العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02-12-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

التحريك الروسي للركود السياسي حول سوريا

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 29/11/2018

هجوم بغاز الكلور على مناطق سيطرة النظام في غرب مدينة حلب، يرد عليه الطيران الروسي بغارات على المنطقة العازلة وفق اتفاق سوتشي بين تركيا وروسيا. كان الاتهام جاهزاً من روسيا والنظام للفصائل المعارضة بأنها وراء هذا الهجوم الكيماوي، وكأن الميزانسين الذي سبق لروسيا اتهام الغرب والمعارضة بتحضيره، قبل اتفاق سوتشي بشأن إدلب، وضعته موسكو موضع التطبيق لإيجاد ذريعة للتخلص من الاتفاق المذكور.

لن أدخل في نقاش غير مجدٍ بشأن مصدر القذائف المحملة بغاز الكلور، فلا أحد يملك، حالياً، أدلة كافية على هوية الجهة المنفذة، وإن كانت تحليلات قائمة على الملاحظة الأولية للمشاهد التي بثها تلفزيون النظام، تشير إلى تلاعب ما في هذه القصة. لكن الرد الروسي السريع يكفي وحده لتحديد صاحب المصلحة في الهجوم الكيماوي المزعوم. في حين أن روسيا نفسها أطلقت تصريحات نارية ضد الولايات المتحدة حين ردت الأخيرة على هجمات كيماوية للنظام، مرة في 2017، وثانية في 2018، بذريعة وجوب «انتظار نتائج تحقيقات» لن تحدث أبداً لأن روسيا بالذات عطلت الآلية الدولية المعنية بتحديد المسؤولين عن استخدام السلاح الكيماوي.

واضح إذن أن روسيا، ومن ورائها إيران وتابعهما الكيماوي، يريدان إنهاء اتفاق سوتشي والعودة إلى العمل العسكري لاستعادة محافظة إدلب ومناطق ملاصقة غربي حلب وشمال حماة، لتكتمل استعادة السيطرة على جيوب المعارضة المتبقية. وعلى أي حال، بوجود جبهة تحرير الشام (النصرة سابقاً) في المحافظة، يصعب على تركيا أن تفي بالتزاماتها في إطار الثلاثي الضامن لمناطق خفض التصعيد (روسيا وإيران وتركيا). أضف إلى ذلك أن الخلاف بين تركيا وروسيا (وإيران) حول تشكيل اللجنة الدستورية، باقٍ على ما كان عليه، وسينصرف مهندس «العملية السياسية» المندوب الأممي ديمستورا في نهاية الشهر الحالي بدون تحقيق هذا «الإنجاز» الهزيل. ومع عودة واشنطن إلى النشاط في الصراع السوري، تبدو روسيا بحاجة إلى حركة تستعيد بها زمام المبادرة. وبما أنها لا تجيد غير القصف، أمكننا افتراض ترتيب مسرحية ضرب غرب حلب بغاز الكلور، لتشكل ذريعة للعودة إلى مهاراتها المألوفة. فلا شيء يمكن عمله غير فتح معركة جديدة، لا بد أن تكون شديدة التدمير، وتؤدي إلى موجة نزوح كبيرة تثير فزع الأوروبيين الذين رفضوا العرض الروسي بالمساهمة في إعادة إعمار ما دمره النظام وروسيا في ظل بقاء الأول. فمعركة إدلب المؤجلة هي، في جانب منها، مادة لابتزاز الدول الأوروبية.

روسيا لا تملك أدوات الانتهاء من الحرب وفرض التسوية وفقاً لشروطها، في حين أن النظام الكيماوي لا يمكنه أن يحكم بلا حرب. وهو ما يعني استمرار الصراع إلى أجل غير معروف

ومن المحتمل أن روسيا تراهن على تخلٍ تركي محتمل عن محافظة إدلب وجوارها، على غرار ما فعلت في شرقي حلب عام 2016، مقابل تعزيز نفوذها في كل من عفرين ومنطقة درع الفرات، إضافة إلى تهديداتها اليومية بشن هجوم على وحدات حماية الشعب في مناطق شرقي الفرات المحمية أمريكياً. عملت الولايات المتحدة على امتصاص تلك التهديدات من خلال إنشاء خمس نقاط مراقبة على طول الحدود، لتجعل أي هجوم عسكري تركي هناك بمثابة هجوم على القوات الأمريكية.

هذا التوتر الأمريكي ـ التركي الذي لا يحتمل أن يتراجع قبل الانتخابات البلدية في تركيا، في 31 آذار/مارس 2019، يمنح روسيا وحليفتيها الوقت الكافي لتحقيق انتصار عسكري في إدلب، أو هذا ما تأمله موسكو وطهران والنظام الكيماوي. وهو ما من شأنه أن يرحّل المفاوضات حول اللجنة الدستورية إلى أجل غير معلوم.

ولكن أي نصر مفترض للروس وحليفيه في إدلب سيعني مواجهة استحقاقات جديدة هي الأكثر صعوبة من كل ما سبقها. فهناك منطقتا نفوذ أمريكية وتركية خارج سيطرة التحالف المذكور، وسيكون عليه أن يختار بين مواجهة عسكرية غير مرغوبة مع الأمريكيين، أو الرضوخ للشروط الأمريكية المؤلمة: انسحاب القوات الإيرانية والميليشيات متعددة الجنسية المرتبطة بها من سوريا، والدخول في عملية سياسية حقيقية.

لا شك أنه ليس من مصلحة الروس الوصول إلى تلك اللحظة حيث كل الخيارات سيئة بالنسبة لها. ولكن، بالمقابل، إبقاء الوضع الميداني في إدلب على ما هو عليه، يعني الاضطرار إلى الانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية، وهو ما يبدو أنه غير ممكن الآن بالطريقة التي يريدها النظام وروسيا. من المحتمل، في هذه الحالة، أنهم يراهنون على تنازلات من الأتراك والأمريكيين، في موضوع اللجنة الدستورية، على وقع انتصار مفترض يأملون بتحقيقه في إدلب. ولكن ماذا عن «الاستراتيجية الأمريكية الجديدة» بشأن سوريا؟

إذا اعتبرنا تصريحات المبعوث الأمريكي جيمس جيفري الذي تم تعيينه للتعامل مع الصراع في سوريا، سنرى أن الأفكار التي يطرحها قائمة على سذاجة غريبة، وكأن الأمريكيين على جهل مطبق بكل تفاصيل المشهد السوري. فقد ربط الأمريكيون انسحابهم من منطقتي شرق الفرات وحول معبر تنف في الجنوب بثلاثة شروط هي: القضاء التام على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وطرد القوات الإيرانية من سوريا، وإنجاز حل سياسي للصراع الداخلي السوري. وعلى الصعيد العملي، شاعت أخبار عن مباحثات روسية ـ أمريكية فحواها مقايضة انسحاب إيراني من سوريا مقابل تخفيف العقوبات الأمريكية على إيران. مباحثات يبدو أنها متعسرة إلى الآن. بالمقابل يقوم الأمريكيون بتدريب مزيد من المقاتلين لـ«قوات سوريا الديمقراطية» من أجل زجها في صراع محتمل مع الميليشيات المرتبطة بإيران، بعد الانتهاء من الجيوب القليلة التي ما زالت داعش تحتفظ بها. أما بشأن «الحل السياسي» المفترض، فيرى جيفري أنه يتمثل في إقرار دستور جديد وإجراء انتخابات تحسم موضوع «الانتقال السياسي» وفقاً لقرار مجلس الأمن ذي الصلة. مع العلم أن التحالف الروسي ـ الإيراني ـ الأسدي قد بدأ العرقلة منذ موضوع تشكيل اللجنة الدستورية. وفي حال تم تشكيلها أخيراً، بعد ضغوط، سيبدأ الحلف المذكور بعرقلة صياغة الدستور، وهكذا… في غضون ذلك تكون واشنطن قد دخلت أجواء حملة انتخابية جديدة، وابتعد سراب «الحل السياسي» أكثر وأكثر. الخلاصة أن روسيا لا تملك أدوات الانتهاء من الحرب وفرض التسوية وفقاً لشروطها، في حين أن النظام الكيماوي لا يمكنه أن يحكم بلا حرب. وهو ما يعني استمرار الصراع إلى أجل غير معروف، وربما بأطوار جديدة لا يمكن التنبؤ بها.

==============================

المشروع الصفوي خطر على فلسطين وعلى الفلسطينيين وعلى القدس والأقصى وليس فقط على سورية والعراق

زهير سالم

28/11/2018

مركز الشرق العربي

والفلسطيني الذي يجد سعة في التحالف مع الصفوي ، ولو تحالفا تكتيكيا وقتيا ، ليس أقل ضلالا سياسيا ، من العربي الذي يجد أمنه وحمايته واستقراره في الركون إلى العدو الصهيوني بأي شكل من أشكال الركون .

إن المكر الدولي قد أحكم على أمتنا بطريقة خبيثة شديدة اللؤم والإغلاق . فبين فكي الكماشة الصهيونية - الصفوية يجد المكبلون من أبناء الأمة أنفسهم حائرين يترددون .

لا أحد من أبناء الأمة وأزعم ولا من حكامها يرتاح للركون إلى العدو الصهيوني هذا الركون المحبط والسافر والذي يعبر عن خنوع وخضوع وانحطاط ؛ ولو سئل أي واحد من هؤلاء في خلوة  عن سر ما هو فيه لعبر عن ضرورة واضطرار وطرح بين يديك المزيد من الذرائع والتعلات ؛ وحين نقول إن كل ما يطرحه هؤلاء مستنكر ومدان ومرفوض ؛ فإن أي تحالف مع اللَّات يجب ان يدان مثل التحالف مع العزى مثل التحالف مع مناة الثالثة الأخرى المتمثّلة في هؤلاء الحكام المستبدين الفاسدين  الجبارين الخوارين ؛ في وقت معا .

وحين يشهر البعض فوق الرؤوس فقه الضرورة لأكل لحم الميتة ، فعليهم ان يتقبلوه من الذين يشهرونه لأكل لحم الخنزير .

والشعور بالاضطرار شعور نفسي نسبي يرتبط بقوة الإنسان وضعفه ، بعلو همته أو تسفلها على السواء .

في فوضى الأصوات المختلطة لم يعد استحلال المحرمات بتسميتها بغير أسمائها مقتصرا على  الحر والحرير والمعازف ؛ بل تعدى ذلك إلى تزوير المفاهيم من نصر وهزيمة وصمود ومقاومة !! أرأيتم إلى بعض السوريين يسمون اتفاقات خفض التصعيد والتهدئة مع العدو الروسي والأسدي انتصارات ؟!!!! وخفض التصعيد في كل مكان هو خفض التصعيد والتهدئة هي التهدئة ، وإن تهدئة تكون قابلتها السيسي الصهيوني أكثر من الصهاينة كما وصفه أحد الصهاينة لمن العجب ان تسمى انتصارا .

بدهية أخرى أصبحنا في هذا الزمان البئيس بحاجة إلى التأكيد عليها ألا وهي أن المسلمين تتكافأ دماؤهم . ودم مسلمة من بنات تركستان أو الروهينغا أو العراق او سورية يكافئ دم مسلمة من قريش . وذرة رمل من أي بقعة مسلمة لها قدسية كل أرض الإسلام والمسلمين وترتب الأولويات على من سكن الأرض وعلى من يليه حتى تتم الكفاية .

ثم أخيرا هل نتوقع أن يكون تعامل الصفويين مع أهلنا في رام الله والقدس والخليل وغزة أقل سوء من تعاملهم مع أبناء سورية يوم طالبوهم بدم الحسين ، أو مع أبناء حلب يوم أعلنوا فيها انتصار المسلمين على الكفار ، أو ما يفعلونه اليوم بدير الزُّور مما سارت بفحشه الركبان ؟!!!

بني سـورية اطّرحوا الأماني

وألقوا عنكم  الأحــلام ألقوا

فمن خـدع السياسة أن تغروا

بألقـاب الإمـارة وهـي رق

_______________

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

اللاجئون السوريون.. شعب بلا سند

هدى أبو نبوت

حرية برس

الاربعاء 28/11/2018

كيف يعيش  اللاجئون السوريون في دول العالم الكثيرة التي اضطروا إلى اللجوء إليها هرباً من بطش النظام أو من الحرب؟

هناك ما لا يقل عن 6 ملايين سوري خارج سوريا، وفي ضوء التطورات الأخيرة في سوريا وصعوبة عودة الغالبية العظمى للبلاد بوجود حكم الأسد، فالوضع الحالي مستمر لأجل غير مسمى، وبات من المعروف أن وجود السوريين في دول مثل تركيا والأردن ولبنان وألمانيا ملفت للنظر، تركيا وحدها تحتوي أكثر من نصف العدد حيث يتواجد حوالي 3 ملايين ونصف المليون سوري الغالبية العظمى خارج المخيمات، إذ لا تأوي المخيمات أكثر من 200 ألف وهذا بناء على رغبة السوريين أنفسهم، وحوالي مليون سوري في الأردن نصفهم في المخيمات لأسباب أمنية متعلقة بالدول المستضيفة أكثر منها رغبة شخصية للسوريين المتواجدين على أرضها وكذلك الأمر في لبنان، وضع اللجوء في ألمانيا يختلف كلياً لأسباب قانونية وإنسانية تعتمدها دول الإتحاد الأوروبي في التعامل مع اللاجئين وهم الأفضل حالاً من ناحية تأمين السكن والمعيشة وتأطير اللاجئين بشكل إجباري في خطط الدمج وتعليم اللغة وإيجاد فرص عمل ما يؤسس لاستقرار دائم لطالب اللجوء مع حماية قانونية وسيادة القانون، وهنا يختلف الفعل المرجو من اللاجئين المتواجدين في أوروبا عن الدول الثلاث الأخرى لأنهم لا يتحملون أعباء إضافية تتعلق بحياتهم وأمنها بشكل مباشر.

كيف يجب أن يتعامل السوري مع الواقع الجديد؟

يعاني السوريون في الأردن من مشاكل تختلف عن ما يعانيه المتواجدين في لبنان وتختلف أيضاً عن ما يعانيه السوريون في تركيا، مما يطرح أسئلة كثيرة حول الخطط التي كان من الممكن أن يضعها السوريون كمجتمع جديد أفرز نفسه في الخارج وهو يملك كل المقومات التي تساعده على بناء خط دفاع مقنع للسلطات والحكومات التي تستضيف اللاجئين لحل قضاياهم الشائكة الاقتصادية أو الاجتماعية التي يتعرضون لها يومياً.

والملفت للنظر أن المنظمات التي تعنى بأمور اللاجئين في كل من الأردن ولبنان وتركيا كثيرة العدد لدرجة يصعب حفظها ومعرفة ما تقدمه من خدمات بدقة، لغيابها الكامل عن إيجاد أي حلول مستدامة تعكس على أرض الواقع نتائج ملحوظة في تحسين واقع اللاجئين في هذه الدول، بل على العكس تحولت منظمات المجتمع المدني إلى شللية جديدة تضاف إلى الشللية السابقة التي اعتاد السوريون إدارة حياتهم وعلاقاتهم بها في سوريا قبل الثورة، وعاماً بعد عام فاحت منها روائح الفساد والمحسوبيات والنفعية الفردية وإقصاء الأخر متجاهلة كل المآسي التي يمر بها السوري اللاجئ لجني قوت يومه ويقف وحيداً إذا تعرض لأي نوع من الإساءة في الشارع أو بيئة العمل، مما يضيف أعباء نفسية إضافية تفوق قدرة السوريسن على وضع قدم نحو المستقبل والتقدم خطوة باتجاه الإستقرار، وهذا يدفع بعض السوريون الذين تضيق بهم الحال للأخذ قرار العودة إلى سوريا في لحظة ضعف للهرب من جحيم الحياة الصعبة إلى جحيم الأسد من جديد.

هل يملك السوريون القدرة على التأثير في المجتمعات الجديدة؟

من الواضح للعيان أن عدد السوريين في هذه الدول كبير بما فيه الكفاية حتى يتحول لحملات انتخابية تستهدفهم كما حصل في الانتخابات التركية الأخيرة، وحملات إعلامية عنصرية تثار بين الفينة والأخرى في لبنان تستهدف وجودهم، وأخرى اقتصادية يصرح بها المسؤولون الأردنيون بين الحين والآخر، إذاً ما الخطوة التي كان من الممكن أن يخطوها السوريون منعاً لكثير من هذه الأفعال أو الحد منها على الأقل؟

بات معروفا لدى الجميع أن السوريين انتقلوا كمجتمع كامل الأركان أي من أكبر طبقة سياسية واقتصادية واجتماعية إلى أصغر طبقة عاملة كادحة تركض ليلاً ونهار حتى تعيش اليوم بيومه، إلى جانب طيف واسع من المتعلمين حاملي الشهادات والمهنيين والفنانين والمثقفين.

فالسؤال إذاً أين هذا الشعب وماذا فعل؟

للأسف لا يوجد حتى الآن كيان رسمي يستوعب كل هذه الفئات ويتحدث باسمها ويواجه الحكومات بالمشاكل التي يتعرض لها أبناؤها، ويحاول إيجاد حلول مقبولة لهم، وجود عدد هائل من حملة شهادة الحقوق لم تنتج تجمعاً قانونياً يدافع عن السوريين إذا تعرضوا لإساءة أو يساعدهم بفهم قوانيين البلد المضيف وإدارة أمورهم بشكل قانوني تجنباً لكثير من اللغط وسوء الفهم لاحقاً.

لا يوجد حتى الآن أي كيان اقتصادي يساعد السوريين على تحمل مصاعب الحياة في دول اللجوء، رغم تواجد مئات رجال الأعمال والاستثمارات ضخمة، ولكن حتى العمال السوريين الذي يعملون معهم منقوصو الحقوق ومعرضون للطرد بأي لحظة، لا يوجد أي قانون يحميهم ويحفظ حقوقهم وهم يعملون بدون إذن عمل رسمي صادر عن الدولة المضيفة، ولم يحاول حيتان التجارة والإقتصاد أن يجدوا حلول قانونية لحفظ حق العامل السوري وليس من مصلحته أن يسعى لهذا فهو سيدفع راتباً أعلى وسيضطر لتأمينهم صحياً والالتزام بساعات عمل محددة وإجازات رسمية وبذلك تظل الطبقة الكادحة تحت سندان الدول ومقصلة ابن البلد.

ماذا فعلت مؤسسات المعارضة؟

حتى نكون منصفين هم لم يفعلوا شيئاً يذكر، بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، هناك مؤسسات معارضة تعيش في كوكب آخر لا يعرف عنه اللاجئ شيئا، إذا سألنا أي لاجئ سوري في لبنان أو الأردن أو تركيا التي يقيم فيها كل مسؤولي المعارضة عن اسم رئيس الحكومة الإنتقالية، أظن أن أقرب جواب للواقع سيكون “ماذا تفعل هذه الحكومة؟ لا نعرف عنها شيئا”.

هي مؤسسات ترتزق باسم السوريين وتعيش على تبرعات ودعم الدول المعنية بدعم الملف السوري ولكن على أرض الواقع لا يذهب شيء لهذا الدعم وحتى ما يذهب للداخل يسرق ثلاث أرباعه قبل أن يتحول لمشروع فاشل على أرض الواقع.

لماذا لم تثمر 8 سنوات عن وجود كيان يمثل السوريون؟

الجواب عن هذا السؤال شديد البساطة والتعقيد على حد سواء، السوري ببساطة لا يثق بالسوري، ولا يملك روح الجماعة، ويحب العمل بفردية بشكل أناني، ويتجنب الأعمال الجماعية التي لا تثمر بروز اسم أو سطوع نجم أو بهرجة إعلامية، هناك مشاكل مناطقية وأخرى طائفية وثالثة إيديولوجية ورابعة طبقية كلها تصب في بركة واحدة يسبح فيها الجميع في اتجاهات مختلفة إذا غرق أحدهم لن يجد الآخر قريباً منه لانتشاله وإنقاذه، فالقوي ينجو والضعيف يغرق في دوامة اللجوء والضعف وقلة الحيلة والغربة في بلاد لا تصلح للاستقرار ولكنها مرفأ مؤقت يؤمن القليل من الأمان والأمل في مستقبل أفضل.

==========================


موازين قوى المعارضة السورية في الثورة

وائل السوّاح

سوريا تي في

الاربعاء 28/11/2018

انتقد كثير من السوريين داخل البلاد وفي المنفى المعارضة، مجادلين بأنها لم تشكل قوة موحدة. وحثّوها على التوحد في ائتلاف موحد، مع رؤية موحدة حول كيفية قلب النظام وكيف سيتم إدارة سوريا في عهد ما بعد الأسد. بعد أشهر من بدء الانتفاضة في سوريا، بقيت خريطة المعارضة السورية لغزاً للمراقبين والمراسلين والمحللين الإعلاميين. تم تقسيمها إلى معارضة قديمة في مواجهة المعارضة الجديدة، ولكن أيضا معارضة داخلية مقابل خارجية، ومعارضة تصالحية مقابل معارضة ثورية رافضة.

المعارضة القديمة

تضمنت المعارضة القديمة بشكل رئيسي أحزاب المعارضة التقليدية التي استيقظت من مفاجأتها الأولى وحاولت أن تغازل المتظاهرين على الأرض.

ويشير تعبير "المعارضة القديمة" هنا إلى الأحزاب اليسارية والقومية التقليدية التي شكلت التجمع الوطني الديمقراطي في الثمانينيات، وتشمل الأحزاب الماركسية والقومية العربية والجماعات شبه الديمقراطية. كما تشمل الأحزاب الإسلامية والقوى الليبرالية التي احتشدت تحت رعاية إعلان دمشق. وتنقسم هذه المعارضة على نفسها إلى عدة مجموعات، تعكس الاختلافات التاريخية في الاستراتيجيات والإيديولوجيات والشخصيات.

جماعة المعارضة الأكثر صراحة والأسرع في انضمامها إلى الانتفاضة هي إعلان دمشق

كانت جماعة المعارضة الأكثر صراحة والأسرع في انضمامها إلى الانتفاضة هي إعلان دمشق وهو تحالف معارضة علمانية، سميت على اسم البيان الذي صادر عام 2005، والذي يدعو إلى الانتقال التدريجي والسلمي إلى الديمقراطية التعددية والمساواة بين جميع المواطنين في سوريا علمانية وذات السيادة.

وقد لعب السياسي المتمرس رياض الترك، الذي قبع 18 عامًا في الحبس الانفرادي في سجون حافظ الأسد، والبرلماني الليبرالي الدمشقي السابق رياض سيف دوراً أساسياً في تشكيل الائتلاف. في عام 2007، فاز الاتجاه الليبرالي في إعلان دمشق، بقيادة رياض سيف ورياض الترك، في الانتخابات الداخلية للائتلاف، مما أدى إلى تحوّل كامل في الخطاب السياسي للإعلان نحو خطاب ليبرالي مفتوح مقابل الخطاب القديم القومي-الاشتراكي. وبينما دفع هذا الجماعات القومية - الاجتماعية التي يقودها حزب الاتحاد الاشتراكي العربي إلى ترك الائتلاف، إلا أنه عزّز أيضا العلاقة بين الحركة السياسية في سوريا من جهة والغرب من جهة أخرى.

كما تضمّ المعارضة القديمة مجموعات من التيار الإسلامي، على الرغم من أن هذه المجموعات كانت كما ذكرنا في مقالات سابقة في موقف ضعيف عندما بدأت انتفاضة عام 2011. أكبر جماعة إسلامية هي بالتأكيد جماعة الإخوان المسلمين التي كانت في المنفى بشكل رئيسي بسبب القانون 49 الذي كان يقضي بإعدام أي منتسب للجماعة. ولم تكن مكانة الإخوان بين السوريين مرتفعة، بعد أن تخلوا عن إعلان دمشق وشكلوا تحالفًا مع نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام.

ثاني أكبر جماعة إسلامية في سوريا مع بدء الانتفاضات كانت حزب التحرير الإسلامي، الذي تأسس في عام 1953. هذه منظمة سياسية إسلامية عامة ترتبط عادة بهدف تجميع الدول الإسلامية في ظلّ خلافة إسلامية تحكمها الشريعة الإسلامية ويرأسها خليفة ينتخبه المسلمون. لم ينتشر حزب التحرير على نطاق واسع في البلاد بسبب طبيعته النخبوية وبسبب القمع المستمر له من قبل الحكومة.

المجموعة الإسلامية المهمّة الثالثة هي حركة العدالة والتنمية، التي تأسست عام 2006 في لندن. وتصف نفسها بأنها "ملتزمة بالتغيير السلمي والديمقراطي في سوريا وخلق دولة حديثة تحترم حقوق الإنسان وتعزز التنمية الاقتصادية والاجتماعية".

ولكن حركة العدالة والتنمية كانت تعاني من مشاكل داخلية في أعقاب انقسام بين مؤسّسَيها الرئيسيين أنس العبدة وأسامة المنجد، وأيضا بسبب الإحراج الذي تلا تسريب وثائق وزارة الخارجية الأمريكية على موقع ويكيليكس والتي كشفت أن الحركة كانت تموّل من قبل وزارة الخارجية الأمريكية سرا. ومع ذلك، أصبحت القوى الإسلامية أقوى وأكثر راديكالية في أثناء الثورة. وقد ساعدت استمرارية الصراع الذي أدى إلى معاناة وخسائر دائمة في الأرواح والحرية والممتلكات إلى مساعدة الإسلاميين في الحصول على المزيد من الزخم، إلى جانب استمرار النظام في إشعال الفتنة الطائفية.

أخيراً، احتوت المعارضة القديمة على عدد من الأحزاب الكردية. يأتي معظم هؤلاء من الحزب القومي المعروف باسم الحزب الكردي الديمقراطي في سوريا (البارتي). تأسس هذا الحزب عام 1957 وكان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي. وعندما انشق جلال طالباني ومصطفى بارزاني في العراق، حدث انقسام مماثل في سوريا وظهر حزب جديد إلى جوار البارتي هو الحزب الكردي الديمقراطي التقدمي. وأعاد هذان الطرفان الرئيسيان إنتاج 12 حزباً صغيرا انشقت عنهما وكانت نشطة جداً في محافظة الحسكة الشمالية الشرقية.

بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة في عام 2000، ضغطت الأحزاب الكردية بقوة لإلغاء القرار القديم سيء الذكر الذي اتخذته الحكومة السورية في الستينيات وأدى إلى حرمان الآلاف من الأكراد من الجنسية السورية. في عام 2004 اندلعت الاحتجاجات في المناطق التي يسكنها الأكراد بكثافة في الحسكة؛ وفي غضون ثمانية أيام، قُتل 40 شخصًا (33 كرديًا وسبعة عرب)، وأصيب 400، وتم اعتقال ما يزيد عن 2000 كردي. وتمّ استعادة الهدوء فقط بعد إرسال الدبابات إلى جميع المدن الكردية الكبرى.

لم تشارك معظم الأحزاب الكردية بنشاط في السنة الأولى ونصف من الانتفاضة السورية

وعلى الرغم من المظالم التي طال أمدها، لم تُشارك معظم الأحزاب الكردية بنشاط في السنة الأولى ونصف من الانتفاضة السورية، ربما كما يجادل البعض لأن بشار الأسد منح الجنسية السورية لعدد كبير من المحرومين منها في أعقاب الانتفاضة. ولكن هذا التوصيف لا يشمل كلّ القوى الكردية، فقد شاركت بعض القوى الكردية الصغيرة في الثورة، وبخاصة تيار المستقبل الكردي الذي تزعمه القائد الكردي مشعل التمّو الذي اغتالته القوات الموالية للنظام في تشرين الأول / أكتوبر 2011، بعد أن بدأ التمّو يتحول إلى رمزي للوحدة الوطنية والثورة في نظر شريحة من السوريين، وبينما كان النظام يزداد سخطًا عليه، كانت بعض القيادات الكردية تسترجع أحقادًا ماضية تجاه مشعل، الذي لم يتوان عن انتقاد أخطائها، واتخاذ منهج لا يساير أهواءها. كذلك، فإن الشارع الكردي خرج إلى الشارع منذ الأيام الأولى لدعم الانتفاضة في القامشلي وعامودا والمدن الكردية الأخرى.

بالإضافة إلى التجمعات السياسية الرسمية، شهد العقد الأول من القرن الواحد والعشرين العديد من المفكرين والسجناء السياسيين السابقين والكتاب وصانعي الأفلام والأكاديميين والمحامين الذين راحوا يعبرون عن معارضتهم لحكومة بشار الأسد ويطالبون علانية بإجراء إصلاحات جادة.

وكما ذكرنا سابقا، فإن دور المفكرين في العملية السياسية قد بدأ في حزيران / يونيو 2000، عندما أصدر 99. منهم البيان الشهير المعروف باسم بيان الـ 99 وضمّ قائمة طويلة جداً من هؤلاء المعارضين الأفراد الذين شارك الكثير منهم في الانتفاضة. وقد ساعد هؤلاء الأفراد في إلهاب المشاعر السورية وإلهام جيل جديد من المعارضين السياسيين الذين اتبعوا مسارًا سياسيًا مختلفًا.

أخيراً، في هذا السياق، من الضروري الإشارة إلى أن المعارضة في المنفى لعبت أيضاً دوراً متنامياً في السياسة السورية خلال الثورة. قبل الثورة، كانت المعارضة في المنفى صغيرة ولم يكن لها تأثير يذكر على السياسة السورية. لم يكن لدى جبهة الإنقاذ السورية، التي كانت تتألف من جماعة الإخوان المسلمين ونائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام، أي نفوذ تقريباً داخل البلاد، ولكنها تمكنت من لعب دور في الإعلام الغربي.

لعب إعلان دمشق في المنفى دورا أكبر قليلا وأبلغ الآراء السياسية في الخارج.

لم يكن لحزب الإصلاح ومقره الولايات المتحدة أي شعبية بسبب علاقات مؤسسه فريد الغادري مع إسرائيل. ومع ذلك، بمجرد أن بدأت الثورة، تحول التوازن السياسي لصالح المعارضة الخارجية. وقد أصبح هذا واضحًا بشكل خاص بعد تشكيل المجلس الوطني السوري والدعم الهائل الذي تلقاه من المجتمع الدولي والقوى الإقليمية كما سنوضح لاحقا.

==========================

أيها السوريّون الشرفاء.. حافظوا على ما تبقّى من الثورة

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 28/11/2018

إنما تنهزم الأمم بالانتحار الداخلي، وإنما تنهزم الثورات بأكل بعضها ونحر شبابها بعضهم بعضاً، لا تنهزم بقوة أعدائها وخصومها، ولا تنهزم ببطشهم العسكري مهما تعاظم وانتفش، وهي سيرة الثورات قديماً وحديثاً، ما دامت الثورة روح تسري بين المنتفضين، وما دام الظلم والجرم قد حلّ بالجميع، فغدا الثأر أكبر مما يحتمله طاغية أو احتلال، وقد حدّثنا القرآن الكريم عن أسباب الهزيمة، فقال: «قل هو من عند أنفسكم»، وهي معادلة في غاية الوضوح والدلالة.

ما يجري اليوم بسوريا، وقد قدّمت مئات الآلاف من الشهداء وملايين المشردين والمعتقلين، بينما لا يزال العالم المجرم يدعم ويصمت ويتواطأ مع القتلة المجرمين، ويستعد لتعويمهم، وتلك هي سيرته الأولى والنهائية، وما قصة تعويم منشار العظم عنّا ببعيد، جرائم ومجازر تتقازم أمامها كل جرائم الإرهابيين قديمهم وحديثهم، ومع هذا نرى أنه لا يزال هناك من بين الثوار الشرفاء من يسعى إلى تحقيق انتصارات وهمية شخصية وحزبية وأيديولوجية، على حساب ما تبقى من الثورة في الشمال المحرر، بعد أن صمت تماماً عن تسليم معاقل الثورة في الغوطة والقلمون وريف حمص ودرعا.

لا بد من تحييد الأيديولوجيا في اتفاقاتنا، وتحديداً في هذه المرحلة الخطيرة والعصيبة من عمر الثورة الشامية، ولا بد من التركيز على الجغرافيا والحفاظ عليها، ومقاومة العصابة الطائفية واسترداد ما تبقى من سوريا المحتلة، فكل الأحاديث التي تجري، والمفاوضات التي تتم، والمشاريع التي تُطرح، لا معنى لها ولا مستقبل، ما لم يتم الحفاظ على الجغرافيا، وقد رأينا تراجع أداء هيئة التفاوض تماماً بعد سقوط معاقل الثورة في درعا وريف حمص وغيرها، وكفى سخرية بالعمل الثوري والسياسي، حين يتم اللهث وراء أكاذيب وسراب ثبت كذبها وخطلها على مدى سنوات من عمر الثورة، فعلى الجميع -عسكريين وثواراً ونخباً- المحافظة على ما تبقى من جغرافيا الثورة وتعزيزها وتقويتها، بطرح إدارة مدنية موحدة، ولتكن في البداية إدارتين، إدارة لإدلب وريفها، وأخرى لمناطق غصن الزيتون ودرع الفرات، نظراً لظروف المنطقتين المختلفة، وبالتالي منح المنطقتين فترة من الزمن لإدارة أعمالهما والتنسيق فيهما بينهما، ريثما يتم إيجاد إدارة موحدة لهما.

إن العدو لن يفرّق بين الثوار السوريين مهما اختلفت أيديولوجياتهم وأفكارهم، ما دامت أيديولوجية الانشقاق عن النظام هي ما يجمعهم، ليتعالَ الجميع على الجراح الرهيبة، وأهمها جراح ما سيأتي، فهذه العصابة لن ترحم أحداً انتفض عليها، وما يجري لثوار درعا والغوطة -الذين وثقوا بالعصابة فسلموا أنفسهم إليها- دليل على ما نقول، وليضع الثوار أيديهم بأيدي بعضهم، وليكفّوا ألسنتهم عن بعضهم بعضاً، وليعظموا المتفق عليه، وليقزموا المختلف فيه، وإلا فهي التهلكة الحقيقية لهم، ولثورة انتفضوا من أجلها، وقدموا من أجلها أعز ما يملكون وسيملكون.

إن ما يتعرض له أعداء الثورة في داخلهم وعلاقاتهم الدولية، وما أصابهم من انتكاسات وانتكاسات، يذكرنا بقول الله تبارك وتعالى: «إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون»، وما علينا إلا اهتبال فرصة آتية لا محالة، وهي انشغال أعدائنا وخصومنا بظروف صعبة سيتعرضون لها داخلياً وخارجياً، فليس هناك من حكم مستبد يقوى على استمراره بدعم خارجي إلى الأبد، وما علينا إلا مواصلة عضّ الأصابع ولكن بشكل جماعي وليس متفرقاً، لمواصلة درب الانتصار الذي شقّه من سبقونا إليه في ثورة العز والكرامة والحرية.;

==========================


الموت من التوجّس إلى التعايش

سلام الكواكبي

سوريا تي في

الثلاثاء 27/11/2018

قتلت جبهة النصرة، أو أعوانها أو أشباهها أو روافدها او تفرعاتها، الشهيدين حمود جنيد ورائد فارس في كفرنبل المخطوفة يوم الجمعة الماضي. وبدأت وسائل الإعلام تتحدث عن مجهولين أطلقوا النار وفروا هاربين. ومن وجهة نظر قضائية، فهي محقة، لأن الفاعل، ما دام لم يتم إلقاء القبض عليه وتحديد جهة الانتماء لديه، لا يمكن أن يتم تحديده، وإلا صار الأمر اتهاماً غير مسنود إلى أدلة. هذا القضاء الذي، في ظل انعدام مصداقيته في مجمل الأراضي السورية، وتشوّهه الشرعي في الأراضي المخطوفة شمالاً، لا يمكن أن يُعتدّ به ولا الاعتماد عليه.

وبالتالي، يمكن أن نصدّق أكثر الوقائع المتراكمة والتهديدات المتتالية والعقلية الجرمية التي تتميّز بها هذه العصابات بتغطية "شريكة" ممن دافع عنها يوماً واعتبرها "مكوناً من مكونات الثورة" واعتبر أن بندقيتها "تخدم القضية الوطنية". إلى درجة أن هؤلاء الشركاء في الجريمة أخلاقيا على أقل تقدير، وصلت بهم الحال لأن يكذبوا على محاوريهم الأوروبيين، حيث أوقعوا في الخطأ، وأكاد أقول الخطيئة، سياسياً فرنسيا محنّكاً كـ وزير الخارجية الأسبق لوران فابوس، دافعين به للدفاع عن هؤلاء القتلة استناداً إلى ما زوّده به محاوروه "الديمقراطيون والعلمانيون" السوريون ويا ليتهم أُصيبوا بالخرس قبل أن يقترفوا هذا الإثم.

بعد هذا الخطب الجلل الذي تكسّر كالنصال على جسم متهتك من نصال العدوان والخيانة والتخاذل، حفلت وسائل التواصل بالنعوات الصادقة والبروتوكولية، وأضيف إليها تلكم الكاذبة ـ والتي ربما لا يمكن توصيفها بذلك حتماً لأنها ربما صدرت عن مشاعر حقيقية ـ ولكنها كاذبة لأن أصحابها ما فتئوا يبررون لهؤلاء القتلة الخيارات غير الوطنية، وكانوا من صنف من ورد توصيفهم من المعجبين بعصابات النصرة وممن أيضا ساهموا، عن خبث أو غباء، في تحطيم الأمل بجسم قضائي متحرر من الاستبداد، فأخضعوه، أو قبلوا بإخضاعه، بتوقيعهم شهادات تخريج لقضاة شرعيين لا يفكون الجرف بعد دورة ظلامية لمدة أسبوع.

قبل وسائل التواصل كان للموت وقعٌ عظيمٌ في النفس والذاكرة

قبل وسائل التواصل، كان للموت وقعٌ عظيمٌ في النفس والذاكرة. وكان التأثّر بالفقدان حقيقياً وعميقاً لمن هو بأمره معني، كما أنه كان تفاعلاً بروتوكولياً لمن لا يمت بصلة من قريب أو بعيد، عائلية أو إنسانية، إلى الفقيد. وذلك مع إمكانية توفر نصف جرعة حزن تهتم بالحالة المجردة، وهي الموت والغياب عن مشهد الحياة. إذا، وعلى الرغم من جفاف المشاعر الذي كان يمكن أن يُـتهم به غير المعنيين، إلا انه كان يمكن القول على الأقل بأنهم لم يكونوا منافقين.

مع وسائل التواصل اليوم، والتي شكّلت مرتعاً للتعبير عن حزن حقيقي وعن أحزان وهمية، عن تعاطف واقعي وعن تعاطفات مسرحية، صار الموت رفيقاً يومياً يُصاحب الإنسان منذ قهوة الصباح، ولم يعد ذاك الشيء العظيم الذي يمكن أن يُشكّل حالة رهاب أو توجّس.

فما قبل اليوم، كنا إذ نسير في شوارعنا، نعبر الرصيف أمام دور العبادة إلى الطرف الآخر غالباً حتى لا نقرأ النعوات الملصقة، أو أننا نفعل العكس تطفلاً ليس إلا. وأما اليوم، فلا نكاد أن نفتح الأعين، لننظر إلى الصفحات الافتراضية متسائلين عن موتاها. تعودنا الموت بعد أن كنا نخافه ونتوجّس منه، وصار التعليق عليه مفتوحاً للتعازي حيناً وأحياناً لطرح أسئلة لا تحترم حرمة لميت أو حي. سُخِّف الوقع الجلل وصار الألم الناجم عنه مبستراً حيناً، أو أنه صار استعراضياً أحيانا.

فُرِّغ الموت من هدوئه ومن قداسته ومن تحريضه الدفين للمشاعر، وتقولبت هذه الأخيرة لتصير عبارات نرددها كيفما كان وبل نُحاسب بعضنا بعضا على شكل العبارة وصياغتها بعيداً عمن فقد الحياة. صار من الطبيعي أن نقابل الموت بالصورة دون أي وجل، والصورة للميت بعد موته، ويا ليتها كانت حاملة ابتسامة الحياة كما كان يرسم التدمريون على قبور موتاهم الحجرية.

لم يعد يرسخ في الأذهان وجه ابتسامة أو حزن الفقيد بقدر ما صار استراق النظر إلى جسده دون حياة راسخا في الأذهان

مع وسائل التواصل الاجتماعية والافتراضية، تعودنا أن نقابل الدمار والقتل والتعذيب كمسترقي نظر متطفلين على حيوات وأجساد الآخرين الحية أو الميتة، وبأي صورة كانت قد آلت اليها. ولم يعد للجسد أية خصوصية تُذكر، ولم يعد يرسخ في الأذهان وجه ابتسامة أو حزن الفقيد بقدر ما صار استراق النظر إلى جسده دون حياة راسخا في الأذهان وآخر ما نراه منه، ولن يغادرنا. ونلتفت بعدها، بعد أن نطمئن إلى أنه لم يفتنا موتٌ واحدٌ على الشاشة في مواقعها كافة، إلى ما تبقى من أخبار ومن صور.

رائد وحمود انتظرا الحرية فتأخرت عن موعدها، وأرسلهم الإيمان بها إلى حياة أخرى ربما يكون فيها من النفاق والكذب جرعة أقل. لقد غادرونا وعيونهم تحملق في الأجفان الباردة لمن دافع يوماً عن قتلتهم وهي لا ترف، بل إنها تشارك بالعزاء وهي الشريكة في الموت. يبتسمان وهما يُغادران على أجنحة ملائكة لا تحمل فيسبوكا أو تويترا، وفي قلبهم رأفة لما وصلت إليه حالنا التي صارت، بحكم العادة، جامدة وعديمة الأحاسيس غالباً، كما الرأفة لما نحمله من "مشاعر" مقولبة وجاهزة للاستهلاك السريع.

==========================

السوريون.. ضحايا تحالف الأقليات و"رهاب الأكثرية"

منير الربيع

سوريا تي في

الثلاثاء 27/11/2018

يعيش لبنان وسوريا، حالة "رهاب الأكثرية". الساسة اللبنانيون مهوسون بكيفية التخلّص من اللاجئين السوريين والفلسطينيين. فيما سوريا سلكت درب التخلّص من الأكثرية العددية طوال سنوات الثورة، عبر عمليات تهجير منظّمة، أطلق على هدفها شعار "حماية سوريا المفيدة". تتوسع الرغبة اللبنانية على الصعيد السياسي للتخفيف من وجود اللاجئين. وقد شهد لبنان في الفترات الأخيرة، عمليات تهجير منظّمة للمهجّرين، من قبل سماسرة ومهرّبين غير شرعيين.

يستفيد لبنان من ظروف معيشية قاسية يعيشها اللاجئون لدفعهم إلى المغادرة. بعضهم يعود إلى سوريا من دون أي ضمانات، ويجبرون على العودة إلى خارج أراضيهم الأساسية لغاية في نفس النظام التي تتكامل مع عمليات الترانسفير المذهبي التي حصلت طوال السنوات السابقة. والبعض الآخر، لا يجد سبيلاً أمامه سوى البحر، باتجاه أوروبا، التي أقفلت حدودها فعلق مئات اللاجئين بلا أي مأوى.

قبل أيام، قدّم وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، اقتراح قانون، يتعلّق بإقامة الأجانب على الأراضي اللبنانية. وصف باسيل اقتراحه بالسيادي، أي حفاظ لبنان على سيادة أراضيه، وهو إذ استخدم مصطلحات "الأجانب والعمالة الأجنبية" ومعاقبة المهربين غير الشرعيين، إلا أن الغاية الأساسية لهذا الاقتراح، تتعلّق في توفير مخارج قانونية لتهجير اللاجئين بشكل فوري. في الاقتراح نقطة أساسية

لا يمكن تحديد أعداد اللاجئين الذين غادروا المخيمات. ترتفع نسبتها فترة وتنخفض في فترات أخرى. وكأن هناك ضوء أخضر يسهّل عملية خروجهم من لبنان

تنص على الترحيل الفوري لمن دخل لبنان خلسة، وهنا مربط الفرس، الذي يثبّت استهداف اللاجئين المقيمين في لبنان، إذ إن عشرات الآلاف منهم قد دخلوا الأراضي اللبنانية خلسة. بما فيهم العديد من المسجلين لدى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.

استباقاً لهذا القانون، شهدت المخيمات اللبنانية الفلسطينية والسورية، عمليات مغادرة عديدة للاجئين، عن طريق المرافئ، بعضهم سلك الطريق نحو ليبيا، بحراً، والبعض الآخر، جواً نحو تركيا، أو نحو أثيوبيا للانتقال منها إلى إسبانيا، وقوارب لا بأس بها توجهت نحو اليونان. لكن الأوروبيين مؤخراً أقفلوا الحدود والمعابر. لا يمكن تحديد أعداد اللاجئين الذين غادروا المخيمات. ترتفع نسبتها فترة وتنخفض في فترات أخرى. وكأن هناك ضوء أخضر يسهّل عملية خروجهم من لبنان. وكل ما ضاق الوضع الأمني، المعيشي، يندفع اللاجئون إلى التهافت نحو الهجرة.

غاية اقتراح قانون باسيل، تتلاقى مع غاية تسهيل طريق الرحيل لقوارب اللاجئين، أو طائراتهم، بالإضافة إلى عمليات تنظيم إعادة بعض اللاجئين إلى الداخل السوري والذين عاد البعض منهم بلا ضمانات فإما تعرّضوا للتعذيب أو الإعتقال أو القتل وفق ما يؤكد وزير شؤون اللاجئين في الحكومة اللبنانية معين المرعبي. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن عملية تنظيم إعادة اللاجئين إلى سوريا، تحصل بعد تسليم الجانب اللبناني لوائح بأسماء الراغبين بالعودة والمناطق التي ينتمون إليها، فإما يوافق النظام السوري أو يرفض، وتجدر الإشارة إلى ان النظام يفرض شروطاً جغرافية على عودة هؤلاء، إذ يهدف إلى إعادتهم إلى خارج نطاقاتهم السكنية الأصلية، فمثلاً أهل داريا، القصير، الزبداني ومحيطها، ممنوعون من العودة إلى قراهم وأراضيهم. ولهذا أهداف بعيدة المدى.

وفق نظرية التكامل في المسار والمصير بين لبنان وسوريا، تهدف العمليات إلى فرض وقائع عنيدة يصعب تغييرها، بشكل إذا ما حصلت أية تسوية سياسية مستقبلاً، لن يكون من السهل تفاديها. العنوان الأساسي لذلك، يندرج في خانة تحالف الأقليات. فمثلاً غادر سوريا ملايين السوريين، مقابل تجميع كتل الأقليات، على الأساس المذهبي، أو القومي والعرقي. على أن يكون هذا التجمّع قادراً على تشكيل نوع من نظام المصالح المشتركة، يستثمر في تجييش المخاوف الأقلوية، لتبرير استمرار مناطق النفوذ، ولا سيما الإيرانية في سوريا.

هناك رغبة في سوريا ولبنان بتحقيق اختلال ديمغرافي، يستفيد من ظروف دولية، وقوى كبرى راعية لمنطق الأقليات. روسيا في البعد الأرثوذكسي، وإيران في البعد الشيعي والعلوي. وهذا ما يتطلب تثبيت منطق خروج اللاجئين من سوريا ولبنان والحديث اللبناني اليومي على وجوب إعادة اللاجئين إلى سوريا، مقابل غياب أي مطلب أو طرح، لإعادة اللاجئين السوريين من أوروبا مثلاً. وهذا يدخل في نطاق فرض معادلة جديدة، تقوم على مبدأ وجوب تراجع عدد السنّة، وليس فقط بالمعنى العددي

ما يحصل يبدو وكأنه مخطط على صعيد دولي، يتجلى في ظهور كتلة شيعية، وكتلة درزية، وكتلة كردية، وكتلة مسيحية، علاقاتها عضوية بالنظام السوري، وبالتركيبة الواقعية القائمة

بل بالمعنى السياسي لتحجيم نفوذهم. فترفع إيران مثلاً شعار حماية الأقليات للاستمرار بالاضطلاع بدور دائم في سوريا. بينما المنظومة العالمية تبدو مسلّمة بما يجري، لما فيه حماية للمنطق الإسرائيلي الذي يقوم على مبدأ العنصرية، والتفتيت والقومية اليهودية، الي يجب أن تتأبد، بقوميات أو مذاهب تبرر وجودها، على عكس منطق التعايش والانتماء الوطني.

فرض هذه الوقائع الجديدة، بدا جلياً من خلال بروز كتل أقلوية تجمعها مصالح البقاء وتستثمر في شعار الدفاع عن الوجود بوجه الأكثرية. وما يحصل يبدو وكأنه مخطط على صعيد دولي، يتجلى في ظهور كتلة شيعية، وكتلة درزية، وكتلة كردية، وكتلة مسيحية، علاقاتها عضوية بالنظام السوري، وبالتركيبة الواقعية القائمة. وليس لبنان إلا امتداداً للتفكير نفسه، بآخر تجلياته، في اللقاء الذي عقد بين بعض رجال الدين المسيحيين اللبنانيين ببشار الأسد قبل أيام. في المقابل، لا يبدو أي وجود لكتلة سنية حاضرة بقوة وقادرة على فرض شروطها ودوافعها. وهذا ما تكرس في سوريا المفيدة التي تقتضي تحقيق نوع من التوازنات القائمة على التخفيف من العديد السنّي، بموازاة تقوية عضد تحالف الأقليات ليعوض ما بقي من تفاوت على المستوى العددي والديمغرافي. وهذه نظرية التكامل بين الديمغرافيا والعمل السياسي وفق منطق هذه المنظومة.

==========================

سياسات النظام السوري في الانهيار المجتمعي

رضوان زيادة

سوريا تي في

الثلاثاء 27/11/2018

كنت أقرأ تقريراً مطولا نشر في جريدة "عنب بلدي" عن انتشار ظاهرة المخدرات اليوم في المجتمع السوري، في الحقيقة أذهلتني الأرقام إذ يذكر التقرير نقلاً عن قاضي محكمة الجنايات، ماجد الأيوبي، لصحيفة “الوطن” المقربة من النظام، إن ظاهرة تعاطي المخدرات ازدادت في الآونة الأخيرة وخاصة بين طلاب الجامعات والمدارس، الذكور والإناث، وكشف عن بلوغ نسبة متعاطي المخدرات بين الشباب 60% من الدعاوى المنظورة أمام القضاء”.

ووفق إحصائية صادرة عن وزارة الداخلية، في حزيران من العام الحالي (2018) تمت إحالة 3329 شخصًا إلى القضاء بتهم التعاطي

انتشار العنف والمخدرات والانفلات الأمني هي نتيجة سياسات للنظام اتبعها سابقاً في التأجيج الطائفي والانقسام المجتمعي عبر تأليف قسم من المجتمع ضد آخر

والمتاجرة، في حين تم ضبط 679.740 كيلو غراماً من الحشيش المخدر، وأكثر من مليون و875 ألف حبة مخدرة، و21.323 كيلو غراماً من القنب الهندي، و18 كيلو غراماً من مواد أولية لصناعة المخدرات

تكشف هذه الأرقام عن حجم الانهيار المجتمعي الذي يتعرض له المجتمع السوري اليوم بسبب التفكك والفقر والتشرد وانعدام الأمن، المسؤولية السياسية في ذلك لا تحتاج إلى الكثير من التفكير فانتشار العنف والمخدرات والانفلات الأمني هي نتيجة سياسات للنظام اتبعها سابقاً في التأجيج الطائفي والانقسام المجتمعي عبر تأليف قسم من المجتمع ضد آخر، وساعدت بنية النظام السوري أو تركيبته الطائفية وخاصة لعائلة الأسد في ذلك مما انعكس على قراراته الأمنية والسياسية خلال العقود الطويلة من استلامه الحكم منذ عام 1970 وحتى اليوم، كما أن هدف النظام كان تعزيز الانقسام الطائفي وليس وأد الثورة كما هو هدف أي نظام سياسي شرعي يرعى  حقن الدماء بين المواطنين بهدف ضمان الأمن والاستقرار، فهو لم يُقدم إلى اليوم أياً من مرتكبي هذه المجازر الطائفية إلى العدالة وفق محكمة علنية بهدف تحويل النظر من البعد الطائفي الجمعوي إلى المسؤولية الفردية كما هي حال كل الجرائم الجنائية في العالم.

 لقد كان واضحاً أن النظام كان يهدف بشكل رئيسي وخاصة الأجهزة الأمنية والمخابرات إلى "عسكرة المجتمع العلوي مبكراً"، وهو ما يفسر الارتفاع الكبير في نسبة المتطوعين المبكرة لعلويي حمص وخاصة من منطقة الزهراء في ميليشيات ما يسمى "الشبيحة" التي أطلق عليها النظام "الدفاع الوطني" وهي شبيهة تماماً بما يطلق عليه مليشيات موالية للحكومة وهي قوة شبه عسكرية ذات هيكل تنظيمي، وتكتيكات ، وتدريب، وثقافة فرعية، ووظيفة (غالباً) تشبه تلك الخاصة بالجيش المحترف، ولكنها لا تُدرج كجزء من القوات المسلحة الرسمية للدولة. وإلى هذه الميليشيات بالتحديد تنسب أكثر المجازر الطائفية ترويعاً ووحشية من مثل مجزرة كرم الزيتون والحولة وكلاهما حدثتا في عام 2012 ولعبا دوراً رئيسياً في التهجير الديمغرافي وتغيير المعالم الاجتماعية لمدينة حمص.

لقد لعبت هذه المجازر الطائفية دورا رئيسياً في تدمير البنى الاجتماعية الهشة أصلاً

لا يكترث النظام كثيرا لكل هذه القيم المجتمعية فهو لم يكن يوماً وطنياً في انتمائه بقدر ما يعبر عن وعي عصابة مجرمة تستغل موارد الدولة لضمان استنزافها لمصالحها الشخصية

في المجتمع السوري ومع انحلالها تبددت معها كل قيم التضامن المشتركة أو قيم الوطنية السورية التي تجمع السوريين فيما بينهم، فلم يعد السوري يرى في السوري الآخر شقيقاً أو أخاً أو مواطناً يشترك معه في الحقوق والواجبات، تعززت معاني العداء والخصومة مع هذا الانقسام الطائفي، الذي لا يمكن جسره بدون تطبيق معاني العدالة والمحاسبة.

بالعموم لا يكترث النظام كثيرا لكل هذه القيم المجتمعية فهو لم يكن يوماً وطنياً في انتمائه بقدر ما يعبر عن وعي عصابة مجرمة تستغل موارد الدولة لضمان استنزافها لمصالحها الشخصية.

القيم العامة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحياة السياسية وكيف تتحاور النخب وتتجادل بمعنى القيم العامة وإمكانية تطبيقها، ففي ظل ميوعة تطبيق "الإرهاب" على كل معارض للأسد من قبل وسائل الإعلام السورية ينتفي أي معنى أو جدوى لتحديد ماهية الإرهاب الحقيقي وبنفس المعنى يستخدم النظام معنى الطائفية لتبريرها واستخدامها ضد المعارضة بدل أن تتحول القيم المشتركة للسوريين إلى مفاهيم وطنية ضد التمييز الطائفي.

ربما تكون إعادة الإعمار الاقتصادي ممكنة، لكن إعادة الإعمار المجتمعي هي أكثر صعوبة واستحالة مع بقاء نظام الأسد، لأنها تتطلب إحياء قيم جديدة ودفن أخرى، تتطلب تعزيز الشراكة المجتمعية بين السوريين وهو ما يقوم الأسد بعكسه كمبرر لبقائه في الحكم وأخذ سوريا بعيداً نحو الهاوية، وعندها سيدفع السوريون ثمناً كبيراً ليس لإعادة إعمار بلدهم وإنما لبناء المصالحة الضرورية بينهم، والتي لا يمكن تحقيقها دون تحقيق العدالة والمحاسبة لكل من ارتكب جرائم بحق السوريين.

==========================

ثوب العيرة لن يدوم

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 26/11/2018

       القضية السورية ليست بيد السوريين. من لحظاتها الأولى، خرج الصراع من يد السوريين. كان ذلك في مصلحة النظام الحاكم، ولم يكن في مصلحة المحكومين الذين أرادوا تغييراً يطال السلطة. ولو لم يتسع الصراع، لحُسِمَت الأمور مبكراً، ولصالح الشعب السوري؛ ولما فقدت سوريا مئات الآلاف، ودُّمِرَ نصفها. شعبها هو الذي خسر، لأنه "أم الصبي"؛ ولكن السلطة الحاكمة لم تكترث إلا بالبقاء؛ وحصلت عليه؛ لكنه يبقى مؤقتا، ريثما تُصفّى الحسابات الدولية. السلطة خسرت البلد كما خسره الشعب؛ ولكن الشعب قابلٌ للعودة إلى الحياة؛ أما هي فذلك مستحيل.

       لم يختر شعب سوريا الثمن الذي دفعه من أجل إحداث التغيير ونيل الحرية؛ ولكن النظام اختار بوعي وتخطيط أي ثمن سيدفع من أجل البقاء (حتى ولو مؤقتاً). مَن دفّع الشعب هذا الثمن الغالي كان النظام، وما استخدمه من أدوات ومخططات وذرائع؛ ولكنه عملياً كان شريكاً بالخسارة؛ لأن الشعب ذاته كان جزءاً من رأسمال النظام بحكم عقلية المزرعة في الحكم. ورأينا النظام في وقت من الأوقات يكتفي بالجزء "المنسجم".

       حتى الخسائر التي ترتبت على دمار البلد وأهله، واشتراك النظام بتلك الخسارة، لم تكن كافية لإعطاء النظام كل هذا الوقت في السلطة. لقد خلق النظام

لنفسه مهمات ووظائف جديدة ساهمت بامتداد عمره كل هذا الوقت. كان على رأس هذه الوظائف زج "حزب الله" في الدم السوري؛ فبعد أن كان حزب الله "أيقونة" لكثيرين في العالم العربي والإسلامي-  فإن إدخاله كقاتل للشعب السوري (رغم الدعاية المعاكسة) يعني الكثير وثمنه كبير- ليس فقط بالنسبة لأمريكا وإسرائيل وغيرهم- بل نهاية وسقوطاً لتلك "الأسطورة". وكان لذلك ثمن ساهم بإعطاء النظام بعض حماية، ومدّ بعمره.

       الوظيفة الأهم التي قام بها النظام كانت زج إيران في القضية السورية. حقيقة لم تكن إيران بحاجة إلى مشجع أو جاذب لها للتدخل في شؤون سوريا، بل كان ذلك جزءاً من مشروعها في المنطقة؛ إلا أن ذلك التدخل؛ الذي كان بمثابة شهر عسل في عهد إدارة "أوباما"- حيث ضخت مليارات الدولارات من أجل بقاء نظام الأسد- بدأ يتحول إلى عبْ وكابوس في عهد إدارة "ترمب". الكل يكسب من التدخل الدموي الإيراني في الشأن السوري وعلى رأسهم نظام الأسد الذي يلعب بالورقة الإيرانية ليوازن وضعه مع الروس وليسحق شعبه ميدانياً وليعيش مادياً ونفطياً وداعشياً. والآخرون يكسبون من استنزاف إيران؛ وروسيا تكسب من دخول إيران توازنا تجاه أمريكا وإسرائيل وتركيا؛ ولكنها تخسر بمزاحمة إيران لها في المكاسب من الميدان السوري؛ أما الكاسب الأكبر فهو أمريكا من تطاحن الجميع مع بعضهم البعض؛ ويرافقها نظام الأسد مكسباً بسبب اتساع رقعة الصراع وتعدد أطرافه. ويبقى الخاسر الأكبر من كل ذلك الشعب السوري، الذي لا يأتي ضمن حسابات أحد.

يعرف نظام الأسد حاجة روسيا إلى القفز من ملفاتها المعقدة إلى مكان تأخذه رهينة يمكنها المساومة عليه مقابل كل تلك الملفات. ومن هنا، هيأ النظام نفسه لخرط روسيا وجذبها إلى الملف السوري، كي يشكّل حصانة تحمي جرائمه. لم يقلقه فقدان السيادة؛ ولا إقامة روسيا قواعد عسكرية شبه دائمة في سوريا، ولا تحكم روسيا بمختلف مجريات حياة النظام عسكرياً وسياسيا وإدارياً؛ طالما يمنحه ذلك البقاء يوماً إضافياً. والآن وبكل

هذا الفيتو يُسجَّل في سجل موسكو كحامية للجريمة. وهذا ليس بالأمر السيء لجهة تسجيل النقاط على موسكو، الأمر الذي يفرح أعداءها

براعة الخبثاء يدفع روسيا باتجاه إقناع العالم أنه بصحة جيدة ويمكن إعادة تأهيله مراهناً على رخاوة العالم وعناد موسكو ومطامعها.

الأهم من ذلك يتمثل بفهم وترجمة الغرب لهذه المهمة التي يقوم بها النظام عبر زجّه روسيا بما يؤثر سلباً على سجلها من خلال جعلها تبرر وترافع عما لا يمكن المرافعة عنه أو تبريره. فأفعاله وراء هذا العبث الروسي؛ وهو وراء استخدام موسكو للفيتو أكثر من عشرة مرات من أجل حمايته من الإدانة على جرائم ارتكبها؛ ولكن هذا الفيتو يُسجَّل في سجل موسكو كحامية للجريمة. وهذا ليس بالأمر السيء لجهة تسجيل النقاط على موسكو، الأمر الذي يفرح أعداءها. والجهة المنفذة للمهمة أو المتسببة بهذا السقوط الأخلاقي لروسيا هو النظام.

الأيام الزائدة بعمر هذا النظام -على أي حال- رهنا بأيدي الآخر ومصالحه. فالبقاء أو الاستمرار ليس بفعله أو قوته الذاتية. إنه بفعل الآخر ومصالحه، إنه البقاء على الركام بفعل روسي- إيراني؛ ولكن ثوب العيرة هذا لن يدوم.

==========================


الطائرات الروسية والتحالفات في سورية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 26/11/2018

عمل الطيران الروسي شريكا في الصراع المسلح إلى جانب النظام السوري، إلا أنه على الرغم من شدة فعالياته في العمليات القتالية، وقدرته العالية على التدمير، وإسقاط عدد أكبر من الضحايا البشرية والمادية، إلا أنه فعليا لم يستطع أن يغير معادلات الهزيمة والانتصار التي بقيت تتأرجح بين جانبي الصراع المسلح، المحمولين على الدعم الخارجي، سواء لجهة النظام (إيران، روسيا، المليشيات الطائفية)، أو لجهة المعارضات المسلحة بفصائلها ذات التبعات الأيديولوجية والتمويلات الخارجية، أو فصائل الجيش الحر التي توارت بشكل إجباري تحت ضربات ما تسمى فصائل إسلامية متشددة، طرحت ثمارها المسمومة بحملة اغتيالات واسعة لناشطين سلميين، وقفوا ضد ممارساتهم بكل شجاعة، ومنهم أخيراً الشهيدان رائد الفارس وحمود جنيد، وكانت عملت على تحجيم دور المعارضة السياسية الوطنية، لتتولى كيانات المعارضات المرتهنة دور الأبواق السياسية لفصائل سلاح الأمر الواقع.

"تبدو خريطة الحراك الميداني في سورية ضبابية مع تحريك القوى المتصارعة على سورية مواقعها بين فينة وأخرى"

ولكن سقوط طائرتين روسيتين غير وجه الصراع في سورية، وأعاد توزيع قوى التحالفات، بعد شبه استقرار نحو أربع سنوات متتالية، بين محور إيران الداعم المباشر للنظام، ومعه مليشيات طائفية، يتقدمها حزب الله ومليشيات "فاطميون" و"زينبيون" وغيرها، مقابل فصائل مسلحة محسوبة على "المعارضة"، مدعومة أميركياً وأوروبياً وعربياً، وتدير معظمها تركيا عبر الشمال السوري المفتوح على الحدود السورية بما يقرب من 800 كم، ما هيأ لسقوط الطائرة الروسية بنيران القوات التركية، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، أن تكون البوصلة الجديدة ونقطة التحول في مسار الأحداث في الشمال، وتحديداً في حلب، حيث مركز الصراع على النفوذ بين النظام والمعارضة المسلحة.

كما كان الحال عند الحادثة الثانية بين روسيا وإسرائيل، في 23 سبتمبر/ أيلول 2018، والتي أسّست لتفاهمات دولية جديدة، ووسعت من نفوذ موسكو في الملف السوري، وقلصت من قدرة الطيران الإسرائيلي على استباحة الأجواء السورية، في مقابل استسلام إيران الصامت لمطالب إسرائيل بالانسحاب التدريجي من المناطق الحدودية معها، ولاحقاً لتصريحاتٍ إيرانية مهادنة للمطالب المشتركة الإسرائيلية الأميركية، على الرغم من سريان عقوبات الأخيرة عليها.

ومع الإقرار بحجم تلك المتغيرات الكبرى، تبدو خريطة الحراك الميداني في سورية ضبابية مع تحريك القوى المتصارعة على سورية مواقعها بين فينة وأخرى، على الرغم من الهدوء النسبي الذي أعقب الإعلان عن إنهاء الهدنة الأميركية الروسية (منطقة خفض التصعيد) في درعا، عبر قصف النظام وخرقه لها، ونجاح موسكو بعقد صفقة تسويةٍ جديدةٍ مع المسلحين المعارضين، تم بموجبها تسليم سلاح الفصائل، وإعادة توزيع الأدوار على المسلحين المعارضين للنظام، بين داعمين للجناح العسكري الروسي ومؤيدين للجيش السوري تحت الوصاية الإيرانية، وأخيراً فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن الذي بدا كأنه خاتمة لما سميت مرحلة المناطق المحرّرة في جنوب سورية عموماً.

وإذا كان لا بد من القول إن تركيا هي مركز الثقل شمالاً، فإنه منذ دخول الصراع إلى مرحلة تشكيل التحالفات الدولية في محورين أساسيين: الروسي، ومقابله على التضاد المحور الأميركي، بدت تركيا في عين العاصفة أكثر من غيرها من الدول الفاعلة في الملف السوري عسكرياً وسياسياً، بسبب تذبذب الموقف الأميركي منها تارة، وتقارب مصالحها مع محور روسيا تارة أخرى، وانقسامها على نفسها في توزيع أولوياتها بين الأمنين، القومي والاقتصادي، ما جعلها مرنة في التعاطي مع موسكو، وحذرة مع واشنطن، ومتأهبة ضد معارضيها في الداخل بعد محاولة انقلاب 15 يوليو/ تموز 2016، ومتقلبة في علاقاتها مع أوروبا، وهو ما يجعل قراءة الأحداث اللاحقة تتميز بمنعطفين أساسيين:

أولهما، ما بعد إسقاط الطائرة الروسية في اللاذقية (18 سبتمبر/ أيلول) إثر الغارات الإسرائيلية على مواقع للجيش السوري (بعد يوم من اجتماع ثنائي روسي تركي أبعدت فيه إيران)، ادعت إسرائيل أنها مخزن لأجهزة إيرانية معدّة لنقلها إلى لبنان، تسهم في تطوير مستوى الدقة لدى حزب الله وفيلق القدس، ما تسبّب في إطلاق الدفاعات السورية صواريخها "خطأً"، والتي أسقطت الطائرة الروسية، ما دفع موسكو إلى تحميل إسرائيل مسؤولية الحادثة ومقتل 15 جندياً روسياً، حفاظاً على شكل علاقتها مع النظام السوري أمام الشعب الروسي، وحتى لا يستعجلها بالانتقام لقتلاه من جهة، ولأن الأولوية لديها لعقد صفقة مع إسرائيل تمنحها مهلة "استراحة محارب" لترتيب أوراقها مع إيران، ومحاصرتها لإخراجها طواعية من سورية، بما يبعد شبح فك الارتباط معها قسرياً.

ثانيهما، ما بعد اتفاق (بوتين- أردوغان) في سوتشي في 17 سبتمبر/أيلول 2018، الخاص بالمحافظة على منطقة إدلب ضمن اتفاق خفض التصعيد، وإحداث منطقة منزوعة السلاح، في مقابل فتح الطريقين السريعين اللذين يربطان جهات الشرق بالغرب، والشمال بالجنوب عبر إدلب، وكذلك يربطان حلب بالساحل السوري قبل نهاية العام الحالي، وتسليم تركيا مهمة انتزاع المناطق من تحت سيطرة القوى المتطرّفة التي تتزعمها جبهة النصرة في إدلب.

وعلى ذلك، حسمت معركة حلب الصراع العسكري شمالاً لمصلحة التسويات، عبر مسار أستانة الذي تأسس بعد المصالحة التركية الروسية، على خلفية إسقاط الدفاعات الجوية التركية الطائرة الروسية 2015، وبدأت أولى جولاته بعد سقوط حلب في يد القوات الروسية بعد

"أنقرة كانت بيضة القبان التي استثمرتها موسكو، عسكرياً لإنهاء الفصائل المسلحة، وسياسياً لابتداع مسارات تفاوضية تعطيلية لمسار جنيف" معركةٍ شبه أحادية، أخذت فيها تركيا دور المتفرّج خلال المعركة، والوسيط لاحقاً لتحقيق تسوياتٍ ميدانيةٍ، ولعب دور فاعل في تغيير مواقع الفصائل السورية (المعارضة المسلحة)، ما مكّن موسكو من التلاعب في الملف السياسي، عبر جولات أستانة التي تصدّرت المشهد برعاية ثلاثية روسية - تركية - إيرانية، وجاءت بديلا لجولات جنيف الأممية التي بقيت تراوح في مكانها، من دون القدرة على إنجاز أيٍّ من أولوياتها التي منحتها لها القرارات الدولية من بيان جنيف1 حتى قرار مجلس الأمن 2254.

وذلك يعني أن أنقرة كانت بيضة القبان التي استثمرتها موسكو، عسكرياً لإنهاء الفصائل المسلحة، وسياسياً لابتداع مسارات تفاوضية تعطيلية لمسار جنيف، وفي الوقت نفسه الذي لم تستطع واشنطن الحفاظ على تركيا حليفا قويا لها شمالاً، إلا أنها، في الوقت نفسه أيضاً، لم تتمكّن من القطيعة معها، أو الابتعاد عنها كلياً، ما جعل تركيا الثالث المكمل للمعادلتين الروسية مع إيران والأميركية مع أوروبا، أي أنها لم تحسم خياراتها وموقعها، بسبب أنها تريد دوراً أكبر مما أرادته لها موسكو في الملفين، السياسي والاقتصادي، كما أنها ترغب بعلاقاتٍ أوثق مما هو عليه واقع الحال مع واشنطن، وخصوصا ما يتعلق بملفيها، الأمني المفتوح على ملف الكرد شمالاً، والاقتصادي الذي تنوء به حكومة أردوغان في ظل الخلافات البينية الأميركية – التركية، كما لا يمكن لإدارة ترامب تجاهل مصلحتها في استعادة التقارب مع تركيا، لضمان وجود آمن لمصالحها في الشمال السوري.

ومن خلال ذلك، يمكن فهم المتغيرات الميدانية الحالية شمالاً، والتي تسمح لتركيا بإعادة توازن الرعب مع القوات الكردية (الحليفة لأميركا)، عبر تهديداتٍ بفتح معركة وجودية معها شرق الفرات، في وقتٍ تظهر فيه الدوريات الأميركية الكردية المشتركة، وتعود أخبار وصول القوات العربية المشتركة (السعودية - الإماراتية) إلى مناطق التماس الكردية التركية للتداول من جديد، تأكيدا على استمرار التحالف بينهم، ولكن بما لا يتعارض مع سياسة الصمت على التهديدات التركية التي تعني المناطق المسيطر عليها "كردياً"، وغير الآهلة عملياً بالوجود الأميركي في شرق تل أبيض وغربها.

==========================

رائد فارس مؤجلاً كقرنفلة

  صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 26/11/2018

كان أمراً محتوماً تكليف الجولاني ذئابه أن يتربصوا بحركات وسكنات رائد الفارس (1972-ـ 2018)، وأن ينقضوا عليه في البرهة المواتية بوابل من رصاص الغدر والخسة والسواد الجاهلي؛ وأن يتساوى أوغاد النظام وأوغاد «تحرير الشام» في استهداف كوادر الانتفاضة السورية، وخاصة أولئك الذين يتساوى عندهم طغيان بشار الأسد وطغيان الذين عيّنوا أنفسهم، بأنفسهم، خلفاء الله وشريعته. ذلك لأنّ أمثال الفارس هم النقيض لكلّ ما يمثله الطغيانان معاً، الأسدي والجولاني، وهم الخصم اللدود الفاعل والفعال، الناشط والنشيط، على الأرض وفي قلب الحراك الشعبي، وليس في أحضان الأجهزة الأجنبية وفنادق العواصم العالمية ودكاكين الاتجار بالمعارضة والجهاد

كذلك كان تفصيلاً حمّال مغزى، بالغ الخصوصية والدلالة، أن يجري استهداف الفارس، ورفيقه الشهيد الثاني حمود جنيد، في كفرنبل؛ هذا المكان تحديداً، المحمّل في ذاته وفي تاريخه الماضي والحاضر، بكتلة فريدة من المغزى والخصوصية والدلالة. فمنذ التظاهرات الأبكر، أواخر آذار (مارس) ومطالع نيسان (أبريل) كانت لافتات هذه البلدة قد شدّت الانتباه إلى نبرتها اللاذعة، ومضمونها السياسي العميق، وطرافة ما تمزجه من متناقضات ومفارقات، وبراعة جمعها بين الفصحى والعامية؛ فضلاً عن مهارة التقاط جانب خاصّ في تسميات أيام الجُمَع، وإبرازه على نحو ذكي وساخر ومرير وتحريضي في آن.

ومن جانبي، أشير مجدداً إلى أنّ برهة انشدادي الأولى نحو هذا الطراز من الانفراد الإبداعي، كما أجزت لنفسي توصيفه بدون تردّد، كانت تلك اللافتة التي تقول: «فتّحْ عينك/ مافي نقطة: سلمية، سلمية»؛ أي، بالطبع، أنها ليست سلفية، ردّاً على ادعاءات النظام، وعلى الآراء التي تنتهي إلى خلاصة مماثلة، رغم زعمها الاستقلال عن صفّ النظام (مثل الذريعة الأشهر، حول خروج التظاهرات من المساجد). لافتات أخرى قالت: «مطلوب في سوريا مشايخ ومفتون يعبدون الله دون فرعون»، و«شركة أسد ومخلوف لمكافحة الجراثيم: دبابات، حوامات، مدافع، مدرعات، فرع خاص للشبيحة»، و«من يملك القدرة على رؤية الحقيقة لا يتجه إلى ظلها»، و«لمن يدّعي الخشية على الوطن.. الفراغ أفضل من بشار وزبانيته»، و«متنا ونموت وتبقى سوريا»، و«كلّنا أمهات حمزة الخطيب» حين تكون التظاهرة نسائية. وهنا ما أعلنته لافتة في التعليق على نهاية نظام معمر القذافي: «نتائج دوري الإجرام: خرج القذافي من الدور نصف النهائي/ وتأهل بشار للدور النهائي»!

في المقابل، لم تنجُ المعارضة السورية من التنبيه، والنقد اللاذع حين يتطلب الأمر، فقالت لافتة: «إلى المعارضة السورية.. اتحدوا وكونوا على مستوى تضحيات الشارع الثائر». ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ اللافتات المكتوبة بالإنكليزية ظلت في عداد الأذكى والأنضج، والأسلم لغوياً أيضاً، على نطاق التظاهرات السورية جمعاء. ولقد علمنا، فيما بعد، أنّ الشهيد الفارس كان في طليعة مؤلفي هذه النصوص/ اللافتات؛ وكان، استطراداً، أحد أبرز مهندسي الحراك الشعبي في المدينة. ثم، حين دارت مطاحن شراء الذمم وتجيير المعارضات، إفراداً وأحزاباً وهيئات، إلى هذا أو ذاك من أجهزة الدول الإقليمية والعالمية، علمنا بعدد المرّات التي شهدت رفض الفارس سلسلة العروض والمغريات، رغم خروجه مراراً من سوريا، وإصراره على العودة إلى كفرنبل… حيث توجّب أن يستشهد.

وكَفْرَنْبِلْ (كما يحلو لأهلها لفظ الاسم)، تقع في محافظة إدلب، غرب معرّة النعمان، ويتميّز أبناؤها بنسبة عالية في عدد حَمَلة الشهادات الجامعية (65 في المئة من السكان) وخرّيجي الدراسات العليا (15 في المئة). كما يفاخر بعضهم بأنّ نسب البلدة يعود إلى إلى نابيلو بن ياكين بن منسا بن ميران بن سام بن نوح، وبالتالي فإنّ تاريخ نشوئها غير بعيد عن تواريخ الحواضر السامية العتيقة التي قامت على سفوح ووديان وهضاب جبل الزاو، أو جبل الزاوية الحالي. كذلك يتحدّث أهلها عن الهجرات التي خرجت من كفرنبل بعد وصول الإسكندر المقدوني إلى المنطقة، فبلغت جبلة على الساحل السوري، وتل كلخ في جبال حمص، والكرد في شمال شرق سوريا، والبدو في سهول حماة، وتدمر في بادية الشام؛ إلى جانب تركيا في آسيا الصغرى، وقرطاجة في تونس!

وإلى جانب حفنة من الشهداء، صنعت كفرنبل أمثولات مجيدة لا تُحصى، في التضحية والشجاعة والصبر والثبات والإصرار على نصرة الانتفاضة. ولم تكن عذابات أهلها مشرّفة لبلدتهم، الجميلة الوديعة الهادئة في العادة، فحسب؛ بل صارت قدوة تُحتذى في أرجاء جبل الزاوية، وعلى امتداد سوريا بأسرها؛ وكابوساً يقضّ مضجع النظام، ويُلحق الفشل الذريع بكلّ ما ارتكبته الأجهزة الأمنية من ممارسات وحشية في مسعى قهر البلدة.

وبالطبع، حين وقعت إدلب تحت سيطرة «جبهة النصرة»، توجّب أن تتحول كفرنبل إلى شوكة ثورية في خاصرة السلطة الجهادية، الغاشمة والسوداء والجاهلية؛ وتوجب أن يتكاتف ثنائي الأسد/ الجولاني، وأن يستشهد على ثرى البلدة الفريدة أحرار ثوريون فريدو الصفات، أمثال الفارس وجنيد.

ولأمثالهم، كما في وسعي أن أفترض، كتب محمود دريش: «حرّية التكوين أنت/ وخالق الطرقات أنت/ وأنت عكس المرحلة/ واذهبْ فقيراً كالصلاة/ وحافياً كالنهر في درب الحصى/ ومؤجلاً كقرنفلة/ فاذهبْ إليك، فأنت أوسع من بلاد الناس/ أوسع من فضاء المقصلة/ مستسلماً لصواب قلبك/ تخلع المدن الكبيرة والسماء المسدلة».

==========================


فرصة الأزمات الحالية للثورة السورية

سهير الأتاسي

سوريا تي في

الاحد 25/11/2018

عندما اشتعلت الثورة السورية في آذار 2018 دون أن تنتظر دعماً إقليمياً، أو ضوءاً أخضر دولياً، كانت في قمّة ألقها، حيث لم تعتمد في بداياتها وشهورها الأولى إلا على حناجر صدحت بالحرية وأنامل خطّت لافتات الشعارات الأصيلة لمارد سوري قرّر أن يستفيق ويتحرّر من قمقم "سوريا الأسد": "الشعب السوري ما بينذلّ، نحنا بدنا الحرية.. إسلام ومسيحية.. ودروز وعلوية، بدنا حرية وما بدنا جنسية، لا سلفية ولا إرهاب ثورتنا ثورة شباب، ثورة شعبية وليست حرباً أهلية، عاشت سوريا ويسقط الأسد".

وعندما تأسست أولى التنسيقيّات الثورية، وأوّل التنظيمات الثورية الشبابية، كان الهاجس الأساسي تنظيم التظاهرات وتنسيق وتوحيد رسائلها وهتافاتها والتأسيس لحالة التفاف حول الثورة السورية وصياغة محدداتها وأهدافها ومواثيقها، دون الأخذ في الاعتبار خطط تلقي الدعم أو البحث عن التمويل أو السعي وراء الشرعية الدولية، الأمر الذي عزّز قيم التضامن الوطني والاعتماد على الموارد الذاتية، كما حصّن استقلالية القرار الثوري. ومع تسرّب وهم الانتصار السهل والبسيط والسريع إلى بعض النفوس، واستعجال قطف ثمار تضحيات السوريين بل والتسابق في ذلك الموسم الذي اعتقده البعض موسم القطاف، بدأ المشهد الاستثنائي بالتحوّل والتبدّل تدريجياً من لوحة سورية خالصة حرّة تعجّ بالتفاصيل المتنوعة لأطياف الشعب السوري إلى أخرى يحتلّ معظم ملامحها النفوذ الدولي وتقاسم المصالح في محاولةٍ لطمس المعالم الأولى للثورة السورية. فهل مازال بإمكاننا أن نحيل الأزمات المتعاقبة التي وسمت هذا التحوّل إلى فرص؟

ثم تعقّدت الأزمة بفعل المجتمع الدولي لتصبح أزمة البحث عن التمثيل الكافي الوافي للثورة السورية

من تلك الأزمات التي تعاقبت خلال السنوات الماضية للثورة، أزمة التعجّل في البحث عن بديل نظام الأسد ووهم محاكاة الحالة الليبية الذي دفع لتشكيل أول مؤسسة سياسية استدعتها حجّة المجتمع الدولي لحاجته لجسم تمثيلي يخاطبه ويدعم الثورة من خلاله، الأمر الذي سبق واستبق العمل الحقيقي والجادّ لفرز قيادةٍ من رحم الثورة تعطي الأولوية لترتيب البيت الداخلي وبلورة المشروع الوطني بما يتجاوز الشعارات العامة ويتجذر عميقاً في الحراك الثوري وبرامج عمله. ثم تعقّدت الأزمة بفعل المجتمع الدولي لتصبح أزمة البحث عن التمثيل الكافي الوافي للثورة السورية، وبدء مسلسل "توحيد المعارضة وضرورة تمثيل كافة مكونات الشعب السوري"، والذي استدعى نهج المحاصصة والتقاسم حتى وصلنا إلى الدرك الذي تتدخّل فيه الدول بشكل مباشر بعمليات التوسعة والترشيق في بعض أجسام قوى الثورة والمعارضة، وتساهم بالانقلاب على مؤسسات سابقة وتضع الفيتو على بعض الشخصيات، ليصبح تمثيل الثورة مستلَباً وقائماً على تحالفات شكلية وتفاهمات سطحية فرضتها الدول لتتحكّم بها وبمآلاتها.

بإمكان حراك التنسيقيات الثورية الذي اشتعل من جديد وأحيا شعارات ثورة الحرية والكرامة والاستقلال، أن يحيل الأزمة الحالية تلك إلى فرصة إعادة بناء التمثيل الحقيقي للثورة واستعادة زمامها على أرضية أكثر نضجاً وعمقاً وتجذّراً واستقلاليةً، والتأسيس وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الذي يلبّي طموحات السوريين ليصبح هو الناظم والحامل الأساسي الذي يلتف حوله الملتزمون به بعيداً عن الأشخاص والأسماء والمسميات، وحيث لا بدّ أن تُعطى الأولوية للمشروع قبل الشروع بالهيكلة.

ومن تلك الأزمات أيضاً أزمة شحّ مصادر التمويل المتاحة لمؤسسات الثورة وفقدان الدعم الدولي، والذي ارتبط في أغلب الأحيان بأجندات الدول والجهات المانحة المتعارضة والمتضاربة بطبيعة الحال، مما ساهم بتقسيم وانقسام حوامل الثورة من منظمات مجتمع مدني ومجالس محلية وهيئات ثورية ومؤسسات وتنظيمات سياسية، رغماً عن خديعة المطالبة بتوحيد قوى الثورة والمعارضة. يُضاف إلى ما سبق اضطرار المؤسسات الثورية السورية التي تحاول الاستمرار في ضمان دعم مشاريع الثورة إلى اتباع موجات "الموضة" التي تحدّدها الجهات المانحة وترسم خطوطها المسارات الدولية وتحوّلاتها، لتتبدّل المشاريع وتتغيّر البرامج ابتداءً من العمل على "اليوم التالي وسوريا المستقبلية"، مروراً ب "العدالة الانتقالية"، وصولاً إلى "العملية الدستورية وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين"، وبذلك لم تخطو تلك المؤسسات الخطوات الضرورية لفرض أجنداتها السورية، ولم تتمكّن من بناء قدراتها بشكل تراكمي مؤسساتي يحتاج إلى نهج الاستمرارية بدلاً من الانقطاعات والانعطافات التي تعيدها في كل مرة إلى نقطة البداية.

من شأن إرادة وطنية حرّة مازالت متوفرة في روح من يقبض على جمر الثورة ولا يستسلم لترف اليأس، أن تحيل الأزمة تلك إلى فرصة الخلاص من سياسة الولاءات والبحث عن صندوق دعم وطني والتأسيس للقرار الوطني المستقل ولخطة عمل استراتيجية تعتمد على أجندة الثورة وتصنع موقفاً موحّداً ضاغطاً يعيد الاعتبار إليها، بل ويعمل على فرضها بدلاً من الانسياق وراء أجندات المانحين. هي الإرادة الحرّة التي تعلن عن نفسها ثورية غير حيادية في توجهاتها ومواقفها، فتُخرج بذلك منظمات الثورة المدنية من الفخّ الذي نصبه لها المجتمع الدولي: فخ تحييد المجتمع المدني السوري كشرط أساسي لاستحقاق دعمٍ دولي مسيّس.

لا يمكن المرور على محاولة توصيف بعض الأزمات التي يمرّ بها المشهد السوري الحالي دون الحديث عن حجب الدعم العسكري عن فصائل الثورة بداعي الوصول إلى "اتفاقيات خفض التصعيد" التي تشابه في كثير من تفاصيلها ونتائجها هدن الإذعان والاستسلام المسماة "الهدن المحلية"، ذلك الدعم الذي افتقر إلى وجود سياسة واضحة ومنهجية شفافة من المفترض أن تتلاءم مع استراتيجية عسكرية هي الأخرى غائبة ومُغيَّبة، لتصبح سياسة "لا غالب ولا مغلوب" هي المستنزِفة الطاغية على المشهد العسكري والمحرِّكة للعمليات العسكرية وخطط توجيه الدعم ممن أطلقوا على أنفسهم لقب "أصدقاء الشعب السوري". ومع انعدام التوازن بين العزوف عن الدعم الفعلي للثورة عسكرياً وبين الدعم المطلق الذي يقدّمه حلفاء نظام الأسد لجرائم بطشه واقتحاماته وسياسة الأرض المحروقة المعتَمَدة من قِبَله، عادت مساحات شاسعة من المناطق المحررة لسيطرة النظام ووكلائه دون أدنى تحرّك من "حلفاء" الثورة والمعارضة.

وعلى الرغم من كل ما سبق، تبقى هي فرصة لاستعادة توازن الثورة السورية بعودة الحراك السلمي المدني الذي ينتفض اليوم في وجه كافة أشكال الاحتلال والاستبداد: استبداد الأسد والاستمرار بالمطالبة بإسقاطه ومحاكمته، واستبداد التنظيمات المتطرفة، كما الوقوف في وجه التغوّل السابق للعسكر. وهي فرصة أيضاً لمراجعة خطأ تفلّت الحراك العسكري من أي مظلة سياسية أو مدنية وانجرار بعض قياداته لأجندات داعميه، وخطيئة تحميله أعباء إيديولوجية ومشاريع سلطة وتقاسم نفوذ، وخطايا سياساته وغياب الاستراتيجية. تلك المراجعة الحقيقية لعلها بدأت لدى بعض من يتبنى اليوم بواكير مقاومة شعبية وحرب عصابات ضرورية لقضّ مضجع نظام الأسد ووكلائه المحتلين.

وفي أزمة تراجع دعم الشرعية الدولية للثورة السورية فرصة إعادة الاعتبار للشرعية الشعبية الحقيقية التي يحتاجها الحل السياسي العادل بوصفها الحامل الفعلي الوحيد لتطبيقه، كذلك هي فرصة صناعة وإنضاج المشهد السوري الحقيقي البعيد عن المشهد الرسمي الحالي في أزمة عدم نضوج المشهد الدولي واعتماد دول صنع القرار خطوات تجريبية وتفاهمات جزئية لا ترقى لمستوى الحل المستدام. وهي فرصةٌ في أزمة المحاولات الحثيثة لإشاعة وفرض روحية هزيمة الثورة واعتماد خيار اليأس والاستسلام، فرصة الخلاص من شوائب عالقة بمسيرة الثورة: التبعية، الانتهازية، التفرّد، الاستبداد، التعطّش للسلطة، لتكسب الثورة نقاءها ممن علق بها من المنضمين إلى صفوفها لمجرد القفز من مركب أسديّ غارق إلى سفينة استسهلوا نجاتها دون أي جهد فعلي أو تضحية حقيقية، فنراهم اليوم يتراجعون عن مسار الثورة ويتعايشون مع وهم تحقيق الممكن بل ويعملون على بيعه.

فهل من مشروع سياسي وطني، وخارطة طريق، وأدوات عمل وفريق ثوري يحيل الأزمات إلى تلك الفرص؟

==========================


هيئة وطنية سورية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 24/11/2018

لا شيء غير الحراك الشعبي السلمي/ المدني، المطالب بالحرية والموحد، يمكنه إنقاذ الثورة من الأخطاء التي تهدّد اليوم بالإجهاز على ما بقي منها في الشمال السوري، بعد أن نجح التدخل التركي بشق الأنفس في إنقاذه من المصير الذي عرفته مناطق خفض توتر وتصعيد أخرى، في حوران والغوطة وريف حمص الشمالي، أعادها الروس إلى السلطة الأسدية، بالتكامل بين طيرانهم والذين كانوا يسيطرون عليها من قادة الفصائل المسلحة. وبطبيعة الحال: غياب مؤسسات المعارضة عن مجريات الثورة والواقع.

بالقفز عن هذه الحقائق، يتوهم بعض من تتلاعب بهم أهواء حزبية أو سلاحية أو أيديولوجية، أن الثورة لا تسمو على الواقع، ولا تتأثر به، ونجاحها حتمي، ولو لم تقدها قوى من جنسها. تعرف كيف تتحاشى، بما لديها من برامج الأخطاء القاتلة التي قوّضت ثورة السوريين، منذ فرض مذهبيون عليها هدفا دينيا، سعوا لتحقيقه بقوة السلاح، قوّض هدفها المدني/ السلمي المطالب بالحرية والعدالة والمساواة لجميع السوريين، وشحنها بانقساماتٍ خدمت النظام وحده، وبازدواجية بعثرت قواها، بينما كانت الأسدية تنتقل إلى الهجوم بقوى إيران وروسيا، وما حققته موسكو من شروخٍ وصدوع في المعارضة والحراك والفصائل، وأسهمت سياساتها فيه من بروز الإرهاب في مناطق الثورة، حيث أخمدت حراك الحرية السلمي/ المدني، وقوّضت وحدة السوريين، والجيش الحر، بسلاحٍ مذهبي تمسّك برهان ديني مستحيل التحقيق، كان عائده الوحيد تكبيد الشعب خسائر فادحة، وتسهيل مهمة الأسدية في تدمير عمرانه، وطرد نصفه من وطنه.

يعتقد ثوار آخر زمن أن الثورة منتصرة حتما، في جميع الظروف والأحوال، لمجرد أنها ثورة، وتتوافق مع أهوائهم، وأنها تكون بلا عيوب وأخطاء، لأنها ثورتهم التي لن تعرف الأخطاء، لأنهم منزّهون عن الخطأ، كما لا يستطيع الواقع أن يكون ضد الثورة، لكونه خاضعا هو أيضا لرغباتهم وأهوائهم.

بعد إنقاذ إدلب والشمال من الاحتلال الروسي/ الإيراني/ الأسدي، كان يجب أن يتوقف قتلة الثورة هؤلاء عند حقيقة تفقأ أعينهم، هي أن تركيا أنقذتهم وهم في الرمق الأخير، وأن الحراك السلمي/ المدني الذي تجدّد واجتذب قطاعات واسعة من الشعب هو فرصة السوريين الأخيرة لإنقاذ القليل الذي لم يزهقوا روحه بعد من ثورة الشعب. لذلك يجب أن ينضوي حراكه هذا في الإطار الذي كان للثورة، حين كانت الحرية برنامجها الوحيد.

بدل التوقف عند واقع الثورة وما تواجهه من مآزق أوصلتها إلى الهاوية، لن ينجح التصدّي لها من دون وقف الخلافات التي تعصف بصفوفها، وتزويدها برؤيةٍ وطنيةٍ جامعة، توحد الشعب في الداخل والخارج، وتفعّل حراكه، وتبعده عن المذهبية بربطه بالحرية وحدها، سارع بعض الصبية، ومن يقفون وراءهم، إلى استعادة الانقسامات التي دمرت أحلام السوريين، وضيعت تضحياتهم، وأوهمتهم أن رعونتهم هي الثورة وطريق انتصارها، وأن تشويه سمعة الآخرين يوصلهم إلى دمشق ويُسقط الأسد، فلا عجب إن أدت حماقاتهم إلى نفور الشعب منهم، وعزوفه الظاهر عن الاستجابة لدعواتهم بالتظاهر.

لا يجوز ترك حراك السوريين لكل من هبّ ودب، ولا بد من التقيد في تسمياته، بهدف الحرية. وبما يعيد إنتاج الثورة في الحاضنة السلمية/ المدنية التي كانت لها. تسميات الحراك شأن وطني، كالمظاهرات نفسها. لذلك، يجب تشكيل هيئة وطنية تضم قانونيين وساسة وعسكريين مهنيين وممثلي مجتمع مدني، تضع خريطة طريق وطنية لها، تحدد تسمياتها الأسبوعية والطارئة، وتتولى إبلاغ مؤسسات الحاضنة بما قرّرته، وتراقب اختراقات الجيش الإلكتروني الكثيرة، وتحمي الحراك من انقسامات وصراعات الموتورين الذين يتوهمون أن ترهاتهم هي الثورة.

ليست الثورة لعب أطفال، ومن الضروري إنقاذها منهم.

==========================

الثورة ( الانتفاضة ) والمظاهرة !؟ 

يحيى حاج يحيى 

الثورة ليست مظاهرة تنفض بانفضاض الناس لتعب  أو محاصرة أو انتهاء وقت ! وإن كانت المظاهرات أحد أدواتها

ولكنها إعداد واستعداد ومبادرة ، وإخلاص وصدق توجه ، وصبر ومصابرة

قد تضعف ، ولكنها لا تتلاشى ، وقد يركب موجتها متحمس ( ينزل بعد فتور حماسه ) أو صاحب غرض ( يلتقي غرضه ببعض أهدافها ، ويتقاطع معها في بعض مراحلها ) وكثيراً مارأينا هذه الأصناف ، تُنظر ، وترفع رايات ، وتُقصي وتتهم ، ولكنها لا تستمر مع كثرة العناء ، وشدة الظروف ، وعِظم التضحيات !؟

الثورة - الانتفاضة - الجهاد ليس حَمْلٓ بندقية فحسب ! ولكنها إلى جانب ذلك حمْلُ قضية عادلة على أجنحة قوية من الأدب والتقوى  ! 

==========================

أيها السوريون

يحيى حاج يحيى

بربكم ماذا تنتظرون !؟

أيها السوريون ! ماذا تنتظرون ، وإلى متى تختلفون ، وعلى مٓن غير الله تعتمدون !؟

ألم تُسفك الدماء جهاراً نهاراً !؟

ألم تُهتك الأعراض المصونة !؟

ألم تُذبح الطفولة البريئة !؟

ألم تُهدم المدن والقرى !؟

ألم تُهٓجّروا من دياركم ، ليسكنها غيركم !؟

ألم ؟ ألم ؟ ألم !؟

ماذا تنتظرون ؟

هل تنتظرون أن تبتلع ديار الغربة والتشرد نصفكم المهاجر !؟

وتبتلع المقابر والمجازر نصفكم الصامد المصابر !؟

ماذا تنتظرون !؟

فليس لكم إلا ثلاث ! عودة صادقة إلى الله ، ووحدة تلم الشمل الممزق ، وتبعث الأمل ، وجهاد لايتوقف يشمل الكبير والصغير !!

وإلا كانت النهاية المؤسية ، ونخشى أن تكون قد اقتربت !؟

فماذا تنتظرون !؟

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com