العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02-05-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ثورة 1925 في سوريا من الضفة الفرنسية

ثائر دوري

القدس العربي

الاربعاء 28/4/2021

تنصب التحليلات، في الأحداث الثورية الكبيرة على الشعب الذي قام بالثورة في محاولة للإجابة على سؤال مهم: ما الذي جعل هذا الشعب يغير عاداته، وينتقل من حياة يومية هادئة تمشي بنسق واحد، على ما فيها من صعوبات، إلى حياة مضطربة لا يمكن توقع مساراتها، ولا يمكن التنبؤ بنهايتها، ولا بالتكاليف المترتبة عليها؟ ويتفرغ للإجابة على هذا السؤال، حسب حجم الحدث، مئات وربما آلاف الكتّاب والباحثون لتشريح البنية التي أدت إلى هذه الفعل التغييري الهائل المسمى ثورة. يستمر هذا التدقيق وتشريح البنية، وفحص التفاصيل عشرات وربما مئات الأعوام، كما في حال الثورة الفرنسية. وكل ذلك لمعرفة جواب محدد لسؤال «لم انتفض المجتمع؟». تتم دراسة بنيته الاقتصادية والنفسية والاجتماعية والأحداث والتبدلات التي مرّ بها المجتمع المنتفض مع التدقيق في التفاصيل كافة مهما صغرت وقل شأنها. بينما من النادر أن يتم الالتفات إلى الطرف الآخر، الطرف المسيطر الذي قامت عليه الثورة. وغالباً يتم تصويره ككتلة مصمتة أو جدار اسمنتي صلب، بلون واحد، بتركيبة واحدة، لا تمايزات، لا اختلافات. وقد تمر سنوات حتى تظهر دراسة عن بنيته وعن دور تناقضاته في إشعال الثورة. وهذه نقيصة كبيرة في الدراسات التاريخية، لأن الثورة كالتصفيق لا تتم بيد واحدة.

الكتاب الذي بين أيدينا «حقائق ووثائق لم تنشر بعد عن الثورة السورية الكبرى 1925» من النوع الأخير الذي يشرح بنية الطرف الثاني، بنية الانتداب الفرنسي على سوريا، التي أدت إلى اندلاع ثورة 1925. واضع الكتاب هو أحد مرافقي المندوب السامي الفرنسي «ساراي» الذي وصل إلى سوريا عشية ثورة 1925 ( 23 كانون الأول/ديسمبر 1924 – 14 تشرين الثاني/نوفمبر 1925) وهو الذي أمر بقصف دمشق. الهاجس المسيطر على سكرتير الجنرال، واضع هذا الكتاب، هو تبرئة الجنرال مما نسب إليه من أخطاء كارثية في معالجته الملف السوري قبل وأثناء الثورة. وخلال ذلك نتعرف على النقاط الأساسية التي تسببت باندلاع الثورة، فالبنية الداخلية للمحتل الفرنسي ليست متماسكة، إذ بعد أكثر من مئة سنة من ثورتها الجمهورية، كانت فرنسا ما زالت ممزقة بين العلمانية والكاثوليكية، بين الجمهورية والملكية، وكان لذلك انعكاسات خطيرة على سياسة الانتداب في لبنان وسوريا.

انعطاف حاد في سياسة الانتداب

بدأ الاضطراب منذ لحظة تكليف ساراي كمندوب سام إلى سوريا ولبنان خلفاً لسابقه ويغان، الذي استلم مهمته من غورو. إذ كانت التعليمات التي أخذها من رئيس الوزراء «هربو» معاكسة لمسار السياسة الفرنسية في المشرق «لم يهتم سلفاك غورو وويغان بتاتا بغير الأقليات المسيحية واللاتين فقط، وقد حان الوقت للجمهورية إذا ما أرادت اجتناب المفاجآت أن تفكر قليلاً في الأكثرية الإسلامية القاطنة في بلاد الانتداب». هذا التغيير، الذي جاء بتعليمات حكومية، سبب اضطراباً هائلاً في صف مناصري الانتداب في المشرق، خاصة الكاثوليك، فاعتبروه يرقى إلى مرتبة الخيانة من قبل فرنسا، لأن الانتداب كان يمشي في مسار كاثوليكي» ما دعا الجنرال غورو إلى ترديد ذكر الصليبيين والقديس لويس ـ أولم يجئ الجنرال ويغان نفسه للبطريرك الماروني بهذه العبارة، التي أولها المسلمون تأويلاً سيئاً وهي: إن مهمتي لم تبدأ إلا منذ منحني غبطتكم البركة». كما أن رئيس الوزراء «هربو» طلب تخفيض الميزانية الضخمة التي فرضها التضخم الإداري الهائل، بسبب تقسيم سوريا إلى خمس دويلات، لكنه طلب من ساراي أن يقارب هذا الملف بحذر شديد وهذا اضطراب آخر.

كان نتيجة التغيير في سياسة فرنسا أن أعلن اليسوعيون الحرب على سراي منذ وصوله في 2 كانون الثاني/يناير 1925 فجميع المدارس الكاثوليكية وقفت دقيقة صمت حزناً على تعيين العلماني سراي مندوباً ساميا. وبدأ وضع العصي في العجلات. يشكو سراي أنه وجد أدراج مكاتب المندوبية خالية حتى من الأوراق الرسمية اللازمة لعمله «إذ في الواقع وجدت شيئاً أحسن هو كتاب التعليم المسيحي المتروك هنا ولا ريب لأجل هدايتي». كانت سمعة سراي كجمهوري علماني قد سبقته قبل وصوله إلى بيروت.

يدعوه الأب ريمي، المستفيد من العقود الاحتكارية التي وقعها مع المفوضية الفرنسية لطباعة منشوراتها بأسعار مبالغ فيها، في مطبعة استعارها أصلاً من المفوضية، يدعوه لقداس يقام لتكريمه ولم يكن هذا مدرجاً ضمن القداديس الرسمية، التي على المندوب السامي حضورها فيرفض سراي الحضور ويوكل موظفاً كبيرا كي ينوب عنه. يكتب سراي «لو قبلت الدعوة لكنت مضطراً للذهاب إلى معابد 29 طائفة لها رعاياها في هذه البلاد». لكن الطرف الآخر فسَر هذا الرفض، على أنه إهانة للكنيسة حتى أن الضجة وصلت إلى مجلس النواب الفرنسي المنقسم بدوره بين ملكيين كاثوليكيين وجمهوريين علمانيين مستعدين للشجار لأتفه الأسباب، وها قد عثروا على سبب.. حاول سراي إزالة سوء التفاهم ومحاولات إثارة الشقاق بينه وبين البطريرك حويك وإثبات أنه لا يعتزم محاربة الدين فكان يحضر القداديس الرسمية. ويرسم الكتاب صورة للبطريرك حويك المسن، الذي لا يملك من أمره شيئاً بل يسيطر عليه الأساقفة.

إلقاء اللوم على الإنكليز

هذه الفكرة تكاد تكون الفكرة الوحيدة التي يتفق عليها الفرنسيون من مختلف الاتجاهات، ملكية أم جمهورية، كاثوليكية أم علمانية. فهم يرون أن أمور انتدابهم في سوريا كانت على خير ما يرام، لولا نشاط الإنكليز في سوريا بشكل عام، وفي جبل الدروز بشكل خاص. ثم يعرض مؤلف الكتاب لمصاعب حاكم الجبل الفرنسي كاربييه، الذي اشتهر تاريخياً بغرابة الأطوار والقسوة، لكن لأنه من العلمانيين نرى إشادة به «فقد أنشأ المدارس وخطط الطرقات ونجح في مشاريع جمة تتعلق بجلب المياه وأهمها مياه السويداء» لكن مشكلته تكمن، حسب المنطق الاستعماري، بالسكان الجهلة القساة الذين لا يقدرون قيمة أفعاله، وهذه نظرة ثابتة لدى المستعمرين تجاه أهل البلد، فهم متخلفون بدائيون يرفضون الحضارة وإنجازاتها التي يحملها المحتل، ومن خلف هؤلاء المتوحشين تبرز صورة البريطاني الذي يمدهم بالمال والسلاح. وباختصار فإن وجهة النظر الفرنسية تقول، إن أي تمرد للسوريين له أحد ثلاثة أسباب، أو الأسباب الثلاثة مجتمعة وهي: جهلهم ووحشيتهم، البريطانيون، فرط تسامحنا معهم.

أما الحقائق المتعلقة بسخط الناس من السياسات الفرنسية والصراعات الداخلية الفرنسية بين كارييه حاكم الجبل ورينو الذي حلّ مكانه مؤقتا، وسوء تدبير المفوضية للأوضاع، خاصة رفضها استقبال الوفد الدرزي الذي حضر إلى بيروت للمطالبة بانتخاب حاكم محلي للجبل، فهذه أمور لا أهمية لها في نظر الكاتب. لا يرى المسيطرون أي خطأ لهم إلا كونهم متسامحين «كان يجب قمع هذه الحركات باكراً، والفصل بين الثائرين وزعمائهم بإبعادهم عن الجبل».

قصف دمشق

نلمح هذه الغطرسة الاستعمارية واضحة في ما سماه الكاتب «قضية دمشق» في وصف ما جرى في دمشق أيام 18 ـ 19 – 20 تشرين الأول/أكتوبر 1925 حين اقتحم ثوار الجبل والغوطة أحياء دمشق المدينة وكادوا يأسرون المفوض السامي سراي، الذي أمر بقصف تدميري عشوائي على المدينة. يبرر الكاتب هذا القصف بأنه كان ضرورياً لتجنب الدخول في حرب شوارع مع العصاة، الذين يصفهم بالمجرمين والقتلة، ما يجعل الفرنسيين يخسرون الكثير من جنودهم.

والخلاصة نعثر في هذا الكتاب على صورة لفرنسا الممزقة بصراعاتها الداخلية وبدسائسها التي لا تنتهي، مع استعداد أطراف الصراع لاستخدام كل الأسلحة المتاحة ضد بعضها، بما فيها تحريض السكان المحليين دون تقدير لعواقب الأمور وإمكان انفلاتها. وخلاصة الأمر ما يقوله مؤرخ الشام محمد كرد علي في مذكراته «سألني تاجر إنكليزي يقطن في الإسكندرية عن مجرى أمور الانتداب في الشام وذلك قبل انتهاء أيامه، فقلت إنه يتخبط على غير هدى. فقال: هل ترى الفرنسيين انتظمت أحوالهم في بلادهم؟ فقلت: اللهم لا. فقال إذا كان الأمر كذلك فكيف تريد ممن لا يحسن تنظيم بيته أن ينظم بيت غيره».

يدعوني هذا الكتاب للتفكير بجواب على سؤال: كيف تندلع الثورات؟ وفي اجتهاد شخصي أجيب أن ثلاثة أرباع الأسباب هي خلافات وانشقاقات النخبة الحاكمة، سواء كانت خارجية أم داخلية، ووصول الصراع بين أطرافها حد استخدام كل الأسلحة حتى لو تطلب الأمر تحريض المجتمع من قبل طرف ضد خصمه، دون تقدير لعواقب الأمور. فالطرف الذي توهم إمكان استخدام المجتمع ضد خصمه سرعان ما يكتشف أن الأمور خرجت عن سيطرته، وأنه مثل صاحب المصباح الذي أخرج المارد ولم يعد قادراً على إعادته. الأمر الثاني الصادم أن أغلبية الجسم الثائر تكون من المحسوبين على النظام القائم أو يتلقون عطاياه وقد انفصلوا عنه لأسباب مختلفة منها المادية الصغيرة، ومنها الاستراتيجية الكبيرة، ونجد كما هائلاً من التنوعات والأسباب بين هذين القطبين. أما أمثال سلطان باشا الأطرش فهم قلة، وكأن وظيفتهم هي حفظ قبس من نار لإشعال السهل عندما يصير العشب جافاً. هم البوصلة التي تبقى تشير إلى الاتجاه الصحيح حتى لو جاء وقت لم يعد يتبعها أحد، لذلك نجد دائماً شكوى مرة من قبل المسيطرين ضد من قاموا عليهم «كانوا يأكلون على موائدنا».. «كانوا يتذللون لنا».. «كانوا يقفون على أبوابنا» إلخ. وأيضاً قد يقع ثوريون مزمنون لم يحنوا رأسهم ولم يقفوا على الأبواب أبداً ولم يأكلوا على موائد المسيطرين. قد يقعون في الخطأ نفسه، إنما بشكل مقلوب فنراهم يشنعون على الثوريين الجدد «عندما كنا في السجون أو المنافي كنتم ترفلون بنعيم السلطات» «عندما كنا نحرض ونقاتل كنتم تصفقون» وهكذا دواليك.

معقدة وغامضة تلك التي يسمونها «ثورة» لا يمكن أن تحدها شطآن ولا أن تقيدها قيود، ولا أن تنظمها سدود وقنوات. لأنها تنبثق في النهاية من الحياة لا من الكتب والدراسات.

كاتب سوري

=========================

السوريون في تجربة دنماركية!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 28/4/2021

تتواصل أخبار الدنمارك عن عمليات إلغاء إقامات سوريين لاجئين إليها، والتوجه نحو ترحيلهم إلى سوريا، بحجة أن بعض المناطق الخاضعة لنظام الأسد باتت آمنة، بالتالي فإنهم لم يعودوا بحاجة إلى الحماية الإنسانية، التي توفرت لهم في الأعوام الماضية، وقد أثارت إجراءات الحكومة الدنماركية ردات فعل واسعة، تجاوزت حدود المستهدفين من اللاجئين السوريين إلى أوساط سياسية وشعبية، انقسمت ما بين مؤيدين للإجراء ومعارضين له، وهو موقف يتكرر في المستوى الأوروبي، خلافاً لردة الفعل التي أظهرتها منظمة «هيومان رايتس ووتش» والأمم المتحدة، ووصفت الأخيرة الإجراء الدنماركي بأنه «يفتقر إلى المبرر».

الجذر الأساسي في موقف الحكومة يعود في أحد جوانبه إلى أن الدنمارك لم تمنح من وصل إليها من السوريين منذ عام 2015 سوى إقامات مؤقتة خاضعة للتجديد على أمل وقف تلك الإقامات، وترحيل أصحابها إلى سوريا في حال الوصول إلى حل يوقف العنف ويوفر فرصة لعيش آمن، لكن الأهم مما سبق في جملة أسباب الإجراء، يبدو في تصاعد الروح الأوروبية ضد اللاجئين، ومنهم السوريون، الذين تزايدت في الأعوام الأخيرة النزعات المناهضة لوجودهم حتى في بلدان اتخذ موقفها الرسمي طابع الترحيب بمجيء اللاجئين مثل ألمانيا وفرنسا، وعبر هذا الاتجاه عن نفسه في ثلاثة مستويات؛ أولها على مستوى بلدان الاتحاد الأوروبي، حيث ظهرت مواقف حكومية وحزبية في مؤسسات الاتحاد، تحمل اختلافات إزاء اللاجئين، جرى التعامل معها وتمريرها بطرق متعددة حفاظاً على سياسة موحدة للاتحاد، والثاني في مستوى السياسات الحكومية في كل بلد، الأمر الذي أعطى الدول الأوروبية فرص اتباع سياسات مختلفة، إن لم نقل متناقضة، والثالث امتداد التناقض في السياسات والمواقف إلى المستويين السياسي والشعبي في أغلب البلدان، إذ تعالت أصوات بعض الأحزاب والجماعات السياسية، خصوصاً اليمينية والعنصرية ضد اللاجئين، وظهرت ممارسات عنصرية في أوساط شعبية، رأى جزء منها أن اللاجئين يحصلون على فرص العيش؛ تحظى بمساعدات مالية وخدمات في التعليم والصحة وغيرهما، يتم صرفها من أموال الضرائب، التي يعتقدون أنهم الأحق بها.

وسط تلك المعطيات، تتوالى خطوات حكومة الدنمارك في موضوع ترحيل اللاجئين، وفق سيناريو، يعتمد ثلاث نقاط؛ أولها الإبقاء على حالة الإقامة المؤقتة لعموم اللاجئين، وهو أمر يجري تطبيقه من عام 2015 على الجميع، بما فيهم الأشخاص الذين ذهبوا نحو اندماج كامل في الحياة الدنماركية عبر تعلم اللغة، والانخراط في سوق العمل، ودفع الضرائب، أو الانتظام في التعليم، والنقطة الثانية في السيناريو، تتمثل في إعادة دراسة ملفات اللاجئين للتدقيق في أي معطى شخصي أو موضوعي يمكن أن يكون سبباً في سحب الإقامة، وترحيل حاملها، ووفق هذا الخط جرى حرمان أربع وتسعين سوريّاً من تصاريح الإقامة لعام 2020 من أصل مائتين وثلاث وسبعين حالة، جرت دراستها كل على حدة، حسب تقرير أصدرته وكالة الهجرة الدنماركية في يناير (كانون الثاني) الماضي، والنقطة الثالثة في السيناريو، تبنت فكرة تجميع اللاجئين المقرر ترحيلهم إلى سوريا في جزيرة معزولة بانتظار فتح خط مع نظام الأسد، يساعد في تنفيذ الإجراء وتصعيده ليشمل آخرين.

خطورة ما يجري في الدنمارك لا تستند إلى حجم اللاجئين السوريين في هذا البلد، حيث تبين التقديرات أن عددهم لا يزيد عن اثنين وعشرين ألف نسمة، ولا تتصل خطورتها بعدد الأشخاص الذين قد يطالهم الترحيل، وهي عملية طويلة ومعقدة قد ينتج عنها مئات أو آلاف ليس إلا. بل خطورة ما يجري أنه يشكل سابقة أوروبية في خرق القانون الدولي والقوانين الأوروبية في إكراه أشخاص على المغادرة، ويمثل تخلياً واعتداءً على قيم تبناها العالم، تتصل بحقوق الإنسان والحرية والعدالة، واستند إليها في رسم ملامح المرحلة التالية للحرب العالمية الثانية.

وثمة نقطة لا تقل أهمية عما سبق، وهي أن التجربة الدنماركية في ترحيل اللاجئين، إذا تم تمريرها، فإنها تكرس سابقة أوروبية وعالمية تعلن العجز عن معاقبة المجرمين الذين يرتكبون جرائم التغيير الديموغرافي وتهجير الشعوب بقوة السلاح، وتجعل الأوروبيين والعالم كله يحملون الضحايا جرائم المجرمين، ويجعلونهم يدفعون ثمن جرائم الأخيرين أضعافاً.

=========================

الصراع على القمة

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 28/4/2021

إلى روح تيسير حج حسين .. كان أخاً ورفيق درب

ارتبط النظام الدولي الذي نشأ بُعيد نهاية الحرب العالمية الثانية بدور غربي رئيس في تشكيله، ما رتّب هيمنة وسيطرة غربيتين على قيادته وتسييره، بوضع قواعده وضبط مساراته، حيث غدا التحالف الغربي بمثابة حكومةٍ عالميةٍ تشرف على هذا النظام. ولكن الصورة اهتزّت بحصول تطوّرات كثيرة في مجالات السياسة والاقتصاد العالميين، وظهور قوى إقليمية ودولية وازنة، عبّرت عن تطلعات وخيارات مغايرة ومخالفة لتلك الغربية، وعن رؤى بديلة للنظام الدولي والعلاقات الدولية السائدة، في تحدٍّ مباشر للهيمنة الأميركية ونظامها أحادي القطب الذي ترتب على انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991.

ومع احتدام الصراع والتنافس، أدركت القوى الجديدة الناهضة وزن الغرب الكبير، الأميركي تحديدا، وصعوبة كسر هيمنته عبر مواجهاتٍ فرديةٍ معزولة، فشكلت بينها أطرا سياسية وأمنية: منظمة شنغهاي للتعاون، التي تأسست عام 2001، من كل من الصين وكازاخستان وقيرغيزستان وروسيا وطاجيكستان وأوزبكستان. واقتصادية: مجموعة البريكس، من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا. والاتحاد الجمركي الأوراسي، أسس عام 2000، من روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان. وتأسيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (أيه. آي. آي. بي)، أسّسته الصين عام 2014 بمشاركة حوالى مائة دولة وبرأس مال قدره مائة مليار دولار. وطرح الصين مبادرة مشروعها العملاق: "طريق واحد حزام واحد"، عام 2013 والبدء بخطواتٍ تنفيذية فيه عام 2017 تمتد حتى عام 2049، الذكرى المئوية لقيام جمهورية الصين الشعبية، لتأمين وصولٍ آمن إلى أسواق آسيا الوسطى وأوروبا بأقصر وقت ومن دون التعرّض لمضايقات الأساطيل الأميركية المتفوّقة التي تجوب البحار والمحيطات، وبدأت بعقد اتفاقات مع حوالي مائة دولة لمد خطوط سكك حديد فائقة السرعة، وتعبيد طرق وإقامة، أو تطوير موانئ ومد أنابيب للنفط والغاز؛ آخرها الاتفاق الاستراتيجي مع إيران لاستثمار 400 مليار دولار فيها خلال 25 عاما مقابل الحصول الثابت على النفط والغاز بسعر تفضيلي، لتشكيل ثقلٍ سياسيٍّ وأمني واقتصادي مواز على طريق كسر الهيمنة الغربية، والدفع نحو صياغة عالم جديد قائم على التعدّدية والندّية. وهذا، مع تراجع القوة الخشنة للولایات المتحدة عن ذروتھا في حقبة ما بعد الحرب الباردة، أطلق تنافسا محموما على تجميع أوراق قوة وزيادتها وزجّها في ساحات الصراع؛ ما قاد إلى توتّرٍ متصاعدٍ في ضوء سعي الدول الناهضة إلى تحدّي التفوق الغربي، والعمل على احتوائه، والحدّ من هيمنته وسيطرته، بمنافسته في مجالات التقنية والاختراعات والاقتصاد والتسلح، والاستحواذ على جزءٍ متزايد من حصته في هذه المجالات بشكل متواتر، وسعي الولايات المتحدة إلى الحفاظ على مكانتها الدولية، عبر إعادة ترتيب أولوياتها لتّتسق مع ما تعتبره مخاطر داهمة على نفوذها ودورها في قيادة النظام الدولي، حيث بات مصير النظام الدولي الغربي مرتبطا بنجاح الولايات المتحدة في وقف تدهوره، وفي السيطرة على التحوّلات والتطورات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية في العالم.

قاد التدافع الكبير بين الولايات المتحدة والقوى الصاعدة إلى تحوّل في الاستراتيجية الأميركية، حيث برزت مهام أساسية وذات أولوية: احتواء الصين وروسيا. استدعت المهمة الأولى، احتواء الصين، تنشيط علاقاتها مع حلفائها شرق آسيا، وتشكيل تحالف يمتد من اليابان إلى إندونيسيا وسنغافورة، مرورا بكوريا الجنوبية والفيليبين وفيتنام وكمبوديا، وإقامة طوق عسكري وأمني أميركي ياباني أسترالي هندي. واستدعى احتواء روسيا التركيز على سهل شمال أوروبا والبحر الأسود مع دور رئيس لبولندا في الشمال، ورومانيا في الجنوب، مع التفكير بإدراج تركيا في هذا المحور؛ لتعزيز التوجّه المعادي لروسيا. كما سيوفر، بالإضافة إلى ذلك، مركز ثقل مهم في وجه التوسّع الإيراني. واستدعى احتواء إيران التي تحدّت الوجود الأميركي في دول الخليج العربي والعراق، وتحالفت مع روسيا والصين لتحقيق هدفها، طرح فكرة ناتو عربي، أو ناتو إقليمي يجمع الدول العربية وإسرائيل في تحالف واحد.

وهذا دفع الصين وروسيا إلى التقارب، وتنسيق جهودهما السياسية والعسكرية لاحتواء التحرّك الأميركي ضدهما، واستخدام تكتيك العصا والجزرة مع الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة لثنيها عن الانسياق وراء التوجه الأميركي، وتوظيف الصين الروابط الاقتصادية المتزايدة مع الفيليبين، والحرب التجارية العميقة بين كوريا الجنوبية واليابان، لتقويض شبكة حلفاء الولايات المتحدة في منطقة المحيط الهادئ، وتحرّك روسيا في دول آسيوية وأفريقية وأميركية لاتينية والقطب الشمالي، لتطويق التحرّك الأميركي وتشتيت قواه.

ارتبط التعاون الصيني الروسي باحتواء التحرّك الأميركي ضدهما، اعتبرتهما استراتيجية الأمن القومي الأميركي، عامي 2015 و2018، عدوتين للولايات المتحدة، وتقييده؛ وتحقيق اختراق في مناطق نفوذها وترويج بديل سياسي لفكرة الليبرالية الغربية، والدعوة إلى إقامة نظام عالمي جديد بدل النظام الحالي، الذي تعتبرانه غربيا، والذي تجاوزته الظروف، وفق دعوة وزير الخارجية، سيرغي لافروف، في مؤتمر الأمن في ميونخ يوم 18/2/2017، وترويج مقولة الدولة - الحضارة في مواجهة المقولة الغربية الدولة - الأمة. نظام دولي قائم على قواعد بديلة أساسها عدم التدخل في شؤون الدول، عبر ترويج الديمقراطية وحقوق الإنسان، وندّية في العلاقات بين الدول، مع إعطاء أولوية للاستقرار والازدهار عبر تبنّي بديل لنموذج التنمية الغربي، "يصلح للدول التي ترغب في تحقيق التنمية مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على استقلالها السياسي"، وفق مدير معهد دراسات الإعلام في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، تشانغ شوهوا.

ليست الصين بعيدة عن مواجهة تباينات وتعارضات وازنة، في سعيها إلى لعب دور متقدم في النظام الدولي، يوازي قدرتها الاقتصادية والمالية والتقنية

كشف تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين عن تباين في المصالح وتعقيد في المواقف، فالسعي الأميركي للاحتفاظ بدور القوة الأولى وبنظام دولي وحيدة القطبية جعلها ترى أن من مصلحتها الفصل بين روسيا والصين والعمل على إبعاد الأولى عن الثانية، للحد من فرص تقدّمها لاحتلال الموقع الأول في النظام الدولي، في ضوء المعطيات الواقعية التي تجعل من الصين أكثر خطورة على تفوقها وموقعها الدولي: ثاني اقتصاد في العالم بناتج قومي حوالي 15 تريليون دولار؛ احتياطي نقدي ضخم حوالي ثلاثة تريليونات دولار؛ تطور تقني صاعق؛ خصوصا في مجال الذكاء الاصطناعي؛ موقع جيواستراتيجي وجيوسياسي مؤثر؛ جيش كبير ومتطوّر؛ موازنة دفاع كبيرة؛ 141 مليار دولار؛ سوق هائلة، مليار ونصف المليار من البشر؛ نفوذ واسع في دول كثيرة، حققته بالقروض والاستثمارات؛ رغبة متصاعدة للتنافس على المركز الدولي الأول. وهذا وضعها في موقفٍ دقيقٍ بين احتواء التحدّي الروسي وأساليبه المتعدّدة والمتطورة: أسلحة دقيقة ومتفوقة؛ حروب هجينة؛ حروب سيبرانية؛ وشهوة مفتوحة للتمدّد وبسط السيطرة والنفوذ وتهديد حلفائها في شرق أوروبا، خصوصا دول البلطيق، وبين استثمار نقاط ضعفها: اقتصاد ريعي هش مرتبط بتصدير النفط والغاز، تخلف تقني وإداري؛ تراجع في عدد السكان حوالى 144 مليون نسمة، ومساحات واسعة خالية من السكان؛ 8.3 نسمات في الكيلومتر المربع، أكبر دول العالم بالمساحة 17.575.400 كيلومترا مربعا، ودفعها إلى التراجع، والكفّ عن تحدي الهيمنة الأميركية. وبين العمل على إبعادها عن الصين عبر التفاهم معها والقبول بنظامها التسلطي وانتهاكاتها الواسعة لحقوق الإنسان والفساد المالي واسع الانتشار في نخبتها السياسية ومؤسّساتها المدنية والعسكرية، وغض النظر عن تنمّرها، ما يضرب صدقية سرديتها عن تبنّيها نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، ويحد من وجاهة ضغطها على الصين في هذين الملفين.

في المقابل، تواجه روسيا في تقاربها مع الصين وتنسيق المواقف السياسية والعسكرية معها تعارضا مع توجهها لاسترجاع موقعها في النظام الدولي، واحتلال موقع القطب الثاني مع الولايات المتحدة؛ بين عرقلة التفاهم مع الأخيرة التي تريدها بعيدة عن الصين، وتعميق التناقض معها، وإغلاق باب المساومة والمقايضة حول النفوذ والأدوار، وبين خدمة الصين عبر المساهمة في محاصرة الولايات المتحدة ومواجهتها وتعزيز فرصها لاحتلال موقع القوة الأولى في النظام الدولي الجديد، في ضوء امتلاكها أوراقا أكثر وأوزن، تسمح لها في التقدّم نحو هذا الهدف، فالصين تتقدّم عليها في معظم المجالات، باستثناء الصناعات العسكرية.

تواجه روسيا في تقاربها مع الصين وتنسيق المواقف معها، تعارضاً مع توجهها لاسترجاع موقعها في النظام الدولي

وليست الصين بعيدة عن مواجهة تباينات وتعارضات وازنة، في سعيها إلى لعب دور متقدم في النظام الدولي، يوازي قدرتها الاقتصادية والمالية والتقنية، عبر تعديل القواعد الناظمة للنظام الدولي الراهن، أو تغييرها عبر تنافسها وصراعها مع الولايات المتحدة، وتنسيقها وتعاونها مع روسيا، فهي مع عدم استفزاز الولايات المتحدة خدمة لتوجهات روسية، ومع العمل على محاصرتها وتقييد حركتها عبر التعاون والتنسيق، ليس مع روسيا فقط، بل ومع كل الدول الرافضة استمرار الهيمنة والسيطرة الأميركية، وهي ضد صعود روسيا واحتلالها الموقع الثاني في نظام ثنائي القطبية، إلى جانب الولايات المتحدة؛ فتاريخ العلاقات بين الدولتين ليس مريحا أو مطمئنا. وهذا تجلّى في تحاشيها المرور عبر أراضي روسيا ضمن خطط مشروع "طريق واحد حزام واحد"، كما في تعزيز سلاحها البرّي، وحشده قرب الحدود المشتركة بينهما، وتجميدها اتفاقا بـ 400 مليار دولار لشراء نفط وغاز روسي ثلاثين عاما بمد خط أنابيب من سيبيريا إلى شمال الصين.

يثير الصراع على قمة العالم مخاطر كبيرة، خصوصا مع تصاعد احترار الأرض، وأثر ذلك على البيئة والتصحر وبدء ذوبان الجليد في القطبين، الشمالي والجنوبي، وغرق المدن الساحلية، وأوبئة، مثل مرض كورونا الذي تشير التقديرات إلى بقائه سنوات، تهدّد مستقبل البشرية على الأرض، ما يستدعي تعزيز التعاون الدولي لمواجهتها، والحد من تأثيرها المدمر، وما يتطلبه ذلك من الدول الكبرى بالكفّ عن هدر الوقت والطاقات في صراعات عبثية، وإقامة نظام دولي عادل، أساسه القبول بتعدّدية الرؤى والخيارات والتعايش بينها.

=========================

الأسد.. مرشح الكبتاغون

أحمد موفق زيدان

عربي 21

الثلاثاء 27/4/2021

بلغ عدد مرشحي الرئاسة السورية لعام 2021 ثمانية عشر مرشحاً صورياً كالعادة، ولعل أكثر ما يعكس صورية الانتخابات هو رفع المرشحين أنفسهم صور بشار الكيماوي كخلفية وراء مكاتبهم، وإشادتهم به وبجهوده على مدار عقد كامل في تدمير السوريين وتهجيرهم وقتلهم واعتقالهم وتعذيبهم. لكن ما ميّز الحملة الانتخابية هذه المرة هو حُمّى تصعيد الأسد لتصدير المنتوج المخدراتي كدليل وإشارة واضحة على إفلاس العصابة الطائفية في سوريا، في ظل الحرب المستمرة على الشعب السوري لعقد كامل، بالإضافة إلى الحصار الدولي المفروض على العصابة مما فاقم أوضاعها وظروفها، غير أن جهودها الحثيثة والمتواصلة في تصدير منتوجها الوحيد وهو المخدرات والحشيش، بدعم حزب الله ومساندته في لبنان، لم يوقف مسلسل انهيار العصابة الذي تعانيه.

في غضون 72 ساعة فقط كانت وجهة الحشيش الأسدي المدعوم من حزب الله تحطُّ بكميات مذهلة في ثلاث دول، إذ يتم استخدام دول معترف بها دولياً وموانئ رسمية دون أن تكلف هذه الدول نفسها - سواء كانت سوريا العصابة الطائفية أو لبنان حزب الله - عناء تشكيل لجنة للبحث في المسؤول عن تصدير هذه المخدرات والحبوب المخدرة.

وأتى فضح السلطات السعودية ليشكل قمة جبل الجليد لشحنة وصلت إلى ملايين حبات الكبتاغون داخل شحنة من الرمان؛ قيل لاحقاً إنّ مصدرها العصابة الطائفية في سوريا ولكن تم تصديرها من الموانئ اللبنانية التي يسيطر عليها حزب الله. وبعدها بأربع وعشرين ساعة اكتشفت السلطات اليونانية شحنة أخرى قدرت بأربعة أطنان من المخدرات قادمة من موانئ لبنان أيضاً، وبعدها مباشرة تم الكشف النيجيري عن شحنة ضخمة من المخدرات قدرت بـ17 طناً من المخدرات وجهتها الأراضي الليبية، وبالطبع المصدر الموانئ اللبنانية أيضا، وإن كان لا فرق بينها وبين الموانئ السورية في ظل وحدة مسار تصدير المخدرات.

يحصل هذا كله والعصابة في سوريا والحزب في لبنان لا يرفّ لهما جفن، ومعها النظام الدولي الصائم عن الكلام تماماً إزاء تصاعد عصابات الحشيش في زراعة المخدرات وتجارتها وتصديرها، من أجل تدمير المجتمعات العربية من الداخل.

لا بد من التذكير بأنه قلما يخلو يوم أو أسبوع لا يُعلن فيه عن كشف عن شحنات من المخدرات، سواء في تركيا أو في إيطاليا أو مصر والإمارات، وبشكل غدا شبهَ أسبوعيّ في الأردن، كونه الحلقة الأضعف لقربه الجغرافي من تجارة الموت وعصابات الموت، فقد وجد الأردن نفسه المتضرر الأول والأخير من إعادة فتح حدوده مع العصابة الطائفية، بعد أن كان يأمل من خلال هذا الفتح أن يخفف عنه ضائقته الاقتصادية، فأتى تصدير المخدرات إليه ليزيد من الأعباء الأمنية والنفسية على السلطات الأردنية، بعد أن غزا منتوج المخدرات الأسواق الأردنية بما يهدد المجتمع الشبابي الأردني.

لم يبق أمام بشار الكيماوي بعد كل الجرائم التي اقترفها سوى جريمة الاتجار بالمخدرات، وهي التجارة التي عُرف بها منذ أيام والده حافظ الأسد. ولا يخفى على أحد ما تسرب أخيراً من أن مقاتلي حزب الله في سوريا اليوم من المطلوبين للدولة اللبنانية في قضية زراعة المخدرات وتجارتها، وما تسرّب عن تحويل بعض الأراضي التي يسيطر عليها الحزب في القصير وغيرها إلى مزارع للحشيش.

الشعب السوري لا تعنيه هذه الانتخابات كما لم تعنه انتخابات الأعوام الخمسين الماضية من تاريخ سلالة الأسد، كونه الغائب الأول والأخير عنها، وكونه يعلم تماماً أن العصابة مفروضة بالحديد والنار وبدعم دولي لم تحلم به عصابة ربما على مدى التاريخ البشري. لكن هذه الانتخابات موجهة للخارج أكثر من كونها موجهة للداخل، فالخارج كان يتظاهر بعدم رغبته بترشح بشار الكيماوي، أملاً في إفساح المجال لعملية انتقال للسلطة، بحسب ما تم التوصل إليه في الأمم المتحدة قبل سنوات، لكن لا العصابة في دمشق قبلت بذلك، ولا حماتها وسدنتها المحتلون من روسيا وإيران رضوا بذلك، أما الآن فالكرة في الملعب الدولي الذي أثبت عجزه، وخذلانه للشعب السوري للمرة الألف.

بشار الأسد لم يعد صاحب البراميل المتفجرة والصواريخ البالستية والطائرات التي تقصف الشعب، والكيماوي الذي خنق به من يفترض أن يكون شعبه.. بشار الأسد اليوم أصبح بشار الكبتاغون، وما كان له أن يحصد كل أوسمة السوء والإجرام هذه لولا الصمت والتواطؤ العالمي، الذي استعد أخيراً لميزانية من عشرة مليارات دولار لدعم اللاجئين الذين شردهم الأسد، وهي ميزانية دولة، ومع هذا استعد العالم كله لجمع مبلغ ضخم كهذا ولم يجتمع على التخلي عن عصابة طائفية مجرمة بحجم آل الأسد!!

=========================

مفاعيل وعقابيل إعادة تدوير منظومة الاستبداد

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 26/4/2021

استسلم عالمنا المنافق، الذي يحكمه قانون القوة لا قوة القانون، لإعادة تكرير المنظومة الاستبدادية الأسدية؛ ونفّذ "فرض الكفاية" بالقول إن "الانتخابات الرئاسية" لا تساعد على إيجاد حل سياسي لإنقاذ سوريا من سنين عجاف. وإن تجرأ البعض أكثر، قاموا بوصف تلك الفعلة باللاشرعية. ولكن السؤال الذي بقي يحوم فوق رؤوس الجميع منخرطين ومراقبين داخلياً وخارجياً: أي مفاعيل وعقابيل ستكون لإعادة تكرير هذه المنظومة الاستبدادية، التي تكشّف إجرامها حتى للحجر؟!

ومع سقوط المنظومة الأخلاقية، ومفاهيم الحق والواجب، وكل المعايير الـوطنية؛ تتحوّل سوريا إلى دولة فاشلة بامتياز، بوجود هذه المنظومة الاستبدادية

بداية، بات السوريون يعرفون وبعمق- أكانوا معارضين أم موالين- أن الصفح والتسامح ليسا من طبيعة الاستبداد؛ فمن يرى في المجتمع "رعية"، ويصف المواطنين "بالجراثيم"، وتعوّد منهم الخضوع والخنوع والخوف والطاعة المطلقة؛ لا يحتمل أي خروج عليه، ولو بالنيّة. لقد شَهِدَ السوريون عقابيل ذلك بأم أعينهم؛ حيث يتحوّل الموت أحياناً إلى أمنية.

داخلياً، لم ينتظر النظام إعادة تكريره، ليتحوّل إلى ميليشيا انتقام مباشرة أو بالأدوات، وتصبح تصفيات الحساب الخفية علنية؛ فما بالك عندما تتم إعادة التكرير!! فها هو الفساد الإداري والاجتماعي يتحوّل سلفاً إلى نمط حياة؛ وها هي عصابات الخطف والمخدرات والتعفيش والتهجير تعيث فساداً بترتيب علني منه. وفي فترة بسيطة سيكون هناك مليون مفقود- ومن حاضنته ذاتها- وسنرى تغييراً ديموغرافياً علنياً؛ حيث سيحتل بيوت السوريين أفغان وباكستانيون وإيرانيون، ويحملون الهوية السورية. ها هو الفقير يزداد فقراً وذلاً، والعصابات الحاكمة ومن يلوذ بها يزداد غنى وغطرسة وتوحش؛ والدمار الأخلاقي والتهتك الاجتماعي والمعرفي يضرب أطنابه، ويختفي التمييز بين الصح والخطأ؛ ما يولّد جهلاً مديدا. ومع سقوط المنظومة الأخلاقية، ومفاهيم الحق والواجب، وكل المعايير الوطنية؛ تتحوّل سوريا إلى دولة فاشلة بامتياز، بوجود هذه المنظومة الاستبدادية.

بكل بجاحة يقدّم نظام الاستبداد نفسه كمنتصر، يستحق الاستمرار. أبواقه تتبجّح بأنه انتصر على الإرهاب، وعلى أولئك "الخونة" المنفذين للمؤامرة الخارجية تحت يافطة مطالبهم بالحرية والعدالة والمساواة. ولكن السوريين أنفسهم والعالم يعرفون بأن الأسدية هي المساهمة الأساس في صناعة الإرهاب، الشماعة التي بررت من خلالها ارتكابها أبشع الجرائم؛ وأن المؤامرة هي مَن كانت أداتها.

تتوهم المنظومة الاستبدادية بأنها انتصرت. وها هو يُجدّد لها، الأمر الذي سيزيد من ثقتها بنفسها وبالمعادلات الإقليمية والدولية التي مكنتها من البقاء، ما يمنحها كرتاً أخضر لتمارس أشد أنواع القمع والدكتاتورية التي عرفتها البشرية؛ وبذا يتحوّل مَن بقي في سوريا إلى قطيع تحكمه الأسدية لقرون.

بإعادة تكرير هذه المنظومة ستكون الشعارات الإنسانية وحقوق الإنسان والعدالة ومحاسبة مجرمي الحرب من قبل العالم الأول مجرد خزعبلات، وخاصة عندما نشهد جهوداً محمومة من قبل البعض للتصالح مع منظومة الاستبداد تحت يافطة مصلحة الشعب السوري.

لحسن طالع سوريا أن منظومة الاستبداد لم تبقَ ويُصار الآن لإعادة تكريرها نتيجة لانتصار عسكري حاسم لها ولمن استدعته لحمايتها من شعبها. سوريا الآن تحت خمس قوى احتلال، وعدد من ميليشيات الأمر الواقع؛ ومنظومة الاستبداد مجرد واحدة منها.

مع إعادة تكريره أو تدويره، وفي ظل جملة من الاحتلالات؛ سيكون نظام الأسد المشرعن للاحتلال والتقسيم، شاهداً على ضياع سيادة سوريا، مبرراً لاستمرار حالة الدمار والضياع فيها. وجوده سيحول دون عودة ملايين السوريين الذين تبعثروا في أصقاع الأرض؛ لن تتجرأ أو تقدِمُ جهة على إعادة الإعمار، لأن من دمّر أول مرة سيدمّر مرة أخرى. باستمراره ستستمر العقوبات التي يعمل على جعل مَن تبقى حوله ضحية لها، كي يبقوا عبيداً له متمسكين به. بوجوده، سيكون التقسيم أقل المآسي؛ وهو يريده علّه يبقى متسلطاً ولو على شبر واحد ليشبع غريزة حيوانية في التسلّط قلَّ نظيرها. استمراره شرعنة للجريمة حتى دوليا، بحكم غياب العدالة وعدم محاسبة المُدان على الجرائم التي اقترفها بحق شعبه. بوجوده سيضيع مزيد من الأجيال دون علم أو تربية أو أخلاق.

بهلوانيات روسيا وخاصة على الساحة السورية ليست أقل من صاعق قد يعيد إشعال الصراع الغربي-الشرقي العالمي ثانية

على الصعيد العربي، سيزداد التبعثر والضعف العربي، وتُخلق توترات ومآسٍ جديدة في هذا الذي يسمي نفسه "العالم العربي"، فتتافقم أمراضه ويزداد فقره، وتلعب به وتستبيحه كل يد غريبة. إقليمياً لن يكون الحال أفضل؛ فالتوترات الإقليمية لا تحتاج إلى مزيد من تنابذ وتضارب المصالح اللازمة إلى اشتعال حروب؛ الكل فيها خاسر. وبحكم تحوّل عالمنا إلى ما يشبه القرية، فإنه باستمرار هكذا علّة في جسد هذه القرية، فالسلام العالمي في خطر حقيقي. فلا يغيب عن الأذهان عودة ظلال الحرب الباردة التي لا يمكن عدم اعتبار التنافر الحاصل بين القوى الموجودة على الساحة السورية خارج المسببات أو السياق. مرة أخرى بهلوانيات روسيا وخاصة على الساحة السورية ليست أقل من صاعق قد يعيد إشعال الصراع الغربي-الشرقي العالمي ثانية.

لن يكون بمقدور ما يُسمى "حاضنة النظام" فعل شيء تجاه ما يجري، بسبب انسحاقها الطوعي أو الإجباري، بحيث تُفشل الكارثة القادمة؛ ولا جهات يخدعها حكمها الذاتي يعوُّل عليها للحؤول دون تقسيم البلاد والعباد؛ ولا المعارضات لديها أو سُمِح لها بأن يكون لديها مشروعها الوطني لإنقاذ البلاد من هكذا آفة؛ ولا بعض القيادات العربية مدركة أبعاد استمرار سموم الأسدية في عالمها وبين ظهرانيها؛ وإقليمياً تتطلع بعض القوى إلى الجني المؤقت من استمرار هكذا منظومة تزرع الموت لا الحياة، غير محتسبة أن الموت سيطولها أيضاً؛ أما القوى العالمية، فعليها أن تحسب أن خسارتها القادمة ستكون بحجمها إن لم تسحب هذا الصاعق. جهود الجميع مطلوبة لخلاص الجميع من هذه الآفة؛ والخطوة الأولى تكون بإسقاط عضوية هذه العصابة الإجرامية المارقة من كل محفل دولي.

=========================

تزوير الحقائق بالسفاسف

غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 26/4/2021

أن ينحدر خصمك، السياسي والفكري، إلى أدنى درجات الابتذال، فهذا مدعاة لتعزيز الثقة بقضيتك، وأحد مؤشرات نصرك الأخلاقي عليه. وإذا تجاوز عتبة الابتذال بدرجات، سيفقدك هذا العلو، بل ربما يجعلك تحزن، لأنك خاصمت يوماً طرفاً على هذا القدر من الانحطاط... هي إذاً من أساليب العقاب في عالمنا العربي، الفقير جداً في أنماط العقاب التي تكاد تنحصر، ربما، في الإلغاء الجسدي، بما يعنيه من قتل وتغييب. ولا يحتاج الأمر لشروح كثيرة، ما دمت، أيّها القارئ، قد عاصرت ثورات الربيع العربي، ورأيت، على الهواء مباشرة في أحايين كثيرة، كيف تتم تطبيقات هذا النمط على اللحم الحيّ.

لا تملك السلطات، في عالمنا العربي، طاقة كبيرة على تحمّل رؤية الخصم حياً، يناقش ويطالب أو يعترض. على الفور تشتغل صفارات الإنذار والأضواء الحمراء من تلقاء نفسها، وتنطلق محرّكات آلة القتل بشكل أوتوماتيكي، تبطش يمنة ويسرى. وفي تلك اللحظة، يصاب جهاز السلطة بالصمم والعمى، فلا يعدو الرأي العام العالمي مسألة لها قيمة، وتصبح منظمات مثل هيومن رايتس ووتش، طي النسيان، إذ قبل إنجاز المهمة وحراثة الأرض بما عليها، فإن أزعر الحارة على استعداد لقتل أخيه إذا اعترض على أفعاله. والشعار في هذه الحالة، أن نخرج من الأزمة، ثم نجد حلولاً لكلّ هذه القضايا.

تكرّرت في السنوات الأخيرة ظاهرة إقحام الدراما التلفزيونية في قضايا، أقل ما يمكن أن يقال عنها إنّها انقسامية، ولا تنطوي على نصر لأيّ من أطرافها

وفق هذا النمط من إدارة الأزمات، نجحت غالبية السلطات العربية في البقاء في الحكم، وما إن تنتهي هذه الأزمات، يكون النظام قد جرّف كامل النخبة السياسية التي تصبح، في الغالب، في القبور أو في السجون والمهاجر، عندها يطرح الحاكم، المتربع على عرش الجماجم، على الخارج المعترض السؤال: وأين هم بدلائي الذين سيضبطون هذه الديار، أم تريدونها فوضى ترتدّ على شعوبكم وأمنكم!؟

حسناً، ما دامت السلطات العربية تبرز في نهاية مسلسلات الدم التي تجريها على الأرض العربية هذه الوثائق، وتضعها في عيون المنظمات والدول، ما حاجتها إذاً لاستخدام الدراما التلفزيونية والتحليلات الساذجة والدعايات التافهة، ألا تدّعي تلك السلطات أنّها انتصرت؟ أم هو تطبيق للعبارة المغلوطة "المنتصر يكتب التاريخ"؟

تكرّرت في السنوات الأخيرة ظاهرة إقحام الدراما التلفزيونية في قضايا، أقل ما يمكن أن يقال عنها إنّها انقسامية، وجارية ولم تنتهِ بعد، ولا تنطوي على نصر لأيّ من أطرافها، خصوصاً نتيجة الكوارث التي خلّفتها. وبالتالي، لم تنتج هذه الأوضاع منتصرين، إلّا إذا اعتبرنا الكوارث المتجسّدة بتعبيراتها الرهيبة والكثيرة انتصارات، وعلى من هذه الانتصارات؟ كما أنّ الديناميات التي تتشكّل في واقعنا العربي نتيجة مرحلة العنف السابقة لم تستقر بعد على شكل معين، ولا توجد ضمانة بأنّها ستكون لصالح هذا الطرف أو ذاك.

الأنظمة العربية تستطيع قتل أعداد كبيرة من شعوبها، وإلغاء كتل بشرية، وأيضاً تخويف من بقي على قيد الحياة بمن قتلتهم

بعيداً عن الدلالات والإشارات التي يبتغيها مستخدمو هذه السياسات: ما مدى جدية من يقف وراء الأعمال الدرامية المصمّمة على مزاج الأجهزة الأمنية، في جعلها وثائق تلغي الوثائق الحية، من شهود وصور وتسجيلات وثّقت لمذابح وارتكابات رآها جيلٌ لم يزل أغلبه على قيد الحياة، وما زالت رائحة الدماء والغاز في أنفه وصرخات القتلى تطنّ في أذنيه، ولم تنتهِ حرقة القلب على فقد الأحبة؟ أجزم أنّ تفضيلات أغلبنا، بوصفنا بشراً نمتلك عقولاً عادية، ستذهب صوب تصنيف هذه السلوكيات أنّها من أنماط الانفصال عن الواقع، لأنّ لا أحد يملك الجرأة على القيام بذلك سوى من هو مبتلى بواحدةٍ من درجات الجنون، لأنّ الأنظمة العربية تستطيع قتل أعداد كبيرة من شعوبها، وإلغاء كتل بشرية كاملة، وهذا ما ثبت بالتجربة، وتستطيع أيضاً تخويف من بقي على قيد الحياة بمن قتلتهم، لكن ما لا تستطيع فعله، إقناع من شهد بأم عينيه ما ارتكبته تلك الأنظمة التي لم تكلف نفسها لحظة هيجانها، حتى إخراج عمليات قتلها بأسلوب أكثر ذكاءً من الشكل الذي ظهرت به.

ربما تفسير ذلك اجتماع حاكم منحرف مع مستشار حاقد، أو صانع ومنتج للمشهد الدرامي متطرّف أو متملق "مزبلح" بلهجة بلاد الشام، ليس للمصداقية أو احترام الخصومة أيّ اعتبارات لديهم، ويمنحهم امتلاكهم هذه المزية القدرة على بلوغ قاع الانحطاط، لقناعتهم أنّ الخصم لن يستطيع الوصول إلى هذا المستوى.

إذاً، ما دمت منتصراً في المعركة، وقادراً على إسكات العالم الخارجي، وتستطيع إخضاع معارضيك الداخليين، ما حاجتك لهذا الإسفاف؟ هل هي كتابة رواية جديدة للأحداث؟ لمن؟ وما دمت مقتنعاً أنّه لا أحد ممن وصفوك بالقاتل، لا في الداخل ولا في الخارج، سيغير رأيه نتيجة صناعة مسلسل تلفزيوني منحاز، من عنوانه وكاتبه ومخرجه، فلماذا هذا الجهد الزائد عن الحاجة؟ الأرجح أنّ وراء هذا الأسلوب هدفين: صناعة الرضى لدى من أيّد سياسات هذه الأنظمة وتخفيف درجة إحساسهم بالعار، وعقاب الخصوم بإشعارهم بتأنيب الضمير والدونية، لأنّهم فكروا يوماً بجعل هؤلاء أنداداً وخصوماً على مبدأ: أحكمكم وأقتلكم، أو أجعلكم تحتقرون أنفسكم من فرط حقارتي!

=========================

"وديعة" ميشيل كيلو ووصيته

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 26/4/2021

هناك في مكان يتماهى في حدوده مع نزيل آخر اسمه سورية، امرأة هادئة، طيبة، معطاءة، كريفنا السوري. سكنت في قلب ميشيل كيلو، وإلى جواره، نحو ستة عقود، تقاسمت فيها معه سنوات الحب والقهر والاعتقال وألم الغياب، وكلٌّ من مكانه كان يشكل للآخر رافعةً معنوية، وجسر عبور إلى الأمل، والمستقبل الذي يشكله تفاؤلٌ لا حدود له بانتصار حق الإنسان في حياة حرة وكريمة. كانت تلك وديعة ميشيل كيلو، مصدر قوته وعزيمته، ومخزن الحب الذي كان ينهل منه ليقاوم قهراً مستبدّاً، وزنزانة حاكم، وتقلّبات المزاج الشعبوي بين مؤيد ومنتقد، إلى حد أن يوغل بعضُهم سكاكين كلماته المسمومة بين دفء انتقاداته له.

هذه السيدة التي تعتصر ألماً اليوم، تقف إلى جوار جثمانه، وتمشي معه إلى حيث يستقر في أولى محطات رحيله الأخير في باريس، على أمل ألاّ تكون تلك محطته الأخيرة، فإيمانها بأنّ الزوج الراحل ترك مخزوناً كبيراً من تجربةٍ مديدةٍ، ما زال يكتنزها حاسوبه، والأمل أن تمتد له يد المساعدة لتحرّرها وتؤمن وصولها إلى أصحاب الحق فيه من كلّ السوريين، فلدى وديعة كثير من ودائع ميشيل كيلو السياسية والإنسانية، وما أكثرها.

مات ميشيل كيلو وهو ممسكٌ بسلاح قلمه، يدافع عن وطنٍ يتسرب منَا جميعاً، يضمُر شيئاً فشيئاً

ميشيل الإنسان الذي أستطيع أن أكتب عنه الكثير، والذي أعاد سورية بتفاصيلها إلى بيتنا، منحني، أنا وزوجي، استراحة من غربتنا خلال زيارته لنا في فيينا مكان لجوئنا، بعدما ضاقت فرصنا في الحياة داخل سورية كما هو حال كثيرين من أمثالنا. كان الجدً الذي روى لأولادي الشباب "حكاية ميشيل كيلو الحقيقية" حكاية العصفور الآخر الذي خبروا طيرانه وألوانه واتساع سمائه، على عكس ذلك الطفل الذي غيّب النظام معالم الحياة عنه، فعجز عن الانبهار والتخيّل. صادق ابني الكبير مجد، وتابع أخباره، كتب له الرسائل كما لو أنّه اختصر سنوات الفارق العمري كلّها بينهما ببساطته وتباسطه. ونافس ابني الأصغر حسن، في حسّ الفكاهة والخطابة، وذهب معه إلى أقصى أحلامه ومشاريع مستقبله. علّمني، مع زوجته الرائعة، كيف أبني هرماً من الاكتشافات المستقبلية مع ولديّ، وهو يسرد تفاصيل علاقته مع ابنه حنّا، الشاب الذي تحمل أعباء مواقف والده الوطنية، ومع أحفاده من ابنه أيهم، وابنته شذى.

خسر تراب سورية اليوم احتضان واحدٍ من عشّاقه، وأحد أنبل من عملوا من أجل تحرير الإنسان الذي عاش فوقه، ليعاقب بحرمانه منه حياً في آخر سنواته، وميتاً غريباً في أرضٍ عرفت كيف تصنع له مكاناً بديلاً، يأوي إليه مع عائلته. هو الرجل الذي لم تثنه سنوات الاعتقال داخل زنزانات بلده، ولا مخاوف تكرارها، من أن يستمر في كفاحه من أجل الحرية، من داخل بلده ما أمكنه ذلك، وقد صدق في قوله "أموت من أجله وفي سبيل حرية شعبه".

وقد فعلها، مات ميشيل كيلو وهو ممسكٌ بسلاح قلمه، يدافع عن وطنٍ يتسرب منَا جميعاً، يضمُر شيئاً فشيئاً، لكنّه على الرغم من ذلك، بقي بين كلماته في وصيته: وطن سوري يتّسع للجميع، وكبير بالجميع منا، عرباً وكرداً وآشوريين وشركس وتركمان، بكلّ تنوعنا ومذاهبنا. لم تغير حروب السنوات العشر خطوط حدود بلده في ذاكرته، وقد آمن بأنّ وحدتنا - نحن الشعب - هي التي تطبع صورة خريطتنا دولةً تخرج من تحت رماد التمزّق، وتعود سورية الواحدة والفريدة.

لن يقبل الأحرار من السوريين إلّا أن يكون مثواه الأخير في تراب سورية الحرّة وفي اللاذقية، مهد عشقه الأبدي

كسبت باريس اليوم ذلك الوسام السوري الرفيع ميشيل كيلو، وأخذت بين جنباتها جثمان مناضل عنيد، آمن بثوابت ثورات الحرية، وأعلى قيمة الكرامة الإنسانية في فعله وقوله، حتى آخر لحظات صحوه في حياته الممتدة 81 عاماً. منحته فرنسا أمان الإقامة، ومنحها هو عيوننا المتوجهة إليها، وبحراً من دموعنا التي ترافق جثمانه من كنيسة Saint-Pierre-de-Montrouge إلى مثواه "المؤقت" في مدفن Cimetiere parisien de Bagneux، حيث لن يقبل الأحرار من السوريين إلّا أن يكون مثواه الأخير في تراب سورية الحرّة وفي اللاذقية، مهد عشقه الأبدي، وحيث يستحقّ أن يبقى علامة بارزة في صناعة تاريخ سورية الحديثة، حين يبقى الفكر وتزول البنادق.

اختصر ميشيل كلّ ما أراده من السوريين من بعده بوصيةٍ حمّلني أمانة نقلها إلى كلّ العالم، فأودعني رسائله، ووضع لي عناوين ما أراد أن يوضحه، وأهداني ثقته، بأن أكون المؤتمنة على إعدادها، وإرسالها إلى صحيفة العربي الجديد في تأكيد منه على منحي هذا التقدير الكبير من كاتب وسياسي، اختلفت معه في مواقف عدة، لكنّنا اجتمعنا معا في أعمال كثيرة، نسعى من خلالها إلى بناء جسور تواصل وثقة مع كلّ السوريين، وكأنّ اختلافاتنا كانت سبباً لتقاربنا وصداقتنا التي بدأت أولى ملامحها في دمشق 2011 إبّان انطلاقة الثورة. ثم تعثرت، إثر اجتماعاتنا في أولى سنوات انضمامنا إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة عام 2013، وعادت لتتعمق عام 2015، ليكون السبب في قبولي تسلم مهمة نائب الرئيس للائتلاف بعد ابتعادي عنه عامين متتالين.

كان ميشيل حاضراً في كل تفاصيل قضايانا حتى آخر رسالة منه، وهي الرسالة الصوتية التي كانت نتيجة تواصل بيننا، بخصوص معايدته السوريين لمناسبة حلول شهر رمضان

في الأيام الأخيرة، كنت أرسلتُ صورة عن رسالة الأستاذ ميشيل، مرفقة بالوصية التي بعث بها إليّ، والتي نشرتها "العربي الجديد" وهي في الحقيقة الجزء الثاني من المنشور الذي سبقها، ونشر يوم 28 من الشهر الماضي (مارس/ آذار) تحت عنوان "نداء إلى السوريين الأحرار" وقد تضمن أيضاً عبارات قصيرة وعناوين أراد الاطمئنان بأنّه أوصل ما يريد قوله إلى كلّ السوريين، وقد استكملها بما نشر في "العربي الجديد" يوم 9 إبريل/ نيسان الجاري، تحت عنوان: "إلى السوريين". وربما يفيد أن أذكر أنّه، بعدما اطلع على النص النهائي قبل نشره، وعلى الرغم من ظروفه الصعبة، انتبه إلى نسيانه الحديث عن فلسطين، فكتب مضيفاً: "لا تنسوا أنّ معركة فلسطين هي أصل كلّ معاركنا، وأنّنا ندفع ثمن هزائمنا فيها". ثم قال: "لن تتوازن الوصية من دون التأكيد على دور المرأة والشباب والطفل". هكذا، كان ميشيل حاضراً في كل تفاصيل قضايانا حتى آخر رسالة منه، وهي الرسالة الصوتية، التي كانت نتيجة تواصل بيننا، بخصوص معايدته السوريين لمناسبة حلول شهر رمضان (13 إبريل/ نيسان).

رحل ميشيل عن هذه الدنيا، لكنّه ترك الكثير مما يمكن أن نكتبه عنه وله وحوله، وفي نقده، وفي التوافق معه، ما يؤكد أنّنا أمام حالة سياسية وإنسانية جامعة، لا يمكن مقارنتها بأحد آخر، سوى بالحالة الشعرية لنزار قباني بأنّه رحل وبقي الكلّ حوله بين معارض ومؤيد يتحدّثون عنه، ويضعونه مجالاً ومكاناً للمقارنة، واقتباس ما يمكن أن يعيننا على وصف واقع ذهب أو حاضر أو قادم.

=========================

ميشيل كيلو .. فارس حرية الشعب السوري

سعد كيوان

العربي الجديد

الاحد 25/4/2021

رحل ميشيل كيلو بعد أن حمل مشعل النضال ضد الاستبداد، ومن أجل الحرية بالموقف والرأي والكلمة، وقبع سنوات في سجون النظام البعثي مع الأب والابن، فكان له "في كل عرس للمعارضة قرص"، وظل حتى الرمق الأخير يكافح من أجل الحرية ويدافع عنها، ويوصي السوريين بالتمسّك بها، في رسالة مطولة كتبها قبل عشرة أيام من رحيله، قائلا: "لن يحرّركم أي هدف غير الحرية، تمسّكوا بها ولا تتخلوا عنها أبدا، لأن فيها وحدها مصرع الاستبداد". ومن مفارقات الزمن أن كيلو يرحل فيما يستعد بشار الأسد للتجديد لنفسه للمرة الرابعة على رأس النظام، في محاولةٍ لتأبيد سلطته على رقاب السوريين. وهذا يسلّط الضوء على لامبالاة المجتمع الدولي، وتخاذل الدول الكبرى في ممارسة ضغوط جدية على النظام لفرض تطبيق القرارات الدولية (قرار مجلس الأمن 2254) التي تنص على رحيل الأسد، وانتقال تدريجي للسلطة. سورية اليوم معرّضة للتقسيم، بعد أن تحولت إلى مناطق نفوذ إقليمية ودولية، ويجثم على أراضيها خمسة جيوش أجنبية غازية!

ولد ميشيل كيلو عام 1940 في اللاذقية، وانخرط باكرا في العمل السياسي، فانتسب إلى الحزب الشيوعي السوري الى جانب مجموعة من الرفاق، من بينهم المناضل رياض الترك، الذين آثروا الخروج فيما بعد بدافع الحفاظ على استقلالية رأيهم وقرارهم. وبعد أن درس الصحافة في مصر وتبعها بإجازة في ألمانيا، عاد إلى سورية، وعمل عام 1966 في دائرة الترجمة التابعة لوزارة الثقافة. غير أنه ما لبث أن استشعر خطورة ما يحاك في أروقة سلطة البعث، فخرج محذّرا من مغبة المنحى الذي سيسلكه وزير الدفاع يومها، حافظ الأسد، عندما انقلب على رفاقه في حزب البعث، واستولى على السلطة في أكتوبر/ تشرين الأول 1970، وراح يؤسس لنظام استبدادي يقوم على حكم الأجهزة الأمنية، ويبث روح التفرقة والبغضاء الطائفية والمذهبية.

عام 1979، خلال مؤتمر اتحاد الكتاب العرب في دمشق، شن الصحافي والكاتب السياسي، ميشيل كيلو، هجوما على ما عرفت يومها "الجبهة الوطنية التقدمية" التي اخترعها الأسد لاحتواء الأحزاب الأخرى، وقطع الطريق على أي محاولة لمعارضة حكمه، عبر إيهام تلك الأحزاب بأنها ستكون شريكا له في السلطة. وما هي إلا سنوات قليلة، حتى انتهى كيلو خلف قضبان سجن المزة السيئ الصيت، لأنه تجرّأ ووقف ضد محاكمة أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، ممن قادوا تمرّدا على حكم الأسد عام 1982، كانت نتيجته أن قصف الأسد مدينة حماة بالمدفعية، وارتكب مجازر جماعية في حقهم. وبعد سنتين، خرج كيلو من السجن، وغادر أول مرة إلى فرنسا، حيث مكث هناك نحو خمس سنوات، استمر خلالها في المجاهرة بموقفه والكتابة، محرّضا على الحكم البعثي. ثم عاد عام 1989 واستمر في نشاطه السياسي والثقافي معارضا للنظام.

شكّل توريث بشار السلطة بارقة أمل لمعارضين وكتّاب كثيرين، ومن ضمنهم كيلو الذي بدأ ينشط ضمن ما سمّي حينها "ربيع دمشق"

بعد عقود من الاستبداد، أي في يونيو/ حزيران 2000 "مات الديكتاتور" حافظ الأسد، على حد توصيف المعارض رياض الترك (صحيفة لوموند الفرنسية) الذي كان قد خرج قبل فترة بسيطة من اعتقال دام 17 عاما، بدا وكأن هناك فسحة أمام السوريين، ليتنفسوا الصعداء، ويحاولوا أن يستعيدوا حريتهم، والسعي إلى إحداث تغيير في بنية النظام السياسي. وقد شكّل توريث بشار السلطة بارقة أمل لمعارضين وكتّاب كثيرين، ومن ضمنهم كيلو الذي بدأ ينشط ضمن ما سمّي حينها "ربيع دمشق"، وراحت تنتشر المنتديات السياسية، وتنشأ "لجان إحياء المجتمع المدني" والكتابات والمقالات المواكبة في الصحف السورية الناشئة، وفي الصحف اللبنانية، والحملات التي راحت تشن على الفساد السياسي والاقتصادي الذي كان ينخر سورية بعد ثلاثين سنة من حكم الأسد الأب، إلا أنه سرعان ما تبين أن سياسة الابن لن تختلف عن سياسة الأب، وسيثبت الابن أنه ديكتاتوري وبطّاش أكثر من والده، فتم على وجه السرعة إغلاق المنتديات السياسية، وشنت حملة اعتقالات لمعارضين كثيرين.

لم ييأس ميشيل كيلو واستمر في نشاطه، على الرغم من أساليب القمع والترهيب التي اشتدت على مدى السنوات اللاحقة. ومع ذلك، تمكّن كيلو، مع مجموعة واسعة من المعارضين والتيارات والقوى السياسية، من تنظيم نفسها وإطلاق عام 2005 وثيقة سياسية من أجل التغيير، ونقل سورية من الاستبداد إلى الديمقراطية، أطلق عليها اسم "إعلان دمشق"، وتبعها في عام 2006 التوقيع على عريضة أخرى مع معارضين لبنانيين أطلق عليها "إعلان بيروت - دمشق"، تجسيدا للتنسيق والتكامل بين قوى الديمقراطية والتغيير في البلدين. وعلى إثر هذه الحراك اللافت، تم اعتقال كيلو مجدّدا وآخرين، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمة "نشر أخبار كاذبة وإضعاف الشعور القومي والتحريض على التفرقة الطائفية". وفي مرافعة شهيرة له أمام محكمة أمن الدولة، قال كيلو: "أنا الإنسان والمواطن الحر ميشال ابن حنا كيلو وغالية عوض، الذي ليس نصير جماعة في لبنان أو سورية، وليس نصير لأي حزب قائد أو منقاد ولأي ثورة سواء أكلت وطنها أم أكلت ناسها، لأنني نصير وطني الصغير سورية، ووطني العربي الكبير، ونصير كل مواطن فيهما، نصير الحرية والديمقراطية".

استمر من منفاه الباريسي على مبادئه ونهجه وقناعته، مناضلاً شجاعاً وصلباً من أجل حرية السوريين

في 15 مارس/ آذار 2011 تحقق ما حلم به ميشيل، وما سعى إليه طوال حياته، باندفاع السوريين إلى الشوارع، معلنين انتهاء "زمن الخوف"، وكسر القيود وانطلاق ثورة شعبية، وقف كيلو إلى جانبها منذ اليوم الأول. وهنا يروي كيلو لصديقه رامي الشاعر، عبر تسجيل صوتي قبل أسابيع من رحيله، كيف حاول النظام، وعبر وسطاء، الاستعانة به لإخماد الثورة. لم يتردّد في تلبية الطلب، لأنه كان يخشى مراوغة النظام وبطشه، ويريد أن يوفر على السوريين حمام الدم. ويروي كيف دخل إلى القصر الجمهوري، برفقة أرملة صديقه سعدالله ونوس، الفنانة فايزة شاويش، ليجتمع ساعة ونصف الساعة مع بثينة شعبان، مستشارة الأسد. وكشف أنه قدّم ورقة تقترح فتح حوار عن قضايا والشباب والعمل وتوزيع الدخل القومي، "لنقيم حوارا بحثا عن حلولٍ يعترف النظام خلالها بشرعية المعارضة، ويوقف الملاحقات الأمنية مقابل أن نعترف بشرعية النظام...". ويتابع إنه شدّد على ألا يتم اللجوء إلى الحل الأمني، لأن المسألة لم تعد كما كانت عام 1980، إذ هناك مشكلة كبيرة في سورية اليوم، وليست مسألة تمرّد في إطار صراعات بين دول عربية أو خارجية. المشكلة هي تفرّدكم في حكم البلد والسلطة والثروة والإدارة والتعليم والإعلام وكل شيء.. ونبهت من أن أي حل أمني من فوق سيلاقيه حل أمني من تحت...". ويكشف كيلو، في تسجيله الأخير، أن رد بثية شعبان كان: "والله ما بخلّوه"، وحين سألها عمن تقصد أجابت: "أستاذ ميشيل، إنت بدك مين يقولك شو الوضع بالبلد. ما بخلّوه". ووقعت "الفأس بالرأس"، على حد تعبيره في ختام هذه الواقعة.

استمر من منفاه الباريسي على مبادئه ونهجه وقناعته، مناضلا شجاعا وصلبا من أجل حرية السوريين وتقدمهم. لم يراهن على الخارج، وبقي وطنيا تقدميا، علمانيا. لم يؤمن يوما بالعنف وغلّب دائما الحوار! أكثر من نصف قرن أمضاها كيلو بين زنازين "البعث" والمنفى، يقارع الاستبداد والقمع والظلم والتخلف، لم يُحبط، ولم تلن عزيمته، حتى في آخر أيام حياته.

=========================

هل تندلع ثورة أخرى في سورية؟

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاحد 25/4/2021

بلغة الماركسية التقليدية، تكون البنى الاقتصادية التحتية الدافع والمحرّك الرئيسي للسلوك السياسي والثقافي والأيديولوجي داخل منظومة العلاقات الاجتماعية ـ السياسية. وبهذا المعنى، تنشأ الحركات الاحتجاجية بالأساس نتيجة وضع اقتصادي ما فرض نوعا من العلاقة بين قوى الإنتاج ووسائل الإنتاج. ويؤدي الخلل في العلاقة بين هذه وتلك إلى حدوث ثورة، وكم من دراسة ماركسية أكّدت، منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، على أهمية العامل الاقتصادي في تفسير السياسي، وكأن الثاني امتداد حتمي للأول. ومع أن هذه الصيغة لم تعد مقبولة لدى الماركسيين الجدد (غرامشي، ألتوسير، مور)، كون حتمية النموذج الإنتاجي لا تلعب دورها كاملا إلا في لحظات تاريخية نادرة، فإن البعد الاقتصادي ظل له الأولوية مع العوامل الأخرى السياسية والثقافية.

ووفق هذه المقاربة، يبدو الوضع الاجتماعي ـ السياسي في سورية قاب قوسين أو أدنى من الانفجار نحو اندلاع حركة احتجاجية جديدة، نتيجة الانهيار الحاصل في الاقتصاد والخلل الكبير بين قوى الإنتاج ووسائل الإنتاج. وقد وصلت الأوضاع في مناطق سيطرة النظام إلى نقطة الصفر الاقتصادي، مع انعدام كل مقومات الحياة التقليدية، وعجز ملايين السوريين عن تأمين قوت يومهم. وإذا ما اعتمدنا الرؤية الماركسية الجديدة التي تضع العوامل السياسية إلى جانب العوامل الاقتصادية، تصبح الحالة الاجتماعية السورية أقرب إلى الانفجار، فثمّة انسداد في البنية الفوقية (سياسي) وثمّة انسداد يقابله في البنية التحتية (اقتصادي).

ما يحشد الجماهير ليس القمع، بل الأمل واليقين، أي الإيمان بأن نهاية القمع أصبحت وشيكة، وأن عالما أفضل أصبح ممكنا

لكن التاريخ الاقتصادي والسياسي للمجتمعات، وكذا الدراسات السياسية ـ السوسيولوجية الحديثة، تجاوزا مسألة الربط بين الانسداد الاقتصادي ـ السياسي والفعل الاحتجاجي. وقد بينت الدراسات المقارنة الحديثة أن ثورات كثيرة اندلعت في ظل أوضاع اقتصادية مريحة، في حين لم تشهد بلدان أخرى حركات احتجاجية، على الرغم من أوضاعها الاقتصادية المزرية.

وفي دراسته لشخصية توماس مونتسر، قائد ثورة الفلاحين في ألمانيا عام 1525، شدد الفيلسوف الماركسي أرنست بلوخ (1885 ـ 1977) على العوامل ما فوق الاقتصادية، فإذا كانت الشهوات الاقتصادية فعلا هي الأشد ضراوة وثباتا، فإنها ليست الوحيدة، ولا هي الأقوى على المدى الطويل، وهي لن تشكّل الحوافز الأكثر خصوصية للنفس البشرية، خصوصا في الحقب التي تهيمن فيها العاطفة الدينية. ثم لاحظ أن في مواجهة الأحداث الاقتصادية، أو بالتوازي معها، لا نرى على الدوام القرارات الحرّة الإرادية فحسب، بل أيضا أبنية روحية ذات أهمية كونية مطلقا، وليس في وسعنا أن ننفي عنها واقعا هو في أدنى الأحوال سوسيولوجي. وما يهمنا في دراسة بلوخ أن العوامل المؤثرة في الفعل الاحتجاجي على المدى الطويل ليست اقتصادية، بل روحية، لأنها تعتبر الأكثر خصوصية للنفس البشرية. ولا يعني ذلك أن الديني هو الحافز الرئيسي للثورات المعاصرة، فالزمن اختلف، والأثر الديني المهيمن على المخيال الإنساني قد تراجع.

تماشيا مع هذا، تذهب دراسات حديثة إلى أن العنف لا يشكل سببا للاحتجاج. وهنا يتساءل إيمانويل فالرشتاين، ما الذي يحشد التأييد الشعبي؟ لا يستطيع المرء القول إن ذلك يعتمد على درجة القمع، فالقمع من الثوابت في أغلب الأحيان، وهو بالتالي لا يفسّر كيف أن الناس الذين استفزوا في لحظة معينة لم يكونوا أصلا مستفزين في السابق. وبالإضافة إلى ذلك، فإن القمع الشديد قد يفعل فعله في أكثر الأحيان، فيدفع المتمرّدين إلى الامتناع عن المشاركة النشطة في تلك الحركة... ما يحشد الجماهير ليس القمع، بل الأمل واليقين، أي الإيمان بأن نهاية القمع أصبحت وشيكة، وأن عالما أفضل أصبح ممكنا.

حدوث ثورة ثانية في مناطق سيطرة النظام السوري تبدو مسألة صعبة، لكن الحياة الإنسانية كثيرا ما تفاجئنا بسلوكياتٍ تعجز النظريات عن تفسيرها، إلا بأثر رجعي

تبدو مقاربة فالرشتاين أقرب إلى الموضوعية تجاه الحالة العربية والسورية، فاندلاع الثورات في لحظة تاريخية معينة لا يكون لأسباب اقتصادية وسياسية، لأن هذه الأسباب موجودة سابقا، وبالتالي لا تفسر لحظة الانفجار الثوري. إنه الأمل في إمكانية التغيير ونجاحه الذي تحدّث عنه عزمي بشارة في كتابة "الثورة والقابلية للثورة" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، الدوحة، 2012) هو الذي يقود إلى الفعل الاحتجاجي. وإذا كان الأمل واللايقين سببا في اندلاع الثورة عام 2011، فإنهما اختفيا الآن بعد العشرية الأولى للثورة السورية، ليحل محلهما اليأس، واليقين بعدم إمكانية نجاح أي فعل احتجاجي ثان، بعدما خبر الشعب السوري، على مدار السنوات السابقة، حجم الإجرام الذي قام به النظام، وبسبب قناعة الناس بعدم إمكانية حصول تدخل دولي.

اللايقين هو الذي يستدعي الأمل، لأنه في حالة اللايقين ثمة إمكانية للفعل وتوقع النجاح، ليس ثمّة ما يعزّز الأمل واللايقين أكثر من النجاح. وفي غياب توقع النجاح، يستحيل اللايقين يقينا ويستحيل الأمل يأسا. وفي محاولته التشكيك في الأطروحة التي تربط الفقر بالعنف، أكد عالم الاجتماع الهندي، أمارتيا سن، أن الفقر لا ينتج بالضرورة الاحتجاج العنيف، فالناس الذين أنهكهم الحرمان يمكن أن يصبحوا ضعفاء للغاية، ومستلبين وبائسين جدا إلى حد عجزهم تماما عن النضال، وليس مفاجئا أن المعاناة الشديدة والإجحاف قد زامنهما سلام ملفت للانتباه.

حدوث ثورة ثانية في مناطق سيطرة النظام السوري تبدو مسألة صعبة، بسبب المعطيات سابقة الذكر، لكن الحياة الإنسانية كثيرا ما تفاجئنا بسلوكياتٍ تعجز النظريات عن تفسيرها، إلا بأثر رجعي.

=========================

وداعاً للحروب والجيوش التقليدية!

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 24/4/2021

هل انتهت الحروب كما كنا نعرفها سابقاً؟ هل أصبحت الجيوش لحالات الضرورة القصوى؟ يبدو أن القوى الكبرى وحتى المتوسطة بدأت تسير على النهج الأمريكي الذي وضعه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عبر ما يسمى بـ «عقيدة أوباما» فقد ولى على ما يبدو عصر حروب الجيوش بعد أن تعلمت أمريكا الدرس أولاً في فيتنام، وثانياً في أفغانستان وثالثاً في العراق. ولعل الدرس الأهم الذي دفع الإدارة الأمريكية بقيادة أوباما هي الحرب الخاسرة التي خاضتها أمريكا في أفغانستان والعراق، حيث وصلت الخسائر البشرية إلى معدلات مهولة، ناهيك عن الخسائر المادية التي لم يسبق لها مثيل في الحروب التاريخية، فقد وصلت خسائر أمريكا إلى حدود الترليونات إن لم نقل أكثر، وهو مبلغ لم يذكر له التاريخ نظيراً مطلقاً.

وبعد مغامرات جورج بوش الأبن التي أوجعت أمريكا بشرياً ومادياً، بدأ التفكير جدياً بوضع استراتيجيات جديدة لتحقيق المصالح العسكرية الأمريكية في العالم، وأول ما تفتق عنه ذهن أوباما أن على أمريكا من الآن فصاعداً عدم الزج بقواتها وجنودها في أي معركة إلا بالحدود الدنيا جداً، والاعتماد بدلاً من ذلك على مبدأ القيادة من الخلف عبر استخدام قوات الآخرين، سواء كانت مرتزقة أو حلفاء. وقد ظهر ذلك جلياً في التدخل الأمريكي في سوريا، فعدد القوات الأمريكية التي ترابط على الأرض السورية منذ بدء الثورة ضئيل للغاية لا يتعدى الألف أو أكثر قليلاً، لأن الأمريكيين باتوا يعتمدون على السوريين سواء كانوا جيشاً حراً أو ميليشيات كردية للحفاظ على المصالح الأمريكية في سوريا.

لاحظوا الآن أن منطقة شرق الفرات الغنية بالنفط والحبوب والمياه التي تسيطر عليها أمريكا تخضع عملياً للنفوذ الكردي الذي بات اليد الأمريكية الضاربة في سوريا، وعندما يتعرض الأكراد للخطر تلجأ أمريكا إلى حمايتهم جواً عبر طائراتها العملاقة وصواريخها الموجودة على متن الحاملات الأمريكية. كم عدد الأمريكيين الذين سقطوا في الحرب السورية؟ قليل جداً مقارنة بعدد الذين سقطوا قبل ظهور عقيدة أوباما في أفغانستان والعراق، لماذا، لأن أمريكا باتت تعتمد على الحروب الوكالة، فهي تستخدم الآخرين كوقود لمعاركها، بينما تترك جنودها لحالات الضرورة القصوى فقط. وحتى قواعدها المنتشرة في عموم المنطقة فهي للردع أكثر منها للحروب التقليدية. وهي كما هو واضح لم تعد مستعدة للتضحية بجندي واحد في معاركها إلا للضرورة.

في اليمن تعتمد إيران على الميليشيات الحوثية، وكذلك في لبنان عبر حزب الله. إن إيران تغزو المنطقة ليس بجنودها بل بالميليشيات الطائفية التي استطاعت أن تشكلها من سكان المنطقة ذاتها

حتى روسيا المعروفة بأنها لا تعير اهتماماً يذكر للخسائر البشرية مقارنة مع الأمريكيين والأوروبيين بدأت تنحو المنحى الأمريكي نفسه، وقد لاحظنا في الفترة الأخيرة بروز شركة عسكرية روسية شهيرة معروف باسم «فاغنر» ومهمتها تجنيد المرتزقة لخوض المعارك الروسية هنا وهناك. وقد برز اسم «فاغنر» في سوريا حيث قاتلت جماعات المرتزقة الروسية إلى جانب الجيش السوري والميليشيات الإيرانية المرتزقة بدل توريط الجيش الروسي في الحرب. صحيح أن لدى روسيا قاعدة عسكرية ضخمة في سوريا في «حميميم» لكن أهدافها استراتيجية وردعية أكثر منها حربية. ولا ننسى أن «فاغنر» الروسية حاربت أيضاً في ليبيا إلى جانب قوات حفتر، كذلك ذهب مقاتلوها إلى فنزويلا. وقد جندت روسيا مقاتلين سوريين تابعين للنظام في جماعات المرتزقة الروسية للقتال في سوريا وليبيا وفنزويلا وغيرهما. وهناك الآن في سوريا فيلق روسي معظم مقاتليه من السوريين، لكن بتوجيه وقيادة روسية. بعبارة أخرى، فإن روسيا تحقق مصالحها العسكرية والاستراتيجية في سوريا على أشلاء السوريين أنفسهم دون أن تضحي بجندي روسي واحد، تماماً كما تفعل أمريكا في سوريا وغيرها الآن.

ولم يعد الأمر محصوراً بالقوى الكبرى كأمريكا وروسيا، بل بدأت تمارسه القوى الإقليمية في المنطقة، فلا ننسى أن إيران لا تشارك في الحرب السورية عبر جنودها، بل عبر الميليشيات الشيعية غير الإيرانية التي جندتها من العراقيين والسوريين واللبنانيين والأفغان والباكستانيين. وتبقى مهمة الضباط الإيرانيين في الاستشارات والتخطيط بدل الانخراط بشكل مباشر في الحرب على الأرض. وحتى في اليمن تعتمد إيران على الميليشيات الحوثية في صراعها مع بقية القوى المنخرطة في الأزمة اليمنية، وكذلك في لبنان عبر حزب الله. بعبارة أخرى، فإن إيران تغزو المنطقة ليس بجنودها بل بالميليشيات الطائفية التي استطاعت أن تشكلها من سكان المنطقة ذاتها.

ولا يختلف الأمر بالنسبة لتركيا، فقد أصبح لها الآن جيش سوري يأتمر بأوامرها لحماية مصالحها في سوريا والمنطقة عموماً. ويبلغ تعداد ما يسمى بالجيش الوطني السوري آلاف الجنود وهم جميعاً تحت امرة تركيا. وقد لاحظنا أن بعض معارك الجيش الوطني كانت ضد الجماعات التي تهدد أمن تركيا

كالميليشيات الكردية في شمال سوريا. ولا ننسى أيضاً أن تركيا واجهت النظام والروس في إدلب والشمال عموماً بميليشيات سورية شكلتها لخوض المعارك من خلالها بدل استخدام جيشها الوطني إلا بنسبة محدودة. وهناك حديث الآن أن تركيا تستخدم الميليشيات السورية للحرب في اليمن بعد أن كانت قد استخدمتها أيضاً في ليبيا.

لاحظوا أن كل المتصارعين على الأرض السورية والعراقية واليمنية والليبية وغيرها لا يحاربون بجيوشهم، بل بأشلاء العرب أنفسهم. كلها حروب بالوكالة، حسبما وضعه أوباما في عقيدته الشهيرة. والسؤال الأخير: إلى متى يبقى العرب مجرد وقود حروب وعلى أرضهم؟ إلى متى يبقون في محل مفعول به بدل أن يكونوا في محل فاعل كبقية اللاعبين الدوليين والإقليميين على أراضيهم؟

=========================

الفيدرالية مخرجاً للطغمة الأسدية

راتب شعبو

العربي الجديد

السبت 24/4/2021

تعكس كثرة الحديث بين النخب السياسية السورية عن ضرورة الفيدرالية، وإبراز حسناتها واعتبارها شرطاً للديمقراطية، وحماسة الاستشهاد بالدول الفيدرالية الديمقراطية مثل الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا...، للتدليل على أن الفيدرالية تترافق بالديمقراطية (تستبعد روسيا مثلاً من الاستشهاد وكذلك الاتحاد السوفييتي قبلها، وفنزويلا والسودان والصومال والعراق... إلخ)، نقول يعكس هذا الحماس "الفيدرالي" تحوّلاً في طبيعة الصراع في سورية، من كونه ثورة، أو صراعا يحرّكه المطلب الديموقراطي بين شعب ونظام مستبد، إلى كونه صراعاً بين قوى أمر واقع ذات كيانات "دولتية" مستجدّة ومستبدّة، بطبيعة الحال، ونظام مركزي. مع هذا التحول، من الطبيعي أن يتفوّق المطلب الفيدرالي على المطلب الديموقراطي الذي تبعثرت القوى صاحبة المصلحة فيه (الشعب السوري المشرّد والمقموع في كل مكان)، فيما تحضر بكثافة القوى صاحبة المصلحة باللامركزية السياسية أو بالمطلب الفيدرالي، ليس لأن هذا المطلب مدخل إلى الديمقراطية، كما يمكن أن يقال للتشويش، بل لأنه يمكن أن يطوّب لهذه القوى "غير الديموقراطية" سلطانها على مناطق سيطرتها.

لا يصبّ كلامنا هذا في رفض الفيدرالية أو قبولها، بل في محاولة تبيُّن دلالة غلبة هذه الفكرة وسخونة طرحها في المجال السياسي السوري، في حين أن الوجع الذي أخرج السوريين إلى الشوارع كان الاستبداد وغياب القانون والفساد أو، باختصار، سيطرة طغمةٍ على جهاز الدولة. لماذا يجري اليوم التركيز على الفيدرالية التي لا تعني، بحدّ ذاتها، حلاً لأي من المشكلات والأوجاع التي خرج السوريون لمعالجتها؟ لماذا تتراجع عموم النخب السياسية المعارضة، وتستعد للقبول بمجلس عسكري، يعني القبول به تجميد المطلب الديموقراطي، فيما يطفو على السطح المطلب الفيدرالي؟

شكل الحكم والإدارة وتوزيع السلطات والموارد الطبيعية والعلاقات بين المركز والمحيط... إلخ، من القضايا التي تحتاج إلى نقاش وتوافق

مرة أخرى، لا يعني كلامنا أننا لا نعي تعقيد الوضع السوري، ولا نعي أن المطلب الديمقراطي حلمٌ يفصلنا عنه مستنقع يتعين علينا الخوض فيه، مستنقع من الانقسامات السياسية والمجتمعية ومن الأزمات الاقتصادية وانتشار الفصائل والمجموعات المسلحة والخراب... إلخ، وأن عبور هذا المستنقع يحتاج إرادة سياسية غير مشتتة، وحزما لاستعادة الشروط الأولية لمعنى بلد موحد. لا يصعب فهم هذا بالتأكيد، ولكن لماذا لا تنعكس هذه المقدمات نفسها على المطلب الفيدرالي؟ لماذا يبدو المطلب الديموقراطي معيقاً لاستعادة وحدة البلد الجغرافية والسياسية، فيما لا تبدو الفيدرالية كذلك؟

لا يقتصر ترويج الفكرة الفيدرالية على المحيط الإعلامي والسياسي والثقافي لقوى الأمر الواقع (ما عدا النظام السوري حتى الآن) التي تتقاسم الأرض السورية، وتطمح إلى ترسيخ حدودها ووجودها وترسيمها، بل يشمل أوساطاً بعيدة أو مستقلة عن هذه القوى.

بالتدقيق نجد أن تصوّر الفيدرالية غير متفق عليه بين من يطرحونه. هناك من يريده حلاً لمشكلة "الأقليات"، فيقترح فيدرالية على أساس قومي ومذهبي، (هذا طرح المحيط السياسي للقوى المشار إليها)، وهناك من يطرح الفيدرالية (يفضّلون تسميتها اتحادية) على أساس جغرافي، أي إعطاء المحافظات (مع تفضيل تسميتها ولايات) استقلالية كبيرة (هذا طرح أوساط مستقلة عن هذه القوى).

الطرح الفيدرالي على أساس قومي ومذهبي مرشّح أن يكون مخرجاً تسووياً احتياطياً لطغمة الأسد

من نافل القول إن شكل الحكم والإدارة وتوزيع السلطات والموارد الطبيعية والعلاقات بين المركز والمحيط... إلخ، هي من القضايا التي تحتاج إلى نقاش وتوافق وحلول يكون للشعب السوري أو لممثليه المنتخبين دور في تقريرها، ولكن هذا غير ممكن، إلا بعد تفكيك سيطرة الطغمة الأسدية على الدولة السورية. على هذا، الحديث عن فيدرالية (اتحادية)، أو عن أيٍّ من درجات اللامركزية على أساس جغرافي، سابق لأوانه، ولا يحوز أولوية، ولا يمكن التقرير فيه قبل تحرير الدولة السورية (جزئياً على الأقل) في سياق عملية إرساء نظام حكم ديمقراطي.

أما الكلام عن أساس قومي ومذهبي للفيدرالية، وهو برأينا الدينامو الأساسي الذي يحرّك هذا المطلب، (يمكن الانتباه إلى أن الفيدرالية العراقية التي أقرّها الدستور في 2005 لم تطبق سوى في إقليم كردستان العراق، ولم تعد بالخير المأمول على قاعدة الشعب العراقي، ولم تكن مدخلاً إلى ديموقراطية فعلية، لا في العراق، ولا في الإقليم الكردي)، فإنه ينطوي على إمكانية أو احتمال تواطؤ مع الطغمة الأسدية وحماتها الخارجيين. أساس هذا التواطؤ إمكانية تعايش سلطات الأمر الواقع الحالية في سورية، وفق توزيع للسلطات يتم الاتفاق عليه بينها، ذلك أن هذه الفيدرالية لا تستدعي "إسقاط النظام" أو تفكيك قبضة الطغمة الأسدية عن الدولة السورية، إنها تستدعي فقط قبول هذه الطغمة بالتعايش مع السلطات المشابهة لها في الطبيعة، في شمال شرق سورية وشمال غربها وجنوبها، بعد الاعتراف المتبادل فيما بينها.

يضمر تقديم المطلب الفيدرالي على الديموقراطي، كما نشهد اليوم، فتح نافذة نجاة للطغمة الأسدية

الطرح الفيدرالي على أساس قومي ومذهبي مرشّح أن يكون مخرجاً تسووياً احتياطياً لطغمة الأسد، فقد يكون في هذا الطرح فتح صفحة جديدة للطغمة الأسدية، على عكس التبشير الديموقراطي لدعاته. ومن غير المستغرب أن تتحوّل سلطات الأمر الواقع في إدلب والقامشلي ودرعا، إذا تلقت وعداً بترسيم وضعها الحالي في إطار دولة فيدرالية، إلى أعوان للطغمة الأسدية، يخرجونها من عنق الزجاجة، وتخرجهم من حالتهم غير الرسمية، ويشمّرون عن زنودهم معاً للانتهاء من دفن المطلب الديموقراطي الذي حرّك السوريين ذات يوم إلى الثورة.

عندما نرى مشكلة النظام السوري في مركزيته نرى الحل في المطلب الفيدرالي أو في درجةٍ ما من اللامركزية. وإذا كان المطلب الديموقراطي يعني تفكيك النظام، بحكم الضرورة، فإن النظام يمكنه استيعاب المطلب اللامركزي، وصولاً إلى مطلب الفيدرالية، ويمكنه التكيف معه. على هذا، يضمر تقديم المطلب الفيدرالي على الديموقراطي، كما نشهد اليوم، فتح نافذة نجاة للطغمة الأسدية.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com