب أن هناك سلفيين وجهاديين مستقلين كذلك، وهؤلاء يمكن أن يشكّلوا نسخة جديدة من الجهادية، في حال تأجّلَ حلَّ المشكلات التي تتعقّد ولا تجد لها حلولًا، لوضع نهاية للوضع السوري.

مشكلتنا الآن أن العالم يبحث عن مصالحه، والتوافقات الدولية والإقليمية ستكون ضد مصلحة الشعب السوري، وضمن ذلك يشكّل غيابُ بديل وطني سوري عابر للمحافظات وأعلى من الطائفية والمناطقية والقومية الضيقة، أسبابًا لانتعاش أشكال جديدة من السلفية والجهادية وربما العشائرية السياسية، وسيؤدي ذلك بالتأكيد إلى إعادة إنتاج النظام. إضافة إلى كل ذلك، فإن حدثت التوافقات الدولية والإقليمية، لمصالح دول ضد دول، فإن هناك ما يشبه الإجماع على إخراج إيران من سورية، وبالتالي ستكون هناك أسباب جديدة لظهور حركات إرهابية، ومشاريع أمنية مناهضة لأي تغيير حقيقي في سورية.

==========================

سورية ليست مساحة جغرافية بل وطن

 عبد الباسط سيدا

جيرون

السبت 23/2/2019

كانت باحثة الآثار الإنكليزية جيرترود بيل “الخاتون” رسميًا مستشارةً للمندوب السامي البريطاني في عراق عشرينيات القرن المنصرم، ولكنها عمليًا كانت ممثلة بريطانيا في العراق، ولديها شبكة من العلاقات الواسعة مع السياسيين العراقيين في ذلك الحين، بمن فيهم الملك فيصل نفسه. كما كان لديها تواصل نشط مع الفعاليات المجتمعية، ولها بصمات واضحة على تشكيل الدولة العراقية الحديثة، وترسيم الحدود بين العراق وسورية، وذلك بالتعاون مع توماس إدوارد لورانس. ومن ألقابها “ملكة الصحراء”. أما مناسبة هذا الحديث فهي التذكير بما كانت قد كتبته عام 1907 حول سورية في كتابها (The Desert and the Sown).

ترى جيرترود بيل أن سورية تضم تجمعات وقبائل مستعدة لذبح بعضها، لا تربط بينها أي مشاعر وطنية. أهل المدن يميزون أنفسهم من البدو، ولا يوجد أي انتماء وطني. إذا ما سألت أحدهم “من أين أنت”؛ قال لك “أنا من دمشق أو حلب”. سورية هي مجرد مساحة جغرافية، لا تثير مشاعر وطنية تنبض في صدور السكان.

أما لورانس، فقد وصف سورية هكذا: “كانت سورية على مدار التاريخ ممرًا بين الصحراء والبحر، وكانت ساحة حرب بين الشعوب الكبيرة في محيطها، شعوب من آسيا الصغرى ومصر واليونان والرومان، ومن الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين”. وقال: “وما شهدَته سورية من استقرار، من حين إلى آخر، كان بفعل ضعف الجيران”.

واللافت أن لورانس يرى هو الآخر أن سورية تضم مجموعة من المكونات الدينية والمذهبية والقومية التي لا تكنّ الود لبعضها، وتتوزع في مناطق جغرافية موزعة في الجنوب والشمال والغرب.

وإذا أمعنّا النظر في ما ذهب إليه اثنان، أسهما في رسم ملامح الكيانات السياسية في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة سورية والعراق، وكانا على تواصل في ما بينهما، ومن المطلعين على تاريخ وجغرافية المنطقة، والباحثين في ميدان آثارها، كما كانا على اتصال مباشر في الوقت ذاته مع دوائر القرار البريطانية، وإذا درسنا بعمق ما ذهبا إليه، وربطنا ذلك بين ما يحدث الآن؛ فإننا سنصل إلى نتيجة فحواها أن القوى الكبرى هي التي كلفت حكام المنطقة بتسيير شؤون الكيانات التي رسمت حدودها بخطوط مستقيمة، وزوايا حادة وقائمة، وذلك بناء على المساومات التي كان تجري بينها، والتوافقات التي يتم التوصل إليها بناء على المصالح المتبادلة.

لم تكن رغبات السكان موضوع أي اهتمام أو اعتبار، فقد كانوا -في منظور القوى المعنية- مجرد مجموعات متصارعة، مختلفة في ما بينها، لا يربطها أي شعور وطني مشترك. هذا في حين أن السوريين أثبتوا وحدتهم وتضامنهم، إبان ثورتهم الكبرى التي كانت تطالب برحيل الاستعمار الفرنسي، وهي الثورة التي وحدت بين السوريين في جميع الأنحاء، وتجاوزت كل الحدود الدينية والمذهبية والقومية.

ولكن لورانس نفسه عاد ليقف إلى جانب الملك فيصل، وسانده في دعوته إلى تأسيس دولة عربية انطلاقًا من دمشق، العاصمة غير الرسمية لسورية الطبيعية في ذلك الحين، على أن تضم الجزيرة العربية والعراق أيضًا. ولكن يبدو أن المصالح التي تقاطعت بين البريطانيين والأسرة الهاشمية لم تستمر طويلًا. ولم تكن الدعوة القومية، التي شجعها الإنكليز، سوى وسيلة لتعبئة سكان المنطقة ضد السلطة العثمانية التي كانت تحكم باسم الخلافة الإسلامية. وحينما تعارضت مصالح فرنسا مع هذه الدعوة، وجد فيصل نفسه مضطرًا إلى التسليم بإنذار غورو، والانتقال إلى العراق، بحماية ورعاية البريطانيين الذين كانت مصالحهم تستوجب التفاهم مع الفرنسيين، هذا على الرغم من استمرار الوضعية التنافسية بينهما.

ودخلت فرنسا إلى سورية تحت ذريعة الانتداب، لتمارس احتلالًا هدفه السيطرة على الساحل السوري بالدرجة الأولى، وذلك لتعزيز وجودها في حوض البحر المتوسط، وكان هذا الأمر يمثل حلمها منذ أيام نابليون. كما كانت تبحث عن النفط الذي تحتاج إليه صناعتها، على حد تعبير كليمنصو، رئيس الوزراء الفرنسي في ذلك الحين.

ولتثبيت سلطتها، لجأت فرنسا إلى القاعدة الاستعمارية المعهودة: “فرّق تسد”. وكان تركيزها في المقام الأول على المكونات الدينية والمذهبية، خارج نطاق الأغلبية السنية. بل كانت تعتبر نفسها منذ القرن الثامن عشر حامية الكاثوليك الذين كان يعيشون ضمن المناطق التابعة للدولة العثمانية، وتعمل باستمرار على التوغل في لبنان وسورية عبر البعثات التبشيرية والتعليمية. فأنشأت دولة لبنان، ودولة العلويين، ودولة الدروز، ودولتين للسنّة في كل من دمشق وحلب، ولم تكتفِ بدولة واحدة لهم، وهذا أمرٌ لافت بذاته، ولم تشكل دولة قومية، للعرب ولا للكرد، على الرغم من أن عدد الكرد في ذلك الحين كان يزيد على عدد العلويين والدروز. وهذا يجد تفسيره في الحساسية الفرنسية من الأيديولوجية القومية بصورة عامة، لأسباب داخلية وخارجية، وذلك خشية انتقال العدوى إلى مستعمراتها في أفريقيا الشمالية، ويشار هنا إلى تونس والجزائر والمغرب.

ومع خروج الفرنسيين من سورية، بعد نضال شاق خاضه السوريون بمختلف انتماءاتهم، وفي سائر جهاتهم من أجل الاستقلال، جاءت ظروف الحرب العالمية الثانية لتساعدهم في بلوغ هدفهم، من خلال الاستفادة من تعارض مواقف الدولة الكبرى. فقد ضغطت بريطانيا على فرنسا انطلاقًا من عوامل المنافسة بينهما، وكانت النتيجة خروج الفرنسيين على مضض.

لكن المصيبة التي ألمت بالسوريين، بعد انقضاء سنوات نشوة الاستقلال الأولى، تمثلت في تدخل الجيش في السياسة، في حين كان من المفروض أن يبقى المؤسسة الوطنية الجامعة، فتحوّل إلى جملة من الكتل المتنافرة المتصارعة الساعية للسلطة، والمستعدة -في سبيل الوصول إليها- لأن تسلم أمورها إلى القوى الدولية لمساعدتها في إقصاء الآخرين.

الأمر الذي يستوقف هو أن كل هذه التناحرات كانت تتم تحت ستار شعارات القومية، التي كانت توجه أنظار الناس نحو وحدة عربية، من المحيط إلى الخليج، ولكنها في واقع الحال كانت مجرد تمويه للتغطية على ما يتعرض له الداخل الوطني من قمع واستنزاف.

كانت مرحلة الانقلابات التي تجسد بصورة ملموسة هذا الواقع، واستمرت الأمور على منوالها حتى الانقلاب الذي قاده حافظ الأسد ضد رفاقه، وتمكن بفعل تراكم الخبرات المؤامراتية، وحنكته السياسية في ميدان إدارة الأمور لصالح ترسيخ سلطته، والاستفادة من التناقضات الإقليمية، تمكن بفعل كل ذلك وغيره من جعل نظامه نقطة تلاق محورية بين مختلف الفرقاء، وقد رتب أموره في هذا المجال، منذ اتفاقية فك الاشتباك مع “إسرائيل” في 31 أيار/ مايو 1974 برعاية هنري كيسنجر. وعزز موقفه بعد عزل مصر عربيًا، على إثر زيارة أنور السادات إلى القدس في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1977، واستفاد من ظروف الحرب العراقية – الإيرانية. ومن ثم حرب تحرير الكويت، من خلال مشاركة قواته في العمليات بقيادة أميركية.

وقد تمكن من تسويق كل ذلك، عبر آلته الدعائية التي شملت وسائل الإعلام، وحزب البعث، والجبهة الوطنية التقدمية، والمؤسسات الدينية، ورجال الأعمال المقربين المستفيدين، وصوّره على أنه حكمة وبعد نظر.

ونتيجة للتراكمات السلبية الهائلة التي كانت بفعل توحش الفساد والاستبداد، وانسداد الآفاق أمام الشباب السوري، كان الانفجار السوري الكبير الذي تجسّد في ثورة سورية عارمة، جمعت في بداياتها بين مختلف المكونات السورية، ولكنها سرعان ما تعرضت للانتكاسات بفعل عوامل كثيرة، أبرزها حرص النظام على اتباع السياسة القديمة- الجديدة، وهي سياسة الإرهاب بالإرهاب، وهي السياسة التي استخدمها النظام في العراق ولبنان، وأثبتت جدواها على الصعيد العملي، طالما أن القوى المتحكمة في المصاير تقرّ باللعبة، أو تصمت عنها، لأسبابها الخاصة. وتمكّن النظام من إحداث شرخ بين المكونات المجتمعية السورية، ليقدّم نفسه بوصفه البديل الأقل سوءًا.

الوضعية السورية الراهنة مفتوحة على جميع الاحتمالات. والقوى الإقليمية ما زالت تتعامل مع سورية وكأنها مجرد مساحة جغرافية خاوية، تصلح لأن تكون مناطق نفوذ تتوزعها في ما بينها.

لن ينقذ السوريين سوى مشروع وطني متكامل، مشروع يضع النقاط على الحروف بدقة متناهية، وجرأة تمكّن صاحبها من الإقرار بالخصوصيات والهواجس جميعها، من دون أي امتياز أو استثناء، ويعترف بالحقوق من دون أي مواربة. ويعتمد الشكل الإداري الأنسب لإدارة التنوع السوري وتحرير طاقاته الإبداعية. مشروع يطمئن الجميع، ويقطع بصورة نهائية مع التقية السياسية المجاملاتية التي أنهكت السوريين جميعًا.

الخصوصية السورية لا تتحمل التعصب الديني أو القومي أو الأيديولوجي، بل تستوجب تفاهمًا وطنيًا عامًا، يشمل كل السوريين من دون أي استثناء. تفاهمًا من شأنه طمأنة السوريين بأن لديهم وطنًا مشتركًا، يمثل حاضنة لمستقبل شبابهم الذين من المفروض أن يخفق في صدورهم الحس الوطني الصادق، هذا إذا تمكنا من أخذ العبر من تاريخنا وتجاربنا، منذ الاستقلال حتى يومنا هذا، ولا سيما في السنوات العجاف الثمانية الأخيرة.

==========================

الثورة وأوراق القوة المغفلة

زكي الدروبي

حرية برس

السبت 23/2/2019

يعتقد البعض تحت تأثير الضغوط المستمرة من قبل الدول الفاعلة أن الثورة في تراجع، وأننا نحتاج لمدة من الزمن كي يمكن لنا أن نستعيد زمام المبادرة، لذلك لا بأس من التخلي عن المسار الأممي وقرارات الأمم المتحدة مؤقتًا، ومراعاة الظروف المستجدة، ومسايرة الحل الروسي، ريثما تستجد ظروف أخرى تعطي الثورة عناصر قوة تفتقدها حاليًا.

بداية لا بأس من التذكير بأننا في ظروف صعبة جدًا، فالمعارضة مشتتة متفرقة، سواء بشقها السياسي أو الشعبي، والقوى العسكرية المحسوبة على الثورة ليست صاحبة قرار مستقل، والإرهاب والتطرف يسيطران على مساحة كبيرة من المحرر، وروسيا أحرزت تقدمًا بتفكيك الفصائل، وعودة بعض أمراء الحرب إلى حضن النظام، وتحولهم للقتال إلى جانبه، وتسعى جاهدة لإعادة اللاجئين في الركبان وفي لبنان إلى حظيرة النظام، ليكونوا وقوداً للمحرقة، ولتستثمر فيهم من أجل الحصول على أموال إعادة الإعمار وسرقتها.

لكن لا بأس أيضاً من التذكير بأن النظام لا يعيش أسعد أوقاته، فالتناقضات والصراعات بين الدول هي سيدة الموقف، فالصراع الخفي بين ايران وروسيا في سوريا – وهما الحليفان الرئيسيان لعصابة الأسد – يتفاقم يومًا إثر يوم، والخلافات بين الحلف الثلاثي التركي الإيراني الروسي لازالت مستمرة، ولم يتم الاتفاق لا على مصير إدلب ولا على مصير شرق الفرات، وتشهد مناطق النظام أسوء حالاتها، فلا اقتصاد ولا كرامة ولا ظروف معيشية مناسبة، فالفقر والبطالة بأعلى معدلاتها، والجريمة منتشرة، وعناصر النظام يتعاملون مع الناس دون أي حساب لكرامتهم، فأي عنصر من عناصر النظام يمكنه اعتقال وقتل من يريد دون محاسبة ومسائلة، والحرب بين محاور النظام نفسه مشتعلة، وكل فريق يحاول تسجيل نقاط على الفريق الآخر، ولا يوجد حد أدنى من ظروف المعيشة، فلا كهرباء ولا محروقات ولا غاز، والأسعار في ارتفاع كبير، والرواتب ضامرة جدًا والفقر كبير، وحالة التذمر منتشرة في أوساط الموالين للنظام، والذي لم يستطيع تقديم أي جديد سوى خروج رأس النظام بشار الأسد ليكرر كلامه الأجوف الغبي، حتى المسرحية التقليدية التي كان يقوم بها عبر تحميل من هم أدنى منه مسؤولية الذنب لم تنفذ، ولم يتم تغيير أي مسؤول أو محاسبته على تقصيره.

علينا أن نفرق بين المستسهلين المستسلمين للحل الروسي، إن كان توجههم هذا عمالة أم هبوط معنويات، فصاحب التوجه العميل لن تفيده كلماتي هذه، ولن تغير في موقفه شيء، فهو الذي خضع للعدو الروسي وهرول راكضاً لعنده، ونام مفترشاً الأرض في المطارات، إنما أتوجه بكلماتي هذه للوطنيين الذين استسلموا للضغوط، وخافوا على مصير الثورة، فهرولوا يبحثون عن أي حل ينقذ ما يمكن إنقاذه، ريثما يتم العمل على خطة استراتيجية بعيدة المدى تحقق أهداف الثورة.

لهؤلاء أقول اصبروا يا رفاق الثورة، فالوضع ليس بالميؤوس منه نهائياً، فهناك الشعب السوري الذي سيحيي مواقفكم، ويقف معكم ويسند ظهركم في رفض الحل الروسي، وهناك المئات من البيانات السياسية الخارجة عن أحزاب وكتل وتجمعات ثورية ترفض الحل الروسي، وتطالبكم بالعودة إلى القرارات الأممية مهما كان الثمن المدفوع.

إن التفكك الموجود بين قوى الثورة، وبعد الهيئات التي نصبت لتمثيلها عن الحاضنة الشعبية، وعدم وجود قوة عسكرية تتبع لها تدعم موقفها، أضعف الأخيرة، لهذا ترى أنها لا تملك أياً من أوراق القوة التي تسندها في التفاوض، وأنه لا يمكن التفريط بالمنجزات التي اكتسبتها الثورة – حسب وجهة نظرهم – من اعتراف دولي بالمؤسسات التي شكلت، ومن الصعب حاليًا الوصول لشيء جديد ينال هذه الاعترافات، لهذا فهم يسيرون بالمتاح حاليًا ريثما يستجد شيء جديد يساهم في إكساب الثورة أوراق قوة جديدة.

إن ما سبق من نقاط القوة يمكن أن نوجد لها حلول سريعة تنقذ موقفهم إن كان هناك إرادة وابتعاد عن الأنا، فتفكك القوى السياسية يمكن أن يتم تجاوزه من خلال غرفة مشتركة للحوار والتشاور بينها، وتكون بمبادرة من الائتلاف، تجمع القوى الوطنية الديمقراطية المؤمنة بوحدة سوريا أرضًا وشعبًا، وبضرورة إسقاط نظام الاستبداد، والانتقال لنظام ديمقراطي يعتمد المواطنة المتساوية حيث الشعب هو مصدر السلطات ومصدر التشريع، وبعيدة عن التطرف ورافضة له، وتنطلق من موقف وطني بضرورة خروج جميع الغرباء من أراضي سوريا، سواء أكانوا دولاً أو تنظيمات أو أفراد، ويمكن القيام بأنشطة وأعمالاً مشتركة، وتراكم الحوار والأعمال المشتركة ينتج أرضية تفاهم قوية توصلهم إلى قيادة موحدة للعمل السياسي الثوري، أما ما يتعلق بالحاضنة الشعبية فهذا الموضوع شائك ويحتاج لجهد أكبر.

روى لي أحد كبار السن في حمص، أن وفد الكتلة الوطنية الذاهب إلى فرنسا للتفاوض حول استقلال سوريا أجرى جولات في المحافظات، والتقى بالناس فيها، وسمع منها، وعرض فكرته عليهم، ثم ذهب للتفاوض متحصنًا بعمق شعبي يدعمه، وهذا يتطلب من هيئة التفاوض بذل جهود كبرى في سبيل التواصل مع الشعب السوري في مخيمات النزوح وفي المهجر وفي كل مكان، لوضعه بصورة الوضع والاستماع من هذا الشعب فهو صاحب الرأي الفصل، ويمكن أن نشير لضرورة تشكيل نوع من المجلس الاستشاري أو القيادة الثورية التي تشرف على عمل هيئة التفاوض، وتتألف من ممثلين عن كافة الأحزاب والتجمعات السياسية الحقيقية الموجودة فعلاً /تنسيقيات وحركات وتنظيمات …/ ، وبهذا تكون الهيئة مدعومة في قراراتها المتخذة من عمق شعبي يساندها ويخفف عنها الضغوط، ولا ننسى في هذه العجالة ضرورة تنظيم الشباب السوري الموجود في المهجر، والاستفادة من جهودهم لأجل تشكيل لوبي يضغط على الحكومات المختلفة من خلال الحوارات مع السياسيين والشخصيات المؤثرة في تلك المجتمعات، ومن خلال وسائل الإعلام، سواء أكانت تقليدية كالصحف والتلفزيونات، أو غير تقليدية كوسائل التواصل الاجتماعي.

==========================

لبنان والانخراط في الأسدية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 23/2/2019

على الرغم من غزو سورية الذي قام به حزب الله، بأمر من مرشد ايران علي خامنئي، وما أدى إليه من قتل وجرح عشرات آلاف السوريات والسوريين، وقيل في تسويغه إن أهدافه هي منع سبي "المرحومة السيدة زينب" من جديد، والدفاع عن شيعة القصير، ومنع الإرهاب في لبنان، لكن الحزب لم يلتزم بما قاله، بل سارع إلى نشر مقاتليه في كل شبر من سورية، لجلب السعادة إلى شعبها، بإخضاعه لاستعمار إيراني هو الأشد تخلفا وعنصرية بين كل ما قرأناه وسمعناه عن الاستعمار، يُضفي صبغةً محض مذهبية على صراع شعبها من أجل حريته، بحجة الحرب على التكفيريين، وينقذ النظام الأسدي الذي رفضه الشعب دوما، لأنه النظام الذي وعده بالوحدة والحرية والاشتراكية، لكنه حقق عكس ما وعد، وطيّف البلاد والعباد، وأركع السوريين وعذّبهم وأفقرهم، وسلم جولانهم لإسرائيل.

هذا الدور الحربي الذي مارسه حزب الله في سورية، دأب لبنان الرسمي على اعتباره "نأياً بنفسه" عن صراعها، علما أن آلافا من مسلحي الحزب قتلوا عشرات آلاف السوريين، وسجلو جرائمهم على أشرطة فيديو وهم ينشدون: رصاصة منك ورصاصة مني ..، ويتعهدون "بتحرير الكعبة.. " (إذا شك الأستاذ جهاد الزين في أنني أمارس "الإرهاب الإعلامي العلماني الديمقراطي"، أرسلت الفيديوهات إليه ليراجع فيها "حفيد محمد، كلمة علي، وبشارة عيسي، رب العزة والجلال حسن نصر الله) بينما أكد شيوخ قم أن من أنقذ الأسد هي هذه "القوات الشيعية".

يعلن قادة لبنان ببراءة أنه ينأى بنفسه عن الصراع السوري، كأن حزب الله الذي يقرّر من يكون رئيس جمهورية، ومتى تشكل وزارة، وممن، ومتى ينام سنّة لبنان ومسيحيوه ومتى يستيقظون، ويقرّر الحرب والسلام في بلاده، ليس جهة رسمية لبنانية، لمجرد أن الدولة تخضع له، وتفتقر إلى الجرأة على توجيه أي اتهام إليه.

واضحٌ أن حزب الله يحتقر الدولة اللبنانية، ولماذا لا يحتقرها إن كان معظم قادتها يلوذون بالصمت أو يؤيدونه وهو يتلاعب بها، ويخضعها لحساباتٍ إيرانية تتعامل معها كأنها جزء من "أمة شيعية" عابرة للحدود، يمنحها وجود الحزب في لبنان الحق في فرد سيادتها عليه، كبلد يُمسك به المنتسبون إلى الأمة بواسطة الحزب، يجب أن يُدار بقوى حرسها الثوري المرابط فيه، ويحمل اسم حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وكتائب الدفاع الوطني في سورية... إلخ.

ينخرط لبنان الرسمي حتى ذقنه في الحرب ضد الشعب السوري. مع ذلك، يزعم جبران باسيل، ممثل الفرع الإيراني/ الأسدي بين موارنة لبنان، والمستعد لبيع بلاده مقابل كرسي الرئاسة، أن مشكلة لبنان التي تهدّد وجوده هي اللاجئون السوريون الذين يجب إعادتهم، ولو بالقوة، إلى المسلخ الأسدي، متجاهلا أن انخراط حزب الله في الحرب على سورية يقوّض استقلال لبنان الوطني، ويأخذه إلى زمن إيراني/ أسدي، سيكون ثمن إدخاله إليه كارثيا، لأنه سيُلزمه بسياسات ترتبط حصرا بخطط طهران ومصالحها التي تتخطى مصالحه، وتهدّد وجوده بجرّه إلى تشابكاتٍ ليس له من قرار فيها، ستجرّه حتما إلى حربٍ لا ناقة له فيها ولا جمل، إن انخرط حزب الله فيها بأوامر من قيادته في إيران، تجاوزت نتائجها جميع خطوط سيادته الحمراء، وألقت به إلى هاويةٍ لن يخرج سالما منها، لأن من زجّه في الحرب السورية، بذريعة حماية السيدة زينب، لن يُحجم عن جرّه إلى كارثةٍ أشد هولا وفظاعة، لن تبقي فيها حجرا على حجر، بحجّة الدفاع عن طهران.

==========================

أيها العرب: لا تحلموا بحرب إسرائيلية إيرانية

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 23/2/2019

تصاعدت في الآونة الأخيرة الضربات الإسرائيلية للمواقع الإيرانية في سوريا. وارتفعت حدة التهديدات بين الإيرانيين والإسرائيليين. ومما زاد في رفع حدة المواجهة أن أمريكا وإسرائيل رتبتا مؤتمراً دولياً في وارسو بمشاركة أنظمة عربية لمواجهة الخطر الإيراني.، هذه الأجواء المحمومة جعلت الكثيرين يتوقعون أن تشتعل الحرب بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، لكن السياسة علمتنا أن لا نأخذ أبدا بظاهر الأمور مهما كانت مشتعلة إعلاميا، فالحقيقة لا تجدها في وسائل الإعلام ولا في التصريحات السياسية النارية، بل تجدها على أرض الواقع. وقد أخبرنا الفلاسفة الإغريق أن لا نركز على ما يقوله الساسة، بل على ما يفعلونه على الأرض. ولو نظرنا إلى ما فعلته إسرائيل وإيران على الأرض، نجد أن الطرفين حلف واحد يتقاسم العالم العربي بالمسطرة والقلم. رغم كل هذه الجعجعة الإعلامية بين الطرفين.

قالها لي باحث سوري كبير يعيش في أمريكا منذ الأيام الأولى للثورة السورية، وهو مؤيد للنظام بطريقة ذكية، قال: «لا تتفاجأوا بالتغلغل الإيراني المتزايد في المنطقة عموما وسوريا خصوصاً: فهناك اتفاق بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، يسمح لإيران بالتمدد واستعداء العرب للتخفيف من العداء العربي لإسرائيل. بعبارة أخرى هناك اتفاق بين إسرائيل وإيران على تقاسم العداء مع العرب، فبدلا من أن تظل إسرائيل البعبع والعدو الوحيد للعرب في المنطقة، تتقاسم العداء مع إيران، بحيث يخف الضغط على إسرائيل. ولو نظرنا الآن لوجدنا ثمرات هذا الاتفاق على الأرض؛ ألم يصبح غالبية العرب ينظرون إلى إيران على أنها أخطر عليهم من إسرائيل؟ وبالتالي، فإن كل العداء هذا الظاهر بين الصفيوني والصهيوني مجرد ضحك على الذقون. أما الخوف الإسرائيلي من الوجود الإيراني في سوريا ولبنان فقد أصبح نكتة سمجة لم تعد تنطلي على تلاميذ المدارس.

كيف سمحت إسرائيل وأمريكا لذراع عسكري إيراني ضارب أن ينشأ على حدود إسرائيل مباشرة مع لبنان بعد فترة قصيرة جداً من وصول الخميني إلى السلطة، وبالتالي أن يهدد «الصهاينة» من على مرمى حجر؟

تعالوا نشاهد كيف سهّلت أمريكا وإسرائيل لإيران الخمينية أن تتمدد حتى تصل إلى حدود إسرائيل. ألم يرفع الإمام الخميني عند وصوله إلى السلطة في إيران في نهاية سبعينيات القرن الماضي قادما من بلاد الغرب «اللعين»، شعار محاربة الشيطان الأكبر، ألا وهي أمريكا وكل الجهات المتحالفة معها في الشرق الأوسط؟ ألم تكن إسرائيل على رأس قائمة الجهات التي استهدفتها القيادة الإيرانية الجديدة التي استلمت مقاليد الحكم بعد الثورة؟ ألم نسمع وقتها كيف بدأ الإيرانيون الجدد يرفعون شعار تحرير القدس وإغراق الصهاينة بالماء؟

لو كانت إسرائيل تخشى من إيران وميليشياتها الطائفية في سوريا، لما سمحت هي وأمريكا لتلك الميليشيات بدخول سوريا أصلا، ومن سلم العراق لإيران على طبق من ذهب، لا يمكن أن يعرقل التغلغل الفارسي في سوريا، ومن يخشى من حزب الله في لبنان، لا يمكن أن يسمح لإيران بإنشاء ألف حزب الله في سوريا

ألم تنتبه إسرائيل وأمريكا لكل تلك التهديدات الإيرانية الصارخة؟ لماذا لم تتخذ واشنطن وتل أبيب كل الاحتياطات، وترصد كل التحركات الإيرانية الجديدة لحظة بلحظة خوفا من حملة الثأر الإيرانية الرهيبة التي أطلقها الخميني ضد الشيطان الأكبر وربيبته إسرائيل؟ على العكس من ذلك، نجد أن التغلغل الإيراني في المنطقة بعد سنوات قلائل على الثورة الإيرانية، فقد وصلت إيران فورا إلى الحدود الإسرائيلية بلمح البصر بعد تهديداتها النارية للإمبريالية والصهيونية.

وفي بداية الثمانينيات، وبعد ثلاث سنوات أو أقل، ظهر فجأة إلى الوجود «حزب الله اللبناني» كأول طليعة وذراع عسكري لإيران في المنطقة. ولو ظهر ذلك الحزب مثلا في بلد عربي بعيد عن إسرائيل، لبلعنا القصة، لكن الذي حصل أن إيران أسست حزب الله على الحدود مباشرة مع ما تسميه وسائل الإعلام الإيرانية «الكيان الصهيوني»، بعد أن قضت بالتعاون مع النظام السوري على كل الفصائل اللبنانية والفلسطينية والوطنية واليسارية والإسلامية وغيرها في لبنان التي كانت تخوض حرب العصابات ضد إسرائيل. فجأة ظهر حزب الله ليرفع شعار تحرير القدس من على الحدود مع إسرائيل مباشرة، وليس من طهران.

والسؤال هنا بعد تولي الخميني مقاليد الحكم في إيران ورفعه شعارات تقطر عداء لإسرائيل وأمريكا: كيف سمحت إسرائيل وأمريكا لذراع عسكري إيراني ضارب أن ينشأ على حدود إسرائيل مباشرة مع لبنان بعد فترة قصيرة جدا من وصول الخميني إلى السلطة، وبالتالي أن يهدد «الصهاينة» من على مرمى حجر؟

بعض الساخرين يتهكم قائلا: يبدو أن أمريكا وإسرائيل اللتين تراقب أقمارهما الاصطناعية دبيب النمل في المنطقة، كانتا نائمتين في تلك اللحظات التي ظهر فيها حزب الله على الحدود مع إسرائيل، أو كانت الكهرباء مقطوعة في إسرائيل، فنشأ الحزب ونما، ودجج نفسه بالسلاح الإيراني والسوري بلمح البصر، وعندما استفاقت أمريكا وإسرائيل وجدتا أن هناك قوة عسكرية إيرانية ضاربة على الحدود الإسرائيلية، فأسقط في أيديهما، وندمتا على الساعة التي أخذتا فيها غفوة، فاستغلتها إيران في إنضاج حزب الله، وجعله سيفا مسلطا على رقبة إسرائيل بين ليلة وضحاها.

وبما أن النظام الإيراني الجديد رفع منذ بداية الثورة شعار القضاء على الصهيونية، فكيف سمحت له إسرائيل وأمريكا أن يتغلغل في سوريا جارة «الصهيونية» المباشرة بهذا الشكل الرهيب، بحيث أصبحت سوريا على مدى عقود بعد الثورة الإيرانية (عدوة الإمبريالية والصهيونية)، أصبحت مربط خيل إيران في المنطقة؟ يبدو أيضا أن الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية أثناء التغلغل الإيراني في سوريا والهيمنة عليها كانت نائمة، ربما بسبب التعب، أو بعد تناول وجبة ثقيلة من الأسماك، فاستغلت إيران الغفوة أيضا، ووصلت إلى حدود «الكيان الصهيوني» لتهدده مباشرة. وها هو الحرس الثوري الإيراني الذي يريد أن يدمر الصهاينة يصول ويجول الآن في سوريا حتى وصل إلى تخوم الجولان، وإسرائيل «المسكينة» غافلة عنه. يا سلام! يا حرام!

لو كانت إسرائيل تخشى من إيران وميليشياتها الطائفية في سوريا، لما سمحت هي وأمريكا لتلك الميليشيات بدخول سوريا أصلا، ومن سلم العراق لإيران على طبق من ذهب، لا يمكن أن يعرقل التغلغل الفارسي في سوريا، ومن يخشى من حزب الله في لبنان، لا يمكن أن يسمح لإيران بإنشاء ألف حزب الله في سوريا ولا ننسى أن المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي قال قبل أيام إن إيران لا تعتبر أمريكا الشيطان الأكبر، بل تعتبر فقط ترمب وجماعته، مما يفضح كل تلك اللعبة التي يلعبها الصفاينة والصهاينة على العرب منذ عقود.

==========================

مشاهد اغتراب !؟

شعر: يحيى حاج يحيى

 (1)

عندما أعبُرُ من قطرٍ لقطرِ

وأرى في وجهكَ الأسمرِ مرآةً لوجهي

وأرى جبهتَكَ الشمّاء تاريخاً وذكرى

لا تسلْني عن "جوازٍ" أو "هُوِّيَّه"

لم أغادرْ موطني شِبراً، وحسبي

أن أحييّك وأمضي !؟

(2)

عندما أعبُرُ من قطرٍ لقطرِ

لا تسلْني: أنتَ مَنْ؟ أيّان جئتَ؟!

ولماذا قد أتيتَ؟

فأنا – يا صاحِ - حَسْبي

أنني وجّهتُ وجهي

للذي وجهتَ وجهَكْ

وأنا – يا صاح – حَسْبي

أن أحييّك وأمضي !

(3)

عندما أعبُرُ من قطرٍ لقطرِ

سأشُدُّ الكفَّ في شوق وحُبِّ

ثم أمضي

لا تسلني: أين أوراقُ العبوِر

فأنا أدخلُ بيتي، كلَّ وقْتِ

لستُ محتاجاً لأختام الدخولِ

وأنا – يا صاحِ – حَسْبي

أن أحييك وأمضي !

 (4)

ربَّما كنتُ – عراقياً يُحييّكم بأشواقِ العراقِ

ربَّما كنتُ من الأردنِّ، والأردنُّ حبّي واشتياقي

أو حجازياً هَفَتْ أشواقُهُ نحو "المدينَهْ

أو شآمياً يواري في مرابعكم أنينَهْ

إنَّ بعضاً من تعابيرِ الأُخوَّهْ

وابتساماتٍ على شَفَةٍ المودَّهْ

تزرع الآمالَ في روحي وقلبي

لا تسلني عن "جواز" أو "هُوِّيَّهْ"

لا تسلني: أين أوراقُ العبور؟

أنتَ تُدميني، وتُدمي كِبريائي

إذ تُناديني غريباً، في صفوفِ الغرباء!

فأنا أعبُرُ دربي

وأحَيِّي، ثم أمضي

ذاك حسبي !!

=============================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com