العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03-01-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

2020: نقاط الضعف والقوة لدى اللاعبين الدوليين في شمال غربي سوريا

إدلب - ثائر المحمد

سوريا تي في

الخميس 31/12/2020

أخذت العمليات العسكرية في منطقة شمال غربي سوريا منحىً تصاعدياً مطلع عام 2020، بين طرفين يتمثل الأول بروسيا وقوات نظام الأسد والميليشيات الإيرانية، والثاني بفصائل المعارضة السورية التي تدعمها تركيا، وكان القتال بطبيعة الحال في الأسابيع الأولى من العام امتداداً لمعركة حامية الوطيس انطلقت في بداية عام 2019، سعياً من روسيا لقضم ما أمكن من محافظة إدلب وما يحيط بها من أرياف حلب وحماة واللاذقية.

وشهدت الأيام الـ 60 الأولى من العام 2020 تطورات كبيرة، أجبرت تركيا على التدخل المباشر بآلاف الجنود وتحديداً بعد أن تعرض رتل تركي في جبل الزاوية لقصفٍ مدفعي من قوات النظام أدى إلى مقتل 33 جندياً دفعة واحدة في 27 من شهر شباط/فبراير.

وأعلنت وزارة الدفاع التركية في الرابع من آذار أن قواتها تمكنت -في إطار عملية درع الربيع- من تحييد 3138 عنصراً للنظام وإسقاط 3 طائرات و8 مروحيات و3 طائرات دون طيار، كما أعلنت عن تدمير 151 دبابة و52 راجمة صواريخ و47 مدفعية و8 منصات دفاع جوي.

في الخامس من شهر آذار اجتمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في العاصمة الروسية موسكو للوصول إلى اتفاق ينهي الأعمال العسكرية في إدلب.

ومنذ ذلك الحين لم تشهد خريطة السيطرة شمالي غربي سوريا تغيراً يذكر، لكن المنطقة شهدت من جانبٍ آخر صراعاً دامياً بين هيئة تحرير الشام، وفصائل توصف على أنها متشددة كحراس الدين، كما لوحظ تنامٍ بسيط لخلايا تنظيم الدولة في إدلب ومنطقة شمالي وشرقي حلب، مع استمرار المناوشات الروتينية بين الجيشين الوطني السوري والتركي من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى على طول الحدود الفاصلة بينهما في حلب والرقة والحسكة.

خلال الأشهر التسعة الماضية كان الشغل الشاغل للجيش التركي هو تعزيز قواعده العسكرية في إدلب وما حولها، وإنشاء قواعد جديدة لا سيما في جبل الزاوية الذي احتضن ما يزيد على 25 نقطة، تشكّل بفعلها جدار يحيط بالجبل ويمنع أي محاولات اختراق متوقعة.

وبدورها أعادت الفصائل ترتيب أوراقها بعد النزيف الذي عانت منه على مدى عام كامل من المعارك المتواصلة، وعملت بعد وقف إطلاق النار على إخضاع جنودها لمعسكرات تدريبية، في محاولة لتجاوز العثرات وسد الثغرات التي كشفها الهجوم الروسي.

أما على الصعيد الداخلي، فقد شهدت إدلب في شهر حزيران صراعاً بين هيئة تحرير الشام من جهة، وغرفة عمليات فاثبتوا التي تضم 4 جماعات وهي حراس الدين وجبهة أنصار الدين وتنسيقية الجهاد ولواء المقاتلين الأنصار من جهة أخرى.

سيستعرض التقرير في الجزء الأول منه، حجم المشاركة العسكرية للأطراف الدولية الثلاثة في معارك شمال غربي سوريا الأخيرة، وهنا نتحدث عن روسيا وتركيا وإيران، إضافة إلى تحليل نقاط القوة والضعف لدى كلٍ منها، سواء على الصعيد العسكري أو المالي والسياسي والعنصر البشري.

أما الجزء الثاني من التقرير الذي سينشر لاحقاً، فسيتم التركيز فيه على القوى المحلية وهي: الجيش الوطني السوري - الجبهة الوطنية للتحرير - هيئة تحرير الشام - تنظيم حراس الدين والفصائل المرتبطة به - جيش العزة - قوات سوريا الديمقراطية - خلايا تنظيم الدولة.

أولاً: روسيا ونظام الأسد

تفوقت روسيا بسلاح الجو الذي أحدث فارقاً كبيراً مع مرور الوقت، إذ تكفل الطيران الحربي الروسي، وطائرات النظام الحربية والمروحية بتدمير واستهداف مختلف النقاط التي تتحصن فيها الفصائل في منطقة ما، قبيل الزج بعناصر المشاة لاقتحامها.

ساهم طيران الاستطلاع الروسي كذلك في إيقاع خسائر لدى الفصائل، وبثت وسائل الإعلام الروسية فيديوهات مصورة متعددة تظهر لحظة رصد آليات الثوار الخفيفة والثقيلة، بل وحتى الأفراد، قبل إرسال الإحداثيات للطيران الذي يقوم بدوره بقصف الهدف المرصود بشكل فوريّ.

وكان لاستخدام روسيا معدات متطورة خاصة بالهجمات الليلية أثر كبير في المعارك أيضاً، حيث لجأت القوات الخاصة الروسية لشن هجمات ليلية ضد نقاط فصائل المعارضة، مستخدمة مناظير وقناصات حرارية، وقد أدى ذلك إلى خسائر في صفوف الفصائل، التي حاولت لاحقاً التماشي مع الأسلوب وتقويض التفوق الروسي فيه.

سياسياً، نجحت روسيا عبر استخدامها حق النقض الفيتو، في مجلس الأمن، بعرقلة أية قرارات من شأنها إيقاف الهجمات ضد المدنيين في إدلب.

بالمقابل، افتقر عناصر النظام للمهارات القتالية، كون الغالبية العظمى منهم سيق إلى المعركة بعد اعتقاله من منزله أو من على أحد الحواجز لتجنيده ثم زجه في المقدمة.

ومن إحدى النقاط التي أضعفت تلك القوات، هو تكبدها لخسائر بشرية وعسكرية جسيمة، بفعل الكمائن المحكمة التي نفذتها فصائل المعارضة، واستخدامها المكثف للصواريخ المضادة للدروع في استهداف آليات وحتى أفراد الخصم، ومشاركة الجيش التركي مباشرة مطلع العام في الهجمات ضد قوات النظام، عبر سلاح المدفعية الثقيلة، والصواريخ المضادة للطائرات، والطائرات دون طيار التي أثقلت كاهل النظام وأفقدته مئات العناصر وعشرات الآليات.

وأدى قصف الفصائل بعيد المدى، والذي كان يستهدف مواقعَ في اللاذقية وحماة، لا سيما قاعدة حميميم العسكرية، ومطار حماة العسكري، ومهبط جب رملة للحوامات غربي حماة، وغرف العمليات الروسية، إلى إحداث خلخلة لدى موسكو.

مدير قسم البحوث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية معن طلّاع ذكر بدوره جوانب القوة والضعف لروسيا في حملتها الأخيرة، حيث قال إن موسكو نجحت في تثبيت دينامية خاصة في التعاطي مع تركيا، إذ تستخدم القوة لقضم بعض المناطق ثم تذهب وتثبتها لصالحها خلال المفاوضات السياسية.

وقال "طلّاع" خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا "تتمتع روسيا في امتلاك عامل المبادرة الاستراتيجية بالمعنى العسكري، فهي صاحبة القول الفصل في تحديد توقيت العمليات العسكرية ومساحتها وحجمها، ولكن في الوقت ذاته يمكن الإشارة إلى عدد من العوامل المحدِدة للجانب الروسي، ومنها عدم قدرة النظام على الحفاظ على المكاسب الاستراتيجية دون وجود موسكو المستمر".

وأما الباحث عباس شريفة فقد أفاد لموقع تلفزيون سوريا بأن نقاط القوة التي تعتمد عليها روسيا سياسياً وعسكرياً هي ذريعة محاربة الإرهاب ووجود فصائل مصنفة على قوائم الإرهاب، وأن تدخلها العسكري في سوريا يأخذ شرعيته من استدعاء نظام ما زال معترفاً به دولياً، ومن وجهة نظر "شريفة" فإن نقطة الضعف لموسكو تمثلت بالرفض الشعبي للدور الروسي الذي جاء لصالح النظام ضد الشعب السوري.

 ثانياً: تركيا

في المعارك ضد قوات النظام، تفوق الجيش التركي من خلال استخدامه للطائرات المسيرة في رصد وقصف آليات النظام، كما لجأ إلى الصواريخ المضادة للطائرات لإسقاط مقاتلات جيش الأسد وحواماته بمجرد تحليقها في أجواء مسرح العمليات.

واتخذت تركيا من النقاط الاستراتيجية الحاكمة قواعدَ عسكريةً، فعمدت إلى الاستفادة منها قدر الإمكان في رصد تجمعات النظام، ومراقبة الطريقين الدوليين M5 (حلب - دمشق) وM4 (حلب - اللاذقية).

وتفوقت تركيا أيضاً على النظام في مجال التكنولوجيا، خاصة بعد أن بدأت بالتشويش على الطائرات التي تنطلق من المطارات لتنفيذ مهام القصف في إدلب، الأمر الذي أعاق عملها بشكل كبير، وأجبرها في كثير من الأحيان على العودة من حيث انطلقت دون تنفيذ أي مهمة.

لكن على الطرف الآخر عانت أنقرة خلال العملية من عدم قدرتها على إشراك سلاح الطيران الحربي، كون دخول المقاتلات التركية إلى أجواء إدلب بحاجة لتنسيق مباشر مع روسيا، ورغم ذلك استطاعت أنقرة إشراك طائرات F16 بحذر وبشكل محدود، وربما لمرة واحدة وحينها استطاعت إسقاط طائرة حربية للنظام في ريف إدلب الجنوبي، بعد استهدافها بصاروخ جو - جو من طائرة F16 كانت تحلق قرب المناطق الحدودية في ريف مدينة حارم غربي إدلب.

ولعب القصف الذي طال نقاط المراقبة التركية في إدلب من قِبل النظام دوراً في خلط أوراق أنقرة وتشكيل حالة من الضغط عليها، خاصة بعد أن خسرت في ساعة واحدة 33 جندياً بقصفٍ طالهم في جبل الزاوية.

ومما أضعف الموقف التركي أيضاً هو غياب الدعم العسكري الملموس من الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، واكتفاء الطرفين في إبداء الدعم عبر التصريحات الصحفية فقط.

وربما كان لغياب شرعية التدخل التركي في سوريا -وفق مفاهيم الأمم المتحدة- دور في إضعاف الدور التركي، على عكس ما حصل في ليبيا وأذربيجان، إذ كان تدخل أنقرة فيهما شرعياً بطلب من الحكومة المعترف بها دولياً في كل منهما.

وبهذا الجانب قال الباحث في مركز جسور للدراسات عبد الوهاب عاصي إن "الانخراط للجيش التركي في العمليات العسكرية ضد قوات النظام السوري من نقاط القوة التي تحسب لأنقرة، إضافة للانتشار الكثيف لقواتها في إدلب، حتى باتت النقاط التابعة لها تُشكّل خطوط دفاع وصد، يصعب الالتفاف عليها إلا بالاشتباك المباشر، على خلاف التوزع السابق لنقاط المراقبة".

ومن نقاط القوة بالنسبة لتركيا، التي ذكرها "عاصي" في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، كسر فارق القوة لدى روسيا والذي يعتمد على السيطرة الجوية، فالطائرات الحربية المسيرة التركية أثبتت قدرة عالية على تقويض القدرة العسكرية للنظام السوري.

ولخّص "عاصي" نقاط تفوق تركيا المتبقية بالآتي: تزويد فصائل المعارضة بالمعدات اللوجستية التي تُقلّص قدرة النظام وحلفائه على المناورة لا سيما في الهجمات الليلية إذا ما انهار وقف إطلاق النار مجدداً، وقدرة الدبلوماسية الشخصية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان على منع التصادم بين تركيا وورسيا وتحويل الخلاف إلى فرصة جديدة للتعاون الوثيق بين الطرفين، ومحاولة تركيا لتعزيز موقفها الدبلوماسي في إدلب عن طريق حشد موقف غربي داعم لها يساعد على استمرار وقف إطلاق النار، وعلى هذا الأساس تم عقد النسخة الثانية والثالثة من القمة الرباعية خلال عام 2020.

يقابل ذلك جوانب سلبية لتركيا في ملف العمليات العسكرية في إدلب، أولها -حسب عاصي- فارق القوة مع روسيا والذي قد يجبر أنقرة على تقديم تنازلات تجنباً لأي صدام محتمل، وفي أحسن الأحوال تثبيت الانهيار مثلما حصل في اتفاق موسكو في آذار، بالإضافة إلى هيمنة هيئة تحرير الشام على القرار العسكري، ما يعيق القدرة على تشكيل كيان عسكري على درجة عالية من التنسيق، لا سيما مع صعوبة التعويل على نتائج سريعة لاستراتيجية الاحتواء المتبعة من قبل تركيا، وأيضاً إصرار الولايات المتحدة على اقتصار الدعم لتركيا بالأمني واللوجستي دون العسكري في إدلب مثل منظومة صواريخ باتريوت.

من جانبه يقول عباس شريفة "كانت نقطة الضعف التركية هي الحاجة المستمرة لعقد اتفاقات وتفاهمات مع روسيا والولايات المتحدة الأميركية لتحديد نوع ومستوى وحدود الدور العسكري الذي ستعلبه في سوريا، وضعف القدرة على إدارة المناطق المحررة من خلال القوى المحلية".

ويضيف "لكن كانت نقطة قوة أنقرة هي بالرضى الشعبي والحاضنة الشعبية عن الدور التركي الذي ساهم في تخفيف معاناة الشعب السوري الناجمة عن هجمات النظام وروسيا، واستناد الدور التركي السياسي إلى قرارات مجلس الأمن بينما كانت روسيا تحرص دائماً على خلق مسارات سياسية موازية لتفكيك العملية السياسية وتأهيل النظام السوري".

الخبير العسكري عبد السلام عبد الرزاق أشار لموقع تلفزيون سوريا إلى أن تركيا عززت قواتها ومواقعها في الشمال السوري خلال العامين الماضيين، وزودت قواعدها على كامل خطوط التماس بالسلاح والعتاد والأفراد، واستطاعت بالاستفادة من المعارك الأخيرة إعادة تقييم الوضع الميداني وتنظيم الفصائل المقاتلة ضمن تشكيلات عسكرية شبه نظامية.

ولفت إلى أن الساحة السياسية شهدت مؤخراً جموداً وعدم توافق بين روسيا وتركيا، تطور أحياناً إلى معارك أو محاولات لتغيير خارطة السيطرة، لكن حجم القوة العسكرية التركية في الشمال أحدث توازناً واستطاع لجم روسيا وطموحها في السيطرة على باقي الأراضي السورية.

ثالثاً: إيران

دور إيران خلال العمليات العسكرية الأخيرة كان ثانوياً إلى حد ما، بسبب تصدر كل من تركيا وروسيا للملف عسكرياً وسياسياً، ومع ذلك نجحت الميليشيات الموالية لإيران في وضع قدم لها بالمناطق التي تقدمت إليها قوات النظام، حيث أنشأت قواعد عسكرية في محيط مدينة سراقب، وفي ريف إدلب الجنوبي، وريف حلب الغربي.

وأكد معن طلاّع أن تطورات منطقة خفض التصعيد الرابعة (شمالي غربي سوريا) وما تبعها من اتفاقيات، ساهمت في تنامي النقاشات الثنائية التركية الروسية، وتضاءل الفاعلية الإيرانية.

وأوضح أن طهران اتجهت إلى إعادة تعريف انخراطها النوعي في المشهد العسكري شمال غربي سوريا بثلاثة أدوار رئيسية، الأول: التأثير على رسم الأحداث الميدانية عبر وجودها النوعي وقدرتها على الاستفادة من الاتفاقيات بما لا يتعارض مع غاياتها، والثاني: الضغط على النظام ودفعه لخرق وقف إطلاق النار.

ويرى "طلّاع" أن الدور الثالث يكمن في إرسال رسائل وتصريحات مفادها "أنا (إيران) موجودة في خارطة المصالح، ويجب مراعاة مصالحي"، وذلك طمعاً بالعودة لزخمها في مسار أستانا وللتأكيد على أن مصالحها لم تتضرر بمقتل قاسم سليماني.

واقتصر دور إيران في عام 2020، على غرار عام 2019، وهو دعم جهود روسيا عسكرياً ودبلوماسياً دون أي تعطيل، ربما لأنّ تركيزها منصب على ضمان حضورها والحفاظ على مكاسبها شمال البلاد، حسبما يرى الباحث عبد الوهاب عاصي.

وبدا الدور الإيراني -وفقاً لعباس شريفة- أكثر ضعفاً بعد حصر تفاهمات الشمال بين روسيا وتركيا، واستمرار القصف الإسرائيلي للمواقع الإيرانية، ما أسهم عموماً بضعف الحضور الإيراني على الأرض وامتلاك زمام المبادرة، لذلك بقيت التحركات الإيرانية العسكرية مرهونة بالغطاء الروسي الجوي رغم وجود الميليشيات الموالية لطهران في حدود ريف حلب الغربي وإدلب.

وأرجع الخبير العسكري عبد السلام عبد الرزاق محدودية دور إيران إلى زيادة وتيرة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وتصاعد الضربات الجوية الإسرائيلية لأهداف ايرانية في سوريا، ومقتل قاسم سليماني، بالإضافة إلى صراعها مع روسيا على النفوذ الذي حُسم لمصلحة موسكو.

المآلات

ذكر الباحث معن طلّاع أن ملف الشمال مرتبط بالملف السوري بشكل عام، وتوقع أن تسهم العطالة السياسية في تكيّف الجميع مع فكرة تجميد الصراع العسكري إلى حد ما، واختبار مسارات أخرى منوطة بـ اللقاءات والتفاوضات المعلنة وغير المعلنة.

ورجح حدوث نقاشات لمحاولة تشكيل مظلة سياسية في شمالي سوريا، وأما عسكرياً فأشار إلى احتمالية وجود عمليات محدودة الأثر سواء من جانب تركيا أو روسيا (في شرق الفرات وإدلب).

بدوره توقع الباحث عباس شريفة بقاء الوضع على ما هو عليه بالنسبة للعملية السياسية في سوريا، في ظل استمرار تعنت نظام الأسد.

وأما النقيب عبد السلام عبد الرزاق فقد قال "سوريا مقبلة على انتخابات وإن لم يكن هناك إرادة دولية بالحل، فسيترك المجرم بشار ليبقى في الحكم ومجرد ترشحه يعني أنه لا حل في سوريا إطلاقاً، ولكن هناك فرصة كبيرة للدول الفاعلة لإنهاء الصراع في سوريا ووقف القتل والتدمير بمنع المجرم من الترشح ومحاكمته أو على الأقل إبعاده عن التسلط على الشعب السوري، وحتى حين فرض الحل السياسي، لا أعتقد أن يحصل تغيير كبير في مناطق السيطرة، باستثناء بعض التغيرات بمناطق سيطرة قسد".

===========================

موقفنا : الخطوط العريضة في نجاحات المشروع الوظيفي الصفوي .. قال الجدار للمسمار: لم تشقني؟ أجاب : سل من يدقني

زهير سالم

مركز الشرق العربي

3/ 1/ 2021

لم تنجح الثورة الخمينية في إيران ، إلا بجواز عبور من الراعي الامبريالي العالمي بزعامة الولايات المتحدة، وقادة المشروع الصهيوني مباشرة . فأي ثمن كان لجواز العبور ذاك ؟؟ وأيّ دور أدته إيران الخميني ، ولم تكن لتقدر عليه إيران : رضا شاه بهلوي ؟؟؟؟؟

كان كل المحللين السياسيين الذين يتحدثون عن منطقتنا في ستينات وسبعينات القرن الماضي ، يتحدثون عن دور شاه إيران "رضا بهلوي" كشرطي أمريكا الأول في المنطقة !!

كنت طالبا في الصف الثاني أو الثالث الإعدادي " 1962 - 1963" عندما هُرعت الدول العربية الخليجية وبزعامة الملك فيصل رحمه الله تعالى ، إلى تشكيل ما سمي يومها " الحلف الإسلامي " والذي قام يومها على أنقاض حلف بغداد ، حلف بغداد لم يهدم ، ولكن انحل عقده عمليا بالانقلاب الذي قاده عبد الكريم قاسم في العراق. لا أعرف كثيرا عن الحلف الإسلامي ، فأنا أكتب لكم من ذاكرة فتى كان عمره خمسة عشر عاما، فسامحوه إن كتب كلاما ساذجا ، لا أعرف كثيرا عن الحلف الإسلامي غير ما كان يهدر به إعلام عبد الناصر ، وإعلام البعث في سورية ضد ذلك الحلف في تلك الأيام. وكنت أقرأ على الجدران في غدوي ورواحي إلى مدرستي إعدادية المعري عبارات : يسقط الحلف الإسلامي ... والموت لخونة الحلف الإسلامي .

نعم أنا من جيل تربى على الريبة من جميع تلك الأحلاف، وعشقنا لأمر ما فكرة " الحياد الإيجابي وعدم الانحياز " التي كنا نظنها حقيقة واقعة، وكم هتفنا لمثل مؤتمر "باندونغ " " عبد الناصر - ونهرو - والرئيس الأندونيسي أحمد سوكارنو " ..

ولكن الذريعة التي تحدث عنها المحللون يومها أن قيام الحلف الإسلامي يومها كان خوفا من المد الثوري اليساري التقدمي العربي – هكذا كان يوصف – الذي كان يتزعمه الاتحاد السوفييتي ومن أمامهم قادة الانقلابات من الضباط العرب وأضرابهم. في كل البلدان.

بالعودة إلى الواقع، نعتقد أن مشروع إيران الصفوية قد نجح أيما نجاح على ثلاثة محاور رئيسية :

- المحور الأول: بعث المشروع الطائفي، تعميق الشرخ على مستوى الأمة، والذي ظن قادة الأمة الحقيقيون أنهم تجاوزوه . وأي مراقب عاقل يعود إلى الخطاب الجماهيري والنخبوي الذي كان سائدا في خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي ، ليبحث عن جذور أو تمظهرات هذا الخطاب فنظنه لن يحظى بغير القليل ..

لقد كان تمزيق بنية الأمة جغرافيا وديموغرافيا مطلبا استراتيجيا لكل الطامعين فيها ، وفي مقدمتهم الصهيوني الذي عجز في هذا العصر أن يغني بالعبرية أشعار يوم بعاث. ونجحت طهران الولي الفقيه فيه أيما نجاح.

- المحور الثاني : محور الهيمنة والنفوذ ، والقتل والتدمير، عن طرق كثيرة أولها نظرية " الولي الفقيه " نفسها التي جعلت كل شيعي في العالم، مهما كان وطنه وجنسيته، مرتبطا بالولي الفقيه ارتباط ولاء وسمع وطاعة، وآخرها بعمليات الغزو المباشر، والإبادة الجماعية ، والتهجير القسري، وبالطريقة نفسها التي اتبعها العدو الصهيوني في فلسطين غداة النكبة كما في مذابح قبية ودير ياسين .. ولكن على مساحة في الجغرافيا تشمل العراق وسورية ولبنان واليمن . ويشمل في الديمغرافيا 100 مليون إنسان باتوا – إن لم يبايعوا الولي الفقيه – بطريقة من الطرق ، مهددين بالإبادة والقتل والاعتقال والتعذيب والتهجير، وكان هذا انتصارا ثانيا لمشروع الطاغوت الصفوي المتحالف مع قوى الاستكبار العالمي ، وعلى كل الجبهات ..

- وتمثل النجاح الصفوي على المحور الثالث في إشاعة هذا الرعب الذي شلّ كثيرا من الأنظمة العربية ، فلم تجد أمامها ركنا تأوي إليه كما وجدته من قبل في مثل الحلف الإسلامي، وإنما وجدته فيما بتنا نسمع "التحالف الإبراهيمي " ، ونظن أن الولي الفقيه سيستحق على هذا الإنجاز أكبر جائزة من مشغليه. لفهم حقيقة هذا الاندفاع إلى الحضن الصهيوني، نتذكر المثل العربي : قال الجدار للمسمار لم تشقني؟ أجاب : سل مد يدقني ..

وكان المشروع الصفوي هو أول من دق ..هذه خطوط عريضة وكل ما عدا هذا الكلام لعلعة وشقشقة وهذر ...

معادلة اشتقاق المشروع الصفوي من المشروع الصهيوني ، وطبيعة العلاقة التكاملية – التفاضلية بينهما هي معادلة شديدة التعقيد ، متعددة المجاهيل. يصعب إدراكها على الذين تعلموا أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين. وجماعة معانا ..معانا .. وعليهم .. عليهم .. والذي يعشّينا هو راعينا يصعب عليهم استيعاب مثل هذه المعادلات.

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

تحليل آخر للمشهد السياسي السوري على عتبة السنة الجديدة

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 31/12/2020

قيل وكتب الكثير بخصوص فشل تجارب أحزاب وتيارات سياسية نشأت بعد اندلاع الثورة في العام 2011، ليضاف إلى فشل سابق لأحزاب معارضة سورية موجودة منذ الاستقلال أو بعده بسنوات قليلة، فشلها في تكوين أكثريات اجتماعية قادرة على إحداث تغيير. ولم يقتصر الأمر على أحزاب وتيارات منفردة، بل شمل أيضاً محاولات ائتلافية أو تحالفات ضمت عدداً من الأحزاب والتيارات، كالتجمع الوطني الديمقراطي في ثمانينيات القرن الماضي، وإعلان دمشق الذي ظهر في منتصف العقد الأول من القرن الحالي، أو المجلس الوطني السوري أو وريثه الائتلاف الوطني أو خلاصة هذا وذاك في «الهيئة العليا للمفاوضات» التي انخرطت في مفاوضات عبثية مع «لا أحد» تحت المظلة الروسية. من نافل القول إنها جميعاً في الطرف المعارض للنظام الكيماوي، أما بالنسبة للطرف الموالي، فتحليله يختلف تماماً، ولا يمكن تطبيق الأدوات نفسها في الحالتين، فهو إذن خارج اهتمامات هذا المقال.

أول ملاحظة يمكن التوقف عندها هي أن القوى الفاعلة، بدرجات وأشكال متفاوتة، تقع خارج اللوحة السياسية المعارضة برمتها. وإذا استثنينا الدول المنخرطة في الصراع السوري، سيبقى لدينا تياران كبيران فاعلان في الحقل السياسي السوري هما الإسلاميون والقوى الكردية، يملك كل منهما سلطة مسلحة على قسم من الأرض، ويدور صراع متناوب الاحتدام بينهما من جهة، وبين كل منهما و»عدوه الخاص» من جهة أخرى. فعدو التيار الإسلامي هو النظام وحلفاؤه، إضافة إلى القوى الكردية؛ في حين أن عدو هذه الأخيرة هو تركيا والتيار الإسلامي.

ما أسميته بـ»اللوحة المعارضة» هي واجهة سياسية بلا قوة فاعلة على الأرض، ويمكن اعتبار حركة الإخوان المسلمين بتفرعاتها المتعددة وشخصياتها «المستقلة» حالة بين بين، فلا هي موجودة كقوة مسلحة على الأرض، ولا هي غائبة عنها تماماً بسبب صلاتها الوثيقة بتشكيلات مسلحة إسلامية، كما بوجودها الرمزي كإيديولوجيا إخوانية. لكن الالتحاق التام للتيار الإخواني بالأجندة التركية قد يدخلها في تصنيف آخر يوحدها سياسياً مع الفصائل المسلحة الملحقة بالاحتلال التركي في مناطق الشمال، وهو ما يخرجها عملياً من «اللوحة المعارضة».

ولكن ما الذي يبقى من اللوحة المذكورة إذا نحن أخرجنا التيار الإسلامي منها؟

إن هناك تفكيراً لدى مختلف الأطراف باليوم التالي على نهاية الصراع، وربما تسرعت الهيئة بفكرة إنشاء هيئة الانتخابات من هذا المنطلق، فالصراع واللا-حل قد طالا أكثر مما يجب

تبقى «شخصيات» وتيارات صغيرة لا وزن لها يمكن جمعها تحت مظلة «الإيديولوجيا الوطنية السورية» وهي إيديولوجيا لأنها تفتقر إلى أي أساس متين بخلاف ادعاءاتها الكبيرة.

كأننا عدنا إلى المنطلق نفسه، أي ما اصطلح على تسميته بـ»أزمة الهوية الوطنية السورية» تلك الهوية غير القائمة على أي أسس موضوعية، ومكملها الموضوعي المسمى «تدويل المشكلة السورية» أي كف يد السوريين عن تقرير مصير سوريا. وهذا ينطبق ليس على المشهد المعارض وحده، بل كذلك على مقابله لدى النظام وبيئته الاجتماعية.

من المحتمل أن قليلين هم من يمكن أن يختلفوا مع هذا التشخيص، مهما بدا عالياً أصوات المنادين بسوريا ديمقراطية لكل السوريين، ومن باب أولى المنادين بسوريا الأسدية الأبدية.

هناك عامل إضافي دخل على المشهد السياسي السوري في السنوات الماضية بضجيج أقل ولكن بثبات، هو «المجتمع المدني» بمنظماته وشخصياته ومصادر تمويله. هو عامل مثير للجدل إن لم نقل إنه مرذول عموماً، سواء لدى بيئة الثورة أو بيئة النظام، يشبه في ذلك «العامل الكردي» الذي يشترك معه في نقطة أخرى هي أنهما مدعومان من «المجتمع الدولي» وبالذات من الولايات المتحدة. ولكن لا يمكن القول إن كلاً من منظمات المجتمع المدني و»قوات سوريا الديمقراطية» أو مجلسها السياسي، هما ممثلان لأجندة أمريكية أو غربية، على غرار القوى الملتحقة بالأجندة التركية، لا بسبب تعففهما عن ذلك، بل ببساطة لأن الغرب أو الولايات المتحدة ليست لديهما أجندة، بل حتى سياسة متسقة بشأن سوريا، إلى الآن على الأقل. في فترة سابقة، أيام الحرب على داعش لعبت قوات سوريا الديمقراطية دور مخلب القط المحلي لقوات التحالف، لكنها مرحلة انتهت، لذلك بات مصير «الإدارة الذاتية» في مهب الريح، وبخاصة بعد سماح إدارة ترامب لتركيا بغزو منطقة «نبع السلام» في الشمال الشرقي.

المبعوث الأممي السابق ستافان دي مستورا أدخل «ممثلي المجتمع المدني» إلى مسار المفاوضات العبثية، وبات هذا أمراً واقعاً يصعب التراجع عنه، في حين أن روسيا فشلت في إقناع تركيا برفع الفيتو الخاص بها على أي تمثيل كردي في مسارات التفاوض، على عبثيتها. نلاحظ، هنا أيضاً، ما يؤكد من جديد على انتزاع القضية السورية من أيدي السوريين وإمساك الدول المنخرطة بمصير سوريا بها.

أعلنت الهيئة العامة للمفاوضات الشهر الماضي عن تأسيس ما أسمته بـ»الهيئة العليا للانتخابات». كانت خطوة مفاجئة أثارت ردود فعل سلبية واسعة لدى الرأي العام المعارض الذي اتهم «الهيئة العامة» بأنها تستعد، بتلك الخطوة، للمشاركة في الانتخابات الرئاسية التي سيجريها النظام لانتخاب بشار الأسد لولاية جديدة من سبع سنوات. لا نعرف بصورة يقينية ما إذا تم سحب هذا المشروع تحت ضغط الرأي العام كما يقال، أم أنه تم بإشارة خفية من الراعي التركي أو لسبب آخر. ذلك لأن الجسم المعارض المذكور قلما أبدى اهتماماً بالانتقادات الموجهة إليه من قبل جمهوره المفترض. ما يتصل من هذه الحادثة بموضوع هذا المقال هو أن هناك تفكيراً لدى مختلف الأطراف باليوم التالي على نهاية الصراع، وربما تسرعت الهيئة بفكرة إنشاء هيئة الانتخابات من هذا المنطلق، فالصراع واللا-حل قد طالا أكثر مما يجب، وهناك مستجد عالمي لا بد من حسبان حساب انعكاساته المحتملة على الصراع السوري وآفاق نهايته، ألا وهو التغيير السياسي الذي حدث في واشنطن، وما تثيره التوقعات المختلفة من آمال أو مخاوف لدى مختلف الأطراف.

بصرف النظر عن نوع ومدى التأثير المحتمل للإدارة الأمريكية الجديدة بشأن سوريا، يمكننا القول إن حدود تأثير الإسلاميين على مصير سوريا تكاد تتطابق مع تأثير العامل التركي، في حين يبقى العامل الأكثر تأثيراً هو روسيا المتمسكة ببقاء النظام، وتتحدد «الحصة الأمريكية» إن كانت واشنطن مهتمة، في «ثلث المجتمع المدني» المقوى بقوات سوريا الديمقراطية. وهذا ما لا يترك شيئاً تقريباً للتيارات السياسية الممثلة للأيديولوجيا الوطنية السورية.

كاتب سوري

===========================

بايدن والمحافظون الجدد: عود على بدء؟

صبحي حديدي

القدس العربي

الخميس 31/12/2020

ثمة فرضية واسعة الانتشار في أوساط اليسار الأمريكي بصفة خاصة، ترافقت مع صعود نجم جو بايدن وتكريسه كمرشح للحزب الديمقراطي؛ مفادها أنه، على نقيض المنطق المألوف للانقسامات الإيديولوجية الأمريكية، الشخصية المفضلة لدى «مؤسسة الأمن القومي» لأطوار ما بعد دونالد ترامب. وهو، استطراداً، الحاضنة الأكثر ملاءمة لما تبقى من شخوص وتنظيرات تيار عريض بالغ التأثير عُرف في زمن جورج بوش الابن وغزو العراق تحت مسمى «المحافظين الجدد».

ويذكّرنا جيمي سكاهيل، صحافي التحقيقات المتميز ورئيس تحرير الموقع الإخباري الهامّ Intercept، أنّ رحيل ترامب سوف يجرّد تيارات اليمين العنصرية المختلفة من حليف كان يتربع على هرم القرار الأعلى في الولايات المتحدة، وأنّ عدداً غير قليل من سياسات ترامب التي تدغدغ تلك التيارات سوف تتبدّل على نحو أو آخر في عهد بايدن. كلّ هذا صحيح، ولكن ما يتوجب أن يبقى في الذهن هو أنّ انتصار الديمقراطيين تحقق بسبب أرقام الوفيات المرعبة جراء جائحة كوفيد ــ 19 وإدارة ترامب الإجرامية، ولم يتحقق بسبب حماس الناخبين لسياسات بايدن وأفكاره أو سجّله في الوظيفة العامة على مدار نصف قرن: «بالنسبة إلى ملايين الناخبين، لم يكن الخيار بين بايدن وترامب، بل كان تصويتاً على ترامب، واسم بايدن على ورقة الاقتراع كان بمثابة لا رافضة».

لسنا، في المقابل، بحاجة إلى مَنْ يذكّرنا بأن أكثر من 73 مليون ناخب أمريكي صوتوا من أجل إبقاء ترامب أربع سنوات إضافية في البيت الأبيض، رغم معرفتهم بفساد إدارته وعجز سياساتها والتدبير الخطيرة التي اتخذتها، فضلاً عن تشجيع العنف والتيارات العنصرية والكراهية والتفرقة الاجتماعية والإثنية؛ وأنّ الحزب الجمهوري كان، في المقابل، مجرّد صدى يردد أقوال ترامب من دون أيّ وفاء للحدّ الأدنى من القيم التي يرفعها الحزب ويتفاخر بها. الفارق بين بوش الابن وترامب ينحصر، حسب يقين سكاهيل، في أنّ الأوّل سعى إلى جعل الحزب غطاء أو ستاراً أو مرجعية عامة، واكتفى الثاني بتحويل الحزب إلى جمهرة من النوّاب وأعضاء مجلس الشيوخ المصفقين الراضخين الخانعين.

تيار المحافظين الجدد لم يجد في حماقات ترامب ما يشفي غليله، ونفر من مقدار الشعبوية التي اكتنفت التنظير والتبشير قبل السياسة والاقتصاد، والأرجح أنه انتظر عوداً على بدء في شخص بايدن كما يراهن مراقبون كثر

الأسابيع القليلة المقبلة سوف تضع هذه الفرضية، وسواها من آراء تسير على المنوال ذاته، أمام محكّ السياسات الفعلية في ميادين عديدة لعلّ قضايا الشرق الأوسط سوف تكون في طليعتها. ونعرف، سلفاً في الواقع، أنّ رهط المحافظين الجدد، الذين سوف يلتفون حول بايدن من زاوية دفعه إلى إحياء النظرية القديمة بصدد فرض الديمقراطية على شعوب الشرق الأوسط عن طريق القوّة إذا اقتضى الأمر؛ لن يتنازلوا عن قاعدة أخرى مقترنة بهذا الخيار، أي «الغسل الثقافي» لتلك الديمقراطية المصدّرة، على صعيد التراثات والأديان والعقائد، بما يكفل تطهيرها من سلسلة «أدران تاريخية» خلقت نزوعات العداء للولايات المتحدة وإسرائيل والغرب عموماً. في عبارة أخرى، جرت على لسان كبار المحافظين الجدد: إذا توجّب أن تبلغ بلدانُ الشرق الأوسط مستوى في الديمقراطية متقدّماً ومقبولاً ومعترفاً به في الغرب، فإنّ على صندوق الاقتراع ألا يمثّل قناعات المقترعين الفعلية، بل تلك التي تتناسب مع القناعات التي يقبل بها «العالم الحرّ» و»المجتمع الدولي»، تحديداً وحصراً!

وهكذا فإنهم، من جديد وعلى منوال القديم، سوف يطالبوننا بأن نعيش مرحلة الـ»ما بعد» في كلّ شيء، وعلى طول الخطّ: ما بعد الحداثة، ما بعد المجتمع الصناعي، ما بعد الحرب الباردة، ما بعد الإيديولوجيا، ما بعد الشيوعية، ما بعد التاريخ، ما بعد السياسة، ما بعد «القاعدة» و»داعش» وأسامة بن لادن و»الخليفة البغدادي»… وتلك حال يتوجب أن تبدو أقرب إلى عالم أحادي تماثل وتشابه وتعاقب على ذاته ومن أجل ذاته، حتى بات من المحال ــ وربما من المحرج ــ الحديث عمّا هو سابق لهذا الراهن وذاك اللاحق، عن الـ»ما قبل» أياً كانت الظواهر التي سبقته. كأنّ كل شيء حدث لتوّه، كما يستغرب الباحث الأمريكي دافيد غريس في كتابه المثير «دراما الهوية الغربية»: العالم يخلع أرديته واحدة تلو الأخرى، من العقلانية والرومانتيكية والثورية، إلى تلك الرجعية والوثنية والمحافظة، مروراً بالليبرالية والرأسمالية والاشتراكية والشيوعية.

ولكن، أليس من المشروع إعادة طرح التساؤل القديم، الذي حرّض عليه أقطاب المحافظين الجدد من أمثال كوندوليزا رايس، ديك شيني، إرفنغ كريستول، ريشارد بيرل، بول ولفوفيتز، دوغلاس فيث، ودافيد ورمستر: ألا يصحّ أنّ هذه الديمقراطية المستجلبة، أو أشباهها من ديمقراطيات مفروضة قسراً بفعل الشرط العسكري أو السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي الخارجي، هي بدورها حاضنة شروخات مجتمعية مستندة إلى انحيازات إثنية ومذهبية وطائفية وعشائرية؟ ألا يجوز الافتراض بأنها، أو كأنها، استعادة/ طبق الأصل لكلّ أحقاب الـ»ما قبل» في السرديات الكبرى للحضارة الغربية، من اليونان القديم، إلى روما القديمة، إلى رحلة كريستوفر كولومبوس، إلى عصر الأنوار والحداثة؟

ومن جانب آخر، وحين تقترن هذه المشاهد بما يشبه إصرار الغرب على استحالة المطابقة بين ديمقراطية صندوق الاقتراع وحرّية اليقين الشخصي، ألسنا نشهد اهتزازاً عميقاً في الرؤية الراسخة التي اعتنقها وبشّر بها الغرب معظم القرن الماضي، أو قبله بعقود كذلك؟ ألم تنهض تلك الرؤية على ثلاثة أقانيم جوهرية: الرأسمالية واقتصاد السوق، وحقوق الإنسان كما تقترن وجوباً بالشكل الليبرالي (الغربي ــ الأمريكي) من الديمقراطية العلمانية، وإطار الأمّة ــ الدولة كصيغة هوية معتمدة في العلاقات الدولية؟

وهذه الأقانيم بالذات، الم تكن تكتسي بهيئة مختلفة تماماً حين يتعلق الأمر بمجتمعات وثقافات العالم غير الغربي، أو هي كانت تأخذ أكثر من صيغة توتّر وتناقض مع أية مجموعة من القيم غير الغربية، الأمر الذي ظلّ يفتح باب الاجتهاد حول تصارع حضاري ــ ديني، على طريقة صمويل هنتنغتون؛ أو توتّر هيلليني ــ آسيوي، على طريقة برنارد لويس؛ أو ولادة «الأيديولوجية التالية»، على طريقة غراهام فوللر؟ ألم تنجلِ الأقانيم ذاتها عن هيئة مختلفة حتى في قلب أوروبا، على مبعدة أمتار قليلة من قواعد الحلف الأطلسي، في البلقان الدامي دون سواه؟

فوللر، من جانبه/ لا يغفل الإشارة إلى التهديد الذي تتعرض له الثقافات الوطنية بفعل التعميم القسري للقِيَم الغربية، بوسائط تبادل لا قِبَل لتلك المجتمعات بمقاومتها، مثل ذلك التصدير الأخطبوطي الجبّار للسلعة الثقافية (الكتاب والفيلم والأغنية ونوع الطعام واللباس والدواء)؛ وصناعة الرمز الثقافي الأعلى الأشبه بالأسطورة في ذلك كله (بحيث تتحوّل شطيرة الـ»بيغ ماك» إلى رمز للجبروت الأمريكي السياسي والاقتصادي والعسكري، ليس في بلدان مثل الهند وماليزيا ومصر فحسب، بل حتى في بلد مثل فرنسا أيضاً). ونتذكّر في هذا الصدد أنّ صدام الحضارات، كما شخّصه هنتنغتون في البدء، لا يدور بين يسوع ومحمد وكونفوشيوس، بل حول التبادل غير المتكافىء للقوّة والثروة والنفوذ، وتهميش الأطراف لصالح المركز (الغربي بالضرورة) وتحويل الثقافة إلى وسيط للتعبير عن الأزمة بدل أن تكون سبباً فيها.

الثابت، في خلاصة القول، أنّ تيار المحافظين الجدد لم يجد في حماقات ترامب ما يشفي غليله، ونفر من مقدار الشعبوية التي اكتنفت التنظير والتبشير قبل السياسة والاقتصاد، والأرجح أنه انتظر عوداً على بدء؛ في شخص بايدن كما يراهن مراقبون كثر، ولا عزاء للمراهنين في العالم العربي على تحولات ملموسة لخيارات البيت الأبيض المقبلة، فكيف بانعطافات كبرى فارقة.

===========================

في رحيل 2020

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 30/12/2020

ونحن نطوي أيامه الأخيرة، يبرز العام 2020 في التقييم العام باعتباره استثنائيا. ولأول مرة ربما، منذ عقود عديدة، تجد البشرية نفسها، وقد داهمها وباءٌ قاتل، متّحدة في الهم والمصير، وإن اختلفت في الإمكانات وسبل المعالجة. في الأحوال العادية، تتفاوت التقييمات حول الحصيلة نهاية كل عام، لكن هناك إجماعا حول أن العام الذي نودّع كان صعبا، استحوذت عليه ثنائية كورونا – ترامب بصورة كلية تقريبا. مع ذلك، أبى العام أن يغادرنا من دون أن يترك بارقة أمل، تتمثل في نجاح الإنسان في إيجاد لقاح لمواجهة الوباء، على الرغم من أن الطريق ما زالت أمامنا طويلة، وتحمل في طياتها مخاوف مشروعة كثيرة، كما طوى العام، برحيله أيضا، مرحلة ترامب التي يتفق كثيرون على أن أداءها كان بائسا في المجالات كافة، بما فيها مواجهة الوباء، إلى درجة أنها وقعت هي نفسها ضحية له.

تحت هذين العنوانين، من الصعب أن يقدّم المرء جرعة مماثلة من التفاؤل، عندما ينتقل إلى الحديث عن منطقتنا، إذ يرجّح أن تستمر أخبار الوباء في الهيمنة على الفضاء العام فيها لجزء كبير من السنة الجديدة، فالإمكانات الضعيفة للدول المكنوبة، خصوصا، لن تسمح لكثيرين بالحصول على اللقاح في فتراتٍ قريبة، كما ستستمر الأوضاع الاقتصادية نتيجة ذلك في التدهور، ما يعني استئناف نشاط الحركات الاحتجاجية في المنطقة الممتدة من إيران إلى الجزائر والسودان. ستسيطر أيضا بشكل كبير طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الولايات المتحدة تحت إدارتها الجديدة والقوى الخمس الرئيسة في منطقتنا، وهي روسيا وتركيا وإيران وإسرائيل والسعودية، وانعكاساتها على أزمات المنطقة في سورية والعراق واليمن، والأراضي الفلسطينية المحتلة.

بحسب سيرة طاقم الإدارة الأميركية الجديدة وتوجهاته، في مجال السياستين الخارجية والأمنية، سوف تنزلق العلاقات الروسية – الأميركية، على الأرجح، نحو مرحلةٍ جديدةٍ من التوتر، فالإدارة القادمة تتهم الإدارة المنصرفة باللين في التعامل مع روسيا، ما شجّعها على تجاوز حدودٍ كثيرة، بما فيها القيام بأوسع هجوم سيبراني ضد وكالات وهيئات فيدرالية أميركية وقطاعات حسّاسة مرتبطة بالأمن القومي. وبحسب تجربة السنوات الخمس الماضية، لا بد أن ينعكس أي تدهور في العلاقات الأميركية - الروسية سلبا في الأوضاع الأمنية على الأرض في مناطق الاحتكاك بين الطرفين، وتأتي سورية في مقدمتها. وإذا ساءت العلاقات الأميركية - التركية بالتوازي مع ذلك، كما يتوقع كثيرون، وترافق هذا مع زيادة الدعم الأميركي للأكراد في مناطق شرق سورية، كما وعد بايدن، فالأرجح أن يخلق ذلك دينامياتٍ جديدةً على الأرض تترجم بتقارب روسي - تركي كبير بخصوص المسألة السورية التي تنتظر سنة حاسمة مع اقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية. بهذا المعنى، سوف تقرّر طبيعة العلاقة بين أضلاع المثلث الأميركي – التركي - الروسي اتجاهات الصراع في الأرض السورية وعلى طاولة المفاوضات خلال العام المقبل، والإشارات هنا ليست إيجابية.

ماذا عن مثلث السعودية – إيران - إسرائيل؟ إذا ذهبت إدارة بايدن، كما صرحت خلال الحملة الانتخابية، باتجاه نفخ الروح في الاتفاق النووي مع إيران، على الرغم من التحدّيات التي تواجهها على هذا الصعيد، وأرفقت ذلك برفع بعض العقوبات عنها، خصوصا في مجال تصدير النفط وولوج النظام المصرفي العالمي، لتشجيعها على العودة إلى الالتزام ببنود الاتفاق، وربما الدخول في مفاوضاتٍ جديدة تتناول برنامجها الصاروخي وسياساتها الإقليمية، فسوف ينعكس ذلك سلبا في العلاقات بين واشنطن والرياض التي تتوجّس من عودة سياسات حقبة أوباما. إسرائيل أيضا ستعارض هذا التوجه، وإنْ تبقَ علاقتها بواشنطن، بحكم عوامل عديدة، أكثر استقرارا. سيؤدّي ذلك في حال حصوله إلى تقارب أكبر بين السعودية وإسرائيل، حتى لو ظلت العلاقة دون مستوى التطبيع العلني الذي سلكته دول عربية أخرى في العام المنقضي. من المهم أن نراقب خلال السنة المقبلة انعكاس هذا التوجه على أمن منطقة الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط. ومن المهم أن نتابع كذلك أين ومتى وكيف ستتقاطع مصالح قوى هذه الثلاثية أو تتنافر مع مصالح قوى المثلث الأول.

ضمن هذه المعطيات، يبدو كأن العام 2020 مستمر معنا بعض الوقت، على الرغم من انقضاء أيامه رسميا.

========================

حصاد 2020 في مناطق سيطرة النظام.. متلازمة الأزمات

بلدي نيوز

فراس عز الدين

الاربعاء 30/12/2020

وصف المواطنون في مناطق سيطرة النظام أن عام 2020 هو الأقسى عليهم وكان مليئا بالمصائب والألم.

وبدأت المصائب في شهر شباط/فبراير، مع قصة الغاز ورسائل "تكامل"، ليبدأ شهر آذار/مارس، مع تسجيل أول إصابة رسمية بـ"فيروس كورونا" بعد تشكيك بدخوله مناطق سيطرة النظام، ليأتي بموازاته ملف حظر التجوال، وآثاره السيئة على جميع الناس من استياء في الشارع، خاصةً بعد تدهور وضع التجار الموالين.

ليتبعه مباشرةً ملف "تقنين الخبز" عبر "البطاقة الذكية"، و"مقاطعة المتة"، بعد أن وصل سعر العلبة الواحدة إلى 1800 ل.س، وارتفع بعدها ليسجل 2500 ل.س.

الحدث الأبرز "الشوئسمو"

بدوره "الشوئسمو" حصد الكثير من سخرية وانتقادات الموالين، ويقصد به "سعر صرف الدوﻻر"، بعد أن جرّم رأس النظام التداول به أو حتى استخدام اسمه، وكان الحدث اﻷبرز في شهر تموز، عندما انخفض سعر الدوﻻر، بينما بقيت اﻷسعر مرتفعة في اﻷسواق المحلية، وسط تساؤلات من الموالين.

وضمن إطار الحديث عن "الدوﻻر"، فرضت حكومة النظام، على العائدين من خارج سوريا ضريبة بمقدار 100 دولار تدفع عند الحدود، ما أثار انتقادات واسعة في الشارع الموالي.

وفي أيلول/سبتمبر، بدأت "الطوابير" الطويلة، على أبواب محطات البنزين، ولم يكد يصحو الشارع الموالي منها حتى بدأت "حرائق الساحل"، وما قيل عن أثرها على اقتصاد النظام.

وانشغل الموالون بقصة "مدام فاتن"، بشهر تشرين الأول/اكتوبر في إحدى الجمعيات التعاونية.

ولم تكد تنتهي قصة المدام فاتن، حتى أثارت شركة "إيماتيل" المملوكة ﻷسماء اﻷسد، زوجة رأس النظام، حديث الشارع، خاصة بعد توفيرها موبايل أيفون 12، وسط تساؤل حول طريقة نجاحها بكسر الحصار، وفي ظل الحديث عن انخفاض الدخل بشكلٍ كبير وضعف القيمة الشرائية لليرة، ومن هم القادرون على شراء الجهاز.

أقفاص الخبز

وكانت إحدى أهم اﻷحداث التي أثارت جدلا هي طريقة اصطفاف المواطنين داخل أقفاص مغلقة وضعتها محافظة دمشق للحصول على الخبز ضمن ما يشبه الزنزانة، لضبط الحصول على الخبز من اﻷفران.

=========================

هل يبدل المتدخلون سياساتهم في سوريا؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 29/12/2020

يبين الوضع الميداني في سوريا أن البلاد خاضعة لثلاث من سلطات الأمر الواقع؛ أولاها تسيطر في معظم القسم الغربي من البلاد، يديرها في الظاهر نظام بشار الأسد، وفي الواقع فإنها تحت سلطة مختلطة من ثلاثة أطراف، تضم إيران وروسيا والنظام. والثانية تمتد في شرق الفرات شاملة أغلب الجزيرة السورية، وتحكمها ظاهراً قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لكنها خاضعة لنفوذ الولايات المتحدة. والثالثة، تضم القسم الأساسي من محافظة إدلب، وتشمل مناطق من أرياف محافظات مجاورة منها حلب واللاذقية. وإذا كانت السيطرة الرئيسية فيها للأتراك بمشاركة جماعات مسلحة، فإن «هيئة تحرير الشام» هي الشريك الأهم للأتراك في السيطرة على المنطقة.

وكما هو واضح في صورة السيطرة العملية، فإن اللاعبين السوريين من نظام ومعارضة وقوى متطرفة، لا يملكون إلا تأثيرات هامشية في الحدث السوري، واحتمالاته الكبرى من طراز اختيارهم مسار الحل سواء كان الحل عسكرياً أو سياسياً. وعلى سبيل المثال، فإن أي قرار للنظام في هذين الأمرين، لا بد أن يحوز موافقة حلفائه الروس والإيرانيين؛ إذ لا يستطيع وحده اليوم، أن يقرر وينفذ الاستمرار في الحل العسكري الذي اختاره في عام 2011 ردأ على ثورة السوريين.

ووجود السوريين في هوامش التأثير على الحدث، لا يعني أنه لا مكان لهم، بل هم أوراق في جملة الأوراق التي يحملها المتدخلون في القضية السورية، سواء كانوا أوراقاً مكشوفة كما حال نظام الأسد بالنسبة لكل من إيران وروسيا، أو أوراقاً مستورة، كما قوات سوريا الديمقراطية في شرق الفرات بالنسبة للولايات المتحدة، أو خليطاً بين حالتين على نحو ما هي عليه التشكيلات المسلحة («الجيش الوطني» و«هيئة تحرير الشام») في منطقة النفوذ التركي، ولهذا فإن كل واحد منهم يسعى للإبقاء على ورقته السورية جاهزة أمام كل الاحتمالات.

وإضافة إلى روسيا وإيران، وتركيا والولايات المتحدة (الأربعة الكبار المتدخلين في سوريا)، فإن الأوروبيين في ثلاثتهم الكبار بريطانيا وفرنسا وألمانيا محسوبون بين المتدخلين.

وإذا كانت أغلب الأطراف، اصطدمت بالتراخي وبالانكفاء الأميركي أحياناً، فأصيبت بحالة استعصاء وإحباط، خلاصته أنها لا تستطيع فرض حل، ولا التخلي عن دورها، وترك الملف لآخرين، لا يمكن القبول بحلولهم، وهو أمر ينطبق على الأوروبيين بشكل خاص الذين ربطوا ومنذ أواخر عام 2013 موقفهم على مضض بالموقف الأميركي الذي خطه أوباما، ومضى قريباً منه خليفته ترمب، رغم ما بين الرجلين من اختلافات كثيرة.

وفي واقع الحال، فإن الأمور يمكن أن تستمر في سوريا على ما هي عليه، لولا حدث رئيسي يلقي بظلاله على مجموعة المتدخلين وذات الصلة المباشرة بالقضية السورية، وهو مجيء جو بايدن إلى الرئاسة الأميركية، بما يمثله من اختلاف في السياسات عن سابقيه الأخيرين سواء أوباما الذي شاركه بمنصب نائب الرئيس، أو ترمب الذي عارضه في كل شيء، وكلاهما يدفع بايدن جدياً نحو سياسة مختلفة، تراوح بين العصا والجزرة بغية تأكيد الحضور والدور الأميركي في الشرق الأوسط وفي الموضوع السوري منه، حسبما يبدو في تصريحاته وتأكيدات مرشحين في فريقه، وشبه إجماع من محللين في وصف سياسة بايدن المقبلة.وإذا مضت سياسة بايدن في هذا الاتجاه، فإنها ستجد ارتياحاً أوروبياً مؤكداً، وقوة نشطة لدعمه، ليس لأنها، ستضع حداً للارتباكات الأوروبية، وتجعل الأوروبيين أقدر في التعامل مع تداعيات الوضع السوري، التي تزداد خطورتها في ظل الانسداد الحالي متزامنة مع تجديد الأسد رئاسة لفترة مقبلة أواسط عام 2021 وتصاعد الأزمة الاقتصادية والمعيشية، وما تتركه على أوروبا من أثر في ثلاثة موضوعات؛ الهجرة والإرهاب والمساعدات في وقت تواجه فيه أوروبا «كورونا» وتداعياته، خصوصاً ما تعلق منها بالتداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولن تكون أوروبا وحيدة في ترحيبها بمتغيرات سياسة بايدن الشرق أوسطية، بل سيكون على هذا الخط ولأسباب متداخلة العدد الأكبر من دول المنطقة؛ خصوصاً دول الخليج العربية ومصر، التي من مصلحتها المباشرة الربط الأميركي بين التشدد في مواجهة إيران ومشروعها النووي وسياساتها الإقليمية، القائمة على تمددها سواء عبر قواتها المسلحة وحرسها الثوري وميليشياتها كما في سوريا، أو عبر ميليشيات مسلحة وجماعات سياسية مرتبطة بطهران كما في لبنان والعراق واليمن وأماكن أخرى، وسيكون للأتراك فرصة للتخفيف من الضغوطات الروسية عليهم بما سيكون لهم من قدرة على مناورة مع شركائهم في حلف شمال الأطلسي، الذي تعرضت مشاركة تركيا فيه إلى هزات كثيرة بسبب سياسة الانكفاء الأميركية.

وبطبيعة الحال، فإن روسيا ووسط خلاصات وجودها وسياساتها في سوريا للخمس سنوات الماضية من حيث فشلها في تحقيق رؤيتها للحل السوري في سوتشي وآستانة، ووسط تحمل عبء شراكتها المربكة مع الإيرانيين في سوريا، وتحملها أعباء اللاسياسة التي يتابعها نظام الأسد في كل الاتجاهات، صارت أقرب إلى تفاعل إيجابي مع سياسات دولية، إذا كانت الأخيرة، تكفل حفظ المصالح الأساسية لروسيا في سوريا.

ووسط المجموعة الدولية - الإقليمية، فإن إسرائيل أكثر الأطراف الإقليمية قرباً من سياسة أميركا في ظل بايدن، ليس نتيجة العلاقات التقليدية الإسرائيلية - الأميركية، بل أيضاً بحكم تقاطعات الموقف من إيران ووجودها في سوريا، التي يخوض الإسرائيليون عليها حرباً متقطعة، تواصلت عملياتها الجوية والصاروخية في العامين الماضيين، وشملت أهدافاً عسكرية إيرانية ومواقع «حزب الله» اللبناني، امتنع الطرفان عن الرد عليها، واكتفى نظام الأسد باحتجاجات لدى الأمم المتحدة من دون أن تترك احتجاجاته أي صدى.

ومما لا شك فيه، أن إمساك جو بايدن القريب بزمام السلطة في واشنطن، وما أعلنه وفريقه من سياسات، يتبناها ويعمل عليها في الشرق الأوسط، يؤشر إلى تغييرات مهمة في منطقة تعاني من انسدادات ومشاكل باتت مزمنة، وهذا سيدفع إن لم يكن كل الأطراف ذات الصلة بالمنطقة فأغلبها إلى إعادة تقليب أوراقها وسياساتها، ولن يكون من الصعب إجراء تغييرات في الاثنتين، إذا باشرت واشنطن سياساتها الجديدة بصورة نشطة وفاعلة، لكن سياسات تلك الأطراف ستظل محاطة بالحذر، بفعل التجربة المرة لإدارة أوباما وترمب، التي كان شعارها: «أميركا أولاً».

=========================

دروس للسوريين عمرها أكثر من ربع قرن

هيفاء بيطار

القدس العربي

الاثنين 28/12/2020

غريب أمر الذاكرة كما لو أن لها قوانينها الخاصة، فحين أستعيد حوادث شهدتها وشهدها السوريون، أستعيدها بمشاعر مختلفة عما أحسسته وقتها وبفهم أعمق وأحياناً مختلف. ومن حين لآخر ترشقني ذاكرتي بحوادث كانت كالوشم في عقلي وروحي، لكنني حين أستعيدها الآن وبعد مرور أكثر من ربع قرن على حدوثها، أستعيدها بشعور مختلف وفهم أعمق.

حوادث الاختطاف

في منتصف الثمانينيات أو بعدها بسنوات قليلة، رُوعت اللاذقية بخبر اختطاف أحد أشهر وأرقى الأساتذة، وأظنه كان أستاذ رياضيات وهو من الطائفة المسيحية، كان خلوقا جداً وليس له أي نشاط سياسي، ولا يتكلم أبداً في السياسة، ولا ينتقد الظلم بتنوعاته في سوريا، ومنها شح الراتب مثلاً. لو كان ناشطاً سياسياً لفسرنا سبب اختطافه أنه ناشط سياسي، لكنه إنسان بسيط كل اهتمامه بأسرته وطلابه، خطفه أحد كبار الرجال الذين لا يجرؤ قاض على أن يحاسبهم، فهو فوق القانون ولديه حاشية من المجرمين يرافقونه، اختطف زعيم الميليشيا الأستاذ في وضح النهار وعلى أمتار من بيته، وغاب في المجهول سنة كاملة، ولجأت زوجته وأقرباؤه للأجهزة الأمنية كلها، ولأشهر المحامين ليعرفوا أين هو؟ ولماذا خُطف؟ ولم يحصلوا على أي تفسير!

واعتقد الكثيرون أنه على الأغلب مات، أي قتلته العصابة التي اختطفته، وكان سكان اللاذقية يتهامسون لماذا اختطف؟ وهو المسالم الذي لم ينطق كلمة انتقاد، أو احتجاج على الظلم، وانعدام الحرية والكرامة للسوريين جميعاً. وفوجئ أهل اللاذقية بعودته بعد عام، دخل بيته مجللاً بالصمت لم ينطق كلمة واحدة عن اختطافه، وأين كان؟ وكيف عامله الخاطفون؟ ولماذا أصلاً خطفوه؟ ولماذا حجزوه عندهم عاماً كاملاً؟ ولماذا قرروا إطلاق سراحه بعد سنة؟ ولماذا لم يقتلوه؟ ولماذا لم يحكِ لزوجته الحبيبة ما حصل معه طوال سنة الخطف. حتى إن زوجته كادت تصاب بانهيار عصبي، لأنه التزم الصمت التام تجاه جريمة خطفه، واعتبرت أنه لا يثق بها كفاية.

وبدأ الأصدقاء والأقرباء والمحبون يتوافدون إلى بيت الأستاذ ويباركون له بعودته سالماً، ولم يرد على أسئلة الناس المتشوقة لمعرفة أين كان طوال سنة الاختطاف؟ ظل ملتزماً الصمت تماماً ثم منع الناس أن تسأل أي سؤال. الآن وبعد مرور أكثر من ربع قرن على هذه الحادثة، التي كنت شاهدة عليها، وأعرف الأستاذ وأسرته وأقرباءه، وهم من أرقى الناس، وشعارهم في الحياة: الحيط الحيط ويا رب السترة، لماذا إذن تم اختطاف أستاذ مسالم تماماً صامت، وكل معارفه مثله أناس بسطاء. يتضح لي الآن أن خطف الأستاذ كانت غايته تلقين السوريين (خاصة أهل اللاذقية مدينة الأستاذ) درساً صريحاً أن يلتزموا الصمت أو الخرس، وأن يدوسوا على كرامتهم، إذا أرادوا أن يبقوا على قيد الحياة، وألا يتجرأوا على انتقاد أي شيء في حياتهم، وأن يعرفوا أن ثمة قوة لا حدود لها يمكنها أن تغيبهم في لحظة عن الوجود كما فعلت مع الأستاذ إياه، وأظن أن العصابة أبقته حياً ليس رأفة به، بل ليكتمل الدرس ليدرك السوريون أن تلك القوة التي تقبض على حياتهم بقبضة من حديد لها صلاحيات مطلقة ولا أحد يحاسبها وقد خبروا بأنفسهم كيف أن اللجوء لأجهزة الأمن وللقضاء لم يعطِ نتيجة، فالزعيم فاحش الثراء والنفوذ والسلطة والخارج عن المحاسبة يمكن أن يلهو بالناس كأنهم دمى، يخطفهم، يقتلهم، يحول حياتهم إلى جحيم وأحلامهم إلى كوابيس، يجعل الأمهات في حالة ذعر على حياة أولادهم ويوصونهم أن ينسوا كرامتهم وألا ينطقوا بأي كلمة قد تستفز الزعيم المتحكم بحياة الناس.

تعلم معظم السوريين هذا الدرس، أي تهديد وأي ذعر عاشه الأستاذ المخطوف طوال سنة، وكيف بقي كاتماً السر في قلبه ولم يبح به لأحد. وظل لغز الأستاذ حديث السوريين، خاصة في اللاذقية لسنوات ونجح هذا الزعيم في ربط مفهوم الأمان بالصمت وسحق الكرامة، كما لو أنه يريد أن يقول للسوريين: إذا أردتم أن تعيشوا بأمان وألا تفقدوا حياتكم فكونوا صماً بكماً عمياً وستنعمون بالأمان أي ستبقون على قيد الحياة، وهو أمان الدجاجات في القفص وللأسف اعتقد الكثير من الناس أنهم يعيشون بأمان فهم يمارسون شعائرهم الدينية، ويحتفلون بأعيادهم، ويحتفلون بأعراس أولادهم ويدفنون موتاهم حسب طقوس كل دين، فهذا هو الأمان والثمن بسيط أن يخرسوا.

أدب السجون

أراد الناس أن يواسوا أنفسهم بأن الثمن بسيط وهو الابتعاد عن السياسة، وبأن العين لا تقاوم مخرزاً، وعاينوا مصير مئات الألوف من الشبان والرجال الذين تجرأوا وتكلموا وانتقدوا وانتموا إلى أحزاب سياسية تعارض النظام، كان مصير هؤلاء مُروعاً، ربما الميزة الوحيدة لاعتقال هؤلاء الشجعان المطالبين بالحرية والكرامة، هو أنهم أنتجوا أدباً عظيماً (أدب السجون) لكن للأسف الخوف ظل متجذراً في نفوس الكثير من السوريين، وبعضهم يعتقدون أن ما حصل في مارس/آذار 2011 لم يكن ثورة، وأحد أقرب أصدقائي في حلب الشهباء وهو حاصل على شهادة جامعية، ومثقف وشهد جحيم حلب، وكان قد اتخذ قراراً ألا يترك حلب مهما حصل، وكان ضمير حلب وكتاباته عظيمة ووطنيته عالية، وكان يحكي قصصا كثيرة عن الفساد والسرقات، أثناء عمله في إحدى مؤسسات الدولة في حلب، قبل 2011 بسنوات طويلة، هذا الرجل الشهم الذي عاش جحيم حلب وكان شاهداً على الدمار الفظيع لحلب الشهباء لا يعترف أن ما حصل ثورة، ولا يطيق أن يشترك بأي حوار يقول عما حصل في 2011 ثورة، بل ينسب كل الجرائم والفظائع التي حصلت في سوريا لأصحاب اللحى (أي للإسلام السلفي المتطرف) ويكتب دوماً على صفحته على «الفيسبوك» عن أصحاب اللحى، كما لو أنهم الشياطين الوحيدون الذين دمروا سوريا، وأجبروه بعد سنوات من جحيم حلب أن يلجأ إلى كندا حفاظاً على حياة أولاده ومستقبلهم. وحين كنت أقول له:

هل كنا سعداء ونشعر بكرامتنا قبل 2011 وماذا عن مئات الألوف من الشبان سجناء الرأي، والكثير منهم كانوا زملاءك، لا يتركني أكمل كلامي ويعتبر أن موضوع سجناء الرأي تفصيل غير مهم كثيراً تجاه الشياطين الذين دمروا حلب الشهباء، مدينته التي يعشقها، وهم أصحاب اللحى.. شعب مُروع مذعور منذ عقود من تسلط الأجهزة الأمنية وانعدام الحرية والكرامة والفظائع التي حصلت في السجون، شعب تجذر الخوف في روحه لدرجة أن الكثير من السوريين، ينكرون أدب السجون ويرفضون قراءته، بل يعتبره البعض نفاقاً ومؤامرة. والبعض يُغيبه تماماً عن فكره، حفاظاً على أمانه الزائف (أمان الدجاجات في القفص) بل يقولون: كنا عايشين أجمل حياة قبل 2011. ولو كنتم تعيشون أجمل حياة لماذ انتفض الناس إذن مطالبين بالحرية والكرامة والعيش الكريم، لماذا يطيش صوابكم من كلمة ثورة، وتستميتون في الشرح، إن ما حصل ليس ثورة؟

وحتى لو قررنا عدم استعمال لفظ كلمة ثورة وسموها أي اسم تريدون/ حراكاً، مؤامرة، مخططا جهنميا اسمه الفوضى الخلاقة، إلى ما هنالك من تسميات. مهما رفضتم اعتبار أن ما حصل في 2011 في سوريا ثورة، وحتى قبل 2011 بعقود لم نعش يوماً واحداً شاعرين بالكرامة وعزة النفس والحرية وبراتب يضمن لنا عيشاً كريماً. أي أمان هذا أن أشعل شمعة في كنيسة، معتقدة أنني أمارس حريتي فيما كرامتي مسحوقة ومرتعبة على أولادي، أن يحكوا بالسياسة أو ينجروا إلى تنظيم سياسي لا يرضى عنه النظام. لا يزال الخوف متجذرا في أعماق السوريين، ليس في الداخل السوري فقط، بل حتى سوريين في الخارج أيضاً. الخوف السوري أخطر من السرطان وأخطر من كورونا التي في كثير من الحالات يتحول اسمها إلى التهاب في الرئة. تعلم السوريون الكثير من الدروس كي يصمتوا مقابل عيش ذليل. وما خطف أستاذ الرياضيات سوى درس لا ينساه على الإطلاق سكان مدينة اللاذقية..

كاتبة سورية

=========================

العدالة الجنائية والعدالة الانتقالية .. مقاربة في نقاش سوري

حسان الأسود

العربي الجديد

الاثنين 28/12/2020

ثارت، خلال الأيام الماضية، ثائرة سوريين كثيرين بشأن استخدام المبعوث الأممي، غير بيدرسون، تعبير العدالة التصالحية، في إحاطته التي قدّمها إلى مجلس الأمن عن أعمال الجولة الرابعة للجنة الدستورية السورية. وباعتبار أنّ المصطلحين، العدالة الانتقالية والعدالة التصالحية، جديدان نوعاً ما على أسماع سوريين كثيرين، من غير المتخصّصين في هذا المجال من فروع القانون أو العمل الحقوقي، تبين هذه المقالة مدلولاتهما بالمقارنة مع مصطلح العدالة الجنائية، وبأكبر قدر ممكن من التبسيط.

يُعرّف نظام العدالة الجنائية بأنّه "أداة اجتماعيّة لتطبيق معايير السلوك الضرورية لضمان حرية وسلامة الأفراد وحفظ النظام العام في المجتمع". وبشكل عام، تهدف العدالة الجنائية إلى تحقيق هدفين رئيسين، تحقيق المصلحة الخاصة للأفراد بضمان حرياتهم وحقوقهم، وتحقيق المصلحة العامة للمجتمع بضمان الأمن والاستقرار، من خلال تطبيق قواعد عامّة ضمن بيئة طبيعية من استقرار المجتمع، بحضور الدولة وأجهزتها الحيادية تجاه الأفراد والجماعات.

من هنا يكون مفهوم العدالة الجنائية مرتبطاً بشكل تقليدي في حالة الاستقرار من جهة، وفي حالة حياد أجهزة الدولة من جهة ثانية، وفي حال ضيق نطاق الجرائم وانحصارها بالأطر الاعتيادية. وهذا يفترض أن تتوفر بيئة آمنة لقيام العدالة الجنائية التقليدية، أي الانطلاق من مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذي يمكن اختصاره تجاوزاً بعبارة "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني"، والاتكاء على استقلال المؤسسة القضائية وحيادها، بما يوفر حماية حقوق الإنسان الأساسية، خصوصا التقاضي على درجات، والاستناد إلى مبدأ البراءة المفترض بالمتهم وضمان حقوقه بالدفاع المقدّس، وإنفاذ الأحكام جبراً بقوّة القانون وأجهزة الدولة، ومبادئ تقليدية أخرى.

تهدف العدالة الجنائية إلى تحقيق المصلحة الخاصة للأفراد بضمان حرياتهم وحقوقهم، وتحقيق المصلحة العامة للمجتمع بضمان الأمن والاستقرار

أمّا العدالة الانتقالية، فهي إجراءات استثنائية تختلف من بلد إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، ويتم اعتمادها بناءً على مشاوراتٍ جماعية واسعة الطيف، لمعالجة آثار نزاعٍ مجتمعي غير اعتيادي، فالدول الخارجة من عهود الاستبداد، والمجتمعات الباحثة عن الاستقرار بعد الثورات أو الحروب الأهلية، لا تجد أمامها من سُبلٍ لمعالجة آثار تلك الحقبة من حياتها، إلّا بوسائل استثنائية تتناسب وطبيعة الانتهاكات والخروقات لقواعد العقد الاجتماعي الناظم لحياتها، ولحقوق البشر المؤلّف منهم هذا المجتمع أو المنتمين لتلك الدولة.

من هنا، تختلف العدالة الانتقالية عن العدالة الجنائية، من حيث المفهوم والأهداف والآليات والتحدّيات والبيئة الحاضنة، وعوامل كثيرة. ومصطلح العدالة الانتقالية حديث نسبياً لا يكاد يتجاوز عمره الخمسين أو ستين عاماً تقريباً، بينما العدالة الجنائية ضاربة القدم. وأهداف العدالة الانتقالية بصيغتها التبسيطية النهائية تتلخص في إعادة السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي وتجاوز انتهاكات الماضي ومنع إمكانية تكرارها مستقبلاً. أمّا آليات عملها وأدواتها فتختلف من بلد إلى آخر حسب الظروف والإمكانات، لكنّها تستند، في المجمل، إلى مروحة خيارات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، مثل محاسبة مرتكبي الانتهاكات الأشدّ خطورة، وإنصاف الضحايا وتعويضهم، وإصلاح مؤسسات الدولة وإعادة هيكلتها وفق معايير تمنع ارتكاب الانتهاكات وتحترم حقوق الإنسان، وبيان مصير المختفين قسرياً، والبتّ في مصير المعتقلين، وتخليد ذكرى المفقودين والضحايا عموماً.

العدالة الانتقالية إجراءات استثنائية تختلف من بلد إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، ويتم اعتمادها بناءً على مشاوراتٍ جماعية واسعة الطيف

هناك تحدّيات هائلة تعترض سبل تطبيق العدالة الانتقالية، وليس أقلّها التمويل، فالنقاش يدور عادة بين أولويات إعادة المهجّرين وإعادة الإعمار والاستقرار والضبط الأمني، وبين مفردات المحاسبة والتعويض وإعادة هيكلة المؤسسات، فجميعها في حاجةٍ لأموالٍ لا تكون متوفرة في غالب الأحيان بعد سنواتٍ من الصراع أو النزاع. هنا يدخل دور المجتمع الدولي على الخط للمساعدة في تخطّي هذه العقبات، لكنّ الأمر ليس بهذه السهولة أيضاً، فقد تشترط الدول المانحة قضايا قد لا تلقى قبولاً مجتمعياً، مثل إلغاء عقوبة الإعدام، إن لم نتحدّث عن اشتراطات سياسية أو غيرها.

ومن التحدّيات الهائلة أيضاً عدم إمكانية محاكمة جميع مرتكبي الانتهاكات، فالمحاكمات تحتاج كوادر قضائية متخصّصة، وتحتاج مرافق لدعم عمليات التقاضي من قاعات محاكم وسجون وجهاز شرطة مؤهل، كما تحتاج أدلّة متوافقة مع المعايير القانونية، وتأخذ المحاكمات أوقاتاً معتبرة من الزمن، وهذا كلّه يحتاج الإعداد والتمويل والتأهيل والتدريب. وحجم الجرائم الهائلة المرتكبة في سورية، منذ اندلاع الثورة فقط، لا يمكن إدراكه أبداً، ولعلّ النظام كان يعرف سلفاً أنّه يصعّبُ عمليات المحاسبة، كلّما أوغل في الدماء والتدمير أكثر وأكثر. وقد دلّت تجارب الدول التي خرجت من الحروب الأهلية أو من عهود الاستبداد، وحاولت إعادة بناء مجتمعاتها من دون المرور بمسارات عدالة انتقالية حقيقية، كيف أنّها ما تزال غارقةً في دياجير الظلم والقهر والفساد والانتهاكات، وأقرب مثالين للسوريين لبنان والعراق. بينما نجد في تجارب رواندا وجنوب أفريقيا أمثلة حيّة على إمكانيّة إنهاء الماضي بإرثه الثقيل مع بناء أسس منع ارتكاب الانتهاكات مستقبلاً. ولا تغيب عن البال خصوصية كل بلد وكلّ صراع وسياقاته التاريخية والمجتمعية، ونحن نرى أنّ الحالة السورية من أعقد حالات الصراع التي شهدتها المجتمعات البشرية في العصر الراهن.

وفي ما يتعلّق بالعدالة التصالحية، يرد في بحث منشور في "مدوّنة برنامج أبحاث النزاع" للباحثة سيما نصّار: "بحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، تتألف العدالة الانتقالية من الآليات القضائية وغير القضائية على حدّ سواء، بما في ذلك مبادرات الملاحقة القضائية، والجبر وتقصّي الحقائق، والإصلاح المؤسّسي، أو مزيج من ذلك. وأي مزيج يتم اختياره يجب أن يكون متوافقاً مع المعايير والالتزامات القانونية الدولية. ويمكن أن تشمل العدالة الانتقالية أكثر من شكل للعدالة، مثل العدالة الجزائية (المحاكمات)، والعدالة التعويضية والتصحيحية والتحويلية (ضمانات عدم التكرار، والإصلاحات، والتعويضات).

العدالة التصحيحية شكل بديل لمواجهة الجريمة يتم فيها التركيز على الضحية وعواقب الانتهاك عليها، بدلاً من التركيز على الفعل الإجرامي والجاني

وبحسب وحدة الدعم القانوني في البرنامج السوري للتطوير القانوني؛ فإن العدالة التصحيحية هي شكل بديل لمواجهة الجريمة، والتي يتم فيها التركيز على الضحية وعواقب الانتهاك عليها، بدلاً من التركيز على الفعل الإجرامي والجاني. ويعني ذلك أن الدولة يجب أن تعمل على الاعتراف بمعاناة الضحايا، وتعويضهم وجبر ضررهم، واستعادة كرامتهم، أكثر من معاقبة الجناة. أما الجناة فيجب على الدولة أن تعيد دمجهم في المجتمع، في سبيل إعادة الروابط الاجتماعية. إن العدالة التصحيحية أو الإصلاحية تعتبر العقوبة الانتقامية غير كافية، لأنها لا تعطي معاناة الضحايا واحتياجاتهم الأهمية الكافية. وكذلك هي حال العدالة التصالحية، فهي لا تركز على تقييم ذنب الجاني، بل تركّز على تعزيز الآليات التي تجعله يدرك حجم الضرر الذي تسبب فيه وأبعاده، ويعترف بمسؤوليته عنه، وتدفعه إلى محاولة إصلاحه".

ويشرح الكاتب محمد علاء غانم هذا المصطلح: "ال Restorative Justice لا تعني عدالة "تصالحيّة" فهذه ترجمة خاطئة، شأنها شأن كثير ممّا يُترجم في الأمم المتّحدة هذه الأيّام. باختصار شديد، ومُخِلّ ربّما، قُدِّمَت ال RJ كمفهوم بديلٍ عن نظام العدل الغربي القائم على العقاب وحسب، والذي يُنظر فيه للجريمة على أنّها تقع بحقّ الدّولة فقط وتقف فيه الضحيّة متفرّجة، في حين يكون القاضي هو سيّد المشهد وهو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة.... فالترجمة الأدقّ لها هو العدالة الإصلاحيّة لا التّصالحيّة".

يقود هذا إلى القول إنّ العدالة الإصلاحية أو التصحيحية جزء من العدالة الانتقالية، وتأخذ وصفها هذا من ضرورات إصلاح مؤسسات الدولة، وفرز الموظفين الفاسدين وإقصائهم عن العمل، لمنعهم من تعطيل عمليات الإصلاح، كما إنّ العدالة التعويضية هي جزء من العدالة الانتقالية، وتأخذ أهميتها عندما نتكلّم عن تعويض الضحايا والمتضرّرين في حرياتهم وأجسادهم وحقوقهم المالية وممتلكاتهم.

أمّا العدالة التصالحية، فهي جزء من مسارات إصلاح أنظمة العدالة الجنائية التقليدية التي فشلت في تحقيق المأمول منها في بلدان متطوّرة عديدة، لكنها تبقى جزءاً من نظام متكامل، ضمن أطر سيادة القانون في دول مستقرّة ذات مؤسساتٍ لها مرجعية عليا متمثّلة في الدستور. فإذا ما حاولنا تطبيقها في مجتمعات ممزّقة جرّاء الثورات أو الحروب الأهلية، ضمن بيئات ينعدم فيها القانون، وتنحاز مؤسسات الدولة مع طرف ضّد الآخر، أو تسخّرها أنظمة الاستبداد لتحارب فيها الفئات الثائرة من الشعب، فإننا سنصل إلى حالة من الإجرام المركّب بحق الضحايا، لأنها ستعني مساواة القاتل بالضحيّة.

=========================

من قلب الوجع إلى فجر الأمل

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 28/12/2020

وجع السوريين بلا ضفاف. فضّلوا الغرق بالبحار على استمرار العبودية والاستبداد. قَتَلهم "نظامهم" بالبراميل والسلاح الكيماوي. جَلَبَ مرتزقة ليفاقم قهرهم. تم اغتيال من قال منهم: "الموت ولا المذلة". أو " يا فوق الأرض بكرامة، يا تحت الأرض بكرامة". حرق المعتقلين وقتلهم تحت التعذيب. حَرق حلفاؤه في لبنان مخيمات مَن هربوا من صواريخه. سرق مقدّرات البلد؛ ونمّى تجار الحرب. أطلق مجرمين متطرفين من معتقلاته، ليكونوا قادة "داعش". جلب الروس وطائرات السوخوي لتدكَّ أسواقهم ومشافيهم ونقاطهم الطبية الباقية لتضميد جراح أطفالهم. استخدم الايرانيين وحزب حسن نصرالله لتغيير ديمغرافي يبقي له مجتمعاً خانعاً سمّاه "متجانساً. حُماته الروس استخدموا الفيتو، كي يمنعوا العدالة والقصاص، ويفرغوا القرارات الدولية من مضامينها..

كل ذلك ولفترة تقارب العقد من الزمن، والجرح السوري ينزف. والمجتمع الدولي إما غافلاً أو متغافلاً أو متلاعباً، أو معتبراً إننا "صيدة"؛ وتفلتت من يده. و"قائد العالم الحر أوباما" يحذر من تجاوز "الخط الأحمر"، وتذهب قضية السوريين العادلة "فرق عملة" بتصافق أوباما مع ملالي طهران. كل ذلك، ومَن تصدى للدفاع عن قضيتهم يتراقص بين الجهل والحذلقة والمحاصصة والمناكفة والمزاحمة والإقصاء والتشابك العبثي السخيف لتضيع قضية هي الأشرف في التاريخ الحديث. كل ذلك، وإسرائيل تمر بزمن ذهبي لدمار محيطها، الذي ما أشعرها لحظة أنها بأمان، وتستمر بالتبطح على حق السوريين والفلسطينيين؛ حيث أتاها من كفاها، بتدمير ما ومَن سعت لتدميره تاريخياً.. لقد راقها الشعار الأسدي: "أحكمها أو أدمرها"؛ فإن استمر، بقيت في أمان؛ وإن رحل، هناك بلد مخيف مُدَمَّر لا تقوم له قائمة بزمن.

كما لدى السوري ألف سبب وسبب للإحباط والحزن واليأس والانتكاس والارتكاس؛ لديه أكثر من ألفين وسببين للأمل والعمل والانطلاق

والحال هكذا ماذا تبقى لنا؟ إنه السؤال المثير للحزن واليأس والإحباط؛ ولكن، ليس كلاماً معسولاً، ولا تدليساً، ولا نفخاً في قِرب مثقوبة، ولا وهماً أو أحلام يقظة أو تفكيراً أمنياتياً رغبوياً؛ بل حقائق واقع مكتوبة بالدم والواقع والمحسوس؛ لقد تبقى الكثير للسوريين. وعناصر القوة في حياتهم أيضاً بلا ضفاف. إنها بكثرة عددهم. ولن يغلبهم غالب. فما يدّعيه نظام الاستبداد من "انتصار" ليس إلا خزياً وعاراً وهزيمة؛ فلا ينتصر نظام على شعبه.

كما لدى السوري ألف سبب وسبب للإحباط والحزن واليأس والانتكاس والارتكاس؛ لديه أكثر من ألفين وسببين للأمل والعمل والانطلاق. بداية من الأرض السورية؛ فلن يتمكن أحد من سرقة سوريا الجغرافيا والتاريخ والذاكرة، وشحنها إلى طهران أو موسكو؛ ولا الروس أو الإيرانيون قادرون على البقاء فيها أبدياً. فما استعمار دام، ولا طاغية خلّد. ملفات الإجرام التي راكمها نظام الاستبداد على كاهله لا تصيبه فقط، بل تطول مَن حَماه أيضاً. هم شركاء في الجرائم؛ والعالم يعرف ذلك. المحاكم الإقليمية تستقبل ملفات إجرامهم؛ و"لاهاي" ستكون يوماً بالانتظار؛ ولا يمكن للمراوغة أو البهلوانية أن تنجيهم من ذلك. ومن هنا يسعون إلى تركيب أو تلفيق أي حل لإحساسهم بفداحة خطر المستنقع. التذاكي والتكتكة والمكابرة لن تنفعهم لتفصيل حل ينجيهم.

ها هو الشريان المالي والاقتصادي/ مصرف النظام المركزي/ يُوضع بحالة شلل كامل؛ وها هي عائلة رأس النظام، وكل من حولها يتم تكبيلهم مالياً بالمطلق؛ فلا مقدرة على الصرف؛ ولا يمكن لأحد أن يتلوّث بهم مادياً. وها هو عبث حيتان السرقة وتجار الحرب، الذين بدؤوا ينهشون بعضهم البعض، في حالة شلل مادي ومعنوي. وها هي الملايين التي يأخذها الاستبداد رهينة خوفاً أو جهلاً أو مصلحة؛ والتي يوجعها، ويسرقها، ويستخدمها، ويحرمها من آدميتها؛ تبدأ بالتململ واستشعار الحصار؛ وانقلابها قادم لا محالة.

بيدِ السوريين قرارات دولية - رغم أنها بلا أسنان- إلا أن الحقوق فيها واضحة: الانتقال السياسي، والتغيير، والخلاص. روسيا وإيران، الوحيدتان اللتان تحميان النظام، ذاتهما بالويل؛ تتراقصان بين الفشل والفشل؛ سجلهما أسود؛ مسلكهما البلطجة والقتل. معظم دول العالم تناصبهما العداء. على الأقل تعرف دكتاتوريتهما أن سياستهما مبنية على الدجل والخبث والبهلوانية وعقل العصابة. حتى إسرائيل، التي تدين للنظام بجزء أساسي من حفظ أمنها تاريخياً، لن تتمكن من إنقاذه رغم الوساطة التطبيعية الروسية الخبيثة، ورغم الانفتاح العربي عليها؛ فرغم وساختها، ورغم الدم الذي تحمله، والحقوق التي اغتصبتها، إلا أنها لن تستطيع تحمّل سجله الإجرامي؛ فهو ورقة محروقة. على الأقل ملالي طهران لن يمرروا له ذلك؛ وينسفوا مبرر بقائهم.

هناك سوريون نماذج تُحتذَى في بلاد الاغتراب واللجوء؛ وهناك من المحيط الذي انتمى إليه أهل سوريا يدرك أنه إن لم يقف إلى جانبهم سيكتوي بنيران ومظلومية إخوته

صحيح أن الكثيرين تخلّوا أو أداروا ظهرهم للقضية السورية لأسباب تتعلق بمن يدير الملف وممارساته، وبفعل الدعاية والتشويه القادم من النظام وأعوانه الواضحين والمستترين؛ إلا أن هناك مَن لا يزال يرى جوهر الصراع ويتمترس عند الحق السوري من أهل القضية، وهناك مَن يساندهم أو يتعاطف معهم. هناك سوريون نماذج تُحتذَى في بلاد الاغتراب واللجوء؛ وهناك من المحيط الذي انتمى إليه أهل سوريا يدرك أنه إن لم يقف إلى جانبهم سيكتوي بنيران ومظلومية إخوته؛ هناك جيل سوري جبار قادم أخذ دروسه في بلاد الحضارة، وفي معاناة الغربة، والمخيمات، والوجع.

الأهم، هناك الإرادة الموجودة في خلق جسم سوري سياسي جديد جامع يحمل جمرة الحق باستراتيجية أساسها الفهم الجوهري لطبيعة الصراع في بلدها كصراع بين الاستبداد، وإرادة الحرية؛ جسد متفهم لمصالح الدول المنخرطة في أتون هذا الصراع، جسد ينطلق من وضع سوريا وشعبها فوق كل اعتبار؛ جسد لا يحبطه ولا يلتفت لمن يقول: "وضعنا من السيء إلى الأسوأ". أو "وضعنا وصل إلى الدرجة الأسوأ". لا ينقذ السوريين إلا جسد هدفه الأكبر والأوحد إنقاذ البلد ووضعه على سكة الحياة، بمشروع ثوري جامع أساسه الإيثار والعمل والعقل والمسؤولية، جسد لا تقلقه مصطلحات أو تحريف أو تزوير للحقائق لأنه يعتبر حق السوريين كالرمح وعليه الدفاع به وعنه. ليس هناك "ملف للتنازل" ليتكلف به أحد، كما يرى بعض المحبطين أو الميئسين قصدياً أو بسبب أمراض ذاتية. كُثُرٌ يتحدثون عن "التسلق والتعربش " يعكسون ما يعتلج بداخلهم من رغبات مكبوتة؛ ولن ينفعهم التفرغ للطعن بمن يحمل جمرة مسؤولية إعادة سوريا إلى سكة الحياة. يداً بيد ستعود سوريا إلى الحياة؛ والكل مسؤول. مِن قلب الوجع، سيكون فجر الأمل والخلاص.

========================

99 ألف مختفٍ والعدد في ازدياد.. حكاية الاختفاء القسري في سوريا

فضل عبدالغني

سوريا تي في

الاحد 27/12/2020

تُشير التقديرات إلى أن نحو 1.2 مليون مواطن سوري قد مرَّ بتجربة الاعتقال في مرحلة ما، منذ آذار 2011، وتحول خلال هذه الحقبة ما يقدر بـ 99 ألف شخص إلى مختفين قسرياً، في حين أن نظام الأسد مسؤول عن نحو 84 ألف من هذه الحالات. (تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 30 آب 2020 ص 8 و 9).

إنَّ جريمة الاختفاء القسري، التي غالباً ما تكون مصحوبة بأعمال تعذيب، تنتهك القانون الدولي. الجمهورية العربية السورية ليست طرفاً في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006. ومع ذلك، فإن حظر الاختفاء القسري ينبع أيضاً من القواعد العرفية للقانون الإنساني الدولي، عندما يحدث نزاع مسلح، وكذلك من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، الذي صدّقت عليه سوريا.

في حين أن حالات الاختفاء القسري ليست خاصة بالنزاع السوري المسلح وهي في الواقع سمة مشتركة في العديد من النزاعات المسلحة، إلا أن العدد الهائل لحالات الاختفاء القسري يميز سوريا عن غيرها، لا سيما عند مقارنتها بإجمالي عدد سكان سوريا (21 مليون في بداية الحراك الشعبي عام 2011). على افتراض أن لكل شخص مختفٍ قسرياً خمسة أفراد من العائلة أو الأصدقاء على الأقل، فإن ما يقارب نصف مليون شخص هم متأثرون بشكل مباشر بجريمة الاختفاء القسري، أي قرابة 2.3% من إجمالي السكان. هذه النسبة العالية جداً لها تأثير مرعب على المجتمع السوري ككل.

بصفتي مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد كنت أعمل خلال السنوات العشر السابقة على قضية الاختفاء القسري في سوريا. ومنذ بداية النزاع، تقوم الشبكة السورية لحقوق الإنسان بجمع معلومات عن حالات الاختفاء القسري. وقد لاحظنا أن هذه الجرائم تُستخدم كسلاح حرب في الصراع السوري، بشكل رئيس، وإن لم يكن بصورة حصرية، من قبل القوات التابعة للنظام. من خلال عملنا المستمر، حددنا بعض الخصائص الرئيسة للاختفاء القسري في سوريا، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولاً: عمليات الاعتقال نفسها تعسفية وهي أقرب ما تكون إلى الاختطاف:

 معظم حوادث الاعتقال في سوريا تتمُّ من دون مذكرة قضائية (تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 2 كانون الأول 2020، ص2). وتعتبر هذه الاعتقالات تعسفية، حيث لا يُعرّف من يقومون بالاعتقال عن أنفسهم ولا يُخبرون المواطن عن سبب الاعتقال، كما لا يتم إبلاغ المعتقل بمكان الاعتقال ولا يُسمح له بالاتصال بأسرته، وغالباً ما تتمّ هذه الاعتقالات لدى مرور الضحايا عبر نقاط التفتيش أو في أثناء المداهمات (المرجع نفسه، ص2). في الواقع، غالباً ما تكون قوات الأمن التابعة لأجهزة المخابرات الأربعة الرئيسة التابعة بدورها للنظام مسؤولة عن الاعتقالات خارج نطاق القضاء (تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 30 آب 2020، ص2). تشير تقديراتنا إلى أن قرابة 131 ألف شخص لا يزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري لدى النظام (المرجع نفسه، ص13).

ثانياً: النظام مسؤول عن النسبة الأكبر من المختفين:

يُعتبر النظام السوري مسؤولاً عن قرابة 89% من حصيلة حالات الاعتقال والاحتجاز (تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 2 كانون الأول 2020، ص2)، وبالتالي فهو يشكل طرف النزاع الرائد في ارتكاب هذا الانتهاك الحقوقي بشكل ممنهج (لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، التقرير الصادر في 3 شباط 2016).

إضافة إلى ذلك، ونظراً لأن النظام السوري لم يفتح أي تحقيق خلال السنوات العشر الماضية في هذا النوع من الحوادث التي ارتكبتها قواته المتحالفة (بما في ذلك الميليشيات الإيرانية، وحزب الله اللبناني)، فإن هذا الأمر الذي ربّما شجّع هذه الميليشيات أيضاً على القيام بعمليات الاعتقال والتعذيب، وإخفاء معتقلين قسراً، وذلك على الحواجز التي أقاموها عبر الحدود السورية اللبنانية (تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 2 كانون الأول 2020، ص19). ويشكل غياب التحقيقات في الواقع ضوءاً أخضر للميليشيات لمواصلة ارتكاب هذه الانتهاكات.

تقوم بقية أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا مثل قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية، والتنظيمات الإسلامية المتطرفة، وفصائل المعارضة المسلحة بمختلف تشكيلاتها، باستراتيجيات وممارسات مشابهة لما يقوم به النظام السوري وإن كان بوتيرة ومنهجية أقل مما تمارسه قوات النظام السوري (لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، التقرير الصادر في 8 آذار 2018).

لا يقوم أحد من أطراف النزاع والقوى المسيطرة بإتاحة أي سجل عام للمجتمع يُظهر أماكن وجود المعتقلين/ المحتجزين وأسباب اعتقالهم، ولا ما هي الأحكام القضائية التي صدرت بحقهم، بما في ذلك عقوبة الإعدام (منظمة العفو الدولية، التقرير الصادر في 2017)، ولا تعلم الغالبية العظمى من الأهالي مصير أبنائها، كما أشارت إلى ذلك الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقاريرها الشهرية وتقاريرها المواضيعية حول الاعتقال والإخفاء القسري.

 ثالثاً: أكثر من 70% من المعتقلين يتحولون إلى مختفين قسرياً:

كما ذكرنا سابقاً، يتم تنفيذ الاعتقالات من قبل أشخاص مجهولي الهوية، وفي كثير من الحالات، لا يتمكن المعتقلون من التواصل مع أقربائهم أو محاميهم. علاوة على ذلك، تُنكر سلطات الدولة قيامها بعمليات الاعتقال (تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 2 كانون الأول 2020، ص2). نتيجة هذا الرفض للاعتراف بالحرمان من الحرية، ووفقاً للمادة 2 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، تصنف الشبكة السورية لحقوق الإنسان 70% من إجمالي حصيلة هؤلاء المعتقلين على أنهم مختفون قسرياً.

كما أنَّ معظم المعتقلين، نحو 85 %، هم من المعتقلين السياسيين، -بينما يُشكّل بقية المعتقلين (15%) من مقاتلي المعارضة المسلحة- (تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 15 تشرين الأول 2020، ص9)، وقد تم اعتقالهم على خلفية مشاركتهم السلمية في الاحتجاجات بصفتهم "ناشطين في مجال حقوق الإنسان، وإعلاميين، وكوادر طبية، وعمال إغاثة، وأعضاء أحزاب معارضة، وكتاب رأي"، أو ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي (المرجع نفسه، ص9).

رابعاً: يتعرض المعتقلون للتعذيب الوحشي:

وفقاً لتقرير خاص صادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الجمهورية العربية السورية، يتعرض المعتقلون لأساليب وحشية من التعذيب الجسدي والنفسي، ولا يكاد ينجو أي معتقل من هذه المعاملة اللاإنسانية (لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، التقرير الصادر في 3 شباط 2016، فقرة 22). يعترف المعتقلون تحت التعذيب بارتكاب جرائم لا علاقة لهم بها، ويتم تسجيل اعترافاتهم والاحتفاظ بها ضمن ضبوط في الفروع الأمنية التابعة للنظام (تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الضادر بتاريخ 15 تشرين الأول 2020، ص9). وتستند المحاكم الشاذة التي أنشأها النظام السوري إلى هذه الضبوط في محاكمة من تتم إحالته من المعتقلين إليها. ومع ذلك، تمت إحالة 20% فقط من العدد الإجمالي للمعتقلين فعلياً إلى هذه المحاكم الشاذة، وقد يتم توجيه تهم إليهم لمدة تصل من 8 إلى 9 سنوات كمعدل وسطي (المرجع نفسه، ص9).

 نحن في الشبكة السورية لحقوق الإنسان نفترض أن أعمال التعذيب مستمرة بحق المختفين قسرياً طيلة مدة احتجازهم، وأن عمليات التعذيب لم تتوقف، لأننا نتلقى باستمرار معلومات عن وفاة لأشخاص مسجلين ضمن قاعدة بياناتنا على أنهم مختفون قسرياً.

خامساً: تحديات استثنائية في توثيق حالات الاعتقال أو الاختفاء القسري:

غالباً ما تحجم عائلات المختفين عن التعاون أو تقديم تفاصيل عن اعتقال أقاربهم (حتى لو كان بشكل سري)، لا سيما إذا كان المعتقل أنثى (منهجية عمل الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ص15). ويعود هذا الإحجام إلى الخوف السائد والمبرّر في المجتمع السوري من أن اكتشاف التعاون قد يؤدي إلى مزيد من التعذيب والخطر على أحبائهم وعلى أنفسهم. بدلاً من ذلك، تحاول العائلات في كثير من الأحيان التفاوض مع قوات الأمن التابعة للنظام. ومع ذلك، غالباً ما يقوم هؤلاء بابتزاز الأهالي ويطلبون فدية، والتي قد تصل في بعض الحالات إلى آلاف الدولارات (ورقة سياسة المركز الدولي للعدالة الانتقالية، ص10). ونتيجة لذلك، فإن إحجام الأقارب عن التعاون يضيف تحديات إضافية لتوثيق الحالات (منهجية عمل الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ص15).

كما أدى فشل المجتمع الدولي في ممارسة أي ضغط حقيقي على سلطات النظام السوري للإفراج عن المعتقلين (بمن فيهم أولئك الذين انتهت محكومياتهم) إلى اعتقاد العديد من السوريين أنّه لا جدوى من التعاون في عملية التوثيق (منهجية عمل الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ص 15).

لكن من دون تعاون الأهالي، لا تستطيع الشبكة السورية لحقوق الإنسان مواصلة توثيق هذه الحالات، وإقناع الأهالي بالتعاون أمرٌ غاية في الصعوبة، عندما لا نستطيع أن نعطيهم أي أمل، أو أية معلومة عن مصير أبنائهم.

بالرغم من هذه التحديات، أنشأت الشبكة السورية لحقوق الإنسان برامج إلكترونية معقدة من أجل جمع بيانات المعتقلين والتحقق منها وتصنيفها وأرشفتها (منهجية عمل الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ص17)؛ الأمر الذي مكنَّنا بالتالي من توزيع حالات الاعتقال بحسب الجنس ومكان حادثة الاعتقال، والمحافظة التي ينتمي إليها المعتقل، والجهة التي قامت بعملية الاعتقال. كما مكّنتنا هذه البرامج من تحليل البيانات ومقارنتها، على سبيل المثال تحديد المحافظات التي اعتقل واختفى النسبة الأعظم من أبنائها.

ولتوثيق حوادث الاعتقال والاختفاء هذه، قمنا على مدى سنوات بعمليات نشر أخبار دورية، وكذلك إصدار تقرير شهري، وغير ذلك من التَّقارير الخاصة المرتبطة بشؤون المعتقلين، كما نرسلُ بشكل دوري استمارات خاصة إلى فريق الأمم المتحدة العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي، وإلى المقرر الخاص المعني بالاحتجاز التعسفي، والمقرر الخاص المعني بمسألة التعذيب.

استشراف:

نحن في الشبكة السورية لحقوق الإنسان نعتقد أنه في حال استمرار النظام السوري الحالي في السلطة، فلن يكون هناك كشف حقيقي عن مصير المختفين قسرياً في سوريا، وقد تضاعفت أعدادهم عشرات المرات، ومن وجهة نظرنا، فإنَّ الحل الوحيد هو تحقيق انتقال سياسي وفقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي، ونحن مقتنعون بأنّ ذلك هو الخيار الوحيد الذي يضمن للشعب السوري حصوله على حكومة وسلطة جديدة تتمسك بالقيم الديمقراطية وتحترم حقوق الإنسان، وفي نهاية المطاف تخفف معاناة أسر المختفين، وآمل شخصياً أن أرى ذلك قريباً.

الورقة نشرت في voelkerrechtsblog المدونة العلمية المختصة في مسائل القانون الدولي العام، والفكر القانوني الدولي

=========================

سقوط الدولة السورية

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 27/12/2020

بقي المصرف المركزي السوري بمنأى عن كل العقوبات الدولية التي تعرض لها النظام طيلة الأعوام الأخيرة، ولكن هذا الاستثناء انتهى في الوجبة الأخيرة من عقوبات قيصر، والتي صدرت عن وزارتي الخزانة والخارجية الأميركيتين في مطلع هذا الأسبوع، بمناسبة مرور عام على دخول القانون مجرى التنفيذ. ومن الملاحظ أن الدفعة الجديدة من العقوبات هي الأقوى حتى الآن، ومن بين الذين استهدفتهم عائلة أسماء الأسد (الأخرس) الذين عملوا طيلة أعوام الثورة بمثابة حراس للنظام، وشكلوا واجهة إعلامية في لندن للدفاع عن جرائمه.

دشنت سياسة تشديد الحصار المالي على بشار الأسد بإغلاق حنفية المصارف اللبنانية التي كانت نافذته إلى العالم الخارجي

وتهدف خطوة وضع المصرف المركزي السوري على لائحة العقوبات الأميركية إلى منع النظام من تلقي، أو تحويل الأموال وفق الطرق المتبعة في النظام المالي العالمي الذي يمر تقنيا عبر الولايات المتحدة، وبذلك يصبح من الناحية العملية شبيها بالمصرف المركزي الإيراني، والذي أخرجته العقوبات الأميركية من التداول الدولي في تشرين الأول الماضي، بعد سلسلة من العقوبات التدريجية بدأت قبل عامين، عندما أطلقت واشنطن سياسة تشديد العقوبات على طهران.

ودشنت سياسة تشديد الحصار المالي على بشار الأسد بإغلاق حنفية المصارف اللبنانية التي كانت نافذته إلى العالم الخارجي. ومن المعروف أن نظام الأسد استخدم النظام المصرفي اللبناني طيلة السنوات الأخيرة من أجل الالتفاف على العزلة الدولية التي واجهها، كما وظف عددا من رجال الأعمال الذين يديرون ثروات آل الأسد مبالغ مالية كبيرة في المصارف اللبنانية، وأرجع الأسد في تشرين الثاني الماضي الأزمة الاقتصادية في سوريا إلى الأموال المودعة في لبنان. وقال إن "ما بين 20 و42 مليار دولار من هذه الودائع ربما فُقدت في القطاع المصرفي اللبناني، وأن هذا الرقم بالنسبة لاقتصاد سوريا رقم مخيف".

وعلى العموم لم يطل الوقت حتى أخذت عقوبات قيصر تثمر عن نتائج مهمة، منها ما هو منظور على صعيد تشقق النظام وانفجار الصراعات داخله، ومن ذلك الخلافات بين الأسد وابن خاله رامي مخلوف الذي كان يعتبر المندوب المالي لإدارة ثروة العائلة. ولكن الأمر سوف يختلف كثيرا مع العقوبات على المصرف المركزي، لما له من دور ورمزية مهمة تتعلق بالدولة السورية، التي تساقطت رموز سيادتها خلال الأعوام العشرة، ولم يبق منها رمز واحد على حاله. وأول الرموز التي انهارت كان الجيش السوري الذي انقسم في بداية الثورة السورية، حينما وضعه النظام بوجه المتظاهرين السلميين، وشرع يطلق النار على السوريين، وتدهور في الأعوام الماضية حتى تحولت البقية الباقية منه إلى ميليشيات، ولم يعد له صلة بالوطن والوطنية. وكذلك حدود البلاد، التي تمت استباحتها بنشر جيوش أجنبية استقدمها الأسد للدفاع عنه، والأمر ذاته بالنسبة للتنظيمات الإرهابية التي انتقلت إلى سوريا، وأسست كيانات مثل داعش والقاعدة والميليشيات الإرهابية العراقية والإيرانية والأفغانية والباكستانية..إلخ. وفي هذا الوقت باتت ترفرف في هذا البلد رايات أخرى كلها أجنبية. وهذا التدهور الشامل ينسحب على العملة الوطنية التي نزلت من خمسين ليرة أمام الدولار عام 2011 إلى قرابة ثلاثة آلاف في الأيام الأخيرة.

تم انتهاك السيادة السورية بقرار من النظام الذي كابر أمام تظاهرات سلمية طالبت بالإصلاح السياسي لا أكثر، وبدلا من أن يتنازل الأسد قليلا أمام المطالب بالديموقراطية لجأ إلى القتل، ورهن سوريا بكاملها للقوى الأجنبية، وكان من خلال ذلك يفرط بالسيادة الوطنية حتى إنه لم يبق منها شيئا على حاله. وآخرها المصرف المركزي الذي سوف يتحول بمقتضى العقوبات إلى ما يشبه شركة تحويلات تعمل في السوق السوداء.

بعد عشرة أعوام من الثورة لم يسقط النظام بل سقطت الدولة، وانتصرت مقولة الشبيحة "الأسد أو نحرق البلد"، احترق البلد وانهارت الدولة السورية، وبقي الأسد موظفا لدى الروس والإيرانيين، يلعب دور خادم المحتل في مسرحية شكسبيرية.

=========================

عمليات أمنية في لبنان..على وقع التوتر الإيراني-الأميركي؟

منير الربيع

المدن

الاحد 27/12/2020

لم تكن الضربات الصاروخية على سوريا قبل يومين، مسألة عادية أو روتينية. فهدفها المباشر هو مواقع لإيران وميليشياتها في مصياف وصافيتا. لكن هدفها الآخر غير المباشر وغير المعلن كان لبنان.

استفزازات نتنياهو

وبصرف النظر عن الصواريخ الإسرائيلية التي أطلقت، أكانت من بارجة بحرية أم من طائرات حربية، فأن تحليق الطيران الإسرائيلي بكثافة وعلى علو منخفض، وخرقه جدار الصوت وتنفيذه غارات وهمية من جنوب لبنان إلى شماله، هي رسائل استفزاز واضحة لحزب الله ولبنان. لقد أراد الإسرائيليون زرع الرعب في نفوس اللبنانيين، وتذكيرهم بحرب تموز.

لن يكون هذا الاستفزاز الوحيد. فبنيامين نتنياهو في مأزق سياسي داخلي، ويفكر في كيفية تعزيز وضعه للعودة رئيساً للحكومة، ودونالد ترامب يهم لمغادرة البيت الأبيض. ويريد الأول الاستفادة من ما تبقى من ولاية الثاني، فينفذ ما يمكن أن يعيده منتصراً في انتخابات آذار المقبل الإسرائيلية.

لذا قد تتوالى الاستفزازات والاستعراضات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، والتي يستخدمها نتنياهو لتقديم نفسه قوياً وقادراً على تنفيذ عمليات نوعية، تغير الموازين، وتوفر حماية لإسرائيل، ولا يتجرأ المستهدفون من الرد عليها، لأن الرد تذهب بالمنطقة كلها إلى تصعيد كبير.

استنفار إقليمي إيراني

وفي هذه الفترة الممتدة بين 6 كانون الثاني والعشرين منه، يبدو أن الانفاس محبوسة في المنطقة. فتشير تقارير غربية وعربية إلى أن حوادث أمنية وعسكرية مرشحة للبروز. والاستنفار قائم في دول المنطقة كلها: سوريا ساحة مفتوحة للصراع والتصعيد. العراق تتسارع فيه الحوادث على وقع ما يمكن أن تفعله أميركاهناك أو خارج العراق. لبنان يتلقى رسائل تحذير على إيقاع تشديد الخناق والحصار السياسي، واستمرار سياسة العقوبات.

ويظل الخوف من تدهور أمني أو عسكري قائماً، بسبب احتمال لجوء إسرائيل إلى استهداف أحد مواقع حزب الله داخل لبنان. وإيران في حال تحسب واستنفار أيضاً، خشية أن تُضرب مواقع جديدة فيها.

وينتظر العالم الذكرى السنوية الأولى لاغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وما إذا كانت إيران ستلجأ إلى تنفيذ عملية عسكرية أو أمنية رداً على اغتياله. وفي حال وقعت العملية قد تستخدم ذريعة لتنفيذ ضربة إسرائيلية أو أميركية واسعة تدفع بالوضع في المنطقة كلها إلى التدهور. فحلفاء إيران سبق وأكدوا أن أي ضربة يتلقاها راعيهم تؤدي إلى فتح جبهات عديدة.

مخاوف من اغتيالات

في لبنان ينشط التحرك ديبلوماسي مكثفاً ما بعد ليلة الغارات الوهمية. وهدفه لجم أي تصعيد ومنع أي توتير. قوات اليونفيل في الجنوب حذرة من احتمال حصول تطور ما ليس في الحسبان. جهات دولية عديدة تتابع تطورات الأوضاع، وتسدي النصائح والتحذيرات من أي خيار يشعل الجبهة جنوب لبنان. وبعض التقارير تشير إلى تخوف من عمليات اغتيال واستمرار هذا المسلسل، على غرار اغتيال قاسم سليماني ومحسن فخري زادة.

أغلب القراءات تتحدث عن مثل هذا السيناريو، بدلاً من اللجوء إلى معركة عسكرية واسعة أو شاملة. لذا يعيش العالم فترة حبس أنفاس إلى حين مغادرة دونالد ترامب البيت الأبيض.

=========================

حصيلة 2020 السورية: خمسون الطاغية وعشرون وريثه

صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 26/12/2020

الأرجح أنّ المصادفة المحضة لم تكن وراء ابتداء العام 2020 في سوريا بلقاء جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رأس النظام السوري بشار الأسد، احتضنته في دمشق الكاتدرائية المريمية، مقرّ كنيسة أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، واقترن بجولة بوتين في الجامع الأموي؛ وأن يُختتم العام بعودة الأسد إلى رياضة التفلسف المفضلة عنده، ولكن ليس من أيّ منبر خطابي سياسي أو حزبي أو إعلامي، بل من جامع العثمان خلال المشاركة في الاجتماع الدوري الموسع الذي تعقده وزارة أوقاف النظام ويحضره «السادة العلماء والعالمات». بركات البطريركية الأرثوذكسية الروسية لم تخلف وعداً مع بوتين، ولم تبخل بدعم أو تزكية مقابل حرص الكرملين على تحويل هذه العلاقة إلى تحالف صريح يطمح إلى تمثيل 300 مليون مسيحي أرثوذكسي على نطاق العالم؛ وكان أمراً طبيعياً أن يجسد بوتين هذه الصياغة في دمشق تحديداً، وعلى أنوار الشموع الكنسية التي ألقت المزيد من الأضواء على تفقّد القائد بوتين لقوّاته العسكرية المرابطة هنا وهناك لمدّ النظام السوري بأسباب البقاء.

من جانبه افتقد الأسد، طوال العام، فرصة سانحة لممارسة التفلسف الذي أدمنه منذ الأشهر الأولى لتدريبه على وراثة أبيه، فاغتنم اجتماع وزارة الأوقاف هذا كي يشرّق ويغرّب، ابتداءً من الفارق بين «القضايا المعيشية والأمنية» مقابل «القضايا الفكرية»؛ مروراً بـ»وضعنا في العالم الإسلامي بشكل عام»، حيث افترض الأسد أنه «لا يوجد مخفر شرطة لأنه لا يوجد قانون دولي ولا توجد مؤسسات تضبط»؛ وليس انتهاء بالعلمانية والليبرالية و»الليبرالية الحديثة» والزواج المثلي والمخدرات وفصل الدين عن الدولة. لم تغب عن جلسة التفلسف هذه تأملات حول اللغة العربية، مثلاً: «حامل الفكر والثقافة بشكل عام قبل أن تكون لغة القرآن.. هي الحامل الطبيعي.. عندما تندثر هذه اللغة أو تتراجع أو تضعف وهذا الشيء كلنا نراه في المجتمع بشكل واضح وبشكل خطير ومخيف فيجب أن نعرف أن هناك حاجزاً وهناك غربة بين الإنسان وثقافته».

بين الكنائس والمساجد كانت الاحتلالات الخمسة التي تخضع لها سوريا، إسرائيلياً وإيرانياً وروسياً وأمريكياً وتركياً، تواصل اشتغالاتها دون كلل أو ملل؛ مع تواطؤ وتكامل تارة، ثنائياً أو ثلاثياً أو رباعياً أو حتى خماسياً، أو تعارض وتباين يعقبه غالباً توافق وتفاهم واقتسام تارة أخرى. ولم تكن مصادفة عابرة، هنا أيضاً، ألا يُختتم العام من دون بدعة «العدالة التصالحية» التي تفتق عنها ذهن غير بيدرسون، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا، في إحاطته الأحدث إلى مجلس الأمن الدولي، وعجزت الترجمة إلى العربية عن تغطية عيوبها الاصطلاحية قبل تلك القانونية والدلالية. ذلك لأنّ الأريحية التي قادت بيدرسون إلى سلوك كهذا لم تكن تضيف بُعداً خاصاً إلى واقع الاحتلالات والاستهانة بإرادة البلد وشعبه ومآلات انتفاضته، على يد المبعوث الأممي هذه المرّة، فحسب؛ بل كانت، على قدم المساواة، تؤشر على إدقاع فريق في «المعارضة» يواصل اجترار أوهام تمثيله للسوريين عبر خرافات شتى أحدثها اللجنة الدستورية، ويرتكب استطراداً المزيد من الحماقات والموبقات والتنازلات.

خمسون الطاغية الأب وعشرون وريثه الطاغية الابن، وحصيلة من الدم والدمار والخراب وهيمنة الاحتلالات؛ حيث لا يتوجب أن يغيب عن هذا المشهد السوري إدقاع المعارضة، في تسعة أعشار تمثيلاتها ومؤسساتها.

لكنّ المصادفة شاءت، وكانت بليغة المغزى وعالية التوافق هنا تحديداً، أن يسجّل العام 2020 الذكرى الخمسين لانقلاب حافظ الأسد على رفاقه وحزبه، في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، المسمّى بـ»الحركة التصحيحية»؛ وأن يسجّل أيضاً الذكرى العشرين لتنصيب الوريث بشار الأسد، في 17 تموز (يوليو) 2000 بعد رحيل الطاغية الأب في 10 حزيران (يونيو) من العام ذاته. ولقد توجّب أن تمرّ الذكرى الأولى وحصاد الطاغية الوريث لا يقلّ خراباً ودموية عن حصاد أبيه، لاعتبار جوهري أوّل هو أنه امتداد مطابق لنهج الطاغية الأب، على الأصعدة كافة في واقع الأمر وبصرف النظر عن فوارق هنا وهناك تخصّ أسلوب الأب وتجربته وحصيلته السياسية والعسكرية والاجتماعية والعشائرية، التي كانت لنشأته التربوية تأثيراتها الكبرى في سلوكه وخياراته وشخصيته إجمالاً.

صحيح، بصدد النشأة تلك، أنّ إطلاق صفة «العلوي» على النظام الذي شيده الأسد الأب بعد انقلابه ليس دقيقاً، بالمعاني السياسية أو السوسيولوجية أو حتى الاصطلاحية المجردة، لسبب جوهري أوّل هو أنّ مكوّنات النظام، سواء في الأجهزة الأمنية أو الجيش أو الحزب أو مجلس الوزراء أو الإدارات الكبرى، ضمّت السنّة والدروز والإسماعيليين من الطوائف المسلمة، والكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت من المسيحيين. وهذا راجع إلى طبيعة التركيب التعددي للمجتمع السوري ذاته، أولاً؛ كما يعود، ثانياً، إلى أن الأسد سعى إلى إقامة صيغة من التواطؤ بين الأقليات، في مواجهة الأغلبية السنية (أكثر من 70% من سكان سوريا)، التي جُرّد معظم أبنائها من الفاعلية في الأجهزة الأمنية والجيش، وحُرموا من الدخول إلى حلقة القرار الفعلية الأضيق في قلب النظام. وفي المقابل، عقد النظام تحالفات وثيقة مع كبار تجّار السنّة في دمشق وحلب والمهاجر بصفة خاصة، ودخل بعض كبار الضباط والمسؤولين العلويين في شراكات معهم (رفعت الأسد، شقيق الأسد الأب، كان أحد أبرز الأمثلة).

عن الذكرى الثانية، تنصيب الوريث، لعلّ الذاكرة السورية الحديثة والمعاصرة لن تملّ في أيّ يوم من استعادة «الكرنفال» الذي شهدته أروقة السلطة وما يُسمّى «مجلس الشعب» لتتويج الأسد الابن، على نقيض من سلسلة مواضعات وأحكام «دستورية» كان الأسد الأب قد وضعها بنفسه. حلقات المسلسل بدأت بعد أسابيع قليلة أعقبت مقتل الوريث المكرّس، باسل، في حادث سيارة سنة 1994؛ فانقلب الشقيق بشار من طبيب إلى ضابط عسكري تخرّج من الكلية الحربية برتبة نقيب، رغم أنّ القوانين المرعية تنصّ على تخرّجه برتبة ملازم. بعد شهرين جرى ترفيع النقيب إلى رائد، وكان طبقاً للقانون يحتاج إلى أربع سنوات قبل الترفيع؛ ثمّ انقضى عام يتيم قبل أن يُرفّع الرائد إلى عقيد، متجاوزاً رتبة المقدّم؛ ثمّ، بعد ساعات أعقبت وفاة أبيه، إلى فريق أوّل، وقائد عامّ للجيش والقوات المسلحة. خارج الجيش، وعلى صعيد مدني، بات الفتى أميناً عاماً قطرياً لحزب البعث الحاكم، من دون المرور بعضوية القيادة القطرية؛ ثمّ أميناً عاماً قومياً، حتى من دون انعقاد المؤتمر القومي للحزب؛ ومرشحاً لرئاسة الجمهورية، بعد اجتماع كرنفال «مجلس الشعب» وتخفيض سنّ الـ40 كشرط للترشيح…

ومن عجائب المصادفات أنّ العام 2020 شهد، أيضاً، رحيل عبد الحليم خدام، الذي كان نائباً للأسد الأب ساعة رحيل الأخير، وكان وراء غالبية القرارات التي نقلت الأسد الابن إلى سدّة الترفيع وقيادة الجيش والترشح للرئاسة والتنصيب. بذلك فإنّ خدّام لم يكن صانع سياسة خارجية بقدر ما كان منفّذاً بارعاً طيّعاً مطيعاً، كما في الملفّ اللبناني منذ 1975 بصفة خاصة، حين عُرف بصفة رجل الأسد الأشدّ غطرسة وعنفاً لفظياً وهوساً باستخدام الهراوة الغليظة. ولقد ظلّ قريباً من موقع القرار السياسي الخارجي، محاصِصاً في دائرة الفساد الأضيق، متعبداً للفرد الأسد، مؤمناً بسلطة سلطة الحزب الواحد، وعاشقاً للأحكام العرفية ومحاكم أمن الدولة. وهكذا كان «الانشقاق» الذي لجأ إليه أواخر 2005 بمثابة فرار من مركب آيل إلى غرق، وليس اعتراضاً على سياسات النظام في أي حال.

خمسون الطاغية الأب وعشرون وريثه الطاغية الابن، وحصيلة من الدم والدمار والخراب وهيمنة الاحتلالات؛ حيث لا يتوجب أن يغيب عن هذا المشهد السوري إدقاع المعارضة، في تسعة أعشار تمثيلاتها ومؤسساتها.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

=========================

حزب الكبتاغون: للمقاولة وتجارة وتعاطي وترويج كل أنواع المخدرات

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 26/12/2020

هل تصدق أن «الحبحبة» بالعامية (تعاطي حبوب الكبتاغون) وتجارة المخدرات وترويجها وبيعها وتعاطيها مهنة وحرفة قانونية و»حلال» و»زلال» ومرخصة، ولا تثريب على من يمارسها ويتعامل بها؟ نعم إنها، اليوم، حرفة ومهنة حزب الله الوكيل الحصري للمرشد الإيراني لبضاعة المقاومة وتحرير المقدسات.

شتـّان بين عام ألفين وستة واليوم، ففي ذلك التاريخ كانت غالبية العرب والمسلمين مغيبة أو غائبة عن الوعي كي لا أستخدم عبارة أكثر قسوة وتجريحاً. وقتها كانت الغالبية العظمى من الشارعين العربي والإسلامي تصفق لحزب الله وزعيمه حسن نصرالله بشكل جنوني، فقد كان الشارع العربي ومازال متعطشاً لظهور قائد قوي يحقق له بعض الانتصارات ويُخرجه من قاع الهزيمة التي يرتع فيه منذ عقود وعقود. وقد ظن كثيرون في تلك الفترة أن زعيم حزب الله هو القائد العربي الموعود الذي سينهض بالأمة وسيجمع شملها. لقد كان الجميع يلتف حول شاشات التلفزيون ليستمعوا إلى خطابات حسن نصرالله النارية التي كان يعدهم فيها دائماً بالانتصارات السماوية والصلوات في القدس.

لكن حبل الكذب قصير مهما طال. صحيح أن النظام السوري حليف حزب الله نجح في الدجل والتدجيل على العرب والسوريين، وادّعى أنه يحمل مشعل العروبة ولواء التصدي للعدو الصهيوني لعقود وعقود، لكن الزمن كشفه بعد اندلاع الثورة السورية، فأدرك الجميع أن هذا النظام الذي خدعنا بشعاراته المعادية لإسرائيل لم يكن ليبقى ساعة واحدة في دمشق لولا الغطاء الإسرائيلي الأمريكي. والكل يتذكر كيف جلست وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها مادلين أولبرايت مع بشار الأسد لساعات عندما زارت دمشق للتعزية بوفاة والده حافظ الأسد. أتذكر وقتها أنه بعد الاجتماع فوراً، تغيرت لهجة الإعلام العربي والعالمي على الفور، وصار الجميع يصف بشار البهرزي «الأسد سابقاً»، بالرئيس السوري الجديد. فجأة اكتشفنا أن أصحاب الصوت العالي في جلد الامبريالية والصهيونية ما هم سوى أدوات قذرة بأيدي الصهيونية والإمبريالية، بدليل أن بشار البهرزي مازال جاثماً على صدور السوريين بعد كل ما اقترفه من كوارث ومجازر وجرائم لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، لأن إسرائيل وأمريكا لم ترفعا عنه الغطاء بعد.

وما أن سقط القناع عن نظام البهرزي، حتى انكشفت ذيوله. لقد أسقطت الانتفاضة السورية أقنعة كل المتاجرين بالشعارات القومجية والعربجية والإسلامجية وقضية فلسطين وعلى رأسهم حزب الله. فجأة بدأنا نكتشف أن علاقة حسن نصرالله بفلسطين كعلاقة فرع فلسطين سيئ الذكر بفلسطين. وكما هو معروف فإن فرع فلسطين هو أقذر وأحقر وأنذل فرع أمني سوري عرفته المنطقة، لأن الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود. عندما خرج السوريون مطالبين بأبسط حقوقهم، بدأت ميليشيات حزب الله تغزو سوريا لتعيث قتلاً ودماراً وفساداً في أقاصي المدن السورية كحلب والسويداء. وعندما كنا نسأل حزب الله، لماذا لا تحاربون إسرائيل وهي على بعد ضربة حجر منكم في شمال فلسطين بدل أن تذهبوا للقتال على بعد مئات الكيلومترات في عمق الأراضي السورية، كانوا يقولون إن طريق القدس يمر بحمص وحماة وحلب والسويداء ودرعا. وبعد أن أدى حزب الله مهمته القذرة في سوريا لصالح إسرائيل، بدأ يرّسم ويطبع الحدود معها ونسي تماماً قصة القدس التي ضحك بها علينا سنوات وسنوات.

كانت حرب الأفيون في الصين واحدة من أشرس وأخطر وأنجح الحروب التي خاضتها الدول الاستعمارية لتدجين وترويض الشعوب والقضاء عليها جماعياً

وقد انكشف الوجه الحقيقي لهذا الحزب اللاعربي أكثر فأكثر بعدما اكتشف الناس أنه لا يكتفي بالمتاجرة بفلسطين والقدس، بل يتاجر بشكل فاضح بالمخدرات، حتى أنه نشر المخدرات في طول سوريا وعرضها، فلم يكتف بقتل السوريين وتهجيرهم، بل راح يعمل على إفساد من تبقى منهم داخل سوريا بالكبتاغون وغيره من المحرمات والمخدرات، فلم يبق مدرسة ابتدائية واحدة في جنوب سوريا إلا ودخلتها المخدرات عبر أذرع حزب اللات. لم يبق مهنة قذرة إلا ومارستها ميليشيات حسن نصر الله كالتهريب والاغتصاب والخطف وغيره في السويداء. ولا ننسى أن حزب الله نفذ أبشع عملية اغتيال في تاريخ الدروز بحق المجاهد الشيخ وحيد البلعوس. وتذكرنا عملية اغتيال الشهيد البلعوس بعملية اغتيال الحريري بحذافيرها حين استخدم حزب الله كميات مهولة تقدر بثلاثة آلاف كيلو متفجرات لقتل البلعوس وبعض رفاقه في الجبل وعلى باب مستشفى السويداء بعد إسعافه إليها.

ما علاقة هذه الجرائم التاريخية كالاغتيال والمتاجرة بالمخدرات بالله عز وجل بربكم؟ كيف تطلقون على حزبكم اسماً إلهياً، بينما أنتم في الحقيقة حزب مخدرات وخطف ونهب وسلب وتشليح وإفساد؟ كيف تقود حزباً إلهياً ثم تتاجر بالمخدرات وتغزو العالم العربي وغيره بالكبتاغون ومختلف أنواع الممنوعات والمحرمات الأخرى؟ لقد وصل حزب الله إلى الجنوب السوري بسرعة البرق بعد اندلاع الثورة السورية بحجة التصدي لإسرائيل، بينما في الحقيقة كان هدفه الرئيسي تصدير المخدرات إلى الخليج لأن جنوب سوريا هو المنفذ الوحيد إلى الخليج العربي. كيف تجمع بين اسم الله عز وجل وأسوأ ما نهى عنه الإسلام؟ كيف ترفع شعاراً ربانياً وتتاجر بما وصفه القرآن الكريم حرفياً بأنه رجس من عمل الشيطان؟ كيف تتلحف بشعارات دينية بينما تدمر حياة الملايين من البشر بمخدراتك؟ لا تقولوا لي إنكم كنتم تحاربون الدواعش في سوريا، فأنتم والدواعش وجهان لنعلة واحدة تتاجرون بالبشر والمخدرات والآثار وكل أنواع المحرمات.

رحم الله شاعر الثورة الفلسطينية الراحل سميح القاسم، فقد كنت وإياه وصحافي قومجي نتناول طعام الغداء في عام ألفين وستة في عز شعبية حزب الله، وبدأت أنا والصحافي الآخر نتغنى ببطولات حسن نصرالله وحزبه ونشيد بها، بينما كان الشاعر أبو محمد صامتاً، لكن عينيه تبرقان غضباً وامتعاضاً. وبعد أن انتهينا من الثناء على «سيد المقاومة»، نظر سميح القاسم إليّ غاضباً وقال حرفياً: «أربأ بك يا ابن العم. كيف تسمح لنفسك بأن تمتدح حزباً طائفياً وشخصاً لا علاقة له بالعرب والعروبة بهذه الطريقة الفجة؟ ألا تعلم أن نصرالله مجرد أجير إيراني ويعتبرك ويعتبرني ويعتبر العرب أجمعين أعداء؟ لا تنخدعوا بشعاراته وخطاباته الرنانة، ستكشف الأيام إذا كنت أنا على خطاً». وفعلاً دارت الأيام وتذكرت كلمات أبي محمد الرائعة. لقد اكتشف الحقيقة بينما كنا وقتها جميعاً مخدرين بشعارات حزب الله الخلبية وخطابات أمينه العام الزائفة.

لقد كانت حرب الأفيون بالصين واحدة من أشرس وأخطر وأنجح الحروب التي خاضتها الدول الاستعمارية لتدجين وترويض الشعوب والقضاء عليها جماعياً، وبما أن المشغـّل واحد، وإدارة العمليات، واحدة هنا وهناك، وبعدما كان طبال المقاومة يستخدم شعاراته الزائفة والكاذبة لـليالي الأنس ووصلات « الكيف السياسي» وحفلات الزار الصاخبة التي كان يمارسها من مخدعه وسردابه، لتخدير الرأي العام، ها هو اليوم يستخدم مخدراته الحقيقية للإجهاز، والقضاء على شعوب المنطقة عبر تغييب الوعي الحقيقي والتخدير وإشغالها بالإدمان، ولنكتشف نحن أنه لم يكن إلا لاعب «كشتبان» ومحتالاً دولياً، ومجرد «مروج»، ومتعاطٍ، ومدمن شعارات، وأن حزبه «اللاوي» ليس إلا «كارتلا» آخر لحشيشة الكيف، والقنب وكل أنواع المخدرات.

وهزّوا يا مقاوم لخصرك النحيل!

=========================

سيرة رياض سيف وشهادته للتاريخ .. وقائع سورية

عمر كوش

العربي الجديد

السبت 26/12/2020

الجزء الأول من كتاب "سيرة ذاتية وشهادة للتاريخ" (مؤسسة الجديد، بيروت، 2020) للمعارض السوري، رياض سيف، (حرره أكرم البني وأسامة العاشور) وثيقة هامة ومعلنة، تكشف حقائق غائبة عن سوريين كثر وسواهم، وترصد أحداث مرحلة مهمة من تاريخ سورية خلال حكم نظام الأسد (بنسختيه الأب والابن) الاستبدادي، تمتد من 1963 إلى 2008، سيما وأن مذكرات الفاعلين في المجال السياسي السوري، وخصوصا معارضي نظام الأسد، نادرة، على الرغم من أنهم عاشوا أحداثا تاريخية حاسمة في التاريخ السوري الحديث.

وإذا كانت السيرة الذاتية السياسية محكومة بما يرويه الأشخاص عن أنفسهم وعن أدوارهم في المراحل والأحداث التي عاصروها، انطلاقا من تجاربهم الخاصة، وأيضاً الجماعية، فإن كتابتها تسهم في تحويل الذاكرة المخفية إلى ذاكرة علنية في متناول الجميع. ولذلك أهمية ما يرويه رياض سيف تكمن في تقديمه شهادة تاريخية للأجيال السورية، وللمؤرخين وللباحثين والدارسين، مع أنها ليست جردة حسابٍ أو تقييما لما قامت به المعارضة السورية وشخصياتها في تلك المرحلة المفصلية، ولم تقدّم نقداً كاشفاً لها.

وتنهض سيرة رياض سيف على سرد تاريخي شخصي لأحداث ووقائع كان فاعلاً ومتأثراً فيها خلال فترات معينة، وهي تعبّر عن تجربته في الحياة العامة السورية خلال فترةٍ تبدأ من تسعينيات القرن الماضي، وتمتد إلى نهاية العشرية الأولى من القرن الحالي، ولا تخرج عن منطق السير الذاتية عموماً في التمركز على الذات، وتضخيم دورها في بعض الأحداث، لكن ما يميّزها أنه من خلال ما عاناه خلال فترة دخوله مجلس الشعب، ثم مشاركته في ربيع دمشق وإعلان دمشق، يكشف فظائع أجهزة نظام الأسد ومافياته وطغمته الفاسدة بحقه.

من الصناعة إلى التشريع

يروي رياض سيف في الباب الأول للكتاب تجربته في مجال الصناعة، وانتقاله إلى العمل في الشأن العام من خلال دوره نائبا مستقلا في مجلس الشعب في فضح الفاسدين، ثم مشاركته في ربيع دمشق عبر جمعية "أصدقاء المجتمع المدني"، وتأسيسه منتدى الحوار الوطني، لينتهي الباب الأول بالحديث عن حيثيات اعتقاله ومحاكمته وسجنه الأول. ويروي في الباب الثاني عن خروجه الأول من السجن، ومشاركته في إعلان دمشق والضغوط والممارسات التي تعرّض لها من أجهزة النظام، والملاحقات والاعتقالات التي طاولت سياسيين وناشطين، وأفضت إلى اعتقاله للمرة الثانية، لينتهي الباب الثاني باضطراره إلى تقديم استقالته من رئاسة الأمانة العامة لإعلان دمشق.

ويروي رياض سيف أنه، في البدايات، استهواه العمل في الزراعة، حيث ورثت زوجته قطعة أرض صغيرة، فراح يقتني كتباً عن الزراعة وأساليبها الحديثة، لكنه توصَّل، بعد قراءة بعضها، إلى أنه ليس ثمّة جدوى اقتصادية يمكنه تحقيقها في مساحةٍ صغيرةٍ من الأرض، فتوجَّه نحو النشاط الصناعي، مرجعاً ذلك إلى أن شروط هذا النشاط وآلياته كانت الأقرب إلى طبيعته الشخصية والأكثر ملاءمة لمرجعيته الأخلاقية، فانطلق، في نشاطه الصناعي في صيف 1963، حيث أسّس مع أخوته شركة قمصان 400 "سيف إخوان"، ثم في 1984 انفصل عن إخوته، وأصبحت شركته مستقلة، ونال نجاحاً متدرّجاً قاده إلى تأسيس "شركة أديداس الجديدة" عام 1993، بعد أن حصل على امتياز تصنيع منتجات شركة أديداس العالمية من الملابس الرياضية، وكانت الأولى من نوعها في سورية والبلاد العربية.

تنهض سيرة رياض سيف على سرد تاريخي شخصي لأحداث ووقائع كان فاعلاً ومتأثراً فيها خلال فترات معينة، وهي تعبّر عن تجربته في الحياة العامة السورية

وكان يأمل في "بناء قاعدةٍ صناعية على مستوى البلاد تكون القاطرةَ للازدهار العام". ولذلك فكر في ترشيح نفسه لعضوية مجلس الشعب، ليس فقط لتعميم تجربته "في الصناعة على كافَّة أنحاء سورية من أجل توفير فرص عمل وبناء اقتصاد ومجتمع متطوّرين ومزدهرين، وإنما أيضا لمحاربة الفساد الذي كان يقف عائقاً في وجه فرص التنمية الحقيقيَّة ويُرهق الصناعيّين ومسار التطور الاقتصادي". وعلى هذا الأساس، خاض انتخابات الدور السادس لما سمّي مجلس الشعب في عام 1994. وبالفعل خاض الانتخابات بنجاح، وحفّزه ذلك على الوفاء لمَن انتخبوه، والتمسّك بما رأه "ضرورياً وصالحاً لخدمة حاجات الناس والدفاع عن حقوقهم".

وعلى الرغم من معرفته بأن ضمان النجاح في الانتخابات التشريعية وسواها يحتاج إلى ضوء أخضر من الأجهزة الأمنية أو السياسية، أو على الأقل ألا يكون المرشَّح معارضاً للنظام، إلا أنه يعتقد بأنه كان من القلائل الذين خرقوا هذه القاعدة، وهذا يلقي ظلالاً على مدى دقة ما يقول، إذ تقف عوامل عديدة وراء ذلك، لعل أهمها أنه جاء من قطاع الصناعة وكانت لديه علاقات، وهو دمشقي، وليس له ماض أو خلفية سياسية، كونه لم يكن منتسباً إلى أي حزب معارض لسلطة الأسد. ومع ذلك، تعرّض إلى ضغوط عديدة، كي يتمّ تطويعه وتدجينه تحت جناح نظام الأسد. ودخل معارك غير متكافئة مع النظام ومافياته الفاسدة، كانت نتيجتها الطبيعية، في نهاية الدور التشريعي السادس، أنه خرج مهزوماً منها، حيث خسر كل ما جناه في حياته، ومرتهناً لديونٍ وضرائب مُفتَعلة. وكانت الخسارة الأفدح فقدان ولده الأصغر في ظروف غامضة وملتبسة في 2 أغسطس/ آب 1996، ويصفها بأنها عملية اغتيال مُدبَّرة من رؤوس الفساد، لثنيه عن معركته ضدهم وضد فسادهم، والانتقام منه، وإرسال رسالة واضحة عمّا يمكن أن يفعلوه به إذا استمرّ في محاربتهم.

ويبدو أن رياض سيف، مثل سوريين آخرين، انطلت عليهم موجة التضليل التي قام بها النظام خلال ترويج بشار الأسد وريثا لوالده، وما رافقها من تضخيم توجُّهاته الإصلاحية، إلى جانب إلحاح أصدقائه. ولذلك قرّر ترشيح نفسه مرة أخرى لخوض انتخابات مجلس الشعب التي جرت في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 1998، ويعتقد أنه نجح فيها، على الرغم من حالات التزوير والتلاعب المؤكّدة، وقيام قيادات حزب البعث الحاكم ومسؤولي الأمن بحملة مركّزة ضده، بغية محاصرته وإفشاله.

تعرّض سيف إلى ضغوط عديدة، كي يتمّ تطويعه وتدجينه تحت جناح نظام الأسد. ودخل معارك غير متكافئة مع النظام ومافياته الفاسدة

وبعد تزايد المضايقات والخسارات التي تعرض لها من النظام، قرّر سيف بيع حصته في شركة أديداس في 1999، و"التفرّغ للشأن العام والخوض في القضايا الهامة التي تُؤثر على حياة السوريين، وتمسُّ كرامتهم ومستقبل أولادهم وتحفظ البيئة والثروة الوطنية. ومنها قضية عقود الهاتف الخلوي الذي يُفترض أن يوفر دخلاً هاملاً لخزينة الدولة. إضافة إلى حاجة سورية إلى "بناء صناعة متطورة توفر فرص عمل شريف وتكون قاطرة للاقتصاد". وكانت أخطر القضايا التي تصدّى لها، وكشف خيوطها السرية صفقة عقود الخلوي التي مثّلت أكبر قضية فساد في سورية في ذلك الوقت، حيث منحت شركاتٌ أجنبيةٌ امتياز إدارة مرفق عام تملكه الدولة واستثماره، يتمثل في استثمار التردُّدات. وكان المستفيد الأكبر هو رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد، بوصفه أهم المُتربّعين على قمة هرم المافيا الاقتصادية التي كانت تحكم سورية آنذاك، ومكّنه موقعه من الالتفاف على الدستور، وإتمام الصفقة بسرية مطلقة.

ويذكر رياض سيف أن الخوف كان يسيطر على رئيس مجلس الوزراء في تلك الفترة، محمود الزعبي، من تمرير تلك الصفقة كما تدل الوثائق، إذ لم يكن موافقاً على اختيار طريقة الـ "بي أو تي" في التعاقد (بناء المشروع واستثماره سنوات ثم إعادته إلى الدولة). وقد أشاع النظام زوراً أن الزعبي وافق على هذا الخيار، وتمّت إقالة حكومته في اليوم نفسه الذي تم فيه تلبيسه التهمة، الأمر الذي يثير الشكوك في مسألة انتحاره بعد ذلك.

كان فضح رياض سيف صفقة الخلوي من أسباب اعتقاله الرئيسية عام 2001، إذ قبل ثلاثة أسابيع من دخوله السجن للمرة الأولى، زاره أحد أصدقائه وصارحه بأنه مُرسل من محمد مخلوف (والد رامي مخلوف) ليسأل عن مطالبه مقابل التوقف عن التطرُّق إلى صفقة الخلوي، واقترح عليه أن يقدم له 500 مليون ليرة ( 10 ملايين دولار وقتها)، و"يمكنه استلامها في أيّ مكان يرغبه مع حِفظ ماء الوجه"، أي يمكنه أن يبقى معارضاً من دون أن يمسَّ محمد مخلوف شخصياً. وكان جواب سيف توزيع آلاف النسخ من دراسته التي تفضح الفساد في صفقة الخلوي.

ربيع دمشق

يروي رياض سيف بعض أحداث فترة ربيع دمشق بين عامي 2000 و2001، التي عاش فيها المجتمع السوري، وخصوصا نخبه الثقافية والسياسية، ورشةً جدِّية من النقاش حول مختلف القضايا العامة، لم يشهد لها تاريخ المجتمع مثيلاً، إذ بعد موت حافظ الأسد، أراد النظام تمرير مناخٍ من الانفتاح، بغية التمهيد لوصول بشار الأسد إلى سُدَّة الحكم بأقل ردود أفعال شعبية وثقافية وسياسية، والإيحاء بأن عهداً جديداً من الإصلاحات قد بدأ في تلك المرحلة. وقد استثمر المثقفون والناشطون السياسيون السوريون هذا المناخ، وخصوصا أن بعضهم قد صدّق ما ورد في خطاب قَسَم بشار، للدفع باتجاه إيجاد فضاءات للتعبير الحر والمسؤول، وذلك على الرغم من الامتعاض من مسرحية توريثه السلطة.

وتشكّلت في بدايات ربيع دمشق جمعية "أصدقاء المجتمع المدني"، من مجموعة من المثقفين والناشطين السياسيين، حيث يروي سيف أنه، قبل أربعة أيام من موعد اجتماع لإقرار البيان التأسيسي للجان، تلقى دعوة في 30 أغسطس/ آب 2000 لزيارة النائب السابق لبشار الأسد، عبد الحليم خدّام في منزله، حيث نقل خدام له رغبة بشار باستعادة أمجاده الصناعية، كما أبلغه طلب بشار تزويده بتقرير مُفصَّل عن حجم الخسائر التي تكبدها نتيجة تلك المعاملة الكيدية، وإيصاله له عن طريق خدّام نفسه. وجرى اجتماع 3 سبتمبر/ أيلول 2000 كما كان مقرَّراً له، وتمت الموافقة على الصياغة النهائية لبيان "جمعية أصدقاء المجتمع المدني". واتفق المؤسسون على تكليف رياض سيف بإعلام عبد الحليم خدّام، ورئيس فرع الأمن الداخلي اللواء بهجت سليمان، ببيان التأسيس، كي يطلب منهما المساعدة في الحصول على ترخيص لهذه الجمعية. ويبدو أن سليمان كان على علم كامل بكل ما دار في اجتماعات التأسيس، وأنه كان يتوقع زيارة سيف، وأبلغه رفضه القاطع لقيام مثل هذه الجمعية. كما أن خدّام أبلغه بأن "هذه ليست جمعية، هذا بلاغ رقم واحد لانقلابٍ تخطّطون له تحت يافطة المجتمع المدني، وهو أمرٌ لا يمكن أن يتمّ". ومع ذلك، قرّر مؤسسو الجمعية ضرورة أن تُتابع نشاطاتها من دون ترخيص، لكن سيف قرّر افتتاح منتدى للحوار الوطني في منزله، وأن تقام جلسات حوار أسبوعية، تبدأ بطرح موضوعات خاصة بثقافة المجتمع المدني.

ومن المعالم البارزة في ربيع دمشق إصدار مجموعة من المثقفين والناشطين "بيان المثقفين الـ 99" في 27 سبتمبر/ أيلول 2000 ثم "بيان الألف" في بداية عام 2001، اللذيْن وجّها نقداً علنياً للنظام، ودعوا إلى التغيير الديمقراطي. وفي أعقاب ذلك، تشكلت "لجان إحياء المجتمع المدني"، وانتشرت ظاهرة المنتديات الحوارية في أرجاء سورية، وأسّس رياض سيف "منتدى الحوار الوطني" في 13 سبتمبر/ أيلول 2000، ثم خطا خطوةً نحو مشروع تأسيس حزب سياسي، معتقداً أن "عدداً من المثقفين وأساتذة الجامعة والسياسيين المُخضرمين سيكون متحمّساً للفكرة"، وسوف يساعدونه في إنجاز هذا المشروع، لكن أمله خاب. ومع ذلك ناقش ورقة المبادئ الأولية لمشروع الحزب الذي حمل اسم "حركة السلم الاجتماعي" مع الحاضرين في جلسة "منتدى الحوار الوطني" في 31 يناير/ كانون الثاني 2001.

كان النظام دوما بالمرصاد للخطوات التي كان يقوم بها رياض سيف وأترابه

وكان النظام بالمرصاد للخطوات التي كان يقوم بها رياض سيف وأترابه، فقرّر رئيس مجلس الشعب الموافقة على رفع الحصانة عنه، ثم مثل أمام قاضي التحقيق الأول بدمشق، ووجَّه إليه "تُهماً بجرم الاعتداء الذي يستهدف تغيير الدستور بطرقٍ غير مشروعة، وإثارة النَّعرات المذهبية وتشكيل جمعيةٍ سريةٍ لأغراض مخالفة للقانون، وتولي منصب رئيسها، وعقد اجتماعات مخالفة للقانون".

وفي 7 سبتمبر/ أيلول 2001 تمّ توقيفه في سجن عدرا، بِناء على أمر من الحاكم العُرفي، ثم صدر حُكم بسجنه خمس سنوات، في 3 أبريل/ نيسان 2002 مع الحَجر والتجريد من الحقوق المدنية. كما جرت حملات اعتقالات عديدة لناشطين كثر في تلك الفترة، وسجن عدد منهم سنوات عديدة.

السجن وإعلان دمشق

امتدت فترة السجن أربع سنوات ونصف السنة تقريباً، وقرّر رياض سيف فيها الاستفادة صحّياً وثقافياً، بممارسة الرياضة والإقلاع نهائياً عن التدخين، ودراسة اللغة الإنكليزية وقراءة منظمة ومُمنهجة لكتب في السياسة والتاريخ. وخلال وجوده في السجن، أصدر سياسيون وناشطون وثيقة "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2005، والتي أعلنت قيام تحالف بين أحزاب وشخصيات سورية عديدة، ووقع عليها بصفة مُستقل. وقبل خروجه من السجن، طلبت سلطات النظام منه توقيع تعهّد يعترف بأنه كان على خطأ وكان مُذنباً، لكنه رفض وخرج من السجن أكثر تصميماً على الكفاح من أجل الحرية. ثم واصل نشاطه السياسي ضمن أطُر إعلان دمشق، مقرّراً "العمل على جعله وازناً عبر عقد مجلسٍ وطني، أو مؤتمر عام، يُكسب الإعلان حضوراً مُعتبراً، ومزيداً من المصداقية والشرعية أمام الشعب السوري والعالم".

لم تتقبل سلطات الأسد نشاطات رياض سيف، وسارعت أجهزة الأمن إلى استدعائه بشكل متكرّر، وتهديده وتحذيره من مواقف وتصريحات أعلنها

ولم تتقبل سلطات الأسد نشاطات رياض سيف المتنوعة، حيث سارعت مختلف أجهزة الأمن إلى استدعائه بشكل متكرّر، وتهديده وتحذيره من مواقف وتصريحات أعلنها في الصحافة، وراقبت علناً تحرّكاته، وضيقت نشاطاته في العلاقة مع أوساط إعلان دمشق، ومع وسائل الإعلام، كما حاصرت أسرته، وقامت بإرهاب وسطه العائلي والاجتماعي. واعتقلت سلطات نظام الأسد سياسيين وناشطين سوريين، لتوقيعهم على وثيقة إعلان "بيروت - دمشق/ دمشق – بيروت" في 12 مايو/ أيار 2006، التي طالبت بإبراز الروابط التاريخية بين البلدَين، وبوقف أساليب الوصاية والعنف والاغتيالات التي طاولت شخصياتٍ من المعارضة اللبنانية وفي بريطانيا. فتشكلت "جبهة الخلاص" من تحالف جماعة الإخوان المسلمين في سورية مع عبد الحليم خدّام، النائب السابق لبشار الأسد وأحد رموز الفساد والاستبداد في سورية. ولم ينسق "الإخوان" مع أطراف إعلان دمشق الذي كانوا جزءاً منه. وعقدت هذه الجبهة مؤتمرها التأسيسي في لندن في 5 يونيو/ حزيران 2006. وفي 9 يناير/ كانون الثاني 2009، جمَّد الإخوان المسلمون معارضتهم النظام السوري في أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة. ويخلص سيف من ذلك إلى "عدم التعويل على الإخوان المسلمين كحليف سياسيٍ حقيقي لبناء نظامٍ ديمقراطي، مع الاستمرار بدعم جهود المنظمات المدنية والحقوقية لإلغاء القانون رقم 49 لعام 1980 المتعلق بالإخوان المسلمين"، لكن تجربته في الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة تؤكّد عدم التزامه بذلك.

ويروي رياض سيف أنه على الرغم من توافقه مع موقف إعلان دمشق من العلاقة مع الخارج، إلا أنه كان يشجّع دوماً "على الانفتاح على العالم، وإيجاد التقاطعات مع سياسات الدول التي نُنسّق معها في القضايا التي تَخدم مصالحنا كشعب، وأهداف إعلان دمشق كجزء حيوي من هذا الشعب يُعبّر عن تطلعاته وتوقه للحرية". وقد شكلت العلاقة مع الخارج قضية خلافية داخل قيادة الإعلان بين تيار ليبرالي، تُمثله مجموعة "ربيع دمشق"، والإسلامِيين المستقلّين وقوى كردية وآشورية وحزب الشعب الديمقراطي وبعض أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي، وتيار قومي يساري، يُمثله أحزاب الاتحاد الاشتراكي والعمل الشيوعي واليسار الكردي. أما "تمويل الإعلان فكان ذاتياً بشكل مطلق من الاشتراكات والتبرّعات للأعضاء والأحزاب المنضوين فيه".

نشرت صحيفة واشنطن بوست في 20 أبريل 2011 أن الخارجية الأميركية حوَّلت نحو ستة ملايين دولار منذ 2008 لصالح منفِيّين سوريين من أجل إطلاق قناة تلفزيونية لصالح قوى المعارضة

ويروي رياض سيف ما دار بينه وبين موظفين ومسؤولين أوروبيين وأميركيين، حيث يذكر أنه في أواخر عام 2006 التقى في مكتبه في دمشق موظفا كبيرا في السفارة الأميركية، وأبلغه قرار الإدارة الأميركية تخصيص مبلغ لدعم المعارضة السورية، وسألَه عن احتياجاتها. وبعد التشاور مع سياسيين مقرَّبين منه، "استقر الرأي مطلع عام 2007 على أن ما تحتاجه المعارضة هو قناة فضائية لإيصال صوت المعارضة للسوريين في الداخل والخارج، ولكسر الحصار المفروض عليها من قِبل أهم القنوات العربية". وحين سئل عن الجهة التي يثق بها والمتابعة معها لإنجاز هذا المشروع، قام بترشيح "حزب العدالة والبناء" المسجّل في لندن، وكان عضواً في إعلان دمشق، وتولى مشروع تنفيذه كل من أنس العبدة وأسامة المنجد، اللذان أرسلا خمسة آلاف دولار إلى رياض سيف، بعد أشهر من اعتقاله ثانية في يناير/ كانون الثاني 2008 عن طريق ابنته، لكنه أخبرها رفضه المبلغ. وحين تكرّر إرسال المبلغ نفسه ثانية، طلب منها أن تتصل بكل من المنجد والعبدة، من قيادة حركة العدالة والبناء، لتشكر كلا منهما على حدة، ما قدَّماه، والاعتذار عن قبول أي مبالغ إضافية". وفي أثر تسريبات "ويكيليكس"، نشرت صحيفة واشنطن بوست تقريراً في 20 أبريل/ نيسان 2011، يفيد بأن الخارجية الأميركية حوَّلت نحو ستة ملايين دولار منذ 2008 لصالح منفِيّين سوريين من أجل إطلاق قناة تلفزيونية لصالح قوى المعارضة تبَثُّ من لندن سُميتْ "قناة بردى"، التي بدأت بثها في أبريل/ نيسان 2009.

ويذكر رياض سيف أنه، بعد خروجه من سورية، اجتمع بأنس العبدة، أمين عام حركة العدالة والبناء، وطلب منه "معلومات واضحة عن موضوع قناة بردى، فأقرَّ بأنه تلقَّى ستة ملايين دولار من جهات أميركية لإطلاق قناة فضائية، وُزعت حسب قوله إلى قسمين: ثلاثة ملايين دولار لتجهيزات اشترتها مؤسسات أميركية، وثلاثة ملايين دولار أخرى استلَمها العبدة وأنفقها، حسب قوله لتَغطية، تكاليف التأسيس والتشغيل"، لكن موضوع القناة أثار مسألة عدم شفافية كل من العبدة والمنجد، حسب روايات ناشطين وسياسيين سوريين.

خلافات الإعلان

مع تراجع تفكير رياض سيف في "عمل حزبي مستقل، راح يعمل ضمن أطر إعلان دمشق، لجعله وازناً عبر السعي إلى "عقد مجلس وطني أو مؤتمر عام يُكسب هذا الإعلان، حضوراً مُعتبراً، ومزيداً من المصداقية والشرعية أمام الشعب السوري والعالم"، لأن مثل هذا المؤتمر سوف يُعزّز الشرعية التعاقدية لهذا التجمع السياسي ويُوسّع المشتركات، ويمد الهيئات السياسية القيادية بالرُّؤى والتصورات والطاقات".

وقد عقد اجتماع المجلس التأسيسي لإعلان دمشق في 20 فبراير/ شباط 2007، بحضور عدد من أعضائه، المجلس الوطني للإعلان، وتوافقوا على تشكيل أمانةٍ عامةٍ ولجان للمحافظات وأخرى للخارج، وعلى عقد مؤتمر وطني. وبعد سلسلة طويلة من الاجتماعات، "استغرَق التحضير للمجلس الوطني لإعلان دمشق نحو سنة ونصف السنة تقريباً، من الشهر السادس 2006 إلى 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2000. وكان جوُ الاجتماعات إيجابياً، بوجه عام، تتخلَّله مشاحنات بين رياض الترك وحسن عبد العظيم، بين الحين والآخر". وعُقد المجلس الوطني الموسَّع في الأول من ديسمبر/ كانون الأول 2007، وجرت انتخابات الأمانة العامة التي انتخبت بدورها هيئتها الرئاسية المُكوَّنة من خمسة أعضاء، ثم انتخبت هيئة الرئاسة رياض سيف رئيساً لها.

لم تتضمن المذكرات نقداً أو تقييماً أو مراجعة لدور كاتبها وأدائه أو أدوار سواه وأدائهم في المشهد السياسي السوري المعارض

وبعد أقل من أسبوعٍ على انعقاد المجلس، فوجئ أعضاء من إعلان دمشق بإصدار حزب الاتحاد الاشتراكي في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2007 بيان تجميد نشاطه في الإعلان "مدَّعياً وجود خلافات عميقة سياسية ومنهجية مع قوى الإعلان الليبرالية، وحذا حذوه في اليوم التالي حزب العمل الشيوعي وأصدر بيان تجميد لنشاطه في الإعلان أيضاً".

ولم تتأخر أجهزة الأمن السورية في مختلف المحافظات عن ملاحقة واستدعاء أعضاء من قيادات إعلان دمشق، إذ قامت في 9 ديسمبر 2007 بتوقيف 46 ناشطاً ممن حضروا اجتماع المجلس الوطني، وأطلقت سراح 34 منهم بعد فترات تتراوح بين عدَة ساعات وعدة أيام، فيما جرى اعتقال 12 عضواً من القيادات المنتخبة أو المشاركين الفاعلين في المجلس، وجرت محاكمتهم والحكم عليهم بمدة سنتين ونصف لكل منهم. ويبدو أن ناشطي إعلان دمشق نسوا أنهم يعيشون في دولة الاستبداد والديكتاتورية الأسدية، والأرجح أنهم لم ينسوا، لكنهم أرادوا تسجيل موقف، والتعبير عن حقهم الطبيعي في المشاركة بالحياة السياسية مهما كان الثمن.

واعتقل رياض سيف في 29 يناير/ كانون الثاني 2008، ووجهت له التهم نفسها التي اعتاد نظام الأسد توجيهها للمعارضين، "وهي الانتساب إلى جمعية سرّية بقصد تغيير كيان الدولة السياسي والاقتصادي ونشر أخبار كاذبة من شأنها أن تُوهن نفسية الأمَّة وإضعاف الشعور القومي وإيقاظ النعَرات العنصرية والمذهبية والنَّيل من هيبة الدول". ويروي رياض سيف أنه حين دخل السجن، والتقى بزميله المعارض ميشيل كيلو، وروى له ما جرى عند انعقاد المجلس الوطني لإعلان دمشق، فوجئ بردَّة فعله الغریبة، حين قال "إنَ الإعلان خُطف، وأنه هو من كتبه وأسَّس له، والآن يقفز كل واحد ويدَّعي أنه هو الذي عمل وهو الذي أنجز"، فأجابه سيف بأن "لا أحد یُنكر أن میشیل كیلو وجورج صبرا وآخرين ساهموا بتأسيس الإعلان"، "ولكن هذا لا يعني أن يبقى الإعلان حكراً على من كتبه، لأنه ملكٌ عام وإنجازٌ وطني وليس قضية شخصية". وبعد ذلك سار كل منهما في طريق مختلف.

وخرج رياض سيف من السجن في أواخر يوليو/ تموز 2011، بعد أن قضى فيه عامين ونصف العام، في ظروف قاسية جداً وغير إنسانية، وقد تعاون المرض والمُعاناة للنَّيل منه، حيث شعر بأنه بات غير قادر على العطاء وقيادة المجلس الوطني لإعلان دمشق، لذلك أعلن استقالته منه، وبذلك أسدل الستار على مرحلة صعبة ومهمة وغنية من مساره السياسي.

والحاصل أن رياض سيف قدم، في سيرته، روايته لدوره في الشأن العام السوري خلال مرحلة معينة، ويريد لها أن تقدّم شهادة للتاريخ. ولم تتضمن نقداً أو تقييماً أو مراجعة لدوره وأدائه أو أدوار سواه وأدائهم في المشهد السياسي السوري المعارض، بل تضمّنت روايته عن أحداث هامة جرت في سورية، ويأتي فيها على تبيان أدواره ومواقفه وأدائه فيها، وشاركت في تلك الأحداث شخصيات سياسية وثقافية ومدنية عديدة، لعبت أدواراً مهمة فيها. لذلك فالباب مفتوح أمام تلك الشخصيات لتقديم روايتها التي قد تتفق أو تختلف مع رواية رياض سيف، وبما يفتح نقاشاً عاماً عن تلك المرحلة والمراحل التي لحقتها أو سبقتها، بغية إغناء المشهد وتناوله من مختلف الجوانب. ولعل من يقرأ سيرة رياض سيف سينتظر قراءة الجزء الثاني للسيرة، الذي عليه أن يحكي عن مرحلة الثورة السورية وتشكيل هيئات المعارضة السياسية وكياناتها التي يقال في شأنها الكثير.

=========================

عن غياب الأفكار الجامعة

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 26/12/2020

مشكلات كثيرة واجهت تمرّد الحرية، وأدّت إلى ما نراه من عجز نخبه عن ترجمته إلى أفكار جامعة، يرد بواسطتها على التحدّيات التي واجهته، وحالت دون ترقيته إلى ثورة، ودون حشد طاقات السوريين شعباً واحداً وموّحداً، وسمحت بانحداره إلى مسارٍ نافٍ لهويته، قوّض قدرته على تحقيق ما طالب به: "الحرية للشعب السوري الواحد".

أفادت الأسدية من افتقار التمرّد إلى أفكار جامعة، وواجهته باعتماد الطائفية سلاحاً في حربها عليه، وأسهمت بنشاط في ملاقاتها بتهويماتٍ مذهبيةٍ أمسكت شيئاً فشيئاً بساحتي الأيديولوجيا والسلاح، فكان من الطبيعي أن يتراجع الوعي المدني والسلمي، ومبدأ الحرية ذاته، حامل هذا الوعي الذي تبلورت، في إطاره، بدايات رؤية وطنية/ ديمقراطية تحمل بديلاً للاستبداد. لكن صعود الطائفية والمذهبية سرعان ما استهدف مفهومي الحرية وقرينها الوطني الذي استهدف السلطة وأشخاصها، وما غرسته في المجال العام من فهمٍ للوطنية تمحور حولها، على الرغم من عدائها للشعب.

لم ينتج اقتران الحرية بالوطنية أفكاراً جامعة، ولا خلاف على دورها في توحيد الشعب واستكمال مهام الثورة. أما الأسباب، فالتقت عندها مواقف النظام المعادية للحرية وحملتها، مع مواقف حملة سلاح معادين بدورهم لها، ومواقف الذين رفضوا قراءة خياراتهم الحزبية بدلالة الفكرة الوطنية التي أخضعوها لقراءاتٍ حزبيةٍ، ضيقةٍ، قامت على التنافس الإقصائي مع الآخرين، وعلى وضع الإسلاميين في مواجهة الديمقراطيين، والديمقراطيين في مواجهة الإسلاميين، لاعتقاد الطرفين أن الأسدية آيلة إلى سقوطٍ عاجلٍ أو آجل، عبر تدخل خارجي حتمي، وأن مصلحة كل حزبٍ تكمن في انفراده قدر الإمكان بالسلطة الجديدة. هذا النهج، تم استبدال ما كان التخلي عنه يتطلبه من الانتماء إلى أفكارٍ وبرامج جامعةٍ بإعلاناتٍ كلاميةٍ لا تُسمن ولا تغني، عمّها غالباً الخلاف والاختلاف، بما تمسّك به كل طرفٍ من مواقف أراد فرضها على غيره، عمّقت الحزبية بأضيق معانيها، فلا عجب أن فشلت في ربط ساحتي السياسة والسلاح بأي منها، وقوّضت قدرة "مؤسسات المعارضة" على بلورة ما هو مطلوب من مبادئ وأفكار جامعة، يلتزم بها الجميع، وخصوصاً حمَلة السلاح منهم.

ماذا يبقى من تمرّد ثوري احتجزه عدوه الأسدي، وقوّضته جهاتٌ ادّعت تمثيله، بينما حالت حرب الأول، كما حال عجز الثانية، دون إنضاجه عبر ترقيته وتزويده بأفكارٍ لحمتُها وسُداها الحرية وعودة الوطن إلى أهله، وإيقاف سورية على قدميها بدل رأسها، بعد عقودٍ أنزلت الأسدية بها خلالها قدراً من الدمار، استهدف قدرة شعبها على النهوض، وتولى الشأن العام بما هو شأنه الخاص، وطي صفحة كارثية بدأت بإهداء الجولان لإسرائيل، عبر بيانٍ إذاعي أصدره حافظ الأسد عام 1967، واكتملت بشن حربٍ، مضمرةٍ تارّة ومعلنة أخرى، على الداخل السوري، عدو النظام الوحيد.

بالعجز عن ترجمة الحرية إلى برامج وخطط ثورية جامعة، وبنجاح الأسدية في تحويل تمرّد الشعب ضدها إلى اقتتال طائفي، رعته بحرصٍ وعناية، مذهبي من جانب من قوّضوا طابع التمرّد الثوري، سادت أفكار تفكيكية مفتوحة على الإرهاب، ووقع تبدّل خطيرٌ في اصطفافات السوريين فرّقهم إلى جهاتٍ متعادية، أطّره تعاون جهاتٍ متناحرة، معظمها أجنبي، على احتلال التمرّد من داخله ولإفراغه من هويته الأصلية، وإلقاء الرعب في قلوب قطاعاتٍ شعبيةٍ كان كسبها يتوقف على تطوير أفكار الحرية الجامعة، وانفرادها بالوعي العام، عوض العداء لها، الذي جمع الأسدية بأعدادٍ متزايدةٍ من حملة السلاح.

رهاننا اليوم: هل يمكننا بلورة ونشر برامج ثورية وأفكار جامعة يتبنّاها السوريون، فتضخّ دماً جديداً في شرايين نهوض وطني/ ثوري، يستند على رفضهم الجماعي الأسدية، وتمسّكهم بمشروعٍ يعلمون أنه لن تقوم لهم قائمة، إنْ هم تخلوا عنه، لأي سبب؟

=========================

موقفنا : سورية التي أرادها الكيان الصهيوني وقدمها له بشار الأسد

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٣١/ ١٢ ٢٠٢٠

في الأخبار عن حصاد عام ٢٠٢٠ يتحدث الناطق باسم الجيش الصهيوني عن خمسين غارة جوية في العمق السوري خلال عام مضى ، وعن عشرين عملية برية عبر الأراضي اللبنانية .

وإذا تذكرنا أن العام ٥٢ أسبوعا فإن خمسين غارة في العام تعني غارة كل أسبوع ، تقريبا ؛ دون أن تلقى هذه الغارات المتعاقبة المتتابعة أي رد فعل تستحقه ، وأي محاولة علمية لإطلاق مشروع عملي للتصدي " للمقاومة والممانعة" العتيدة .

أحب أن أذكر القارئ الكريم أننا كسوريين سنظل نستنكر مثل هذه العدوانات الصهيونية على أرضنا ، مهما تكن طبيعة أهدافها ، فحرمة الأرض عندنا حقيقة قائمة في عقولنا وقلوبنا ، ولن يفتننا عنها محتل أو متسلط ..

وسوف نظل نذكر أن مسئولية الدفاع عن الأرض السورية ضد هذه العدوانات الصهيونية ما تزال معلقة برقبة المتسلطين على القرار الرسمي ، من أدعياء المقاومة والممانعة تفضحهم على مدى السنين والأعوام ..

أحب أن يتذكر القارئ الكريم معنا عدد التصريحات التي صدرت عن مصنع الكذب في طهران ، وهم بعد كل عدوان يقولون للعدو الصهيوني " جرب نفسك " بعد هذه المرة. وتستمر المتتالية بعد كل مرة ، مرة ومرة !!

ومع أن الأرض السورية كانت منذ البدء المحك الذي فضح ادعاءات محور "المقاومة والممانعة " بطريقتين نظرية وعملية ؛ إلا أننا ما زلنا نسمع مع الأسف من بعض من يختانون أنفسهم ؛ عن بشار الأسد المقاوم ، وعن إيران الداعمة للقدس ولفلسطين !!

بجهد خبيث من بشار الأسد ، وبدعم مباشر من ملالي طهران وأمثال قاسم سليماني ، وحسن نصر الله تحولت سورية ، وتحول معها لبنان إلى مجال استراتيجي مفتوح للعدو الصهيوني ، أو حديقة خلفية يقضي بها هذا العدو ما يشاء وكيف يشاء !!

ومن يدري فقد يكون هذا شرط البقاء الذي وقع عليه بشار الأسد كما وقع على مثله أبوه يوم تسليم الجولان ..

في عالم السياسية لا ينفع أن نقول نشجب ونستنكر وندين ..

وفِي عالم السياسة لا يجوز أن ننسى أن هذه العدوانات ما كانت لتتم لولا موافقة الروسي الحليف الأول لبشار ...

دائما يجب أن نتذكر المعلومة الجديدة التي أتحفنا بها حسن نصر الله في مقابلته الأخيرة : أن المجرم القاتل قاسم سليماني هو الذي أقنع الروس باحتلال سورية ، ولم يستطع فعل ذلك بشار . وبناء على هذه المعلومة المهمة يجب أن تتغير الكثير من التحليلات والتأويلات ، ويجب أن نعيد الاعتبار للروسي بوصفه الحليف الأول في سورية لإيران ..

على ضوء كل هذا ، وفِي عهد هرولة بعض الأنظمة العربية للتطبيع مع من كان وصفه من قبل "العدو "، وعلى ضوء ارتفاع صورة المجرم قاسم سليماني في غزة .. تحتاج شعوب أمتنا ونخبها إلى إعادة شمولية للحساب ..

نتذكر فقط أنه في عمليات ترويض بعض الحيوانات يتغير فقط ثوب الجلاد

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

هل تسقط أمريكا نظام الأسد عسكرياً؟

غازي دحمان

عربي 21

السبت 26/12/2020

تتفق الإدارتان الأمريكيتان، الراحلة والقادمة، على معاداة نظام الأسد، مما يعني استمرار المقاربة الأمريكية القائمة على إدامة الضغط على النظام عبر فرض العقوبات ومنع إعادة تأهيله دولياً، ومنع الأطراف الإقليمية والدولية من المساهمة في إعادة الإعمار.

هل من الممكن أن تتطوّر هذه المقاربة إلى حد تجريد حملة عسكرية لإسقاط النظام في سوريا؟ تمت إزاحة هذا السؤال من التداول السياسي منذ خريف عام 2013، عندما تراجع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عن الخط الأحمر الذي وضعه، وذهب إلى إجراء تسوية مع روسيا تقضي بتجريد نظام الأسد من أسلحته الكيماوية، ثم بعد ذلك التوافق على آليات جديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا في ما خصّ إدارة الأزمة عبر اتفاق وزيري خارجية البلدين، جون كيري وسيرغي لافروف، شكّل بداية تراجع الدور الأمريكي في سوريا، والذي سيختم فعاليته في منتصف 2018 بالطلب من فصائل الجنوب عدم التعويل على الدور الأمريكي والتفاهم مع روسيا على تسوية تنقذ ما يمكن إنقاذه.

غير أن الجديد في هذا الملف، إبداء جميع أركان إدارة الرئيس جوزيف بايدن، والذين سبق لهم إدارة الملف السوري في عهد إدارة اوباما، الندم على السياسات الخاطئة التي اتبعوها في ذلك العهد، والتي أدت لنتائج سلبية، وخاصة على المستوى الإنساني، وحجم الدمار وأعداد الضحايا التي خلفتها حرب الأسد على السوريين، فهل يتجاوز هذا الندم إطار المشاعر والأحاسيس الوجدانية والاعتراف بالذنب، إلى بناء سياسات حاسمة تهدف إلى إزاحة الأسد وإنهاء آلام السوريين وتحقيق العدالة لهم؟

ليس خافياً حجم الرهان الأمريكي على نجاعة العقوبات التي تفرضها على نظام الأسد، بدليل نشاطها على هذا الخط بكثافة، ومتابعتها لتفاصيل نشاط الشركات الاقتصادية ومن يملكها وما علاقته بنظام الأسد، ومراقبتها لأي نشاط تجاري لنظام الأسد مع العالم الخارجي، وذلك لاعتقاد الإدارة الأمريكية أن هذا السياسة القائمة على تجفيف مصادر الأسد المالية سيؤدي بالنهاية إما إلى إضعافه وإجباره على تطبيق القرارات الدولية، أو سقوطه شعبياً عبر ثورة جديدة يقوم بها السوريون، وتحديداً البيئة الحاضنة للأسد التي أسهمت حتى اللحظة في بقائه في السلطة من خلال التضحيات الكبيرة التي قدمتها، أو عبر اضطرار روسيا إلى إجبار الأسد على تقديم التنازلات السياسية المطلوبة لإنجاز تسوية سياسية متفق عليها دولياً.

لكن ماذا إن لم يتحقّق شيء من هذه التوقعات؟ ما هي الخطة الأمريكية البديلة؟ عملياً تبدو العقوبات قد وصلت إلى ذروتها، كما أن انعكاساتها على الشارع السوري وصلت إلى أقصى ما يمكن تصوره وفي وقت سريع جداً. ولا زال النظام يراهن على أن روسيا لن تسمح بسقوطه لأسباب اقتصادية، فهو أداة مهمة في صراع جيواستراتيجي عالمي تعرف روسيا مقدماً أن عليها توفير قدرات تشغيلية له، مثلما توفرها لتطوير الأسلحة أو الإنفاق على قواعدها خارج الحدود، ربما لن توفر له الدعم الذي الكافي لتغير الأوضاع الاقتصادية بدرجة كبيرة، لكن يكفي الأسد الحصول على الدعم الذي يبقيه واقفاً على قدميه قدر الإمكان.

ويراهن النظام على أن إدارة بايدن، المتلهفة إلى إعادة الاتفاق النووي مع إيران، ستكون مجبرة على إلغاء العقوبات الاقتصادية عنها والإفراج عن أموالها، التي سيصل جزء منها إلى خزائن النظام.

غير أن الرهان الأهم لدى نظام الأسد يتمثل بانهيار سياسة العقوبات برمتها، نتيجة ضغط أمريكي داخلي، أو دولي، بذريعة أن العقوبات تدمّر حياة الشعب السوري وتحيلها إلى جحيم، ومن الممكن أن تنتج عنها نتائج كارثية كتلك التي حصلت في العراق قبل سقوط نظام صدام حسين. وتلعب روسيا على هذا الوتر منذ فترة، وقد تنضم لها بعض الأطراف الإقليمية والدولية التي ترغب في إنهاء عزلة الأسد وتبحث عن مبرر لإعادة التواصل معه، فما الذي ستفعله إدارة بايدن في هذه الحال؟

المرجّح أن إدارة بايدن ستتعاطى مع نظام الأسد على أنه ملف صغير ضمن ملفات نزاعها مع روسيا، وهي ستحاول قدر الإمكان إيلام روسيا من خلال هذا الملف وإبقاءه مفتوحاً لتحقيق أكبر قدر من الاستنزاف لروسيا، لكنها بنفس الوقت، لن تكون مرتاحة إذا استطاعت روسيا عكس الهجمة وتحويل الوضع السوري إلى تحد لإحراج إدارة بايدن على الصعيد الدولي، حينها ستكون أمريكا أمام خيارات مؤلمة: إما التراجع عن العقوبات، وما يعنيه ذلك ضمنياً من هزيمة سياسية مدوية قد تؤدي إلى خروجها من المنطقة لصالح روسيا وإيران والصين، وإما تغيير مقاربتها والانتقال إلى حلول جذرية، أي إسقاط الأسد ووضع حلفائه في مأزق خطير، فهل تسير الأمور إلى هذا الاتجاه؟

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com