العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02-02-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

العلاقة بين الانهيار الاقتصادي والانتقال السياسي

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 29/1/2020

تدهور الاقتصاد السوري بشكل كبير مع بدء الثورة السورية في عام 2011 ، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 أكثر من 70 ٪ عن عام 2010.

بالطبع يتحمل النظام مسؤولية القرارات السياسية والاقتصادية التي اتخذها والتي قادت سوريا إلى ما هي عليه اليوم، يشير النظام دوما إلى العقوبات الدولية التي يحب إلقاء اللوم عليها في السقوط الحر لليرة السورية، فقد تناقص الاستهلاك والإنتاج المحلي، وارتفعت معدلات التضخم بنسب قياسية، والتي تسببت في تراجع احتياطيات النقد الأجنبي، وانخفاض قيمة الليرة السورية، وانخفاض القوة الشرائية للأسرة السورية.

واحدة من أهم القضايا في الدول الاستبدادية مثل سوريا هي الأرقام، فالسلطة لا تقدم أي أرقام فقط ولكن تعتبر هذه الأرقام جزءًا من الأمن القومي، وعندما يقدم الجهاز المركزي للإحصاء السوري ( SCBS) الذي من المفترض أن يوفر جميع الأرقام التي تعكس حالة الاقتصاد السوري؛ فإن هذه الأرقام تكون غير دقيقة ويحركها الدافع السياسي أكثر من كونها تعكس حقيقة الوضع الاقتصادي.

فإذا انتقلنا الآن للحديث عن دور البنك المركزي السوري (CBS) ثاني أقدم بنك في المنطقة بعد البنك المركزي المصري الذي تأسس عام 1863 ؛ وقد لعب رئيس الوزراء السوري السابق خالد العظم دورا رئيسيا في تأسيس البنك عام 1953 وبدأ عملياته عام 1956.

 تم إقرار التشريع الأساسي المنشئ للبنك المركزي بغرض تنظيم النظام المصرفي في عام 1953، لكن البنك المركزي لم يبدأ عملياته إلا في عام 1956. وشملت مهامه إصدار السندات، والسيطرة على البنوك الائتمانية والتجارية.

كانت الفكرة من إنشاء البنك هي إبعاد النظام المالي السوري عن الفرنك الفرنسي؛ ومنذ البداية كان دور البنك هو اتباع سياسة الاستقلال النقدي. وحتى اليوم في عام 2020 ، لا تزال سياسة البنك كما هو مذكور في موقع البنك هي الحفاظ على "الاستقرار النقدي والمالي، وبالتالي المساهمة في تحقيق أهداف سياسة الاقتصاد الكلي" ، وكذلك تأكيد البنك على بناء سياسة نقدية فعالة للحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة السورية ، كمعدل تضخم منخفض ومستقر ".

لم يعلن البنك المركزي السوري مطلقًا عن معدل النمو الاقتصادي أو معدل البطالة ، على الرغم من أن هذه المهمة تعتبر واحدة من المهام الرئيسية لأي بنك مركزي حول العالم. ولكن يقدر أن البطالة حوالي 50 ٪ في عام 2017 في سوريا الآن، والنمو الاقتصادي هو سلبي (-1.46) في العام الماضي.

ببساطة ، فشل البنك المركزي السوري تمامًا في تحقيق هدفه في ضمان الاستقرار في الاقتصاد السوري والاستقرار في الليرة السورية.

أدى السقوط الحر لليرة السورية إلى انخفاض حاد في القوة الشرائية للمواطنين السوريين وهذا يضيف مزيدا من المعاناة لمن يفتقرون إلى خدمات الدولة الأساسية مثل مياه الشرب والكهرباء والغاز والطاقة في هذا الشتاء القاسي.

لدى سوريا سعر ثابت يحدده البنك المركزي ، والآن يدور الجدل الدائر في البلاد حول هذه النقطة بالضبط ، في حال تبنى البنك المركزي سعرا مرنا لجذب العملة الأجنبية القادمة إلى البلاد من المغتربين السوريين (أكثر من 8 ملايين) خارج البلاد ؛ أو ينبغي للبنك المركزي الحفاظ على معدل سعر ثابت للحفاظ على رصيد الليرة السورية التي فشلت في القيام بذلك.

انهار الاحتياطي من 16-18 مليار دولار في عام 2011 إلى المستوى الذي دفع الحكومة إلى التوقف عن دعم سعر الليرة. على النقيض من ذلك، أصدر النظام مرسومًا تشريعيًا صادرًا "يحظر استخدام أي شيء آخر غير الليرة السورية كوسيلة للدفع لأي نوع من أنواع المعاملات التجارية". وتعديل قانون العقوبات "لتوفير تشديد عقوبة البث أو النشر لحقائق ملفقة ، ادعاءات كاذبة أو مزيفة تسبب انخفاض قيمة العملة الوطنية وعدم الاستقرار".

 لقد انهار نظام الإيرادات الضريبية. علاوة على ذلك، لم تعد الإيرادات من النفط تحت قيادة الحكومة السورية لأن الولايات المتحدة تسيطر على حقول النفط في شمال شرق سوريا. أصبحت حكومة النظام مستورداً صافياً للنفط بعد أن فقدت سيطرتها على حقول النفط مع بداية الحرب.

ذكر المكتب المركزي للإحصاء (CBS) أن معدل التضخم في سوريا في عام 2019 كان 826 ٪ إذا أخذنا في الاعتبار الانخفاض الحر الأخير لليرة السورية. في نهاية هذا الأسبوع ، تم تداول الليرة السورية عند سعر 1200 للدولار الأمريكي ومن المتوقع أن يصل إلى 1500 للدولار في الأشهر القليلة المقبلة. هذا يمثل تقريبا انهيارا كليا للعملة. يشار إلى أنه في عام 2011 ، كان الدولار يعادل 47 ليرة سورية.

  السؤال الآن كيف ستتعامل حكومة النظام مع التضخم ، والأداة الوحيدة هي موافقة النظام لقبول انتقال سياسي والتفاوض بشأن العقوبات الدولية لقيادة الطريق لإعادة الإعمار ، لا أرى أي خيار آخر لتحفيز الاقتصاد، يمكن لجميع البلدان التي نجت من الحرب أن تحقق نمواً اقتصادياً هائلاً ، وأفضل مثال على ذلك هو رواندا بعد الإبادة الجماعية في عام 1994 عندما قتل أكثر من 800 ألف شخص على يد حكومة الهوتو ضد جماعة التوتسي العرقية ، والانهيار التام للاقتصاد تم تحقيق أكبر نسبة نمو في إفريقيا، في عام 1994 ، تم تدمير رواندا بالقتل الجماعي الذي لا يمكن تصوره لمدنييها. الآن ، بعد 25 عامًا ، تمكنت البلاد من إنشاء اقتصاد ناجح ومزدهر ، ويبدو أن الاقتصاد الرواندي مزدهر ، حيث بلغ معدل نمو إجمالي الناتج المحلي السنوي 7.76 في المائة بين عامي 2000 و 2019 ، ومن المتوقع أن يستمر النمو بوتيرة مماثلة خلال السنوات القليلة المقبلة . يمكن أن تكون رواندا النموذج الاقتصادي لسوريا اليوم لكن شرط قبول النظام بمبدأ الانتقال السياسي الذي يفتح الأفق لتحقيق أحلام السوريين في الازدهار والنمو.

===========================

موقفنا : في البدء كانت المجزرة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

2/ 2 / 2020

واستلم حافظ الأسد السلطة مع الشباطيين من البعثيين في شباط سنة 1966 .. إنجازه الأول من خلال وزارة الدفاع كان في حزيران 1967 .. رشحه ذاك الإنجاز ليكون المتقدم على أقرانه ، ومالك سورية المستقبل .. في سنة 1970 انفرد بالأمر في سورية . واستتب له ، فمد عينه ويده إلى لبنان .. منذ 1976 وحتى 1989 أدار حافظ الأسد المجزرة على الأرض اللبنانية بين مختلف مكونات الشعب اللبناني وبمن فيهم الفلسطينيين .

اغتال حافظ الأسد في لبنان رؤوساء جمهورية وزعماء وقادة وعلماء . اغتال مسيحيين موارنة ودروزا ومسلمين وشيعة ، لم يسأله القانون الدولي سؤالا ..

وأسفرت الحرب الأهلية التي أدارها حافظ الأسد في لبنان عن 150 ألف ضحية . وضرب حافظ الأسد الكل بالكل . ولم يسأله القانون الدولي سؤالا ..

الطرف الوحيد الذي لم يحاربه حافظ أسد في لبنان هو الاحتلال الإسرائيلي . وعليكم أن تنسوا كل اللعلعة والجعجعة . دخل شارون أول عاصمة عربية منتصرا وجهرا ، وكانت قواته في مرمى المدفعية السورية ، المدفعية التي كانت متشاغلة في حرب الأخوة الأعداء . أعيدوا قراءة التاريخ .. أنادي بشكل خاص على الذين أشربوا في قلوبهم العجل ..

وحين نذكر لبنان علينا أن نذكر الفلسطينيين ومنظمة التحرير وفتح و" أبو عمار" وخليل الوزير " ونذكر مجازر تل الزعتر والكرنتينا ، وإخراج منظمة التحرير من لبنان لتأمين حدود الكيان ..

وإذا سمعت فلسطينياً في أي يوم يحدثك عن أسد المقاومة والممانعة فأغلق قبضة يدك ، وانقر بعقدة إبهامك على صدغه مرة بعد مرة لعله يفيق من وهم أو من سكر ..

وكانت الثمرة الأولى التي أرادها الكيان الصهيوني إبعاد المقاومة الفلسطينية عن لبنان وقد نفذ حافظ الأسد ذلك بدقة . وبعد خمسة عشر عاما من الاحتراب ، عاد اللبنانيون في إطار الطائف إخوة وأحبابا ، حتى ميشيل عون الذي كان متحالفا مع الصهاينة عاد وأصبح رئيس الجمهورية ؛ إلا أن الذي لم يعد أبدا إلى لبنان حتى اليوم هو المقاومة الفلسطينية المرابطة على ثغر كبرنا ونحن نسميه " الجبهة " ولعلي أضرب الآن على الجبهة ..

وفي الأثناء وبينما كانت المجزرة على الأرض اللبنانية مستمرة ومتداخلة..كان هناك مجازر أخرى على الأرض السورية تهفو إليها قلوب قادة بني صهيون . أتذكر من كتاب الصف الأول الابتدائي عبارة :

عن الأشرار المجرمين . الذين احتلوا فلسطين . وطردوا أهلها منها . ونحن أطفال العرب . سندافع عن فلسطين . عاشت بلادي . عاشت فلسطين . هل من أبناء جيلي من يذكر هذا الدرس . كان على الصفحة اليسرى من الكتاب . وعلى يمين الكلمات صورة رمزية لأحد الأشرار المجرمين .. وكان الإنجاز الأول أو المجزرة الأولى في تنقية " كتب التراث " كما يقولون في هذا الزمان من مثل الأحلام .. وإلى جانب تلك المجازر العلمية والثقافية والدينية كانت المجازر على كل الأرض السورية تدور ..

فبعد مجزرة سجن تدمر التي قتل فيها ألف معتقل في ساعة من نهار ، انتشرت المجازر الميدانية في حمص وحلب ودير الزور وإدلب بمدنها من معرة النعمان إلى جسر الشغور ليتوج كل ذلك بمجزرة حماة الكبرى في الثاني من شباط 1982 . عشرات الألوف من الشهداء ومدينة هي واحدة من أوابد التاريخ يتم طحنها وطحن أبنائها وبناتها في ساعة واحدة وفي ساحة واحدة .. اسمها " حماة " ولتستمر المجزرة حتى بعد أن توقف كل شيء ..

تستمر المجزرة حتى 1992 بقوائم إعدام أسبوعية كان يوقعها وزير الدفاع الأسدي مصطفى طلاس ، المتفنن في كتب الطبخ وصناعة الورود وملاحقة ملكات الجمال حول العالم ، والذي يكتب في مذاكراته أنه ظل يوقع منذ 1982 - حتى 1992 قوائم إعدام أسبوعية على مدى عشر سنوات في كل قائمة نحو مائة شهيد احسبوا معي : 10 × 52 × 100 = 52000 شهيد . ويقولون بأن الرقم شفاف لا يكذب .

لم تجد الجمهورية الفرنسية " ماريان " العلمانية في هذا الاعتراف ما تسأل عنه وزير الدفاع المذكور . لم أقل إيقاف أو محاكمة . ولكني أقول سؤال . لا لطلاس ولا لرفعت ولا لكل شركاء الجريمة المسوغة المبررة بكل أبعادها . ولكن لاجئا سوريا اليوم هو الموقوف : ويا غيرة ماريان العلمانية ويا غيرة القانون الدولي ويا غيرة حقوق الإنسان. أنت تدافع عن القتل عندما لا تعامل كل القتلة سواء .

وفي سبيل التأسيس للمجتمع المتجانس الذي أعلن عنه بشار الأسد وطالب به الكيان الصهيوني .

أحدثكم عن تاريخ ربما فات بعضكم .

وأترك لكم إدراك أبعاد ما عايشتموه .. عن المجزرة المليونية ، وعن " الرئيس " الذي يتهم شعبه بالملايين ويقول وإن كان المتهمون بالمليون نقول " بالملاييييييييييييييين "

وفي البدء كانت المجزرة . وكان الدم المهدور والمباح . وكانت محاكم التفتيش ..

ترجونهم !! أو تعتبون عليهم !! ولهذا الدور الوظيفي أرادوه ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

الواقع السوري في ضوء انهيار الليرة

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 28/1/2020

الانهيارات التي تعرّضت لها أخيرا الليرة السورية، المنهارة أصلاً، إنما هي الحصيلة الطبيعية لجملة المقدّمات التي أدّت بالاقتصاد السوري إلى الوضعية الكارثية التي هو عليها راهناً. والمأساة الكبرى تتمثل في عدم وجود بوادر أو مؤشّرات من شانها أن تعطي بعض الأمل بإمكانية تجاوز أسباب الانهيار، وتخفيف الضغط عن الناس، فالاقتصاد السوري قبل الثورة كان يعاني كثيراً نتيجة تراكمات الفساد الشمولي الذي مارسته أجهزة النظام والزمر الطفيلية المستفيدة على جميع المستويات. وكانت هذه الوضعية استمراراً لمسيرة عقود من الحكم الدكتاتوري الدموي الذي قاد البلاد بيد من حديد عبر المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية القمعية؛ حتى بات مجرّد أي نقد بناء عابر، وأي تحذير حريص غيور يهدف إلى ضرورة أخذ الحيطة من النتائج السلبية المرتقبة في الميدان الاقتصادي، من التهم الكبيرة التي يُعاقب عليها أصحابها بأشد العقوبات. وما حصل مع كل من رياض سيف وعارف دليلة في هذا المجال عام 2001، في بدايات حكم بشار الذي أتحف السوريين بوعود الإصلاحات، خير دليل في هذا المجال، فقد حوكما بالسجن سنوات طويلة، لمجرّد أنهما حذّرا من عواقب الاستمرار في ممارسات وسياسات اقتصادية خاطئة، فالقطاع الزراعي كان يتعرّض للكوارث نتيجة السياسات الجاهلة اللامسؤولة، والفساد المزمن الشمولي على جميع المستويات. كما كان القطاع الصناعي في تراجع مستمر، ولم تكن لديه القدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية؛ بل أصبحت السوق الداخلية نفسها ميداناً لغزو السلع المستوردة، وذلك نتيجة الصفقات المشبوهة التي كانت بين أهل الحكم وشركائهم. أما قطاع النفط فقد كان بعيداً عن المساءلة والمحاسبة؛ فقد كانت الأسرة المالكة الحاكمة هي التي تشرف عليه، وهكذا، كان في أيادٍ أمينة، كما ذهب

"رياض سيف وعارف دليلة حكما عام 2001 بالسجن سنوات طويلة، لأنهما حذّرا من عواقب سياسات اقتصادية خاطئة"إلى ذلك في يوم ما جميل الأسد في مجلس الشعب.

أما نسبة العاطلين والباحثين عن العمل من الشباب الجامعي فقد كانت في تزايدٍ مستمر، وبوتائر سريعة، حتى انسدّت الآفاق أمام الجيل الشاب، الأمر الذي دفع الأوضاع الداخلية السورية نحو مزيد من الاحتقان؛ خصوصا بعد أن تبين للناس أن كل الوعود التي أطلقها بشار الأسد، وريث الجمهورية الاستبدادية، في بداية حكمه، كانت وسيلةً لكسب الوقت، ومن ثم التمكن والسيطرة المطلقة. وهذا ما حصل في واقع الحال.

وبعد مرور عقد كامل من حكم الرئيس الشاب، صاحب الوعود الإصلاحية، لم يكن هناك من مجال أمام الشباب السوري، بعد تلاشي كل الآمال، سوى الخروج إلى الشارع، والمطالبة بتنفيذ الإصلاحات الموعودة. وأُعطي الرئيس الفرصة مرّة أخرى، شرط أن يبدي الرغبة في الإصلاح، والقدرة على تطبيقه، ولكن الأخير، وبعد أن حسم أمره، وسلّم قراره بصورة كاملة إلى راعيه الإيراني، قرّر مواجهة السوريين بالقتل دون غيره. وهو الذي كان يتبجّح باستمرار بأنه قد حقق الاستقرار المستدام في البلاد. وتبين للجميع أن ذاك الاستقرار كان زائفاً لا يستند إلى أي أسس اقتصادية أو اجتماعية، بل كان استقراراً أمنياً، مفروضاً بقانون الأجهزة القمعية.

وشارك الإيرانيون بصورة مباشرة في قتل السوريين. وقد اعترف أخيرا وزير دفاع النظام نفسه بذلك في مجلس عزاء قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، إذ تفاخر بأنه قد خطط مع سليماني، وقاتل معه في معركة، أو بكلام أدق مجزرة، بابا عمرو، ضد المواطنين السوريين. أما مشاركة حزب الله في قتل السوريين، وتهجيرهم وتجويعهم، فقد أكدها، ويؤكدها، أمين عام الحزب، حسن نصرالله، مراراً وتكراراً، وأمام مرأى ومسمع الجميع.

والآن، وبعد نحو تسعة أعوام على بداية الثورة السورية، انهار الاقتصاد السوري بصورة شبه 

"المافيات المحلية السلطوية والمليشياوية، إلى جانب المافيات الإقليمية والدولية، تتحكّم في البؤر الاقتصادية المتبقية التي تحقق أرباحاً سريعة"كاملة؛ وباتت المافيات المحلية السلطوية والمليشياوية، إلى جانب المافيات الإقليمية والدولية، هي التي تتحكّم في البؤر الاقتصادية المتبقية التي تحقق أرباحاً سريعة. كما أصبحت الإتاوات والرسوم المفروضة على تهريب السلع والبشر، والاتجار بالمخدّرات والممنوعات الأخرى؛ هذا بالإضافة إلى التلاعب بأسعار المنتوجات الزراعية، وفرض الإجراءات التي تلزم المنتجين بتسليم محاصيلهم بأبخس الأثمان، وإلى جانب ذلك كله، يُشار في هذا المجال إلى عمليات تقاسم إنتاج النفط بين النظام وحرّاسه ورعاته. وقد باتت جميع هذه المظاهر من المألوف اليومي في الواقع السوري.

أما الحصيلة التي تجسّد تراكمات وتفاعلات كل هذه العوامل المأتي على ذكرها، وغيرها؛ فتتمثل في السقوط الحر المدوي الذي تتعرّض له الليرة السورية في يومنا هذا. وقد تزامن ذلك كله، بطبيعة الحال، مع الإجراءات الأميركية الاقتصادية الصارمة ضد النظام الإيراني. كما أن إجراءات الحظر المنتظرة التي ستترتب على قانون سيزر (أقره الكونغرس الأميركي أخيرا)، تفيد بأن الاقتصاد السوري سيواجه مزيدا من الانهيارات، على الرغم من كل الإجراءات التجييشية، والحملات الإعلامية التي سوّقها النظام أخيرا بحجة دعم الليرة السورية.

واللافت في هذه الانهيارات أنها عامة، لا تخص مناطق السوريين المناهضين للنظام، بل تشمل جميع المناطق السورية، لا تفرّق بين المعارضين والموالين والمترددين، أو "البين بينيين". وهي انهيارات ستستمر، وستكون أكثر وقعاً في أجواء عدم وجود مؤشّرات توحي بإمكانية الوصول إلى حل منتظر، فرأس النظام ما زال حبيس خطابه الهوائي الانتقامي المتبجح، الخاوي من أي مضمونٍ واقعي. وجنرالات القمع في انتظار "المكافآت" لقاء ما فعلوه 

"الانهيارات أنها عامة، لا تخص مناطق السوريين المناهضين للنظام، بل تشمل جميع المناطق السورية"بالسوريين تسعة أعوام من تدمير وقتل وتهجير، بغرض تمكين رأس النظام من البقاء في الواجهة ولو شكلياً، لأن الكل بات يعرف أن الروس مع الإيرانيين أصبحوا هم من يقرّرون في أدق التفاصيل، فهؤلاء يطالبون، وسيطالبون، بحصصهم من التركة.

بلد محطم، وقوى مفلسة تصارعت فيما بينها بهدف الحصول على مناطق نفوذ خاصة بها، تستثمرها أوراقاً تفاوضية مع الجانب الأميركي، وسندات نقدية مع الأوروبيين والخليجيين. وقد راهن الروس كثيراً على ملف عودة اللاجئين ومشاريع إعادة الإعمار التي يسيل لها عادة لعاب المتعطشين إلى المال الحرام. ولكن في ظل انعدام إرادة فعلية لدى النظام بالاعتراف بالكوارث التي كانت بفعله، وعدم قدرته على الانفتاح على الحلول الواقعية التي من شأنها تدوير الزوايا، وتسهيل عملية اتخاذ القرارات الصعبة؛ وفي وضع إقليمي مضطرب، خصوصا في لبنان والعراق وإيران؛ وفي أجواء مناخ دولي يتّسم بتنامي النزعات القومية الانعزالية؛ إلى جانب مخاطر صعود القوى الشعبوية المتطرّفة التي تهدّد المكاسب الديمقراطية في مختلف الدول، الغربية منها والشرقية؛ في ظل ذلك كله وأجوائه، خطر ترك السوريين لمصيرهم جدّي ووارد، إن لم نقل هو قائم؛ وهذا ما يهدّد بمزيد من الانهيارات التي ستنعكس نتائجها السلبية الموجعة على الواقع المعيشي لغالبية السوريين، هؤلاء الذين يعانون أصلاً من وضعٍ مأساوي يستعصي على الوصف والتحمّل.

===========================

يستثمرون قضية المرتزقة لتشريع ذبح السوريين

غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 28/1/2020

ليس خطأ صغيراً ارتكبته بعض المعارضة السورية بالموافقة، أو السكوت، عن إرسال مقاتلين إلى ليبيا. هو خطيئة كارثية. وثمّة نذر تفيد بأن قضية السوريين، أو كارثتهم الإنسانية، هي المرشح الأول لدفع ثمن هذه الخطيئة من رصيدها الذي بنته بعذابات الشعب السوري، وحلمه الصادق بوطن حرّ كريم.

ما الذي دفع من يسمون أنفسهم قادة المعارضة المسلحة إلى الوقوع في هذه الحفرة العفنة؟ لن تستطيع كل المبرّرات المنطقية تزيين هذا الفعل، لا حقيقة أن تركيا تستضيف ملايين السوريين، ولا وقوفها إلى جانب المعارضة في حربها ضد النظام، ولا حتى أنها أصبحت طريق الإمداد اللوجستي الوحيد لمد ما تبقّى من مشروع، لا يزال، يطمح إلى تحقيق جزءٍ من مطالب الشعب السوري.

لا تكفي هذه المبرّرات، لأن تركيا التي يتجاوز عدد سكانها الثمانين مليوناً، ولديها تاسع أقوى جيش في العالم، ليست بحاجة إلى مئات من المقاتلين السوريين للدفاع عما تعتبره مصالح قومية حيوية لها. من جهة أخرى، لم تنته بعد عذابات السوريين على يد تحالف روسيا إيران والأسد الذي يذيقهم الموت بكل أصنافه، كي تجد المعارضة لديها فائض قوّة تتبرّع به لصالح مشاريع تركيا الجيوسياسية!

ولكن أخطر من كل ما سبق، التداعيات الخطيرة التي ترتّبها هذه المسألة على قضية السوريين عموماً، وكان واضحاً كيف استغلت أطرافٌ كثيرة هذا الحدث لإعادة قراءة القضية السورية بطريقة مغرضة، كما نزعت أطراف كثيرة أردية الحرج الشفافة التي كانت تغطّي به مواقفها تجاه السوريين، وكأنها كانت تنتظر خطأ ما ينزل عليها من السماء كي تلعن السوريين وتبرّر 

"لم تنته بعد عذابات السوريين، كي تجد المعارضة لديها فائض قوّة تتبرّع به لصالح مشاريع تركيا الجيوسياسية!"تقاعسها تجاه أزمتهم ومحنتهم.

في أيام قليلة، سال حبر كثير، وكتبت عشرات التقارير والمقالات التحليلية، ومثلها من التعليقات التلفزيونية التي تقول بصراحة، تتجاوز حدود الوقاحة، هؤلاء هم الذين ثاروا على الأسد، وهؤلاء هم من يدّعون أنهم ثوار من أجل الحرية. ولا يمكن لوم هؤلاء، فهم كانوا ينتظرون مثل هذه الفرصة ليبرّروا سبب رخاوتهم وانكفائهم عن دعم ثورة السوريين، أو ليبرّروا وقوفهم ضدها ومساعدتهم نظام الأسد عسكرياً واستخباراتياً ولوجستياً، وليظهروا أحقادهم الدفينة تجاهها. يقع اللوم على أولئك الذين يعرفون كم أن وضع الثورة السورية دقيق في هذه المرحلة، ولم يستطيعوا تقدير العواقب.

المثير أن الطرف الآخر في الصراع الليبي، خليفة حفتر، يكاد يختنق من كثرة المرتزقة الذين يعملون في صفوفه، علناً، من روسيا ودول أفريقيا وجهات ربما لا نعرفها، ولا أحد يأتي على ذكر ذلك. ولا يُنسى أن عماد الحرب التي شنّها بشار الأسد على السوريين أنفسهم كان مرتزقةً من دول الجوار، بحجّة حماية الأماكن المقدسة. ومن روسيا بذريعة حماية المسيحية في الشرق. ومن أرمينيا بدعوى حماية الأرمن. ومن علويي تركيا وأكرادها. وقد تم قبول هذه المبرّرات، من دون أن ينتبه أحد إلى أن السوريين الذين ذهبوا إلى ليبيا هم في الغالب من التركمان الذين يدّعون أنهم ذهبوا لمناصرة إخوانهم "الكراغلة" التركمان الليبيين في مصراتة وبعض مدن الساحل الليبي.

ليس ذلك وحسب، بل كان المرتزقة هم أساس الحروب التي قامت في العقد الأخير وعمادها. ويدلل على ذلك شيوع مصطلح الوكلاء في أدبيات الحرب والسياسة بشكل هائل في المجال

"خليفة حفتر يكاد يختنق من كثرة المرتزقة الذين يعملون في صفوفه، علناً، ولا أحد يأتي على ذكر ذلك" الدبلوماسي والفضاء الإعلامي، وذلك لرغبة الأطراف التي تخوض هذه الحروب في تجنّب التصادم المباشر بينها. وفي مؤشّر على أن قادة هذه الدول يخوضون حروباً ليست لها شعبية في بلادهم، وبالتالي يتجنّبون استفزاز شعوبهم بصناديق القتلى التي تأتي من الجبهات. وفي الغالب، من يسمّون مرتزقة هم ضحايا مشاريع هؤلاء القادة واستراتيجياتهم وخططهم، لأنهم يستهدفون فئاتٍ ضعيفة ومعوزة (مثل اللاجئين الأفغان في إيران) وأمثالهم، بدفعهم إلى ساحات حروبهم.

والحال، أنه في ظل صراع المنافسة بين أردوغان وبعض الزعماء العرب، وفي ظل تهافت قادة المعارضة وخنوعهم لتركيا وخيانتهم أمانة الدم السوري، تجرى استباحة ثورة شعبٍ ما زال دمه يقطر من أنياب روسيا وإيران، ويجري على أصابع عصابة الأسد، شعب ما زال يستغيث العالم من خيام غطّاها الثلج في لبنان، ومئات المخيمات الغارقة في الوحل على حدود تركيا، ناهيك عن عشرات الألوف الذين ينتظرهم الموت في سجون الأسد.

ولكن، ماذا يفعل السوريون ليثبتوا أنهم ليسوا مرتزقة، فقد أصدرت كل القوى السياسية، وأغلب المقاتلين على الجبهات، بيانات تستنكر الخطوة التركية وترفضها، ولم يلتفت إليها أحد، فليس 

"الذين ذهبوا إلى ليبيا هم في الغالب من التركمان الذين يدّعون أنهم ذهبوا لمناصرة إخوانهم "الكراغلة" التركمان الليبيين في مصراتة"لشعب سورية المعارض ماكينات إعلامية تنصفه، ويبدو أن ثمّة جهات وجدت الفرصة المناسبة لإخراجه من خانة الشعب الثائر إلى خانة المرتزقة.

يريد بعضهم تدفيع السوريين ثمناً باهظاً لحلمهم الثوري، عبر تبرئة بشار الأسد وإعادة تأهيله، نسوا أن أخلاق هذا الكائن لم ترتق إلى مرتبة أخلاق أزعر الحارة، فكل واحد تم ذبحه في السجن غدراً كان بأمرٍ مباشر منه، وكل مغتصبة، من بين الثمانية آلاف، جرى تنفيذ عقوبة الاغتصاب بحقها بأمر منه، وكل منزلٍ تم تدميره كان بأمر منه، وكل منزل تمت سرقة حاجاته بأمر منه، وكل عملية تطهير ديمغرافي تمت بأمر وتشجيع منه.. أخطأ من ذهب إلى ليبيا للارتزاق، والرئيس أردوغان مدان لدفعه السوريين المحتاجين إلى هذا الطريق، وقبلها استخدامهم فزاعة لأوروبا، لكن هذا ليس سببا كافيا لمعاقبة السوريين الذين فقدوا باعترافات العالم مليون قتيل وملايين المعاقين، وليس سببا لمسح ذنوب الأسد وتأهيله.

==========================
حقد لافروف وإمبراطورية المرتزقة

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين  27-1-2020

ما كان تحيّز لافروف ضد الثورة السورية خفياً. وما كان نَفَسَه الطائفي خفيّاً، عندما قال غير مسموح لفئة دينية معينة أن تحكم سوريا. ولم يكن تفننه برمي اللوم على الآخر في عرقلة أي حل سياسي للمسألة السورية عصيّاً على الاكتشاف. فرغم أنه غير مغرم ببشار الأسد ونظامه، ولا بإيران وملاليها؛ إلا أنه لم يجد مشكلة بدعم الإجرام الأسدي والخامنئي مترجماً حقده المكنون على الإسلام والعروبة.

تلك الروح العنصرية الاستبدادية الموسيلينية تتجذر في نفوس تلك الطغمة الحاكمة في روسيا؛ وما فعلتها في "غروزني" وسوريا إلّا الدليل. فإذا عدنا إلى الجذور، وأجرينا مقارنة بسيطة بين تاريخ فرنسا وتاريخ روسيا، نرى أنه نتيجة تعرض الشعبين الفرنسي والروسي إلى أسوأ أنواع التعسف والجور الطبقي، انتفض الشعبان؛ فكانت الثورة الفرنسية، ثم جاءت ثورة اكتوبر "الحمراء". ولكن شتان بين الاثنتين: الثورة الفرنسية كانت "صرخة " حرية أوصلت فرنسا إلى الحالة الراهنة من الحرية والمساواة الاجتماعية والاقتصادية؛ أما في روسيا الاشتراكية، فإن ثورتها الحمراء جعلت أغلبية القِنان الروس يلعنون اللحظة التي قامت فيها تلك الثورة، لأنهم انتقلوا من جور الإقطاع وحكم القياصرة المستبد إلى ظلماء الحكم الشيوعي، الذي أورثهم كلاً من ستالين الحقيقي، وستالين المعاصر، وهو بوتين، الذي لم يشذ عن قواعد لعبة الحكم الروسية، التي دائما تفصّل القوانين على مقاسها؛ حيث كانت آخر موضة يوم أمس، عندما وافق ما يسمى بالبرلمان الروسي على منح صلاحيات أبدية وبلا حدود للقيصر بوتين.

تلك كانت نظرة لافروف لسوريا على الدوام. لقد شهدنا ترجمة لذلك في مجلس الأمن، حيث تجاوز عدد المرات التي استخدم مندوبه في مجلس الأمن فيتو العار أربع عشرة مرة لعرقلة أي حل سياسي حقيقي، أو إدخال مساعدات، أو لجان تفتيش. لقد عمل وزير خارجية لروسيا بوتين / المنسحق أمام إسرائيل/، ووزير خارجية لمنظومة الاستبداد الأسدية مرافعةً وتزويرَ حقائق.

كانت آخر تجليات تزويره لحقيقة القضية السورية يوم الجمعة الفائت أثناء استقباله للمبعوث الدولي بيدرسون في موسكو. بداية، كان هذا اللقاء مطلوباً من بيدرسون، منذ أكثر من شهر؛ ولكن لم تتم تلبيته. أتى اللقاء إثر عرقلة روسيا -قبل نظام الاستبداد- لعمل اللجنة الدستورية في جولتها الأخيرة، حين أتى "وفد روسيا وإيران" إلى جنيف بجدول أعمال محتواه الكشف عن "وطنية" أو "لا وطنية" وفد السوريين من المعارضة. ولم يتم اللقاء مع بيدرسون إلا لأن روسيا قد استشعرت أخيراً ان اللجنة ربما تكون الثمن السياسي الوحيد الذي يمكن أن تحصل عليه بعد سنوات من الفعل العسكري الإجرامي في سوريا؛ بحيث يحقق لها استمرار سلطة قد بات مصيرها في مهب الريح.

الشيء الوحيد الذي خرج به المبعوث الدولي هو زيارة إلى دمشق كجائزة ترضية

أتت زيارة المبعوث الدولي متأخرة، وبعد تدخلات مضنية، وبعد تحمُّل تزوير وكذب روسي، بأن المبعوث الدولي وفريقه يتجاوزون الصلاحيات التي منحت لهم؛ حيث جاء ذلك التأنيب المفتعل مع استهلال الجولة الأخيرة للجنة الدستورية في جنيف. في لقاء الجمعة الماضية، سمعنا السردية الروسية ذاتها. الشيء الوحيد الذي خرج به المبعوث الدولي هو زيارة إلى دمشق كجائزة ترضية. في السردية، قال لافروف إثر الاجتماع مع بيدرسون إن الاٍرهاب يعيق إدخال المساعدات الإنسانية ويتسبب بتشريد آلاف السوريين خارج بيوتهم؛ ويحول دون سيطرة السلطة الشرعية على أرضها.

بغض النظر عن اللجنة الدستورية، لم تتم الموافقة على زيارة بيدرسون إلى موسكو؛ ومن ثم إعطاء الأوامر لنظام الأسد كي يستقبله، إلا لأن السيد لافروف ومعلمه يسعيان بشكل حثيث إلى ترتيب الأوضاع في سوريا قبل نفاذ {قانون قيصر} الذي ينص حرفياً على معاقبة "كل شخص أو مقاول عسكري أو مرتزق أو قوة شبه عسكرية يعمل عن عمد بصفة عسكرية داخل سوريا لصالح حكومة سوريا أو باسمها أو حكومة الاتحاد الروسي أو حكومة إيران". ومعروف أيضاً أنهما يحاولان إيجاد مخرج من تلك العقوبات القادمة كالقدر. فحسب الجزء الثالث من هذا القانون، لا رفع للعقوبات إلا إذا توقف النظام ومن يدعمه عن استهداف المدنيين، ثم رفع أي حصار، وإيصال المساعدات لمحتاجيها، وإطلاق سراح المعتقلين، ومحاكمة كل من يستهدف المدنيين والمرافق الطبية والمدارس. وروسيا بهكذا حال لا تستطيع حماية نفسها، كي تحمي نظام دمشق.

وهكذا، نرى أن روسيا تسعى حثيثة للعمل مع تركيا، أو رغماً عنها، لحسم الأمور في الشمال. والأخطر، أنها تعمل على ترتيب الأمور في سوريا مع جهات أخرى في ضفة مدّعي المعارضة على مقاسها تماماً؛ وخاصة، مع من يطلب رفع العقوبات كما تشتهي ويشتهي النظام تحديدا. وبذا سيكون لديها من يشرعن وضعها بين الموالاة والمعارضة أيضًا.

ومن هنا؛ ومع قانون قيصر، فإن الفرصة أكثر من مؤاتية للغرب الصامت على الممارسات الروسية الشاذة، وعلى كافة الأصعدة، كي يتوقف عن تغطية عين الشمس بغربال، ويوقف تلك العصابة عند حدها؛ لأن ثمن هذا الصمت المريب حيال سلوك القيصر ضد الداخل الروسي أو في علاقاته الخارجية، سيكون كارثياً. الأمر ذاته ينطبق على تركيا التي لا بد تستيقظ من تأثير مخدر الكذب الروسي. ربما تكون التطورات الميدانية في الشمال السوري، وتصريحات الأتراك حول دعم الفصائل المسلحة في وجه الخيار العسكري الروسي في سورية دليلًا على أن تركيا قد طفح كيلها من مسلسل الكذب والتسويف الروسي وقلة الوفاء للوعود التي قطعتها موسكو لأنقرة. فهل نحن على أعتاب مرحلة جديدة يتم فيها وضع النقاط على الحروف؟ ليعلم لافروف ومعلمه أن ما من حياة تُرتجى لنظام إجرامي متهالك يعيش على الدم. ستكون روسيا واهمة جداً، إذا استمرت بهذا النهج. إن سلوك العصابة المرتزقة لن ينجيها أو ينفعها. إن أفغانستان من نوع آخر بانتظارها.

===========================

حول لقاء فيدان – مملوك في موسكو ومصير ثلاثي أستانة

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين  27-1-2020

لا يمكن تحميل اجتماع موسكو بين رئيس مكتب الأمن القومي الأسدي علي مملوك ورئيس جهاز الاستخبارات القومي التركي هاكان فيدان دلالات تشير إلى بداية تطبيع علاقات محتملة بين تركيا والنظام الكيماوي. ليس لأن هذا التطبيع غير وارد لأسباب مبدئية، بل لأن شروطه غير متوفرة، ولا يبدو أنها يمكن أن تتوفر في المدى المنظور. فلا الحرب قاربت على نهايتها، ولا مسار سياسياً يمكن التعويل عليه بما يسمح بعودة ملايين السوريين الموجودين في تركيا ثمن الحد الأدنى لانسحاب القوات التركية من الأراضي السورية.

مع ذلك، استطاع لقاء رجلي الاستخبارات المذكورين أن يستقطب اهتمام الإعلام بوصفه "أول لقاء معلن على هذا المستوى" بين الخصمين اللدودين. فقبله لم تتوقف اللقاءات على مستوى أجهزة الاستخبارات "كلما اقتضت الحاجة" حسب تعبير المسؤولين الأتراك. وهي لقاءات "فنية" إذا جاز التعبير، وليست سياسية، لا بد أن تجري بين الخصوم في حالات الصراع. أما بالنسبة لمملوك وفيدان، فلا نعرف ما إذا كانت لقاءات أخرى تمت بينهما ولم يعلن عنها. وهذا غير مهم، على أي حال، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن اللقاء المعلن هدفه إعلامي أكثر من ضرورته الفنية أو السياسية، بالنظر إلى أن الطرفين يقفان، في الصراع الدائر، على خندقين متقابلين، لا يجمعهما إلا علاقتاهما مع روسيا التي تبدو هي المستفيد الوحيد، إعلامياً، من هذا الاجتماع.

غير أن ثمة تطابق في موقفي النظام وتركيا في نقطة واحدة هي الموقف من "وحدات حماية الشعب" أو "قوات سوريا الديموقراطية" التي تحاربها تركيا، ويهددها النظام الكيماوي من غير امتلاك القدرة على تحويل تهديداته إلى حرب. وإذا تركنا جانباً تصريحات الجانب الأسدي حول فحوى الاجتماع، أي أن مملوك طلب من محاوره التركي أن تنسحب القوات التركية من الأراضي السورية، يبقى أن الأرضية التي يمكن أن يتفقا عليها هي اتفاق أضنة الذي لا تكف موسكو عن التذكير بوجوب إعادة العمل به، ولم يتنصل منه نظام دمشق، وقد ترغب أنقرة في إعادة النظر بنصه بما يتسق مع الأوضاع المستجدة.

يمكن القول إن كلاً من النظام وتركيا لهما مصلحة مشتركة في تحجيم قوات "قسد"، ولا مانع لدى تركيا من أن تتولى قوات النظام هذه المهمة

واتفاق أضنة، كما نعرف، موضوعه هو مكافحة حزب العمال الكردستاني، أي تنظيم العلاقات الأمنية والحدودية بين الدولتين بما يستجيب للهواجس الأمنية التركية. أما في الشروط القائمة اليوم، فلا قدرة لدى النظام الكيماوي على ضبط الحدود المشتركة بما يلبي الهواجس المذكورة، الأمر الذي تولته القوات التركية بنفسها – مع الفصائل التابعة لها – في مناطق عفرين و"درع الفرات" و"نبع السلام"، في حين قضى الاتفاق الروسي – التركي بتولي الإمساك بأمن الحدود شرق منطقة "نبع السلام" وغربها من قبل روسيا والنظام. لكن عدم كفاية القوات الروسية والأسدية في تلك المناطق التي انسحب منها الأميركيون وقوات "قسد"، يتطلب تنسيقاً أمنياً بين النظام وتركيا، لعله كان أحد البنود "الفنية" في اجتماع موسكو. وعلى العموم، يمكن القول إن كلاً من النظام وتركيا لهما مصلحة مشتركة في تحجيم قوات "قسد"، ولا مانع لدى تركيا من أن تتولى قوات النظام هذه المهمة. فقد سبق للرئيس التركي أن عبر عن ذلك بخصوص وضع منبج، فقال إن "الأرض أرضهم" (يقصد النظام).

ما يبدو توافقاً بين النظام وتركيا ضد الخصم المشترك "قوات سوريا الديموقراطية" المتحالفة مع ما تبقى من القوات الأميركية، سيتحول إلى تناحر صريح في منطقة خفض التصعيد الرابعة في إدلب وجوارها. فوقف إطلاق النار الذي أعلن عنه بوتين وأردوغان، على أن يبدأ في 12 من الشهر الجاري هناك، سرعان ما انهار بسبب اشتداد القصف الروسي – الأسدي على مختلف مدن وبلدات تلك المناطق، وأدى إلى أعداد كبيرة من القتلى بين المدنيين وموجات نزوح جديدة باتجاه الحدود التركية المغلقة في وجه الفارين.

وهدد الرئيس التركي بتولي مواجهة الهجوم العنيف بصورة مباشرة، بعد أيام قليلة على لقاء مملوك – فيدان. بل إن الفصائل المدعومة من تركيا تلقت دعماً بالأسلحة، وفقاً لتقارير صحفية، أتاح لها مواجهة قوات النظام وتكبيدها خسائر كبيرة. وآخر الأخبار، بهذا الخصوص، تتحدث عن اجتماع عقده هاكان فيدان مع قادة الفصائل السورية التابعة لأنقرة في إطار سياسة المواجهة العسكرية مع النظام وروسيا في منطقة خفض التصعيد. الأمر الذي يشير إلى أن روسيا وتركيا ليستا على الموجة نفسها بخصوص إدلب على الأقل. من المحتمل أن الخلاف التركي – الروسي هذا يمتد إلى ليبيا أيضاً حيث لم يستجب الجنرال خليفة حفتر لنداء أردوغان – بوتين، ولا لمخرجات مؤتمر برلين بشأن وقف إطلاق النار.

فإذا أضفنا حالة الجمود التي أصابت اجتماعات "اللجنة الدستورية" في جنيف أمكننا القول أن التنسيق التركي – الروسي في سوريا هو في أسوأ حالاته، بخلاف المظاهر. في حين ابتعدت إيران عن الصورة تماماً بعد اغتيال الأميركيين لقاسم سليماني، وهي الآن مشغولة أكثر بمواجهة تحديات الساحة العراقية أكثر من اهتمامها بالصراع في سوريا أو مسار أستانا.

هل معنى مجموع هذه المعطيات هو أن مسار أستانة الثلاثي في طريقه إلى الزوال، لتحل محله التناقضات بين أقطابه، أي بين تركيا وروسيا من جهة أولى، وبين إيران وروسيا من جهة ثانية؟

لن أتسرع بالتبشير بهذا المآل، فحتى تأخذ التناقضات البينية المذكورة مداها وينهار مسار أستانة، لا بد من وجود جهة أخرى مستعدة لقطف هذه الثمرة الناضجة، أي الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءَها الغربيين. وهو ما لا يمكن المراهنة عليه بالنظر إلى غياب استراتيجية فاعلة لدى الأميركيين في الصراع السوري، إضافة إلى وضع الرئيس ترمب الذي تبحث واشنطن مصيره، والسنة هي سنة انتخابات رئاسية. 

===========================

مسارات الصراع في سويداء الجنوب السوري

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 26/1/2020

صعد مؤخراً في الإعلام اسم مدينة السويداء نتيجة المظاهرات، التي شهدتها المدينة تحت شعار «بدنا نعيش» وهي أول مظاهرات تشهدها واحدة من المدن التي يسيطر عليها نظام الأسد منذ سنوات، والنقطة الثانية لصعود اسم السويداء في الإعلام؛ كونها مركز محافظة، يشكل السوريون الدروز غالبية سكانها، والأمر في الحالتين أهمية تضاف إلى ما مثلته السويداء من حالة ميزت مشاركتها المدنية والسلمية في ثورة السوريين.

مظاهرات أهالي السويداء، بطابعها المطلبي، تمثل جزءاً من نهج أهلها السلمي والمدني في الثورة ضد نظام الأسد. فهذه المدينة وبعض مدن وقرى تحيط بها، شهدت في بداية الثورة مظاهرات على غرار ما حدث في مدن وقرى سورية أخرى، رفعت فيها شعارات وهتافات معادية للنظام تطالب بالحرية وتدعو إلى التغيير، وهتافات أعلنت تضامن أهاليها مع مدن، كانت تتعرض لهجمات قوى النظام المسلحة وميليشياته. لكن الدور الأكبر والمميز لأهالي السويداء في الثورة، ذهب لاحقاً في ثلاثة مسارات مميزة؛ أولها تحول السويداء إلى ملجأ لنازحين سوريين من محافظات عصفت بها آلة القتل والدمار للنظام، فجاء إلى السويداء أكثر من ثلاثمائة ألف نسمة أغلبهم من حمص ودرعا ودمشق والقنيطرة، يشكلون حالياً نحو ثلث سكان المحافظة، وحظي هؤلاء برعاية ومساعدة أهالي السويداء، والمسار الثاني، إصرار أهالي السويداء على منع تجنيد أولادهم في حرب النظام على السوريين من خلال امتناعهم عن سوق أولادهم للخدمة في جيش النظام، والإصرار على أن الذين يؤدون الخدمة الإلزامية من أبناء السويداء، ينبغي حصر خدمتهم في المحافظة للدفاع عنها، وقد اضطر النظام إلى مسايرة مطالب السويداء، التي تبنتها غالبية الفعاليات الدينية والاجتماعية والسياسية. والمسار الثالث وقوف السويداء الحاسم في وجه ميليشيات «داعش» وصد هجماتها.

ورغم شيوع الكلام عن وجود روابط وعلاقات غير معلنة بين النظام و«داعش»، وتناغم سياساتهما إزاء السويداء وسكانها، فإن موقف أهالي السويداء في مواجهة «داعش» ومحاربته فرض على النظام حداً معيناً في مراعاة أهلها، إضافة إلى رغبة النظام في تأكيد مقولة، أنه حامي الأقليات، التي يشكل الدروز إحدى أصغرها؛ إذ لا يتعدى عددهم السبعمائة ألف نسمة، وقد اكتسب الدروز سمعة وطنية، مستمدة من دورهم في ثورة سوريا الكبرى ضد الفرنسيين (1925 - 1927) التي قادها سلطان باشا الأطرش، وهو عامل ثالث يدفع نظام الأسد إلى مسايرة أهالي السويداء إلى حد ما.

غير أن مسايرة النظام، ليس سوى الوجه الناعم من حرب تبدو علنية، وتأخذ وجهاً خفياً في أحيان أخرى، وتشكل المظاهرات الراهنة أحد وجوهه، في حين تشكل سياسات النظام في إفقار المحافظة وتهميشها واللعب في بناها السياسية الاجتماعية والدينية الوجه الآخر، ويضاف إلى ما سبق اللجوء إلى استخدام القوة الأمنية - العسكرية لإخضاعها، إذا تطلب الأمر، أو عبر تحريك قوى معادية تحيط بالمحافظة على نحو ما تجسده مجموعات «داعش»، التي انتقلت علناً من جنوب دمشق واستوطنت بجوار السويداء تحت سمع وبصر النظام وقيامها بهجمات واسعة، وأحياناً بتحريك بعض عملاء النظام من البدو ضد أهالي السويداء.

ما يبدو من حرب في السويداء، يمثل فصلاً راهناً في حرب مستمرة منذ وصول البعث إلى السلطة عام 1963، وقد تصاعدت بعد استيلاء الأسد الأب على السلطة عام 1970، قبل أن تصل إلى مستواها الراهن من الاحتدام بعد ثورة 2011.

لقد استبعد البعث من السلطة في مراحله المختلفة كوادره البعثيين من الدروز، وهذا ما حصل في استبعاد كل من مزيد الهنيدي وحمد عبيد من اللجنة العسكرية، التي دبرت انقلاب «8 آذار» 1963، وأُعدم سليم حاطوم أحد قادة حركة «23 شباط» 1966، وسجن حديثة مراد، عضو القيادة القطرية للحزب، عقدين من السنوات، ودفع للمنفى الطويل ثلاثة من قيادات البعث حمود الشوفي، ومنصور الأطرش، الذي مات بدمشق مهمشاً، وشبلي العيسمي، الذي تولى الأمانة العامة لحزب البعث، وقد اختطفته المخابرات السورية من لبنان، وجرى إخفاؤه، وهو في السادسة والثمانين من العمر عام 2011؛ لأنه رفض تأييد بشار الأسد في مواجهة الثائرين عليه، وأغلب هذه الارتكابات تمت بقرار أو بتأثير الأسد الأب الذي كان من الواضح، أن لديه مشكلة مع محافظة السويداء ورمزها الأكثر شهرة سلطان باشا الأطرش.

لقد كرست السياسة التمييزية للنظام هامشية محافظة السويداء وضعفها، ليس من الناحية السياسية فقط، بل على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي؛ إذ على الرغم من أنها تجاور العاصمة وفيها نسبة عالية من المتعلمين وأرض واسعة، فلم تحظَ إلا بهوامش خطط ومشاريع التنمية؛ إذ لم تُقَم فيها مشاريع تنمية زراعية أو صناعية أو سياحية طوال أكثر من خمسة عقود، وظلت الوظيفة العامة هي المسرب الوحيد للارتقاء في السلم الاجتماعي.

وتوازى ما سبق مع سعي النظام للسيطرة على رجال الدين الدروز وتعميق انقساماتهم، بالتزامن مع تصعيد وجوه للطائفة من موظفين هامشيين وضباط، بينهم العميد عصام زهر الدين الذي قدمه النظام في سنوات الثورة مرتكباً أفظع جرائم الحرب قبل أن يتم قتله من قبل النظام في أكتوبر (تشرين الأول) 2017.

ما يجري في السويداء اليوم، هو استمرار لحرب عمرها عقود بين النظام وطائفة من السوريين، لكنه في وجه آخر، هو بعض من مجريات ثورة السوريين ضد النظام عبر الدعوة إلى استمرار الحياة، وهو حق ينبغي أن يكون مكفولاً لكل السوريين ولأهالي السويداء ضمناً.

===========================

روسيا البوتينية وآفاق ما بعد 2024

د. خطار ابو دياب

العرب اللندنية

السبت 25/1/2020

يخطف الرئيس فلاديمير بوتين الأضواء ويبدو شاغلا للناس في بلاده والعالم، إنه لا يكل ولا يمل ولا ينفك عن التحرك في الداخل والخارج. تبوأ الصدارة بين أربعين رئيس دولة وحكومة شاركوا إسرائيل في “المنتدى العالمي للهولوكوست (المحرقة النازية)”. واقترح عقد قمة خماسية عن “الأمن العالمي” مع زعماء كل من الولايات المتحدة والصين وبريطانيا وفرنسا، الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، خلال العام 2020 لمناقشة سبل “حماية السلام وحفظ الحضارة”. وقبل ذلك كانت له زيارات لافتة لكل من دمشق وأنقرة ومشاركة في مؤتمر برلين حول ليبيا.

تزامن ذلك مع توضيح لاستراتيجية الحكم في روسيا بعد انتهاء ولاية بوتين في 2024، من خلال اعتماد إصلاحات وتغييرات لمنع تكرار أخطاء الحقبة السوفييتية. بيد أن هذا النشاط المفرط لإبراز دور روسيا وفاعليته، لا يمكنه أن يخفي نقاط الضعف البنيوية ومخاطر الاندفاع على الساحات الخارجية.

لذلك يتركز هم “القيصر الجديد” على تحصين البيت الداخلي ويخطط لديمومة نهج البوتينية بالرغم من الشكوك المحيطة بهذا الرهان ربطا بالتحولات الاجتماعية والديموغرافية واحتمالات احتدام “الفوضى الاستراتيجية” في العالم.

ابتسمت الألفية الثالثة منذ بداياتها لفلاديمير بوتين الذي أنهى دخوله الكرملين مرحلة السبات الروسي في عهد بوريس يلتسين. لم تكن المهمة سهلة أمام رجل الاستخبارات السابق لتصحيح ما اعتبره “الخطأ الجيوسياسي الأكبر في القرن العشرين” (نهاية الاتحاد السوفييتي)، وانبرى يحارب مختالا على كل الجبهات مستنهضا الأمجاد الغابرة مع تجميع عناصر القوة والمناورة على طريقة ممارسته الفروسية ولعبتي الجودو والهوكي.

لكن فلاديمير بوتين المتحفظ والحاسم في آن معا، لم يلتقط الأنفاس ولم  يدع أي فرصة ليبدأ مسار إنقاذ روسيا واستعادة دورها العالمي. في العقد الأول من هذا القرن منذ حرب الشيشان إلى الصراع مع جورجيا في العام 2008، تمكنت موسكو من استرداد مكانتها تدريجيا. وفي العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين انطلاقا من الساحة السورية إلى شبه جزيرة القرم وشرق المتوسط وليبيا، بالإضافة إلى الانهماك في سباق التسلح والتعاون مع الصين، تمكنت روسيا من التربع في الثالوث القيادي (مع الولايات المتحدة والصين) في إعادة تشكيل النظام الدولي. وعلى عكس الترامبية التي تخفف من الالتزامات الخارجية لواشنطن، اندفعت البوتينية لتوسيع النفوذ الروسي في الخارج من أجل التعويض عن الضعف الاقتصادي في الداخل.

من خلال مراقبة دقيقة لحصاده خلال عقدين من الزمن على رأس روسيا، يعي الرئيس فلاديمير بوتين أن الإنجازات التي حققها مهددة خارجيا وداخليا، ولذا نراه حذرا في خوض غمار سباق التسلح لأنه يخشى من انعكاسات الإنفاق العسكري الهائل والكلفة الاقتصادية للعمليات الخارجية، خاصة إنه ابن الحقبة السوفييتية التي عانت مليا من هذا الخلل.

ومن هنا تأتي المبادرة لطلب عقد قمة “الأمن العالمي” في السنة الانتخابية الأميركية نظرا لتعطيل الحوار الثنائي مع واشنطن بالرغم من العلاقة الودودة مع الرئيس دونالد ترامب، وتبعا لرفض الصين المشاركة في مباحثات حول تقليص الأسلحة الاستراتيجية وإنقاذ المعاهدات المبرمة بين واشنطن وموسكو في هذا المضمار. لكن الأهم في جهد بوتين يبرز في بلورة مباغتة لاستراتيجيته في تحصين البيت الداخلي قبل أربع سنوات من انتهاء ولايته الرئاسية.

في خطابه السنوي أمام الدوما (البرلمان الروسي) فاجأ بوتين الموالين قبل المعارضين، كما المراقبين الخارجيين بتقديم رزمة إصلاحات دستورية تكرس تقاسما جديدا للسلطات في قمة الاتحاد الروسي وذلك عند نهاية ولايته الرابعة والأخيرة.

هكذا أطلق فلاديمير بوتين (67 سنة) المسار الانتقالي المنتظر بعد فترة حكم طويلة تجاوزت عدد سنوات ستالين، ومن الطبيعي أن يستخلص سيد الكرملين دروس السنوات الصعبة بين أندروبوف وغورباتشوف ويحاول أن يجنب روسيا مشكلة في الانتقال والاستمرارية، وذلك من خلال اقتراح انتخاب رئيس الوزراء من البرلمان بدل تعيينه من الرئيس.

إلى جانب ذلك، يتم تعيين مجلس دولة يشبه المكتب السياسي أيام الحزب الشيوعي. والأرجح أنه من أجل تفادي الصراعات بين الجناح الليبرالي والجناح الأمني مستقبلا، ربما يريد بوتين لعب دور “القيصر المرشد” والمشرف على السلطات رمزيا أو عمليا عبر قناة مجلس الدولة والمجلس الأمني الذي عين رئيس وزرائه المخلص الدائم ميدفيديف نائبا له مع تعزيز صلاحياته. ولهذا التفسير علاقة باتهام المعارضين للرئيس الروسي بأن هاجسه ليس استمرارية الحكم واستقرار البلاد في المقام الأول، بل “هوسه باستمرار إمساكه السلطة ورقابته عليها”.

وحسب بعض الأخبار المتداولة يكمن وراء اقتراحات بوتين في خطاب 15 يناير، رفض ألكسندر لوكاشنكو رئيس روسيا البيضاء لفكرة اتحاد مع روسيا يذكر بالاتحاد السوفييتي ويرأسه فلاديمير بوتين. إنها إذن “ثورة من فوق” للحفاظ على الحكم المركزي القوي في بلاد القيصرية والإمبراطورية. وهذا ما يطلق عليه بوتين “روسيا القوية” مما يضع حدا لآمال الذين راهنوا على تطور ديمقراطي وتعزيز صلاحيات البرلمان بعد 2024.

في سرعة قياسية حيث تهيمن الأحزاب الموالية للسلطة، بدأ النواب في الدوما بدراسة التعديلات ومن المتوقع أن يقروها سريعا. ثم ستطرح النصوص على الروس للاستفتاء، بدءا من فصل الربيع على الأرجح. وتشير أوساط معارضة إلى أن السلطة ستمنع الاعتراض والتظاهر الواسع كما حصل عندما نجحت المعارضة خلال الصيف الماضي في دفع الآلاف نحو التظاهر مع اقتراب الانتخابات المحلية في موسكو. وبالفعل على مدى 20 عاما في السلطة، نجح فلاديمير بوتين إلى حد واسع في تحييد المعارضة عن اللعبة السياسية.

بعد ستة أيام من الاستقالة المفاجئة لسلفه ديمتري ميدفيديف، كشف رئيس الوزراء الروسي الجديد ميخائيل ميشوستين عن تشكيل حكومته مع إدخال تغييرات على تسع حقائب وزارية التي يبلغ عددها 21، وهو رقم كبير نسبيا بالنسبة لروسيا.

ولكن بالتفصيل، يتم توزيع المغادرين بشكل غير متكافئ للغاية بين الكتل المختلفة التي حددها مراقبو الحياة السياسية الروسية، وتهتم بشكل حصري تقريبا بوزارات من “الكتلتين الاجتماعية والاقتصادية”: الثقافة والتعليم والصحة والتنمية الاقتصادية. لكن البارز احتفاظ الأوزان الثقيلة بمراكزهم أي سيرجي لافروف، في منصب وزير الخارجية (مستمر فيه منذ 2004)، وسيرجي شويغو بحقيبة الدفاع، وفلاديمير كولوكولتسيف بوزارة الداخلية.

لم يحمل هذا التعديل أي مفاجأة واللافت التركيز على الاقتصاد مع رئيس الحكومة مهندس السياسات الضريبية، يعاونه ستة نواب لرئيس الوزراء، يرى فيهم بعض المراقبين أسماء مرشحة للعب دور في خلافة بوتين حيث تبقى الاحتمالات مفتوحة مع النقص في الشفافية وإحكام السيطرة على اللعبة السياسية. خلال الحقبة القادمة سيكون السؤال الرئيس عن استمرار صعود نجم فلاديمير بوتين أو تبيان عدم قدرة البوتينية على الديمومة وترك بصمة كبيرة على تاريخ روسيا.

===========================

مشكلة نظم

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 25/1/2020

بعد تسعين يوما من مرابطة ملايين المواطنين في شوارع الجزائر والعراق ولبنان، وانفراد قادة جيش السودان بالطبيعة السياسية للأزمة العميقة التي يعيشها شعبهم، أنكر حكام البلدان الثلاثة الأخرى الهوية السياسية لأزمة بلدانهم، وقالوا، أسوة بنظام القتل الأسدي، إن سببها هو تظاهرات الشعب المطالب بحقوقه، أو الوضع الاقتصادي الذي يعاني، ككل اقتصاد في العالم، من نقص الاستثمارات الخارجية والمعونات الدولية، وكسل المواطنين وتبذيرهم وعيشهم في مستوىً لا تسمح دخولهم به. ومن المؤكّد أنها ليست أزمة اقتصادٍ يقوم على النهب المنظّم للمال العام، والفساد وسرقة عائد عمل المنتجين، وانعدام التنمية، وهي كذلك أزمة تراخٍ في التعامل مع الشعب، وتساهلٍ لا مسوّغ له في إدارته، أي أنها أزمة إدارية/ أمنية، ترجع إلى الديمقراطية الأبوية التي يمارسها الحاكمون عموما، ورئيس الجمهورية خصوصا، وتشجّع المواطنين على الاستهانة بالدولة، كما أنها، أخيرا، أزمة مجتمعٍ متخلفٍ ومتأخّر، لم يرتقِ إلى مستوىً يؤهله لبلوغ الحرية والسير على دروب التقدّم، لكونه معاديا، بطبيعته للحرية للأول وكارها للتقدّم ... إلخ. وهكذا، لا يكفي لتحرير المواطن من وضعه الكارثي ترشيد العمل الحكومي، وضبط الجهود التنموية، فالمواطن إياه هو الكابح الوحيد لانعتاق وطنه، وانعتاقه الشخصي من العبودية والتخلف، والنخب الحاكمة من ضحاياه.

هذه وغيرها من الذرائع تُساق للتعمية على أن النظم السياسية، الجاثمة على صدور شعوبها، هي مكمن الأزمة والداء، الذي أصاب الشعوب المبتلاة به، لكنه يقدّم نفسه دواءً لما تعانيه من مآسٍ هو من أنتجها أو تسبّب بها. هذه النظم التي أنتجت، في كل مكان، الكوارث نفسها، هي التي تدفع المواطنين إلى التمرّد والنزول إلى الشوارع، للمطالبة بالتغيير، علاجا للعلة التي يستحيل شفاؤها بما تقدّمه النظم لها من مسكّنات ومهدئات، الهدف منها احتواء التمرّد وإبطال ما قد تقدّمه له من تنازلات، بعد إدخال اليأس إلى قلوبهم، والرهان على جعلهم يقبلون أي شيء تقدّمه لهم، كما تفعل نظم البلدان الثلاثة منذ أشهر، تجاهلت خلالها حراكهم، في دليلٍ إضافي على أنهم لا ينتمون إلى غير كراسيهم وثرواتهم، ولا يروْن من الشعب غير اللصوص المحيطين بهم الذين أعدّوا أنفسهم للفتك بمن يتوهمون أن لهم حقا في المطالبة بحقوقهم، مهما كانوا سلميين، وللحكام في الأسدية قدوة، والمثال الإجرامي السوري جاهز، وتهمة العمالة جاهزة، ومن لا يعجبه نظامه يُقتل أو يهجّر.

يقول الشعب بصوت واحد إن مطلبه هو التصدّي للأزمة التي أصبحت شاملة، حيث يتم إنتاجها: في النظام السياسي، وطبقته الفئات الحاكمة والسائدة، وبدل الاستجابة لسلميّته وغيريته، يواجه بطريقتين: واحدة تستهدفه بالرصاص، المطّاطي المطعم بكمٍّ لا يُستهان به من رصاصٍ حقيقي، كما في العراق، حيث سقط إلى الآن قرابة خمسة وثلاثون ألف قتيل وجريح، معظمهم فتيةٌ في مقتبل العمر كالورود اليانعة، لكنهم يخطفون وينكّل بهم بأشنع الصور، أو يتم اغتيالهم، أو إطلاق النار على جموعهم، وأخرى بالالتفاف على حقوقهم عبر التظاهر بقبول مطالبهم بالتدرّج، لشقّ صفوفهم، وتحسين شروط الحفاظ على النظام بالاستعانة بوجوه "مخادعة، تدّعي الانتماء إلى مطالب الشعب، لكن هدفها الالتفاف عليها، وإحباط ما فيها من نزوع إلى التغيير والإصلاح، ومطالبة بسياساتٍ ووجوه شريفة، عادلة وحرّة، وتحترم كرامتهم الإنسانية، فلا ترفع رايات بيضاء لستر تلوثها.

تفسد السمكة من رأسها، فيلقى بجسمها إلى المزابل. وتنقلب السياسة من أداةٍ للتحرّر الإنساني إلى سلاح تدمير شامل للمجتمعات والشعوب، فيرميهما عندئذ في المقابر، إن وجدت، حراس أصحاب الياقات البيضاء والأيدي الناعمة من مجرمي النظم.

أزمتنا سياسية، ولا تحل من دون عودة السياسة إلى المجتمع، ورحيل من مارسوها كرؤساء جمهورية، مع أن مكانهم الحقيقي السجن.

===========================

موقفنا : فيما يجري على سورية والسوريين .. الطفل والمرأة والشيخ ... وعلى ضريح الخليفة الراشد عمر

زهير سالم

مركز الشرق العربي

30/ 1/ 2020

وأصبحنا ، فيما آل إليه أمرنا تصريح يرفعنا وتصريح يخفضنا . ويتبادح أصحاب القرار " الوطني " فيما بينهم فرحين : أن بومبيو يصرح : 700 ألف سوري ينزحون.!! وأم بومبيو هانئة ، وحفيده يلعب حيث يجب أن يكون طفل ..!!

وحكاية المأساة بأسلوب أهل البلاغة ؛ لا يقربنا من حلها . والتشكي والتوجع من هول المصاب غير مجد في ملتنا ولا في اعتقادنا ولا هو من شيمنا ، والتعلل بتصريحات من عرفناهم وخبرناهم هو نوع من استمراء الكذب على الذات فعل كل المنتشين.

ولا بد لكل هذا الذي يتفق كل العقلاء الصادقين على توصيفه من مخرج . وأول أمر العقلاء أن ينكبوا عن أحاديث غيرهم آذانهم . وكانت حلب في البداية ، وهاهي معرة النعمان بعد جرجناز ، وأسمع أبا العلاء ينشد ..

غير مجد في ملتي واعتقادي .. نوح باك ولا ترنم شادي

الحقيقة المرة التي يأباها من سبقنا إلى أمرنا أنه على مدرجة الضلال لا يكون هدى . وأجمل شيء قرره العقل المسلم في تاريخ العقل الإسلامي : هو أن إحكام العمل يعتمد على شروط وأركان ، وأن الشرط سابق على الركن ، وأن أي فعل اختل شرط من شروطه كان عبثا أداء كل أركانه ..

هل مر بنا في علم التفكير أصرح وأوضح وأحزم ...؟!

وحين يتحدث بومبيو عن سبع مائة ألف مهجر سوري في موجة واحدة من موجات الهجرة ؛ فهو يتحدث عن سبع مائة ألف مهجة باتت تطحنها طائرات بوتين والأسد والولي الفقيه والعدد مفتوح على كل ما لا يخطر على قلب بشر ....وخمسة ملايين إنسان يتوزعون البراري اليوم ؛ صابرهم مقتول ومهجرهم مقتول .

وأصعب كلمة صفعني بها أحدهم قوله : دعوتمونا إلى الثورة فاستجبنا ثم قلتم : لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده !!

ويلمها خطة ويلم قابلها .. لمثلها خلق المهرية القود

ليس حديث تدلية بغرور بل حديث العقل انتهجه كل عقلاء العالم حيث ثار ضعيف مستضعف على طاغية مستكبر .

ثم بالأمس فجعتنا أقدام الهمج من فيلق " القس السليماني " بدوس ضريح خامس الراشدين . مجدد القرن الثاني . من أعاد لعدل الإسلام نضارته . وسحب جيشه من سمرقند لخلل في شرط . ومنذ سطرين كنت أحدثكم عن قيمة الشروط ..

فيلق القس السليماني يمعن إهانة وإحراقا لضريح من يجب أن يفخر كل العالم به يوم قال " إن الله بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا " كلمة ما تزال تقرع رؤوس كل جباة العالم الذين باتت وجوههم أقبح من عورة .

العدوان السليماني على ضريح الخليفة الراشد العادل هو عدوان على الإسلام الدين والعقيدة والشريعة والحضارة وعلى الحق والعدل وعلى الإنسان ينادي عليه أبو العلاء شيخ المحلة التي يجوس فيها المجوس ..

خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد

ولظفر طفل واحد من أطفال سورية .. ولتمعر وجه حرة واحدة من حرائر سورية لهو أشد معرة على كل من يفتري و يدّعي ، وما أكثر في عالمنا من يدعي ..

أيها السوريون ..السوريون ..السوريون ..

لم يبق لكم والله غير جميل التوكل على الله ، ثم حزم أمركم وإحكام شروطكم ..وأن تعلموا

أن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة ..

وأن الصلاة لا تصح بلا دخول وقت ، ولا طهور ، ولا استقبال قبلة ..

عشر معشار ما أهدره أهل التيه في التيه كان يكفي ..

وكفى بعشر معشار ما نحن فيه زاجرا عن لجاجة وغي ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

شو يعني «سوريا»…شو يعني «سوري»؟

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 25/1/2020

هناك مصطلحات سورية كثيرة نرددها ببغائياً مع أنها قد لا تعني شيئاً على أرض الواقع، وهي مجرد كليشيهات لغوية لا أكثر ولا أقل. ماذا تعني كلمة «سوري» مثلاً؟ ماذا يعني مصطلح «الشعب السوري»؟ ماذا تعني «الثورة السورية»؟ ماذا تعني كلمة «السوريون»؟ ماذا يعني «النظام السوري» أو «الحكومة السورية»؟ هل هناك نظام سوري فعلاً إلا بالاسم فقط؟ بصراحة ومن خلال التجربة على أرض الواقع سنجد للأسف أنها مجرد كلمات جردها النظام الأسدي البعثي من معانيها. سأسأل بعض الأسئلة البسيطة، وإذا جاءت الأجوبة عليها بالإيجاب سأعترف عندئذ أنني مخطئ في التشكيك بالمفردات والمصطلحات «السورية» التي أوردتها أعلاه، لكني واثق أن غالبية السوريين إما أنها ستجيب بالنفي أو أنها ستهرش رؤوسها طويلاً قبل الإجابة عليها، أو أنها ستكتفي بالصمت لأنها ستخجل من الإجابة أصلاً.

سأسأل أولاً: هل هناك رابط يربط السوريين في الداخل والخارج غير الاسم فقط؟ هل هو أكثر من توصيف لجنسيتك على الهوية أو على جواز السفر؟ هل له أي معنى فعلاً على أرض الواقع؟ صحيح أن سوريا بلد متعدد الطوائف والمذاهب والأعراق والأديان، وهذا بحد ذاته ثروة كبيرة تضيف لأي بلد التنوع الجميل وتصنع منه «موزاييكاً» بديعاً، لكن هل سوريا فعلاً موازييك متماسك بديع؟ أم إن النظام حولها إلى قطع متناثرة ومبعثرة؟ هل الاختلاف في اللهجات أو الدين أو اللباس أو العادات كان فعلاً نوعاً من التنوع الجميل في سوريا، أم إن النظام جعلها عائقاً خطيراً دفع المختلفين إلى النفور والارتياب والشك ببعضهم البعض بطريقة مرعبة، وكأنهم أبناء ثقافات متصارعة ومختلفة، مع العلم أن المسافة بين مدينة وأخرى وقرية وأخرى في سوريا لا تزيد على بضعة كيلو مترات في بعض الأحيان؟ ما الذي يجمع بين هؤلاء الجيران المتباعدين ثقافياً ودينياً ولغوياً سوى الجنسية المكتوبة على الهوية؟ أرجو ألا يتهمني أحد بأنني أدعو إلى التقسيم والتجزئة، لا لا مطلقاً، بل أحاول هنا أن أسأل أسئلة تحتاج إلى إجابات قاطعة.

 حين جاءت الثورة وبدت ملامح مواطنة وتوحد الهدف كان لا بد من تخويف الأقليات بالأكثرية ثم توصيف الأكثرية بالقاعدة والتكفير والإرهاب، وهكذا انتهينا للتقسيم المجتمعي الذي سيفضي إلى جدران نفسية أقوى من الجدران الاسمنتية بمرات ومرات

ما الذي يجمع بين ابن حلب الشمال وبين ابن درعا أو السويداء الجنوب؟ هل حاول النظام ردم الهوة بين الشمال والجنوب، أم زادها اتساعاً؟ هل الشعارات اللفظية التي كنا نسمعها في بداية الثورة في هذه المدينة أو تلك: «يا حلب أو يا حمص أو يا حماة حنا معاكي للموت» هل كانت فعلاً تعني ما تعني؟ أم إنها «خُلبية» مثل كل الكليشيهات التي صنعها النظام البعثي ولم تكن في الواقع إلا حبراً على ورق؟ دعكم من درعا وحلب حيث المسافة بين المدينتين شاسعة جداً، فالأولى في أقصى الجنوب والثانية في أقصى الشمال؟ لنأخذ مدن الجنوب كدرعا والسويداء؟ ما الذي يجمع بينهما مع أن المسافة بين المحافظتين لا تزيد على خمسة عشر كيلو متراً في بعض المناطق؟ كم هي المسافة بين قرية «عرى» في السويداء وقرية «بصرى الشام» في درعا؟ ضربة حجر. مع ذلك لماذا ثارت درعا على النظام وبقيت السويداء على الحياد؟ لماذا لم يتكاتف أهل السهل والجبل، أو أهل حوران للخروج صفاً واحداً في وجه النظام الفاشي؟ لماذا ثار جانب وصمت الآخر وكأن لا شيء يعنيه؟ لن أقول إن هذا وطني وهذا خائن على الطريقة البعثية، بل فقط أتساءل: لماذا ذهب كل طرف في اتجاه مع أنهم أبناء منطقة واحدة وأصحاب هموم وقضايا واحدة؟ لماذا كان التشكيك والارتياب سيد الموقف بين الجيران؟

لماذا ثار أهل حمص وفقدوا مدينتهم جراء الدمار وهجروها بمئات الألوف، بينما بقي جيرانهم أهل حماة صامتين، مع أنهم من دين واحد ومذهب واحد؟

هل يعقل أن السوريين في الساحل السوري وفي دمشق ذاتها كانوا يخرجون إلى الشوارع ويرقصون ويشربون الكحول ابتهاجاً بسقوط القذائف والبراميل والصواريخ الكيميائية على أهل غوطة دمشق أو على قرى حلب وإدلب؟ هل يعقل أن بعض سكان دمشق كانوا يسهرون حتى الصباح ويدخنون الشيشة بينما جيرانهم على بعد ضربة حجر في داريا والغوطة الشرقية كانون يموتون تحت القصف ويغرقون تحت حطام منازلهم؟

هل كان سكان حلب الغربية يتعاطفون مع سكان حلب الشرقية وهم أبناء مدينة واحدة، أم كان يبتهجون لكوارث بعضهم البعض؟

وكي لا نذهب بعيداً إلى الوراء، تعالوا ننظر إلى ردود أفعال السوريين في الداخل والخارج تجاه الكارثة الإنسانية في إدلب؟ ماذا فعل ملايين السوريين الذين لجأوا إلى الدول المجاورة أو إلى أوروبا على الأقل وجدانياً تعاطفاً مع أهل إدلب وبقية السوريين الذين لجأوا إليها من بقية المحافظات السورية وعددهم يزيد على خمسة ملايين سوري؟ لماذا بدأ بعض السوريين يخرجون إلى بعض المدن السورية الآن رافعين شعار «بدنا نعيش» من أجل تخفيض الأسعار وتأمين المازوت والغاز، بينما أشقاؤهم في إدلب يموتون تحت الأنقاض وينامون في البراري دون أدنى مستلزمات الحياة؟

ماذا فعل هذا النظام الصهيوني في سوريا والسوريين على مدى خمسين عاماً؟ كيف له أن يرفع شعارات الوحدة العربية والقومية بينما فشل في توحيد السوريين وإنتاج شعب واحد يمكن أن نسميه الشعب السوري؟ هل هو نظام سوري فعلاً؟ كيف تكون قومياً إذا لم تكن بالأصل وطنياً سورياً؟ كيف تدعو إلى توحيد العرب إذا كنت تدق الأسافين منذ عقود بين السوريين أنفسهم؟

لقد اشتغل النظام مثلاً على تعميق الهوة بين أهل درعا وأهل السويداء من خلال تأليبهم على بعضهم البعض، فكانت المخابرات العسكرية تخطف أشخاصاً من درعا وتتهم أهل السويداء والعكس كي ينشغل أهل حوران فيما بينهم. وكان رئيس المخابرات السورية في السويداء يقول للشباب يجب أن تلتحقوا بالجيش فوراً لأن أهل درعا إرهابيون إسلاميون. وقبل ذلك روجت المخابرات لفيديو يظهر فيه شيخ من درعا تطاول فيه على أعراض نساء السويداء لتعميق الشرخ بين أهالي المحافظتين ومنع أي تنسيق أو تكاتف بينهم ضد النظام.

لم يعمل ذلك النظام العصابة على بناء مواطنة في سوريا بحدودها الجيوسياسية، لم يلتق يوماً السوريون على هدف واحد، فقد قسمها الفرنسيون طائفياً ومذهبياً، وجاء حزب البعث ليقسمها إلى مناضلين وعملاء، ثم كرّس حافظ الأسد التقسيم المناطقي وتجنب التقسيم الطائفي رغم تكريسه لحكم الطائفة وسيطرتها على الدولة. وحين جاءت الثورة وبدت ملامح مواطنة وتوحد الهدف كان لا بد من تخويف الأقليات بالأكثرية ثم توصيف الأكثرية بالقاعدة والتكفير والإرهاب، وهكذا انتهينا للتقسيم المجتمعي الذي سيفضي إلى جدران نفسية أقوى من الجدران الاسمنتية بمرات ومرات. شو يعني «سوريا»؟

===========================

زفرات من الدم السوري !؟

شعر : يحيى حاج يحيى

1

أسمعت بأهل الأخدودِ

بالنار يُؤججُها وغدٌ ؟!

بألوف من خير الناسِ

يلهو بمصائرهم نذلٌ

وينوءُ لفقدهِمُ شعبٌ

بنزيف دماءٍ في بلدي ؟!

2

أقرأت عن الشعب الأعزلْ

تُدميهِ سياطُ الإرهابِ ؟!

أسمعت بتدمير المدنِ

بالشعب يهاجرُ للأمنِ

بالأسرة تُقتل كي تفنى

بالجثة تُربطُ للسّحل ِ؟!

3

أسمعت بشعب يحكمُه

جلّادٌ يفخرُ بالقتلِ ؟

بحرائر ترسُفُ بالقيدِ

بالطفل يُهدّدُ في المهدِ ؟!

أقرأت عن الوطن الدّامي

عن شعب حوصِر بالرّعب ؟!

ومدائن تحكمُ بالجوع ِ

وحواجز تُنصبُ في الطّرُقِ

وعصاباتٍ للإرهابِ ؟!

4

في كلّ مكانٍ قد حفروا

للشعب أخاديد الموتِ

في القرية ، في المدن الكبرى

في الحيّ الشعبيّ النائي

في الطرق وثكنات الجيشِ ؟؟!

في كل مكان ٍ من بلدي

تلقى ساحاتِ الإعدامِ

وقضاة القتلِ بلا سببٍ

في محكمة للميدانِ !؟

في كل مكان من بلدي

في كل مكان من بلدي !!؟

===========================

أرقام وأحداث في تاريخ سورية المنكوبة !؟

يحيى حاج يحيى

_ 18 تموز 1963 تم ذبح الضباط الوحدويين وتسريح أعداد كبيرة من ضباط الجيش السوري العاملين أصحاب الكفاءة والخبرة واستبدالهم بضباط احتياط من معلمي المدارس المحسوبين على النظام بعد ترقيتهم إلى رتب عليا ، وقد أثبتوا جدارتهم في هروبهم في الخامس من حزيران !؟

_حزيران 1967 بلاغ رقم 66 بتوقيع وزير الدفاع حافظ أسد عن سقوط الجولان ووصول الجيش الإسرائيلي إلى القنيطرة بينما كان الجيش السوري متمركزا في مواقعه على الخط الأول ، فقد اختلف توقيت التسليم وانكشفت المؤامرة ولم يستطيع النظام وورثته بعد مرور أكثر من أربعين عاما أن يخرجوا بمبرر واحد لهذا السقوط سوى ما أشار إليه أحد ضباط الجيش الفلسطيني في مذكراته مؤخرا :من أن إسرائيل هددت بالاستيلاء على دمشق وإسقاط الحكم فتخلوا لها عن الجولان حسب طلبها ؟؟

 _16 تشرين 1970 تمت مكافأة وزير الدفاع حافظ أسد وقد وصل إلى  سن الأربعين بنقله إلى رئاسة الجمهورية على أثر انقلاب دبره مع تابعه ((طلاس )) ضد المجموعات  التي كانت تتقاسم الحكم معه!!؟؟

_99/99 هو الرقم الذي لا يجوز أن يحصل عليه أي مواطن لأنه محصور في رئيس الجمهورية الذي يفوز بالانتخابات الدورية وقد أشار بعض شركاء بشار من أولاد أخواله التجار (أسرة مخلوف )بأن يفعل كما تفعل بعض السوبر ماركات الكبيرة فيبقى رقم 99 كبيرا ويكتب الكسر بخط صغير لأن ذلك أدعى إلى إظهار الوجه الديمقراطي في سورية بعد التحديث والتوريث !!!؟؟…

_  34 أصبح هذا الرقم محلا للتشاؤم لدى الشعب السوري فهو يعادل السن التي  أقرها مجلس الشعب (قدورة وأعوانه ) لرئيس الجمهورية لتتناسب مع عمر الوريث بشار فتم تفصيل الدستور بناء على ذلك ، وقد علق أحد المسحوقين بعد ارتفاع الأسعار  بشكل ثوري وجنوني بأن هذا الرقم كَسْب للمتشائمين في سورية إذ أصبح لهم رقم لا يشاركهم فيه أحد ، بينما هم يشتركون مع الآخرين في الرقم 13 …..؟!

===========================

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com