العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03-02-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

النظام السوري بين الشمولية والديكتاتورية

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الخميس 31/1/2019

يقول الفيلسوف وعالم السوسيولوجيا الفرنسي، ريمون آرون، إن الشمولية تحدث عندما يستند نظام سياسي معين إلى حزبٍ واحد، يحتكر النشاط السياسي، ومسلح بأيديولوجية وسلطة مطلقة، بحيث تصبح الحقيقة الرسمية للدولة. ولكن هذا التعريف لا يوضح الفرق بين الشمولية والديكتاتورية (أسلوب الحكم الذي تكون فيه للفرد صلاحيات مطلقة)، لأن كلا النظامين يعتمدان السيطرة المطلقة.

وتذهب الفيلسوفة الألمانية، حنة أرندت، إلى أن الشمولية، باعتبارها نظاما سياسيا، تعتبر شكلا جديدا يختلف جذريا عن النظم وأشكال الحكم التي عرفتها البشرية، ولا يمكن اختزاله بالطغيان، فالنظام الشمولي يعتمد على ما تسميه القانون الطبيعي الذي حل محل القانون الوضعي. وبهذا المعنى، فإن أي نظام شمولي لا بد أن يكون ديكتاتوريا بالضرورة، لأنه يجعل المجتمع عضويا متماسكا بالقوة، لا مكان فيه للأفراد والجماعات المخالفة لسردية السلطة، غير أن النظام الشمولي يعتبر أعمّ من الديكتاتوري، أو هو الصيغة الراديكالية عن الديكتاتورية الشمولية، نوع من الفكر السياسي يقوم على المطلق، من خلال نظام سياسي ونظرية فلسفية وأيديولوجية تعمل على صهر الحياة العامة في مختلف جوانبها الدينية، ضمن بوتقة أحادية للسلطة.

عرفت البشرية أنظمة ديكتاتورية كثيرة (أسلوب الحكم الذي تكون فيه للفرد صلاحيات مطلقة)، لكنها لم تعرف سوى نموذجين من الأنظمة الشمولية في العصر الحديث، بحسب أرندت، هما الاتحاد السوفييتي في عهد ستالين والنازية الألمانية، مع ما فيهما من اختلافٍ في البنى التاريخية التي أدت إلى إنتاجهما. وتجادل المفكرة الفرنسية، بياتريس هيبو، بأنه إذا كانت ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي قد تشاطرا الحماسة التحديثية والإرادة في تدمير التنوع والتعددية السياسية، إلا أن مشروعيهما مختلفان، وأعطيا معنىً مختلفا للحداثة، فقد كانت الشيوعية، على الرغم من جرائمها، وريثة عصر التنوير، بينما القومية الاشتراكية الألمانية كانت رد فعل ضد التنوير، حيث ولدت مع الثورة المضادّة، ثم اتسعت مع الثورة المحافظة.

وفي التجربتين، لا يجب اختزال الشمولية في بعدها القسري وعمليات التطهير الجماعية، وحملات القمع والتصفية، فالإشكالية المطروحة، بحسب رايموند هينبوش، لا تتعلق بمركزة السلطة، وإنما في توسيعها، فالشموليات لم تكن حركاتٍ أقلويةً، أخذت في قبضة بعض الرجال الذين سيغتصبون هذه الجماهير ويضحكون عليها، بل ساعدتها بشكل فعال أغلبية السكان، تقول أرندت.

كانت الستالينية مشروعة لدى سكانٍ كثيرين، لأنها أقامت دولة رعاية في ميادين مهمة، كالتربية والصحة والثقافة، وفتحت فرصا للارتقاء الاجتماعي، ودوام آليات اندماج العمال على المستوى

"لم تعرف سورية في ظل نظام البعث معنى الدولة بالمعنى الحديث" الاجتماعي. وكانت النازية مشروعة أيضا إلى حد ما، بسبب تضخيمها العرق الآري. ولذلك، استخدم ميشيل فوكو مصطلح الشمولية، للتعبير عن طبيعة البيولوجيا السياسية الواضحة للنازية. ولكن، هل تكفي هذه المشروعية لتحقيق هذه السيطرة المطلقة والانصياع التام للجماهير؟ العنف هو إحدى الأدوات الرئيسية، إن لم يكن الأداة الأكثر فعالية، من خلال النظام الأمني العنيف أو الشرطة السرية.

وفي تحليلها أسباب الانصياع الاجتماعي، تعتقد أرندت أن ظاهرة الشمولية تنشأ في مجتمعاتٍ لم تعرف الاندماج في أية منظمة أو تنظيم مؤسس على المصالح المشتركة (أحزاب، مجالس بلدية، منظمات مهنية أو نقابية). وغالبا ما تكون هذه الجماهير ضائعة، وليست لها مصالح خاصة ومحدّدة، والمصطلح الذي يمكن أن يعبر عن حالة الجماهير هذه هو "اللامبالاة". ولا يجب النظر إلى "اللامبالاة"، بحسب أرندت، بالمعنى الإيجابي، فالمصطلح يُفهم في هذه الحالة من خلال غياب أي نقطة واضحة، وهذه نتيجة انهيار البنية الاجتماعية الداخلية.

بخلاف أرندت، تعتقد بياتريس هيبو أن لـ "اللامبالاة" بعداً إيجابياً، فهي ليست فقط النأي بالنفس، وإنما تعني أيضاً القدرة على القيام بأعمالٍ فرديةٍ والطريقة المرنة والغامضة والمتعدّدة التي يحاول الناس من خلالها تمثل وجودهم، عبر تسوياتٍ شخصيةٍ محضةٍ في سلوكيات المعيشة والأعمال، تتيح التعبير عن هوامش المناورة والمبادرة والحرية، ومن ثم هي ليست بالضرورة مرادفا للتطبيع، حتى لو كانت هذه الاستقلالية بالنسبة إلى نظام السيطرة هي أيضا أحد شروط قبوله.

عرف النظام السوري حالتي الشمولية والديكتاتورية معا، ولكن خارج إطار عملية التحديث، فلم يكن ثمّة مشروع أيديولوجي أو سياسي أو اقتصادي، وكانت سلطة الخطاب المستخدمة، على الرغم مما تحمله من شحناتٍ أيديولوجية وسياسية واقتصادية، مرتبطة بأدوات الهيمنة الفوقية.

لم تكن الديمقراطية والحكم التعددي والنيابي والتحديث الاقتصادي من المُفكر فيه داخل سلطة البعث، وكانت القومية والاشتراكية من أدوات خطاب الهيمنة من أجل فرض أيديولوجيا تخترق النسيج الاجتماعي، فقد كان مفهوم الوحدة في شعار البعث مفهوما بلا مصدّق، أي مفهوما غير قابل للتحقق على أرض الواقع، وإذا كان المفهوم قد عبّر، في مرحلة الستينيات، عن فورة قومية، فإنه بقي بعد ذلك أداةً للجذب الاجتماعي.

جمعت مرحلة حافظ الأسد بين الشمولية والديكتاتورية، لا بالمعنى التحديثي الذي عرفته

"عرف النظام السوري حالتي الشمولية والديكتاتورية معا، ولكن خارج إطار عملية التحديث" التجربتان السوفييتية والنازية، وإنما بالمعنى التسلطي الذي تتمكّن من خلاله السلطة من السيطرة على كل مناحي الحياة، بما فيها الثقافية والاقتصادية، ففي ظل حكم "البعث" كانت المصالح السياسية والاجتماعية هي التي تتحكّم بالسياسات الاقتصادية.

البراغماتية في شؤون صنع السياسة الاقتصادية هي التي تدمغ حكم الأسد، إنها تعبير عن ذلك المنهج الذي يعتبر الاقتصاد وصيفا للسياسة.

وكأي نظام شمولي تلعب فيه العصبية دورا في حماية الأنظمة، شكلت العصبية العلوية دورا رئيسا في حماية النظام، بحيث أصبح قلب السلطة علويا، وليس مصادفةً أن يتولى ضباط علويون أهم المناصب العسكرية القادرة على إحداث الفرق.

يجادل باحثون كثيرون أن حافظ الأسد كان طائفيا، وهذا حكمٌ قيميٌّ أكثر مما هو حكم وجود، فمن الصعب الاعتماد على التكهنات الذهنية، ذلك أن الاعتماد على الطائفة العلوية في بنية النظام تطلّبته مقتضيات الحكم وفق مفهوم العصبية بالمعنى الخلدوني، ودورها في تشكيل السلطة.

وكانت أفكار حزب البعث الأداة الأيديولوجية للهيمنة، لأن الأفكار السائدة تحافظ على تماسك الوحدة المتوازنة المؤلفة من الدولة والمجتمع، والتي تشكل نمطا تاريخيا معينا للمبنى الفوقي، يقول عزمي بشارة.

وكما هو الحال مع الشموليتَين السوفييتية والنازية، نجح الأسد في الانتقال من مرحلة الفوضى السياسية إلى مرحلة الاستقرار السياسي، وإحياء الحضور السوري الإقليمي قوة وازنة، ولكن خارج أي إطار تحديثي. ومع ذلك، لقيت المكانة الجديدة لسورية استحسانا جماهيريا في بداية الأمر.

ومع ذلك، لم تكن المشاركة الجماهيرية كاملةً على الدوام، ويرافقها استياءٌ وقلق ورفض جزئي واتهامات. وفي تحليلها العميق، تؤكد بياتريس هيبو أن هذه المشاركة تحمل من معنى المساندة والمشاركة النشيطة الموافقة أكثر مما تحمله من معنى التكيف.

بعبارة أخرى، يطلق الأفراد المؤيدون حكما مسبقا في شرعية النظام الحاكم، من دون أن يتساءلوا عما إذا كانت الدولة أو الحكومة شرعية، لأن القواعد التي من خلالها يقيمون حالة الطبيعة يمكن أن تكون متعدّدة، وترجع إلى تراتبية قيم مختلفة، بل حتى متناقضة. وغالبا ما يكون هؤلاء الأفراد من فئة الرعاع، وهو ما تنبهت له هنا أرندت، في قولها إن ما يميز الشمولية اعتمادها على الرعاع، فالنظام الشمولي يعتمد على تنظيماتٍ جماهيريةٍ تضم إليها أفرادا مبعثرين ومعزولين.

وإذا كانت مرحلة الرئيس حافظ الأسد قد جمعت بين الشمولية والديكتاتورية، فإن مرحلة الأسد 

"النظام الشمولي يعتمد على تنظيماتٍ جماهيريةٍ تضم إليها أفرادا مبعثرين ومعزولين" الابن اختلفت كليا، فقد تراجعت الأيديولوجيا في خطاب السلطة، وتراجعت دولة الاشتراكية ذات التخطيط المركزي، مع الإبقاء على هيمنة سلطوية مركّزة، سرعان ما وجدت في رجال أعمال محدثين فرصةً للتزاوج، نشأت على أثرها أوليغارشية سياسية/ اقتصادية راكمت في رأس المال المالي والسياسي على حساب المجتمع ومؤسسات "الدولة".

ومع انطلاق الثورة السورية، اختفى ما تبقى من إرث "الدولة" الهجين، وكشفت السلطة عن أنيابها، فالمطلوب تحويل الحراك المدني/ السياسي إلى حراك عسكري/ مليشياوي، وتطلّب الأمر التحالف مع رعاع المجتمع ودهمائه، مع ما يعني ذلك من تفاقم ظاهرة تجسس الناس على بعضهم لإرضاء النظام، وهي إحدى أهم صفات هذا النوع من الأنظمة، يقول الأميركيان كارل فريدريك وزبغنيو بريجنسكي.

وقد بينت أحداث الثورة أن سورية لم تعرف في ظل نظام البعث معنى الدولة بالمعنى الحديث STATE، وإنما عرفت الـ ESTATE أو STATUS بالمعنى القروسطي الأوروبي التي تشير إلى وضعية الحاكم، وليس إلى الدولة ذات الشخصية المعنوية، وقد نجمت عن ذلك عقيدة LEGIBUS SPLUTUS، أي ما يرضي الأمير يكون له قوة القانون. غير أن الفرق بين التجربتين، القروسطية والسورية، إن صحت الاستعارة، هو أنه في الحالة الأولى لم تكن ثمّة تفرقة بين عقيدة ما يرضي الأمير وما يرضي الشعب، بخلاف الواقع السوري. وهذا ما يفسر إظهار النظام أخيرا، عبر عملائه المحليين، أن الأسد وحده القادر على إنهاء معاناة الشعب السوري وأزماته المعيشية، فما يرضى به الأمير يجب أن يرضى به الجمهور.

==========================

صورة الصراع السوري في الإعلام التركي

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 31/1/2019

لا تهتم وسائل الإعلام التركية بموضوع الصراع الدائر في سوريا، إلا من زاوية دور تركيا فيه، وانعكاساته عليها. ربما كان هذا من طبيعة الأمور، فالإعلام هو مرآة للرأي العام المحلي، ويهتم، عموماً بالشؤون الوطنية، لولا أن ما جرى ويجري في سوريا هو حدث، أو أحداث، تفيض عن سوريتها لتصبح مشكلة عالمية بأبعادها السياسية والاستراتيجية والإنسانية والثقافية. فالاهتمام بالموضوع السوري لا يقتصر على دول الجوار أو الدول المنخرطة في الصراع أو المتأثرة بنتائجه فقط. بل إن المأساة السورية هي مأساة العصر الإنسانية، إضافة إلى ما تسببت به من سيولة في العلاقات الدولية، من تغييرات مفاجئة في المواقف والتحالفات، وبحث عن تسويات وصفقات، وهواجس مستقبلية تعني كل المجتمع الدولي.

لذلك يظهر المنظور المحلي جداً لاهتمام الإعلام التركي بالصراع في الجارة الجنوبية ومستتبعاته، ضيق الأفق بصورة غريبة. فهو يختزل إلى موقفين كبيرين: موقف الإعلام الموالي للحكم، وموقف الإعلام المعارض. ويمكن القول إن مساحة الثاني قد تقلصت، إلى حد كبير، في السنوات الأخيرة، بفعل سياسة التضييق الحكومية عليه، في حين احتل الإعلام الموالي معظم المشهد الإعلامي.

الغريب، بالنسبة لموضوع سوريا، هو أن الإعلام التركي يكاد يخلو من متابعة جدية للصراع في سوريا، فيبقى الرأي العام على جهل مطبق بمفرداته وتطوراته. ذلك أن الإعلام الموالي يوحي، في تعاطيه مع الصراع في سوريا، وكأنه يخفي أمراً مثيراً للخجل يستحسن عدم تسليط الأضواء عليه. فتبقى الساحة لعدد محدود من «الخبراء» بالشأن السوري، يصدف أن نظرتهم شديدة الانحياز لموقف النظام الكيماوي في دمشق. ترى هل ينبع ذلك من كونهم معارضين للحكومة التركية (يساريين علمانيين) أم أن هناك جهداً من النظام وحلفائه وراء ما يكتبون ويقولون؟ ما يوحي بهذا الاحتمال هو أنهم «خبراء» فعلاً، إلى درجة مقبولة، من خلال معرفتهم بأدق تفاصيل المعارك والمواقع الجغرافية والفصائل العسكرية ومواقف الأطراف السياسية وأسماء ممثليها وغيرها من التفاصيل التي تضفي على تحليلاتهم المنحازة مصداقية يفتقد إليها الإعلام الموالي.

لنقرأ هذا «التحليل» للكاتب آكدوغان أوزكان، في تشرين الأول/أكتوبر 2016، في زمن احتدام معركة النظام لغزو شرقي حلب المحاصر:

الإعلام التركي يكاد يخلو من متابعة جدية للصراع في سوريا، فيبقى الرأي العام عل جهل مطبق بمفرداته وتطوراته

«الجهاديون محاصرون في شرقي حلب. الجيش العربي السوري المدعوم من روسيا في آخر مراحل حملته العسكرية لتطهير تلك المنطقة. لذلك فإن الولايات المتحدة المساندة للجهاديين هي في حالة هزيمة. هذا هو سبب تصاعد التوتر بينها وبين روسيا. فقد سقط تماماً هدف إدارة أوباما المتمثل في إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد وتسليم السلطة لجبهة النصرة التي هي الفرع السوري لمنظمة القاعدة. وذلك بفضل المقاومة القوية لروسيا وسوريا»

ليست كل «تحليلات» أوزكان بهذه الفجاجة الجديرة بتلفزيون أو صحف نظام الأسد. بل كثيراً ما نراه يحلل المشهد العسكري والسياسي بشيء من الموضوعية، والأهم من ذلك بمعرفة مقبولة بموضوعه. وهذا ما يمنحه المصداقية في نظر القارئ. لكن المقطع أعلاه يعكس موقفه عارياً من كل شيء. ففي شرق حلب جهاديون فقط يتبعون منظمة القاعدة. لا حاجة بالكاتب لقول المزيد عن هذه المنظمة التي تكفل الغرب وإعلامه، فضلاً عن مسالك المنظمة نفسها، بشيطنتها، منذ 11 أيلول/سبتمبر 2001 على الأقل. ليس هناك مدنيون في حلب الشرقية ولا مقاتلون محليون لا علاقة لهم بالجهاد، فكرياً أو تنظيمياً، ولا أطفال غير معنيين بكل الصراع. هناك فقط جهاديون و«مدعومون من إدارة أوباما»! التي تريد تنصيبهم على السلطة في دمشق بعد الإطاحة بـ«الرئيس السوري»! ربما جريدة «الأخبار» التابعة لحزب الله نفسها تخجل من تصوير الأمور بهذه الأكاذيب الفجة. لكن القارئ التركي العام المحروم من أي معلومات بشأن الصراع السوري يمكنه تصديق هذه الترهات، وخاصة إذا كانت صادرة عن «محلل» مطلع حقاً على تفاصيل موضوعه. لقد تمت شيطنة المعارضة بوصفها بالمجاهدين، وهو ما سيجد سوقاً رائجة لدى خصوم الإسلام السياسي في تركيا، وكذلك من خلال كذبة دعم الإدارة الأمريكية لهم، وهو ما يجد سوقاً رائجة، أوسع من الأولى، تضم كل الطيف المعادي لأمريكا في المجتمع التركي، يشمل إلى بقايا اليسار المنقرض، القوميين والإسلاميين كذلك.

الموضوع الآخر الذي يجد صداه في الإعلام التركي، بخصوص سوريا، هو موضوع اللاجئين السوريين الذين تجاوز عددهم ثلاثة ملايين و600 ألف. تحت عنوان «ماذا يحدث في غازي عنتاب؟» كتب الصحافي برهان جولاق، من يومية «يني جاغ»، قبل أسابيع قليلة، عن حادثة، ربما هي الأولى من نوعها، عن اعتداء شبان سوريين على شابين تركيين في أحد الأحياء الشعبية في المدينة التي تستضيف 400 ألف لاجئ سوري. في حين كانت الصحف التركية تتجاهل، عموماً، حوادث اعتداءات متكررة ضد لاجئين سوريين، في المدينة نفسها ومدن أخرى، أو تنقلها بلغة محايدة وباردة. كتب جولاق بلغة حماسية تحريضية صورت اللاجئين السوريين، عموماً، كما لو كانوا مجرمين بطبيعتهم، في حين يعاني المجتمع المحلي المسالم من تجاوزاتهم التي وصلت درجة القتل.

في السابق كان الإعلام المعارض للحكومة يصور اللاجئ السوري على أنه يملأ الفضاء العام ضجيجاً ووسخاً، يتحرش بالفتيات التركيات، وهرب من الحرب في بلده ليقاتل الجندي التركي بدلاً منه، ويستولي على المساعدات الحكومية وفرص العمل على حساب المحتاجين من المواطنين الأتراك، فضلاً عن أن الحكومة تمنحهم الجنسية ليصوتوا في الانتخابات لمصلحة الحزب الحاكم.

مع حادثة غازي عنتاب المذكورة أعلاه، بات اللاجئ السوري خطراً على أمن المواطن التركي، على الأقل في رأي كاتب «يني جاغ». الغريب في الأمر أن الإعلام الموالي يبدو ضعيفاً أمام وجهة النظر «المعارضة» بشأن الصراع الأساسي في سوريا أو موضوع اللاجئين على السواء. الحكومة نفسها، بدلاً من اتخاذ موقف إيجابي يملك، عموماً، مقومات أخلاقية قوية بشأنه، في كلا موضوعي الصراع واللاجئين، نراها في موقف دفاعي ضعيف. إلا في ما يتعلق بالموضوع الكردي، سواء في سوريا أو داخل تركيا، فهنا تتنمر الحكومة على معارضيها بالصوت العالي والإجراءات القاسية. أما أكاذيب من نوع أن كل المعارضة السورية المسلحة تتألف من جهاديين أو أنهم مدعومون من واشنطن، فلا نجد رداً عليها. وكذا في ما يتعلق بمشكلات اللاجئين السوريين ومواقف المعارضة منها. لا مفر، أمام هذه المفارقات، من البحث عن تفسيرها في الحسابات الانتخابية.

==========================

لماذا طرحت روسيا إعادة تفعيل اتفاقية "أضنة" الخاصة بسوريا؟

فراس فحام

نداء سوريا

الاربعاء 30/1/2019

للوهلة الأولى بدا أن تصريحات الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" بعد لقاء قمة موسكو مع نظيره التركي "رجب طيب أردوغان" والحديث عن اتفاقية "أضنة" وقانونية دور تركيا في سوريا بموجبها، يراد منه الاعتراف بشرعية التواجد العسكري التركي على الأراضي السورية.

وكانت اتفاقية "أضنة" قد جرى توقيعها بين النظام السوري والحكومة التركية عام 1998، لتضع حداً لتوترات استمرت لأعوام بين أنقرة وسوريا نتيجة إقدام حكومة الأسد الأب على دعم " عمليات حزب العمال الكردستاني" وتسهيل تحركاته ضد تركيا، وكذلك استضافة زعيمه "عبد الله أوجلان".

ولمعرفة دلالات تصريحات الزعيم الروسي وغاياتها لابد من النظر إلى سياقها، وملاحظة أنها جاءت كرد على المطلب الذي حمله الرئيس التركي "أردوغان" إلى موسكو لمناقشته مع "بوتين"، والمقصود هنا رغبة تركيا بالحصول على تأييد روسيا في مسألة إقامة المنطقة الآمنة شمال شرق سوريا، وبالتالي إطلاق يد أنقرة لتشرف على تأسيسها بمفردها دون مشاركة أي جهة أخرى .

ردُّ "أردوغان" على التصريحات الروسية لم يتأخر، وتحدث عن ضرورة إعادة طرح اتفاقية "أضنة" للنقاش والتفاوض من جديد، مما أعطى مؤشراً واضحاً على أن تركيا لا ترى مصلحة لها في إعادة إحياء العمل بهذا البروتوكول لأنه لم يعد يلبي مصالحها الأمنية والسياسية.

تريد موسكو من خلال إحياء الاتفاقية وتفعيل العمل بها من جديد قطع الطريق على أنقرة في موضوع إنشاء المنطقة الآمنة، وذلك من خلال تحديد هامش توغل للقوات التركية داخل الأراضي السورية لا يتجاوز 5 كيلومترات، وهو العمق المنصوص عليه في الاتفاقية الموقعة بين دمشق وأنقرة، والتي تتيح للأخيرة تولي مهمة مكافحة التنظيم الإرهابي بنفسها في حال فشلت دمشق بذلك، وهذا يعني أنه في حال قبلت تركيا بالعمل بموجب الاتفاقية فإنها تقر بشكل غير مباشر بعدم شرعية وجود قواتها شمال حلب وفي منطقة عفرين كونها خارج إطار أي اتفاق أو تفاهم مع "الحكومة الشرعية" بسوريا بحسب ما تراها موسكوومن المصالح التي تبحث روسيا عن تحقيقها من تفعيل العمل بالاتفاقية أن تؤكد مرة جديدة على أن النظام السوري طرف شرعي قادر على الوفاء بالتزاماته الدولية، وأنه ضامن أساسي للأمن القومي لدول الجوار وبدون التفاهم والتنسيق معه لن تفلح الدول المجاورة بتحقيق مصالحها، والأهم من ذلك كله أن موسكو ستضمن من خلال موافقة تركيا على العمل بموجب الاتفاقية اعتراف الأخيرة بشرعية الأسد، وهي مسألة رفضتها ولا زالت ترفضها عند كل مناسبة.

إن المقاربة الروسية لملف شمال شرق سوريا أو ما يعرف بـ "شرق الفرات"، تقوم على فكرة استيعاب النظام السوري لحزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري YPG( الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني)، ومحاولة إدماجه ضمن مؤسسات النظام العسكرية والمحلية، ولذلك تصر موسكو على أن يعود النظام السوري ويتولى بنفسه تفكيك معسكرات الحزب ومكافحة مؤسساته، وهو التزامٌ منصوصٌ عليه ضمن اتفاقية "أضنة" التي طرحتها روسيا للتطبيق من جديد

ردة الفعل التركية التي تمثلت برفض الرئيس "رجب طيب أردوغان" التواصل مع "الأسد"، واتهامه بقتل مليون شخص وتهجير الملايين، بالإضافة إلى تأكيد وزير الخارجية "مولود جاويش أوغلو" قدرة بلاده على تأسيس المنطقة الآمنة في سوريا بمفردها، كلها مؤشرات تظهر إدراك تركيا عدم وجود مصلحة لها بالقبول بما هو أدنى من تولي تأسيس المنطقة الآمنة بنفسها، وعدم الاكتفاء بشريط حدودي تحدده اتفاقيات سابقة مع النظام السوري.

لاشك أن أنقرة حزمت أمرها منذ صيف 2016 عند إطلاق عملية "درع الفرات"، وقررت الدفاع عن أمنها القومي بنفسها وعدم تفويض هذه المهمة لأي طرف آخر، خاصة إن كان الحديث عن ترك المسألة للنظام السوري نفسه الذي لعب دوراً أساسياً ومحورياً طيلة السنوات السبع الماضية في نمو وتضخم "حزب الاتحاد الديمقراطي" وتصاعد قوته ، وذلك من خلال الانسحاب له من مناطق واسعة قرب الحدود التركية في الحسكة وحلب، أي أن أنقرة لن تثق مجدداً بأن يقوم النظام السوري بضمان أمنها القومي بعد أن كان طرفاً في تهديده، إلا أن روسيا وكونها لاعباً مهماً في الملف السوري تمارس الضغوط باستمرار لمحاولة تأطير الدور التركي وتحركات أنقرة، وفي هذا السياق يأتي التلويح الروسي بعملية عسكرية في إدلب مؤخراً، حيث تسعى موسكو على ما يبدو لتخيير تركيا بين المنطقة الآمنة شرق الفرات وبين الحفاظ على الوضع الراهن شمال سوريا.

==========================


شرف الديكتاتور

حسان الأسود

سوريا تي في

الاربعاء 30/1/2019

كم هو قاسٍ هذا النظام الإقليمي، وكم هي مُفجعة هذه الدراما الطاغية في أجواء الشرق! يتصبّب رئيس مصر الكنانة عرقاً أمام صحفيّ مخضرم، لم يعرف كيف يجب على أسئلة عرّته، وعكس ما حاول أن يبدو، ظهرَ عاجزاً وقزماً، وبالضدّ مما أراد، أزكمت أنوفَ العالمينَ رائحةُ دماء ضحاياه التي حاول غسل يديه منها فلم ينجح، ولن ينجح.

يزور رئيس أميركا جنوده في قاعدة عسكريّة، تقبع في أرض نبوخذ نصّر، دون أن يُعلم أحداً من زعماء الصدفة، فيلتزمون الصمت المطبق، ولا ينبس أحدٌ ببنت شفة. كذلك يأتيهم بطلُ ماراثون المفاوضات النوويّة ليعلن من فوق ذات الأرضِ ما على العراق العظيم أن يفعله وألّا يفعله، وما نوع الإتاوات المفروضة التي يدفعها للمحتلّ الإيراني.

يقف القاتلُ في آخر صفّ بين زعماء العالم، يتحاشون النظر في عينيه، ويتحاشون مصافحته علانيّة، فدماءُ الأبرياء لا يغسلها المالُ وإن تدفّق إلى جيوب شركات دولهم بالسر.

يزور مُقسّم بلده ومجوّع شعبه، من دمّر بلداً بأكملها وهجّر نصف شعبها ويقبض على أرواح النصف المتبقّي منهم، فلا الأوّلُ يملكُ ما يقدّمه للثاني سوى استجداء مساعدات من حليفهما المُفلس أصلاً، ولا الثاني يملك ما يعطيه للأوّل سوى نصائح كيماويّة وأخرى براميّلية.

يستجدي جنرالٌ مهزوم بلباس النوم زملاءه الملعونين من شعوبهم، كي يحضروا قمّة لا رِفعَة فيها ولا مكسب، فمن سيزور بلداً يحكمها صبيّ المرشد من جحره، مانعاً تشكيل حكومة فوق حكمه!؟

يحكم شخصٌ كالمومياء من خلف الكفن شعبَ المليون شهيد، فلا هو بميّت ليُريح الناس فيبحثون عن الخلاص من بعده، ولا هو بحيّ ليعرفَ الناسُ أيّ طريق يسلكون ليخرجوا من هذا النفق!

خارطةٌ مرسومة بالدماء وبالعفن، ولمَ لا، إن كان المُرادُ منها أن تُظهر عنصريّة أبناءَ العمّ إسحق وكأنّها مزاحٌ لا أكثر؟ لمَ لا تدوم عرائسُ الدُمى هذه إن كان المطلوبُ منها تأبيد أبشع احتلال استيطاني عرفته البشريّة؟

في سبيل التعميّة عن جرائم سلب الجزء، لا بدّ أن يكون هناك ما هو أكثرُ هولاً وأشدّ وطأة، يجب تدمير الباقي من الكلّ. كيف سيستقيم بقاء الحال على ما هو عليه إن كان لدى البشر متّسعٌ من الوقت للتفكير؟ ألن تصيب العدوى الجميع عندئذٍ، ما الذي سيمنعهم وقتها من البحث عن طريق الخلاص من أسباب العبوديّة والبؤس القابع كالبازلت على صدورهم؟ وجود الديكتاتور كان المدخل لكلّ هذا الدمار، واستمرار وجوده، شرط لبقاء الحال على ما هو عليه.

لا شرعيّة للمستبدّ، لأنّ الشرعيّة نتيجة لإرادة الناسّ الحرّة، لتفاعلهم، لاختيارهم، لتكليفهم، لقبولهم، وعند عجزه عن تحقيق ذلك، يلجأ إلى العنف والقمع لإسكاتهم. ولأنّه لا يُنسبُ إلى ساكتٍ قولْ، فإنّ الديكتاتور لا يقبل بالصمت، بل يجبر الناس على قول عكس ما يريدون ويرغبون، ويجبرهم على القيام بما يتنافى مع معتقداتهم ومصالحهم وقيمهم.

بانتفاء الشرعية الداخلية التي هي المنبع والمصدر، يسعى المستبدّ إلى اكتساب قبولٍ وشرعيّةٍ من الخارج، وهناك حيث لا يمكنه ممارسة العنف، لأنّه ببساطة لا سلطة له ولا قدرة على مواجهة الأعنف منه، فإّنه يصبح ذليلاً مطواعاً كعبدٍ رضعَ الخنوعَ وشبّ عليه. هنا تجده يتوسّل كي يبقى، ويبيع ما يمكنه بيعه، ويتنازل عمّا يملك وعمّا لا يملك.

تنازل السادات عن الحقّ، كي يستردّ الأرض ويحظى ببعض الشرعيّة، بينما تنازل السيسي عن الحقّ والأرض والكرامة، وداس على الشرعيّة كي يستلم الحكم على أنقاضِ مصر وعلى حُطامِ شعبها. تنازل حافظ الأسد عن الجولان ليستلم الحكم، ثمّ تنازل عن لواء إسكندرون ليستمرّ به، بينما دمّر وريثه سورية بأكملها وتنازل عمّا بقي منها، ليستمرّ في قصره صاغراً ذليلاً، يستجدي عطف المرشد والقيصر وغيرهما من جلاوزة العصر والزمان.

المستبدّ غبيّ بطبيعته، أبداً لا يمكن أن يكون الديكتاتور ذكيّاً، لا يمكن أن يكون عبقريّاً ولا عالماً ولا أديباً ولا فيلسوفاً ولا مفكّراً ولا حكيماً، الديكتاتور لا شيء على الإطلاق، إنّه مجرّد أداة أو وسيلة لتحقيق غاية، مثله مثلّ دابّة الركوب أو الجر. من يهدم صروح القوّة في بلده لا يمكن أن يكون قائداً أو سياسيّاً، أو حتى إنساناً سويّاً.

لأنّ الديكتاتور لا يأمن على نفسه في الداخل، فهو يعملُ على نقل ما ينهبه إلى الخارج، وبهذا يصبح أداة لتفريغ البلد من الثروات والقدرات. ولأنّه كذلك، فإنّه يحظى بدعم وحماية ورعاية أصحاب المصالح.

لمَ سيفكّر أصحابُ البنوك والشركات الكبرى، ومن خلفهم حكومات البلدان التي تمثّلهم وتحمي مصالحهم، بتغيير الحكّام المستبدّين في العالم؟ أو على الأقلّ لمَ سيقفون على الحياد عندما تحاول شعوبُهم الإطاحة بهم؟ إن فعلوا ذلك سينقطع موردٌ هامٌّ من موارد تعزيز نفوذهم وثرواتهم.

عمدت أميركا ومخابراتها إلى دفع حسني الزعيم للقيام بانقلابه

رفض البرلمان السوري عام 1947 بنود اتفاقيّة التابلين (TAPLINE) (Trans-Arabian Pipeline) والتي تعني بالعربية "خط الأنابيب عبر البلاد العربية" من الأراضي السورية، فعمدت أميركا ومخابراتها إلى دفع حسني الزعيم للقيام بانقلابه، وكان من أوائل المراسيم التي وقّعها، هو ذاك المتعلّق بهذه الاتفاقيّة.

كتب شمس الدين العجلاني في صحيفة الوطن، عدد يوم الإثنين 18-07-2016- تحت عنوان، التجارب الأولى للمخابرات المركزية الأمريكيّة في سوريا:

(تمكّنت أرامكو بمساعدة وزارة الخارجية الأميركية من تأمين حقوق المرور اللازمة من كل من لبنان والأردن والسعودية، بيد أن المفاوضات مع سوريا وصلت إلى طريق مسدود في كانون الأول من عام 1946 م، ونتيجة التهديدات المبطنة لشركة أرامكو، خضع رئيس الوزراء السوري آنذاك (حسب رواية دوغلاس ليتل 1990 م) للتوقيع بالحروف الأولى في شهر أيلول من عام 1947م على مسودة امتياز لأرامكو، ولكن البرلمان السوري كان بالمرصاد لهذه الاتفاقية المجحفة بحق سوريا، وقضى على أي فرصة لإقرار الامتياز للشركة الأميركية.. موقف البرلمان السوري من قضية خطوط النفط (التابلاين) كان السبب الرئيس للمخابرات المركزية الأميركية لقيامها بدعم حسني الزعيم للقيام بأول انقلاب عسكري في سورية وتوقيعه بعد ذلك منفرداً اتفاقية (التابلاين) حسب ما روى دوغلاس ليتل الأستاذ في جامعة كلارك الأميركية، في مقالته التي نشرها عام 1990 م في مجلة (ميدل ايست جورنال) فيقول: عندما كشف مايلز كوبلاند، أحد المختصين بالشرق الأوسط في وكالة المخابرات المركزية الأميركية سابقاً، عن أنه هو والملحق العسكري الأميركي بدمشق الميجور ستيفن ميد، دبّرا انقلاب آذار 1949 الذي أطاح خلاله رئيس الأركان حسني الزعيم بالقوتلي والعظم، اعتبر معظم المراقبين ادعاءاته على أنها كلام «بهورة» بيد أن السجلات التي رفع الحظر عنها مؤخراً تؤكد أن ميد اجتمع سراً اعتباراً من 30 تشرين الثاني 1948 مع الزعيم حسني الزعيم ست مرات على الأقل لبحث «إمكانية قيام دكتاتورية يدعمها الجيش» والظاهر أن المسؤولين الأميركيين أدركوا من البداية أن حسني الزعيم كان من طراز دكتاتوري «جمهوريات الموز» وأنه «لا يملك كفاءة عريف فرنسي» ولكنهم كانوا يعرفون أيضاً «موقفه الشديد العداء للسوفييت» واستعداده لبحث السلام مع إسرائيل، ورغبته في الحصول على مساعدة عسكرية أميركية).

أيهما أسهل إذن، أن تتعامل مع حاكم شرعيّ وشعبٍ حرٍّ ونوّاب أحرار مُقتدرين، أم مع فردٍ مهزوز فاقد لكلّ قيمة ولكلّ شرعيّة وكيان؟ لهذا نجدُ حكومات الدول الفاعلة والمؤثّرة كلها، قد وقفت مع الحكّامِ ضدّ شعوبهم، من أميركا اللاتينيّة والجنوبيّة إلى أفريقيا إلى آسيا. يجب أن تبقى شعوب هذه المناطق محكومة بالاستبداد والفساد، كي تبقى خزائن الشركات العابرة للقارّات عامرة بالذهب، وأرصدتهم ملأى بالأرقام. لا يترك المستبدّ في البلد تحت سيطرته أي مجال لاستمرار الحياة الطبيّعية الكريمة الشريفة، لأنّه لا يترك مجالاً للإنسانيّة ولا للإنسان.

ولأنّ الشرفَ قيمة يصنعها المرءُ، باجتهاده، بعلمه، بأدبه، بعمله، بإخلاصه، بإنسانيّته، بقبوله من الآخرين، بما يقدّمه ويعطيه ويضيفه، لا بما يأخذه، أي بالشرعيّة الممنوحة له من أهلها، فلا شرف للديكتاتور.

==========================

حاسبوا الأسد

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 30/1/2019

حملة نشطة أطلقها نشطاء الثورة السورية الذين لم يكلوا ولم يملوا على مدى ثماني سنوات، حملة استهدفت كل من سيأتي زمن يحاسب فيه كل من ساعد وتواطأ وتضامن ورفض إسقاط الأسد، وأصرّ على إسقاط الشعب السوري، وأصرّ معه على إبقاء شلال الدم يتدفق غير عابئ بقيم ولا إنسانية ولا بشرية، بل ووصلت الصفاقة إلى السعي لتعويم الطاغية وإعادته للحظيرة التي تركهم فيها وحدهم، فيخشون أن يؤدي تمرد الشعوب إلى طردهم من مناصبهم وعروشهم المهددة، فيسعون إلى إعادته، فكانت العقوبات الأميركية الجديدة عليه وعلى من يسعى إلى التعامل والتعاطي معه، وإن كانوا هم من يتحمل بقاءه بالسلطة، ويتحملون معه شلال الدم السوري المتدفق.

‏مجازر يومية على امتداد الجغرافيا السورية والوجع السوري، مجازر تعددت، من مجازر بالبراميل المتفجرة، إلى مجازر بالكيماوي، وبينها مجازر الطيران والصواريخ، ومجازر الطائفية التي لن تنسي الشعب السوري ثأره وانتقامه ممن قتل أطفاله وشيوخه ونساءه، فرمّل نساءه، ويتم أطفاله، وشرد الشعب في المنافي، ودفع حثالات الأرض لأن يهينوه في بعض أماكن تشرده، لقد ظل الناشطون على مدى أيام وهم يكشفون المجازر الجديدة ويذكّرون بالقديمة الجديدة التي ارتكبتها هذه العصابة وداعميها، ولكن ما فائدة ذلك كله وسط عالم أصمّ آذانه، وأعمى أبصاره عن رؤية الطاغية وسدنته ، الذين لم يعد لأحد عذر بجهل مجازرهم وقذاراتهم؟

‏لا بد من مواصلة التذكير بهذه المجازر، وتلك مسؤولية المعارضة السورية ومسؤولية الناشطين، ومعهم الإعلاميون والنخب، تعليمية كانت أو ثقافية، بحيث تتحول كل مجزرة إلى هولوكوست سوري، يذكّر بجرائم الطائفيين وما فعلوه وما ارتكبوه بحق الشعب السوري، وبحق الشعوب العربية، فسعوا عبر الشعب السوري إلى تخويفها من مآلات الثورات العربية والإطاحة بالطغيان والاستبداد، والإعلان من جديد أن الشعوب لن يسكتها القتل ولا البراميل ولا الكيماوي، وأن دم الشعوب سينتصر على كل أدوات الجريمة من كيماوي وبراميل متفجرة مدعوم من احتلالات متعددة الجنسيات.

‏ لا شك أن الاستبداد والطغيان أُسقط في يديه وهو يرى الشعوب تنتفض من جديد، وتصرّ على حمل الشعلة التي ظن الطغاة أنهم أسقطوها من أيدي الشعوب العربية، ليتجدد الربيع العربي، ويمنعه من التجلط والسكتات الدماغية الثورية، ويمنح الأمل والتفاؤل من جديد للسوريين ولغيرهم.

‏ لا حياة ولا عيش مع الاستبداد الإجرامي العربي، ولا عيش ولا سلطة مشتركة مع الطاغية المجرم، والمضحك أنهم يعولون من أجل ذر الرماد في عيونهم، وليس في عيون الآخرين، على تخليه عن حلفائه، وهو الذي لم يتخل عنهم، يوم كان أقوى من هذا، ويوم لم يكن محتاجاً لهم بالشكل الذي يحتاجهم اليوم، فكيف بهم اليوم وقد تغلغلوا في مفاصل الدولة والمجتمع، وكيف بهم اليوم وهو المدين لهم مالياً، والمدين لهم ببقائه على جماجم السوريين، فهل يستطيع أن يرفع عقيرته بمغادرتهم، وهو الذي يعرف تماماً أن مغادرتهم له تعني أن سقوطه سيكون حتمياً وقدراً مقدوراً، فقد كشف كل قادة الطائفية في الشام عن أنه على وشك السقوط لولاهم، وتلك هي الحقيقة التي لمسها السوريون منذ عام 2013، ولكن لكل أجل كتاب.;

==========================


ماذا بقي من ثورات الربيع العربي؟

حسان الأسود

العربي الجديد

الاربعاء 30/1/2019

حاولت شعوب المنطقة، بما فيها الشعب الإيراني، منذ ربيع طهران إلى الربيع العربي، التخلّص من حالة التردّي والانحطاط التي تعيشها منذ عقود، وحاولت البناء على أسس جديدة، وعلى دعائم من الحقّ والعقل والإيمان، لكنّها جوبهت بقوىً مضادّة، تمتلك إمكانات هائلة من القوّة والثروات والتنظيم ومركزيّة القرار، فلم تستطع الصمود في مواجهتها.

عندما تقترب النهايات، تتّضح معالم السيرورة. وعلى الرغم من أنّ الحكمة تأتينا في الوقت الضائع غالباً، إلّا أننا لا نتوقّف عن المحاولة. قدَرُ الإنسان أن يسعى باستمرار إلى تحسين مستوى حياته، وهذا السعي بحاجةٍ إلى شروطٍ ذاتيّة خاصّة بالأفراد، وأخرى موضوعيّة تتمثّل في البيئة العامّة المحيطة. لهذا، تسعى الجماعاتُ إلى تطوير أشكال تحسين شروط حياتها الموضوعيّة، باعتبارها ذات الأهميّة الكبرى والأولويّة الحاسمة، لتشكيل الظروف الذاتيّة نفسها.

ضمن مقارباتٍ مختلفة، توصّلت البشريّة إلى طرق عديدة للوصول إلى هذا الأمر، ولعلّ أهمّها وأكثرها تقدّماً حتى الآن هي المسمّاة بالديمقراطيّة الغربية. وعلى الرغم من أنّ الديمقراطيّة بحدّ ذاتها ليست أكثر من شكلٍ لتداول السلطة سلميّاً، إلّا أنّها تعبّر مع مجموعة المبادئ الأخرى عن جوهرٍ جديدٍ وصل إليه الإنسان في دول العالم الحرّ. يقوم هذا الجوهر أساساً على احترام الفرد وحقوقه وحريّاته، والذي كان بذاته الرافعة الفكريّة والحقوقيّة والاجتماعيّة، وحتى السياسية إلى حدّ ما، لحركة التطوّر الصناعي التي نقلت أوروبا قبل غيرها من مرحلة الاعتماد على الزراعة إلى مرحلة الاعتماد على التصنيع في تأمين متطلّبات الإنتاج، وبالتالي إنماء رأس المال، وبالتالي تدوير عجلة استمرار الحياة البشريّة بشكل أكثر كثافةً وغزارةً وتقدّماً، وبشكل عامٍّ أكثر رفاهية.

ما تزال هذه المقاربات بعيدة عن واقع التطبيق العملي لدى شعوبٍ كثيرة، ومنها الشعوب

"لم تكن ثورات الربيع العربي ابتداعاً ولا إيجاد نهج لم يأت به البشر من قبل" العربيّة. الأسباب وراء هذا كثيرة، في مقدمها الاستبداد، وتشابك مصالح فئاتٍ مختلفة من هذه المجتمعات بعضها مع بعض، لنسج شريحةٍ حاكمةٍ واحدة الجوهر، في عموم دول المنطقة. لهذا السبب بالذات، وجدت شعوبٌ كثيرة نفسها أمام مقاربةٍ مختلفة لحّل هذا الإشكال، إنّها مقاربة الثورة، والثورة بالتعريف طريقةٌ لتغيير شكل الحكم والعلاقات بين البشر.

لم تكن ثورات الربيع العربي ابتداعاً، ولا إيجاد نهج لم يأت به البشر من قبل، بل كانت استمراراً لما سبق أن خطّه العبيد في مجتمع روما بقيادة سبارتاكوس، وتابعه الزنج في الدولة العباسيّة، مروراً بثورة البرلمانيّين الإنكليز عام 1688 ثم الثورة الفرنسية عام 1789 والثورة البلشفية عام 1917 في روسيا وغيرها من ثورات شعوب الأرض.

ثمّة اتّجاهٌ يقول إنّه كلّما ابتعدت الثورات عن العنف كانت النتائج أكثر إيجابيّة، وهذا يتوافق مع منطق الحياة البشريّة ذاتها، فالتغيير يحتاج إلى التعقّل والحكمة والمرونة أكثر من حاجته إلى الجرأة والمخاطرة والاندفاع، وإنْ لا يستغني عنها. أمّا العنفُ فإنّه يؤسس لعلاقات مشوّهة غير مبنيّة على الإرادات الحرّة للناس، لأنه لا يمكن التأكد من صحّة الاختيار، عندما يكون الناس مجبرين على اتخاذ موقفٍ أو رأيٍ أو قرار ما، تحت التهديد أو الضغط أو الخوف. في المقابل، ما من ميزانٍ يمكنه قياس رضا البشر وقناعاتهم، مثل الحوار والهدوء والعمل الجماعي المبني على احترام الكرامة والحريّة والاختلاف.

كان مقتل بعض ثورات الربيع العربي في تحوّلها من الحراك السلمي إلى العمل المسلّح، وهنا استطاعت قوى الاستبداد المرتبطة بالنظام العالمي أن تضخّ عبر أجهزة الدولة التي تتحكّم بها، العنف المفرط الذي بدوره تحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج أنظمةٍ شبيهةٍ بالأنظمة التي ثارت عليها الشعوب.

ما الذي اختلف بالنسبة للشعب في ليبيا أو في سورية مثلاً؟ لا شيء بكلّ تأكيد، بل بالعكس، لم تستطع قوى الأمر الواقع التي سيطرت على مساحاتٍ واسعةٍ من أراضي الدولة، وعلى كثيرٍ من مصادر الثروات، أن توجد بديلاً مقبولاً يحقّق ما تطمح إليه الشعوب الثائرة. والدليل ما شوهد من تجاوزاتٍ هائلةٍ وانتهاكات خطيرة بحقّ الإنسان على يد أمراء الحرب زعماء المليشيات. كان السبب الرئيس وراء ذلك غياب إمكانيّة البناء على أساس حرّ وديمقراطي يأخذ آراء الناس بالحسبان.

يقول جورج أورويل: "ثائر اليوم هو طاغية الغد.. إننا ندرك أنه ما من أحدٍ يمسك بزمام

"التغيير يحتاج إلى التعقّل والحكمة والمرونة أكثر من حاجته إلى الجرأة والمخاطرة والاندفاع"  السلطة وهو ينوي التخلي عنها. السلطة ليست وسيلة بل غاية، فالمرء لا يقيم حكماً استبدادياً لحماية الثورة، وإنما يُشعل الثورة لإقامة حكم استبدادي. الهدف من الاضطهاد هو الاضطهاد، والهدف من التعذيب هو التعذيب، وغاية السلطة هي السلطة". قد يكون جورج أورويل محقّاً فيما ذهب إليه، لو أنّ الثورات قامت في دولٍ تحكمها طُرق التغيير الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة، لأنها ستكون، عند ذلك، محاولةً في الاتجاه الخطأ لتغيير إرادة الناس الذين عبّروا عنها بحريّةٍ عبر صناديق الاقتراع، لكنّ الثورات قامت في بلدان الربيّع العربي، والمستبدّون في بلداننا، لم يتركوا لنا سوى هذا الطريق.

للأسف، وبغضّ النظر عن الأسباب التي هي أكثر من أن تُحصى، لم تتمكّن شعوب بلداننا من تحقيق المهمّات الأساسيّة للثورات، أي لم تستطع تغيير أنظمة الحكم، الخطوة الأولى في طريق بناء الإنسان الجديد. لقد تحوّلت ثورات الربيع العربي، بحكم العنف المفرط الممارس ضدّ أهلها، إلى كابوس حقيقي، خيّم على شعوب المنطقة كلّها... هل بقي شيء من ثورات الربيع العربي، وهل هناك أملٌ بعد في تجدّد الأحلام النبيلة، وفي تحويلها إلى أهدافٍ واقعيّة، ثمّ إلى برامج عمل؟

==========================

خسرت أميركا فرصة تاريخية في سورية

وائل السواح

العربي الجديد

الاربعاء 30/1/2019

أكثر من شهر مرّ منذ أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قراره المفاجئ سحب قوّاته من سورية، بعد مكالمةٍ عاصفةٍ مع الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان. قال بالفم العريض إن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قد تمت هزيمته، ولم يعد ثمّة مبرّر لبقاء القوات الأميركية في سورية. وكرّر ذلك نائب الرئيس، مايك بنس، كعادته الببغائية بالحرف تقريبا، وإنْ بلغةٍ أرفع من لغة ترامب الشارعية. أكد قرار ترامب سياسة الولايات المتحدة الخارجية الانسحابية من سورية والمنطقة، منذ أيام الرئيس السابق، باراك أوباما. ولئن كان سحب القوّات الأميركية قبل أوانه حركة لا أخلاقية من إدارة الرئيس ترامب، فإن الأخطر هو الانسحاب السياسي لإدارة ترامب، وقبلها إدارة أوباما، من الملف السوري.

الفراغ الذي سيخلّفه الانسحاب الأميركي سيملأه بالتأكيد ثلاثي إيران وروسيا وبشار الأسد، وما تبقّى من "داعش". وسيكون السوريون من عرب وكرد الخاسرين من هذا الانسحاب، ولكن السوريين ليسوا الوحيدين؛ ثمّة خاسرٌ كبير آخر: الولايات المتحدة نفسها، ومعها الديمقراطيات الغربية.

على مدى العقود السابقة، كان ثمّة سوء تفاهم تاريخي بين السوريين من جهة والولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية من جهة أخرى. منذ الحرب العربية - الإسرائيلية واحتلال فلسطين في عام 1948، دخلت المنطقة في نفقٍ مظلمٍ من العلاقات العدائية بين شعوب هذه المنطقة والغرب بشكل عام، والولايات المتحدة خصوصا. ولعبت الأنظمة "الثورية" في المنطقة، ومن بينها نظام البعث السوري، دورا في تأجيج هذا التوتّر. وجعلت هذه الأنظمة من أيديولوجيات 

"استُقبل روبرت فورد بالأرز والزهور، في حماة، ولقي السفراء الثمانية الترحيب في عزاء المناضل اللاعنفي غياث مطر في داريا" "مناهضة للإمبريالية والمناهضة للصهيونية" أداةً لتعزيز حكمها، وتعزيز هيمنتها على شعوبها ومراكمة أرصدتها في البنوك العالمية. تمّ استخدام القضية الفلسطينية واحتلال الجولان والدعم غير المشروط من الولايات المتحدة لإسرائيل لتعبئة المواطنين العرب وحشدهم وراء الأنظمة. وحتى عندما كان حافظ الأسد يتعاون مع الولايات المتحدة في عام 1991 لتحرير الكويت، فقد حافظ على لهجته المعادية لأميركا داخل البلاد، وللمرة الأولى منذ عقود، سمح الأسد للمثقفين بإصدار بياناتٍ معارضةٍ لموقف النظام الذي دعم التحالف الدولي ضد صدام، لمجرّد الحفاظ على هذا العداء، واستباق أي روح مصالحة قد تحلّ محلها. وجاء غزو العراق في عام 2003 وحرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل، ليساعدا في تأجيج الأوضاع أكثر.

ومع ذلك، شكّل الموقف الغربي بشكل عام، والأميركي خصوصا، من الانتفاضات التونسية والمصرية والليبية، خطوة أولى في تغيير الرأي العام تجاه العلاقة مع الغرب. ولأول مرة، سمعنا في تونس ومصر وبلدان أخرى، بما فيها سورية، دعواتٍ تشيد بالموقف الأميركي فيما يتعلق بالرئيسين، بن علي وحسني مبارك. ورحّب غالبية العرب بالتدخل الدولي في ليبيا لإطاحة معمر القذافي. وعندما اندلعت الانتفاضة السورية، كان السوريون مبتهجين، بسبب ما بدا وكأنه دعم لقضيتهم. أدّت الخطوات اللاحقة التي اتخذتها الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية إلى الاعتقاد بأن الغرب كان يدعم الانتفاضة، كما فعل مع انتفاضات الربيع العربي الأخرى، وأنه، كما في تلك البلدان، لن يسمح للمحتجّين بالسقوط. رحّب غالبية السوريين المناوئين للأسد بشكل عام بالعقوبات الغربية ضد نظام الأسد، والأفراد الذين دعموه، على الرغم من أنها عقوبات كان من شأنها أن تضرّ بهم (سيما المفروضة على النفط والبنوك). ورحّبوا بالإعلانات المتتالية عن الإدارة الأميركية أن الأسد فقد الشرعية، ومن ثمّ مطالبتهم للأسد بالتنحّي. وتعزّز هذا الشعور عندما أعربت الولايات المتحدة عن دعمها قرار جامعة الدول العربية، تجميد مشاركة النظام في جلسات الجامعة. بعد هذا كله، حظي السفراء الغربيون الذين لم يكونوا إطلاقا محلّ ثقة السوريين باستقبال الأبطال من جماعات المعارضة السورية والمجتمع المدني السوري والمواطنين السوريين العاديين، كما حدث مع السفير روبرت فورد، حين استُقبل بالأرز والزهور، عندما زار حماة، وكذلك الترحيب الحارّ بالسفراء الثمانية الذين حضروا عزاء المناضل اللاعنفي غياث مطر في داريا.

وقد دعمت الفصائل الرئيسية في المعارضة السياسية السورية الموقف الغربي، ودعت صراحة إلى مزيد من التدخل ضدّ نظام الأسد. وفي وقتٍ مبكر من سبتمبر/ أيلول 2011، دعت بعض جماعات المعارضة السورية إلى تدخل دولي لحماية المدنيين من الهجوم العسكري المستمر لنظام الأسد، بما في ذلك إقامة منطقة حظر طيرانٍ مدعومةٍ من الأمم المتحدة. وطالبت بتقديم الأسد ومعاونيه إلى محكمة الجنايات الدولية، بتهمة ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية. ودعت إلى فرض حظرٍ على الأسلحة، يتمّ الإشراف عليه دولياً ضد دمشق، وإنشاء بعثة مراقبةٍ تابعة للأمم المتحدة. وفي وقت لاحق، أصبح الخطاب أكثر وضوحا وأكثر مباشرة. ففي مارس/ آذار 2012، دعا المجلس الوطني السوري إلى تدخلٍ عسكريٍّ عاجل من 

"في عامي 2011، و2012، كانت غالبية السوريين على استعداد للتعاون مع الأميركيين لإطاحة الأسد" المجتمع الدولي، ومن أجل منطقة حظر جوي عبر سورية. وقال المجلس، في بيان في 13 مارس/ آذار "رسائل التعاطف لم تعد كافية. ما نحتاجه هو تصرّفات على الأرض واتخاذ قرارات وتدابير ضد عصابات الأسد". وأخيرًا، عندما ضرب الأسد السوريين بالأسلحة الكيميائية أول مرة في صيف 2013، وهدّد أوباما باستهداف قوات الأسد في ضربةٍ محدودة، رحّب معظم السوريين، ومعهم الائتلاف الوطني، بالتدخّل الأميركي لضرب الأسد.

كانت البيئة مناسبةً للولايات المتحدة وحلفائها للتقدّم، وتحقيق مصالحةٍ تاريخيةٍ مع الشعب

السوري. كانت غالبية السوريين في عام 2011، والأشهر القليلة الأولى من عام 2012، على استعداد للتعاون مع الأميركيين لإطاحة الأسد، وتثبيت نظام ديمقراطي جديد في سورية. خلال تلك الفترة (وحتى بعد ذلك) لم يثر أي شعار ضد الإمبريالية أو إسرائيل، وكان هناك فرصة أن تؤدي علاقة جديدة مع الغرب إلى مرحلةٍ جديدةٍ من العلاقات بين الشرق الأوسط والعالم.

فشلت الولايات المتحدة في انتزاع هذه الفرصة، والتي قد لا تتكرّر قريبا. ولو أنها فعلت ذلك، لكانت هناك فرصةٌ لتحقيق أمور عدّة، تكون في صالح شعوب المنطقة والولايات المتحدة والغرب على حدّ سواء. ومن تلك الأمور إيجاد ديمقراطية حقيقية في قلب المنطقة، من شأنها أن تكون نموذجًا جيدًا يجب أن تتبعه الدول الأخرى؛ وبدء مفاوضاتٍ جادّةٍ مع الإسرائيليين، كان من الممكن أن تمهد الطريق إلى سلامٍ حقيقي بين الدولتين؛ وأخيرا إيجاد نوعٍ مختلف من الاقتصاد، يبنى على السوق، بدلاً من العلاقات الشخصية مع عائلة الأسد، والتي من شأنها إيجاد فرص عمل، ما كان سيحدّ من رغبة الشباب السوري في مغادرة بلدانهم والبحث عن ملاذ في دول الجوار أو أوروبا. وكان من شأن ذلك بشكل خاص أن يخفّف العبئين، المعنوي والمادّي، على أوروبا. بيد أنّ أيّا من ذلك لم يحدث، وبدلا من ذلك، يوجّه الرئيس ترامب اليوم الضربة القاضية لأي أملٍ في تحسين مستقبلي للعلاقة مع السوريين. خسارة.

==========================


اتفاقية أضنة: استدعاء لهدف آخر

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 30/1/2019

وسط محتويات الملف السوري الكثيرة والمعقدة، رمى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في لقائهما الأخير ورقة اتفاقية أضنة السورية - التركية باعتبارها أحد نواظم العلاقات السورية - التركية، التي اتفق عليها الطرفان قبل عقدين من السنوات.

خطوة الرئيس الروسي جاءت في مواجهة المطلب التركي بمنطقة آمنة في الشمال السوري، تحفظ في الأهم منها الأمن القومي التركي الذي يهدده في الشمال السوري وجود قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ونشاطها، وقلبها الفاعل وحدات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (pyd) والذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية، تشكل خطراً على أمنها القومي.

خطوة بوتين بطرح اتفاقية أضنة، تفتح مساراً آخر في العلاقات الروسية - التركية وموقف الطرفين من نظام الأسد. بوتين في طرحه لها، يعارض بصورة جوهرية المساعي التركية لمنطقة آمنة في الشمال ومنها المناطق التي تسيطر عليها (قسد)، ويؤشر إلى ضرورة استعادة الأوضاع التي كانت تحيط بالاتفاقية عام 1998، ومنها سيطرة نظام الأسد على منطقة الشمال، وعودة العلاقات مع نظام الأسد ولو من بوابة التنسيق والتعاون لتنفيذ الاتفاقية. والأتراك، على لسان الرئيس إردوغان، وتجنباً لمزيد من المشاكل مع الروس، لم يعارضوا إعادة تفعيل الاتفاقية بالتركيز على ما يشرعن وجودهم وسياساتهم، واعتبروا تفعليها، حسب وزير الخارجية أوغلو، يعطي تركيا الحق في التدخل العسكري المباشر، بما يؤدي إلى منطقة آمنة دون أن يقولوا ذلك صراحة. أما نظام الأسد حسب الخارجية، فوجد في طرح ورقة أضنة فرصة لإدانة السياسة التركية في القضية السورية، وأكد أن تطبيق الاتفاق بين الطرفين، يعني العودة إلى ما كان عند توقيع الاتفاق، بما يعني خروج القوات التركية من الأراضي السورية، ووقف التدخلات التركية في القضية السورية، وهو ما يتوافق في الجزء الأهم منه مع الموقف الروسي.

وتشكل الآراء المتناقضة للأطراف الثلاثة حول اتفاق أضنة مدخلاً لاستعادة المهم في محتوياته، وما أحاط به من بيئة سياسية - عسكرية، تم التوصل إليه في خلالها، والتي جعلت منه اتفاق إذعان وغير مشروط من جانب نظام الأسد الأب، وانتصاراً كبيراً للسياسة التركية في عام 1998.

ففي ذلك العام بلغ الصبر التركي إزاء نشاطات حزب العمال الكردستاني(pkk) حدوده الأخيرة، فوجهت الحكومة التركية تهديدات علنية لنظام الأسد بدفع قواتها وصولاً إلى دمشق، إذا لم تقم الأخيرة بوقف دعمها (pkk) وعملياته المسلحة في تركيا، وأن تطرد قياداته وكوادره وعلى رأسهم عبد الله أوجلان من سوريا، وأن تعتبره تنظيماً إرهابياً.

وحسب الوقائع، فقد أدرك الأسد الأب جدية التهديدات التركية، وخصوصاً بعد مراجعته الوضع الأمني - العسكري على جانبي الحدود بين البلدين مع كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين، ولاحظ أنه لا يقابل التحشدات العسكرية التركية بما فيها الفرق المدرعة والطيران على امتداد مئات الكيلومترات، غير ما يزيد قليلاً على مائتين من مخافر شرطة للحراسة لا وظيفة لها سوى قمع السكان المحليين ولا سيما الأكراد، فأدرك على الفور خطورة التهديدات التركية، فطلب وسطات، كانت بينها وساطة مصرية وأخرى من الأمين العام للجامعة العربية، مهدت للقاء الجانبين في أضنة عبر ممثلين أمنيين لمعالجة الوضع، واختار أحد أهم أعمدة النظام الأمني في حينها اللواء عدنان بدر حسن مدير الأمن السياسي رئيساً للوفد السوري الذي ضم الأهم في قادة الأجهزة الأمنية الرئيسية، وكانت التوصية، وقعوا على ما يطرحه الأتراك في إشارة واضحة من الأسد لتجاوز التهديدات، التي لا شك أنه لمس جديتها، وقدرة تركيا آنذاك على تنفيذها دون أن يمنعها أحد، وهكذا تم توقيع الاتفاقية، التي تكتم السوريون والأتراك على محتوياتها لوقت طويل.

لقد نفذ نظام الأسد على نحو سريع ما طلبه الأتراك، ووضعوه في نص الاتفاقية، فطرد أوجلان وعدداً من قادة (pkk)، وأغلق مكاتبه ومعسكراته في مختلف المناطق، ومنع أنشطة (pkk) بما فيها الأنشطة السياسية والثقافية والاجتماعية، واعتقل كثيراً من كوادره بتهم متعددة بينها الإرهاب واجتياز الحدود بطرق غير مشروعة وغيرها، وقدم قوائم بهم للأتراك. ولم يكن التنفيذ التزاماً بالاتفاقية فقط، وإنما بسبب كم هائل ومهم من معلومات يملكها الأتراك عن وجود ونشاطات وقادة (pkk) فاجأوا السوريين بها، وشملت أسماء وعناوين وصوراً وأرقام هواتف، حصرت النظام في زاوية ضيقة.

وأدت إجراءات نظام الأسد التي ترافقت مع اعتقال الأتراك لزعيم (pkk) عبد الله أوجلان في عملية أمنية محكمة إلى تدمير (pkk) ووقف نشاطاته المسلحة في تركيا وأغلب نشاطاته في خارجها، وهو ما كان يرغب فيه الأتراك، ولم يعد للاتفاقية أي أهمية عملية، مما جعلها تذهب إلى طي النسيان، وليس أدل على ذلك من عدم اهتمام الأتراك ببدء عناصر (pkk) وكوادره في سوريا تحركاتهم لإعادة تنظيم أنفسهم في عام 2004، والتي تمخضت في إحدى نتائجها آنذاك عن تشكيل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي(pyd)، فيما كانت العلاقات التركية مع النظام ورئيسه بشار الأسد تتحسن بصورة واضحة، الأمر الذي يؤكد أن اتفاقية أضنة، جاءت لتعالج أزمة محددة في حينها، ولم يعد لها وجود إلا في أرشيف العلاقات السورية - التركية.

إن استعادة اتفاقية أضنة على نحو ما فعل الرئيس الروسي، ودفعها لتكون في نواظم علاقات تركيا من نظام الأسد أمر يتجاوز مضمون الاتفاقية والبيئة التي ولدت فيها، وقد تغيرت الأوضاع بصورة جذرية في العقدين الماضيين، مما يؤكد عدم صلاحيتها، والموافقة التركية على استعادة الاتفاقية وما احتوته من شروحات، ليس أكثر من مسايرة تركية للروس، هدفها عدم خلق مزيد من الخلافات، مع تأكيد الخط العام للموقف التركي في القضية السورية، ووحده نظام الأسد بدا مرتبكاً في موقفه بالموافقة على عودة العمل باتفاقية، تضمنت إذعانه لإملاءات تركية تحت التهديد، ورفضها على نحو ما يفترض، فيما يسعى إلى استعادة سيطرته على ما تبقى من الأراضي السورية الخارجة عن سيطرته، وبسبب ذلك الارتباك، ركز بصورة أساسية على انتقاد السياسة والتدخل التركي في سوريا، وهو كلام لا معنى له في ضوء التدخلات الإقليمية والدولية الكثيرة الحاصلة في سوريا.

==========================

التأثير الخانق لقانون قيصر

يحيى العريضي

العربي الجديد

الثلاثاء 29/1/2019

على الرغم من أن الولايات المتحدة الأميركية من بين أهم الدول في مجموعة "أصدقاء سورية"، إلا أنها، خلال السنوات الثماني الماضية من معاناة الشعب السوري على يد الإجرام، لم تميّز نفسها عن الآخرين، جهة مغرمةً أو حاميةً أو حريصة على الشعب السوري. للأسف، كان خذلان السوريين في سياسات ومواقف أميركية أكثر من أن يُحصى. ومع ذلك، كان اعتبار أميركا الداعم للمعارضة السورية علامةً تناقلتها ضفة منظومة الأسد وأبواقها باعتبارها نقيصة. حتى الـ55 ألف صورة، وبينها 11 ألف صورة لسوريين قضوا تحت التعذيب، والتي هرّبها سوري كان يعمل موثِقاً في موقع التعذيب ذاته؛ هذه الصور مرّ على وجودها أمام الجهات الأميركية المسؤولة في الكونغرس أكثر من أربع سنوات، وهي شاهدٌ على إجرام منظومة الاستبداد الأسدية.

وعلى الرغم من الأذى الذي تسبب به الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، للسوريين بتجريبه أكثر من ثلاثمائة صنف من السلاح عليهم، وعلى بلدهم، وعلى الرغم من حفاظه سياسياً على النظام في مجلس الأمن، ومختلف المواقف والمحافل الدولية، وعلى الرغم من محاولاته المستميتة لإعادة تأهيله، وخصوصا إلى الحظيرة العربية؛ إلا أن الرئيس الأميركي السابق، 

"اعتبار أميركا داعمة للمعارضة السورية علامةً تناقلتها ضفة منظومة الأسد وأبواقها باعتبارها نقيصة" أوباما، لم يقلّ ايذاؤه للسوريين وقضيتهم عن بوتين. باختصار شديد؛ لولاه لما تمكن الأخير أو أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، أو قائد مليشيات الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، من ذبح السوريين؛ ولولاه لما تأخر قانون قيصر إلى هذا الوقت، غير أنه على كلٍّ أن تأتي متأخرا خيرٌ من أن لا تأتي.

إضافة إلى الحماية السياسية والعسكرية التي قدّمها النظام الروسي لمنظومة الاستبداد الأسدية، وبعد ارتكابها كل تلك الجرائم، والتي يتواصل توثيقها، لا تغيب عن النظام الروسي وسيلة لإعادة تأهيل نظام الأسد إلا ويسعى إليها بما استطاع لذلك سبيلا. استشعرت روسيا مثلاً وطأة الخناق العربي على نظام الأسد، فهيأت طائرةً روسيةً مدنيةً وشحنت رئيس السودان، عمر البشير، إلى دمشق، علّه يكون فاتحة كسر القطيعة العربية. ومن جانب آخر، لا تتوانى موسكو عن الدفع ببعض المؤسسات البرلمانية الرخيصة إلى زياراتٍ لنظام الأسد، محاولة صبغه بالطبيعي. من ناحية ثالثة، رأت موسكو ضرورة عودة اللاجئين السوريين، فحوّلت ذلك إلى جزءٍ من سياستها الخارجية؛ فوجدت مثلاً لبنان نصرالله جاهزا لاقتلاع جحافل البشر السوريين الذين هربوا بأرواحهم من براميل النظام إلى لبنان، وسعت إلى رميهم تحت رحمة منظومة الاستبداد ثانية. وعلى الصعيد الدولي، حاول الروس مع أوروبا حيث تدفق مئات آلاف السوريين، ولكن بعض قادة أوروبا أدركوا اللعبة البوتينية. وأخيرا، نشهد استحضار روسيا اتفاقية أضنة (1998) بين نظام الأسد وتركيا، والتي تهدف ربما لفك الخناق التركي قليلاً عن منظومة الاستبداد.

هذه المحاولات الروسية مستمرة، لكن الضربة الصاعقة لتلك الجهود جاءت في صدور ذلك التشريع الأميركي الجديد الذي يجعل إعادة تأهيل نظام الأسد ضرباً من المستحيل؛ إنه "قانون قيصر"؛ والإصابة القاتلة لا تخصّ نظام البراميل فقط، بل تمتد إلى كل مَن يحميه أو يمد له يد العون، فما بالك بمن يسعى إلى إعادة تأهيله، أو لـ "إعادة الإعمار" في ظل سلطته الدموية!

رسالة الكونغرس الأميركي التي جاءت نتاجاً لجهود جبارة من نشطاء سوريين وجهاتٍ ذات ضمائر حيّة؛ إضافة إلى رسالة العقوبات الأوروبية بالأمس القريب، كفيلتان بدفع الدول المساندة لهذا النظام المتعفن للتخلي عنه؛ والأهم سيكون انحسار "البروباغندا" والدعاية المخابراتية المريضة لإعادة تأهيل النظام، والتي أثّرت سلباً على بعضهم، وخصوصاً الحالات المهزوزة والمتردّدة، وغير الواثقة بقوة حق الشعب السوري في مصير حر ديمقراطي كريم.

وفي التأثير الخانق للفعل التشريعي للكونغرس الأميركي، نتذكّر أنه لم يكن حضور رئيس لبنان الحالي، ميشال عون، في الكونغرس قبيل العام 2005 إلا الصاعق الذي حرّك ذلك المكان الخطير دولياً (كونغرس أميركا) باتجاه إنهاء ثلاثة عقود من الوجود السوري في لبنان. بالأمر 

"قانون قيصر

قابل للتمديد، ومن المستحيل أن يصمد نظام الأسد ومن يستثمر به في ظلِّ وجود قانونٍ قابل للتمديد" الأميركي فقط، لا بشيء آخر، تم الخروج الأسدي من لبنان. هنا خطورة ما شرّعه الكونغرس تجاه نظام الأسد، وما خوّل رئيس أميركا أن يفعله تجاه المنظومة، ومن يدعمها، أو يمد لها يد عون. وذلك يأتي في وقتٍ يفقد فيه الجميع الأمل بأي قرارٍ دولي، يمكن أن يضمن للسوريين حقوقهم. قانون قيصر مسألة مختلفة، فهو مخيفٌ للداعمين، أو المتعاونين مع الاستبداد، بقدرٍ ربما أكثر من إخافته المنظومة ذاتها.

كما لم تتعوّد إسرائيل يوماً أن تحترم القانون الدولي أو القرارات الدولية أو تلتزم بهما، كذلك نظام الأسد لم يلتفت إلا كلامياً وإعلامياً للقرارات المتعلقة بالقضية السورية: بيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2254؛ إلا أن قانون قيصر مختلف عن قرارات مجلس الأمن التي لم يلتزم بها النظام ولا حلفاؤه، ومختلفٌ عن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومختلف عن تقارير لجنة التحقيق الدولية، إنه قانونٌ ملزمٌ ولا يوجد أي تساهلٍ بالتعامل معه، والعقوبات الأميركية هي الأهم والأقسى في العالم؛ وجميع الدول والشركات والأفراد تحاول تجنّبه. يعاقب القانون كل من يوفر أي دعم للحكومة السورية، أو حتى أي مسؤول رفيع المستوى ضمن النظام المجرم، دعم مادي أو تقني، أو أي دعم عسكري للنظام أو للقوات الروسية والإيرانية داخل سورية. لا يعاقب القانون فقط الدول والمنظمات التي تتعامل مع النظام، أو تنوي التعامل معه لاحقاً، بل يشمل حتى الأفراد الذين يدعمون النظام السوري في العالم.

صحيحٌ أن مدى القانون محددُّ زمنياً، لكنه أولاً قابل للتمديد، ومن المستحيل أن يصمد نظام الأسد ومن يستثمر به في ظلِّ وجود قانونٍ كهذا قابل للتمديد. الحل أمامهم هو التخلي عن نظامٍ كهذا، والاتجاه نحو حل سياسي. إقرار القانون إنجاز ضخم جداً، ويستحق الاهتمام من جميع السوريين: المناهضين، لأنه أداة حسابٍ تحضر بقوة لتقتصّ ممن أجرم بحقهم، وحتى من الصامتين أو المؤيدين، لأنه أداة ردع ماضية تحول دون استمرار النظام بالفعل الإجرامي.

==========================

الصراع الروسي الإيراني يندلع في دير الزور

محمد حسان         

المعهد الملكي

الثلاثاء 29/1/2019

صراع شديد بين الحليفين الرئيسيين للنظام السوري في المناطق الواقعة غرب نهر الفرات في محافظة دير الزور.

شهِدَت المناطق الواقعة غرب نهر الفرات في محافظة دير الزور صراعاً محتدِماً بين الحليفين الرئيسيين للنظام السوري، روسيا وإيران، وقد حاول كلاهما إثبات وجودهما في المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية اقتصادياً وجغرافياً في المحافظة والسيطرة عليها.

وبدا التوتر واضحاً بين روسيا وإيران خلال معركة كسر الحصار المفروض على محافظة دير الزور في نهاية عام 2017، بعد أن منعت القوات الروسية وسائل الإعلام الإيرانية وحزب الله من دخول مدينة الميادين التي استعادها النظام، فقد حصَرت روسيا التغطية الإخبارية بوسائل الإعلام الرسمية السورية وبعض القنوات الروسية كجزء من خطة للسيطرة على دير الزور ومن ثم كسبِ الثناء في المعركة النهائية ضد داعش من أجل تحدّي الانطباع العام بأن إيران كانت صاحبة اليد الطولى في سوريا.

أصبح النزاع بين روسيا وإيران في المحافظة عنيفاً بشكل متزايد منذ بداية عام 2018، وقد شمل ذلك عمليات اغتيال واعتقالات استهدفت الجماعات العسكرية على الجانبين، تلَتها اشتباكات عسكرية مباشرة بهدف السيطرة على النقاط الإستراتيجية من قبيل المعابر النهرية والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية مثل مركز مدينة دير الزور.

تمثَّلت أهم الهجمات على الأهداف الموالية لروسيا في اغتيال الجنرال عصام زهر الدين في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2017 - والذي زعم النظام السوري أنه قضى بسبب انفجار لغم أرضي - وكذلك مقتَل ضابط روسي في حزيران/يونيو 2018، وفي كِلا الحادثتَين، اتهمت روسيا إيران بالوقوف وراء الهجمات، واعتقلت روسيا العشرات من مقاتلي الميليشيات الشيعية رداً على ذلك، ورفضت توفير الحماية الجوية للقوات الموالية لإيران ولا سيما خلال هجمات داعش المتكررة على مدينة البوكمال.

تُعدُّ مدينة البوكمال الواقعة على الحدود السورية العراقية مسرحاً مهماً في الصراع بين روسيا وإيران على دير الزور، وكانت المدينة تحت السيطرة الكاملة لإيران، وهي تُعتبر الجزءَ الأكثر أهمية من الجسر البري الذي أمَّنته إيران لربط طهران والبحر المتوسط عبر العراق وسوريا، وهُما - روسيا وإيران- يعتبرانها أولوية قصوى.

خلال الأيام الماضية، قامت روسيا، التي تدرك الطموحات الإيرانية في البوكمال، بإرسال تعزيزات عسكرية، بما فيها الجنود والآليات العسكرية، إلى الريف القريب من المدينة من أجل تعزيز الوجود الروسي وقوات الدفاع الوطني، وذلك بمثابة خطوة أولى في جهودها لتقويض السيطرة الإيرانية على المدينة، وانضمّت قوات الدفاع الوطني التي يغلُب سُنَّة دير الزور على مُنتسبيها- على عكس المناطق الأخرى من سوريا - إلى روسيا باعتبارها أقوى الأطراف الفاعلة الخارجية في المحافظة.

كما كانت لروسيا وحلفائها اليدُ العليا في معركة المعابر النهرية التي تربط المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري بالمناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور، وذلك بعد طردِ الميليشيات المتحالفة مع إيران والتي كانت تسيطر سابقاً على المعابر النهرية، وأهم هذه المعابر هيَ الشميطية والجنينة في الريف القريب من غرب دير الزور، بالإضافة إلى معابر الصالحية، ومراط، ومريعية، وبقرُص في الأجزاء الشرقية من الريف، ويمكن للمعابر النهرية أن تُدِرَّ أرباحاً ضخمة يومياً بسبب تهريب الوقود والمواد الغذائية بين ضفتي نهر الفرات، وحقيقة أن المهربين والسكان المحليين يجب أن يدفعوا عمولة إلى المجموعة التي تسيطر على المعابر.

في نهاية المطاف، تعتمد نتيجة الصراع الروسي الإيراني في محافظة دير الزور على القوات العسكرية المحلية، بما في ذلك تلك الموالية لروسيا (مثل الفيلق الخامس)، وقوات الأمن السورية وأجزاء أخرى من الجيش السوري، من جانبها تعتمد إيران على الميليشيات الشيعية المحلية والأجنبية، بما في ذلك لواء الباقر والفصائل العسكرية المكونة من سكان قريتي حطلة ومراط الشيعيتين، فضلاً عن حزب الله والميليشيات الأفغانية والعراقية العاملة في المحافظة.

صراع أكبر: روسيا وإيران

صراع القوة المستمر بين روسيا وإيران في دير الزور ليس الأول من نوعه، فهو يأتي بعد صراعات مماثلة في الريف الغربي بالقرب من الساحل السوري، وكذلك في محافظة حلب وجنوب دمشق ودرعا.وفقاً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي تحدَّث إلى الرئيس بشار الأسد خلال اجتماعهما الأخير في سوتشي، فإن جهود موسكو لا تقتصر على الحد من النفوذ الإيراني في سوريا، بل تسعى إلى إخراج إيران من سوريا بالكامل، وشدّد بوتين على ضرورة انسحاب القوات الأجنبية من سوريا من أجل التوصل إلى حل سياسي، وهو ما أوضحه المبعوث الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرينتييف على أنه يشير تحديداً إلى القوات الإيرانية وحزب الله، فضلاً عن القوات الأمريكية والتركية.

يأتي هذا البيان بعد نجاح روسيا في توسيع سيطرة نظام الأسد على أنحاء واسعة من البلاد، بهدف إيجاد حل سياسي يعزِّز المصالح الروسية في سوريا، لم تعد روسيا تستفيد من الوجود الإيراني في سوريا، لأن هذا الوجود تسبَّب بإزعاج القوى الإقليمية والدولية على حد سواء، وخاصة إسرائيل التي كانت تستهدف القوات الإيرانية وتلك المتحالفة مع إيران في سوريا على مرأى ومسمع من موسكو.

هناك مؤشرات مختلفة على أن روسيا لها اليد العليا في الصراع مع إيران، لقد جاء التدخل الروسي بعد أن شاركت روسيا، وليس إيران، في عملية جنيف مع المجتمع الدولي، علاوةً على ذلك، أبرمت روسيا علانيةً اتفاقيات مع النظام السوري، تولَّت بموجبها السيطرة على قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية، على النقيض من ذلك، لم تكن التدخلات الإيرانية تحمل هذا النوع من الشرعية الدولية، لدرجة أن إيران تُنكر وجود قواعد عسكرية داخل الأراضي السورية.

وتشير الاختلافات في مقاربة روسيا للتدخل إلى الهيمنة الروسية على إيران في سوريا، فقد ركزت روسيا في الآونة الأخيرة جهودها على إعادة تأهيل المؤسسات العسكرية الرسمية، وخاصة الجيش، لكي تصبح هذه المؤسسات قوى أكثر فاعلية، كما حاولت روسيا جذب الشباب السوري للالتحاق بالخدمة بُغيةَ التغلّب على أزمة الثقة السابقة في المؤسسة.

في المقابل، وجهت إيران طاقاتها لنشر نفوذها من خلال العقيدة الدينية، ومن خلال وجود الميليشيات التي تعمل خارج المؤسسة العسكرية الرسمية، مثل الحرس الثوري الإيراني، والميليشيات الأخرى، لم تصبح هذه الميليشيات في نهاية المطاف منتظمةً وفقاً لأيديولوجية مشتركة، وبدلاً من ذلك آلت إلى مجموعات من المرتزقة الذين يعيشون من النهب والتهريب والتجارة بالبضائع المحظورة، كما حاولت إيران اتباع سياسات تُعزز التغيير الديموغرافي، مما جعل المجتمعات المحلية تستاء من تورط إيران في الحرب، وقد ساهمت هذه التحركات في عدم الاستقرار في سوريا على المدى القصير، وهو ليس في مصلحة روسيا على المدى الطويل.

==========================

بين المنطقة الآمنة واتفاق أضنة

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 28/1/2019

توجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى موسكو وفي جيبه العرض الأميركي بصدد "المنطقة الآمنة" بعمق 32 كم، وعاد إلى بلاده وفي جعبته "اتفاق أضنة" الأمني، "هدية" من صديقه بوتين مع أن ثمنها مدفوع من غير كيس بوتين.

ليس "العرض" الروسي غريباً، فهو لا يكلفها شيئاً، بل يجعلها تربح اعترافاً تركياً بشرعية عميلها السوري الذي هو طرف في الاتفاق المذكور. بل الغريب هو تلقف أردوغان للاقتراح واعتباره بمثابة "مخرج قانوني" لشرعنة تدخله العسكري في الأراضي السورية. مع أن الاتفاق المذكور يحدد عمق 5 كلم فقط لتدخل عسكري محتمل بهدف ملاحقة "الإرهابيين" الذين حددهم الاتفاق بحزب العمال الكردستاني، وهو لا يشمل حزب الاتحاد الديموقراطي أو وحدات حماية الشعب اللذين لم يكونا موجودين وقت توقيع الاتفاق، ولا تعتبرهما موسكو، ولا النظام الكيماوي، منظمتين إرهابيتين.

ترى هل يسعى أردوغان، بترحيبه هذا باستعادة اتفاق أضنة، لابتزاز واشنطن استدراجاً لعرض مقبول، تركياً، بشأن تفاصيل مضمون المنطقة الآمنة بما يلبي الهواجس الأمنية والطموحات التوسعية لتركيا؟ أم أن الاتفاق المذكور بات بمثابة طوق نجاة لسياسة تركيا السورية المهددة بالإفلاس، والمخرج الواقعي للخروج من المغامرة السورية بأقل الخسائر؟

لا تعارض بين الاحتمالين، فإذا حصلت أنقرة على ما تريد من واشنطن، تفويضاً كاملاً باجتياح شرقي نهر الفرات، مع دعم لوجستي وغطاء جوي، وبإدارة المنطقة

إذا امتنعت واشنطن عن تلبية المطالب التركية الباهظة فمن شأن إعادة تفعيل اتفاق أضنة أن يمنح تركيا نوعاً من التعويض المقبول عن خسارة رهانها القديم على إسقاط النظام

لفترة مديدة إلى حين تبلور حل دولي نهائي للصراع في سوريا وعليها، على غرار ما هو قائم في منطقتي "درع الفرات" وعفرين، تكون، بذلك، قد حققت هدفها الأساس المتمثل باختراق "الكوريدور الكردي" المحاذي لحدودها الجنوبية في أكثر من جيب، وإبعاد "وحدات الحماية" عن المنطقة الحدودية بضمانة أميركية. وربما يراهن أردوغان على استجابة ترامب لمطالبه من خلال ابتزازه بالقبول بإعادة تفعيل اتفاق أضنة بضمانة روسية، الأمر الذي ينطوي على تكريس العلاقة التركية – الروسية على حساب العلاقة مع واشنطن وحلف الأطلسي.

أما إذا امتنعت واشنطن عن تلبية المطالب التركية الباهظة فمن شأن إعادة تفعيل اتفاق أضنة أن يمنح تركيا نوعاً من التعويض المقبول عن خسارة رهانها القديم على إسقاط النظام، وذلك من خلال تحصين حدودها الجنوبية ضد المخاطر المحتملة.

لكن للاحتمال الثاني تبعات كبيرة، لعل أهمها تخلي تركيا عن الفصائل السورية المسلحة التي تتبعها، وما يعنيه ذلك من فقدان أي ورقة ضغط يمكن لتركيا استخدامها في المسارات السياسية للتسوية. أضف إلى ذلك أن العودة إلى اتفاق أضنة سوف يستتبع مطالبة روسية - أسدية بانسحاب القوات التركية من منطقتي درع الفرات وعفرين، على أن يبقى شريط أمني بعمق 5 كلم، كما نص الاتفاق القديم، كمنطقة عازلة.

أما بالنسبة للوحدات الكردية، وكامل "منظومة" حزب العمال الكردستاني، فمجرد ذكر اتفاق أضنة يسبب له قشعريرة خوف واستعادة لأسوأ الذكريات في تاريخ الحزب. ففي إطار الاتفاق المذكور تلاقت مصالح أنقرة والنظام السوري ضده، فطرد عبد الله أوجلان من دمشق، ليلقى القبض عليه، بعد أشهر قليلة، ويساق إلى تركيا حيث سيحكم عليه بالسجن المؤبد في جزيرة إمرلي، وفي عزلة تامة محروماً حتى من رفاق سجن.

وفي إطاره تم اعتقال عشرات من كوادره السوريين، وتسليم عشرات آخرين من حاملي الجنسية التركية إلى تركيا. باختصار، اتفاق أضنة هو حرب أسدية – تركية مشتركة

التداعيات الكبيرة للبديل الثاني (اتفاق أضنة) قد ترجح احتمال الابتزاز التركي لواشنطن أكثر من كونه خياراً عملياً أمام أردوغان

ضد الحزب. ويعني استعادة العمل به أن مفاوضات "مجلس سوريا الديموقراطية" – المتوقفة حالياً - مع دمشق ستصبح بلا موضوع، ولن يعود أمام الفرع الكردي لحزب العمال الكردستاني غير الاستسلام التام أمام النظام.

الخلاصة أن التداعيات الكبيرة للبديل الثاني (اتفاق أضنة) قد ترجح احتمال الابتزاز التركي لواشنطن أكثر من كونه خياراً عملياً أمام أردوغان. وعلى أي حال لا يعطي مشهد الصراع السوري، في لحظته الراهنة، أي مؤشرات لنهاية قريبة تجعل العودة إلى الاتفاق ممكنة مع انسحاب تركي كامل، سياسي وعسكري، من سوريا. فهذا الانسحاب هو شرط لا بد منه للعودة إلى ما قبل 2011 في العلاقات السورية – التركية، حتى لو امتنع استعادة "دفء" العلاقة الشخصية التي كانت قائمة آنذاك بين الأسد وأردوغان.

هل يعقل أن بوتين الذي اقترح على ضيفه العودة إلى اتفاق أضنة لا يدرك كل هذه التعقيدات المتصلة به؟ من المحتمل أن اقتراحه وسيلة ضغط على أردوغان الذي فشل، من وجهة النظر الروسية، في التزاماته بشأن منطقة إدلب، في إطار اتفاق سوتشي الروسي – التركي الذي تم توقيعه في أيلول الماضي، لكي يقدم أردوغان تنازلاً جديداً، على غرار ما حدث في حلب الشرقية قبل عامين، قد يتمثل في التخلي عن إدلب التي يتحرق النظام وروسيا لاجتياحها. أما التطبيع التركي مع نظام الأسد، فهو مطلب روسي دائم، لا تبدو أنقرة ناضجة بعد للقبول به.

بالنسبة لواشنطن يبدو التلويح الروسي – التركي بورقة اتفاق أضنة بمثابة إخراج كامل للعامل الأميركي من معادلات الصراع في سوريا وعليها، بعد إتمام الانسحاب العسكري الأميركي المقرر في غضون بضعة أشهر. بكلمات أخرى، إذا فشلت واشنطن في إقناع تركيا بترتيبات ما بعد انسحابها، ومنها الفكرة الغامضة – إلى الآن – بشأن المنطقة الآمنة، فسوف يبقى تقرير مصير شرقي الفرات في يد ثلاثي سوتشي، ومعهم نظام دمشق، ليبقى الأميركيون خارج الموضوع تماماً، بما في ذلك خارج أي طاولة مفاوضات حول مستقبل سوريا عموماً.      

==========================

ربما توثيق الاحتلال الإيراني لسوريا بداية الخلاص

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 28/1/2019

لا يمر يوم أو ربما ساعة إلا ونسمع أسطوانة ضرورة خروج أو اقتلاع إيران أو ميليشياتها من سوريا. تحوّل ذلك إلى جزء من الإستراتيجية الأميركية تجاه القضية السورية، والإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية عبر استهدافها مواقع تقول إنها إيرانية. تغوُّل إيران ومشتقاتها في سوريا لم يكن يتم في الخفاء والعيون الإسرائيلية-الأمريكية ترصد أنفاس المنطقة برمتها؛ فمَن يريد لإيران أن تخرج، ما كان أساساً مرّر ذلك؛ وعليه على الأقل أن يكون على بيّنة بما فعلته وتفعله إيران في سوريا موثَقاً كي يساعد السوريين في إخراج هذا الوباء من بلدهم.

لا حاجة لعبقرية فذة أو وطنية مميّزة لملاحظة انكشاف التحول في العلاقة الإيرانية- السورية من التحالف إلى الاحتلال. وكما هو سهل نفي هذي الحال من قبل سلطة لا حول لها ولا قوة، ومؤيدين استمرؤوا الأمان والبحبوبة تحت خيمة الذل الجديدة الأقوى؛ هو أيضا سهل حسياً وعاطفيا إثبات هذي الحال شفهياً مِن قبل مَن يعارض السلطة. أما الأصعب فهو إثبات حالة الاحتلال بتوثيق وشواهد وموضوعية والانتقال بمعركة الشعب السوري إلى المحافل الدولية بجدية؛ فلا أحد يمكنه الهروب من جرائم الحرب أو التطهير العرقي الذي يمارسه الاحتلال الإيراني ودميته مسلوبة الإرادة في دمشق.

في هذا المقال محاولة لمقاربة هذا الانكشاف وتحوّل إيران إلى قوة احتلال لـ سوريا عبر تفحّص تقرير أعدته مجموعة من الباحثين يقع في مئة وعشر صفحات - وساهم فيه راصدون من الهيئة السورية للتفاوض- لإيران في سوريا. وجد التقرير طريقه إلى الصحيفة الإلكترونية (نامة شام) يثبّت توثيقياً تحوّل الحليف الإيراني إلى محتل.

أول ثمرة تدخل إيران تشكيل ما يسمى بقوات الدفاع الوطنية السورية المعروفة سابقا بـ"الشبيحة"

يقول التقرير إن الدور العسكري للنظام الإيراني في الحرب الحالية في سوريا نما تدريجياً من تقديم دعم إستراتيجي وتقني لقوات النظام السوري في مواجهة المظاهرات الشعبية العارمة إلى التحكم الكامل بإستراتيجية النظام السوري العسكرية وقيادة جميع حملاته العسكرية الكبرى؛ ففي بدايات عام 2011، ” قام فيلق القدس، بمشاركة عدد من أجهزة الاستخبارات الإيرانية، بتشكيل /بعثة استشارية/ لمساعدة النظام السوري في “أزمته” في أعقاب اندلاع الثورة؛ حيث ترأس هذه البعثة  القائد السابق للحرس الثوري "حسين حمداني" وقائد فيلق القدس اللواء "قاسم سليماني" وقام هذان، وفقاً للتقارير، آنذاك، بإرسال عدد من ضباط الحرس الثوري الإيراني ذوي خبرة في حرب العصابات وحرب المدن للإشراف على العمليات في سوريا وتوجيهها؛ لتكون أول ثمرة تدخلها تشكيل ما يسمى بقوات الدفاع الوطنية السورية المعروفة سابقا بـ"الشبيحة" على غرار قوات  "الباسيج الإيرانية" مستفيداً من خبرة الأخيرة في قمع الحركات الاحتجاجية في إيران.

يقدم التقرير أدلة وقرائن تستند إلى تصريحات واعترافات نادرة لمسؤولين إيرانيين وشهادات لمسؤولين سوريين وعناصر ميليشيا خدموا تحت إمرة ضباط إيرانيين أو تلقوا تدريبات عسكرية في إيران؛ ففي أواسط عام 2012، اتخذ النظام الإيراني قراراً إستراتيجياً بإرسال بعض الميليشيات الموالية له من لبنان والعراق للقتال في سوريا إلى جانب قوات النظام السوري، بل حتى نيابة عنها. الأمثلة الصارخة المثبتة /القصير، حمص، يبرود/ حيث تم إسناد الدور القيادي في هذه المعارك الرئيسية إلى حزب الله والميليشيات الأخرى المدعومة من قبل النظام الإيراني، والتي يعتبرها الأخير أكثر تنظيماً وأكثر جدارة بالثقة من الجيش النظامي السوري.

يحتوي التقرير أيضاً أمثلة على انتهاكات حقوق إنسان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في سوريا من قبل هذه الميليشيات والقوات التي يتحكم بها النظام الإيراني مستشهداً بالمجازر التي ارتُكبت وأهمها مجزرة الكيماوي. ويثبت أنها مسبقة التخطيط، سياسية الدافع، استهدفت مدنيين وليس عسكريين، ونفذتها ميليشيات غير نظامية بالاشتراك مع قوات مسلحة نظامية. وبناءً عليه يدعو كاتبو التقرير إلى إضافة جميع المسؤولين والهيئات الإيرانية المتورطة إلى قوائم الإرهاب وفرض العقوبات المناسبة عليهم.

من جانب آخر يتطرق الباحثون إلى علاقات النظامين السوري والإيراني مع المجموعات الإرهابية المتطرفة كداعش وغيرها ويوردون أدلة وقرائن متنوعة على أن كلا النظامين قد اخترق واستخدم وتعامل مع هذه المجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة من أجل حرف مسار الثورة السورية في اتجاه العسكرة والطائفية وبغية تبرير أعمالهما العسكرية ضد المتظاهرين والثوار. وما نشهده اليوم من أفعال /هيئة تحرير الشام / "النصرة" ليس إلا الصدى والتخطيط لإيران وربيبتها /القاعدة/.

الفصل الثاني من التقرير يسوق حججاً قانونية لإثبات الاحتلال الإيراني العسكري لسوريا عبر تقديم تفاصيل مفادها أن الحرب في سوريا هي نزاع دولي طرفاه الأساسيان / احتلال أجنبي / (النظام الإيراني) و/نضال تحرري/ متمثل بـ (الشعب السوري) الذي يقاوم هذا الاحتلال الأجنبي كما يقاوم سلطته الاستبدادية ويلحق بهم خسائر بالأرواح ولديه أسرى منهم يمكن اعتبارهم” أسرى حرب" كما يتعرض هذا الشعب المقاوم لخسائر في الأرواح والممتلكات..

يبدأ هذا الفصل بمناقشة قانونية عن ماهية ومقومات الاحتلال العسكري كما تعرّفه اتفاقيات لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وفيما إذا كان وجود النظام الإيراني في سوريا يشكّل احتلالاً أجنبياً.

وبعد استعراض أدلة وأمثلة لدعم القضية القانونية، يقدم الباحثون تصريحات لمسؤوليين إيرانيين، ويخلصون إلى القول إن للحرب في سوريا اليوم جميع خصائص النزاعات الدولية. كما ينوّهون إلى إمكانية استخدام المادة 1 من البروتوكول الإضافي رقم 1 لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف الرابعة، والذي ينصّ على أن النزاعات تُعتبر دولية حين تقع بين دولة وسلطة تمثّل شعباً “يقاتل ضد هيمنة استعمارية واحتلال أجنبي وضد أنظمة عنصرية من أجل ممارسة حقهم في تقرير المصير.”

النظام الإيراني يمارس الاحتلال المباشر من خلال قواته المسلحة وميليشياته، وعلى نحو غير مباشر من خلال النظام السوري الدمية

فالنظام الإيراني يمارس الاحتلال المباشر من خلال قواته المسلحة وميليشياته، وعلى نحو غير مباشر من خلال النظام السوري الدمية. هنا يورد الباحثون ضمّ أو استبعاد مسؤولين حكوميين وعسكريين سوريين بناء على رغبات وأوامر النظام الإيراني؛ ويستشهدون بحادثة اغتيال عدد من كبار المسؤوليين الأمنيين والعسكريين السوريين مما كان يدعى بـ "خلية الأزمة" في تموز/يوليو2012. وبخصوص هذه الحادثة، جمعوا معلومات سُربت إليهم من قبل مصادر موثوقة رفيعة المستوى، وأعادوا النظر في عدد من القرائن الظرفية المتعلقة بالقضية، وخلصوا إلى أن عملية الاغتيال لم تكن لها علاقة بالجيش السوري الحرّ ومجموعات المعارضة السورية المسلحة الأخرى- كما زعمت تقارير إخبارية في حينه- بل إن من ارتكبها كان الحرس الثوري الإيراني، وبأوامر مباشرة من الجنرال قاسم سليماني نفسه؛ كما أفادوا في تقريرهم أيضاً أن عدداً من أعضاء “خلية الأزمة” كان قد فتح خطوطاً مع دول خليجية وغربية بهدف عقد صفقة من خلف ظهر إيران. لكن الحرس الثوري كان لهم بالمرصاد ومنع إتمام الصفقة. ومنذ ذلك الحين يبدو أن بشار الأسد أضحى تحت قبضة النظام الإيراني بشكل كامل، بل إنه عملياً رهينة لديهم.

وبناء على ما تقدّم، فهم يقترحون خطاباً جديداً عن الثورة السورية والوضع الحالي في سوريا، بالإضافة لمجموعة من المطالب، في ضوء هذا الواقع؛ فالحرب في سوريا، على حدّ قولهم، نزاع دولي يسوّغ تطبيق اتفاقيات جنيف الرابعة، والمناطق السورية التي يسيطر عليها النظام تُعتَبر مناطق محتلة – ليس مجازاً وإنما بالمعنى القانوني الدقيق للكلمة.

ومن هنا فهم يؤكدون أن الاعتراف بالحرب السورية كنزاع دولي يشارك فيه احتلال أجنبي وشعب يناضل من أجل تحرره قد يقدّم كذلك “سلاحاً قانونياً” قوياً ضد النظام الإيراني، ألا وهو أن هذا النظام يقترف “انتهاكات خطيرة” لاتفاقية جنيف الرابعة، والتي تُعتبر جرائم حرب ذلك أن على إيران، باعتبارها سلطة احتلال، "واجبات" معينة تجاه الشعب السوري الذي يرزح تحت احتلالها، وفقاً للقانون الدولي. هناك ثمة ما يكفي من الأدلة – وقد عُرض بعضها في هذا التقرير – لإثبات أن النظام الإيراني وقواته وميليشياته التي تقاتل في سوريا قد انتهكت هذه الواجبات بشكل متكرر؛ فعلى سبيل المثال، يُعتبر هدم الممتلكات العامة والخاصة في أنحاء شاسعة من سوريا، والذي لا تبرره الحرب (ضد مسلحي المعارضة) في كثير من الحالات، يُعتبر انتهاكاً صريحاً ومتكرراً للمادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة. كذلك يُعتبر إخلاء قرى وأحياء كاملة من سكانها في حمص وغيرها من المدن السورية، وتقارير عن تسجيل هذا العقارات التي أجلي أصحابها بأسماء مناصرين للنظامين السوري والإيراني مُستقدمين من مناطق أخرى (بمن فيهم أجانب كالمقاتلين الأفغان)، تُعتبر انتهاكاً صريحاً ومتكرراً للمادة 49، وقد ترقى حتى للتطهير العرقي..

أخيراً، يقترح المؤلفون بناء على هذا الخطاب الجديد مجموعة من المطالب الموجهة للاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة وحلفائهما في مجموعة “أصدقاء سوريا”، وكذلك للأمم المتحدة وهيئات دولية أخرى.

لقد كُتِب هذا التقرير قبل عمليات إيران العسكرية في درعا والقنيطرة، والتي عكست سلوك قوة الاحتلال الصرفة؛ حيث هدفت إيران من خلالها أن تثبت لإسرائيل وأميركا أنها المتصرّف الأساس في الشأن السوري ممارسةً بذلك ضغطاً أمنياً على الحدود الإسرائيلية – السورية بغية استخدام ذلك كورقة ضغط في المفاوضات المتعلقة بملفها النووي حينها.

بين أيدي السوريين الآن وثائق تقول للعالم: " إيران تحتل سوريا؛ فماذا أنتم فاعلون؟!"

نحن أمام احتلال إيراني لسوريا- برضاء السلطة القائمة أم رغماً عنها غير مهم؛ ولكن بين أيدي السوريين الآن وثائق تقول للعالم: " إيران تحتل سوريا؛ فماذا أنتم فاعلون؟!" على أية حال يبقى العبء على السوريين أن يقاوموا الاحتلال الإيراني ويحرروا بلدهم منه ومن السلطة الدمية التي جلبت لهم هذا البلاء.

حتى لو لم يراهن السوريون الأحرار على أحد لنجدتهم- بما في ذلك إخوتهم في المواطنة الذين اختاروا موالاة الظلم والاستبداد- إلا أن وضعهم هذه الحقائق أمام العالم قد يكون بداية لتحرير بلدهم. لا بد إذن لمن يطالب أو يسعى لإخراج إيران وميليشياتها من سوريا أن يأخذ بعين الاعتبار هذا التقرير الذي يشكّل الأرضية القانونية لاقتلاع إيران خارج الأرض السورية.

==========================


الإعلام الملثم

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاحد 27/1/2019

كشفت صحيفة حريت التركية عما وصفته بفضيحة إعلامية وقعت فيها قناة البي بي سي البريطانية الإنجليزية، حين تناولت قصة امرأة تدعى « فاطمة» قدمتها كمتسولة سورية في منطقة أكسراي بمدينة اسطنبول، تمارس البغاء، لتكتشف الصحيفة لاحقاً أن السيدة تركية وليست سورية، وبالطبع ولاستكمال عملية التشويق والإثارة كان لزاماً أن يتم تغطية الوجه للسيدة، وإضافة مزيد من الإكسسورات والمساحيق العالمية المثيرة، إذ في مثل هذه الظروف لا بد من استحضار اكسسورات تنظيم الدولة والهروب منه حتى تزيد مساحة المشاهدين والمتابعين للفيلم الذي حمل اسم «الجنس في أماكن غريبة»، ويقول الفيلم إن السيدة السورية هربت من حلب بعد أن اختطف تنظيم الدولة ابنتها، ووجدت نفسها مجبرة على البغاء لأن الحكومة التركية لم تساعدها مالياً، وبالطبع تم الزج باسم تركيا من أجل توسيع بورصة مشاهدي القناة، ولتعريضها لمزيد من الضغوط من منظمات حقوقية ودولية.

القناة سارعت إلى حذف الفيلم من على منصات التواصل الاجتماعي بعد أن أثبت التحقيق الصحافي التركي بالأسماء والوثائق أن السيدة التي ظهرت في الفيلم من أورفا التركية، وهي تتردد على اسطنبول منذ 15 عاماً وأنها ليست سورية، وأنها معروفة للأجهزة الأمنية بافتعال المشاكل، ومعلوم أن كثيراً من المتسولين والمتسولات الذين يدعون أنهم سوريون في تركيا إنما ينحدرون من أورفا وغيرها من المناطق الحدودية نتيجة معرفتهم باللغة العربية نسبياً مما يخدع الجمهور التركي والسائح العربي، وبالتالي يستطيعون استدرار عطفهم فيحصلون على التبرعات والصدقات منهم.

هذه القصة ذكرتني تماماً بقصة أعرف أشخاصها ومكانها وزمانها في بيشاور، يوم انهارت حكومة طالبان الأفغانية على يد التحالف الدولي عام 2001 فلجأت صحافية أجنبية مشهورة جداً ومعروفة بتغطيتها للشأن الأفغاني والباكستاني على مدى عقود، إلى عربي مقيم في بيشاور تعرض عليه مبلغاً مالياً يقدر بخمسمائة دولار مقابل أن يظهر في فيلمها، على أنه أحد قيادات القاعدة المقيمين في المدينة، وهو الأمر الذي سيؤكد وجود مطلوبين دوليين في باكستان مما يجعلها تحت الضغوط الدولية في الحرب على ما يوصف بالإرهاب، لكن صاحبنا العربي رفض العرض وكشف عنه لعدد محدود يومها.

للأسف وكالات أجنبية كثيرة تنساق أحياناً في حملات ظالمة ضد هذه الدولة أو تلك، وذلك خدمة لأجندات حكومية غربية في ممارسة أو زيادة الضغط الدولي على هذه الدولة أو تلك، وكأن القضية السورية بحاجة إلى اختلاق قصص من أجل مشاهدتها، هذا إن كان الهدف كسب مشاهدين، ونحن نرى عشرات القصص التي هي بحاجة لتغطية إعلامية، ونحن نرى عشرات الآلاف من الحرائر في سجون العصابة الطائفية، وعدد كبير من المغتصبات المغيبة أخبارهن عن العالم كله، ولكن هذا لا يهم الإعلام الغربي للأسف الذي لا يركز إلا أقل القليل على العصابة الطائفية من اغتصاب وسحل وقتل وتشريد وإبادة، بالإضافة إلى وجود عشرات المنظمات الإرهابية الطائفية التي أتت من كل حدب وصوب لقتل الشعب السوري وتشريده وإبادته، بينما يبحث بعض هذا الإعلام عن قصص من خيالهم من أجل ضرب سمعة الشعب السوري ومحاولة الإضرار بالحكومة التركية وتخليها عن السوريين والسوريات.

ما جرى أخيراً في لبنان وتحديداً قيام بعض الموتورين اللبنانيين بطرد لاجئة سورية من خيمتها لأنها عجزت عن دفع أجرة الأرض التي نصبت عليها خيمتها تحكي قصة آلاف السوريين في لبنان، وتحكي معها قصصاً رهيبة من التعامل غير الإنساني بحق اللاجئين السوريين هناك منذ بدء سنوات الهجرة والتشرد وليس الآن، ولكن لا تعليق ولا خبر ولا حس من بعض الإعلام الغربي عن هذه القصص الرهيبة بحق الإنسانية وبحق البشر، ولكن مع هذا ثمة منابر إعلامية غربية وقفت ولا تزال تقف مع الشعب السوري وثورته اليتيمة لا يمكن نكرانها، وما على النشطاء السوريين إلاّ متابعة هذه القصص المفبركة كما فعلت صحيفة حريت، والمسؤولية الأكبر تقع على الصحافيين السوريين العاملين والمتعاونين مع هذه الوسائل الإعلامية الغربية الذين يعرفون تفاصيل الخلطة السحرية الإعلامية، فهم الأكثر قدرة على التمحيص وفرز القمح من الزوان.;

==========================


بوتين وأردوغان: أبعد من ذرّ الرماد في الأعين

صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 26/1/2019

في أوائل كانون الأول (ديسمبر) 2015، كتبتُ التالي في أعمدة هذه الصحيفة، بصدد تسخين التوتر بين الرئيس الروسي (القيصر) فلاديمير بوتين والرئيس التركي (السلطان) رجب طيب أردوغان: «ما خلا الصاروخ التركي الذي أسقط الـ»سوخوي 24»، فإنّ الحرب الراهنة بين السلطان والقيصر لن تتجاوز التراشق باللفظ والاتهامات والعقوبات الاقتصادية الرمزية، التي تهيّج الجموع بهدف التغطية على صراع الأجندات الإقليمي، وعلى الأرض السورية تحديداً». وأضفتُ أنه كان في وسع الرئيس التركي أن يأمر طيّاريه بأنْ يغضوا الطرف عن اختراق القاذفة الروسية للأجواء التركية، والذي لم يستغرق سوى حفنة من الثواني؛ بل كان ممكناً إتمام مطاردة الـ»سوخوي» في الأجواء التركية، وإجبارها على الانسحاب نحو مطار حميميم، مما يحوّل الواقعة إلى انتصار عسكري ودبلوماسي ربما، دون إسقاط الطائرة.

لكنّ أردوغان، وكان هذا أيضاً يقيني الذي سجّلته يومذاك في المقال ذاته، بات طليق اليدين بعد الانتصار الساحق في الانتخابات التشريعية؛ وبالتالي أراد تنبيه الجميع إلى أنّ تركيا تنوي الدخول في «المعمعة» الإقليمية بقوّة، أسوة بإيران وروسيا والولايات المتحدة. ليس هذا فحسب، بل إنّ تقدّم فوج تركي مدرّع إلى عمق الأراضي العراقية، في محيط الموصل، كان يؤكد عزم أنقرة على المضيّ في الهدف الأبرز من اقتحامها للمشهد المعقد: فرض واقع عسكري على الأرض، مباشرة أو عبر حلفاء محليين، يخلق «منطقة عازلة» كفيلة بكسر حلقات اتصال أي كيان كردي مستقلّ، في الشمال السوري أوّلاً؛ كما يضيّق الخناق، استطراداً، على كتائب «حزب العمال الكردستاني» أينما تواجدت في البلدين.

استعيد ذلك التقدير، اليوم، في ضوء اللقاءات المتعاقبة، الناجحة في تسعة أعشارها، بين أردوغان وبوتين؛ وبالنظر إلى أنّ العلاقات التركية ــ الروسية لا تبدو أحسن مما كانت عليه في أيّ يوم مضى، على أصعدة اقتصادية وتجارية وتكنولوجية لا تقلّ أهمية عن الوفاق، والتوافق، حول ملفات متفجرة مثل أوضاع محافظة إدلب، وتفاهمات سوشي وأستانة، والقضية الكردية، و… المنطقة العازلة، على الحدود السورية ــ التركية. مَنْ يتحلى بفهم الحدّ الأدنى لمبدأ الواقعية في السياسة، أو ما يطلق عليه القاموس الدبلوماسي صفة الـRealpolitik في العلاقات الدولية؛ لن تصيبه الحيرة وهو يقارن مناخات أواخر 2015 (حين أعلن بوتين أنّ تركيا ستندم على إسقاط الطائرة الروسية، وأنّ معاقبتها لن تكون فقط بتقليص التبادل التجاري)؛ بمناخات أواخر 2018 (حين صرّح بوتين نفسه، في قمّة بيونس آيريس: «أظهرت تركيا مجدداً أنها تتبع سياسة خارجية مستقلة، وهي حليفنا الموثوق»).

والقمة الأخيرة بين الرئيسين، في موسكو هذه المرّة وليس في سوشي على جري العادة، أظهرت عنصراً مدهشاً، إضافياً، في هذا الازدهار المضطرد للعلاقات التركية ــ الروسية: أنهما يمكن أن يتفقا، أو يتوافقا أو يتصالحا، بخصوص أمر يبدو كلّ منهما واقفاً فيه على طرفَيْ نقيض، من حيث المظهر والشكل بادئ ذي بدء؛ ولأنه، تالياً، مقترح أمريكي المنشأ، يتوجب ألا تلتقي حوله موسكو وأنقرة بهذه الدرجة من الصفو والصفاء. ذلك الأمر هو مشروع المنطقة العازلة، الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واحدة من تغريداته، كمنفذ نجاة لتخليص واشنطن من حرج سحب القوات الأمريكية من سوريا دون ضمانات كافية للحلفاء الكرد في صفوف «وحدات دفاع الشعب» و«قوات سوريا الديمقراطية». أردوغان قفز على المشروع، دون إبطاء، وأعلن أنّ بلاده يمكن أن تنفّذ وتدير منطقة عازلة بعرض 32 كم، تكفل ردّ الفصائل الكردية إلى عمق سوري داخلي، وربما خارج شريط شرقي الفرات، وتبسط الاحتلال التركي للأراضي السورية نحو مساحات أوسع.

الحرب الراهنة بين السلطان والقيصر لن تتجاوز التراشق باللفظ والاتهامات والعقوبات الاقتصادية الرمزية

لم يكن هذا الاقتناص التركي مدهشاً، بالطبع، ليس لأنه يتماشى مع المصالح التركية ويخدم مشروع تحجيم الكرد في المناطق المحاذية، فحسب؛ بل كذلك لأنه، أغلب الظنّ، كان نتاج تفاهم مباشر بين أردوغان وترامب، حول المنفذ الذي يحفظ ماء وجه قوّات اليانكي المنسحبة من منبج وشرق الفرات ومناطق «الجزيرة» السورية. الجدير بإثارة الدهشة، في المقابل، هو صمت بوتين على هذا التفصيل الحاسم أثناء المؤتمر الصحافي مع أردوغان، مقابل تشديد الأخير على أنّ أنقرة سوف تقيم تلك المنطقة العازلة، وأنّ أعمال إنشائها متواصلة بالفعل، وهي استطراداً ليست مجرّد حبر على ورق أو خزعبلات تغريدة ترامبية! كيف حدث أنّ بوتين تغافل، عامداً بالطبع، عن الخوض في هذا الأمر والموقف الروسي الرسمي لا يزال يتبنى قاعدة بسط النظام السوري نفوذه على كامل التراب الوطني السوري؟ وكيف هذا، إذا كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد أعاد التأكيد، قبل أيام قليلة فقط، على أنّ «الحلّ الأفضل والوحيد هو نقل هذه الأراضي إلى سيطرة الحكومة السورية وقوات الأمن السورية والهياكل الإدارية»؛ مضيفاً أنّ بلاده ترحب بـ«الاتصالات التي بدأت للتوّ بين الممثلين الكرد والسلطات السورية بحيث يعود هؤلاء إلى حياتهم تحت حكومة واحدة ودون تدخل خارجي»؟

السرّ، المفتضَح تماماً في الواقع، هو أنّ أنقرة باتت اللاعب الأوّل والأكبر اليوم في محافظة إدلب، والشمال الغربي السوري إجمالاً؛ وليس التنازل الروسي لتركيا حول مشروع المنطقة العازلة سوى قسط أوّل من دفعات سوف تتوالى، وتحتاجها موسكو ضمن ترتيبات أبعد أثراً وأطول مدىً، بصدد عشرات الآلاف من مقاتلي «هيئة تحرير الشام» المتكدسين في مختلف أرجاء المحافظة، وكذلك آلاف المقاتلين «المعتدلين» في صفوف بقايا الجيش السوري الحرّ والفصائل الإسلامية. هذا إذا افترض المرء حسن النيّة لدى موسكو، تجاه الكرد أوّلاً، ثمّ تجاه إيران بوصفها الضامن الثالث لتفاهمات أستانة (ولكن أيضاً: الفريق الإقليمي الذي يسلّح ويموّل ويدير الميليشيات الشيعية التي تعكّر صفو ترتيبات موسكو مع قوّات «النمر» والميليشيات المحلية الخاضعة لنفوذ قاعدة حميميم الروسية في محافظة حماة وسهل الغاب). ولم يكن مستغرباً، والحال هذه، أن يتبرع بوتين باستضافة قمة جديدة ثلاثية، تجمعه مع أردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني، «للوصول إلى حل دائم في سوريا»، كما قال؛ ولكن بغية ذرّ المزيد من الرماد في الأعين، كما لم يقلْ.

مَنْ، في ضوء تطورات الموقف التركي من الملفّ السوري منذ انطلاق الانتفاضة الشعبية السورية قبل ثماني سنوات، ثمّ بعد إسقاط طائرة الـ»سوخوي» الروسية قبل أكثر من ثلاث سنوات؛ يمكن أن يرتاب اليوم في أنّ أردوغان أنجز فعلياً ما كان قد طمح إليه، وخطط له بمهارة: أن يُدخل تركيا في «المعمعة» الإقليمية بقوّة، عبر الملفّ السوري، وأن يباري إيران وروسيا والولايات المتحدة، وأن يصبح الاحتلال التركي خامس احتلالات إسرائيلية وإيرانية وروسية وأمريكية؟ وفي غمرة المدّ والجزر على صعيد العلاقات التركية ــ الأمريكية، إذْ تتدهور تارة لتتحسن تارة أخرى، مَنْ كان ينتظر من تركيا امتلاك هذا الهامش الواسع للمناورة بين الأصدقاء والخصوم والحلفاء؟

قبل هذا كلّه، أي قبل اقتناص ما تيسّر من أوراق في ملفّ الشمال السوري، كانت تركيا تغذّ الخطى نحو احتلال موقع بدت معالمه أبعد نطاقاً، وأوسع نفوذاً، من ذاك الذي يمكن أن تطمح إليه قوّة أقليمية. وكان داود أوغلو، حكيم «حزب العدالة والتنمية» الذي غادر المنصب دون أن تغادر فلسفتُه النفوس، يحلم لبلده بموقع القوّة الدولية أوّلاً، السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية؛ ولا يخاله المرء كان واهماً حين أبصر في شخص أردوغان ذلك السلطان المتربع على سلطنة كونية تجمع صداقة/ خصومة واشنطن وموسكو وحلف الناتو وطهران، معاً؛ فضلاً عن… إغضاء تل أبيب!

==========================

بين الحوار مع النظام وعودة سورية

وليد شقير      

الحياة

السبت 26/1/2019

يحتل موضوع عودة سورية إلى الجامعة العربية حيزا من الاهتمام العربي والديبلوماسي. وتسعى الدول العربية المعنية إلى دراسة الإخراجات التي يمكن اعتمادها من أجل التعاطي مع هذه الخطوة، على رغم أن بعض المسؤولين اللبنانيون يتعاملون معها انطلاقا من حسابات ضيقة ، لها علاقة بالصراعات المحلية، فيقود ذلك إلى شيء من الخفة عند البعض، شهدت القمة العربية الاقتصادية نموذجا منها الأسبوع الماضي.

حتى إشعار آخر لا يبدو أن قرار إعادة سورية إلى الجامعة سيتم قبل القمة العربية المنتظر عقدها في آذار (مارس ) المقبل في تونس. الأمر سيطرح على هذه القمة للبت فيه سلبا أو إيجابا، وعلى أي أسس وبأي هدف وما هي قابلية النظام السوري نفسه للعودة إلى الحظيرة العربية؟ وهناك أسئلة كثيرة تطرح نفسها على طرفي العلاقة، العرب وسورية، إن على المستوى الثنائي أو على المستوى الجماعي.

على رغم الحمى التي تصيب البعض في استعجال العودة تضخيما لخطوات إحادية اتخذت ، فإن معظم الدول المعنية بهذا الخيار، تتعاطى معه بعقل بارد. وإذا كان لا بد لهذه الدول من أن تأخذ في الاعتبار الوقائع الميدانية الجديدة في بلاد الشام، فإن أطراف هذه الوقائع تعد ولا تحصى، بدءا من روسيا، مرورا بإيران وتركيا، وصولا إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، من دون أن ننسى أن دولا عربية كانت معنية بقرار تعليق عضوية دمشق، ساهمت ولو بقدر متواضع، في ترجيح هذه الوقائع الميدانية من خلال علاقتها التي لم تنقطع مع النظام. وبالتالي فإن تبسيط الأمر على أن بشار الأسد باقٍ والنظام انتصر على خصومه، لا يفي بالغرض في حسابات الانفتاح مجددا عليه.

أولى الملاحظات التي ترافق أي خطوة انفتاحية هي أن نظام الأسد يتعامل مع الدول التي تتلمس طريقها إلى هذا الخيار، بطريقة انتقامية إزاء إقبالها على الفكرة. تخلق الماكينة الإعلامية للنظام أوهاما في هذا الصدد لدى القابضين على السلطة في دمشق، بأن العرب قادمون إليه صاغرين مهزومين، إلى درجة الترويج عند بعضهم بأنهم ليسوا متحمسين للعلاقة مع العرب. وإذا كان حكام دمشق يعتقدون بأن النظام "هزم أميركا وإسرائيل والعرب"، كما يقولون، فكيف يمكنهم التعاطي مع عودة العرب إلى العاصمة السورية بحد أدنى من المنطق والعقلانية؟ ولربما هذا هو سبب حرص بعض الدول التي فتحت سفارة أو أعادت ديبلوماسيا، على التمهل في الخطوات التالية، فلا تعيّن سفيرا، ولا تتمادى في العلاقة مع مؤسسات النظام، إلا على المستوى الأمني. ومن يذهب منها أبعد قد تقتصر خطواته الانفتاحية على تبادل الزيارات النيابية مثلا، في التدرج المتأني باستعادة العلاقة، أو على استكشاف إمكان تفعيل بعض الخطوات الاقتصادية، في التعاطي مع استثمارات القطاع الخاص العربي في سورية، للملمة خسائر أصيب بها نتيجة الحرب التي عصفت بالبلد. لسان حال بعض العرب قد يكون أنه إذا كان الأسد انتصر بالبقاء في السلطة، فهو انتصر على شعبه وليس على سائر العرب. وبعضها يعتبر أن المرحلة الانتقالية التي تمر فيها سورية تجعل النظام شبيها بصدام حسين في مرحلة ما بعد حرب الكويت.

من التساؤلات التي لا بد من أن تشغل المدققين بخيار عودة سورية إلى الجامعة، هل تتم في شكل يحوّل اجتماعات مقر الجامعة مسرحا للسجالات والمشادات، بين من يعتبر أنه يعود مظفرا ومتفوقا، وبين من يرى أن لا بد من تأتي تلك العودة متزامنة مع العمل على تشجيع الحل السياسي في سورية وتحقيق نوع من التطبيع الداخلي، والسعي إلى خفض التدخل غير العربي في ساحتها وفي تقرير مصيرها؟ لذلك يستحيل أن يتم التطبيع مع النظام من دون التفاهم على أسس ذلك. وهذا يفترض حصول حوارات ثنائية في البداية على الأقل، تتوج بها استعادة دمشق العضوية في الجامعة العربية، لتفادي تحولها لاحقا إلى حلبة شجار يتقنه من يمثلون النظام في الأروقة الديبلوماسية.

حتى العودة السورية في الشكل إلى الجامعة ، تتطلب تسويات واتفاقات مسبقة، فكيف بمضمونها ؟ وإذا صح أن الانفتاح على نظام الأسد مطلب روسي، فإن الحجة القائلة بأن هذه العودة تساعد في أخذ النظام مسافة عن إيران تطرح عما إذا كانت جاءت متأخرة. ولهذا حديث آخر. كذلك حديث الدور العربي في إعادة الإعمار، فيما الميدان مرشح لحروب متفرقة.

==========================

ما بين فرنسا وسورية

راتب شعبو

العربي الجديد

الخميس 24/1/2019

ماذا يمكن للسوري أن يقرأ في اللوحة الفرنسية قياساً على تجربة بلاده؟ المظاهرات الصفراء لا تهدأ في فرنسا، ويصل غضب المحتجين، في أحيان غير قليلة، إلى حد الانفجار على شكل أعمال عنفٍ موجهة ضد مؤسسات الدولة والمصارف والمحلات الراقية في الشانزليزية (رموز الثراء) وضد الشرطة.. إلخ. ليس العنف الأصفر نتيجة غضبٍ خرج عن السيطرة فقط (ليس العنف الذي يتستر بالحركة لأغراض جرمية)، بل نتيجة قناعة رسختها الحكومة الفرنسية الحالية في أقل من سنتين، ومفادها: لكي تكون مسموعاً ينبغي أن تكون عنيفاً.

هذا ما جعل المحتجين يرون في الملاكم الذي هاجم رجل الشرطة، وأوسعه لكماً، بطلاً، وترجموا ذلك بالتضامن مع عائلة الملاكم الذي وضع في الحجز، بجمع ما يزيد عن مائة ألف يورو، في غضون يوم واحد، في صندوق ساهم فيه حوالي ثمانية آلاف مانح فقير، وكان سيتضاعف المبلغ لولا أن سارعت السلطات إلى إغلاق الصندوق في اليوم التالي على 146 ألف يورو. وقد قال أحد وزراء حكومة الرئيس ماكرون، عن هذه المبادرة التي تعكس مستوى النقمة لدى المحتجين، إنها "مقززة ومهينة"، لأنها تنطوي على قبول وتقدير للعنف، يجب أن نقرأ هنا "العنف غير الرسمي". وفي تذكير بالاستقطاب السوري الحاد، بادر فرنسيون "مرتاحون"، رداً على ذلك، إلى فتح صندوقٍ للتضامن مع مصابي رجال الشرطة، وسرعان ما جمع الصندوق حوالي مليون يورو.

في كل حال، الواقع أنه لا استجابة الحكومة الفرنسية لبعض المطالب أرضت المتظاهرين، ولا "الحوار الوطني الواسع" الذي اقترحه الرئيس، فتح لهم أملاً يميل بهم إلى الهدوء والانتظار. وتقول الحركة الصفراء في فرنسا إن النظام الديمقراطي التمثيلي، وتوافر الحريات العامة 

"التدمير العسكري للحراك السوري من المرجّح أن يقابله على الجانب الفرنسي استيعاب سياسي" ووجود مستوى جيد من الضمان الاجتماعي، لا يشكل ضمانةً للشعب من الإفقار والتهميش الاقتصادي. أكثر من ربع أصحاب السترات الصفراء هم من العاطلين من العمل، والغالبية هم من الفقراء ممن لا يحصلون على الحد الأدنى من الأجر. العلاقة بين الديمقراطية السياسية وتحسين مستوى معيشة الناس أو الحفاظ على مستوى مقبولٍ من العدالة الاجتماعية، ليست إذن علاقة خطية.

يخرج الفرنسيون اليوم ضد الإفقار الذي يعبر عن نفسه بتراجع القدرة الشرائية. الشرارة الأولى للحركة الصفراء تسبب بها فرض رسومٍ على المحروقات، كان من المقرّر بدء العمل بها مع مطلع العام الحالي، فيما خرج السوريون في 2011 ضد القمع، وكان المحرّك الأول لخروجهم إلى الشوارع حادثة قمع طلاب كتبوا عباراتٍ سياسية على جدران مدرستهم في درعا. على هذا يمكن القول إن الحراك الفرنسي اقتصادي المنشأ، أما الحراك السوري فمن منشأ سياسي.

البارز في الحركة الفرنسية تركّز الاحتجاج ضد تمركز الثروة، وأشكال التهرّب الضريبي، ولا يمكن فهم إصرار المحتجين على إعادة فرض الضريبة على الثروة المنقولة(ISF)، على الرغم من أن مردودها على الخزينة ضعيفٌ نسبياً، إلا بوصفه مطلباً معنوياً أو رمزياً يحدّد انحياز الحكومة وهويتها، إذ طالما اعتبرت حكومة ماكرون حكومة كبار الأغنياء. يبدو، والحال كذلك، أن احتجاجات السترات الصفراء تتحرّك في مستوىً لا سياسي، في مستوى تحت أو فوق سياسي، وهذا ما يجعلها على تنافرٍ مع كل المستوى السياسي الفرنسي. وهي بوصفها كذلك، تشكل حركة ضغط وتفجير أكثر من كونها ثورة، لأنها لا تمتلك تصوّراً سياسياً متكاملاً، من شأنه أن يحقق المطالب التي ترفعها الحركة نفسها. وفي الوقت نفسه، لن يكون من السهل على الحكومة الفرنسية امتصاص هذه الموجة الثورية. والحق أن مبادرة ماكرون في الحوار الوطني الواسع لا تختلف كثيراً عن مبادرة بشار الأسد في استقبال وفودٍ من كل المناطق والمحافظات، والاستماع إليهم في بداية الثورة السورية. في الحالتين، هناك تحايل وتشتيت. الأول يناور حول ما لا يستطيع فعله، والثاني يناور حول ما لا يريد فعله.

في المقابل، تركزت الحركة السورية على الحرية والكرامة، وكانت الصرخة الأولى ضد

"مبادرة ماكرون في الحوار الوطني الواسع لا تختلف كثيراً عن مبادرة بشار الأسد في استقبال وفودٍ من كل المناطق" "الذل"، ليس كمنتوج للفقر الاقتصادي، بل كمنتوج للفقر السياسي بالأحرى. وقد ألحّ السوريون على هذا التمييز، حين ردّوا على زيادة الرواتب التي أعلنها النظام مبكّراً، بالقول "الشعب السوري مو جوعان"، فيما ردّ الفرنسيون على زيادة الحد الأدنى للأجور بالقول إنها لا تكفي. الجوع السياسي طغى على الجوع الاقتصادي عند السوريين، في حين لم يجد الفرنسيون في الشبع السياسي ما يغنيهم عن الجوع الاقتصادي.

تركزت الحركة السورية ضد الاحتكار السياسي والمطالبة بالديمقراطية و"إعادة السياسة إلى المجتمع"، الشيء الذي لا يحمل أي معنىً من منظور الحركة الفرنسية الصفراء اليوم. على العكس، أظهرت هذه الحركة أن الأحزاب الفرنسية جميعاً، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ما هي إلا صمامات أمان ضد التغيير الذي يصب في مصلحة الفقراء، وأن الصراعات السياسية التي تجد حلها في الانتخابات التمثيلية (النزيهة والحرة) ليست سوى مناقلاتٍ سطحيةٍ تبقي من هم فوق فوق ومن هم تحت تحت. هذه الرائحة الفوضوية لدى الحركة تخيف الطبقة السياسية الفرنسية التي انقسمت إلى فئة تهاجم الحركة وأخرى تتملقها.

منذ الأسبوع الأول، تقدم أصحاب السترات الصفراء بمطالب محدّدة وصلت إلى 42 مطلباً، تتقدمها مطالب اقتصادية، فهم يقفزون فوق الأحزاب، ويقولون لا تهمنا آلية إنتاج السلطة، أو من يصل ومن يسقط، يهمنا أن نأخذ نصيباً عادلاً من عملنا، ويهمنا أن يتم توزيع الثروة، بحيث لا يبقى هناك من ينامون في الشوارع (المطلب الأول). هذا النوع من التضامن في توزيع الثروة هو ما يعتبره الفرنسيون الترجمة العملية للكلمة الثالثة من شعار الجمهورية "حرية، مساواة، أخوة"، وهو ما دفع ناشطي السترات الصفراء إلى استبدال كلمة "الأخوة" بكلمة "الفلاش بول" (القذائف المطاطية التي استخدمت ضد المتظاهرين، وتسببت بأضرار جسدية وإعاقات دائمة لعشرات المتظاهرين) في لوحة رسام الشوارع الأميركي، شيبارد فيري، التي تجسد صورة ماريان محاطة بالزهور وحولها الكلمات الثلاث، وهي اللوحة التي اختارها ماكرون لتكون في مكتبه في قصر الإليزية.

مع تقدّم الوقت بالحركة الصفراء (عشرة أسابيع)، بات التركيز يقتصر على مطلبين أساسيين،

"يخرج الفرنسيون اليوم ضد الإفقار الذي يعبر عن نفسه بتراجع القدرة الشرائية"  هما فرض ضريبة على الثروة لا يستثني العمالقة الرقميين (غوغل، أمازون، فيسبوك، أبل)، واستفتاء بمبادرة المواطنين (RIC)، مع مطلبٍ ثالثٍ يصر عليه جزء من الحراك، وهو استقالة الرئيس. ومن المشكوك فيه أن تزول أسباب تفجر الحراك الأصفر، حتى لو تمت تلبية المطالب هذه، ذلك لأن الحركة هي تعبير، محقّ بلا شك، عن الضيق بقيود الرأسمالية النيوليبرالية التي لا تمتلك الحكومة، ولا الحركة نفسها، القدرة على تخطيها.

آلية عمل النظام السوري، وأمثاله، هي آلية طاردة للسياسي، أي تسعى إلى حل "مشكلاته" مع الناس بطريقةٍ لا سياسية، إما اقتصادياً عبر الرشوة إذا أمكن ذلك، أو أمنياً وعسكرياً حين يستعصي الأمر. وهكذا فقد شتت النظام السوري سياسة ثورة 2011، وعالجها على مستويين أمني وعسكري. أما النظام السياسي الفرنسي، فإنه، على العكس، يحاول شد الحركة الصفراء إلى الساحة السياسية التي هي ساحة أمان النظام وملعبه، من دون أن يفلح حتى اليوم، ذلك أن الحركة ما زالت تصرّ على طابعها الشعبي، وتقاوم التأطير السياسي، وترى فيه مقتلها.

وهكذا فإن التدمير العسكري للحراك السوري، من المرجّح أن يقابله على الجانب الفرنسي استيعاب سياسي، إذا ما تأطرت الحركة سياسياً، أو تماوت للحركة، بسبب تراجع التأييد العام تحت تأثير تنازلاتٍ من المتوقع أن تقدم عليها الحكومة في نهاية الحوار الوطني في منتصف مارس/ آذار المقبل، وبفعل "العطالة الاجتماعية"، حين تتقادم الحركة من دون توسع.

==========================


ماذا تريد إسرائيل في سوريا؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

الخميس 24/1/2019

تصاعدت على نحو لافت للنظر حدة المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية في سوريا في خلال الأسبوع الماضي، بعد أن وجهت إيران صاروخاً إلى مركز للتزلج على الثلوج في مرتفعات الجولان السورية، التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967، الأمر الذي اعتبرته إسرائيل خرقاً لتفاهم ضمني بين تل أبيب وطهران أساسه سكوت طهران العملي عن سياسة إسرائيل في سوريا، لا يمنع بعض التصريحات الساخنة لمسؤولين إيرانيين هنا وهناك.

وبسبب الخرق الإيراني، ردت إسرائيل بعنف شديد، تضمن قصفاً لأهداف في محافظات الجنوب السوري، كان بينها مطار وقواعد ومقار أمنية ومستودعات أسلحة للإيرانيين ولحزب الله ولنظام الأسد، وقد زاد إلى العملية إطلاق تهديدات شديدة لردع إيران وقواتها في سوريا.

الرد الإسرائيلي العنيف على التحرش الإيراني، أمر متوقع، لأنه يعكس بصورة مباشرة موقف إسرائيل من وجود إيران وميليشياتها وخاصة حزب الله والذي كان موضع أخذ ورد ونقاش على مدار أشهر مضت مع أطراف إقليمية ودولية منخرطة بالصراع السوري أو شديدة الاهتمام به، وبخاصة كل من روسيا والولايات المتحدة، وقد أظهرت الدولتان في موقف تقليدي تفهمهما للموقف الإسرائيلي، فوقفت واشنطن إلى جانب موقف تل أبيب داعمة ومساندة ضد إيران وميليشياتها، فيما سعت موسكو إلى مقاربة متوسطة ترضي الحليفين الإسرائيلي من جهة والإيراني من الجهة الأخرى، وأن يبتعد الأخير ما بين أربعين وثمانين كيلومتراً عن خط وقف إطلاق النار في الجولان، وهو أمر مشكوك في التزام الإيرانيين به.

الهدف من إطلاق الصاروخ الإيراني في مرتفعات الجولان، كما قال أحد خبراء السياسة الإيرانية، كان تحرشاً بالإسرائيليين لفتح بوابة نقاش عبر الروس أو بصورة مباشرة بعد تصريحات إيرانية متعددة شارك فيها وزير الخارجية محمد جواد ظريف، شدد الأخير فيها على أن إيران لم تقل يوما إنها ستمحو إسرائيل عن الخريطة. لكن الإسرائيليين قابلوه بقدر أقل من الاهتمام، مما دفع طهران للتحرش المسلح.

لقد قابل الإسرائيليون وجود إيران ودورها في سوريا بصمت مشهود بعد ثورة السوريين عام 2011، لأنهم وجدوا فيهما حفاظاً على النظام وبقاء للأسد في سدة السلطة، وقد أكد ووالده من قبل على مدار عقود طويلة التزامه بـ«أمن إسرائيل»، واخترع مبررات عدم الرد على سياساتها وهجماتها، وتبلور موقف إسرائيل، وتكرس منذ أواخر صيف العام 2011 بالتفاهم مع الولايات المتحدة، واستتبع صمتهم حيال إيران، صمتاً موازياً بصدد وجود ومشاركة حزب الله في حرب الأسد ضد السوريين، لكنه ومع استعادة النظام سيطرته على الجنوب السوري، غير الإسرائيليون موقفهم من وجود إيران وميليشياتها متجهين إلى تقييدها، وصولاً للسعي إلى إخراجها وميليشياتها من سوريا.

وبخلاف كثير من المزاعم الرائجة عن مخاوف إسرائيل من إيران وميليشياتها ووجودهما بالقرب من الحدود مع إسرائيل، فإن إيران لم تشكل أي خطر على إسرائيل باستثناء التصريحات الدعاوية-الإعلامية، توالت طوال أربعين عاماً مضت على وصول الملالي إلى السلطة، ولم يحصل أي اشتباك إيراني - إسرائيلي بل تعاون كما حصل في «إيران غيت». بل إن اشتباكات حزب الله الفرع اللبناني من ميليشيات طهران مع إسرائيل توقفت بصورة نهائية بعد حرب العام 2006. وقد أرسلت طهران عبر روسيا العديد من الرسائل من أجل تفاهم مع تل أبيب، غير أن تلك الرسائل قوبلت باستجابة روسية محدودة، وببرود إسرائيلي شديد، لأن من الواضح أن الإسرائيليين غير راغبين في أي تفاهم مع إيران، يقبل بوجودها وأي دور لها في سوريا، وكلاهما أمر تسعى إيران لتثبيته في إطار تعزيز استراتيجيتها في المنطقة خاصة مع اقتراب فرص الحل السوري.

ولحل معضلة وجود إيران في سوريا، فليس أمام إيران وإسرائيل سوى واحد من احتمالين: الذهاب إلى حرب ومواجهة تقرر من يبقى ومن يرحل، وباستثناء تكلفتها العالية وأخطارها وبعيداً عن تصريحات الطرفين، فإن أياً منهما لا يرغب في حرب كهذه. بل يسعى ضمن الاحتمال الثاني إلى تحقيق هدفه بوسائل أخرى بينها الضغط بالقوة، وإسرائيل في هذا المجال لديها تفوق ولا سيما في المجالين العسكري والسياسي، ولن تعطي إيران فرصة البقاء مقابل أي ثمن ولو كان بسيطا، إذ يكفي بقاء الأسد لضمان مصالحها وأمنها.

خلاصة القول، إن الشد الإسرائيلي - الإيراني، سوف يتواصل، وثمة خشية من انفلاته إلى حرب غير مرغوبة، لكنها إذا اندلعت سوف تخرج إيران، وإن لم تندلع، فإن إيران ستخرج بوسائل الضغط الحالية، وفيها قليل من الهجمات وإصرار سياسي مدعوم دولياً وإقليمياً، وخاصة من واشنطن (وموسكو ضمناً) على أنه لا وجود ولا دور فاعلاً لإيران وميليشياتها في سوريا.

==========================


الغموض الدولي شعار الجميع في الثورة السورية

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 23/1/2019

قد لا يجمع شيء بين الدول المتصارعة والمتحاربة والمتنافسة في سوريا كما يجمعها الغموض، فكل واحد منها يلعب لعبة «الغميضة» التي كنا نلعبها في طفولتنا، ولا يريد أن يكشف أوراقه للآخر، وبالتالي الكل في حالة ترانزيت لم يحسم أمره تجاه الثورة السورية، كون المعطيات تتغير مع كل لحظة، والمتغيرات أيضاً تتبدل، أتحدث هنا عن القوى الحقيقية المتنافسة من أميركا وروسيا، وإيران وتركيا، وغيرها، أما الدول التي سارعت إلى محاولة تعويم العصابة الطائفية في دمشق فهذه لا تفقه وقائع التطورات فضلاً عن مآلاتها، ولذا رأينا ما نُقل أخيراً عن مسؤولين أميركيين ينتقدون الخطوة الإماراتية بالاقتراب من طاغية الشام، وفتح سفارتهم من جديد هناك، بل ووصل الأمر إلى أن يحذر المسؤولون الأميركيون أبوظبي من مغبة تمويل النظام في دمشق، إذ سيجعلها ذلك تحت العقوبات الأميركية بحسب ما نقل عن المسؤولين الأميركيين، ووصل الأمر بالإمارات إلى أن ترضخ فترسل وفداً قنصلياً منخفض المستوى إلى دمشق، وقد تزامن ذلك مع قائمة عقوبات جديدة وضعها الاتحاد الأوربي بحق المسؤولين في دمشق .

بالمقابل، نرى الموقف التاريخي لدولة قطر التي رفضت مشاركة النظام في القمة العربية، وأكدت على مواقفها التاريخية المناصرة للشعب السوري، يحدث هذا بينما الكل يرى ويسمع ما يجري في المناطق التي أُخضعت لسلطة العصابة الطائفية بالضغط على مجاهدي حوران، وريفي دمشق وحمص، فكان التسليم مصيرها، نرى اليوم كيف تنتفض هذه المناطق من جديد، وتعبر عن رفضها على الحكم الطاغي إن كان من خلال عمليات حرب عصابات تستهدف العصابة ورؤوس المصالحات والتسويات، وهي عمليات لها ما بعدها، وبالتأكيد ستتسع وتتطور، أو على شكل جداريات تذكر ببدايات الثورة السورية والكتابة على الجدران ضد العصابة والاحتلالات المتعددة، فما جرى من ارتقاء مليون شهيد في الشام لا يمكن أن تغسله جلسة تفاوض أو دستور لا يسمن ولا يغني من جوع.

ما يجري اليوم في سوريا من واقع معيشي واجتماعي واقتصادي متدهور يؤكد المؤكد من أن هذه العصابة لا يمكن لها أن تحكم حتى المؤيدين لها، فلا هي وفرت لهم سبل العيش الأدنى، ولا هي استطاعت أن تبسط سيطرتها على مناطق أُخضعت لها وسلمت لها بفضل جهود الاحتلالات المتعددة، ولذا رأينا المؤيدين لها في مناطقها ينتقدونها على ممارساتها، وسوء إدارتها للحياة المعيشية، إن كان من حيث سعر جرة الغاز الواحدة التي وصل ثمنها في المناطق المحتلة إلى عشرين ألف ليرة سورية، وهي غير متوافرة أصلاً، بينما لا يتعدى ثمنها في المناطق الحرة أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة ليرة سورية، وعلى مثلها قس ثمن المواد الأساسية في المناطق المحررة أو المناطق المحتلة.

لا يزال الغموض هو سيد الموقف في تعاطي الدول مع الثورة السورية وتعاملها مع بعضها بعضاً، وبالتالي الكل يسعى إلى المحافظة على أوراقه بعيداً عن الآخر، فهو يعرف أن حليفه اليوم قد يكون عدوه بالغد، فلا تزال خريطة الدول وصداقاتها وعداواتها تتشكل في سوريا، ولذا ليس هناك من حسم خياراته، فلا تركيا حسمتها باتجاه أميركا وروسيا، ولا روسيا حسمتها باتجاه إسرائيل وإيران، وكذلك الآخرين، وهو الأمر الذي يفرض على الجميع أن يكون حذراً في الاندفاع، وتصوير الأمور على أنها خلصت أو انتهت.;

==========================


هل انتهى "اقتصاد الحرب" في سوريا

رضوان زيادة

سوريا تي في

الثلاثاء 22/1/2019

الصور الآتية من سوريا حول انقطاع التيار الكهربائي لساعات وساعات وفقدان الغاز المنزلي وانعدام المياه أو حليب الأطفال وغير ذلك من مظاهر نقص العملة الشديد بالنسبة للنظام السوري الذي لا يستطيع تمويل كل هذه المستوردات إنما تدل أن سوريا ما زالت في مرحلة اقتصاد الحرب وربما في أسوأ لحظاته.

فالحرب ربما تنتهي بوعود دولية على مساعدة البلد في إعادة الإعمار وتمويل مشاريع البنى التحتية وزيادة المساعدات الإنسانية، الوضع في سوريا مختلف حيث شارفت الحرب على النهاية لكن لم تكن تلك النهاية التي أرادها الشعب السوري أو المجتمع الدولي، لقد انتصر السفاح بحجم إراقة الدماء التي سفكها وبحجم الدمار الذي ألحقه بكل المدن والقرة الثائرة، والآن لا يجد المجتمع الدولي أية حاجة لتمويل جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الأسد بحق شعبه أو مكافأته على جرائمه التي ارتكبها بحق المدنيين.

ولذلك ترك الأسد كي يعيش وهم "انتصار" بنفسه مع شركائه في الجريمة من إيران إلى سوريا إلى مليشيات

اللاجئون السوريون يفضلون بدء حياة جديدة من الأمن في بلد اللجوء على العودة إلى بلد ما زال يحكمه الأسد مع عصاباته، ليس فيه من مقومات الدولة الحديثة إلا السجن والاعتقال

وعصابات حزب الله وغيرها من الميليشيات الطائفية، هؤلاء المنبوذون في الأرض كما يطلق عليهم  ليس لديهم الأموال أو حتى الرغبة في إعادة دمار فعله الأسد يقدر بمئات المليارات ولذلك على الأسد اليوم أن يتعامل مع الحقائق التي أنكرها على مدى سنوات، حقائق أن لا أحد في العالم سيعينه على إعادة إعمار ما دمره، ولن يكون السوريون أيضا جزءا من هذا المشروع، فاللاجئون السوريون يفضلون بدء حياة جديدة من الأمن في بلد اللجوء على العودة إلى بلد ما زال يحكمه الأسد مع عصاباته، ليس فيه من مقومات الدولة الحديثة إلا السجن والاعتقال، حيث لا قانون ولا اقتصاد ولا أمان، فما المغري بالنسبة للسوريين كي يعودوا إلى بلد هذي حاله؟

لقد تحطمت فكرة الوطن داخل الكثير من السوريين، أصبح معناها يرتبط في أذهانهم بالقتل والتعذيب والتشريد والقصف، يريدون لهذه السنوات أن ترحل ورحيلها مرتبط بذاكرة ورحيل فكرة الوطن من أصلها في أذهانهم.

بالنسبة لهم كانت الثورة بداية عهد جديد، بناء بلد المواطنة والحرية، لكن الأسد حول هذا الحلم إلى كابوس مليء بالقتل والكيماوي والتعذيب والتقطيع وأسوأ ما يمكن لذاكرة إنسان أن تمتلئ به وعليه يفضل السوريون أن يمحوا هذه الذاكرة كي يتمكنوا من الاستمرار في حياتهم ويستمروا في زرع الأمل بعقول أطفالهم، أن مستقبلا مشرقا ما زال ينتظرهم ويفتح ذراعيه إليهم.

وأن سوريا التي عليهم أن يمحوها من ذاكرتهم مؤقتا ستعود تخاطبهم في المستقبل، إنها الفكرة التي لا تمل أو تفتأ أن تعود، إنها الأمل الذي يداعب أحلامهم، لكن حتى يتحقق ذلك الحلم عليهم أن يعيشوا حياتهم في بلد المغترب وأن يتكيفوا مع الحياة الجديدة التي ربما تفتح لهم فرصا لا تنتهي لا تمنحها لهم سوريا اليوم.

فطوابير الغاز والخبز تعيد لنا صورة عن سوريا البؤس والقهر والعجز حيث ينتظر آلاف من الشباب دورهم للحصول على جرة الغاز أو رغيف الخبز دون أن يحق لهم التذمر أو يفكروا في رفع صوتهم على بؤس هذه الحياة، صور الأسد الذي يدعي الانتصار تلاحقهم في كل مكان وهم يتساءلون عن أي نصر يتحدث هذا الأحمق من على حطام بلد دمره أبوه وها هو يكمل المهمة.

وأهم من يعتقد أن هذه المشاكل الاقتصادية ستحل خلال أسبوع أو شهر إنها بداية الأزمة الحقيقية حيث

نيرون العصر الحديث الأسد سيسعد أكثر وهو يرى السوريين يزداد بؤسهم، سيبتهج أكثر عندما يرى الذل والإرهاب يلاحق كل السوريين أينما حلوا وارتحلوا بسبب جواز سفرهم

لا موارد ولا اقتصاد تستطيع أية دولة من خلاله أن تعتمد على مواردها كي تمول المستوردات حيث لا تمتلك أي رصيد من العملة الصعبة وحيث أفضل العقول قررت الهجرة واللجوء وحيث قررت كل النخب الاقتصادية والمالية الرحيل عن هذا البلد كي يبقى الأسد كنيرون مستمتعا بمشهد احتراق سوريا مع شبيحته وعصابته.

نيرون العصر الحديث الأسد سيسعد أكثر وهو يرى السوريين يزداد بؤسهم، سيبتهج أكثر عندما يرى الذل والإرهاب يلاحق كل السوريين أينما حلوا وارتحلوا بسبب جواز سفرهم، كي تصبح بلدهم سوريا سبة تلاحقهم أينما ذهبوا وهم يفكرون بكل الطرق كيف يتخلصون من شيء سيطارهم طول عمرهم كون بلد الولادة شيء لا يتغير مهما غيرنا بلدانا ومهما حصلنا على جنسيات أخرى جديدة.

انتهت تلك الفكرة الجميلة التي حملها الثوار يوما ما، وحان الوقت لكل من عارض هذه الفكرة الجميلة أن يستمتع بسوريا اليوم تحت حكم الأسد، فهنيئاً للأسد وشبيحته بسوريا اليوم.   

==========================


سيناريوهات المنطقة الآمنة في سورية

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الثلاثاء 22/1/2019

ليس مهماً ما إذا كانت المنطقة التي يتحدّث عنها الأميركيون والأتراك في شمالي سورية آمنة أم عازلة، فعلى أرض الواقع، ثمّة تشابك كبيرٌ بين المفهومين، ويصعب التمييز بينهما، بخلاف التأطير النظري/ القانوني الذي يعتبر الأولى ذات بعد إنساني، والثانية ذات بعد عسكري، فالمناطق الآمنة في البوسنة والهرسك عام 1993 لم تمنع القوات الصربية من ارتكاب مجزرة سربرنيتشا، والمنطقة الآمنة التي أقيمت في رواند عام 1995 لم تمنع قبيلة الهوتو من قتل نحو مليون شخص من قبيلة التوتسي.

بالنسبة لتركيا، تعني المنطقة الآمنة، أو العازلة، إبعاد الوحدات الكردية عن الحدود التركية أولاً، وتقطيع أوصال مشروع الإدارة الذاتية ثانياً، وإضعاف القوة العسكرية للوحدات الكردية ثالثاً، في حين تعني هذه المنطقة للأميركيين حماية المصالح التركية في سورية، من دون إضعاف القوة العسكرية للأكراد، وإبعادهم عن إدارة المناطق ذات الغالبية الكردية.

وسينعكس هذا التباين، بطبيعة الحال، على ماهية المنطقة المراد تشكيلها، إن كان على مستوى المساحة الجغرافية، أو على مستوى الهيمنة العسكرية والإدارية، أو حتى على مستوى الحماية الجوية، إذ لا يمكن تصوّر إنشاء منطقة آمنة أو عازلة من دون حظر للطيران.

وكان المبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري، أول من لمّح إلى إمكانية تطبيق حظر للطيران في الشمال السوري، في أعقاب اجتماع "المجموعة المصغّرة بشأن سورية" في الرابع من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، عندما قال: "تذكّروا كيف كنا موجودين ليس في شمال العراق، بل فوقه خلال 13 عاما ضمن إطار عملية المراقبة الشمالية".

وتتطلب هذه التفاصيل، بحكم الواقع، التوافق بين واشنطن وأنقرة على تحديد طبيعة "المنطقة 

"جيمس جيفري، أول من لمّح إلى إمكانية تطبيق حظر للطيران في الشمال السوري" الآمنة"، وتتطلب أيضا توسيع مروحة التفاهمات، لتشمل روسيا، اللاعب الفاعل في الساحة السورية، فكل من واشنطن وأنقرة بحاجةٍ إلى ضوء أخضر روسي.

ومن مفارقات السياسة أن موسكو تبدو غير معترضةٍ على فكرة "المنطقة الآمنة"، على الرغم من تصريحاتٍ توحي بعكس ذلك.

بالنسبة لروسيا، فإن ملء قوى تحظى بدعم تركي الفراغ في شرق الفرات يعتبر حلا معقولا، إذا استحال تطبيق النموذج الأمثل بالنسبة لها، وهو سيطرة النظام السوري على كامل المنطقة، فسيطرة قوى ترضى عنها تركيا تعني إضعاف القوة الكردية التي ستجد نفسها مضطرةً إلى الارتماء في أحضان النظام، وتقديم التنازلات المطلوبة، كما أن موسكو تفضل التعامل مع تركيا في الشمال السوري، ليس لأنها الناظم لموازين قوى المعارضة فحسب، بل أيضا لأنه ليس لتركيا أطماع جغرافية في سورية، وربما تصريح الوزير الروسي، سيرغي لافروف، يحمل بعض الإشارات، حين أكّد "وجوب تقييم إنشاء المنطقة الآمنة في إطار وحدة الأراضي السورية".

وضمن هذه المعطيات تبرز عدة سيناريوهات، لتطبيق المنطقة الآمنة أو العازلة:

أولاً، خضوع المنطقة المراد تشكيلها لهيمنة تركيا عبر فصائل المعارضة الموجودة في منطقتي عفرين ودرع الفرات، وهو احتمالٌ بعيد التحقق، بسبب الرفض الأميركي ـ الروسي المشترك. وبالنسبة لواشنطن، فإن هيمنة تركيا على "المنطقة الآمنة" تعني القضاء نهائيا على الحضور الكردي، ليس على المستوى العسكري فحسب، بل أيضا على المستوى الإداري، وبالتالي القضاء على التجربة الديمقراطية الناشئة في المناطق الكردية. ومن شأن ذلك أن يدفع الأكراد للارتماء في أحضان النظام، ما يعني القضاء على كل الترتيبات التي قامت بها الولايات المتحدة خلال الأعوام الأربعة الماضية. وبالنسبة لموسكو، فإن مناطق شرق الفرات لا يجب أن تتبع للنفوذ التركي، كما هو حاصل في الشمال الغربي من سورية. وبالتالي تقبل موسكو وجود قواتٍ محايدة تحظى برضى تركي ورضى النظام إلى حد ما. ومن هنا، تبدو موسكو وواشنطن متفقتين على أن لا تكون "المنطقة الآمنة" متوغلةً في عمق الأراضي السورية، وتعتبر اتفاقية آضنة الموقعة بين تركيا وسورية عام 1998 مرجعا قانونيا في تحديد عمق المنطقة.

ثانياً، وصول النظام السوري إلى الحدود مع تركيا، وهو أمرٌ يلقى رفضا قاطعا من واشنطن

"بالنسبة لواشنطن، هيمنة تركيا على "المنطقة الآمنة" تعني القضاء نهائيا على الحضور الكردي، عسكرياً، وإدارياً" وأنقرة: بالنسبة لواشنطن يعني حصول ذلك القضاء على المصالح الأميركية البعيدة في سورية، ووضع الأكراد بين فكي كماشة النظام، إذ يصبحون محاصرين من قوات النظام وحلفائه من الشمال والجنوب. وبالنسبة لأنقرة، فهي وإن كانت لا تعارض بسط النظام سيطرته على شرق الفرات في نهاية المطاف، إلا أن الظروف الحالية لا تسمح بذلك، لأن النظام سيتحالف مع الأكراد في محاربة تركيا.

ثالثاً، حل وسط يرضي جميع الأطراف، وهو ما قصده ترامب، حين تحدث عن ضرورة إدارة المنطقة من قوى محلية. صحيحٌ أنه لم يحدد ماهية القوى المحلية، ولكن يبدو أن الأمور تسير على نحوٍ لا يكون في "المنطقة الآمنة" أي حضور عسكري يتبع تركيا بشكل مباشر (فصائل المعارضة)، ولا يكون ثمّة حضور عسكري لـ "وحدات حماية الشعب" الكردي. ويكون البديل إدخال قوات محايدة، مثل "قوات النخبة" العربية التابعة لأحمد الجربا، وقوات "بشمركة روج أوفا" الكردية التابعة للمجلس الوطني الكردي، مع مشاركة القوات العربية التابعة لـ "قوات سورية الديمقراطية"، ولا يكون لهذه القوات صلاحية إدارة المنطقة، فدورها يقتصر على الحماية فقط، في حين تترك الإدارة لمجالس مدنية، بحسب المكون الإثني الغالب. وباستثناء "الاتحاد الديمقراطي" الكردي، تبدو جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية موافقة على هذا الطرح لأنه يعجل بمغادرة الولايات المتحدة الأرض السورية، من دون أن يؤدّي إلى حدوث الفوضى.

==========================

ممانعةٌ شعبها عميل

ميشيل كيلو

العربي الجديد

الثلاثاء 22/1/2019

ليس هذا القول جديدا، وهو ليس تهمةً تحتاج إثباتا بالنسبة لنظم الممانعة العربية الإيرانية الهوى، المؤمنة بوجود مؤامرةٍ كونيةٍ تستهدفها، ورّطت الصهيونية فيها شعوب النظم الممانعة، من دون غيرها، بعد نجاحها في شطر كل نظام إلى معسكرين: واحد مقاوم/ ممانع، يقوم بواجبه في حماية وطنه من متآمرين وعملاء، ولا يُلام إن أفرط في استخدام القوة ضد شعبه الإرهابي أو العميل، الذي ينفذ مؤامرةً معاديةً ضد ما يفترض أنه وطنه، وآخر ينصاع لأوامر تل أبيب، يتكوّن من شعوب نظم المقاومة والممانعة، ومن ينحاز إليها سياسيا وخيانيا، ويتلقون أوامرهم من أعداء وطنهم، في تل أبيب وواشنطن.

بعد قرابة نصف قرن من حكم شمولي فردي، لم يسمح بأي نوعٍ من المشاركة في السلطة والشأن العام، غابت خلاله أحزاب المعارضة، وغاب حضورها الشعبي وتأثيرها المجتمعي، بفقد ضيق المجال العام، وما يسوده من إرهابٍ سلطوي، كان منطقيا أن يُنسب انفجار المجتمع السوري إلى ما تبنّته الأسدية أربعين عاما من سياساتٍ وممارساتٍ معاديةٍ ومستفزةٍ للشعب، حجبت عنه، بالعنف، باعتباره أداة وحيدة للسياسة، ما كانت قد وعدته من حقوقٍ عامةٍ وشخصيةٍ، بعد إخباره بأنها لم تستولِ على الحكم إلا لتحققها له، وخصوصا منها حريته. لكنها، وما إن ذكّرها أول مواطن سوري بوعدها، وطالبها بتحقيقه، حتى اتهمت الشعب السوري، بقضّه وقضيضه، بالعمالة للإمبريالية وإسرائيل، على الرغم من أن من نزلوا إلى الشارع التزموا بحراكٍ سلمي/ مدني منضبط، وطالبوا بإصلاحٍ تقوم به السلطة، بقيادة بشار الأسد الذي رفض طلبهم، واعتبر حراكهم السلمي جزءا من "مؤامرةٍ كونيةٍ" ضد نظامه وضده، ليست أوضاع السوريين المزرية سبب انخراطهم فيه، وإنما تحرّكهم أيد خارجية بحساباتٍ أجنبية، وينفذونها بحماسةٍ واندفاعٍ عضد سلطةٍ شرعيةٍ تجسّد حقوقهم أكمل تجسيد.

منذ عقود، يقف المواطن السوري ساعاتٍ عديدةً كل يوم أمام الأفران لشراء حاجة أسرته من الخبز، في بلادٍ تنتج فائضا من القمح، يربو سنويا على مليوني طن. ويستميت المواطن نفسُه للحصول على قارورة غاز في وطنٍ لديه ثروةٌ منه تفيض كثيرا عن حاجته، يُبدّد معظمها حرقا. ويأكل التضخم راتب المواطن المعذّب أو أجره، وهو الذي يعاني الأمرّين للحصول على أبسط حاجات أطفاله، بما أن تكلفة الكهرباء والماء الشهرية تلتهم ثلث راتبه، بينما يبتلع إيجار البيت ومخصص النقل نصفه، فلا يبقى له غير عيش الكفاف، والغرق في الديون وانتهاك كرامته الشخصية، عبر غرقه في الفساد، ومدّ يديه إلى جيوب المعذّبين أمثاله، بينما يعيش أرباب السلطان من قادة التجربة الاشتراكية والمقاومة والممانعة في نعيمٍ مقيم، ويحوّلون سلطتهم السياسية إلى فائضٍ من الثروة والجاه، وينعزلون أكثر فأكثر عن المواطنين، ويسوّرون مزارعهم وفيلاتهم بجدرانٍ عاليةٍ، يحرسُها مسلحون أعداؤهم من تقع أعينهم عليهم من مواطنيهم البؤساء.

يقول أهل السلطة إن هذا الواقع لا يسوّغ تذمر الإنسان المحروم الذي تحمّل الذل عقودا، لأنه محبٌّ لوطنه حريصٌ عليه، ارتضى هوانَه، لأنه يخاف أن يفعل شيئا قد يضرّ به. لذلك، انتظر بصبرٍ وتفانٍ مبادرة "سيد الوطن" إلى الوفاء بوعود سلطته، على الرغم من أن الواقع كان 

"الفظيع سحق الشعب، رأسمال أي مقاومة أو ممانعة، بواسطة جيشكم الذي دأب على الفرار والتخلي عن أرض الوطن" يُجبره، أكثر فأكثر، على تذكيره بوعوده الإصلاحية، وبضرورة تحقيقها على يديه هو بالذات.

يتجاهل الأسديون دورهم في الانفجار الشعبي الذي تعيشه سورية، ويرون في انضمام ملايين السوريين إليه ما يؤكّد وجود "المؤامرة الكونية" ضدهم، ويرفضون بإصرار الوقوف أمام السؤال الذي تطرحه ادعاءاتهم: إذا كانت إسرائيل تستطيع تحريك ملايين من الشعب ضد نظامٍ مقاومٍ/ ممانع، من الذي يجب أن يُعتبر مسؤولا عن ذلك: الجهات الخارجية التي تعلن الأسدية، من دون كللٍ أو ملل، أنها تقاومها وتحمي الشعب والوطن منها؟ أم نظامها الذي استأثر بالسلطة والنفوذ والقوة والإعلام والتربية والتعليم والمجال العام، وعايش بأمانٍ وسلامٍ مع احتلالها الجولان منذ أكثر من نصف قرن، لم يقاومها خلاله بأية صورةٍ منظمةٍ أو مستمرّة، على الرغم من إشادته بدوره في الانتقال من الصمود ضدها إلى التصدّي الفعال لها وكبح جماحها، وإجبارها على العيش تحت النار التي قد تعصف بها في أي وقت، بعد أن ضرب طوقا مُحكما حولها، يمتد من لبنان إلى سورية والعراق، بدعم من قاعدة الصمود والتصدّي، إيران الملالي التي وضعت مدن العدو ومستوطناته في مرمى عشرات آلاف الصواريخ الدقيقة، كما أكد حسن نصر الله في آخر خطبه؟

ألا يدعو إلى الاستغراب أن الصهيونية لم تنجح في اختراق أي مجتمعاتٍ غير التي تحكمها أنظمة مقاومة/ ممانعة، تعلن أنها نجحت تماما في إخراجها من فضائها الداخلي، بما تخوضه ضدها من معارك خفيةٍ وظاهرة؟ ألا يخجل المستبدّون من تناقض مزاعمهم عن مقاومتهم مع اتهام شعوبهم بالتعاون ضدهم مع العدو، وانخراط هذه الشعوب في "مؤمرات العدو عليهم"؟ ألا يعني هذا التهافت إخفاقَهم في حجب الحقيقة، وأن تمرّد مواطنيهم يرجع إلى سياساتهم التي يكفيها عارا أنها دفعت هؤلاء المواطنين إلى تفضيل الصهاينة عليهم، بل والثورة عليهم بأوامر من أولئك الصهاينة؟ إذا كانت الصهيونية قد اخترقت مجتمعات نظم المقاومة والممانعة، من دون غيرها، باعتراف قادتها الذين انضم إليهم أخيرا الرئيس السوداني، عمر البشير، الذي اتهم السودانيين بالتواطؤ مع الصهاينة، فهذا له معنيان: أن هؤلاء الذين انفردوا بحكمها نصف قرن هم الذين أوصلوها إلى التماهي مع أعدائها، أو أن سياساتهم تجاه مواطنيهم خدمت الصهاينة إلى حدٍّ أقنعهم بتنفيذ أوامرها ضد نظمهم؟ انفرد نظام حافظ الأسد بالسلطة والثروة والمعرفة والقوة والإعلام والتربية والتعليم ثلاثين عاما، وحين مات أورثها لابنه الذي أقنع مواطنيه بأن نظامه قوة احتلال تستعمر وطنهم، ويريد أن يتحرّر منهم ليحرّر نفسه من صهيونيتهم وعمالتهم، ويستمر اضطهادهم باسم مقاومةٍ وممانعةٍ لم تستهدفا يوما الصهيونية منذ 1974، بل استهدفتا الشعب بقدر عظيم من العنف والقسوة، بينما يتنعم "العدو" الصهيوني بسلامهم منذ أكثر من نصف قرن!

إذا كان صحيحا أن الشعب السوري متآمرٌ مع الصهاينة ضد نظامه المقاوم، والصهاينة هم الذين أوعزوا لفقراء السودان وجياعه بالنزول إلى الشارع للمطالبة برغيف الخبز، وبحقّهم في سحب بعض مالهم الخاص من المصارف، لشراء الخبز لأطفالهم، وهو حقٌّ ترفضه، كأن مالهم ليس ملكهم، بل ملك أرباب السلطة الذين يودعون أموالها في الخارج، فهذا معناه أن على الأسدية والبشيرية الإقلاع عن اعتبار نفسها نظم مقاومةٍ أو ممانعة، ما دامت تقاوم الصهاينة في الخارج، وتسمح لهم بصهينة شعبها في الداخل، والاعتراف بأنها تكذب، حين ترى متآمرا في جائعٍ يعجز عن استخدام ماله في شراء خبز لعياله، لأن الحكم السوداني لم يوفّر له الخبز من جهةٍ، وصادر مدّخراته من جهةٍ أخرى. وفي الحالتين، عليه أن يرحل، ويعيد السلطة إلى صاحبها الذي سرقها منه بنصف قرن، بوسائل تتفق تماما مع ما تستخدمه الصهيونية ضد شعب فلسطين.

أخبرونا بربكم كيف يمكن لشعبٍ التورّط في مؤامرة صهيونيةٍ/ إمبريالية، إذا كنتم تزعمون يوميا أنه نصير لمقاومتكم لا تلين له قناة؟ وكيف له أن يطالب بتحرير الجولان وفلسطين في الخارج، وأن يكون عميلا لها ينفذ أوامرها ضد مقاومتكم، في الداخل؟ أي شهادةٍ لنظمكم إن كان شعبكم يتآمر حقا مع عدوكم ضدها، بعد أربعين عاما من انفرادها بحكمه، وتقرير شؤونه؟ وأي شهادةٍ لكم إن كان قد منحكم ثقته قبل نصف قرن، لأنكم وعدتموه بتحرير فلسطين، وها أنتم تتّهمونه، بعد خمسين عاما من المقاومة والممانعة التي أوصلت جيش إسرائيل ثلاث مرات إلى مشارف دمشق بالتآمر مع الصهاينة عليكم، بحجةٍ مؤلمةٍ ترى في استعادته شعوره بإنسانيته وحقوقه مؤامرة صهيونية/ إمبريالية/ داعشية، لا رد عليها غير القوة التي أحجمتم عن استخدامها ضد الصهاينة، المتنعمين منذ خمسين عاما ونيف بشمس الجولان، وتفاحه وكرزه وثلجه ومياهه وأرضه وخيراته الكثيرة. أليس شيئا فظيعا أن تبادروا إلى سحق الشعب، رأسمال أي مقاومة أو ممانعة، بواسطة جيشكم الذي دأب على الفرار والتخلي عن أرض الوطن، في جميع الحروب التي شنتها الصهيونية على بلاده، منذ عام 1967؟

منذ 51 عاما، وأنتم تضطهدون وتعذبون وتعتقلون وتخفون وتشوّهون، وتهجرون من يطالبونكم بتحرير الجولان الذي أهديتموه إلى إسرائيل على طبقٍ من ذهب، ومن دون قتال. ومع ذلك لا تتراجع مؤامراتهم المزعومة على نظامكم، فقولوا لنا بربكم: إذا كانت هناك 

"لماذا لا تفعلون شيئاً ضد المؤامرة، ولا تكشفونها، إلا عندما يطالبكم شعبكم بحقوقه وحريته؟" مؤامرةٌ رهيبةٌ كهذه، لماذا لا تفعلون شيئا ضدها، ولا تكشفونها إلا عندما يطالبكم شعبكم بحقوقه وحريته؟ ولماذا لا تقدّمون أية أدلةٍ على وجودها قبل ذلك؟ ما عساها تكون هذه المؤامرة التي تستمر، على الرغم من إبادة حاملها ومنفذها، الشعب الذي يحاول استعادة حريته التي سلّمها إلى من وعدوه بتحرير فلسطين، فحوّلوا نظامهم المقاوم إلى استعمار محلي مماثلٍ لاستعمار الصهاينة في فلسطين، وربما كان أسوأ منه؟

يجلس المتآمرون على شعوبهم على كراسي الحكم، وينفّذون خططا ضمنت تفوّق إسرائيل الساحق على بلدانهم، واغتالت روح الحرية في صدور مواطنيها. وحين تتحرّك في قلوبهم من حين إلى آخر، ويرفضون ما آلت أوضاعهم إليه، يتعرّضون للإبادة المنظمة على يد أجهزة يفترض أن مهمتها حمايتهم، والحجة إحباط مؤامرة ليس بين أسبابها ما يمارسه حكام سورية من تخلٍّ عن المسألة الوطنية، بعد 1974، ووضع مجتمع ودولة سورية تحت رحمة مدافع الاحتلال الذي يراقب بسعادة جيش الأسدية، وهو يدمر مجتمع سورية ودولتها بمدافع كان يجب أن توجه إليه، نيابة عنها، من دون أن يفكش جندي إسرائيلي واحد قدمه. وكان سيفقد عشرات الآلاف من جنوده وضباطه، لو كلف بتحقيق هذا الهدف الصهيوني الاستراتيجي الذي يفرغ جواره من القوة، ويتيح له أن يراقب باسترخاء حروبا تدمر الشعوب المجاورة وبلدانها بأيدي حكامها، وهم ينفذون مؤامرةً يتهمون شعوبهم بالتورّط فيها، ليبطشوا فيها بذريعة مقاومة عدوٍّ هو المستفيد الوحيد منها.

==========================


المنطقة الآمنة والهواجس التركية

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 21/1/2019

هبطت فكرة "المنطقة الآمنة" التي ذكرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إحدى تغريداته، كالقنبلة الموقوتة على رؤوس كثير من الفاعلين الإقليميين في الصراع السوري. أما التهديد بتقويض الاقتصاد التركي "إذا هاجمت تركيا الأكراد في سوريا" الذي ورد في التغريدة نفسها، فربما كان رداً من واشنطن على المهانة التي تعرض لها مستشار الأمن القومي جون بولتون والوفد المرافق له في أنقرة حين رفض أردوغان استقباله. وقد جاءت المكالمة الهاتفية بين الرئيسين التركي والأميركي لتتجاوز آثار تهديد ترامب، وتضع أسس تفاهم لا نعرف محتواه وتفاصيله بين واشنطن وأنقرة حول مصير شرقي الفرات بعد انسحاب القوات الأميركية.

وإذا كانت عبارة "المنطقة الآمنة" قوبلت بارتياب في بعض الإعلام التركي، فقد

إن المتفائلين، في الرأي العام التركي، يرون أن عمق 20 ميلاً (32 كم) الذي ذكره الأميركيون، هو نوع من منطقة عازلة يتم إخلاؤها من الكرد، أو على الأقل من وحدات حماية الشعب

اعتبرها بعض آخر بمثابة انتصار دبلوماسي لتركيا وأردوغان بالذات، من خلال تصوير الأمر على أن الرئيس التركي تمكن من إقناع ترامب بالمطالب التركية الخاصة بإبعاد "الخطر الكردي" المفترض عن حدودها الجنوبية.

أما الارتياب والتوجس فيعودان إلى تشبيه ما يحدث اليوم في شمال سوريا بما حدث في شمال العراق وأدى إلى قيام كيان كردي شبه مستقل عن العاصمة بغداد. في حين إن المتفائلين، في الرأي العام التركي، يرون أن عمق 20 ميلاً (32 كم) الذي ذكره الأميركيون، هو نوع من منطقة عازلة يتم إخلاؤها من الكرد، أو على الأقل من وحدات حماية الشعب التي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية والفرع السوري لحزب العمال الكردستاني.

يتابع مراسل صحيفة "خبر ترك" الإلكترونية في واشنطن "سردار تورغوت" هذا الموضوع بشكل يومي، من خلال مصادره السياسية والإعلامية والدبلوماسية في العاصمة الأميركية. فيما يلي بعض مما كتبه تورغوت بخصوص موضوع المنطقة الآمنة:

في شباط 2018 تم عقد اجتماع أمني خاص، في واشنطن، موضوعه مصير كرد سوريا في شرق نهر الفرات، ترأسه وزير الخارجية الحالي مايك بومبيو الذي كان، حينذاك، مدير المخابرات المركزية الأميركية، وحضره رؤساء أجهزة الاستخبارات الروسية الذين كانوا، رسمياً، ممنوعين من دخول الولايات المتحدة. وقد دار النقاش، في هذا الاجتماع، حول خطة أعدها المستشرق الروسي المقرب من دوائر صنع القرار في موسكو فيتالي نعومكين.

ويعتبر "تورغوت" أن "الدولة الأميركية العميقة" حسب تعبيره "مغرمة" بفكرة إقامة دولة كردية مستقلة، ويزعم أن البنتاغون قد أعد خارطة لتلك الدولة المفترضة منذ العام 1992، وكانت تمتد من شمال العراق إلى شمال سوريا، لينتهي إلى تأكيد انتصاري بأن تركيا بقيادة أردوغان قد مزقت تلك الخريطة، أي خربت مخططات واشنطن بشأن الدولة الكردية المفترضة.

وهكذا، حين عقد اجتماع واشنطن الأمني الأميركي – الروسي، في شباط 2018، كانت الولايات المتحدة قد اقتنعت ببطلان صلاحية الخارطة المذكورة، وشعرت بالحاجة

تتضمن خطة نعومكين التي يسميها "نموذج شمال العراق"، وفقاً للمراسل التركي، إدارة ذاتية كردية على أن تكون بعيدة عن الحدود التركية بمسافة 30 كم على الأقل

إلى خطة جديدة بشأن شرقي الفرات. "فيتالي نعومكين قدم الخطة المطلوبة للأميركيين" يقول تورغوت، ويضيف مؤكداً أن "الدولتين العميقتين" في موسكو وواشنطن وصلتا إلى اتفاق مبدئي حول وجوب المراعاة الصارمة لأمن الحدود التركية ومصالح أمنها القومي.

تتضمن خطة نعومكين التي يسميها "نموذج شمال العراق"، وفقاً للمراسل التركي، إدارة ذاتية كردية على أن تكون بعيدة عن الحدود التركية بمسافة 30 كم على الأقل، وأن يرفع العلم السوري على حدودها، ولا يكون فيها جيش (كردي). أما "المجموعات المسلحة الكردية" فيمكنها أن تقوم بدور شرطة محلية. كما يرتفع علم الدولة السورية على الدوائر الحكومية، ويتم الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وعلى ألا يدخل الجيش السوري مناطق الإدارة الذاتية، دائماً وفقاً لمعلومات المراسل سردار تورغوت.

قام نعومكين، هذا الشهر، بزيارة واشنطن ليشرح تفاصيل خطته المذكورة للنخب السياسية الأميركية، فتحدث في جامعة جورج تاون أمام جمهور ممن تلقوا دعوات خاصة. وبعد عودته إلى موسكو جرى اتصال هاتفي بين الرئيسين الأميركي والروسي، استغرق ساعة ونصف، كان موضوعه خطة نعومكين، حسب المراسل التركي الذي يضيف قائلاً إن الرئيسين قد اتفقا، من حيث المبدأ، على الاهتمام بشكل خاص بالهواجس التركية بشأن أمنها القومي، وبحيث لا تنشأ "أوضاع غير مرغوبة من تركيا على حدودها الجنوبية".

ويختم تورغوت تقريره المتفائل من وجهة النظر التركية بالقول إن الاستعدادات الأولية لعقد قمة ثلاثية بين ترامب وبوتين وأردوغان، في أواخر العام الجاري، قد بدأت فعلاً.

هل خليط المعلومات والافتراضات والرغبات الذي يتألف منه تقرير المراسل التركي يعكس الحقيقة فعلاً، أم أنه محكوم، إلى حد كبير، بنظريات المؤامرة من جهة، وتحويل الرغبات إلى وقائع متخيلة من جهة ثانية؟ هذا ما ستكشفه لنا الأسابيع القادمة.

==========================


بانتظار تغريدة ترامب القادمة

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 21/1/2019

استطاع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن يجعل من "تويتر" سلاحاً يضيفه إلى قائمة المنتجات الأميركية في مجال تصنيع الأسلحة، وهو ما يمكن وصفه بأنه سهل الاستخدام وسريع الفعالية وأكثر دقة في إصابة الهدف الحيوي، كما أعطى صفة المرونة التي تصل إلى أعلى درجاتها (انقلابها على نفسها) لسياسات الولايات المتحدة، في تعاطيها مع صراعاتها وتوافقاتها الدولية، لتضعنا، بين ساعة وأخرى، بين حرب تقرع طبولها، إلى تحالفاتٍ تكاد تصل بتوافقاتها إلى مستوى المصالح العليا المشتركة بالقدر نفسه، والتوجه مع الخصم السابق إلى الحليف اللاحق.

وبعيداَ عن فكرة تلقائية تلك "التغريدات" المرعبة وتهورها، فإن المتتبع لمآلات ما ينتجه محتواها من تفاهماتٍ لاحقة، وقدرته في التراجع عن المحتوى الانفعالي "المدرك"، وتغيير اتجاهاته بما يضمن الاستثمار الكبير له، في عداواته المفتعلة وصداقاته غير الآمنة، فإن التعويل على وصول قطار التسويات بين الجانبين، التركي والأميركي، بشأن شمال سورية، إلى بر الأمان، يبقى في إطار التمنيات، في ظل وقائع السرد التاريخي لعامين من حكم ترامب، وتذبذب تصريحاته وتناقضاتها وأهدافها.

كما أن الحديث عن خلافاتٍ في التفسير الكامن وراء الرغبة الأميركية بإقامة منطقةٍ آمنةٍ في الشمال، والتي سارعت تركيا في تبنيها على أنها مقترحٌ تركي أساساً، تدخل ضمن منظومة التعاطي الدولي مع الصراع في سورية، منذ بداية التدخل الدولي في 2011، وحتى ما بعد التعاطي الأميركي مع اتصال ترامب لإنهاء مفاعيل تغريدته الصادمة لحليفته تركيا "سندمر تركيا اقتصادياً إذا هاجمت الأكراد، وسنقيم منطقة آمنة بعرض 20 ميلاً"، فقد تعمّدت الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، منذ اندلاع الثورة السورية، مد أطراف الصراع المحلي بوقود الاشتعال على الجانبين، النظام والمعارضة، فحيث اصطفّت إيران مع مليشياتها، وكذلك روسيا، مع النظام لتشجيعه في الاستمرار بسيناريو العنف المتصاعد ضد معارضيه، فعل ما سمي أصدقاء سورية الأمر ذاته، عبر تصريحات متتالية بدأت من الجانب الأميركي، عندما صرّح بأن الأسد فقد شرعيته، إلى عقد المؤتمرات، والتسليح وغرف الموم والموك وما بينهما.

لقد أفسحت الاصطفافات الدولية أمام الصراع المحلي السوري أن يتطوّر إلى صراع دولي،

"التعويل على وصول قطار التسويات بين تركيا وأميركا، بشأن شمال سورية، إلى بر الأمان، يبقى في إطار التمنيات" توزّع شرره في العالم، وهو إذ يرخي بظلاله على الدول الإقليمية، ومنها تركيا، ويفتح لها باب التجاذبات، أو الخلافات البينية، فإنه، في الوقت عينه، يستخدمها أدواتٍ في حرب التغيير الشاملة لإعدادات المنطقة برمتها، بما يضمن خلط الأوراق، وتغيير الأولويات، ووضع المنطقة كاملةً في خدمة المشروع الإسرائيلي التصالحي، أو ما تسمى "صفقة القرن" على حساب القضية الفلسطينية، بعد أن أصبحت الصراعات في المنطقة بعيدةً عن الصراع العربي الإسرائيلي، ليحل مكانها الصراع الإيراني العربي، والذي أتاحته أميركا لإيران من خلال تمكينها من احتلال العراق، فكرياً واقتصادياً وسياسياً، وعبر مليشياتها المسلحة تحت الغطاء الطائفي، ولاحقاً الصراع على أمجاد الإمبراطوريات المنهارة.

ويمكن اعتبار ضبابية فكرة المنطقة الآمنة التي طرحها ترامب، وتلقفها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وتفسيراتها العديدة من كل الأطراف، إذ اعتبرتها تركيا مشروعا يرضي طموحاتها، ويعزّز من وجودها الشرعي في سورية، ويقع ضمن اتفاقاتها السابقة مع النظام السوري (أضنة 1998)، في حين استشعر فيها الكرد (قوات سوريا الديمقراطية) العدو المستهدف من تركيا، أنها ورقة حماية لهم، وتسمح لهم بتوسيع هوامش المفاوضات مع النظام السوري، بما يضمن حكماً ذاتياً لهم في شرق الفرات، إلا أن النظام السوري اعتبرها احتلالاً تركياً مدعوماً أميركياً، ومتغاضياً بذلك عن حقيقة موقف الداعم الرئيسي له (روسيا) التي لا تمانع بتنفيذها إلى جانب الأتراك، وفق شروطٍ تقييدية، كتغيير اسمها إلى منطقةٍ عازلة، أو إشراك قوات النظام، بحماية حدودها ومؤسساته، بتقديم الخدمات لها، أي بمعنى أنها شروط لفتح باب التفاوض، وهي غير مانعةٍ لإقامتها، وبعيدةٌ، في الوقت نفسه، عن كل ما تدّعيه في حرصها على ضمان السيادة السورية على أراضيها ووحدتها، أي أن تضارب التفسيرات التي سادت في كل ما يخص الصراع في سورية من تصريحات لمسؤولين من وزراء ورؤساء، وبيان جنيف 1 وملحقاته، وقرارات أممية وبيانات على مستوى رئاسة المنظمة الدولية (عددها 17)، لا تزال تحكم منطق إدارة الصراع في سورية، فحيث بدا التوافق الدولي على بيان جنيف1 (2012) يقترب من انتزاع حل سياسي للصراع السوري- السوري، استطاعت كل الدول المنخرطة فيه أن تجعل من تفسيراتها المخالفة لشركائها في التوقيع عليه سبباً في ديمومة الصراع وتطور أشكاله، من سياسي إلى مسلح بين النظام ومجموعاتٍ من جيشه منشقة عنه للدفاع عن المتظاهرين، إلى تجنيد أطراف محلية واستدعاءات أيديولوجية متطرّفة أو "معتدلة" 

"تستخدم أميركا ورقة الكرد تارّة لمعاقبتهم، وتارة لطمأنتهم" لإنشاء ما سميت الفصائل الإسلامية التي تدار وفق أجندات مشغليها، إلى صراعٍ دولي مباشر، حتى استبعدت منه الجهات المحلية، لتحل مكانها الأدواتُ المرتهنةُ لمصلحة الأجندات المتحاربة على حيز النفوذ داخل الأراضي السورية، والعابرة إلى ما بعدها، جغرافياً واقتصادياً وحتى تاريخياً.

ومن هنا، فإن الرهان على دخول منطقة شمال سورية في مرحلة حل النزاع في سورية وعليها، بعد المصالحة غير المضمونة بين الرئيسين الأميركي والتركي، يبدو خاسراً، في ظل استمرار "التغريدات"، والمتغيرات التي تحدثها الأطراف المتضرّرة من التقارب أخيرا، والذي يعني إطباق الخناق على إيران من جهة، واستمرار استخدام ورقة الكرد باتجاهين مختلفين: تارّة لمعاقبتهم، حيث تغرّد بعض قياداتهم خارج الهوى الأميركي، وتارة أخرى لطمأنتهم، وفتح أبوابٍ جديدة لهم للدخول طرفا لازما ومفروضا على المفاوضات السورية - السورية، والعبور فوق جسر الموانع الذي وضعته تركيا في وجه مشاركتهم في ما سميت اللجنة الدستورية. ومع كل ما سبق، فإن ترامب قادر على العودة دائماً إلى نقطة الصفر التي تفتح باب المساومات، وطرح المزايدات العلنية والسرية بين الأطراف الصديقة، وكذلك التي تقع في خانة أعدائه أيضاً.

==========================


بين سوريتين

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاحد 20/1/2019

كشف الشتاء الحالي حجم البون الشاسع والفرق الكبير بين سوريا المحررة وسوريا المحتلة، وقد وصل الوضع إلى أن يناشد فنانون وصحافيون كبار رأس العصابة الأسدية بشار الأسد، بالتدخل من أجل إنقاذ الجوعى والمتجمدين من البرد، وكأن رأس العصابة لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم، وتدخلت بعض الصحف والمواقع الموالية للعصابة، للكتابة عن حجم المعاناة الرهيبة والحقيقية، التي يعانيها المواطنون تحت شقاء العصابة الطائفية المدعومة والمسنودة من الاحتلال المزدوج، وبلغ الأمر خطورته بإعلان حلب المدينة عن وفاة طفلين خلال أسابيع، بسبب غياب الغاز والمازوت عنها، وشهدت المدينة نفسها وغيرها طوابير من الرجال والنساء والأطفال، وهم يحملون جرار الغاز بانتظار جرة غاز يتيمة وحيدة، ومثل هذا المشهد تكرر في دمشق وغيرها من المدن المحتلة.

الغلاء الذي شهدته المناطق المحتلة غير مسبوق، إن كان على صعيد المواد الغذائية أو على مستوى المحروقات، بالإضافة إلى غلاء الإقامة بالفنادق، حيث وصلت إقامة يوم واحد بفندق أربع نجوم تقريباً في اللاذقية إلى أكثر من 200 دولار أميركي، وكتب بعض المواطنين المقيمين في دمشق المحتلة، يوجّه كلامه إلى كل من خرج من سوريا: «لا تندموا على الخروج في ظل الحياة الصعبة التي نعيشها في الداخل، بينما أنتم تعيشون حياة أفضل منّا»، ولعل الحياة الأفضل والمميزة -التي يعيشها من هو خارج مناطق العصابة الأسدية- هي الكرامة التي يتمتع بها كل مواطن خارج مناطق سيطرة العصابة الأسدية.

في مقابل ذلك، يلمس الكل الحياة السهلة التي يعيشها المواطن السوري في مدن المناطق المحررة، بعيداً عن الحديث عن المخيمات ومآسيها للأسف، أما إن تكلمنا عن المناطق المحررة من قرى وريف إدلب، وكذلك أرياف حلب وحماة واللاذقية الخاضعة للثوار، فإن المستلزمات الأساسية متوفرة وبأسعار لا تقارن مع أسعار مثيلاتها في المناطق المحتلة، فمثلاً جرة الغاز في المناطق المحررة لا تتعدى الخمسة آلاف ليرة سورية، بينما الجرة نفسها -إن وجدت- لا يمكن أن تكون أقل من عشرة آلاف ليرة، وقس على ذلك مواد المازوت والخبز والمواد الأخرى.

بكل تأكيد، فإن أهلنا في مخيمات التشرد يعانون بسبب الأمطار والثلوج، ولكن هذه المعاناة مؤقتة على الأقل، ولكن مدناً عريقة كحلب وحمص وحماة واللاذقية ودمشق، تحولت إلى أشباح في ظل حكم العصابة الحاكمة، بينما مدن وقرى الثورة تعيش حياة معيشية تتوافر فيها كثير من المستلزمات الحياتية وبأسعار منافسة، مقارنة بما تعيشه المناطق المحتلة تحت سيطرة العصابة وسدنتها المحتلين، بل وربما تحسد هذه المدن مدينة إدلب وغيرها من قرى الأرياف التي تخضع للثورة.

أقارن اليوم بين ما يحصل في سوريا، وبين ما حصل في كابُل أواخر أيام الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، فأرى القاسم المشترك هو المعاناة بين هذه المدن، وكأن المدن الخاضعة لسيطرة العصابة لا بد أن تعاني ما عانته مثيلاتها من قبل ولو بعد حين، أدرك تماماً كثرة الأحرار المقيمين في هذه المدن العريقة، ولكن ظهرت العصابة الطائفية بهذه الحالة أمام العالم كله، أنها غير قادرة على تأمين سبل الحياة الكريمة لمواطنيها، ونحن نرى ونسمع عن انتشار المخدرات والحشيش في المناطق المحتلة، بالإضافة إلى انتشارها حتى في المدارس، وفوق هذا ما يُنشر بين اليوم والآخر عن حوادث اغتيالات وقتل وجريمة منظمة تستهدف المواطنين، مما يكشف حجم التردي الأمني والأخلاقي والاقتصادي والمعيشي للعصابة وسدنتها، وبعد هذا كله يدعو الاحتلال والعالم المهاجرين والمشردين السوريين للعودة إلى حكم العصابة، فإن كانت عاجزة عن توفير سبل العيش لمن هو تحت جبروتها وطغيانها، فهل هي قادرة على تأمينها لمن هو خارج الحدود أو مشرد داخلها في حال عودته؟!;

==========================


الشمال السوري: رهانات أردوغان بين تقلبات ترامب وخطط بوتين

د. خطار أبودياب

العرب اللندنية

السبت 19/1/2019

على مسافة شهرين من الذكرى الثامنة لانطلاق شرارتها، تبدو “الحروب السورية” الكبيرة والصغيرة وكأنها لا تنتهي، وتتركز الحلقة الراهنة منها على شمال البلاد وشرقها مع رقصة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بين منبج وإدلب وشرق الفرات، حيث يحاول إعادة كتابة التاريخ، بعد قرن على نهاية الإمبراطورية العثمانية، والمشاركة في رسم خرائط جديدة في إقليم ملتهب عبر منع الأكراد من تركيز أي وضع جغرافي جديد لهم، ولعب دور أحد صناع الوضع السوري الجديد برمته.

لكن الطموح التركي الفضفاض سيصطدم بعوامل تفجير في منطقة مليئة بالانهيارات، وترتبط مآلاته بخيارات أطراف مسار أستانة وخاصة خطط ومناورات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مدير “اللعبة الكبرى الجديدة” في سوريا، وليس بعيداً عن القرارات النهائية للولايات المتحدة الأميركية التي لا تزال تتمتع بالموقع القيادي في الشرق الأوسط حتى إشعار آخر بالرغم من ضبابية وتقلبات مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

احتدم الجدل والتزاحم حول توزيع النفوذ في المناطق الاستراتيجية لشمالي سوريا وشرقها بعد قرار الرئيس ترامب الانسحاب الأميركي منها، والذي تحول تدريجيا إلى “إعادة تموضع” مع قدر غير يسير من الغموض أو التخبط بسبب تحفظ المؤسسات الأميركية واستقالة وزير الدفاع نفسه.

وبعد جولتين في المنطقة لوزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، برز التصحيح وإعادة النظر بما يشبه الترتيب بين ترامب وأردوغان لجهة “التهديد بتدمير الاقتصاد التركي في حال ضرب الشركاء الأكراد”، وإرفاق ذلك بتصور عن “منطقة آمنة بعرض 20 ميلا (32 كلم)” تضمن مصالح تركيا الأمنية في جوارها السوري وتحمي الأكراد حسب وجهة نظر سيد البيت الأبيض. لكن سرعان ما انتهز الرئيس التركي الفرصة واتصل بنظيره الأميركي ونقل عنه تأكيد انسحاب القوات الأميركية من المنطقة و”التوصل إلى تفاهم له أهمية تاريخية كبيرة”، لأن تركيا ستتولى إنشاء المنطقة الآمنة بعد التشاور مع الأطراف المؤثرة بما فيها الدول الضامنة لمسار أستانة.

وأكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أن مسألة المنطقة الآمنة ستُطرح على أجندة لقاء القمة المتوقع بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في وقت لاحق من يناير الجاري. لكن ما تعتبره تركيا “منطقة آمنة” في شمال سوريا، يعتبره الأكراد “مكمنا” ينذر بحروب طويلة، حيث تصر أنقرة على استبعاد “وحدات حماية الشعب الكردي (نواة قوات سوريا الديمقراطية الحليف الرئيسي لواشنطن والتحالف الدولي في الحرب ضد تنظيم داعش) من الترتيبات الأمنية المستقبلية”. ويتم ذلك بسباق مع الزمن وبموازاة مسار آخر تشرف عليه قاعدة حميميم الروسية بين النظام في دمشق وممثلي أبرز الأطراف الكردية السورية من أجل بلورة ترتيب يتيح إعادة سيطرة الدولة السورية على هذه المنطقة.

قبل كل هذه المناورات كان بعض المراقبين يتحدثون عن تركيز مناطق نفوذ أميركية وروسية وتركية وإيرانية على خلفيات استراتيجية وعلى تقاسم موارد الغاز والنفط والمياه والزراعة من عفرين والزيتون فيها إلى دير الزور والنفط حولها. لكن الضبابية السائدة حاليا لا تتصل حصرا بجوار حلب الشهباء وإقليم الجزيرة وفراتها، بل تمتد أيضا إلى إدلب الخضراء وحماة وبالقرب من الساحل حيث سجلت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا المرتبطة بتنظيم القاعدة) تقدما حاسما في ظلال اتفاق 17 سبتمبر 2018 المتعارف عليه باسم “هدنة بوتين – أردوغان في إدلب”.

لا بد من التذكير بأن محافظة إدلب كانت معقل المعارضة السورية المسلحة ودارت فيها حرب مع القوات الموالية، لكن دخول النصرة وداعش على الخط غيّر من طبيعة النزاع الذي أخذ يتوسع منذ العام 2012 مع زيادة حدة كل أنواع التدخلات الخارجية في ظل استباحة حدود سوريا وتقويض استقرارها، وخاصة من ناحية الاندفاع الإيراني لحماية النظام السوري جسر المشروع الإمبراطوري نحو البحر المتوسط في لبنان، أو لناحية الانخراط التركي في إطار التوجهات الغربية والذي أخذ يتأقلم مع الاختراق الروسي الاستراتيجي وبالضبط منذ معركة حلب أواخر العام 2016.

بيد أن رجب طيب أردوغان الذي عزز على وقع “الحروب السورية” صعوده الداخلي من رئيس للوزراء إلى رئيس للجمهورية في ظل نظام “رئاسي سلطاني” كان يلعب على الساحة السورية لعبته الخاصة ومصلحة بلاده العليا حسب رؤيته.

من اللافت أنه في موازاة احتضان المعارضات السورية وممارسة وصاية على بعضها (سهّلتها قرابة أيديولوجية وأموال بعض العرب) فتحت تركيا حدودها بشكل طوعي أو بتغاض أو بعجز، أمام المتشددين من أنصار “الأمميات الإسلامية” أو من جماعات الإرهاب المصنوعة والجاهزة عند الطلب تحت غطاء محاربة النظام السوري. وكل ذلك مهّد لإرسال الجيش التركي إلى داخل الأراضي السورية في عمليتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” تحت عنوان “مكافحة الإرهاب” و”الأمن القومي”، لكن الهدف الأساسي الدائم كان إجهاض حلم الأكراد بما يشبه الإقليم، ولتأمين الحضور إلى أي طاولة ستقرر لاحقا مستقبل سوريا.

تبعاً للتطورات الأخيرة المتصلة بقرار ترامب وتغيّر موازين القوى في إدلب، يصح التساؤل عن اقتراب أردوغان من تحقيق رهاناته. وتقول مصادر من الشمال السوري إن “المنطقة الآمنة التي تعتزم الحكومة التركية إقامتها على طول الحدود مع سوريا ستضم بلدات من 3 محافظات، هي حلب والرقة والحسكة. ووفقا للمسح فإن المنطقة الآمنة تمتد على طول 460 كيلومترا، على طول الحدود التركية السورية، وبعمق 20 ميلا”.

 لكن للوهلة الأولى لن تسمح واشنطن وموسكو بذلك، ولن ترضى دمشق بتمرير رسم مثل هذه المنطقة، وأمامها عقبات جمة ومتنوعة. ووفق مصادر أوروبية وأميركية فإن “واشنطن تخاطر بشدة بإسناد مهمة القضاء على داعش لتركيا لأن أنقرة لا تهتم بمحاربة التنظيم، وإنما تصب كل تركيزها على القضاء على الأكراد شمال سوريا”.

وتستطرد هذه المصادر بخصوص إدلب “أن أولوية تركيا في هذه المرحلة، ليست محاربة النصرة، بل الأكراد وتحديدا وحدات حماية الشعب الكردية في شرقي الفرات، وعليه لم تتحرك تركيا ضد النصرة”، من دون أن يعني ما سبق أن احتمال خلط الأوراق غير وارد على مدى قريب أو متوسط إن عبر المواجهة مع النصرة أو تسهيل ضربها.

وهذه السيطرة لـ”هيئة تحرير الشام” في قطاع واسع تدلل على صعوبات تركية لفرض احترام أو تطبيق اتفاق سوتشي، لكن ربما يصبح الفرز الحاصل أفضل طريقة للتخلص منها لاحقا، من خلال عملية عسكرية مشتركة تقودها روسيا على شاكلة معارك حلب والغوطة الشرقية، وحينها تبيّن أن لكل شيء ثمنه في مساومات اللاعبين الخارجيين المتقاطعة على حساب السوريين، إذ حصلت صفقات غير معلنة في معارك حلب وجوار دمشق والقنيطرة ودرعا بين عدة لاعبين تحت رعاية العراب الروسي وموافقة المايسترو الأميركي.

يسود الاعتقاد، أحيانا، بأن المهمة الأردوغانية سهلة المنال بسبب عدم وجود مصالح حيوية وسياسة متماسكة لواشنطن في الملف السوري من جهة، والإدارة الروسية البراغماتية لهذا الملف من جهة أخرى. لكن الارتباك الموجود سيزيد من عوامل الالتهاب في الشمال السوري لأن الأولويات في دائرة “الفوضى الدولية” لا تحد من الأطماع الإقليمية المكشوفة في سوريا، إذ لا يقتصر التدخل الإيراني على دعم النظام في دمشق والمبارزة المقننة مع إسرائيل، بل يمتد إلى الشرق والشمال السوريين ليس فقط للتقاسم مع تركيا وروسيا بل للتصارع معهما أحيانا. إزاء هذه اللعبة المعقدة ستكون الخاصرة الرخوة لأردوغان ليس فقط في الجوار السوري إذا ترك قواته تتوغل كثيرا فيه، بل في الداخل التركي أيضا حيث يقوى عضد معارضيه الذين لا تدغدغهم الأحلام السلطانية.

==========================

منبج تعيد خلط الأوراق

يونس السيد

الخليج

السبت 19/1/2019

في خضم الجدل الدائر حول انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، جاء تفجير منبج الانتحاري الذي أودى بحياة أربعة عسكريين أمريكيين ليثير الكثير من الأسئلة حول توقيته وأهدافه، ويضفي مزيداً من التعقيد على الحسابات المتعلقة بهذا الانسحاب ويضع الجيش الأمريكي والإدارة في واشنطن قيد الاختبار.

أياً تكن الجهة المنفذة، وهي هنا تنظيم «داعش»، أو المستفيدة من هذا الهجوم المباغت، فإن الإدارة الأمريكية، التي تتقاذفها التجاذبات والخلافات أصلاً حول انسحاب قواتها من سوريا، لم تكن تتمنى على الإطلاق، أن تتلقى هذه الخسارة الجسيمة، ولم تكن تنقصها هذه النهاية الدراماتيكية لتضعها أمام خيارين: إما الانسحاب المقرر مسبقاً، سواء كان عاجلاً أو بطيئاً، والذي سيحمل، إن حدث، مضموناً مختلفاً بعد الهجوم، أقل ما يمكن وصفه بالهروب من ساحة المعركة، وإما إلغاء فكرة الانسحاب راهناً والتفرغ لمواصلة الحرب على «داعش».

تصريحات المسؤولين الأمريكيين وأعضاء في الكونجرس تشير إلى أن الانسحاب سيتم وفق الخطط الموضوعة له، ولكن ماذا عن الخطط الأمريكية لمستقبل تلك المنطقة في شمال سوريا، ومقترح «المنطقة الآمنة»، في مسعى لمنع الهجوم التركي على الحلفاء الأكراد، والذي سارعت أنقرة إلى الترحيب به والبناء عليه، بينما رفضته دمشق والأكراد معاً باعتباره احتلالاً للأراضي السورية، وإن كان الأكراد عدلوا موقفهم قليلاً، تحت الضغط الأمريكي، بالحديث عن إمكانية التعاون بشروط معينة؟

لا جدال في أن الطرفين المستفيدين من تفجير منبج هما تنظيم «داعش» وتركيا، وهما يرتبطان، على أية حال، بصلات استخباراتية، وفق التقارير الغربية، وكلاهما له مصلحة في تسريع انسحاب القوات الأمريكية، إذ إن «داعش» خسر «خلافته» المزعومة على يد الجيش العراقي بالتعاون مع التحالف الدولي، كما أنه يريد الانتقام ما أمكنه ذلك للخسائر الباهظة التي تكبدها، فيما تريد أنقرة أن تفرض «الشرعية» الممهدة لاجتياح قواتها شرقي الفرات بذريعة أنها منطقة مضطربة وغير آمنة وتشكل تهديداً لأمنها القومي، خصوصاً بعدما أدركت أن الأمور تتجه لصالح انسحاب أمريكي قد يستغرق عدة شهور، وأن السيطرة على منبج أو إقامة «منطقة آمنة» لن تكون سهلة في ظل تنامي الرفض الكردي والسوري الحكومي وكذلك روسيا التي تطالب بوضوح بتسليم المنطقة كلها إلى دمشق، كما أن أنقرة لا تستطيع إبقاء حشود عشرات الآلاف من قواتها ومقاتلي الفصائل المتعاونة معها في حالة استنفار لعدة شهور. الاستعجال التركي كان واضحاً تماماً في لهجة الرئيس رجب طيب أردوغان الذي تحول سريعاً إلى ما يشبه وكالة الأنباء، حيث نقلت عنه وسائل الإعلام تفاصيل الهجوم في منبج والخسائر البشرية، وفي ردة فعله الأولية على التفجير الانتحاري حينما اعتبر أن الهجوم ربما كان يهدف إلى ردع الولايات المتحدة عن سحب قواتها، قبل أن يستدرك بأنه لا يعتقد أن الرئيس ترامب سيتراجع عن قراره «في مواجهة هذا العمل الإرهابي. ولكن ماذا لو قررت واشنطن البقاء للتأكد من هزيمة «داعش» جغرافياً، على الأقل؟ عندها قد ينقلب السحر على الساحر وتصبح أنقرة في ورطة حقيقية ربما تكون لها تداعيات خطيرة على الدور التركي برمته في الساحة السورية.

==========================


الحرب بالتجويع

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 19/1/2019

ليس هناك ما هو أشد طرافةً من رئيسٍ يحتفل يوميا بانتصاره على شعبه، في حربٍ استمرت قرابة ثمانية أعوام، لكنه ما إن يتلقى رسالةً تُعلمه بعض ما يعانيه السوريون من أهوال بعد انتصاره، حتى تعلن أجهزته أن غرض من حثّوه على الالتفات إلى مأساة الشعب الذي يقتله الفقر والحرمان هو تقويض مكانته (الرئيس) لدى الشعب. هكذا، ما إن شكا في "فيسبوك" أربعة أو خمسة إعلاميين وفنانين موالين سوء حالهم، حتى هدّدوا مكانة من لم تهدّده ثورة أنزلت ذات يوم ثمانية ملايين مواطنة ومواطن إلى الشوارع، للمطالبة بالحرية، على الرغم من أن هذه الأجهزة نفسها أصرّت دوما على أنه دحر "مؤامرة كونية" على نظامه، بفضل قدراته الخارقة، وتعلق الشعب به إلى حد الهيام، فضلا عن استماتته في التمسّك بالاستقلال الوطني الذي استدرج، بحنكته المذهلة، من يدافعون عنه، كالروس والإيرانيين والعراقيين واللبنانيين والأفغان والأوزبك والبنغلادشيين، ضد من يحتلون أرضه من أميركان وأتراك وإسرائيليين وفرنسيين وبريطانيين ونرويجيين وإيطاليين.. إلخ، ويتصدّون ببسالةٍ للدواعش والقاعديين، وللعدو القديم: الشعب السوري الذي ما إن انتصر على نفسه، بقيادته، حتى وجد نفسه في حرب جوعٍ وركوع، يشنها عليه من انتصر على الصديق والعدو، وتلاعب بهما باقتدار، من دون أن يدركا ذلك، لشدة ما هو فظيع.

وكان الشعب قد طالبه بإصلاح نظامه، فرأى بثاقب بصيرته "المؤامرة الكونية"، الكامنة وراء مطلبه، وقرّر سحقه بما لديه من جيشٍ ومخابراتٍ درّبهم والده ثلاثين عاما على مقاتلته، ولدى روسيا وإيران ومرتزقتهما من "متطوعين". واليوم، وبعد "الانتصار" الذي أحرزه جيشا روسيا وإيران ومرتزقتهما متعدّدو الجنسية، الذين لا يوجد بينهم شخص واحد ليس مذهبيا ومتشدّدا، على إسرائيل وأميركا وتركيا، وبعد أن انتشرت هذه الجيوش والقطعان الارتزاقية في أربعة أقطار سورية، نتيجةً لدحر "المؤامرة الكونية"، تحولت سورية إلى ساحةٍ يتصارع فيها مع روسيا وإيران، كما تتصارع موسكو وطهران، إلى جانب تركيا وإيران وواشنطن وأنقرة وطهران، وتل أبيب وطهران... إلخ، فأي انتصارٍ أعظم من هذا الانتصار، وأي رئيسٍ لديه من الحنكة ما لدى "سبع البرمبه" بشار الأسد ، بطل الاستقلال والمحافظة على الشعب.. في المهاجر والمنافي وتحت الفقر؟

بين الاستغاثات التي أرسلت إلى البطل، واحدةٌ يعلن صاحبها أنه قرّر الانتحار يوم 18 من شهر يناير/ كانون الثاني الجاري، إن بقي الحال على ما هو عليه، وأخرى أرسلها شخصٌ نفش شعره لشدة استيائه، خيّره بين إرسال المخابرات لاعتقاله أو التحرّك لإنقاذ نفسه والنظام من ... "حكومته الداعشية" التي تتآمر مع وزارة الدفاع على الجيش، الأمل الوحيد الباقي، لكنه يتعرّض للتجويع والتفييش.

بسبب "الانتصار على المؤامرة الكونية"، يتعرّض السوريون لحربٍ جديدة، لم يعد سلاحها البراميل، بل التجويع الذي تمارسه عليهم سلطةٌ يتوهم أصحاب الاستغاثات أنه لم يبق فيها من ليس فاسدا أو لصا غيره، وأنه الملاذ الأخير قبل انفجار ثورة غضبٍ جديدةٍ على الذين يتنعّمون بـ"ما جنته أيديهم" من منهوبات المواطنين، وبنادقها مصوبة إلى رؤوسهم بالأمس وأمعائهم الخاوية اليوم، في حرب سلاح الإبادة الشامل فيها: رغيف الخبز الذي لا يقل فتكا عن أي سلاح أسدي آخر.

يتوجّه المستغيثون إلى "الرئيس"، كأنهم لا يصدّقون أن من أنقذه الغزاة مرتين لا يمكنه إنقاذهم، لأن همه الوحيد إنقاذ رأسه ونظامه التشبيحي/ اللصوصي الذي يتشدّق بانتصاره على مؤامرةٍ كان هدفه شعب سورية الثائر عليه، والذي قتله بالأمس بالبراميل، وسيقتله، من الآن فصاعدا، بالتجويع.

==========================

هل بدأت ثورة المؤيدين في سوريا؟

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 19/1/2019

ترتفع في سوريا هذه الأيام حدة الانتقادات للنظام، ليس في أوساط المعارضة المعهودة أصلاً، بل في صفوف الموالين والمؤيدين الذين يبدو أنهم شربوا حليب سباع على عجل، وراحوا يلطمون يميناً وشمالاً مستهدفين رأس النظام بشكل مباشر، إلى حد جعل البعض يتساءل: «من أين جاءتهم هذه الشجاعة النادرة وهم الذين كانوا يخشون انتقاد رئيس بلدية فما بالك بالرئيس السوري»؟ وقد بدأ الأمر بالمناشدة عن طريق الممثلة شكران مرتجى، لكن أيمن زيدان تجاوز المناشدة وطالب الرئيس بإعادة كبرياء سوريا المهدور. بينما راح شبيح معروف بالتهجم على شخص الأسد شخصياً قائلاً له: «أملنا بك أصبح صغيراً جداً». ثم ظهر مؤيد مسيحي معروف ليقول للأسد: «ربما استطعت القضاء على المعارضة، لكن عليك أن تعلم أنه لم يعد لديك مؤيدون».

وظهر الإعلامي المؤيد رضى الباشا في فيديو يقول فيه للأسد: «لم يبق لنا إلا أن نناشد الرئيس أردوغان كي ينقذنا من الحكومة السورية الفاشلة». البعض اعتبرها لعبة مخابراتية مفضوحة للتنفيس على طريقة مسرحيات دريد لحام الشهيرة التي كانت تتطاول على الجميع بطريقة مدروسة وممسوكة، لكن لا بد من الإشارة إلى أن السيل في سوريا قد بلغ الزبا فعلاً وأن السوريين بعد الثورة ليسوا كما قبلها.

وهنا أريد أن أقتبس من مقال مهم ومثير لأحد السوريين في الداخل وهو من المحسوبين على معسكر النظام، لكن ما كتبه بصراحة سيروق لكل السوريين سواء كانوا مؤيدين أو معارضين. ويأتي الكلام بعد الأداء الهزيل للفريق السوري في مباريات كأس آسيا حيث خسر أمام فلسطين والأردن وأستراليا بطريقة مذلة. ويتساءل غسان المعلم في هذا السياق: «من المجنون الذي يعتقد أنّنا خرجنا من التصفيات منذ ساعات؟ نحنُ خارج كلّ التصنيفات المعتمدة في العالم المتحضّر. جامعاتنا خارج التصنيف! ومناهجنا الأسوأ. جوازات سفرنا هي الأضعف في هذا العالم حتى أن جزر القمر تحتاج لفيزا. مستوانا في الفساد هو المركز الأخير منافسةً مع الصومال كمواطنين… وفي القرن الواحد والعشرين لا زلنا خارج نطاق المعمورة.. بلا أيّة خدمات ورواتب وبأقسى ظروف معيشيّة يمكن أن تمرّ على وطن ما».

من المجنون الذي يعتقد أنّنا خرجنا من التصفيات منذ ساعات؟ نحنُ خارج كلّ التصنيفات المعتمدة في العالم المتحضّر. جامعاتنا خارج التصنيف! ومناهجنا الأسوأ

ويضيف: «وطن انقسم بين مؤيّد ومعارض ومقاوم وخائن وبين داخل وخارج وبين انتماء لجهة وانتماء لجهات ونسينا التراب والتاريخ بل إننا انهلنا عليه بكلّ قوّة للتغيير.. ونسينا أننا السادة السوريون. لقد خرجنا منذ سنين عديدة.. خرجنا بمجالس الشعب الوهميّة ومجالس الإدارة المحليّة والتي يعلم أصغر فرد بسوريا بأن كلمة عضو تعني القيمة الفلانيّة من الليرات. خرجنا لأننا لم نُسقط وزارة أو مجلساً محلّياً أو حجبنا الثقة عن مختار حيّ صغير».

خرجنا لأننا واظبنا على الترشيحات والتعيينات ونيل الثقة. خرجنا لأنّ قضاءنا عبارة عن سمسرة وصفقات. خرجنا لأننا نخاف من سيارة بيجو ستيشن بدلاً من أن تكون الثقة هي العنوان بين المواطن والأمن وليس الذعر والهلع. خرجنا لأن كلّ المسؤولين بلا استثناء أصبحوا في قصور عاجيّة ولا زلنا نصفّق ونطبّل أمامهم عندما (يخرطوننا) ذات الشعارات الخشبيّة عن الصمود والتصدّي، بينما دفاتر عائلاتهم تخلو من شهيد.. وحساباتهم البنكيّة تضجّ وتعمّ وتفيض بالدولارات. خرجنا.. لأن الأعداء يخطّطون لقهرنا منذ عشرات السنين.. ومسؤولونا يعنّفون الصارخ بالخطر. ويمرّرون الوقت «بفشروا وخسئوا، وبدنا نلعن أبوهم إذا بيقرّبوا علينا، وأبواب جهنّم سنفتحها وسننتصر وس س س س». وللأسف… السوريون الشرفاء كلّهم في جهنّم، يضيف المعلم.

خرجنا لأننا استبدلنا التوكّل بالتواكل.. ورضينا بكبح جماح العقل واستبدلناه بقُبلات الأيادي والعمائم ودعواتهم لنا بالنصر ودعائنا لهم بالحمد بعد سلب بقايا الفكر والمال. خرجنا.. لأننا أضعنا البوصلة.. البوصلة هي المواطن قبل أي بقعة جغرافية لن تتحرّر بالدعاء. أضعنا الإنسان.. وقضينا على شذرات كرامته عمداً بتدجين مدروس من دويلات الفساد العميقة المتشابكة.

اليوم خرجنا من كأس آسيا.. وغداً من شمال سوريا وبحسب ترامب وأردوغان سيتمّ تقاسمه، وعلينا العمل بدلاً من الشعارات ونقد الناقدين. الذي بعده قد نخرج خارج درب التبّانة إذا بقينا على ذات المنوال ولا زلنا نراوح بذات المكان…

عندما يكون المواطن السوري إنساناً وليس رأس قطيع بحجّة المؤامرات والدسائس وشلّة الإمبريالية سنصحو على وطن حر كريم. وينتهي غسان المعلم نواجه ككل السوريين المتألمين بالسؤال الذي يطرحه كل الشعب السوري بلا استثناء: «هل فعلاً أننا في سوريا نعيش؟»

==========================

وحوش الباطنية

بقلم : يحيى حاج يحيى

يقتلون أطفالنا بمنتهى الوحشية والإجرام ؟! ماظنهم لو وقع أطفالهم بأيدينا ؟ هل سنفعل مافعلوا ؟! لانفعل ، لأن إسلامنا العظيم ينهانا عن ذلك ! فنحن حضارة تصون الإنسان ، وهم تخلف وهمجية وانحطاط وقذارة ؟!

أســيافاً كنّا لامعةً تحت الشمـس ِ

وسـكاكينٌ أنتم، وخناجرُ في الغلسٍ

** دخل أحد أطفال المشركين ، على أسير مسلم ، بعثته أمه بسكين إليه ،ثم ندمت وظنت أنه يقتله ؟! لأنه سيُقتل ، فخافت !؟ فأجلسه على فخذه يلاعبه وقال :أما خشيت عليك أمك ؟! ونظر إليها وقال مطمئناً: إن ديني ينهى عن هذا !!!

فنحن نمثل الأمة بحضارتها ، وأنتم ..... زبالة ولا أزيد ؟!

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com