العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02-10-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الجدار .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 29/9/2016

أوردت صحيفة «حرييت» التركية خبراً عن مشروع بناء جدار عازل على طول حدودها الجنوبية مع سوريا. وستقوم مؤسسة الإسكان الحكومية TOKİ بتنفيذ المشروع الذي سبق لمؤسسة الجيش والمحافظات الحدودية تنفيذ جزء منه بطول 200 كم. ويبلغ طول الحدود البرية المشتركة بين البلدين 911 كم، تتوقع المؤسسة المنفذة استكمال الجدار العازل على كامل طولها خلال خمسة أشهر. ويبلغ ارتفاع الجدار ثلاثة أمتار، وسماكته متران من الاسمنت المسلح ذي المقاومة العالية، على أن يزود أعلاه بأسلاك شائكة، وينشأ خلفه، أي على الجانب التركي، طريق لدوريات حراس الحدود.

مع العلم أن الشريط الحدودي مفخخ أصلاً بالألغام، منذ منتصف الخمسينات حين انضمت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي. وقدمت مشاريع قوانين عدة إلى البرلمان، في العقدين الماضيين، لإزالة تلك الألغام واستثمار حقولها الخصبة في زراعات عضوية، كانت إسرائيل أكثر المتحمسين لتنفيذها، لكن الحكومات المتعاقبة فشلت في إقرارها في البرلمان.

ثم جاءت الثورة السورية والانخراط التركي النشط فيها، منذ ربيع العام 2011، وفتحت تركيا حدودها أمام موجات اللاجئين الهاربين من قمع النظام. وبعد أقل من عام على ذلك، سيطرت قوات المعارضة المسلحة على البوابات الحدودية ومعظم الشريط الحدودي الذي أصبح مفتوحاً في الاتجاهين: نزوح مدنيين من جهة، وعبور السلاح والمقاتلين من الجهة الثانية. ومنذ الصفقة الكيماوية بين النظام وروسيا والولايات المتحدة، في شهر أيلول 2013، وبالأخص بعد إعلان «دولة الخلافة» الممتدة من الموصل إلى أطراف حلب، تصاعدت اتهامات الدول الغربية وروسيا، لتركيا، بتسهيل مرور الجهاديين القادمين من مختلف بلدان العالم، عبر حدودها، إلى الأراضي السورية، ومعالجة جرحاهم في المشافي التركية. وإذ ماطلت أنقرة في الانضمام إلى التحالف الدولي الذي تم تشكيله بقيادة واشنطن لمحاربة داعش، ازدادت هذه الاتهامات وأخذت طابع حملات إعلامية كبيرة وضغوط دبلوماسية على أنقرة، وخاصةً من الولايات المتحدة.

رضخ الأتراك، بعد طول تأخير، لتلك الضغوط بأن وافقوا، في تموز 2015، على فتح قاعدة إنجرلك الجوية، وقواعد أخرى، أمام استخدام طيران التحالف بهدف قصف مواقع داعش داخل الأراضي السورية، لكنهم لم يشاركوا بطيرانهم في عمليات القصف إلا بصورة رمزية. ولم تمض ثلاثة أشهر على ذلك حتى تدخل الروس في الحرب السورية لمساندة النظام الذي أعلن رأسه، قبل فترة وجيزة، عن عدم كفاية قواته في «محاربة الإرهاب».

ثم انقلب كل شيء، بالنسبة لتركيا، بعد إسقاط طيرانها لطائرة السوخوي الروسية في المنطقة الحدودية، في تشرين الثاني 2015. فقد حرم على تركيا تحليق طيرانها فوق الأراضي السورية، إضافة إلى انكفائها السياسي والعسكري عن الصراع السوري، وصولاً إلى اعتذارها من روسيا على حادثة إسقاط الطائرة، وعودة الدفء إلى العلاقات بين البلدين، منذ حزيران ـ تموز 2016، عشية الانقلاب العسكري الفاشل على الحكومة الشرعية.

كان من ثمار التفاهمات الروسية ـ التركية، حصول أنقرة على موافقة موسكو على عملية درع الفرات، 24 آب 2016، حين دخل الجيش التركي، للمرة الأولى منذ بداية الصراع السوري، الأراضي السورية من بوابة جرابلس. ويمكن القول إن ثمن الموافقة الروسية على عملية «درع الفرات» الموجهة أساساً ضد قوات حماية الشعب التابعة للفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، كان تخلي أنقرة عن هدف إسقاط نظام الأسد الكيماوي (في حين أن القبول الأمريكي بالتدخل التركي كان مشروطاً باستهداف القوات التركية، مع الفصائل السورية الحليفة، لمواقع داعش، وأولها بلدة جرابلس التي كانت الأخيرة تحتلها منذ عامين). بل إن الصمت التركي اللافت، هذه الأيام، عن إحراق مدينة حلب من قبل الطيران الروسي والأسدي، يشي بأن الأمر يتجاوز مجرد القبول ببقاء الأسد، إلى انسحاب كامل من الصراع السوري، باستثناء ما تعلق منه بالشريط الحدودي الطويل الذي تسيطر القوات الكردية على معظمه. وهكذا باتت الأجندة التركية في سوريا تقتصر على «الحفاظ على وحدة الأراضي السورية» (اقرأ: منع قيام أي كيان كردي ذي وضعية قانونية خاصة) والسيطرة على جيب حدودي، يمتد من جرابلس إلى إعزاز، خالٍ من داعش ومن القوات الكردية. أما عمق هذا الجيب فهو موضوع خلافي بين الأتراك والأمريكيين.

الآن مع الإعلان عن مد الجدار العازل، الذي كان بدأ بناؤه في مناطق محدودة بعد معركة كوباني، ليشمل كامل الخط الحدودي، فالحكومة التركية الغارقة في تداعيات الانقلاب العسكري الفاشل واستمرار حربها على جبهتي جماعة فتح الله غولن وحزب العمال الكردستاني، تعطي الانطباع وكأنها تريد إدارة ظهرها، تماماً ونهائياً، لسوريا والصراعات الدائرة فيها وعليها، لتنكفئ على نفسها ومشكلاتها الداخلية الكثيرة، ومن أهمها وجود ثلاثة ملايين لاجئ سوري مطلوب منها عدم السماح لهم بالوصول إلى أوروبا.

من زاوية نظر كردية، يعني الجدار محاولة من الحكومة لقطع الطريق أمام أي تفاعلات سياسية أو اجتماعية عابرة للحدود بين كرد سوريا وأشقائهم في تركيا.

ومن زاوية نظر عموم السوريين، يعني الجدار سجناً كبيراً للاجئين السوريين وقطعاً لصلاتهم مع أخوتهم في الداخل، ومنع تدفق المزيد منهم عبر الحدود. فاللاجئ السوري لا يستطيع التنقل من محافظة تركية إلى أخرى إلا بعض الحصول على إذن بالسفر محدود بالمكان والزمان، يجب إعادته إلى إدارة الهجرة بعد العودة من السفر.

أضف إلى ذلك ما يثيره جدار بهذا الارتفاع، ويغطي كامل الخط الحدودي، من انطباع مفاده أن حرب تدمير سوريا ستمتد لسنوات مقبلة. لا يخفف من هذا الانطباع المتشائم ما قاله مدير المؤسسة المنفذة من إمكانية إزالة الجدار بسهولة.

فكل قطعة من الجدار تزن سبعة أطنان. سبعة أطنان من العزلة التركية المستعادة مع جوارها الأقرب.

٭ كاتب سوري

========================

موقفنا : عام على الاحتلال الروسي لسورية .. (2) الأهداف .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

29-9-2016

كان الهدف الرئيسي المعلن للاحتلال الروسي لسورية هو التعاون مع النظام ( الشرعي ) فيها ، أي نظام المجرم بشار الأسد ، للقضاء على الفصائل الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم الدولة والنصرة وما يلتحق بها .

كرر المسؤولون الروس كثيرا ، أنهم ليسوا معنيين كثيرا بدعم بشار الأسد كشخص ، وأنهم يؤيدون حلا سياسيا في سورية ، يجمع عليه السوريون ، فأين وقعت كل هذه الإعلانات النظرية على ضوء الواقع العملي لتصرفات المحتلين ؟

يتفهم البعض هواجس الروس من تمكن مجموعات إسلامية توصف بأنها ( متطرفة أو إرهابية ) ، ولو في مناطق بعيدة عن روسية مثل سورية ، خوفا ، من استيقاظ الإرادات المكبوتة لدى 20 % من سكان الاتحاد الروسي محكومين على طريقة بشار الأسد في القتل والاعتقال وتهشيم الإنسانية والدوس على كل ما يسمى منظومة حقوق الإنسان .

حقيقة الأهداف التي يقرؤها العالمون ببواطن الأمور ، والتي تجعل بوتين يصر على مهمته القذرة في سورية ، ويتحمل عبء تنفيذها ؛ مع ارتفاع الكلفة التي يحملها لبلده من الناحيتين الإنسانية والسياسية والاقتصادية ؛ تقع بعيدا عن كل ما أعلن ويعلن عنه الروس .

الهدف الحقيقي الأول لبوتين في سورية ، يتجسد في رغبة بوتين في جعل سورية سلما لعودته إلى موقع القمة الدولية ، بعدما لمس الانصراف الأمريكي عن خوض صراع من أجل سورية والسوريين . كل ما يدفعه بوتين في سورية هو رخيص ، بالنسبة إليه ، إذا قارناه بما يمليه جنون الغطرسة والعظمة على صاحبه . وما كان بوتين ليجرؤ على التفكير في تحقيق هذا الهدف فيما لو كانت الولايات المتحدة مهتمة أو معنية بدخول صراع في هذا الميدان ، وانصراف الأمريكيين عن سورية له أسبابه التي يمكن أن تشرح في غير هذا المقام . إن بوتين لم يكن ليجرؤ أصلا إلى الدخول إلى الحلبة ، وقبول التحدي ، لو آنس عند الأمريكيين والناتو استعدادا جديا لدخول النزال . وهكذا دفعت سورية الوطن والإنسان ثمن: أن يقال اليوم على السنة المحللين والمعلقين : إن بوتين هو القيصر ، وأن روسية عادت لتكون القطب ، كلام ينتشي له بوتين والروس أيضا ..

وفي غضون هذا الهدف الاستراتيجي الأساسي على الصعيد الدولي ، تنضوي أهداف عديدة ، منها ما يشتق منه مباشرة مثل حرص الروس على الاحتفاظ بقاعدتهم في شرق المتوسط ، ومنها ما هو اقتصادي ، ومنها ما هو ديني طائفي يتجلى في عداوة روسية مورثة للإسلام والمسلمين .

إن الروس الذين ظلوا يكررون ، إنهم ليسوا معنيين ببشار الأسد ، وانهم إنما يحرصون على حل سياسي في سورية يمثل إرادة السوريين ، أثبتوا كذبهم بأنفسهم ، ذلك أنه كان للروس في بنية المعارضة السياسية السورية أصدقاء حقيقيون ، أصدقاء إيديولوجيون وسياسيون ، كما أن الدور الروسي الإيجابي – فيما لو كان - لم يكن مرفوضا أو مرغوبا عنه عند أي فريق من السوريين. ولكن التجارب الواقعية في كل جولات المفاوضات مع الروس، وعلى كل المستويات أثبتت كذب الادعاء الروسي بشهادة الجميع ..

وبالعود إلى الأهداف العسكرية المزعومة التي ادعى الروس أنهم جاؤوا إلى سورية لتحقيقها ، فيكفي شهادة على كذب الروس في ادعائهم أنهم جاؤوا للمساندة في القضاء على منظمات الإرهاب ، أن منظمات الإرهاب هذه على العموم معروفة في مناطق تمركزها ، ترفع عليها أعلامها ، وتحرك على الطرق العامة دباباتها وقوافلها ، فلا يعترض لها الطيران الروسي كما اعترض قوافل الإغاثة الأممية تحمل الخبز والملح للمحاصرين .

وإذا عدنا إلى محاولة إحصائية لجملة الأهداف التي استهدفها الروس في عدوانهم ندرك أن الأهداف المجملة للاحتلال الروسي لسورية يمكن أن تختصر في ثلاثة أهداف ..

الأول : تثبيت نظام بشار الأسد بوصفه نظاما طائفيا ( علويا ) ، مستبدا ، فاسدا ، يكرس سورية مزرعة روسية بالدرجة الأولى ، مع السماح بهامش محدود للمتآمر الشيعي الصفوي الإيراني ..

الثاني : جعل حياة السوريين في المناطق المحررة مستحيلة ، باستهداف كل مقومات الحياة ، ومرتكزاتها ولذلك نجد الطيران الروسي يركز على استهداف المستشفيات ، والمساجد وقت صلاة الجمعة بشكل خاص ، والمدارس ، والمخابز ، والطرقات ، والجسور ..

الثالث : تغيير الخارطة الديمغرافية في سورية ، باستهداف السواد العام لشعبها بالتقتيل والتهجير ، وهذا الذي يجري أمام الجميع الآن . حتى الآن لا نملك كسوريين ، إحصاءات دقيقة عن حصاد الاحتلال الروسي ، لا عن كم ولا عن كيف ولا عن ناتج . مئات الغارات اليومية على مناطق متعددة ، عمران يدمر ، مدنيون يقتلون ، بنية تحتية تدمر ، موارد الحياة يقضى عليها ، دون أن يمتلك المعارضون قدرات ذهنية وفنية ومادية تساعدهم على الرصد والتوثيق .

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=====================

غوامض المحنة السورية .. ميشيل كيلو

البيان

الخميس 29/9/2016

ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال المحير، المتعلق بالمآل الذي ينتظر سوريا، ليس فقط لأن الأيدي التي تتلاعب بمصيرها أقوى بكثير من الأيدي التي تحاول حمايتها، وتجديد كيانها والمحافظة عليه موحدا وحرا.

وإنما كذلك لأن ما نشهده من أحداث متسارعة، مفاجئة ومتناقضة، يقود إلى نتائج ومآلات متضاربة، يمكن أن ترجح في أي وقت كفة أحد احتمالاتها على سواه، بما تمارسه الدولتان الكبيرتان من سياسات جمدت أو همشت الأطراف الأخرى، المعنية بالشأن السوري أو الدول الرديفة المنخرطة في البحث عن حل سياسي له، وتسعى للعب دور خجول من وراء الكواليس الأميركية، مثلما تفعل أوروبا.

ولعله مما يزيد الإجابة عن السؤال صعوبة أن ساحة الصراع السورية تتسم بقدر لا يني يتصاعد من احتدام متنوع المظاهر والأطراف، يتجلى في التبدل السريع والمباغت للاحدات، وما يدخل إلى ساحة الصراع من سلاح ورجال، ويمارس بين المتحكمين به من تفاهمات يبدو لأول وهلة أنها ستنجح في وضع الحرب على سكة حسم عسكري أو سياسي.

لكنها سرعان ما تتهاوى، خلال أيام أو ساعات، ليتأكد مرة أخرى أن ما يستخدم لوضع حد للصراع أو لإدارته من أدوات وأساليب لا يحقق مهمته المعلنة، بل هو جزء من إدارة الأزمة وما يترتب عليها من تعقيدات تزداد تفاقما، سواء في ما يتعلق بمفرداتها الأساسية، أم بخيارات قوتيها الكبيرتين وتوابعهما المحليين والإقليميين.

من سيصدق من الآن فصاعدا أن إعلان بوتين عن سحب الجزء الأكبر من طيرانه لم يكن تخديرياً، إذا كان يشن مئات الغارات يوميا على مناطق سورية جد متباعدة ؟. وما معنى استخدام قاذفات استراتيجية مجهزة لحرب عالمية، وأساطيل تطلق صواريخ طوافة من ألفي كيلومتر، وقوات مشاة تكفي للانتشار على جميع طرق سوريا وصولا إلى حلب ودير الزور، تمنع تنفيذ تعهدات روسيا المحددة في اتفاقات الهدنة المتعددة، إذا كان هدفه الحقيقي بلوغ حل سياسي وليس الحسم العسكري؟.

بالمقابل، من كان يعتقد أن أميركا، عدوة التدخل العسكري في سوريا، ستنشر قوات برية وجوية شمال سوريا تغطي مهماتها آلاف الكيلومترات المربعة برا وعشرات الآلاف جوا، وأن الأميركيين، الذين وافقوا على الحرب ضد النصرة بمشاركة روسيا، سيقاتلون داعش مع الجيش الحر، الذي يتعرض يوميا لضربات الروس ؟.

هل تسمح هذه الوقائع لنا بالقول بوجود تقاسم وظيفي للأرض وللأجواء والمياه السورية بين الدولتين، وأن حشد قواهما يتخطى الصراع السوري إلى أبعاد إقليمية تتصل بسياساتهما ورهاناتهما.

الدولتان الكبيرتان، وباستعدادهما لمرحلة قادمة من صراعهما خارجها، تسوقان خطواتهما العسكرية بذريعة تبدر مقنعة هي الحرب ضد داعش ـ هدف أميركا ـ،والنصرة ـ هدف روسياـ ؟. أخيرا، كيف نفهم إعلان أميركا رفض إقامة منطقة آمنة في سوريا، إن كانت قواتها الخاصة تقاتل إلى جانب الترك في المنطقة التي أعلنها هؤلاء آمنة؟.

ومن كان يعتقد أن ترتيب العلاقات التركية الروسية سيفضي إلى اشتراك القوات الأميركية في حرب تركية تهدد حلفاء موسكو في سوريا، وأميركا في العراق ؟.

تتزايد الغاز الصراع السوري، بتحوله المتزايد، الخفي والظاهر، إلى صراع أميركي /‏ روسي تتعاظم فيه سياسات الشد والجذب، بينهما وداخل كل دولة منهما، بما في ذلك داخل أميركا، حيث تعلن خارجيتها عن هدنة أخرى وتؤكد أنها ستخفف غلواء الصراع مع روسيا، فتبادر وزارة دفاعها إلى إرسال مزيد من عسكرها إلى ساحاته السورية والعراقية، والإعلان عن تعاونها مع تركية في ما يتصل بنشرهم في سوريا، كي لا تتسبب بمزيد من الإرباك لقوات درع الفرات، مثلما حدث مرات عديدة خلال تقدمها في المنطقة الواقعة بين جرابلس والراعي ؟.

وفي حين تبدو موسكو موحدة خشية مفاجآت العسكر الأميركي المتفوق كثيرا على عسكرها، داخل سوريا وفي جوارها، تدخل إسرائيل بقوة إلى الصراع، لتضع يدها على مواقع تجعل دورها وازنا في مراحله التالية، التي ازعم أنها ستتخطى سوريا إلى بقية بلدان المنطقة، بما في ذلك الخليجية منها.

لن تتكشف ألغاز الغوامض السورية إلا بعد أن يكتمل انتقال صراع الجبارة الدوليين والإقليميين إلى جوارها. عندئذ، ستقع تسوية كبرى بين العملاقين تستميت روسيا في سوريا كي لا تخرج خاسرة منها، وترسل يوميا المزيد من طائراتها وجنودها لقتل السوريين، متوهمة أن قتلهم يضغط على أميركا، بينما ينسى بوتين أنه في نظر واشنطن قيصر من خشب، وان ساقيه لا تقويان على حمل مشروعه القيصري إلى سوريا، الذي لم ينجح إلى اليوم في غير «شيشنة» دور بلاده فيها !.

========================

قتل في حلب.. وجدل بنيويورك .. بكر عويضة

الشرق الاوسط

الاربعاء 28-9-2016

لو استمر جدل مجلس الأمن الدولي بشأن مجازر سوريا أسابيع أو أشهرًا، فلن يضر ذلك واشنطن أو موسكو شيئًا، أما حقول الدمار والقتل فسوف تتسع رقعتها أكثر، بينما ترتفع أعداد الضحايا؛ قتلى ومشردين وجوعى، في حلب وحولها، بدمشق وجوارها، عاث الفساد فضرب خير البلاد من درعا إلى الرقة حتى الحسكة ودير الزور، لا أحد ينجو من عمى شرٍ كاد يدمّر إرث حضارة الإنسان وينسف كل ما يرمز لها في تدمر، بل إن قوافل غوث تحمل الغذاء أو الدواء تطالها الحمم، فتعجز الأمم (غير) المتحدة عن لوم طرف محدد، كأن القصف هبط من كوكب آخر، أو كأنما كل هذا الرهط المتقاتل فوق جثث الأبرياء بسوريا، أو العراق، وبأي مكان يُقتل فيه البشر جورًا، ليس بينه مَن يملك جرأة تحمّل حتى مسؤولية القتل الخطأ. الحق أن في هذا ما يعزز القول إن كل الذين يقتلون لمجرد القتل، هم جميعًا جبناء يزعمون شجاعة الرجال، ذلك أن للحروب قوانينها، ولفرسان الوغى نبل خُلقٍ هم أجمعون منه بَراء.

ليس بوسع أحد التكهن كم من الزمن يستمر تبادل التهم بين واشنطن وغيرها من عواصم الغرب، من جهة، وموسكو وحلفائها في الجهة المقابلة، حول من المُلام أكثر من الآخر بسبب مآسي سوريا، لكن المؤكد هو أن سوريا التي ذهبت مع ريح ما سمي «ربيع» العرب لن ترجع، لقد ولّت الأدبار، ومحلّ نسيجها المتناغم حلّ دمار بني ملجم الجدد.

تُرى، أهو حريق مكتبة بغداد مقدّر له أن يتكرر على أبواب قلعة حلب، أهم تتار جنكيز خان يستنسخ نهجهم «داعش» أبي بكر البغدادي وما شابهه؟! ألم يقل أولون إن نصوص التاريخ تعيد إنتاج ذاتها بشخوص وأسماء شتى؟ نعم، إنما قلّ التعلّم من دروس الماضي، وندر أن يعتبر القوم مما جرى لأسلافهم، فتوالت الفتن على المسلمين، واحدتها تلد ما بعدها، وبدل أخذ العبر، ساد اعتقاد بأن الأسلم هو سدّ باب الكلام نهائيًا، وجرى إغلاق أبواب الاجتهاد بإحكام، فأطفِئت مصابيح تنوير كان الأحرى أن تُضاء في فضاء العالم الإسلامي كله، وعِوض أن ينهض فكر يفتح أبواب المستقبل أمام أجيال المسلمين بلا مساس بثوابت العقيدة وأركانها الأساسية، إنما كذلك من دون هلع إزاء أي تقدم في العالم يطوّر واقع الناس ويوفر فرصة العيش بمستوى حضاري أفضل في كل مجالات الحياة، عِوض ذلك راح تيار الترهيب ينتعش على مراحل، وإذ اشتد له الساعد أخذ يصول بمشارق أرض العرب ويجول في مغاربها، بلا حسيب يلجم مؤدلجين هم ورثة فكر ابن ملجم، ورغم أن بعضهم يضع ربطة العنق وقد يتسوق بأفخم متاجر أوروبا، لكنهم موجودون وراء ستار المسرح، يمارسون غسل الأدمغة، ويسهمون في تسويق إرهاب قتل أعمى لا يفرّق بين أطفال أو نساء، في مطاعم أو مكاتب، بأسواق أو في طائرات، بقطار أو في حافلات، بدعوى أنه «استشهاد» يطبق فريضة «الجهاد» وفق أهوائهم. وإذ وقعت قارعة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، فطفح كيل الدم، وشق دخان نار الكره الأسود الطريق إلى عنان السماء، بدا أن الوقت تأخر كثيرًا، وأن اختراق مجتمع العرب المدني اتسع على الرتق. رغم ذلك، لم يكن الاستسلام للتطرف هو الحل، فأن يأتي الدواء متأخرًا خيرٌ من ألا يأتي أبدًا.

ذلك الغياب للاعتبار حصل على صعيد المنازلة الفكرية مع فصائل التطرف وتنظيماته. أما على مستوى تصرف أنظمة حكم عربية عدة، فغياب أخذ العبرة، واستخلاص الدروس واقع منذ مطالع ما بعد التحرر من الاستعمار الأوروبي. في هذا السياق قد يفيد استحضار مقولة تاريخية للزعيم التونسي الحبيب بورقيبة خلاصتها أن الحفاظ على الاستقلال هو الجهاد الأكبر.

وافق التونسيون زعيمهم، فكرموا بورقيبة وأعطوه صفة «المجاهد الأكبر»، وجهِدوا للحفاظ على استقلال بلدهم وتحديثه، ثم أتت أجيال من الساسة راحت تقدم أمجادها ورفاهية حاشيتها على بسطاء الناس والمُعترين. بقية الدراما معروفة، ومتواصلة، ليس فقط بتونس الخضراء، بل في كل بلد عربي زعم ساسته، سواء في الحكم أو المعارضة، أنهم حريصون على استقلال الوطن ومستقبل أبناء البلد، فيما ولاؤهم يتنقل وفق الهوى، يُباع ويُشترى بأسرع من حركة الأسهم في نيويورك أو لندن أو غيرهما. أين العجب إذن أن تتمدد حقول الدمار والقتل بسوريا وغيرها، فيما الحل رهن التوافق بين واشنطن وموسكو؟!

========================

ثمن «الحسم» في معركة حلب .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 28-9-2016

إدفع تسلَم...

بهذه العبارة أو فحواها تحدّث المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية دونالد ترامب عن مفتاح التحالف أو الشراكة مع أي دولة في العالم، في حال تمكّن من الدخول إلى البيت الأبيض، لاستعادة «قوة أميركا ومجدها» وهيبتها التي يظن أنها ضاعت، نتيجة تردُّد باراك أوباما وعجزه. وبعدما أطلق في بداية حملته الانتخابية وعوداً لانتشال الولايات المتحدة من «كبوتها»، أعلن بوضوح، في المناظرة التلفزيونية مع المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون، أن معيار التحالف مع أميركا المدافعة عن الحريات، سيكون دفع الطرف المتحالف معها الفاتورة المناسبة.

بالتالي، أميركا التي برّرت لعقود طويلة خوضها حروباً بالدفاع عن «القيم الديموقراطية» في العالم، يريدها البليونير ترامب مجرّد شركة حراسة، مثل «بلاك ووتر» في العراق، أو جيش مرتزقة لمن يدفع أكثر.

وبمنظار المصالح الأميركية التي رأى أوباما أن الدفاع عنها يقتضي عدم الانزلاق في صراعات المنطقة وحروبها، وعدم التضحية بالدماء الأميركية، تبدو طروحات ترامب مكمّلة لتلك الفلسفة، مع فارق وحيد، هو افتراض أن تقبض واشنطن الثمن، كلما ارتأت إنقاذ «حليف»، ولو بالتدخُّل عسكرياً.

وإن كان إحباط الناخب الأميركي يترجم قلقه على مصيره ومصير قوة كانت عظمى قبل عهد أوباما، فالمفاضلة بين ترامب وهيلاري قد لا تعني الكثير للعرب الغارقين في دماء الخرائط، التائهين بين بحور التشرُّد وصحارى المخيمات... إذا استُثني طيش ترامب وغروره اللذان يجعلان قيادته الجيش الأميركي، كارثة كبرى للولايات المتحدة وللعالم.

في تنديده بجر كلينتون (وأوباما) المنطقة إلى «الفوضى العارمة»، قد يشيع ترامب وهماً بأنه يحبّذ استقرارها، وهو تعهّد اقتلاع «داعش»، وإن كان لا يعلم بأي ثمن... ويتجاهل أيضاً أن وعده بالاعتراف بالقدس «عاصمة موحّدة لإسرائيل» ليس من شأنه سوى زيادة مشاعر اليأس والكراهية والحقد، وتغذية إرهاب «داعش» وسواه.

وأما إشادته بالرئيس فلاديمير بوتين، للإيحاء باستعداده للتعاون معه في إدارة أزمات العالم، فلا تبشّر العرب إلا بمزيد من الحروب والكوارث. لا أحد سيكترث الآن لصمت ترامب على المذبحة الكبرى في حلب، وما يفعله الروس ليحقق النظام السوري «انتصاره». تتبدّد مع الإبادة في حلب كل سيناريوات «بيع» الكرملين النظام بالتقسيط، حماية للمصالح الروسية. وأن يصبح البليونير سيد البيت الأبيض، فذاك سيعني أن مصير حرب كلّفت السوريين حوالى أربعمئة ألف قتيل، سيصبح بين يدي ترامب وبوتين... إما أن يجدد الأول تفويض الروس مهمة إدارة الحرب والحل، وإما أن يندفع لتشجيع خيار تقسيم سورية، لتفادي خسارة واشنطن كل الأوراق.

في الحالين، الكارثة للسوريين يُرجّح أن تتزامن مع تأجيج الصراع المذهبي في العراق، لدفع الشيعة والأكراد والسنّة إلى خريطة الدويلات، بعد دحر «داعش» في الموصل.

«إدفع نحارب» لحمايتك، شعار افتراضي لرئيس محتمل، لكنه في كل الأحوال يعكس حجم المأزق الذي يتخبّط به الأميركيون، والنتائج البائسة لتدمير سياسة إدارة أوباما الثقة بحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، باستثناء إسرائيل.

في ليبيا، حمّل الأميركيون الأوروبيين وزر الفشل في صوغ استراتيجية لليوم التالي بعد إطاحة نظام القذافي. في اليمن، تغاضت واشنطن عن تسليح إيران الحوثيين، لتمرير الاتفاق النووي... وفي سورية تكتفي إدارة أوباما ببيانات التنديد بين مجزرة وأخرى، فيما مجلس الأمن معطّل، والأمم المتحدة مغيّبة، وأوروبا محاصرة بضربات الإرهاب وأعباء موجات المهاجرين.

الكرملين يتحدّى الجميع، وواضح أنه يسعى إلى الحسم مع المعارضة السورية في حلب، تحت غطاء ضرب الإرهاب وجماعاته. وفيما واشنطن «مذهولة بتلك الوحشية»، عين تركيا على المسلحين الأكراد.

ألم يعلن النظام السوري أنه يريد «الانتصار»؟ يستعجل وإيران الهجوم البري في حلب، ولا تأبه موسكو للغضب الأوروبي، فالتوقيت حاسم فيما أميركا منهمكة بالانتخابات، ولن يقْدِم أوباما في أسابيعه الأخيرة على ما تردَّد سنوات في فعله لإنقاذ الشعب السوري.

ورغم كل الغبار، والدمار الذي يزرعه القصف الروسي على حلب، لفرض استسلام المعارضة السورية، هل مازال ملتبساً فهم دوافع التصعيد الإيراني ضد المملكة العربية السعودية، عشية «معركة حلب الكبرى»؟

مع هيلاري رئيساً أو ترامب، بوتين سيواصل نهج الحسم العسكري في سورية، وأما «عملية السلام» فمجرّد دخان للتضليل.

========================

الوحشية القصوى والجريمة الدامية! .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 27/9/2016

يعيش السوريون حالياً ما لم يعش العالم برمته مثيلاً له: الوحشية القصوى والجريمة الدامية، ورغم ذلك، لم نضع يدنا حتى الآن على احتجاج أو استنكار رسمي حقيقي في العالم على ذلك، إلا ما ظهر بصيغة صدى هنا أو هناك، ما يفتأ أن يتلاشى أو يتذرّر تحت قبضات سلاح، أثبت أنه قادر على كشف المستور من العواطف الزائفة، والموغلة في الحقد الأسود الذي يأبى ويصر على البقاء في حيّز «السواد».

وقد أفصح التاريخ البشري عن مثل ذلك بمثال حي نعيش أصداءه، بل وجوده في ما يقوم به راهناً فريق «الحوثيين» في اليمن، يداً بيد مع حلفاء لهم أقسموا على أن يملكوا اليمن كليّاً، أو أن يحرقوا الأخضر واليابس وما بينهما، وهذه الاستراتيجية يراد لها أن تهيمن في العالم برمته، مُحدثةً بذلك ثنائية عالمية، خصوصاً في العالمين العربي والإسلامي.

تلك هي التي تتمثل في الاستئثار الكلّي بالوطن وفق نزعة من الأنانية الشمولية. أما هذه الأخيرة فقد تجلّت حتى الآن في صيغ اجتماعية، وكذلك دينية وأيديولوجية، مُعلِنةً أن هذه الصيغة منها أو تلك هي خاتمة الكمال والعدالة والعظمة والاستجابة لمطامح البشرية في الحرية والكرامة والمساواة. لقد جاء ذلك الفريق اليمني ليفرض نفسه على جميع بني جلدته، وبتحريض من دولة أجنبية، تجد مهمتها العظمى ماثلة في تحويل البشر، أو على الأقل هذا الشعب أو ذاك في اليمن أو العراق أو سوريا.. إلخ، إلى أيديولوجيا طائفية إثنية أو دينية!

ومنذ فجر الإنسانية ظلت المجتمعات الجديدة تعرف اختلافات في الهدف والمصالح ومنذ أنتجت حاجات ومصالح انقسمت بين فريقين، واحد وجد أنه هو وحده المخوّل بامتلاك ثمار تلك الحاجات والمصالح، في حين أن الفريق الآخر أخذ حالة الخذلان والإفقار والتشييء! وظهر ذلك خصوصاً في مراحل الصراع من التاريخ الإنساني القديم بين من راح يبحث عن حريته وكرامته وسعادته، ومن عمل بالقوة والقهر على امتلاك الكل بالكل.

وقد تطور ذلك الحال في عصور لاحقة، حين نشأت إمكانات هائلة للتطور والتقدم والسعادة يداً بيد مع ظهور أخطر وسائل القتل في أحوال النزوع إلى الهيمنة والقتل الشمولي. ولن ننقاد في هذا الطرح باتجاه ما يعلنه بعض «علماء الحياة» من أن ذلك مرتهن بما جدّ ويجدّ في حقل «الجينات» البشرية، بحيث قد يكون هذا نبيلاً بسبب نبل في جيناته، ويكون ذاك دنيئاً بسبب دناءة في جيناته.

وفي سياق ذلك نشأت علوم اجتماعية وأخرى طبيعية، برز ضمن الأولى العلوم السياسية في إطار مجتمعات سياسية ومدنية، وتوصل بعض العلماء إلى ضبط هذا الجديد على صعيد «السياسة والسياسي»، منهم كلاوزفيتش الذي وضع مقولة أراد منها ضبط الممارسة السياسية، حين أعلن أن السياسة إنما هي «فعل الممكن»، أما هذا الممكن فتركه مفتوحاً وفق الظروف والشروط العامة والمهيمنة في المجتمعات المعنية. وحدّد في النهاية أن «السياسة كي لا تخطئ فعليها أن تعمل في حدودها وضوابطها»، وإلا، فإن الأمر قد يقود إلى الأخطاء أو التهلكة.

وقد حدث ما حدث من جرائم في السلم كما في الحرب، قادت إلى كوارث، خصوصاً حين يهيمن نمط من المجموعات أو الطبقات، بصيغة «الاستفراد بالأربعة التالية: السلطة، والثروة، والإعلام، والمرجعية المجتمعية، التي قد تكون حزباً أو أيديولوجيا أو ديناً وغير ذلك»! ومنذ زمن بعيد كنا قد التقطنا ما راح يحدث ويهيمن ويتعمق من ضرورات لإصلاح وطني جديد في سوريا، ومن إنجاز لمشروع عربي في النهضة والتنوير والحداثة على صعيد الوطن العربي، وعلى نمط من الاتحاد المفتوح.

ها هنا تبرز حيثيتان اثنتان لهما في هذا السياق أهمية عظمى، أما أولاهما فتقوم على مطالبة الشعوب العربية علانية وبكثير أو بقليل من الإلحاح بإصلاح وطنها. وكانت تحركاتها من أجل ذلك بمثابة الهدية العظمى، التي على بعض النظم العربية المهيمنة أن تلتقطها، وأن تعمل -وفق الممكن- على الاستجابة لها، فالوطن هو أغلى ما يمتلكه البشر، خصوصاً أنه بإصلاح فاعل ما، تتقارب المواقف وتنحلّ المشكلات ويبقى البلد بخير. أما الحيثية الثانية، فهي تلك التي كبدت بعض الأوطان ثمناً هائلاً، حين لجأ بعض النظم العربية إلى العنف المفرط. وقد كان تحقيق تحديث أولّي مفتوح في حينه سبيلاً لتجنيب تلك الأوطان الدمار.

لقد حدث الآن ما حدث، ولا نجد أفضل من دعوة الأغراب الإيرانيين والروس والأميركيين والآخرين إلى الخروج من العالم العربي، وتركه لأهله، فهم أعلم بشؤون دنياهم. لقد امتد الحريق من العراق إلى سوريا واليمن وليبيا، كلٌّ حسب ظروفه وتعقيداته، فلنرفع دعوة الأخوّة والتضامن والتعاون على حل المشكلات والأزمات في بعض الأقطار العربية، من أجل مستقبل الوطن العربي ككل.

========================

من أجل تغيير سياسي حقيقي في سوريا .. محمد سرميني

الشرق الاوسط

الاثنين 26/9/2016

مع تعقد الصراع العسكري، ودخول أطراف كثيرة حلبة الميدان السوري، كان آخرها التدخل التركي في جرابلس، وقبلها التدخل الروسي الذي دخل عامه الثاني، بات المشهد السوري شديد التعقيد والتشابك، وأصبح التنبؤ بمخرجاته أشبه باللغز.

وإذا ما ترافق ذلك مع أداء متواضع للمعارضة السياسية، واشتباك خجول مع الواقع إلى درجة أن المعارضين في الخارج أصبحوا محدودي التأثير في ميزان القوى الفعلية، فإن المشهد يصبح أكثر قتامة. يضاف إلى ذلك أن قرار تحريك بعض الجبهات وفتح المعارك بات مرهونًا بإرادة الداعم، كما هو الحال في الجبهة الجنوبية، في القنيطرة ودرعا التي تشهد سكونًا مريبًا مكّن النظام من الاستفراد بداريا، أو على الأقل التعجيل بإجبارها على توقيع اتفاقية الهدنة.

على الجانب الآخر من المشهد، فقدَ النظام السوري منذ زمن بعيد سيطرته على معظم الأرض السورية، وباتت مجاميعه العسكرية وميليشياته الرديفة خارج نطاق التحكم، وهو ما أكدته دراسة حديثة صدرت عن مركز «وور أون ذا روكس» وثقت فيه حوادث تشير إلى بروز ظاهرة أمراء حرب موالين للأسد، لكنهم غير خاضعين للعاصمة دمشق، وأصبحت روسيا هي المتحكم والمتصرفة في الأمر، تليها إيران عبر حزب الله وضباط الحرس الثوري والمرتزقة الأفغان والعراقيين، ولقد تجلت ذروة فقدان السيادة بالنسبة للأسد في مشهد استدعائه وحيدًا دون وفد إلى العاصمة الروسية موسكو، وبعدها في تفاجئه بمجيء وزير الدفاع الروسي إلى سوريا، وباستبعاده كليًا من مداولات الأطراف الفاعلة بالأزمة السورية.

يدفعنا هذا الواقع إلى التساؤل: أين نحن - السوريين - من كل ما يحصل؟ هل بات دورنا منحصرًا بمباركة أو إدانة التطورات التي لم نسأل عن رأينا فيها؟!

يمكن أن يعزى السبب الرئيس لهذه الحالة إلى غياب الجسم السياسي الذي يمثل أغلب السوريين في الداخل والخارج، وإلى حالة الفجوة التي تعيق فرصة تكامل الدورين السياسي والعسكري للثورة السورية، وهذا بدوره متصل بواقع التشرذم العسكري الذي تعاني منه الفصائل، ما يمنع صدورها عن موقف واحد في أغلب القضايا، ذلك أن ما يمنح الموقف السياسي قوة إضافية هو حصوله على مباركة وتأييد جميع الأطراف العسكرية.

تتيح حالة التشتت هذه للدول الإقليمية هامشًا للتحرك خارج أجندة السوريين وأولوياتهم، وتفسح المجال أمام عقد تسويات لا تحقق هدف السوريين الأول، وهو الخلاص من دولة الاستبداد، وإنجاز التغيير السياسي الحقيقي الذي يطوي كليًا صفحة الأسد، فمع توسع الصراع وازدياد تكاليفه، وترتب أخطار تمس دواخل البلدان الإقليمية، غدت أولوية الحلفاء إنهاء الحرب بأي شكل، ولو على حساب أصحاب القضية أنفسهم.

فضلاً عن معضلة الافتقار لجسم سياسي يمثل مصالح السوريين، ويحقق الحد الأدنى المطلوب من الإجماع الوطني، لا تتوفر الأجسام السياسية القائمة حاليًا على الخبرات والميزات التي تخولها القيام بمهامها، ولا على المهارة والقدرة على قراءة التطورات السياسية وتجييرها لصالح السوريين، ومقاطعة مصالحهم مع مصالح الدول الإقليمية والدولية، وهو ما أدى إلى ارتكاس المعارضة إلى دور المفعول به، وليس الفاعل المبادر، فلقد أشارت المعطيات إلى أنه تم إبلاغ المعارضة بعزم الجيش التركي على التدخل في جرابلس، دونما حتى مجرد السماع لرأيها.

ولا يمكن في خضم ذلك نسيان مسؤولية الفصائل العسكرية في الداخل عن هذا المآل، إذ إنها باستعصائها على التوحد، أو على الأقل بفشلها في الصدور عن موقف واحد إزاء التطورات الحالية، وبمناوشاتها ومزايداتها الدائمة فيما بينها، وبريبتها تجاه الواجهات السياسية القائمة، وبعجزها عن تشكيل ذراع سياسية تنقل مطالبها وتفاوض باسمها، تغلق الطريق أمام إمكانية تعزيز موقع المعارضة في المحافل الدولية، وتضيع الفرصة لتقوية موقفها إزاء محاولات الأطراف الإقليمية والدولية لتجاهلها.

يفرض هذا الواقع على المعارضة بشقيها السياسي والعسكري إجراء مراجعة جذرية شاملة لمجمل المواقف والمحطات التي مرت بها، ويحتم عليها المبادرة للإجابة عن الأسئلة المعلقة، وإنجاز التقديرات والدراسات الاستشرافية، ودراسة الخيارات لما سيكون عليه ردها في حال تضاربت - عند مستوى ما - مصالح الحلفاء الإقليميين مع أهدافها، أو جرت تسويات لا تلبي تطلعاتها. لا يعني هذا خلق عداوات جديدة، أو سوء فهم ينجم عنه توتر مع الدول الداعمة، فالمعارضة أحوج ما تكون إلى جذب الحلفاء وضمان انحيازهم، وإنما يهدف إلى التعاطي مع عالم السياسة على أساس أنه عالم قائم بالدرجة الأولى على المصالح، وبناء الاستراتيجيات وفقًا لذلك، وليس وفقًا لتعهدات والتزامات كشفت السنوات السابقة رخاوتها وهزالها.

لن يكون لأهداف وتطلعات السوريين وجود وازن على طاولة المفاوضات، ما لم تتصف الواجهة السياسية الممثلة لهم بالعزيمة والقدرة على شبك وتداخل المصالح، وهو بدوره لن يكون متاحًا ما لم تتحلَ الفصائل العسكرية في الداخل بالتواضع والواقعية والغيرية. بذلك يمكن تقديم بديل متوازن ومؤثر يستطيع اللعب على مصالح الدول وتناقضاتها لاجتراح حل سياسي ينهي دولة الاستبداد، ويحقق التغيير المنشود.

========================

حلم دي ميستورا أم كابوسه؟ .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 26/9/2016

يرى مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، بحسب كلمته في مجلس الأمن الدولي (21/9)، أن الحل للمسألة السورية يتمثّل "بتفويض رأس النظام بعض سلطاته لحكومة انتقالية بشكلٍ يتم الاتفاق عليه، في التفاوض بين المعارضة والنظام، على نحو تكفله ضماناتٌ دوليةٌ وإقليمية ومحلية، وأنه سيكون هناك وقف لإطلاق النار، ودخول مساعدات وإغاثة إنسانية، ويسود جو يسمح بالنشاط السياسي السلمي الذي يفضي إلى اعتماد دستورٍ جديد، وتنظيم انتخابات حرّة نزيهة في ظلّ وجود مراقبة دولية"، لكنه يعتبر ذلك أشبه بحلم، على الرغم من أنه يؤكد أن الأمم المتحدة قادرة على تحقيق هذا الحلم.

لا يطيح ما يعتقده دي ميستورا حلماً فقط بالرؤية التي صاغتها المعارضة السورية أخيراً، بل يطيح حتى بالمبادئ الأممية التي تم التعبير عنها في بيان جنيف1 (2012)، وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وخصوصاً القرار 2254 (2015)، ولا سيما ما يتعلق بتشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، بغض النظر عن بقاء الأسد أو عدمه في المرحلة الانتقالية. جاء دي ميستورا، في كلمته المذكورة، بتوضيحاتٍ جديدة للمرحلة الانتقالية على مقاس النظام، أو تتناسب مع أهوائه، تماماً، فقد أغفل مصطلح نقل السلطات أو أزاحه، ليضع بدلاً عنه مصطلح تفويض السلطات، أي أن المرحلة الانتقالية بأكملها لم تعد عنده تعني تسليم السلطات من النظام إلى الحكومة الانتقالية التي ستنشأ بالتوافق بين النظام والمعارضة. الأهم أن دي ميستورا ربط ذلك كله بالتوافق، أي برضى الطرفين، والمعنى الأصح برضى النظام، محاولاً تصوير طروحاته بأنها حلم يستحيل تحقيقه، إلا إذا تضافرت الجهود الدولية لتحقيق ما يعتبره حلماً، علماً أن كل ماجاء به كان ورد فعليا في الأطروحات التي تقدم بها النظام، ومنها ما طرحه رئيس النظام، بشار الأسد، في السادس من يناير/ كانون الثاني 2013. وهذا ما يجعل حلمه فعلياً بمثابة كابوسٍ لكل ضحايا الصراع السوريين، منذ ذلك الوقت وحتى لحظة وصولنا إلى الإمساك بحلم دي ميستورا.

"المجتمع الدولي الذي يتحدّث أنه لا حلول عسكرية للصراع لم يستطع، حتى اللحظة، إلا الإمعان في عسكرة الواقع السوري، وتحويل سورية إلى ساحة صراع دولية"

لا مجال هنا، مع كل هذه الكارثة التي أحدقت بالسوريين، للمزايدة، واستعراض الذكاء السياسي، والدخول في مفاوضاتٍ قبل الوصول إلى طاولتها، وتسويق مشروعه على أنه بمثابة "انتزاع لقمة من فم الأسد"، إذ غيّبت الملاحظات المذكورة تماماً رؤية المعارضة للحل السياسي، على الرغم من أنها، أي الأخيرة، لم تطرح شيئا صعباً أو خارقاً، حيث وافقت على بيان جنيف1 وقرارات مجلس الأمن، وتنازلت من هدف إسقاط النظام إلى هدف رحيله، مع القبول بمبدأ تشكيل هيئة حكم انتقالي، بالشراكة مع أطراف من النظام الذين لم تتلوّث أيديهم بالدماء.

المضحك المبكي في هذا الأمر أن المجتمع الدولي الذي يتحدّث أنه لا حلول عسكرية للصراع لم يستطع، حتى اللحظة، إلا الإمعان في عسكرة الواقع السوري، وتحويل سورية إلى ساحة صراع دولية، وصندوق بريد بينهم، إذ لا يغيب عنا أبداً أن الخلاف الأميركي التركي، والذي يحضر اليوم بقوة في معركة حلب الدموية. كما أنه لا يمكن تجاهل أن الصمت الأميركي على خرق الهدنة، من الطرف الذي أعلنت معه اتفاقاً في 9 سبتمبر/ أيلول الجاري، وهو روسيا، في حقيقته، شبه موافقة على تغيير خريطة تموضع القوى المتصارعة، وفي آن معاً رسالة إلى شريك روسيا الجديد، وهو تركيا، ومجاملة لحليف محتمل في المنطقة، هو إيران التي صرح رئيس حكومتها علناً، ومن نيويورك، رفضه الحظر الجوي للطيران الروسي والسوري، رداً على مجرد تصريح لوزير الخارجية الأميركي؛ جون كيري، كأنه الوصي على سورية، والناطق باسم روسيا.

على ذلك، لا يمكن تحقيق الحل السياسي المنشود على بحر من الدم، ولم نر حتى اليوم أن المجتمع الدولي سعى إلى فرض رؤيته، لا بالوسائل الناعمة، ولا بوسائل الضغط التي تكفل فرض هذا الحل السياسي.

ويذكّر شبه حلم دي ميستورا السوريين بحلم لمحافظ حمص السابق، إياد غزال، وهو أحد أعمدة النظام، حيث استفاق أهل حمص على مصادرة أملاكهم وتشريدهم من بيوتهم، ومنذ ذلك الوقت والسوريون يعيشون بكوابيس القهر والاستبداد الذي نخشى أن تأتي خطة دي ميستورا لاستدامتها وشرعنتها دولياً. والقصد من ذلك كله أن كلام الأخير ينم عن فضيحة أخلاقية وسياسية، هي نفسها التي كشفت المجتمع الدولي، ولا سيما ما يسمى دول "أصدقاء الشعب السوري"، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية. كل المطلوب من المجتمع الدولي فرض الحل السياسي على النظام وفق بيان جنيف1 ووقف القصف والتشريد القسري، وفتح المجال أمام المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة وإطلاق سراح المعتقلين.

ليس هذا حلماً يا دي ميستورا، ولا أظن أن ما قرّره المجتمع الدولي حلم، بل إنها بمثابة حلول واقعية، كما أن وثيقة المعارضة السورية، على الرغم مما عليها من ملاحظات، تتجاوب مع الحل الدولي، وتتماهى به، وهي أقل ما يمكن تقديمه لإخراج السوريين من هذه المِحنة، لكن هذا يستلزم حسماً واستقامةً ونزاهةً منك ومن المجتمع الدولي، إذ إن التهاون بحق السوريين هو ما جعل الطيران الروسي يتجرأ على الأمم المتحدة، ويقصف قافلة المساعدات الإنسانية.

نعم، لا حل عسكري للصراع الجاري، لكن الحل السياسي يحتاج من يفرضه، لكن ليس بالأحلام، وإنما بوسائل الضغط المناسبة.

========================

بؤس العالم العربي وغيابه في معركة المصير السوري .. برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 26/9/2016

لم يعد يخفى على أحدٍ أن الحرب التي تدور رحاها في سورية منذ ست سنوات تحوّلت، من صراع داخل سورية على تغيير قواعد الحكم ونظام السيطرة السياسية إلى حربٍ على سورية لتقرير مصير الهيمنة الإقليمية، وأن السمة الأبرز لهذه الحرب هو الغياب الكبير للعالم العربي، وأن المستهدف الأول في هذا الصراع المتعدّد الأطراف والأبعاد هو المكانة الاستراتيجية والسياسية والثقافية والدينية التي احتلها العرب، في ما يمكن أن نسميه، تجاوزاً، شبه النظام الإقليمي الذي ولد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن وراء ذلك استقرار المنطقة العربية وأمنها ومواقعها الدولية وتحالفاتها العالمية. ومنذ الآن، لا يكاد المرء يرى على هذه الأرض السورية التي كانت قلب العروبة النابض، عن حق أكثر من قرن، سوى آثار الاحتلالات الأجنبية والمليشيات الدولية والإقليمية، تزرع الموت والدمار، بينما لا يكف دور العرب فيها على التراجع، على الرغم من أن الدول العربية التي انخرطت فيها مستمرة في تقديم الدعم والتضحيات الكبيرة منذ سنوات.

كيف يمكن أن نفهم هذا المآل الحزين للدور العربي؟ وهل هناك بصيص أمل في أن يستنهض العرب للمشاركة في تقرير مصائرهم الوطنية والجماعية؟ هذا ما يسعى هذا المقال إلى إثارته، وتقديم بعض عناصر الإجابة عنه.

"لا يكاد المرء يرى على هذه الأرض السورية التي كانت قلب العروبة النابض، عن حق أكثر من قرن، سوى آثار الاحتلالات الأجنبية والمليشيات الدولية والإقليمية، تزرع الموت والدمار، بينما لا يكفّ دور العرب فيها على التراجع"

 

إفلاس العالم العربي

ارتكز الموقع المتميز والمهيمن الذي احتله العالم العربي في العقود السابقة الطويلة، والمستهدف اليوم من الدول الإقليمية، وربما العالمية، بعد أكثر من 70عاماً على ولادة جامعة الدول العربية، على عدة عناصر قوة: الأول نهاية الإمبرطورية العثمانية التي كانت القوة الرئيسية المسيطرة في المنطقة خمسة قرون متتالية، وانسحاب تركيا الكمالية من المنطقة، وتوجهها نحو الغرب، وبالتالي، نشوء فراغ جيواستراتيجي لم يكن أحد يستطيع ملأه في المنطقة سوى العرب، وهذا ما دفع الغرب إلى التعاون لإنشاء جامعة الدول العربية التي ضمت 22 دولة، وهي المنظمة الإقليمية الوحيدة فيها. والثاني الوزن الديمغرافي الطاغي للناطقين بالعربية في الإقليم، والثالث مركزية الثقافة العربية في تاريخ شعوب المنطقة، لما لها من وشائج وقرابة مع الإسلام ونصوصه وتاريخه، والرابع الدور الطليعي الذي لعبته الشعوب العربية في الصراع ضد الهيمنة الاستعمارية خلال القرن العشرين بأكمله، والذي استمر، في ما بعد، في شكل مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ومقاومة سياساته العدوانية والاستيطانية، والخامس الثروة النفطية التي حولت بلدان الخليج إلى أكبر مورّد لتصدير الطاقة في العالم، ودفع إلى شمولها بنوعٍ من الحماية الغربية، والأميركية بشكل خاص، ما جعلها في منأى عن المطامع الإقليمية الأخرى.

واضح لأي مراقب أن هذه العناصر لم تعد موجودة اليوم، أو أن أثرها ضعُف إلى حد كبير، بل أصبح بعضها عبئاً على العرب، بدل أن يكون رصيداً لهم في صراعهم للاحتفاظ بمكانتهم ودورهم الإقليمي ومصالح شعوبهم، فقد أدى فشلهم في تطوير جامعة الدول العربية، لتكون إطارا حقيقيا للتعاون الاقتصادي والعلمي والتقني، ومن ثم قوة قائدة في السياسات الإقليمية، إلى إحداث فراغٍ جيوستراتيجي كبير دفع إلى صعود قوى إقليمية جديدة، عازمة على لعب دور رئيسي، بل على فرض أجندتها على العرب أنفسهم، وإلحاقهم بمشروعها، سواء كان مشروعاً امبرطورياً عسكرياً شبه استعماري في طهران، أو مشروعاً رأسماليا توسعياً واقتصادياً في أنقرة. بل إن التنازع بين هاتين القوتين على إلحاق العالم العربي بمشروعهما هو أحد أهم دوافع الحرب المستمرة منذ سنوات. ومن أجله تستخدم طهران كل أسلحتها العسكرية والسياسية والمذهبية، كما تستخدم تركيا كل مغريات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتفتح صدرها للعرب الذين تحولوا اليوم إلى أكبر سوقٍ مفتوحةٍ لأي قوة إقليمية اقتصادية صاعدة. أما الكتلة البشرية الكبرى التي يمثلها العرب، فقد تحوّلت، بسبب فشل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلى عبء ثقيل تنوء بحمله الدول، بدل أن تمثل بالنسبة لها أكبر موردٍ لتعزيز مكانتها الإقليمية، وتمكينها من فرض الاحترام لحقوق شعوبها وإرادتها ومصالحها العليا. وكما نجحت أنقرة - اسطنبول في استقطاب آمال ملايين العرب من أبناء الطبقة الوسطى ورجال الأعمال الذين يتطلعون إلى التعاون مع تركيا، للخروج من الركود الاقتصادي وتحقيق مزيدٍ من التنمية والأرباح لمشاريعهم واستثماراتهم، نجحت طهران في استقطاب قطاعاتٍ واسعةٍ من الرأي العام العربي التي لاتزال تستبطن مشاعر العداء للسياسات الاستعمارية الغربية، وترفض التسليم بسياسة فرض الأمر الواقع الإسرائيلي، وذلك بمقدار ما يبدي المسؤولون العرب قبولاً بالأمر الواقع، وتراجعاً ملحوظاً في الاستثمار في قضية فلسطين. وبانتزاعها إيران من محور التحالف الغربي الإسرائيلي الاستعماري، أدخلت الثورة الإيرانية الإسلامية لعام 1979 طهران في صميم الفضاء الجيوستراتيجي المشرقي، وفتحت لها على مصراعيها أبواب النفوذ والتدخل في شؤون العالم العربي، إن لم تمكّنها من مصادرة ورقة تمثيل الإسلام، وانتزاعها من يد العرب حماته التاريخيين، ومن استقطاب تعاطف مسلمين كثيرين في مواجهة نزعة العداء المتنامية في العالم ضد الإسلام والمسلمين، بما في ذلك داخل البلاد العربية نفسها. أما المركز المتفوق الذي كان يتمتع به العرب في سوق صادرات النفط، فلم يعد مصدراً لمزيدٍ من الحرص على الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة العربية، وإنما أصبح، بالعكس، سبباً في إسالة لعاب عدد متزايد من الدول الصناعية، بعد أن زال اهتمام الولايات المتحدة به، والاعتماد الكبير عليه.

 

هل يمكن إنقاذ الرهان العربي في سورية؟

هكذا، فقد العالم العربي، في أقل من نصف قرن، الجزء الأكبر من رصيده الحضاري والتاريخي. فبدل أن يعمل على تثمير موارده البشرية والاقتصادية والثقافية الهائلة الموروثة، ليكون فاعلاً قوياً في إقليمه والعالم، كما يليق بكتلةٍ تضم بضع مئات ملايين إنسان، قدم موارده ومصادر قوته جميعا هدية مجانية للآخرين: الجيوسياسية والديمغرافية والاقتصادية والثقافية والدينية. حتى أصبحت الدول الإقليمية تدّعي ملكيتها وتستخدمها لصالحها، تماماً كما تستخدم شباب العرب مرتزقةً تنظمهم في مليشيات وحشود شعبية وقبلية ومذهبية، لتحقيق أهدافها على حسابه. واكتفت نخبه الحاكمة والسائدة بهدر ما وقع في يدها منها، والاشتغال بمراكمة الثروات الشخصية، أو بالبحث عن آليات تعظيمها، حتى كادت السياسة تتحوّل إلى علم التفنن في تنمية الفساد ونهب المال العام، ومع انحسار معدلات التنمية في أقطار عديدة، في مقاسمة الشعوب لقمتها وحرمانها من الحد الأدنى من شروط البقاء.

"بدل أن يعمل العالم العربي على تثمير موارده البشرية والاقتصادية والثقافية الهائلة الموروثة، ليكون فاعلاً قوياً في إقليمه والعالم، كما يليق بكتلةٍ تضم بضع مئات ملايين إنسان، قدم موارده ومصادر قوته جميعا هدية مجانية للآخرين"

وبمقدار ما خسر العالم العربي معركة التعاون الإقليمي من داخل جامعة الدول العربية وخارجها، وفي إثرها معركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأخفق في إيجاد حل للمسألة الاستعمارية - الإسرائيلية، وتخلى أو أجبر على التخلي عن القضية الفلسطينية، وظهر خواؤه من أي مشروع اقتصادي أو سياسي أو ثقافي محفز لأجياله الشابة ومعبئ لها، ظهر ضعفه وهشاشة بنياته، وفقد وزنه في موازين القوة الإقليمية والدولية. وبموازاة تنامي حجم المشكلات والإحباطات والحسابات المعلقة في بلدانه، لم يلبث العالم العربي أن تحول بؤرة ملتهبة من التوترات والنزاعات والصراعات المتقاطعة، وفي مقدمها الصراع على السلطة. وانشغلت نخبه، ولا تزال، بجمع ثرواتها وتحرير نفسها من أي مسؤولياتٍ أو التزاماتٍ، ضاربة عرض الحائط كل ما يجري من حولها. وها هو يكتشف اليوم تهافت بنيانه في مواجهة قوى إقليميةٍ صاعدة، عرفت كيف تستفيد من العقود الماضية، لتفرض نفسها على النظام الدولي، وتتعامل معه بندية، وتطمح إلى إلحاق العالم العربي، أو أجزاء أساسية منه، بمشروعاتها والتلاعب بتناقضاته، وربما تحطيمه وحدة ثقافية.

حاولت ثورات الربيع العربي أن ترد على هذا الوضع، لوقف التدهور واستئناف دورة التقدم التاريخي، لكن موجاتها الأولى تحطمت على جدار تحالف القوى المضادة الداخلية والعربية والإقليمية والدولية. وأدى تكسّرها هذا إلى تهاوي الأوضاع العربية، وتفاقم سقوط وزن العرب في موازين القوة الإقليمية والدولية. وهكذا، يجد العالم العربي نفسه اليوم محيداً وغائباً عن نفسه ومصالحه، في أكبر معركةٍ يتقرّر فيها مصيره. بل يبدو لي أن العالم العربي صار، اليوم، بعد انفجاره الأخير، أقلّ من أي فترةٍ سابقة، حقيقة واقعة. فلم يعد يمثل كياناً متماسكاً ومتضامناً يتمتع بالحد الأدنى من التفاعل والتعاون والتنسيق الضروري للقيام بأي عمل هادف ومتسق. وربما كان وضع جامعة الدول العربية التي تحولت إلى علبة بريدٍ، لتوجيه رسائل إلى لا مكان هو أفضل تعبير أو تجسيد لحقيقة هذا الوجود الهلامي الهش. هناك نخب عربية، لكل منها قيادتها وتوجهاتها وخياراتها. لكن، بالتأكيد ليس هناك اليوم للأسف عالم عربي.

لا يعني هذا بالتاكيد أنه لن يكون هناك عالم عربي في القريب أو المستقبل، أو أن حقيقة الوجود العربي، كهوية وثقافة وديناميكية سياسية وحضارية، سوف تغيب عن الوجود، لكنه يعني أن هذه الحقيقة وتلك الهوية والثقافة والديناميكية لن تظهر قبل أن يشفى من مرضه، ويتجاوز الأزمة الوجودية التي تعصف به، والتي تجعل من حكوماته ودوله جداراً يحول دون تحقيق مطامح شعوبه وتطلعاتها وهويتها ووجودها. وعندما نفكّر بالدول العربية، كل على حدة، نكاد لا نعثر على نقطة مضيئة واحدة، نرتكز عليها أو يمكن ان نراهن عليها، من أجل تفعيل آليات التضامن والتعاون بينها، ودفعها إلى الخروج من حالة الفريسة المستسلمة لمصيرها، بانتظار ما يقرّره لها الآخرون. وباستثناء الأقطار الخليجية القليلة المنخرطة في الحرب السورية والإقليمية عامة، لا يكاد يصدر عن معظم بلدان هذا العالم العربي أي حركةٍ تشير إلى إدراكها أهمية العمل المشترك، وتنسيق الجهود والسياسات، بل إلى اهتمامها الجدّي بما يجري. وحتى جامعة الدول العربية التي حاولت أن تلعب دوراً نشطا في بداية الثورة السورية تبدو الآن وقد قبلت تهميشها وسلمت، كما فعلت معظم الدول الأعضاء فيها، قرارها للدول الأجنبية.

هكذا يبدو العالم العربي الذي يشكل أكبر كتلة بشرية في ما اعترف على تسميته الشرق الأوسط، فاقداً أي دور في المعركة الدولية الكبرى التي تجري على أراضيه، من أجل إعادة ترتيب التوازنات وتوزيع المصالح، وربما تغيير الخرائط الجيوسياسية، وصوغ الأجندة السياسية للمنطقة المشرقية لأجيال عديدة قادمة. ويجد العرب أنفسهم أكثر فأكثر اليوم مجبرين على القبول بالمشاركة في معارك مفروضة عليهم في إقليمهم، والانصياع لقراراتٍ لا تخدم مصالح دولهم وشعوبهم، والتنازل عن دورهم والكثير من حقوقهم.

ومع ذلك، لم تنته معركة تحرير العالم العربي وإعاده بنائه، بل هي، بالكاد، قد بدأت. لكن، إذا كان لا يزال هناك أمل في كسبها، فهو معقودٌ على الشعوب والرأي العام، وبشكل خاص على جيل الشباب الذي حرم من ماضيه، وهو مهدّد بالحرمان من مستقبله أيضا. أما الدول والنخب الحاكمة فأغلبيتها تتخبط اليوم، ولزمن طويل، في أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية المتفاقمة، بينما هي مضطرّة للزج بنفسها، من دون حمايةٍ ولا شراكةٍ ولا حليف، في جحيم المواجهات الضارية، للدفاع عن وجودها، وحيدةً، من دون حمايةٍ ولا صداقة ولا حلفاء.

========================

حرب الفتاوى.. والشام بين بلابلها وطيور أفغانستان .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاثنين 26/9/2016

أحرام على بلابله الدوح

حلال للطير من كل جنس

لا أصدَق من بيت الشعر هذا على ما يجري بحلب هذه الأيام وفي الشام بشكل عام، فعلى مدى عقود لم تجد فيما عُرف بالسلفية الجهادية غضاضة في التعاون أو في الصمت على الأقل تجاه تحالفات بينها أو بين من بايعتهم على الجهاد وقاتلت في صفوفهم وبين الأميركيين وحلفائهم من باكستانيين وخليجيين تجلى ذلك إبان فترة الجهاد الأفغاني، وحتى مع غياب المجاهدين الأفغان عن الساحة، وتسيّد حركة طالبان أفغانستان المشهدين السياسي والعسكري، كانت باكستان أشد حلفاء الحركة وثوقاً، وتذهب كل الروايات والشهود العيان والذين كنت من بينهم إلى أن باكستان كانت من أكبر الدافعين لتأسيس حركة طالبان ودعمها ضد خصومها، حتى دعاهم وزير الداخلية نصير الله بابر آنذاك دون أي اعتراض من الحركة «إنهم أبنائي وأولادي»، وحين وصلت حركة طالبان إلى السلطة في كابل 1996 اعترفت بها دول مثل السعودية وباكستان والإمارات وبنجلاديش، وظلت الحركة تتعامل مع باكستان على الأقل كحليف حقيقي لم تهتز الثقة به، ولم تعلن رأياً مغايراً حتى مع انضمام الأخيرة للحلف الأميركي ضدها والذي أدى لخلعها عن السلطة 2001، بل وتسليم سفيرها عبدالسلام ضعيف إلى الأميركيين ليقضي سنوات من عمره في معتقل جوانتانامو.

لم تصدر عن مؤسس وزعيم حركة طالبان أفغانستان الراحل الملا محمد عمر كلمة واحدة معادية لباكستان، ربما ليس حباً بها بقدر ما هي الظروف الدولية والإقليمية الضاغطة، وبالمقابل لم يتبرع شيوخ وعلماء أفغانستان وباكستان الموالين لحركة طالبان بأي فتوى معادية لباكستان ومحذرة منها أو من التعاون والتنسيق معها، بله من التنسيق معها وتحالفها مع الأميركيين، ورأينا كيف أن الفتاوى السياسية غابت تماماً عن الساحة الأفغانية، كون تنقيح مناطها معقد جداً، فالواقع السياسي أشبه ما يكون برمال متحركة لا تثبت؛ ولذا فالمصلحة السياسية يحددها على الأرض والواقع المجاهدون والثوار الصادقون، ما دام العلماء والمشايخ لا قِبل لهم بتحديد المصلحة حقيقة وواقعاً على الأرض.

الكل يعلم كيف لجأت القاعدة وقادتها وبعض شبابها إلى إيران التي تظل أكبر معادٍ للثورات العربية وحتى معادية لمشروع القاعدة المعلن في أفغانستان والعراق، رغم التسهيلات الإيرانية لها بالعبور إلى تينك البلدين وما بعدهما، ومع هذا لم نسمع عن فتوى واحدة تتحدث عن حرمة هذا التعاون، لأن القاعدة رأت مصلحتها فيه، وحين فوجئ الجميع بعودة زعيم حركة طالبان أفغانستان الملا أختر منصور من إيران فاصطادته طائرات بلا طيار الأميركية على الأراضي الباكستانية، لم نسمع فتوى واحدة تتحدث عن حرمة هذا التعاون وهذا التنسيق.

هذه المقدمة قد تكون طويلة لنفهم ما يجري من حرب فتاوى في الشام بينما الأرض تُقضم يومياً كما قضمت في القصير وحمص ومضايا وداريا والزبداني والآن المعضمية وحلب، وسيأتي اليوم إن استمر البعض في جدله البيزنطي هذا، بأن لن يجد فيه أرضاً يفتي بحرمة أو جواز الدفاع عنها مع الأتراك وغيرهم، ولذا فعلى الثوار أولاً أن يُحيّدوا حرب الفتاوى الشرعية، فالقضية أولاً وأخيراً مصلحة راجحة وهذا يحدد من قِبل السياسي أكثر من الشرعي، وعلى الشرعي أن يربأ بنفسه أن يكون بأيدي فصيل ضد آخر.

المشاريع في الشام متناقضة ومعقدة، ومتشابكة ويدخل فيها البعد التاريخي والمذهبي، ومغرقة أحياناً بالمحلية وكله بحاجة إلى فهم حصيف لتوظيفه بما يخدم المشروع الثوري، ومن يظن أن المشروع التركي في جرابلس وغيره مشروع أميركي تماماً، لا يفهم ألف باء السياسة وجاهل بالواقع، وهو ما يؤدي إلى خلل في الفتوى الشرعية، يترتب عليه تنفير الناس من دين الله أولاً، فالشرع إنما قام من أجل جلب المصالح ودفع المفاسد، ومبني تحديداً على فهم الواقع، وهل يستطيع من يفتي بحرمة الاستعانة بالأتراك لأن لديهم مشروعهم القومي أن يقول لنا إن معارضتهم سيفشل أم يُنجح المشروع الروسي والأميركي والإيراني، قد نتقاطع مع مشروع هنا ومشروع هناك والحصيف من قاس وأصاب بهذا التقاطع، وإلا فمشروع محلي سيتمزق أمام مشاريع ومكر الليل والنهار إن لم يقاطع نفسه مع غيره، فليس الحكيم من يعرف الخير من الشر، وإنما من يعرف خير الخيرين وشر الشرين.;

========================

هل وضعوا خريطة سوريا الجديدة قبل الثورة؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 24/9/2016

ما نراه الآن في سوريا من إعادة توزيع وتطهير ديمغرافي لم يعد بحاجة إلى أي براهين بعد أن راح الجميع، وعلى رأسهم النظام وحلفاؤه يقطّعون سوريا ويعيدون تركيب خارطتها البشرية بسكين حاد جداً، وعلى مرأى ومسمع الجميع، لا بل إن الأمم المتحدة تبصم بحافرها على الخرائط الجديدة كما شاهدنا في داريا، حيث أشرفت شخصياً بباصاتها الخضراء على تهجير سكان داريا الأصليين إلى شمال سوريا رغم أنهم عاشوا في داريا لمئات السنين.

هل كانت الثورة السورية ثورة شعب فعلاً، أم «ثورة» كانت تقف وراءها جهات خارجية عدة، وكانت تريد من خلالها إعادة تشكيل سوريا بشرياً. وربما لم ينتبه النظام السوري للأمر في البداية، لكنه عندما أدرك الملعوب الخارجي، قال لنفسه: بما أن الجميع يريد العبث بالتركيبة السورية، فلماذا لا أدخل أنا اللعبة وأخذ حصتي من الكعكة. وقد لاحظنا أنه ما أن أدرك النظام وحلفاؤه الإيرانيون أن اللعبة انطلقت حتى راحوا يمارسون لعبة الهندسة البشرية في سوريا على أكمل وجه. لاحظوا كيف تم حرق السجلات المدنية وتهجير سكان حمص من المسلمين السنة وعددهم أكثر من مليون، ولم يُسمح لهم بالعودة إليها. لاحظوا كيف اندفع حزب الله وداعموه الإيرانيون إلى السيطرة على مدينة القصير في محافظة حمص، وطردوا أهلها قبل سنوات كي يؤمنوا مناطق حزب الله في لبنان ويدمجوها بالمناطق السورية.

لقد ظن البعض قبل ثلاث سنوات أو أكثر أنها مجرد خطوة لاستعادة بعض المناطق من المعارضة في معارك الكر والفر، لكن الأيام أثبتت أنها خطة محكمة تقع ضمن مخطط إعادة تشكيل الخارطة السورية ديمغرافياً. وحينما نرى حزب الله الآن يطهّر منطقة الزبداني ومضايا الحدودية من سكانها، ويدمر عشرات الألوف من الأشجار ليحفر الأنفاق، ويحول المنطقة إلى منطقة عسكرية نتذكر كيف قام بتطهير القصير قبل سنوات. الرابط واضح بين ما فعله بالقصير وما يفعله الآن بالزبداني. ولا ننسى منطقة تدمر المهمة التي لم تأخذ نصيبها من الدعاية الإعلامية المطلوبة، فقد تم تهجير سكانها لأنها تقع على الطريق الذي يصل إيران عبر العراق إلى حمص إلى لبنان حيث معاقل حزب الله.

لكن لعبة التغيير الديمغرافي في سوريا لا تقتصر فقط على النظام وحلفائه، بل إن أطرافاً كثيرة دخلت عليها منذ زمن، وكانت تخطط لها منذ بداية الثورة، فالأكراد بدعم أمريكي وغربي بدأوا يطهّرون المناطق العربية التي يريدون السيطرة عليها في الشمال منذ سنوات، وربما بتنسيق مع النظام. وعندما نرى القواعد الجوية الأمريكية الجديدة في منطقة رميلان تصبح لعبة التمزيق الديمغرافي أكثر وضوحاً.

هل يا ترى ستكون عملية «درع الفرات» التركية مجرد عملية عسكرية خاطفة لتطهير الحدود التركية السورية من خطر داعش والأكراد، أم إن لها ما بعدها؟ ألم يتعهد نائب رئيس الوزراء التركي بإعادة إعمار المناطق السورية المحررة في الشمال؟ ماذا يعني ذلك؟

ولا ننسى الدور الإسرائيلي في الجنوب، حيث لن تسمح تل أبيب لإيران بالاقتراب من جنوب سوريا، ولهذا فمن المتوقع أن تقتطع حصتها من الجغرافيا السورية.

ما نراه الآن من مخططات بدأت تتضح. ألا يجعلنا ذلك نعيد التفكير بكل شيء؟ عمليات التهجير القسري والتغيير الديمغرافي والاجتياح الإيراني لسوريا وتقاسم مناطق النفوذ بين الأمريكيين والروس، ودخول قوى كثيرة إلى الأرض السورية بالتنسيق مع النظام وغيره ألا تدفعنا إلى التفكير بأنها كانت حركة ملعوبة منذ بدايات الثورة لعبتها قوى خارجية ثم لحق بها النظام وحلفاؤه، فراح ينفذ ما هو مطلوب منه دولياً في سوريا على صعيد التدمير والتهجير وإعادة رسم الخرائط؟ هل كان تدمير حمص وتهجير شعبها المرحلة الثانية من مشروع «حلم حمص» الذي كان قد بدأه المحافظ السابق إياد غزال؟ اليوم يتحدث النظام عن بناء مجمعات كبرى في حي الوعر الذي يعمل الآن على تهجير سكانه الباقين. هل وضع النظام وشركات دولية مخططات تنظيمية للكثير من المناطق التي دمروها وشردوا سكانها، حتى قبل أن تنتهي عملية التهجير القسري. بعبارة أخرى، هل كانوا يخططون لهذه المشاريع منذ زمن طويل، وربما قبل الثورة؟ لاحظوا أن الطيران السوري مثلاً كان يقصف مناطق معينة في مدينة قدسيا بدمشق، ويدمرها تماماً، ويتجنب مناطق أخرى، وكأنه يقول لنا: إن المناطق التي ندمرها مطلوب إعادة بنائها بشكل مختلف حسب المخطط التنظيمي الجديد لسوريا الذي وضعناه ربما قبل الثورة. لاحظوا كيف بدأت إيران تعيد إعمار داريا بعد تهجير سكانها. ولا ننسى مشاريعها في منطقة المزة بدمشق.

إن تعقيدات الوضع السوري وتشابكه تدعونا أن نخرج من قوالب التفكير التقليدية، ولا مانع إن بدأنا نفكر بأن ما يحصل في سوريا الآن أشبه بمخطط تنظيمي جديد للبلاد وقوده تهجير ملايين البشر وتدمير ملايين البيوت وإزالة مدن عن الخارطة بمباركة كل الأطراف باستثناء الشعب السوري.

٭ كاتب وإعلامي سوري

========================

سوريا ليست مهمة لنا .. ميشيل كيلو

البيان

السبت 24/9/2016

في الحديث الشهير الذي أدلى الرئيس باراك أوباما به قبل قرابة شهرين إلى الصحافي الأميركي جولدبرغ، وعبّر من خلاله عن الرؤية الفكرية التي حددت خياراته وأملت عليه قراراته ومواقفه، وردت جملة تقول بصيغة تساؤلية: ما هي أهمية سوريا بالنسبة لأميركا، تلاها رد أوبامي واضح وصادم، يقول حرفياً: سوريا ليست مهمة لنا.

في فهمه للصراع السوري ولآلياته، يقول أوباما مهنئاً نفسه على قراراته الحكيمة: إن خلف هذا الصراع، الذي له مظهر سياسي، حسابات وصراعات قبلية ومذهبية يصعب على أي أجنبي التدخل فيها، بسبب ما يشوبها من غموض ويكمن فيها من اعتبارات مغرقة في المحلية وذات أبعاد تاريخية يصعب على من يتدخل فيها الخروج منها بسلام، كما حدث بعد تدخلنا في العراق.

هكذا إذاً، لا حرية ولا شعوب ولا ظلم ولا استبداد، بل صراعات وحروب ظاهرها سياسي وحديث وجوهرها ما قبل مجتمعي /‏ ما قبل تاريخي، فما الذي يمكن أن يغري أميركا: بلد الحداثة والتقدم، المنتمي إلى الزمن ما بعد الحداثي، بحشر أنفه فيها وخوض معاركها، التي لا تعنيه أصلاً ولا يمكنه التأثير في مجرياتها؟

سأتجاوز اللغة التحقيرية والأفكار الخاطئة، التي يرى أوباما من خلالها وقائع منطقة لطالما ادعى هو وفريقه أنها دخلت بفضل الربيع العربي المرحلة الرابعة من الثورة الديمقراطية الكونية، التي بدأت في الغرب، ثم اجتاحت البلدان الاشتراكية، قبل انتقالها إلى أميركا اللاتينية ووصولها أخيراً إلى العالم العربي.

صحيح أن أوباما ناقض نفسه، بعد الثورات الديمقراطية، عندما راهن على جماعة الإخوان المسلمين ورأى فيهم ممثلين طبيعيين لهذه الثورات يمثلون النزوع الديمقراطي للشعوب العربية، متجاهلاً ما يستندون إليه من أسس أيديولوجية مغايرة في جوانب عدة للنظام الديمقراطي.

حين فشلت تجربة الإخوان في مصر، وقبلت بالمشاركة السياسية في تونس، اعتقد أوباما أن ما حدث كان تعبيراً عن إخفاق المجتمع العربي في بلوغ الديمقراطية، ولم يرجع أسباب الإخفاق إلى سياسات خاطئة تبنوها في مصر.

بل أعادها إلى بنية عربية غير مجتمعية، نافية للحداثة والديمقراطية، من غير الجائز أن تساندها أميركا، لأن نتيجتها الوحيدة، التي يمكن أن تترتب عليها، ستكون نزاعات قبلية ومذهبية عصية على الضبط والتحكم، كان من نباهته أن تغافل عنها، وحال دون احتراق مواطنيه بنيرانها!

أين تتجسد هذه الهوية ما قبل المجتمعية، المفعمة بالعنف والغموض والمذهبية؟

يبدو أنها تتجسد في الثورة السورية، التي أيدها أوباما بقوة أول الأمر، ثم اكتشف أنها لا تستحق التأييد، لأن سوريا غير مهمة لأميركا، وحقق اكتشافه بعد أن استغل دماء السوريين كي يصفي حساباته مع إيران والنظام، وينتزع البرنامج النووي من الأولى والسلاح الكيميائي من الثاني.

عندئذ فقدت الثورة السورية هويتها كثورة مجتمعية وشعبية مطالبة بالحرية والقيم التي يقوم عليها العالم الحديث، وتحولت إلى شأن لا يعني أميركا، لا ضير عليها إن تخلت عنه وتركته لإيران ومرتزقتها، ولروسيا وشبيحة الأسد، وتفرجت بدم بارد على هؤلاء وهم يفتكون بأطفال السوريين ونسائهم وشيوخهم، وتجاهلت ما يستخدم ضدهم من أسلحة وذخائر تجرب لأول مرة على الآدميين، ولكن بصفتهم «حيوانات تجارب» لا يجوز أن ينفعل لموتها أحد، أو يذكر بها.

ليست سوريا مهمة لأميركا... يبدو أن أوباما نسي تصريحاته اليومية الداعمة لرحيل الأسد، وكان قصده الحقيقي والمضمر منها تسعير الصراع وتصعيده وإيصال السوريين إلى ما بلغوه اليوم من ترحيل وتهجير وتقتيل وتعذيب وإفقار وحصار وتجويع وإبادة.

 لنفترض أن هذا لم يكن هدف الرئيس الأميركي، ألم يكن من الإنسانية أن يتحدث بشيء من التعاطف مع ضحايا العنف الأعمى، وأن يعتبرهم بشراً ماتوا من أجل حريتهم، من التجني اعتبار معركتهم قبلية ومذهبية، مساندتهم خطأ وموتهم فعل من أفعال البر والتقوى، أنجزه نظام لم يدنه ولو بكلمة واحدة منه خلال حديثه الطويل.

========================

موقفنا : عام على الاحتلال الروسي لسورية .. (1) الكنيسة الأرثوذكسية حربنا في سورية مقدسة .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

28-9-2016

قبل أن يرسل بوتين ، رجل الاستخبارات الصغير في الأجهزة السوفيتية الشيوعية الماركسية معلنة الإلحاد وحاميته ، قواته لقتل السوريين على أرضهم وتدمير ديارهم في 29 / 9 / 2016 ؛ ذهب إلى الكنيسة الأرثوذكسية ليستمد من بطريركها ( كبريلوس ) البركة والعون والتأييد .

ولم يخيب ( البطريرك ) الأرثوذكسي ، الذي يزعمون أنه يرعى 120 مليون مسيحي حول العالم ، ظن المخبر الملحد الصغير بوتين ، فسارع إلى تطمين المسيحيين الأرثوذكس من رعيته ، ويهدد من يتصورهم أعداءهم وخصومهم بالقول : (بلادنا تقود حربا مقدسة في سورية ). ومعنى الحرب المقدسة هنا ، هي أن حرب بوتين في سورية هي حرب دينية أو بنكهة دينية ، حيث يستأنف بوتين المتطلع إلى دور القيصر ، ثمانية عشر معركة كبرى خاضها القياصرة ضد المسلمين في ظل الدولة العثمانية . الإشكالية الجديدة أن القيصر يستعيد دوره في قتل وتهجير المسلمين في عالم لا سلطنة ولا سلطان فيه .

وتأسيسا على تصريح غبطة البطريرك وشرحا له ، ولإقناع ضمائر الطيارين والمقاتلين بقدسية مهمتهم ، عندما يقتلون أطفال سورية ، بأن عمليات القتل هذه يباركها السيد المسيح ، انضم إلى موكب المبخرين ( فسيفولد شابلين ) وهو مسئول رفيع المستوى في الكنيسة الأرثوذكسية ليقول حسب ما أوردت قناة روسية اليوم في حينه : ( إن قرار الحرب الروسية يأتي لحماية الضعفاء مثل المسيحيين في الشرق الأوسط الذين يتعرضون لحملة إبادة . إن كل حرب ضد الإرهاب هي حرب تتمتع بميزة أخلاقية ويمكن تسميتها حربا مقدسة ) .

 وهكذا رحنا نسمع كهنة الكنيسة الأرثوذكسية من رأس الهرم حتى قاعدته ، ومن روسيا إلى سورية ولبنان وفلسطين يرقصون على أنغام الساسة ، وعلى موسيقا قذائفهم تقتل الأطفال والنساء وتدمر العمران .

وبدأ من بوتين نفسه إلى لافروف وهو وزير خارجية دولة عظمى ، دولة خارجة من كهف الإلحاد المظلم ، وتدعي العلمانية ، ويشكل المسلمون 20 % من سكانها ، تتواتر وتتابع التصريحات المتلبسة بالثوب الديني الصليبي الطائفي المتعصب الذي يبث الحقد وينفث الكراهية والبغضاء ، ونستطيع أن نلخص عشرات التصريحات من أعلى المستويات الدينية والسياسية حول السياسات الروسية ومن مسوغات الاحتلال الروسي في خمسة محاور أساسية :

أولا - ادعاء الحق في حماية الأقليات عموما الذي يزعم كل أشرار العالم أن الثورة في سورية تهددهم ..

ثانيا - ادعاء الحق في حماية المسيحيين خصوصا ، الذين ما زالت كل الكنائس وأتباعها من القادة والساسة ، وكذا بعض الأبواق العربية من وسائل الإعلام والأصوات المأجورة ، تزعم أنهم يُخصون بحملة قتل وهدم أو تهجير ...

ثالثا - ادعاء الأولوية في الحق في حماية المسيحيين - الأرثوذكس – خصوصا وهو ادعاء تاريخي قديم كانت روسية القيصرية تتقمصه للتدخل في شؤون الدولة العثمانية .

رابعا - الزعم بان الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وبطريركها هو راعي الأرثوذكس في العالم نظير رعاية الفاتيكان للكاثوليك ، في محاولة مكشوفة لإخضاع الديني للسياسي . وفي محاولة استعمارية لإلغاء دور المرجعية المشرقية لبطركية ( إنطاكية وسائر المشرق ) وكذا لدور الكنيسة ( الأرثوذكسية القبطية المصرية ) . وهذه معركة مسيحية – مسيحية ، لا دور للمسلمين فيها ، ولكن عليهم أن يدفعوا ضريبتها .

وخامسا لم يفت لافروف القائد السياسي العلماني !! أن يؤكد أكثر من مرة رفضه ، لقيام حكم وطني (سني ) في سورية ، والاقتباس هنا بنصه من لفظه الطائفي. ومن هنا فقد كان وأقرانه يرددون رفض انتقال السلطة إلى ( نظام سني ) .

 ويبدو أن هذا الموقف مشترك عالمي ، وهو يفسر تكرار الساسة الروس الحديث عن حقوق الشيعة ، وما يتعرضون له من حملة إبادة وقطع رؤوس على أيدي السنة ، ويفسر أيضا أسرار التحالف ( الصليبي – الصفوي الشيعي ) وتعاون الصليبين الروس والشيعة الصفويين على قتل المسلمين في سورية .

في تأريخنا للاحتلال الروسي الصليبي لسورية ، يمكن أن نستقصي سيلا من التصريحات والتعليقات والشروح يتعاور عليها كهنة وساسة ، كلها تفصح عن الدوافع الثقافية الصليبية الحاقدة للمواقف والسياسات بما فيها الاحتلال الروسي لسورية ، وللموقف الدولي برمته . يجدر بنا أن نوضح في السياق أننا حين نؤكد أن هناك دوافع ثقافية صليبية وراء الاحتلال الروسي لسورية ، وكذا وراء الموقف الروسي والدولي من ثورة الشعب السوري ؛ لا نزعم ولا يمكن لعاقل أن يزعم أن هذا الدافع هو الدافع الوحيد في هذا السياق. أو أنه الدافع الأول والأخير ، بل الذي نريد ان ندمغ به كل الذين يتحدثون بلغة التحليل الماركسي ( أحادي الرؤية والتفسير ) هو أن هذا البعد ( الثقافي الصليبي الحاقد ) كان حاضرا ومازال حاضرا في صناعة المواقف والسياسات الروسية والدولية على السواء ، وهذا يفرض على المسلمين جميعا تحديا خطيرا ينبغي عليهم معرفته واعتباره والتصدي له .

ونعود إلى شهر آذار من عام 2012 لنستمع إلى لافروف في مقابلة إذاعية روسية لنستمع إليه منذ وقت مبكر وقبل وجود داعش أو النصرة أو غيرها يقول ( إن الصراع يدور في المنطقة كلها ، وإذا سقط النظام الحالي في سورية ، فستنبثق رغبة قوية وتُمارس ضغوط هائلة من جانب بعض بلدان المنطقة من أجل إقامة نظام سني في سورية . ولا يراودني أي شك في هذا الصدد . ويقلقنا في هذا الوضع مصير المسيحيين )

وبين 2012 و2016 نثر لافروف وزير الخارجية الروسية ونائبه بوغدانوف وكثير من القادة الروس وكذا حلفاؤهم الشيعة من التصريحات الصليبية والطائفية ما يخزى لذكره أي إنسان متحضر ، بل ما يجعل بطرس الناسك وجوقته التي كانت تجوب الغرب تحمل صورا لمسلم فيما يزعمون ( يبول على قبر السيد المسيح ) ، صورة من التطرف والحقد الساذج والبسيط .

 وكان آخر ما أتحفنا به السيد لافروف من هذه الكلام النتن تصريحه منذ شهرين فقط ، وهذا فقط للانتباه إلى تطابق البداية والنهاية ، إلى ما يسمى ( البوابة الالكترونية للجمعية الامبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية ) في روسية الاتحادية وذلك في 25 / 7 / 2016 قال لافروف ( إن تنظيم الدولة – ومعلوم أن تنظيم الدولة هو العنوان الكاذب الذي يقتل المسلمين ويُقتل تحته المسلمون - إن تنظيم الدولة لا يكتفي باضطهاد المسيحيين ، بل يقوم عناصره بقطع رؤوس الشيعة بنفس الشراسة وهم يدمرون ويدنسون المقدسات المسيحية والشيعية على حد سواء )

لن ننسى أن نذكر ، ولا يجوز أن ننسى ، أنه في إطار المؤامرة الكونية على الثورة السورية ، والشعب السوري تم في الإطار المسيحي ، أول توافق ( مسيحي – مسيحي ) على مستوى الكهنوت المسيحي . هذا اللقاء الذي لم يحصل في أيام الحروب الصليبية الأولى ، حيث ظل مسيحيو المشرق والكنيسة المشرقية عموما يعرفون مكانهم في المعركة ، ويقدرون همجية الفرنجة الحاملين للصليب . فبعد ألف عام من القطيعة بين الكنيستين ، وبأوامر عليا من رجال السياسة التقى رجال الدين من الكنيستين على مستوى القمة : ففي 12 / 2 / 2016 / وفي العاصمة الكوبية هافانا التقي البابا فرنسيس راعي الكنيسة الكاثوليكية بالبطريرك كبريلوس راعي الكنيسة الروسية ، ودعا رجلا الدين السياسيين التدخل من أجل حماية المسيحيين في الشرق الأوسط ) والعجيب في موقف الحبرين أنهما لم يطلبا شهادة ( راهبات معلولا ) المسيحيات عن طريقة المعاملة التي تلقوها وهم في الضيافة التحرزية لثوار سورية المسلمين.

وأن الحبرين الأعظمين لم يستطيعا رؤية أشلاء أطفال سورية وهي تتقطع بالسلاح الصليبي الروسي ولم يقولا كلمة حق انتصارا لها .

تؤكد التصريحات المتواترة على ألسنة : الكهنة المسيحيين الروس والأرثوذكس في السياق الذي نحن فيه ، وعلى ألسنة كبار المسئولين الروس من رتبة رئيس الدولة ووزير خارجيته فما دون على البعد الديني الصليبي للاحتلال الروسي لسورية ، وللخلفية الصليبية التي تشكل دافعا أساسا لحرب الإبادة التي تمارسها قوات الاحتلال الروسي في سورية .

إن التحدي الذي يفرضه الاحتلال الصليبي الأرثوذكسي الروسي المدعوم بالسياسات الصليبية الكاثوليكية الغربية ، والمتحالف مع العدوان الصفوي الشيعي ، ليس مفروضا على الشعب السوري والعراقي وحدهما ، إنه تحد مفروض باعتباره هذا على الأمة المسلمة بأسرها ، وحين يتخاذل المتخاذلون ، ويتسلل من قادة الأمة لواذا المتسللون ، فإن لله رجالا يقومون بحق هذه الأمة وبحق هذا الدين ...

نختم ونقول للمجرمين الروس وللحبرين الأعظمين ، ولكل المصابين بالعته العصبوي النتن ونقول أيضا لكل إخواننا من المسيحيين الشرفاء :

إن كنيسة العذراء وسط إدلب ، والتي شيدت في عام 1886 بفرمان من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني . والتي كانت متعبدا لألف أسرة مسيحية سورية ، لم يدمرها الثوار السوريون ، ولم يدمرها المسلمون السوريون ، وإنما دمرها الاحتلال الروسي الصليبي الغادر بقصفها بتاريخ 10 / 8 / 2016 ضمن عشر غارات شنها القتلة والمجرمون على مدينة التين والزيتون والبطولة والفداء ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

الغرق الروسي في الصراع السوري .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 24/9/2016

 رغم كل الاتفاقات والتوافقات الأميركية ¬ الروسية في القضية السورية وحولها٬ فإن ثمة خلافات وصراعات بين الطرفين٬ تصاعدت في الآونة الأخيرة٬ لا سيما في ضوء الحملات المتبادلة عقب الاتفاق الأميركي ¬ الروسي حول الهدنة٬ وفي النقاشات الجارية في الأمم المتحدة٬ وهذا أحد مؤشرات الانغماس الروسي المتزايد في الصراع السوري٬ وقد بات قضية رئيسية في سياسة موسكو٬ وأحد أهم شواغلها على المستوى الدولي٬ لكنه٬ في الوقت ذاته٬ مؤشر لغرق روسي في الوحل السوري في ظل شتاء سوري يوشك على بدء فصل جديد وخطير من صراع على أبواب عامه السابع.عندما بدأت الثورة السورية تطوراتها بداية عام ٬2011 كانت موسكو على هامش الأحداث تقريًبا. كان عدد الجنود الروس في سوريا لا يتعدى الأربعين جندًيا٬ يتمركزون في القاعدة البحرية بطرطوس على الساحل٬ وكانت السفارة الروسية في دمشق٬ رغم ضخامتها٬ لا تزيد في حضورها عن أي سفارة أخرى من سفارات الدول الكبرى في دمشق٬ وحتى في نشاطاتها٬ لم تشكل أي مصدر للريبة والتوجس أو القلق والخوف لدى السوريين٬ وهم يتظاهرون ويحتجون ضد نظام الأسد٬ بل المعارضة السورية لم تكن ترى في السفارة وما تمثله٬ إلا طرًفا يمكن أن يساعد في وقف ممارسات النظام والدفع نحو معالجة مقبولة للقضية السورية٬ بما للروس من إرث في العلاقات السوفياتية ¬ السورية.لقد تغيرت تلك الصورة في السنوات الست الماضية. بات الروس قوة عسكرية هائلة في سوريا٬ فإضافة إلى القاعدة البحرية في طرطوس٬ التي تغيرت بصورة كلية في حجمها ووظيفتها٬ صار للروس وجود بحري قوي قرب السواحل السورية قوامه ست سفن حربية وثلاث أو أربع سفن تموين٬ حسب قول وزير الدفاع سيرغي شويغو الذي أعلن قرب إرسال حاملة طائرات «أميرال كوزينتسوف» إلى المتوسط لتعزيز قدرات قواته في سوريا٬ التي كانت شملت الاستعانة في وقت سابق بأسطول بحر البلطيق٬ لشن هجمات صاروخية على بعض مواقع المعارضة السورية عقب التدخل العسكري٬ العام الماضي٬ واستخدمت بعدها قواعدها الجوية في إيران لضرب أهداف في سوريا.وتغير عدد الجنود الروس ووظيفتهم وأماكن انتشارهم في سوريا. ومن نحو أربعين في قاعدة طرطوس٬ يمارسون مهمات محددة٬ صار عدد الجنود بالآلاف٬ وأقل تقديرات تؤكد وجود نحو أربعة آلاف جندي من مختلف صنوف القوات٬ يضافون إلى خبراء في الاختصاصات العسكرية والأمنية والتقنية٬ وباستثناء جنود البحرية الروسية٬ فإن هناك جنوًدا من سلاح الجو في قاعدة حميميم وفي مطار باسل الأسد قرب اللاذقية٬ وتم الكشف أخيرا عن وصول ثلاثة آلاف جندي روسي إلى ريف حلب للقتال إلى جانب قوات النظام٬ مما يكشف مزيًدا من الغرق الروسي في حرب المواجهات المباشرة٬ بعد أن كان الروس يعتقدون أن حربهم ستكون مجرد عمليات جوية تقوم بها القاذفات وطائرات الاستطلاع٬ قبل أن يستعملوا الأسلحة الصاروخية لضرب مناطق المعارضة وقواتها.الأهم مما سبق٬ هو الانغماس الروسي السياسي في الحرب٬ وتعبيره المحلي في سوريا تحول السفارة الروسية بدمشق إلى قلعة عسكرية ¬ أمنية٬ تتشابه مع المراكز العسكرية ¬ الأمنية لنظام الأسد من حيث حواجز الحماية ومئات الحراس المسلحين٬ وزيادة الكادر الوظيفي المتعدد الاختصاصات فيها٬ ويتكامل معها دور سياسي٬ تقوم به القاعدة الجوية في حميميم٬ حيث تتواصل مع بعض أطراف «المعارضة» في الداخل٬ وتقود تسويات في بعض المناطق بين النظام وتشكيلات من المعارضة المسلحة٬ لتتكامل مع دور الدبلوماسية الروسية بإدارة وزير الخارجية سيرغي لافروف ومعاونيه٬ لا سيما بغدانوف٬ المربوطين مباشرة بالرئيس الروسي بوتين.ويسير خط الدبلوماسية الروسي في الحرب السورية في مسارين متناقضين في الشكل ومتكاملين في الوظيفة. فمن جهة تتولى روسيا مهمة إدارة فريق حلفائها المكون أساًسا من إيران ونظام الأسد٬ وتنطق باسمه وتدير وتدعم عملياته في سوريا٬ و«تتنطح» من جهة ثانية لمشاركة الولايات المتحدة في الجهود الدولية لمعالجة القضية السورية وتداعياتها٬ وطبًقا للوقائع٬ فإن روسيا تسعى لتوظيف تلك الجهود في خدمة أهدافها وتحالفها السوري ¬ الإيراني٬ وهو ما يبدو واضًحا في موقفها من المعارضة السورية٬ التي تصفها بـ«الإرهاب» و«التطرف»٬ وفي عملها الدؤوب للحفاظ على نظام الأسد وإعادة تسويقه لدى المجتمع الدولي بحجة الشرعية ومحاربة الإرهاب.وروسيا في سوريا في مسارها إلى أعماق الحرب السورية في ظل تواطؤ وصمت دوليين٬ وانصياع إقليمي٬ لن تتأخر في توظيف مزيد من قدراتها العسكرية والمادية من أجل كسب الحرب٬ وهي في هذا الجانب قد تتجاهل التجربة السوفياتية في أفغانستان٬ أو أن قادتها يعتقدون أنهم يتجاوزن تلك التجربة٬ التي كانت بين أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي٬ وبعض تلك الاعتقادات صحيح٬ لأن حقائق الصراع في سوريا وما يحيط بها تتجاوز تجربة أفغانستان في ظروفها وحيثياتها؛ فسوريا غير أفغانستان٬ والسوريون ليسوا أفغاًنا٬ وقضيتهم مختلفة بصورة جذرية٬ وتداعياتها الإقليمية والدولية مختلفة٬ والأهم هو حجم التدخلات الإقليمية والدولية في القضية السورية٬ وكلها لن تصّب في مصلحة الروس في كسب الحرب السورية٬ بل إلى خسارة٬ تزيد فاتورتها كلما أوغل الروس في أعماق الحرب السورية.

========================

فرص الحل العادل للقضية الكردية في تركيا .. عبد الباسط سيدا

الحياة

الاحد 25/9/2016

بعد سقوط نظام صدام حسين، وتفكّك العراق نتيجة التدخل الإيراني، وانعدام الثقة بين المكونات العراقية، سلّطت الأضواء على إقليم كردستان العراق الذي تمكّن من تقديم ما اعتُبر نموذجاً واعداً في العراق والمنطقة. ولا يخفى أن التفاهم مع الجانب التركي، والاستفادة من خبراته والتبادل التجاري معه، كانا من العوامل التي ساهمت في نجاح تجربة الإقليم.

ومع مجيء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في 2002، بدأ الحديث يكثر حول إمكان حل القضية الكردية في تركيا على أسس عادلة مقبولة من مختلف الأطراف، وضمن إطار وحدة تركيا، ما اعتبر تطوراً متميزاً وغير مسبوق في أهم قضية وطنية شغلت تركيا كثيراً، وستشغلها وتربكها مادامت لم تُحل.

وقد قطع حزب العدالة أشواطاً كبيرة في ميدان تعامله الإيجابي، فرُفع الحظر عن استخدام اللغة الكردية في الإعلام، كذلك دخلت الجامعات وأسست دور نشر كردية، وتمكّن الكرد من تسلّم زمام الأمور في عشرات البلديات، الكبيرة منها والمتوسطة والصغيرة. وانتعشت المناطق الكردية اقتصادياً، وأسهمت في النهضة الاقتصادية التركية العامة. ودخلت الحكومة في مفاوضات مباشرة معلنة مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله اوجلان. إلا أن الذي كان يُلاحظ دائماً عدم تمكّن حزب العدالة من تحويل برنامجه الخاص بالسعي لحل القضية الكردية في تركيا إلى برنامج وطني عام، يخص كل تركيا، لا حزب العدالة وحده، هذا مع العلم بأن الحل يبقى حاجة تركية داخلية في المقام الأول. وقد كشفت المحاولة الانقلابية الفاشلة الأخيرة هذا الأمر بكل وضوح، ولعل هذا ما يفسر جانباً من التعثّر الذي حصل بعدما وصلت الأمور إلى ما يشبه النهاية على صعيد الحل.

وهنا لا بد أن يُشار إلى الدور الإيراني في ميدان المساهمة في إفشال الجهود السياسية التي كانت تبذل لحل القضية الكردية في تركيا. فقد عمد النظام الإيراني عبر علاقاته الوثيقة مع قيادة الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني إلى تصعيد التوتر والعمليات العسكرية في الداخل التركي، الأمر الذي استغلته بعض القوى المناوئة للحل السلمي ضمن مؤسسة الجيش التركي.

وكانت هناك صيغة تناغم بين الجانبين بحيث وصلت الأوضاع إلى حد تعليق الجهود التفاوضية، بخاصة بعد المتغيّرات التي حدثت في سورية على صعيد تحوّل الســياسة الأميركية التي اتخذت من محاربة «داعش» الأولوية. وبالتالي كان هناك الدعم اللافت للقوى المسلحة التابعة لحزب الاتحاد الديموقراطي التابع للعمال الكردستاني، والذي تمكّن نتيجة التنسيق مع النظام السوري، والدعم الذي حصل عليه منه، من إبعاد القوى الكردية السورية عن الساحة، مستغلاً واقع عجز قياداتها عن استيعاب طبيعة المرحلة ومستوجباتها.

وهكذا باتت ورقة كرد سورية هي الأخرى بيد هذا الحزب، يستخدمها في إطار حساباته الإقليمية، وبالتفاهم مع حلفائه.

لكن يبدو أن الحسابات تغيّرت مع دخول كل من روسيا والولايات المتحدة على الخط، وظهرت الخشية من أن يخرج الموضوع الكردي عن الإطار الإقليمي، ليغدو أداة دولية، تُستخدم للضغط على القوى الإقليمية في سياق حسابات ومعادلات الترتيبات الجارية في المنطقة.

ولعل هذا ما يفسر جانباً من التحركات التركية الديبلوماسية والميدانية المتسارعة الأخيرة، كما يفسر التجاوب الإيراني مع النزوع ذاته.

إلا أنه على رغم كل التشنج الحاصل، وعلى رغم كل التوترات، وربما الصدامات التي قد نشهدها في أماكن مختلفة بين القوات التركية والعمال الكردستاني، لا يزال هناك اقتناع لدى الجانبين التركي والكردي بضرورة التوصل إلى حل سلمي للقضية الكردية في تركيا، عبر حوارات جادة تركّز على الواقعي الملموس والممكن. وقد لمست شخصياً هذه الرغبة لدى النخب الكردية والتركية على السواء، أثناء المشاركة في نشاطات في كل اسطنبول وديار بكر وبدليس وماردين. فالكل يشعر بأن الأمور لا تسير كما ينبغي نتيجة جهود بعض القوى التي لا يروق لها الوصول إلى حل سلمي عادل لمصلحة الجميع، حل ينهي الصراع ويوقف استنزاف الطاقات، ويمهّد لاستقرار يكون أساساً لنهوض اقتصادي شامل.

إمكانات الحل ومفاتيحه موجودة، شرط توافر الرغبة والإرادة لدى الطرفين. الشخصيات الحكيمة ضمن الجناح السياسي في حزب العمال الكردستاني يمكنها أن تلعب دوراً كبيراً في هذا الاتجاه. كما أن الكتلة الكردية ضمن حزب العدالة والتنمية يمكنها أن تساهم في عملية التقريب بين وجهات النظر. ومن الضروري هنا إشراك ممثلين عن القوى السياسية الكردية من خارج الكردستاني وممثلي منظمات المجتمع المدني في المباحثات، فهؤلاء يشكّلون أيضاً قوة لا يستهان بها في المجتمع الكردي في تركيا. كما يمكن للإخوة في اقليم كردستان المساعدة عبر تذليل العقبات، وتبديد الهواجس. كل هذه الإمكانات لا بد أن يستفيد منها صانع القرار التركي، وذلك في سبيل توفير أرضية قوية توفر الفرصة لاستئناف المفاوضات التي لا بد أن تؤدي إلى تجاوز الوضعية الحالية بتشنجاتها وتوتراتها وصداماتها، والتركيز على حل إبداعي يتجاوز عقم العقلية التي تلزم نفسها بقيد البديلين: إما كل شيء أو لا شيء.

ومع حل القضية الكردية في تركيا، ستستعيد القضية الكردية في سورية طبيعتها الأساسية كقضية وطنية سورية، لا بد أن تعالج بمنطق جديد، يقطع نهائياً مع العقلية الاستبدادية القوموية التي كانت على مدى عقود تنكر الوجود الكردي بكل جوانبه. منطق جديد يعترف بالخصوصية الكردية وبالحقوق القومية المشروعة للكرد في سورية، مع اعتراف بالحقوق المشروعة لسائر المكونات السورية، بعيداً عن أسلوب خلط الحابل بالنابل الذي يلجأ إليه العديد من أسرى المنظومة المفهومية البعثية، ومن أسرى المظلومية الكردية والتعصب الانفعالي.

========================

هدنة واشنطن وموسكو: الإصبع والمستنقع .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 25/9/2016

كان في وسع المراقب العادي لتاريخ «التفاهمات» الأمريكية ـ الروسية حول الشأن السوري، خاصة بعد تدخل موسكو العسكري المباشر إلى جانب نظام بشار الأسد السنة الماضية، أن يتكهن بفشل اتفاق الهدنة الأخير؛ رغم كلّ ما اكتنف التوصل إليه من شدّ وجذب، وآمال وتطلعات، ولقاءات لم تقتصر على وزيرَي خارجية البلدين، بل اقتضت اجتماعاً بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ونظيره الروسي فلاديمير بوتين.

الأسباب كثيرة بالطبع، ولقد سال مداد وفير في تعدادها وشرحها، دون أن تخرج معادلات التأويل عن حقيقة واحدة كبرى، بسيطة وجلية: أنّ الفارق بين «عقيدة أوباما» في عدم الانخراط (أي، أيضاً، وفي المقابل: توريط موسكو في المستنقع)؛ وما تصحّ تسميته «عقدة بوتين» في استرجاع أكبر قدر متاح من مكانة روسيا على الساحة الدولية، وردّ الصاع للولايات المتحدة والغرب في ملفات أوكرانيا والنفط والعقوبات الاقتصادية، على جثث السوريين وخرائب سورية.

ومن اللافت أنّ هذا الفشل، المعلَن كان، حتى قبيل وضع اللمسات الأخيرة على نصّ الاتفاق، قد بدأ من زاوية طريفة، غير مألوفة تماماً؛ أي تسريب أنباء عن اعتراض وزارة الدفاع الأمريكية عليه، وعدم رضا جنرالات البنتاغون عن بعض بنوده (الرسمية المذاعة، فما بالك بتلك السرية المكتومة!)؛ كما جاء في تقرير مثير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية. ورغم حرص وزير الدفاع الأمريكي، أشتون كارتر، على امتداح جهود زميله وزير الخارجية، جون كيري؛ فإنّ كارتر نفسه كان الأكثر تشدداً في وضع مسودة الاتفاق على محكّ المساءلة والتمحيص والتشكيك.

الجانب الطريف الآخر هو تراشق الاتهامات حول نشر نصّ الاتفاق الكامل، حيث وجهت موسكو الاتهام إلى واشنطن بصدد عرقلة النشر؛ وكأنّ إقدام موسكو على نقل الاتفاق إلى العلن كان سيؤدي إلى مواجهة نووية بين الجبارين، أو كأنّ خطوة كهذه ليست أكثر من إجراء سيادي يحقّ لروسيا اتخاذه، بوصفها الطرف المتعاقد الثاني على الأقلّ، إنْ لم يكن من موقع القوّة الكونية الثانية، العائدة إلى المسرح الدولي بضجيج وعجيج!

أمّا الجانب الآخر من الطرافة، فإنه ذاك المضرّج بالدماء والأشلاء ومواد الإغاثة المحترقة في شاحناتها: ضربة جوية أمريكية ضدّ قوات بشار الأسد في مطار دير الزور، وضربة جوية مقابلة ضدّ قوافل الإغاثة السائرة إلى حلب بموجب اتفاقية الهدنة. وإذا كانت مسؤولية الضربة الثانية قد ضُيّعت بين موسكو والنظام السوري، فإنّ الضربة الأولى كلّفت واشنطن اعتذار رفع العتب فقط؛ ولكن الباطن، في الضربتين، كان يذكّر الغافلين بأنّ الظاهر لعبة عضّ أصابع، لا تريق إلا دماء السوريين في نهاية المطاف.

ثمة فارق، مع ذلك، مفاده أن ضربة دير الزور عسكرية صرفة، ماطل البنتاغون في تبريرها ثمّ عنها؛ وضربة قوافل الإغاثة جريمة حرب صرفة، أنكرها الجناة وسكت العالم عنها. ولهذا، لم يمض وقت طويل حتى ترجم طيران موسكو ونظام الأسد هذا السكوت إلى مزيد من جرائم الحرب في حلب، حيث بلغت وحشية القصف ذروة غير مسبوقة، طالت حتى مراكز الدفاع المدني السوري… عقاباً، ربما، على منح جائزة نوبل البديلة إلى هؤلاء الأبطال السلميين، رجال «الخوذ البيض».

فشل معلَن، إذن، يُضاف إلى تاريخ القصور الذي طبع تعاطي الجبارين مع الملفّ السوري، طيلة خمس سنوات، خاصة في هذه الأشهر الأخيرة من عمر إدارة أوباما، حيث الوقت المستقطع مناسبات روسية ثمينة لتسجيل الأهداف المباغتة. وهو، أيضاً، فشل غير مفاجئ لدى أيّ مراقب يضع علاقات واشنطن وموسكو في سياقاتها التقليدية طيلة عقود الحرب الباردة؛ وعلى امتداد ربع قرن بعد انطواء صفحة تلك الحرب، التي كانت افتراضية أصلاً؛ وفي عدادها، بالطبع، هذه الخواتيم البوتينية ـ الأوبامية، حيث تدور اللعبة بين عضّ الإصبع أو الدفع إلى المستنقع!

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com