العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01-12-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

روسيا في الشرق الأوسط... كيف وإلى متى وبأي ثمن؟

جميل مطر

الشرق الاوسط

الثلاثاء 26/11/2019

قبل نحو خمسة وستين عاماً حانت لروسيا المسماة آنذاك الاتحاد السوفياتي، فرصة الدخول للشرق الأوسط ولم تضيّعها. كان الشرق الأوسط، المسمى آنذاك الإقليم العربي، يغلي. وقتها خرجت القاهرة عن المألوف في سلوك الدول العربية المتحالفة مع الغرب لتعقد مع موسكو صفقة سلاح تشيكية. وللحقيقة يجب أن نعترف بأن دمشق كانت الرائدة في هذا المجال حين جرّبت شراء سلاح من الكتلة الشرقية في الأربعينات، أي قبل عقد الصفقة المصرية التشيكية بأعوام قليلة.

كان للصفقة المصرية، وهي ليست بقيمة مادية كبيرة إذا قورنت بصفقة على وشك أن تُعقد أو لعلها عُقدت بالفعل بين مصر وروسيا البوتينية، صدى كبير في الرأي العام المصري وبخاصة داخل القوات المسلحة المصرية التي انتظرت طويلاً استجابة أميركا، الحليف الأعظم في ذلك الحين، لطلب الجيش المصري في أعقاب تسلمه الحكم، مده بأسلحة متطورة. أعلم بالتأكيد الصدى الإيجابي لهذه الصفقة ليس فقط في دوائر النفوذ في مصر ولكن أيضاً في دول نامية عديدة. تأكد الصدى عالمياً وتصاعد عندما وجّهت موسكو تحذيراً بالغ العنف إلى دول العدوان الثلاثي على سيناء وقناة السويس، وتأكد عندي شخصياً عندما سمعت تفاصيل أول اختراق روسي للشرق الأوسط من رجل كان مع ضابط آخر على رأس وفد المفاوضين في براغ وكوفئ بنقله من منصبه رئيساً لهيئة التصنيع الحربي ليصبح أول سفير لمصر في جمهورية الصين الشعبية، حيث عملت معه قبل أن ننتقل معاً إلى سفارتنا بالعاصمة الإيطالية.

كان حلماً من أحلام عديدة للقياصرة الروس ورثه عنهم حكم البلاشفة. حلم انتظر كأحلام كثيرة فرصة ليتحقق. حانت ظروف ساهمت في تحقيق أول دخول روسي في الشرق الأوسط. من هذه الظروف:

أولاً، تلكأت الولايات المتحدة أطول مما يجب لتلبية طلب الحكام الجدد في مصر عقد صفقة تسليح متواضعة إرضاءً لجيش خارج لتوّه من هزيمة في فلسطين وأزمة فساد في السلاح في أعلى سلطة بالبلاد خلال العهد السابق.

ثانياً، إصرار حكومة القاهرة على الاستمرار في سياسة رفض التحالفات العسكرية مع القوى الغربية الكبرى، ومنها الحلف المركزي الذي تطور ليسمى «حلف بغداد» وأسقطته المشاعر والمظاهرات المناهضة للغرب. ثالثاً، عقد صفقة السلاح بين القاهرة وبراغ، وكان لتوقيعها وقع المفاجأة السياسية التي حركت آمال الجماهير العربية في توليد قوة عربية تستطيع مواجهة إسرائيل.

رابعاً، العدوان الثلاثي الذي نجح في تدمير أسلحة روسية لم يستكمل الجيش المصري تدريبه على استخدامها. هذه التطورات إلى جانب مظاهر الصعود المتتالي للمشاعر المعادية للغرب في معظم أنحاء الشرق الأوسط كانت كافية لتشجيع القائمين على الحكم في روسيا على الانخراط بإصرار لتحقيق حلم الآباء القياصرة في الوصول بالنفوذ الروسي إلى المياه الدافئة في الشرق الأوسط، فكان قرار تسليح مصر في عام 1955.

مرت سنوات، بل عقود، على تجربة التدخل الروسي الأولى، أي قبل أن يأتي فلاديمير بوتين إلى الكرملين ويرى الإمبراطورية الروسية، وقد انكمشت أطراف كثيرة من هوامشها، وبخاصة الشرق الأوسط وبعض أقاليم الجوار القريب. لكنه رأى الحلم الإمبراطوري حياً، وقلب روسيا، وأقصد الكرملين ومؤسسات الدولة التقليدية مثل الكنيسة والاستخبارات، ينبض كعادته بالحلم. لم تنقص بوتين النية أو الإرادة. كلتاهما توفرت. لم يبقَ لاستئناف جهود تحقيق الحلم إلا توفر الفرصة المفجرة للتدخل الروسي الثاني في الشرق الأوسط. وقد توفرت في 2015 بالأزمة في سوريا.

حانت الفرصة المناسبة ولم تكن واحدة بل عديد من الفرص في آن واحد. أولاً: كانت أميركا قد عقدت النية على الانسحاب من مواقع خارجية وبخاصة من الشرق الأوسط. ثانياً: كانت أميركا تفقد بمعدلات متسارعة جاذبية قواها الناعمة. ثالثاً: كان حلفاء أميركا في المنطقة يقعون حليفاً بعد الآخر في مزاج التمرد على الحليف الأعظم. رابعاً: كانت الصين تتقدم في الشرق الأوسط مخترقة حواجز عديدة وعابرة بسهولة ونعومة عقبات أخرى. خامساً: لا قلق ولا خشية من موقف عربي واحد تقوده دولة عربية كبرى أو مجموعة دول ضد مبادرات روسية لدخول الشرق الأوسط والإقامة فيه ضيفاً لمدد غير قصيرة. لا قلق ولا خشية إذ كانت النزاعات العربية العربية قد تفاقمت وتشعبت وفقدت المجموعة العربية بوصلتها الواحدة، حتى إن بعضها راح يستعين بروسيا ويبحث فيها لأول مرة منذ حصوله على الاستقلال عن مصالح مشتركة ومواقع آمنة.

سادساً: كانت أيضاً الخلافات داخل حلف الناتو بلغت حداً يهدد بانفراط إرادة الحلف لصالح روسيا. نعم كان واضحاً، حتى لنا في الشرق الأوسط، أن الأطراف الجنوبية للحلف مثل تركيا واليونان وقبرص وفرنسا وإيطاليا لم تعد تتحمس للحلف بالولاء أو الانتماء كما في الماضي، فضلاً عن تصريحات ومواقف للرئيس دونالد ترمب تكشف عن عدم اهتمام بالحلف ومستقبله.

الفرصة متاحة والإرادة متوفرة. شرطان ضروريان لاستئناف التدخل الروسي في الشرق الأوسط. كانت هنا مصلحة عاجلة ومصالح أخرى بعضها معلن وأغلبها كامن. تابعنا الفرص، أما إرادة التدخل فقد تمثلت فيما يلي:

أولاً، أراد الرئيس بوتين بتدخله في سوريا لفت الانتباه بعيداً عن غزو روسيا لأوكرانيا وانتزاع أو استرداد شبه جزيرة القرم، الموقع الأهم استراتيجياً من مواقع ومصالح أخرى عديدة.

ثانياً، كان سباق بيع السلاح قد بدأ في الشرق الأوسط بزبائن مستعدين لدفع مبالغ لم يحلم بها قادة الاتحاد السوفياتي. نذكر كيف كان القادة السوفيات يعرضون تسهيلات باعتبار أن هدفهم الرئيس إقامة علاقات استراتيجية وعقائدية وليس الحصول على عوائد مادية، الأمر الذي لا يخفيه الرئيس بوتين من وراء اشتراك بلاده في سباق التسليح إلى جانب تحقيق مزايا استراتيجية.

ثالثاً، تولدت لدى روسيا رغبة قوية في التنسيق مع دول الخليج في أنشطة متعلقة بالنفط، إنتاجاً وتسعيراً وصناعةً وتسويقاً، وخلق مصلحة لدول الخليج في تعميق وتنويع التعاون مع روسيا.

رابعاً، كان لا بد والفرصة متاحة أن تستأصل روسيا الجذور القوقازية للإرهاب الإسلاموي التي امتدت إلى سوريا واستقرت هناك. وبالفعل حقق التدخل العسكري الروسي هذا الهدف.

خامساً، إضعاف حلف الناتو باختراق صفوفه الخلفية في الشرق الأوسط، وبخاصة في تركيا، حيث صارت قاعدة «إنجرليك» شبه محاصرة بقواعد روسية في شمال سوريا وعلى شواطئها.

سادساً، يعتقد مخططون من الروس أن بوتين نجح شخصياً وكرئيس للدولة الروسية في أن تقبل الولايات المتحدة التنسيق مع روسيا في أنشطة كثيرة، بعضها معقّد، في سوريا والعراق والأردن وإيران وغيرها.

لمَّح أصدقاء أميركيون إلى أن ما يحدث أمامنا في سوريا لا يخرج عن كونه جزءاً من عملية محسوبة جيداً لتسليم وتسلم «وضع هيمنة» بين دولتين عظميين، دولة تنسحب ودولة أتت لتحل محلها. عملية يمكن أن توصف بأنها تمثل حالة نادرة جرى خلالها نقل للهيمنة بوسائل سلمية بين دولتين متنافستين عسكرياً وسياسياً. النموذج الوحيد الآخر لهذه الحالة النادرة، وإنْ اختلف في كثير من مواصفاته عن هذه التجربة الروسية الأميركية في سوريا، تمثله تجربة نقل الهيمنة الدولية من بريطانيا العظمى إلى الولايات المتحدة خلال القرن العشرين.

أخيراً، صرنا شهوداً على عملية تاريخية سوف تترك آثارها على الشرق الأوسط بأسره وعلى علاقات الدول العظمى. لقد أصبحت روسيا لاعباً أساسياً في مشروع إقامة نظام إقليمي – دولي جديد. يبقى أنني لست واثقاً بدرجة كافية من أن روسيا الجديدة تقدّر بشكل جيد صعوبة ما ينتظرها.

===========================

موقفنا : مؤتمر المسيحيين العرب الأول .. الصوت الذي تم اختطافه طويلا وانتظرناه كثيرا

زهير سالم

مركز الشرق العربي

25/ 11/ 2019

انعقد في العاصمة الفرنسية باريس السبت 23/ 11 / 20119 مؤتمر المسيحيين العرب الأول .

ولكلمة الأول دلالة نتمنى ونرجو أن تتحقق ..

حضر المؤتمر بالدرجة الأساسية نخبة من المسيحيين العرب ، الذين حاولوا أن يميزوا صوتهم الوطني ، الذي حاول البعض اختطافه أو استلابه أو تضييعه طويلا وسط اختلاط الأصوات ، وتصاعد الادعاءات ..

وأول ما يمكن أن نسجله في هذا السياق هو ترحيبنا العام بالمؤتمر في سياقه وأدائه . ومن حق أن ننفي عن المؤتمر لبوس الطائفية الذي حاول البعض ممن استلبوا الصوت المسيحي بالسيطرة على المرجعيات وسط الضجيج أن يلبسه إياه . إن متابعتنا العامة لمفاصل المؤتمر وما جرى فيه يجعلنا نؤكد أن الخطوة التي أقدم عليها المؤتمرون ليست خطوة ارتدادية لعصر ما قبل الدولة وما قبل الوطن كما زعم بعض الخراصين، بل هي خطوة تأسيسية لدعم المشروع الوطني في صورة عقد اجتماعي عصري يحضره كل المواطنين بوافر المحبة والثقة وليس بجلابيب " المظلومية " المدعاة ، والريبة والشك والتخوف الموهوم ..

كان المؤتمر ضروريا ، في هذا التوقيت بالذات ، ليستعيد جيل من أبناء الأمة الثقة بكل ما قرؤوه يوما عند قسطنطين زريق وفارس الخوري ومارون عبود بل وأنطون سعادة وما سمعوه من اليازجيين ورشيد سليم الخوري وأنطون مقدسي الذي حافظ على تماسكه حتى في عصر التهتك الوطني ، وليدرك هذا الجيل ويورث أبناءه من بعد أن تلك الطروحات لم تكن مقدمة لمؤامرة وجزأ منها كما بدأ الواقع الأليم يكرر على العقول والقلوب ..

وكان المؤتمر ضروريا ليعلم كل السوريين واللبنانيين والعراقيين والأقباط أيضا ..أن المسيحيين العرب ، كانوا وسيظلون جزء من المشهد الحضاري والثقافي والاجتماعي ، وأنهم لا يختزلوا في صورة " ميشيل سماحة " المجرم اللبناني وأضرابه المنتشرين على كل الساحات بصورة أو بأخرى . والذي لم يلق أنموذجه حتى الآن من إعلان الإدانة والبراءة ما يستحق ..

وكان المؤتمر ضروريا ليعلم كل الناس أن المسيحيين العرب لا يختصروا بصوت مرجع كنسي ، سواء كانت الكنيسة عالمية تحركها مصالح بعيدة عن الله والمسيح ، كالكنيسة الأرثوذكسية التي ما يزال بطركها الأكبر يبارك ذبح السوريين ويباركه بوتين الجزار ، أو الكنيسة الكاثوليكية التي ما تزال تدعو إلى حب مزعوم والأقدام تخوض بالدم .

وإنه حين يعلن المسلمون براءتهم من كل الكذبة من أبناء الأفاعي - كما علم سيدنا يوحنا المعمدان - وأن هؤلاء الكذبة على عروشهم الكهنوتية لا يمثلوننا ؛ فإنهم ظلوا ينتظرون أن يسمعوا من إخوانهم في الوطن صوتا جماعيا حاسما أن هؤلاء الذين يباركون القتل وسفك الدماء لا يمثلوننا ..

كان المؤتمر ضروريا لأن الصوت الفردي لآحاد المسيحيين مهما تكن قيمته ومكانته يظل فرديا . ولكن الصوت الجماعي يكون له شأن آخر ، وأثر آخر ؛ وهذا الذي يخافه ويحذر منه الطغاة .

ومن هنا ندرك خلفية الهجمة التي المستبدون والطغاة وداعموهم على كل الوحدات الجماعية في إطار ثورات التحرير والتغيير .كما ندرك لماذا وظف بشار الأسد بعض عملائه من المسيحيين المحسوبين عليه ليهاجم المؤتمر والمؤتمرين ..!!

وختاما ..

افتقدنا التغطية الإعلامية اللائقة بمثل هذا المؤتمر الذي يشكل خطوة مفصلية على طريق الدعم الثورة السورية ، والأغرب أنه حتى غرف المعارضين السوريين تخلفت عن التنويه بالمؤتمر والترحيب به أو التعليق عليه ..والمؤتمر لم يكن حدثا عارضا يمكن أن يمر بلا ترحيب ولا تنويه ..

ثم إن الذي يجب أن نسبق به تعليقات المعلقين أن تقويم خطوة في حجم هذه الخطوة يأتي في سياقها الوطني في اتجاهها العام ، وبغض النظر عما يقال وعما يتوقع وينتظر من الكثيرين ؛ فقد كانت الخطوة جريئة وصائبة وفي وقتها أو تأخرت ولكنها جاءت. ومهما كان لنا من وجهة نظر في التفاصيل ، ففي السياقات العامة يبقى كل تفصيل تفصيل .

نشكر القائمين على المؤتمر ، والمشجعين عليه ، والمشاركين فيه ...

ونحب أن نخبرهم أن على الطرف الأخرى من بردى ومن العاصي ومن الفرات والنيل إخوة لكم في الوطن يحبون الذي تحبون ، ويحلمون كما تحلمون ..

ونغض الطرف جميعا عن التفاصيل ونردد مع صوت الحقيقة التاريخي في آذان كل الطغاة والمستبدين : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

في الحاجة إلى معارضة سورية مختلفة

راتب شعبو

العربي الجديد

الاثنين 25/11/2019

السؤال المكرّر بين السوريين اليوم هو: بعد كل شيء، ماذا يمكن للمعارضة السورية أن تفعل؟ وهل يمكنها أن تفعل شيئاً آخر سوى الدخول في بازار السياسة، على الرغم مما يبدو من ضعف رأسمالها فيه؟ أليس بؤس حال المعارضة السورية اليوم هو مجرّد انعكاس لاختلال ميزان القوى لصالح نظام الأسد وحلفائه؟ وهل يمكن أن توجد سياسة متحرّرة من ثقل ميزان القوى؟

يبدو للوهلة الأولى أن ما تقوم به اليوم المعارضة السورية الرسمية (المعارضة التي يعترف بها المجتمع الدولي) هو المسار السياسي الممكن، وربما الوحيد، أمام الساعين إلى تغيير نظام الحكم السياسي وآلياته في سورية، لصالح علاقةٍ أكثر انفتاحاً وتوازناً مع المجتمع، غير أن التمعّن في الحال يبين أن المسار الذي دخلته المعارضة الرسمية ما كان له إلا أن يكون مساراً متراجعاً، يميل إلى الفشل في تحقيق ولو حدوداً دنيا من التغيير الذي أراده السوريون، ذلك لأنه يقوم على التسليم بأن ميزان القوى الأساسي عسكري، وهذا يعني أن السقف السياسي للمعارضة ينخفض ويتراجع مع تراجع المسار العسكري. وعليه، مع التقدّم العسكري للنظام، كانت المعارضة الرسمية تتراجع سياسياً، وترضى بما لم تكن ترتضيه من قبل، وتدخل في قنوات تفاوض منخفضة السقف أكثر فأكثر.

في المقابل، لم يُخضع النظام نفسه لهذا الربط أو لهذه الآلية، ففي وقتٍ تراجع فيه النظام عسكرياً إلى حدودٍ اضطرته إلى الاستعانة بقوة عظمى في نهاية الشهر التاسع من عام 2015، لم يسمح لهذا الاختلال العسكري بأن يغير في ثباته السياسي في وجه مطالب المعارضة. وقامت حسابات النظام على فكرة تقول إنه كان سيفقد تماسكه، لو تراجع سياسياً أمام المعارضة، ليس فقط لأن تراجعه السياسي كان سيعطي إشارة ضعفٍ لجمهوره، وكان 

"التراجع السياسي للنظام كان سيعطي أثراً معاكساً على الضفة المقابلة، فيزيد من تماسك المعارضة"يمكن أن يفجر خلافات داخلية فيه، ويضعف من قوة رهان حلفائه عليه، بل أيضاً لأن التراجع السياسي كان سيعطي أثراً معاكساً على الضفة المقابلة، فيزيد من تماسك المعارضة، ويقوي رهان القوى الداعمة لها. في كل حال، حافظ النظام، على خلاف المعارضة، على "خطه" السياسي، مراهناً دائماً على تشتت المعارضة وتعثرها، وأيضاً على ثبات دعم حلفائه. ومن المهم أن يضاف هنا أن التقدم العسكري الذي حققته الفصائل العسكرية الإسلامية (لا تشكل المعارضة السياسية الرسمية قيادة لها، ولا تمون عليها)، شكل دعماً غير مباشر للمعارضة الرسمية، ولكنه، في الوقت نفسه، أضعف سياسياً المعسكر المعادي لنظام الأسد، أولاً، من حيث بروز الوجه الإسلامي لهذا المعسكر أكثر فأكثر، وما لهذا الأمر من أثر سلبي على الرأي العام في الدول الغربية المؤثرة، وثانياً من حيث بروز ارتهان هذه الفصائل للخارج (تركيا ودول الخليج أساساً)، وما لهذا من أثر سلبي على الرأي العام السوري.

التفارق المتحدث عنه هنا بين فصائل عسكرية إسلامية ومعارضة سياسية رسمية، سمح للمجتمع الدولي الذي ما فتئ يتحدث بالحل السياسي، أن يتخذ استراتيجية ذات شقين، الأول عسكري غايته النهائية التخلص من الفصائل الإسلامية تباعاً، فتجاهل حملات تصفية هذه الفصائل، وتساهل مع استخدام أسلحة محرمة دولياً في تصفيتها. والثاني سياسي يقضي بالعمل على حل سياسي منزوع الدسم، يفضي إلى مشاركةٍ سياسيةٍ ما للمعارضة الرسمية، مشاركةٍ بحدود ضيقة لا تؤثر فعلاً على طبيعة النظام.

ليس مفاجئاً أن تجد المعارضة الرسمية نفسها محكومةً لهذا المسار التراجعي، فقد انفكّت مبكراً عن جمهور الداخل، وخسرت وزنها المحلي، ولم يعد لها من وزن سوى اعتراف المجتمع الدولي بها، وباتت بالتالي جزءاً من آليات عمل المجتمع الدولي لحل الموضوع السوري. وعليه، فإن قبول المجتمع الدولي بتخفيض سقف التسوية يُلزم هذه المعارضة بالقبول أو 

"لم يعد للمعارضة الرسمية من وزن سوى اعتراف المجتمع الدولي بها"بالاستقالة لتحل محلها معارضة تقبل بما يقبله المجتمع الدولي، وتنال بالتالي اعترافه. غير أن المعارضة السورية ليست مرهونة لهذا المسار الرسمي، ومن الخطأ أن تبقى مرهونة له. من الضروري وجود تمثيل سياسي سوري يستند في عمله ليس إلى ميزان القوى العسكري الذي مال إلى صالح النظام، بل إلى ميزان الحقوق الذي يميل إلى صالح المعارضة. والكلام عن التمسّك بميزان الحقوق ليس تطرفاً في الكلام، ولا مطاولة للمستحيل، فميزان الحقوق استقرّ في لحظة من مسار الصراع السوري على "بيان جنيف 1" الذي كان في حينها (نهاية يونيو/ حزيران 2012) أقل مما يطمح له معارضو النظام، ولكن يمكن اعتباره مدخلاً أو نقطة بدء عادلة لا يجوز التنازل عنها، باسم ميزان القوى.

لا يعني ما سبق أن المطلوب هو بروز معارضة متطرّفة أو تطهرية لا تدخل في التفاوض مع النظام، ولا تقبل بأقل من إسقاطه، على العكس، النظام السوري يمثل حزمة مصالح واسعة في المجتمع السوري، ولا يمكن أن يقوم نظام سياسي سوري ما لم يأخذها في الاعتبار. ولكن في الوقت نفسه، لا يمكن أن يقوم نظام سياسي سوري بحدود معقولة من العدالة السياسية والاجتماعية، من دون تحرير الدولة السورية من قبضة سلطة طغمة الأسد. على هذا، ينبغي إقامة الفرق قولاً وفعلاً بين كتلة النظام، بكل جوانبها، الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية والسياسية، وطغمة النظام التي تحيل هذه الكتلة إلى مرتكز لها لتدمير "الكتلة" المعارضة 

"ميزان الحقوق استقر في لحظة على "بيان جنيف 1" الذي كان عام 2012 أقل مما يطمح له معارضو النظام"للنظام. بكلام آخر، على المعارضة أن تكون حازمةً ضد طغمة النظام، ومرنة مع كتلته.

يمكن لهذه المقاربة أن تؤسس لبناء معارضة سورية تتبنّى منظوراً سياسياً يسعى إلى استيعاب مصالح القطاع الواسع من الشعب الموزّع على ضفتي الصراع، مع الثبات على التفاهمات الدولية التي تضمن تفكيك قبضة طغمة الأسد عن الدولة السورية. ومن الراجح أن يلعب الوجود المنظم والمثابر لمثل هذه المعارضة دوراً في حركة موازين القوى في غير مصلحة النظام.

من ناحية أخرى، وجود هذه المعارضة السياسية المنظمة هو نوع من الدعم غير المباشر للمعارضة الرسمية الحالية، وكما أنها تشكل بديلاً جاهزاً يفرض الاعتراف به، حين تصل المعارضة الرسمية إلى نقطة الفشل الأكيد، هذا فضلاً عن أنها تبقى، في هذه الأزمنة المكسورة، رصيداً معنوياً للشعب السوري المخذول.

===========================

في وضع إدلب ومحيطها

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 25/11/2019

يتواصل بأقل قدر من الأضواء الإعلامية والاهتمامات السياسية الصراع على مستقبل إدلب ومحيطها، بين أطراف حلف نظام الأسد مع روسيا وإيران في مواجهة طرفي السيطرة على مدينة إدلب ومحيطها، التي تتقاسمها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة)، وبقايا تشكيلات محسوبة على «الجيش الحر» وجماعات إسلامية معتدلة.

وفي الوقت الذي يعمل فيه أطراف حلف نظام الأسد بصورة منسقة ومتناغمة على محاور متعددة، يواصل الطرف المسيطر على إدلب ومحيطها صراعاته البينية من جهة، ومحاولة كل جماعة فيه تعزيز مواقعها بكل السبل في مواجهة مساعي النظام وحلفائه استعادة السيطرة على إدلب، التي لا شك أنها ستمثل تحولاً نوعياً في الصراع السوري المستمر منذ ثماني سنوات.

وإذا كانَ همُّ القوى المسيطرة على المنطقة من تشكيلات مسلحة الحفاظ على المنطقة خارج سيطرة النظام وحلفائه، وسعي كل جماعة تحسين مكانتها، وتوسيع حيز سيطرتها على الأرض والسكان بانتظار ظروف أفضل، تبدل معادلات الصراع أو تقلبها، فإنَّ همَّ نظام الأسد وحلفائه حسم الوضع في المنطقة واستعادة السيطرة عليها على نحو ما تحقق من انقلاب في الموازين بعد التدخل الروسي، واستعادة سيطرة النظام على مناطق كثيرة، بدأت فاتحتها في حلب 2016، ثم تباعاً في ريف دمشق ودرعا، وتقوم خطة النظام وحلفائه على ثلاث نقاط أساسية.

أولى النقاط وأهمها استمرار الاستنزاف العسكري للمنطقة وللتشكيلات المسلحة فيها، عبر استمرار العمليات العسكرية، التي تتضمن زج أكبر عدد من القوات وعناصر الميليشيات على حدود المنطقة، والإيحاء بأنه فرض للحصار عليها، بالتزامن مع فتح معارك تبقي خطوط التماس في حالة اشتباك عسكري، وقيام القوات بالتقدم ما دامت استطاعت، إلى أراضي خصومها، مما يضع التشكيلات المسيطرة في إدلب ومحيطها في حالة استنفار دائم، ويستنزف قوتها، ويضعف انضباطها، بحكم طبيعتها غير النظامية، والنقطة الثانية نقطة مكملة، وهي تصعيد العمليات العسكرية على المدنيين خلف خطوط الاشتباك، ويشكل القصف الجوي للطائرات الروسية بأسلحتها، وبعضها محرم دولياً، وبالبراميل المتفجرة، التي تطلقها طائرات النظام، جوهر هذه العمليات، حيث تُلحِق خسائر بشرية ومادية كبيرة بالتجمعات السكانية، فيما يشكل القصف المدفعي والصاروخي الذي تشارك فيه قوات الحلف الثلاثي وميليشياتها قسماً آخر في عمليات التصعيد، وكان للقصف الصاروخي الأخير للقوات الإيرانية على مخيمات النازحين في أطراف بلدة قاح، شمال إدلب، قرب الحدود مع تركيا، أثر مدمر، حيث سقط عشرات القتلى والجرحى المدنيين.

وتشكِّلُ إضافة النقطة الأولى في استنزاف قوة وطاقة التشكيلات المسلحة على خطوط التماس مع قوات النظام وحلفائه، والنقطة الثانية في إرهاب وتدمير البنية السكانية المعارضة للنظام في المنطقة، القسم الرئيسي من مثلث نقطته الثالثة إشاعة تدهور سياسي واجتماعي ومعاشي متعدد المستويات في إدلب ومحيطها بالتزامن مع التدهور الأمني، بحيث تتكامل مساعي تدمير المنطقة وسكانها، وهي أحد محاور سياسة النظام وحلفائه بمن فيهم الطابور الخامس والخلايا النائمة الذين يتشاركون بصورة مباشر وغير مباشرة في تعميم التدهور في كل مناحي الحياة العامة، لا سيما لجهة منع تحسين الأحوال والعلاقات بين الأطراف المختلفة، ونشر الإشاعات وتثبيط الهمم، مما يعزز سياسة النظام هناك القائمة، في هذا الجانب، على إغلاق المنطقة والتضييق على سكانها في حركتهم ومعاشهم، وإشاعة أجواء الإحباط واليأس نتيجة تغييب الحل السياسي، والإيحاء بأن لا طريق سوى استمرار القتل والتدمير والتهجير.

وللحق، فإن جزءاً مهماً من السياسات السابقة يتقاطع مع سياسات أطراف تزعم الوقوف في خندق العداء لنظام الأسد وحلفائه، على نحو ما تفعل «هيئة تحرير الشام»، التي تشكل «جبهة النصرة» عمودها الفقري، وباستثناء إصرارها على رفض إحداث أي تحولات في مصيرها، سواء بحل نفسها أو إجراء تغييرات عقائدية وسياسية فيما تتبناه، مما يبعد عنها صفة التطرف والإرهاب، ويحولها إلى طرف معتدل، فإنها تُصِرّ على البقاء في البيئة العقائدية والسياسية لـ«تنظيم القاعدة»، وتتابع في الوقت ذاته الإصرار على بسط هيمنتها السياسية والعسكرية، ومحاربة كل الأطراف التي تختلف معها بكل الأشكال بما فيها القتل والاعتقال والتهجير، إضافة إلى فرض تفكيرها العقائدي على السكان سواء عبر ميليشياتها أو عبر أجهزة ما تسميه «حكومة الإنقاذ»، التي شكلتها في المنطقة لتكون ذراعها في الإدارة المدنية، وإحدى وسائل سيطرتها، وواحدة من أدوات نهب القدرات المادية المتواضعة للسكان عبر الضرائب والإتاوات المفروضة، دون مقابل، وتحويلها لصالح الهيئة، التي جعلت من حكومتها منافساً للحكومة السورية المؤقتة، التي شكّلها الائتلاف الوطني المعارض.

ولعله لا يحتاج إلى تأكيدِ قولٍ، أن ما تتابعه الهيئة من سياسات، وما تقوم به من ممارسات، تفعله بدرجة أو بأخرى بعض التشكيلات المسلحة، خصوصاً التشكيلات الإسلامية، مما جعل حياة السكان والناشطين السياسيين والمدنيين والإعلاميين لا تُطاق، مما دفعهم إلى تنظيم مظاهرات واحتجاجات ضد الهيئة وزعيمها الجولاني، ومطالبتهما بالخروج من إدلب، وهي واحدة من خطوات يمكنها تحسين الحياة في المنطقة، وتحسين الإدارة فيها، وتعزيز صمودها في مواجهة سياسات وممارسات نظام الأسد وحلفائه.

إن العامل الأخير في التأثير على أوضاع إدلب ومحيطها تمثله تركيا وسياساتها في الشمال السوري، وهو تأثير لا يُستمدّ من كون تركيا بوابة المنطقة إلى العالم، والمتحكم الرئيسي فيها فقط، وهي طرف في الصراع، ولها مصالح وأهداف ووجود عسكري مباشر، إضافة إلى انخراطها مع روسيا في تحالف آستانة - سوتشي، الأمر الذي جعل سياساتها في موضوع إدلب ومحيطها أقل تشدداً، وخارج أي مساعدة، في مواجه الحرب على إدلب، بعد ما حصلت عليه من دعم ومساندة دوليين، وسكوت روسي على عمليتها الأخيرة، «نبع السلام»، في شرق الفرات، بخصوص خصومها من «قوات سوريا الديمقراطية»، التي يشكل أكراد حزب «الاتحاد الديمقراطي» (BYD) عمودها الصلب في مناهضة تركيا.

خلاصة القول في وضع إدلب ومحيطها اليوم: إنها تسير بخطى متسارعة نحو كارثة، ليس من خلال قوة النظام وحلفائه فقط، بل من خلال تواطؤ سياسات الأطراف المسلحة التي تفرض سيطرتها على المنطقة، ومن خلال تهاون تركيا ومسايرتها موسكو وسياستها في القضية السورية، وما لم تحصل تطورات سياسية تقارب المعجزة، فإن إدلب ومحيطها يمكن أن تصبح في يد نظام الأسد وحلفائه.

===========================

هل انتهى عهد "الحمار" وبدأ عهد "الغزال" في سوريا "الأسد"؟

فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 24/11/2019

لعل كثيرين منا يذكرون وبشيء من السخرية المشوبة بالوجع، تلك النكتة "النهفة" التي كنا نتهامسها، ونحن صغار، حول فشل وعدم كفاءة ولا أهلية أو مهنية أجهزة الأمن السورية التي طـُلب منها أن تلقي القبض على غزال فأمسكت بحمار، أعزّكم العزيز الجبار، وأجبرته تحت التعذيب أن يعترف بأنه غزال، وقدّمت تقريرها لـ"السيد الرئيس" بنجاح مهمتها وتنفيذ عملها والقبض على "الحمار" المتآمر على أمنه، وبنفس هذه الطريقة، والنهج، كانت تقيـّم الناس فتضع وترفع "الحمار" تارة لمقام الغزال، وتارة أخرى وللأسف تظلم "الغزال" وتضعه بمنزلة الحمار، فهربت و"طفشت" كل الغزلان، واحتل الحمير، من يومها، المشهد العام. وحقيقة، فالقصة، وعلى بساطتها، وعفويتها الشعبية تعكس مخيلة عبقرية كبيرة بتوصيف جوهر وكنه وطبيعة هذه الأجهزة التي أثبتت فشلاً مهنياً ذريعاً غير مسبوق على صعيد العمل وبتاريخ الاستخبارات على مستوى العالم لكنها حظيت بصلاحيات واسعة أين منها صلاحيات "الغستابو" و"الشتازي" و"السافاك" ذوات السمعة المفترسة، وهذا ما أثبتته التطورات اللاحقة ودخلت البلد بسببها بمتاهة لا مخرج منها، أما تلك النكتة الأخرى، الأكثر إيلاماً ووخزاً، والتي تتحدث عن، وتحذّر من "المخابرات" التي تقص أولاً كل أذن زائدة عند المواطن ثم بعد ذلك تعد كم أذناً* له، فتلك حكاية لها شجون وفي القلب غصة عن طبيعة التعامل التاريخي اللامسؤول والمستهتر اللامبالي بأبسط القيم والمعايير الذي انتهجته هذه الأجهزة مع المواطن السوري.

ولطالما كان، وعانى، بنفس الوقت، سوريون كثر من ضحايا بطش وغباء أجهزة الأمن السورية هذه، وجبروتها وقبضتها الحديدية، وسردوا الكثير من القصص والروايات حول ذلك، بعدما أطلق الأسدان الأب المستهتر المقبور، ووريثه القاصر المهرج العنان لها، للفتك بالسوريين وللعبث بمصائر وأقدار ولقمة عيشهم، ومنحوها سلطات وصلاحيات واسعة فسيطرت على كل جوانب الحياة في البلاد ولمعت أسماء ضباطها وسطعت في فضاء سوريا، وصار الوصول للأمين العام للأمم المتحدة والتحدث معه، أيسر بكثير من مقابلة عريف أمني يقبض على ملفات مئات الآلاف من السوريين ومصيرهم ومصدر رزقهم، ولا شك، أيضاً، أن سوريين كـُثـُرَ يتذكرون أسماء ضباط مخابرات لعبوا دوراً حيوياً في حياة السوريين السياسية والاقتصادية والاجتماعية وطبعوها بطابعهم وأداروها بمزاجهم ووفق هواهم ومعرفتهم المتواضعة التي قادت البلد لاحقاً إلى هذا المخاض والهولوكوست المرعب والنفق المظلم الخطير أكثر مما يتذكرون الحليب الذي رضعوه من صدور أمهاتهم. وعلى الرغم من إحالة اللواء علي دوبا إلى التقاعد منذ حوالي عشرين عاماً إلا أن السوريين مازالوا يرتعدون خوفاً عندما يسمعون باسم ذلك الضابط النحيل الذي قال ذات يوم إن حافظ الأسد أعطاه صلاحيات تمكّنه من وضع كل الشعب السوري في السجن، لكنه لا يستطيع أن يُخرج معتقلاً واحداً من السجن إلا بأمر من حافظ الأسد نفسه. وهذا طبعاً، وأيضاً، يلخـّص جوهر العلاقة بين النظام والأجهزة الأمنية، من جهة والأجهزة والشعب من جهة أخرى.

صحيح أن المخابرات كانت تستطيع أن تفعل الأفاعيل بالشعب والبلد دون حسيب أو رقيب، لكن رسنها كان دائماً بيد حافظ الأسد، ومن بعده بيد أبنائه والعائلات الشاليشية المخلوفية. ليس صحيحاً أبداً أن الأجهزة تدير النظام، بل إنها مهما بلغت من جبروت فهي تبقى مجرد كلاب صيد ضارية بيد النظام. وفي اللحظة التي يحاول أي ضابط كبير أن يلعب بذيله قليلاً يختفي وراء الشمس فوراً مهما كان قوياً ومهما قدّم من خدمات للنظام. وكلنا يتذكر ما حصل للواء غازي كنعان الحاكم السوري العسكري للبنان لسنوات وسنوات وخلفه رستم غزالي عندما أبديا قليلاً من العناد أو الاعتراض. والشيء نفسه حصل للواء علي حيدر قائد القوات الخاصة أيام حافظ الأسد، فقد حظي حيدر بشهرة رهيبة لمدة سنوات لا تقل عن شهرة علي دوبا، لكن ما أن تفوه بجملة بسيطة ضد بشار خليفة حافظ الأسد وقتها حتى مرغوا أنفه بالتراب وأحالوه إلى التقاعد. ولا ننسى كيف سقط عصام زهر الدين شهيداً قبل فترة. قال شهيد قال.

 

ويبدو أن العلاقة الخاصة جداً بين النظام والمخابرات في سوريا قد تغيرت إلى حد بعيد بعد اندلاع الثورة. بعض المقربين من النظام أشاعوا بعد بدء الثورة أن بشار الأسد لم يعد يثق ثقة تامة بأجهزته الأمنية بعد أن اكتشف، أيضاً، ومن بين اكتشافات كثيرة، أنها كانت مخترقة ومزروعة بالجواسيس، وبدأ قسم منها يلعب به، ومن وراء ظهره لاسيما ما يشاع خاصة عن "خلية الأزمة" التي تم تفجيرها في الشهور الأولى للانتفاضة والتي كانت تتأهب لعزله، وتسمية بديل له، بناء على عدم أهليته وفشله وسياساته المتهورة الطائشة والارتجالية الصبيانية وضيق أفقه وتواضع خبرته ومزاجيته التي أوصلت الشعب والوطن لمنزلق خطير. ويقول أحد كبار الشخصيات التي خدمت في بلاط الأسد ثم انشقت إن أجهزة الأمن هي التي حطمت الكثير من تماثيل حافظ الأسد في المدن السورية وليس المتظاهرين لاستفزاز النظام ودفع الأمور إلى حافة الهاوية. وقد كان بشار الأسد على علم بهذه الأمور، بالإضافة طبعاً إلى فتح الحدود السورية للشاحنات المعبئة بالأسلحة وغض الطرف عن قيام بعض الجماعات بحفر عشرات الأنفاق في المدن السورية لاستخدامها لاحقاً لأغراض عسكرية ضد جيش النظام. هل يعقل أن ما يسميها النظام بالجماعات الإرهابية ظلت تحفر أنفاقاً في درعا ودمشق وحمص وغيرها لسنوات وسنوات ولم تنتبه لها أجهزة الأمن إلا بعد اندلاع الثورة؟ طبعاً لا نستطيع هنا أن نؤكد أو أن ننفي فيما إذا كانت المخابرات تعمل لحسابها الخاص أو بمعرفة النظام الكاملة بخصوص فتح الحدود للمسلحين أو حفر الأنفاق وتقاضي عمولات لقاء ذلك كله، أو على الأقل كشفه، وإفشال "المؤامرة الكونية"، وكله حسب خطاب النظام، لكن مهما كانت الحقيقة، فإن كل تلك الأقاويل والسرديات تؤكد، بالمطلق، فشل وسقوط وفساد وانحطاط ووساخة وقماءة هذه الأجهزة.

 

وهذا ما قد يفسر على الأقل اليوم، بعض الظواهر على الساحة السورية حيث فقدت الأجهزة الكثير من بريقها وهيبتها وتراجعت إلى الصفوف الخلفية، بينما بدأ الجيش يتصدر المشهد ويحل محل المخابرات في إدارة شؤون البلاد وإرهاب الشعب. لاحظوا مثلاً أن كل الحواجز التي تحكم حركة المرور والعبور في البلاد أصبحت بأيدي الجيش. ولطالما أوقف عسكري صغير ضباط أمن كباراً على الحواجز للتفتيش مهما كانت رتبة الضباط. وعندما كان أي ضابط أمن كبير يشتكي من المعاملة على الحواجز، كان العسكري الصغير يقول له بلهجة تهديد: هذه أوامر القيادة العليا، هل لديك أي اعتراض؟ ولاحظ السوريون أيضاً أن أفراد الأجهزة الأمنية قد اختفوا من الشوارع، ولم يعد يتجرأ أحد منهم أن يظهر بمسدس على خصره، بينما بدأ الجيش يظهر في كل الأماكن بعتاده الكامل، كأن ترى مثلاً جندياً بسيطاً يتجول في الأسواق ببندقيته وذخيرته من الرصاص والقنابل اليدوية. لم يعد الناس يستنجدون بالأمن في حالات الشدة والفوضى، كما كانوا يفعلون في السابق، ففي الماضي كان الناس يتوقعون من الأجهزة الأمنية أن تحضر فوراً إلى أي مكان تحدث فيه أعمال شغب أو جرائم، أما اليوم فبات الناس يسألون: أين الجيش؟ لماذا لا تحضر القوات المسلحة لتخليصنا من الزعران والمجرمين؟ صار الاستنجاد بالجيش هو شعار المرحلة الجديدة. وقد لاحظنا أيضاً أن الناس العاديين صاروا يخطفون عناصر أمنية وخاصة في السويداء ليبادلوها بالمختطفين. وصار الاعتداء على فروع الأمن من قبل العصابات وحتى الناس العاديين ظاهرة لافتة بعد أن كان مجرد المرور أمام فروع الأمن يبعث الرعب في قلوب الشعب.

لا شيء يحدث بشكل عفوي أو منفلت في نظام الأسد، بل كله مدروس ومنظم، خاصة وأن النظام يعمل بدقة ساعة روليكس عندما يتعلق الأمر بأمنه وسلامته. وجدتها وجدتها، صاح النظام عندما بدأت الثورة: تعالوا نُبعد أجهزة الأمن عن الساحة خاصة وأنها تمتلك سمعة قذرة جداً في أذهان السوريين منذ عقود. ولو تركناها تدير المشهد لربما استفزت السوريين أكثر ودفعت حتى المسالمين من الناس إلى مواجهة النظام. لهذا كان من الأفضل دفعها جانباً والإتيان بالجيش ليحل محلها في إدارة اللعبة، خاصة وأن السوريين لا ينظرون إلى الجيش بنفس الحقد والكراهية التي ينظرون بها إلى أجهزة الأمن.

لا شك أن النظام كان ذكياً في استبدال المخابرات بالجيش أثناء الثورة لتخفيف الضغط الشعبي عليه. لكن هل فيما لو عادت عقارب الساعة إلى الوراء في سوريا واستتبت الأمور للنظام مرة ثانية، وهو مشكوك فيه طبعاً، هل سيصبح الجيش واجهة النظام الأولى بدل المخابرات، أم إنها مرحلة عابرة، وستعود الأجهزة لتصدر الساحة، خاصة وأن بعض المقربين منها يقولون إنها اكتسبت على مدى الثمانى سنوات الماضية مهارات وخبرات عظيمة في مواجهة الشعب مما يمكنها من تعزيز مواقعها لدى النظام؟ ولا ننسى أن سمعة الجيش السوري الذي كان يشفق عليه السوريون ويسمونه بجيش أبو شحاطة فقد خلال الثورة الكثير من بريقه بعد أن نهب البلاد والعباد وصار معروفاً بجيش التعفيش؟

وعلى منوال ونمط النكتة "النهفة" السابقة فهل هي عملية إعادة اعتبار للغزال، والنظر للحمار كمجرد حمار ليس إلا، ووضع للأمور بنصابها الصحيح، أم أنها تكتيك أسدي مرحلي ريثما ينقشع غبار الحرب ويعود النظام لتكتيك الحمار والغزال من جديد؟

===========================

موقفنا : في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة .. " النساء شقائق الرجال "

زهير سالم

مركز الشرق العربي

25/ 11 / 2019

يصادف اليوم 25/ 11 / اليوم الذي اختارته الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ 1999 محطة إنسانية جماعية لمقاومة كل أشكال العنف والاستغلال ضد المرأة ..

وإنها لدعوة كريمة تلك التي أعلن عنها محمد رسول الله منذ 1400 عام " ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم "

في متابعتنا لمصداقية الجمعية العامة للأمم المتحدة والدول النافذة فيها ، ندرك حقيقة حجم النفاق والادعاء الدولي على مستوى الممارسة في نصرة قضايا المرأة وفي التصدي لمنهجية العدوان عليها ..

وإنه لمن الاستخفاف بالعقول ، والاستهزاء بالقلوب أن تعلن الجمعية العامة للأمم المتحدة يوما عالميا لمناهضة العنف ضد المرأة ، وجل الذين يشغلون مقاعدها من ممارسي الجريمة ، ورعاتها ، وداعمي مرتكبيها .

وبقليل من التأمل ندرك أن العدوان الهمجي على الشقيق اللطيف الناعم إنما يتم على مستويين جماعي وفردي ، وعلى خلفيتين سياسة واجتماعية ..

فأما ما يقع على المستوى الفردي الاجتماعي فكل العقلاء يعلمون أنه من الممكن تجاوزه والحد منه ثم استئصاله بالتثقيف والتهذيب والتعليم والتشريع بالقوانين الرادعة والزاجرة ..

وإنما العقدة التي تستعصي على المواجهة والحل هي ما يتم على المستوى الجماعي ، على المستوى الذي ترعاه الدول والحكومات المتسندة على مقاعد الجمعية العامة ، وفي مجلس أمنها ، والمنتدية على منابرها ، والمشاركة في صنع قراراتها وإقرار سياساتها متعددة المعايير . على مقاعد الجمعية العامة مندوبو كثير من الحكومات التي جعلت من أساسيات سلوكها في التصدي لمخالفاتها من النساء على المستوى السياسي وغيره أن تردعهن بالعدوان الجسدي عليهن ، وممارسة ما لا يستحسن ذكره بحقهن من هتك واغتصاب ..

يعلم كل الأدعياء الذين يحتفلون باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة حجم العدوان الذي تمارسه حكومات لها مقاعدها على منابر الجمعية العامة ، وتعلم حجم هذه الممارسات وطبيعتها وفظاعتها ؛ ونجاة رعاتها من المستبدين والطغاة عل كل خطوط الطول والعرض على أديم المسكونة من المساءلة وحرمان ضحاياهم من العدل الذي هو قوام الحياة الإنسانية في كل الشرائع وتحت كل العناوين ..

تعلم أي امرأة يخطر لها أن تنغمس في العمل العام في محيطها وبيئتها ما يترصدها به الظالمون من عدوان وظلم وهتك لا يعتد فيه العدوان على حياتها أمرا مذكورا ؛ جرائم تغص به عشرات الألوف من الوثائق والشواهد لمجرمين ما زالوا يستقبلون بالتبجيل والاحترام ، وما زالوا يشار إليهم بلقب رئيس ووزير ..

من عجب أن تصبح الفتاة الأفغانية " ملالا " أنموذجا عالميا للضحايا مع تعاطفنا الكامل مع قضيتها ، وينسى القابعون وراء ستار الإنسانية الكتيم نماذج من آلاف الضحايا من العراقيات والسوريات والمصريات مما تندى لهول الفظائع التي نزلت بهن غرائز الوحوش في الغابات ..

وإلى جانب الممارسات المنهجية والمستنكرة في العدوان على المرأة ، والموثقة في سلوك حكام وحكومات مسيطرة ومدعومة ومعترف بها دوليا حتى اليوم ...والاعتراف بها لا يقل توحشا ولا إرهابا عن الاعتراف بأي تنظيم إرهابي مقيت يضرب الأبرياء حول العالم ، يجب أن نذكر السلوكيات الفردية الشائنة للمتجلببين بجلباب السلطة بشتى أنواعها ممن دأبوا على التحرش بكل النساء اللواتي تصل أيديهم إليهن .. سياسيون ورجال إعلام وأعمال وفنانون ومخرجون سينمائيون فرضوا على المرأة أن تدفع من جسدها مقابل العبور .. وهذا الممثل الأمريكي كوسبي يسلم عليكم ..

هذه الجرائم المشتهرة والمتسلسلة أولى بالمواجهة والإدانة ، من سلوك فردي بشري منفلت وعابر ؛ مهما قلنا من ضرورة التصدي لكل أشكال العدوان الفردي الهمجي وصوره ومصادره ..سواء تجلبب بجلباب الدين أو التقاليد أو الثقافة أو القوة الإبرائية اجتماعية كانت أو اقتصادية ..

في اليوم العالمي لمناهضة كل أنواع العنف ضد المرأة ..

نعلن إدانتنا ورفضنا لكل أشكال العنف الممنهج والمنظم الجماعي والفردي ضد المرأة ولاسيما ذلك الذي يمارسه الطغاة والمستبدون وأدواتهم ..

كما نؤكد تقديرنا واحترامنا لكل النساء من ضحايا هذا العنف ، ونطالب المجتمعات كافة أن تقف إجلالا واحتراما لهؤلاء العفيفات الطاهرات ، وألا تصطف مع الطغاة في طوابير إدانتهن والتنديد بهن وازدرائهن والتضييق عليهن ..

ولا بد أن نستطرد فندين في السياق نفسه كل التفسيرات الهمجية التي عملت خلال سياقات مصنعة للتوظيف . لقد بشر الإسلام بتحرير الإنسان ، ودعا إلى الحد من دائرة العبودية بما شرع من قربات وكفارات ، وتعامل المسلمون الأوائل مع الظاهرة كأمر واقع ثم فتح الله على الإنسانية فتم تجاوز هذا الواقع لخير جميع البشر ..واقع لا يسعى للردة إليه إلا مغموص أو مطموس

نعلن في الوقت نفسه رفضنا وإدانتنا واستنكارنا كل التفسيرات والتبريرات التي تشرعن لأي شكل من أشكال العنف ضد المرأة باسم الإسلام الدين والشريعة . ونحن ندرك أن لكل النصوص الشرعية الإسلامية من قرآن وسنة مرجعيتها ومنهجها في التلقي والفهم والتفسير . ونحفظ أنه " ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة ولا غلاما قط " وأنه يكفينا من هذا الحديث القدوة الحسنة التي دعانا كتاب ربنا إليها .

وفي الختام ندين اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بالطغاة المجرمين المستبدين وحكوماتهم من الذين يمنهجون سلوك العدوان على المرأة ويشرعنونه ... ونطالب بمواقف إنسانية أكثر حسما وجدية وموضوعية في التصدي للجريمة بحق ، والأخذ على أيدي المجرمين من الطغاة والمستبدين ..

وإنما النساء شقائق الرجال .

قال أهل اللغة : الشقيق ما اشتق طولا ، وليس ما قُدّ عرضا . لأن القدّ عرضا قد يحتمل بعض الجنف . وطبيعة الخلق الرباني تأباه .

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

الولي الفقيه وأطفاله القصّر

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 24/11/2019

أياً كانت الصلة بين محمد خاتمي (الرئيس الإيراني الأسبق، 1997 وحتى 2005)، وأحمد خاتمي (خطيب صلاة الجمعة هذه الأيام)؛ فإنهما، كما تقول مؤشرات كثيرة، ليسا على صلة متماثلة مع إيران الشعبية، رغم انتمائهما إلى إيران الوطن ذاته. الأوّل سعى مراراً، وفشل تكراراً، في تمرير إصلاحات سياسية وإدارية وحقوقية وثقافية، واكتفى بإصدار بيانات التأييد للإصلاحيين بين فينة وأخرى؛ والثاني، في مناسبة التعليق على الاحتجاجات العارمة التي عمّت مؤخراً قرابة 100 مدينة وبلدة في إيران، طالب بفرض العقوبة القصوى (الإعدام، في تعبير أوضح) بحقّ قادة “أعمال الشغب والفوضى”، ولم يكتفِ باتهام أمريكا بالوقوف خلف التظاهرات، بل أكد ضلوع فرنسا وألمانيا أيضاً، معتبراً أنّ “إحباط مؤامرات العدو من مظاهر النصرة الإلهية”.

ثمة حقيقة أولى تستوجب التأكيد هنا، تخصّ العقوبات المختلفة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الاقتصاد الإيراني، في أعقاب انسحاب إدارته من الاتفاق النووي المعروف. وهذه عقوبات تشمل صادرات إيران من النفط والمنتجات البتروكيميائية، وصناعة الطيران، والملاحة البحرية، وقطاعات المصارف والتأمين، وشراء العملة الأمريكية، والمتاجرة بالذهب والعملات الثمينة؛ كما تشمل، إلى ذلك، الجهات العالمية التي تتعامل مع الاقتصاد الإيراني في هذه الميادين. وهي عقوبات، مثل سائر ما فرضته وتفرضه الولايات المتحدة على الأنظمة، تمسّ المواطن الإيراني في مأكله وملبسه وصحته وتعليمه وسائر مظاهر العيش اليومي؛ قبل أن تعضّ رجال السلطة وآيات الله وجنرالات الجيش والحرس الثوري والأجهزة الأمنية. صحيح أنّ الاحتجاجات لم ترفع شعار “الموت لأمريكا”، لأنه ببساطة علامة مسجّلة باسم السلطة، ولكن جوهر الحراك انبثق من إقدام النظام على رفع سعر المحروقات على نحو زاد طين العقوبات بلّة وضاعف عذابات المواطنين.

ليس مستغرباً، أيضاً، أن تحاول الأجهزة الأمريكية استغلال الحراك، أو بالأحرى كامل تطلعات الإيرانيين إلى نظام ديمقراطي أكثر تمدّناً وعصرنة يتجاوز استبداد آيات الله؛ وتجارب الاحتجاج السابقة علّمتنا أن لا ننزّه البيت الأبيض عن محاولات اختراق صفوف المتظاهرين، وتجنيد عملاء من أنصار الشاه (وهم ليسوا قلّة أبداً)، والتدخّل في تنظيم وتسيير التظاهرات بالمعنى اللوجستي والمادّي. غير أنّ للحقيقة وجهها الآخر الأكثر أهمية، وأمثال خطيب الجمعة خير مَن يعرف أنّ هذه المطالب الإصلاحية ليست بنت اليوم، ولا هي من صنع الولايات المتحدة (مهندسة الإطاحة برئيس الوزراء الإيرانيّ الوطني الديمقراطي محمد مصدّق)؛ بل هي تعود بجذورها إلى مطالع القرن الماضي من جهة أولى، وكان أبرز روّادها رجال الدين الإيرانيون أنفسهم من جهة ثانية.

وذات يوم غير بعيد كانت مجموعة مؤلفة من 842 شخصية إصلاحية قد أعلنت في بيان صريح بأنّ “وضع أشخاص في موضع السلطة المطلقة والألوهية هو هرطقة واضحة تجاه الله وتحدّ واضح لكرامة الإنسان”، في إشارة عدائية ضدّ مبدأ ولاية الفقيه. ولقد بات جلياً، عبر تجارب متعاقبة، أنّ أيّ فريق إصلاحي سوف يظلّ مشلولاً قاصر الفعل والنفوذ، ما دام يواصل عجزه التامّ إزاء المساس بالمبدأ ذاك. والمرء يستعيد، هنا، ذلك الردّ التوبيخي الشهير الذي أرسله الإمام الخميني إلى علي خامنئي، مطلع عام 1988؛ وجاء فيه: “الوليّ الفقيه مخوّل، وحده، بإبطال مفعول أيّ التزامات دينية أبرمها مع الشعب في حال اقتناعه أنها مناهضة لمصالح أمّة الإسلام. وفي وسعه أن يحظر أية مسألة دينية أو غير دينية إذا ارتأى أنها مناهضة لمصالح أمّة الإسلام”. وآنذاك أيضاً، شبّه الإمام الخميني سلطة الوليّ الفقيه على الشعب بسلطة المرشد المكلف برعاية طفل قاصر: “إنّ ولاية الفقيه أشبه بتعيين مرشد لرعاية طفل قاصر. وبمعنى مسؤوليته وموقعه، لا يختلف مرشد الأمّة عن مرشد الطفل القاصر”.

.. الأمر الذي يبرر إطلاق الرصاص الحيّ على هذا “الطفل القاصر”، بل الحكم عليه بالإعدام؛ إذا جاع وخرج على الناس شاهراً… معدة خاوية!

===========================

الواقع السوري في عالم أوهام بشار الأسد

 عبد الباسط سيدا

القدس العربي

الاحد 24/11/2019

تناول بشار الأسد في مقابلته الأخيرة مع قناة “روسيا 24” ووكالة “سبوتينك” جملة من الموضوعات بأسلوبه الإنشائي الديماغوجي المعهود. وهي مقابلة أخرى تأتي في سياق إثبات الوجود والقدرة على الفعل، وذلك في وقت بات فيه القريب والبعيد على قناعة بأن القرار السوري أصبح خارج أيدي السوريين سواء في النظام أم في المعارضة الرسمية. فالدول هي التي تقرر، وهي التي تتوافق، وتعلن الاتفاقيات بعيداً عن معرفة وإرادة السوريين، كل السوريين من دون أي استثناء.

ولكن الأسد يبدو أنه لا يعيش الواقع كما هو، بل يصوره كما يحلو له أن يكون؛ أو ربما بتعبير أدق، كما ينسجم مع تمنياته ورغباته. فهو ما زال يجتهد في إعطاء انطباع خادع مضلل، مفاده أن نظامه هو الذي يقرر في نهاية المطاف؛ وبأنه يمتلك استراتيجية متكاملة لمعالجة مختلف الملفات، من إعادة الإعمار إلى مكافحة الفساد، وموضوع تراجع قيمة الليرة السورية، إلى الوحدة الوطنية، وصولاً إلى التلويح بخيار المقاومة لإخراج الأمريكان من البلد، وكذلك الأتراك، وذلك اعتماداً على الدعمين الروسي والإيراني، وربما الصيني؛ واقتداء بما فعله مع النظام الإيراني في العراق.

وكان اللافت في هذه المقابلة هو حصول الموضوع الكردي على حيز كبير من النقاش قياساً إلى الموضوعات الأخرى، وبدا واضحاً أنه كان يمارس التضليل المقصود، والهدف هو مغازلة مختلف الأطراف، ليسوّق نفسه بوصفه الحريص على وحدة سوريا وسيادتها، وهو الذي تسبب في مقتل نحو مليون سوري، كما تسبب في تدمير سوريا وتهجير أكثر من نصف شعبها، وفتح البلاد أمام الميليشيات، وجيوش الدول، وكل شذاذ الآفاق.

ومن المغالطات التي جاء بها من أجل تأليب السوريين بعضهم على بعضهم الآخر، قوله إن نسبة الكرد في شمال شرق سوريا، أي شرق الفرات، هي في حدود 30 في المئة، وذلك في توجه قصدي، الغاية منها إثارة العرب والكرد معاً، وإشغالهم بنسب لا تستند إلى معايير واضحة علمية، ولا إلى إحصائيات دقيقة يمكن القيام بها في بيئة محايدة آمنة، وبإشراف دولي.

فهو يبني نسبته استناداً إلى عدد السكان في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، ولكن من دون أن يفصح عن ذلك، أما الغاية فهي التضليل ليس إلا. فلم يقل أحد بأن الكرد هم الأغلبية في هذه المحافظات الثلاث، وإنما الحديث يتمركز عادة حول محافظة الحسكة، والمناطق الشمالية منها تحديداً، هذا مع الإشارة إلى وجود كردي في محافظة الرقة نفسها سواء في الريف أم في المدينة، وكذلك في دير الزور المدينة. فالمدن والبلدات الكردية تقع في المناطق الحدودية مع تركيا، وهي تتسم بغالبية كردية لا يستطيع أحد أن يشكك فيها، إلا إذا لجأ إلى تخريجات منذر الموصلي في وقت ما، حينما كان مع غيره من كتبة النظام يزعم بان الوجود الكردي في سوريا لا يتجاوز الـ 300 ألف، معظمهم ممن نزحوا، وفق مزاعم السياسة الرسمية، بعد ثورة الشيخ سعيد عام 1925.

من جهة أخرى، يتفضل الأسد في مقابلته المعنية هنا على الكرد بقوله إنهم قد عاشوا معه على مدى عقود، متجاهلاً، أو جاهلاً حقيقة أنهم قد عاشوا في مناطق سكناهم الحالية منذ العصور التاريخية المعروفة، وأن ما فرض عليهم، وعلى المنطقة من تقسيم بعد الحرب العالمية الأولى، لم يكن بيدهم أو بإرادتهم. كما أنه لم يكن بإرادة شعوب المنطقة، ولكن الأنظمة التي تسلمت الحكم بعد رحيل الاستعمار تصرفت كقوة استعمارية أبشع، وتعاملت مع الوطن كله وكأنه مزرعتها، كما تعاملت مع الناس بكل مكوناتهم وانتماءاتهم وكأنهم أقنانها، خاصة في ظل الأنظمة العسكرية الثوروية التي انكشفت عوراتها تباعاً.

أما موضوع النزعة الانفصالية التي يتهم بها الأسد الكرد، فهو يعلم قبل غيره أنه لا توجد أية قوة سياسية كردية من كرد سوريا تطالب، أو طالبت بالانفصال. فالكل كان يطالب برفع الظلم، والاعتراف بالحقوق ضمن الوطن السوري. ولكن الدعوات الغريبة جاءت مع دخول حلفائه من حزب العمال الكردستاني الذي استثمر فيه النظام في عهد الأسد الأب كثيراً، ولم تنقطع الصلات معهم في عهد الأسد الابن الذي يشير إلى ذلك في سياق مقابلته التي نتناولها هنا. فهؤلاء أدخلهم بموجب عقد تسليم واستلام بهدف واضح لا يستطيع أحد أن يشكك فيه، يتمثل في حرص النظام على إبعاد الكرد عن أي تفاعل مع الثورة السورية، وذلك بعد سلسلة المظاهرات المكثفة التي شهدتها مختلف المدن والبلدات في المناطق ذات الغالبية الكردية، وعبّر الكرد من خلالها عن دعمهم للثورة، وتأكيدهم أن المجتمع الكردي هو جزء من المجتمع الوطني السوري، وان قضيتهم هي قضية وطنية على مستوى البلاد.

ولكن النظام قد جلب كوادر الحزب المعني، وكان شرطه أن تكون القيادات صاحبة القرار من أعضاء حزب العمال الكردستاني، ومن الكرد غير السوريين، وذلك منعاً لاحتمال حدوث أي تفاعل بينهم وبين الحالة السورية العامة. وحينها بدأ الحزب المذكور بتسويق مصطلحاته الاستفزازية، وإعلاناته حول الدستور والكانتونات، ومن ثم الفيدرالية، وكلها كانت مجرد هياكل تضليلية تغطي على الوجود الفعلي للنظام في المناطق المعنية، وتموّه وضعية التنسيق المستمر بين الجانبين.

وما يُستنتج من المقابلة المشار إليها، هو أن الأسد متيقن من تطبيق بنود الاتفاق الروسي-التركي بخصوص المنطقة المعنية، ويبين بوضوح أبعاد الدور الروسي في ترتيب الأوضاع بينهم وبين حزب الاتحاد الديمقراطي.

وفي اجابته عن سؤال خاص بالحقوق الثقافية للكرد، حاول الأسد أن يظهر نفسه في مظهر الحريص على وحدة سوريا ومنعتها، فقارن بين الوجودين الأرمني والكردي، ليقول بأننا قد اعترفنا للأرمن بحقوقهم الثقافية، ولكننا لم نقر بذلك للكرد نتيجة الخشية من الانفصال، علماً بأن الكرد، ومنذ البداية وحتى الآن، لم يطالبوا بالانفصال، وإنما طالبوا بحقوقهم القومية المشروعة التي حرمهم منها نظام الأسد الأب، وقبله نظام البعث والأنظمة العسكرية القوموية الثوروية. بل فُرضت عليهم جملة من المشاريع التمييزية، منها الإحصاء والحزام والإجراءات الاستثنائية، وإبعاد الشباب الكرد عن كليات الجيش والشرطة، وإقصاء الطلبة الكرد عن البعثات الدراسية سواء الداخلية منها أم الخارجية، وحرمان المناطق الكردية من أية مشاريع تنموية بل جعلها مرتعاً للنهب والسلب من قبل الأجهزة الأمنية والإدارية. أما المقارنة بين الوجودين الأرمني والكردي في سوريا فهي مقارنة لا تراعي مطلقاً حقوق التاريخ والجغرافيا والحجم السكاني، وهي مقارنة هدفها التضليل والإيقاع بين المكونات السورية.

أما الأمر الآخر اللافت في المقابلة، فهو انطلاقه من مقدمات فاسدة تعامل معها وكأنها وقائع وحقائق لا تقبل الشك، فقد اعتبر النظام الفيدرالي والحكم الذاتي من المشاريع الانفصالية، وبناء على ذلك استخلص نتائجه الفاسدة التي لا تستقيم مع المعطيات الموضوعية، ولا تدعمها أية وقائع من تجارب كل المجتمعات التي تبنت النظام الفيدرالي، أو تلك التي منحت مناطق معينة حكما ذاتيا مراعاة لظروف وشروط خاصة بها. فالفيدرالية والحكم الذاتي لا يتعارضان مع السيادة الوطنية، ولا يفتحان الطريق أمام أي انفصال بصورة حتمية كما استخلص ذلك الأسد بناء على مسلماته هو وليس الوقائع الملموسة، بل على العكس يعززان الثقة، ويساعدان على تجاوز الكثير من المشكلات الناجمة عن السياسات الخاطئة والنزعات القوموية المتشنجة. أما النظام المركزي الصارم فقد أثبت فشله الذريع، ولن يقبل به معظم السوريين، وليس الكرد وحدهم، بعد كل الكوارث التي يتحمّل نظام الأسد مسؤوليتها الأساسية.

ورأس النظام يعتبر نفسه الدولة، ويبين صراحة أن كل ما يجري حول الدستور أمر لن يغير من واقع الحال شيئاً، فالدساتير، وفق منظوره المنفصم عن الواقع، يتم تعديلها من فترة إلى أخرى وفق المعطيات والمتغيرات. أما الانتخابات فهي مسألة سورية داخلية سيادية لا علاقة للمبعوث الدولي أو غيره بها، هذا في حين أن الهيئة الانتقالية قد أصحبت بالنسبة إليه في خبر كان، بعد النجاح الروسي في إلغاء مفعول بيان جنيف 1 عبر بيان سوتشي.

والأنكى من هذا وذاك، هو التفهم الذي أبداه الأسد للحركة الشعبية في كل من لبنان والعراق، ولكن الوضع في سوريا دائماً مختلف بالنسبة إليه. ولا نعلم ماذا سيقول بعد اندلاع المظاهرات الشاملة في إيران ذاتها، وهي المظاهرات التي لم تكن قد بدأت وقت المقابلة التي ذكر فيها ان عملية إعادة الأعمار ستبدأ بدعم روسي وإيراني وصيني، ولكن الثورة المتجددة للشعوب الإيرانية أكدت مجددا أن إيران نفسها تعاني من ضائقة اقتصادية، وتحتاج إلى من يساعدها.

مقابلة بائسة، تثبت أن صاحبها، بعد أن تسبب في كل هذا القتل والتهجير والتدمير، قد وصل إلى حالة انفصامية كاملة عن الواقع، وكل ما يهمه هو أن يستمر في الحكم وبأي ثمن.

ولكن الحركة المستمرة لشعوب المنطقة، خاصة في العراق ولبنان وإيران، وقبل ذلك في السودان والجزائر، تبين أن هذه الأنظمة قد باتت وبالاً على شعوبها وبلدانها، وأن المحنة مهما طالت، فإن كابوس الاستبداد والفساد سيزول عاجلاً أم آجلاً بفضل إرادة الشعوب المتجددة.

===========================

كيف يغدو بشار الأسد رمز المرحلة ومُلهمها؟

حازم صاغية

الشرق الاوسط

الاحد 24/11/2019

الرئيس السوري بشار الأسد هو اليوم منتصر - مهزوم. انهزم بقواه لكنه انتصر بقوى غيره. معنى ذلك أن سلطته، فضلاً عن فقدانها الشرعية، فقدت بذاتها القدرة على البقاء، لكنها وجدت في إيران وروسيا الطرف الذي يجعل الصناعي طبيعياً، ويفرض الخارجي داخلياً.

الحالة التي يمثلها الأسد لا تغدو حالة معممة، وربما مُثلى، إلا إذا هُزمت الثورات والانتفاضات في لبنان والعراق وإيران. الأسد نفسه يصبح، والحال هذه، رمز المرحلة ومُلهمها.

في لبنان، بات واضحاً أن النظام الطائفي والزبوني آيل للسقوط، أو على الأقل، غير قادر على الاستمرار من دون تقديم بعض التنازلات الجدية في الاقتصاد والقوانين والقيم. الحكومة استقالت. جلستا البرلمان لم تُعقدا. عروض رئيسي الجمهورية والحكومة سبق أن رُفضت وتكرر فضها. محاولة تسليم رئاسة الحكومة لمحمد الصفدي أُجهضت قبل أن تولد. النقابات بدأت تنتصر للثورة. المصارف باتت، في التداول الشعبي، اسماً يرادف اللصوصية. الجيش لم يعد على وفاق تام مع السلطة السياسية. مقاومة «حزب الله» كفت عن أن تكون مفتاح المصير الوطني وبوابة المستقبل... وقبل كل ذلك، وبعده، لم تعد الطائفية الفلسفة التي تحكم البلد وتصاغ على ضوئها معايير الحكم والنفوذ. لقد ظهر منافس قوي لها لم يعد من السهل تجاهله. أما النظام الاقتصادي الحالي فبات واضحاً أنه لا بقاء للبنان من دون تعديله الجذري.

بلغة أخرى، أضحت كل محاولة لاستعادة لبنان القديم قسرية ومفتعلة، وبمعنى ما مضادة للطبيعة.

في العراق، وبفعل ثروة البلد، تحضر الظاهرات اللبنانية الرديئة مضروبة بألف. الفساد والسرقة وبطالة الشبيبة جعلت خسائر الاقتصاد العراقي بين 2003 واليوم تُقدر بـ450 مليار دولار. صلة التبعية لإيران تلعب دوراً مفتاحياً. يكفي هذا المثَل الذي يضربه الزميل قاسم البصري في موقع «الجمهورية»: «يعتبر العراق اليوم السوق الأول لتصريف المنتوجات والسلع الإيرانية، وتحديداً الرديء منها ومنخفض السعر، وذلك على حساب الصناعة العراقية المحلية التي لم تتمكن من منافسة المنتَج الإيراني، الأمر الذي دفع مُلاك أربعة آلاف معمل لإغلاق أبواب معاملهم، وتالياً خسارة 50 ألف عراقي لعملهم». بدورها، سبق للوثائق المسربة لـ«نيويورك تايمز» أن كشفت مدى التحكم الإيراني بساسة العراق، ومدى تسلط قاسم سليماني تحديداً عليهم.

هذه التركيبة تترنح ويواجهها انسداد مُحكَم. ممثلوها، خصوصاً رئيس الحكومة، ما زالوا يتشبثون بمواقعهم في السلطة، ويمنحون أنفسهم مهلة الـ45 يوماً للإتيان بمعجزات! شبان العراق يعلنون، ببطولة استثنائية، عدم قابلية أوضاع كهذه للحياة، ويبذلون الدم لقاء ذلك. النظام يمضي في قتلهم بأدوات لا تقتصر على قنابل الغاز المسيل للدموع. موتهم شرط لحياته.

في إيران، السلطة ليست متصدعة. الاقتصاد متصدع. إيران انتفضت في 2009 و2017 ثم انتفضت قبل أيام. المرشد علي خامنئي لام «أعداء الثورة» وقطع الإنترنت عن البلد. إنه الخنق بعتم وبصمت.

علي فاتح الله نجاد، الباحث في معهد بروكنغز، يقر للنظام بأنه، خلال أعوامه الأربعين، وسع البنية التحتية والخدمات الأساسية في الريف، ضداً على التمركز المديني لسياسات الشاه. الكهرباء ومياه الشرب والتقديمات الصحية والتعليمية خارج المدن الكبرى أدت إلى انخفاض في الفقر. هذا لا يلغي، وفقاً للأرقام الرسمية، أن 12 مليوناً يعيشون اليوم تحت خط الفقر المطلق، وما بين 25 و30 مليوناً تحت خط الفقر. ثلث الإيرانيين وما بين 50 إلى 70 في المائة من العمال مهددون بالهبوط إلى سوية طبقية أدنى. 14 في المائة من جميع الإيرانيين يعيشون في خِيَم. ثلث سكان المدن يقيمون في مدن الصفيح.

العقوبات الأميركية تلعب دوراً مؤكداً في التضييق على النظام، مع هذا فالاقتصادي الإيراني حسين راغفار قدر، العام الماضي، أن تأثيرها لا يتعدى نسبة 15 في المائة. الباقي نتاج سياسات نيوليبرالية متراكمة ومشوبة بفساد ومحسوبية فلكيين. ففي إيران يتسع العجز عن خلق فرص عمل جديدة، وتتنامى نسب البطالة، لا سيما بين الشبيبة وخريجي الجامعات حيث يتراوح العاطلون عن العمل بين 25 و40 في المائة. البلد، بالتالي، أحد أكثر بلدان العالم في بطالة الشبيبة، وفي الفساد، هذا فضلاً عن أزمة الشرعية السياسية التي ظهرتها «الثورة الخضراء» في 2009 رداً على انتخابات مزورة.

المنظومة، إذن، ليست بخير. بقاؤها على قيد الحياة بات يستدعي تعفناً يستلهم كوريا الشمالية، مصحوباً بتصعيد في شعارات النضال والمقاومة والصمود. بقاؤها على قيد الحياة يستدعي رفع بشار الأسد إلى سوية القائد التاريخي الملهم!

===========================

الشعوب تريد والأنظمة تماطل

عبد الباسط سيدا

جيرون

السبت 23/1/1/2019

قواسم مشتركة عدة تجمع بين الثورات والانتفاضات الشعبية، في كل من العراق ولبنان وإيران، وهي قواسم تستوجب التفكير المتمعن، وتدعو إلى الاستعداد للبناء عليها، بما يخدم الجهود الرامية إلى تجاوز المشكلات التي تهدد الأمن والاستقرار الإقليميين، وتقطع الطريق أمام عملية تنموية نهضوية شاملة تحتاج إليها منطقتنا أكثر من أي وقت مضى. وكل ذلك لن يتم من دون تأمين حقوق الناس في التعبير عن الرأي والنقد والتواصل والحصول على المعلومات الصحيحة، وضمان المستلزمات الأساسية للعيش الكريم. وفي مقدمة هذه القواسم، نشير هنا إلى نضب الطاقة التجييشية التي كان النظام الإيراني يعتمدها للسيطرة على الداخل، والتحكّم في كل مفاصله. وهي الطاقة ذاتها التي استخدمها في مشاريعه التوسعية في الجوار الإقليمي، مستغلًا في ذلك المظلومية الشيعية، ليتمكن لاحقًا من تسويق حصيلة جهوده التخريبية على أنها نجاحات وانتصارات مزعومة في الداخل الإيراني عبر الماكينة الإعلامية للنظام المعني، المستمرة في عملية إعادة إنتاج سياسية دعائية التضليل والتعبئة، حتى يبقى النظام خارج نطاق دائرة المساءلة والمحاسبة.

فما حدث ويحدث اليوم، في البلدان الثلاثة، يؤكد أن شعوبها قد امتلكت وعيها الذاتي المنسجم مع مصالحها ومستقبلها. وتبيّن للشيعة قبل غيرهم أن شعارات نصرة الشيعة، والعمل لرفع المظلومية عنهم، والدفاع عن مراقدهم المقدسة، لم تكن سوى أدوات تعبوية، اعتمدها النظام الإيراني، وأذرعه في المنطقة، لتحقيق المزيد من التحكّم والتفرّد بالقرار، وتسخير كل الإمكانيات لصالح مشاريع الهيمنة والسيطرة.

أما الأمر الثاني المشترك بين ثورات الشعوب في البلدان المذكورة، فيتمثل في الإقرار العام بأمر الفساد المزمن الذي تجاوز كل الحدود والمقاييس، هذا الفساد الذي بات ظاهرة ملازمة لسلوكية الزمر الحاكمة، سواء العلنية المباشرة، أم تلك التي تحكم من خلف الستار. وهو الفساد الذي كان يتم التغطية عليه دائمًا بأولوية الأهم في مقابل المهم. ولكن بعد أن ذاب الثلج وبان المرج، كما يقول المثل، ظهرت معطيات وقرائن واتهامات حول اختفاء مليارات الدولارات التي سُرقت أو غُيّبت من دون تقديم أي كشف حساب مقنع متماسك؛ ومن دون أن يستفيد الناس منها، خاصة من المستضعفين، هؤلاء الذين يفتقرون إلى الكهرباء والماء النظيف والرعاية الصحية والتعليم المنتج. بل على النقيض من ذلك، فقد تراجعت مستويات المعيشة، وتفاقمت المشكلات في مختلف القطاعات الحيوية، واختفت الخدمات الأساسية، وبات التعليم في أدنى مستوياته، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الخدمات الصحية، ورعاية المسنين وذوي الاحيتاجات الخاصة، حتى باتت الأمراض، ولا سيّما المزمنة منها، كابوسًا يهدد الشرائح الواسعة من أصحاب الدخل المحدود والعاطلين عن العمل.

ويتجسد القاسم المشترك الثالث في تجاوز شعوب تلك البلدان الحواجز التي أقيمت بين الطوائف والمذاهب، تلك الحواجز الوهمية التي عمل النظام الإيراني -منذ مجيئه إلى الحكم عام 1979- على جعلها حدودًا فاصلة مانعة من التواصل، وذلك عبر اختلاق الأحقاد وتغذيتها، والاستفادة منها على صعيد الفصل بين المكونات المجتمعية، وتجييش الطاقات الشبابية الشيعية لصالح مشروع ولي الفقيه في إطار الميليشيات المذهبية. لقد تجاوز المتظاهرون في لبنان والعراق وإيران هذه الحواجز، وباتت المطالب المعيشية هي القاسم المشترك بين مختلف المكونات. بل إن الأمر اللافت في الحركات الاحتجاجية العراقية، خاصة في المناطق الشيعية، هو دعوتها الواضحة بضرورة وقف التدخل الإيراني في تفاصيل الوضع العراقي على صعيد الدولة والمجتمع. كما أن التظاهرات العابرة للمذاهب والأديان في مختلف المناطق اللبنانية التي كان يتم التعامل معها على أنها إقطاعيات طائفية تابعة لهذا الحزب أو ذاك، تؤكد بروز توجه جديد نوعي لدى الأجيال الشابة اللبنانية، وهذه ظاهرة غير مسبوقة تنم عن تحول متميّز في الوعي الوطني اللبناني، ستكون له نتائج وتفاعلات إيجابية مستقبلًا، بغض النظر عن مآلات ثورة الشعب اللبناني الراهنة.

أما القاسم المشترك الرابع، فهو يتشخص في الدور المهم الذي تؤديه المرأة في مختلف الاحتجاجات والتظاهرات، سواء عبر المشاركة المباشرة، وتحدي التهديدات ومواجهتها، أم من خلال تقديم الدعم اللوجيستي للمتظاهرين بمختلف الأشكال. وتفسير ذلك هو تعرض المرأة، إلى جانب كونها الأم والزوجة والأخت، بالنسبة إلى الشباب والرجال الذين يكونون عادة وقودًا في مشاريع ميليشيات ولي الفقيه، لمختلف أنواع الضغوط الاجتماعية والنفسية نتيجة سياسات التزمّت المذهبي، التي بات من الواضح أن الهدف منها هو الهيمنة والتوسع، من دون أي مراعاة للاحتياجات الراهنة، والمقدمات الضرورية لضمان مستقبل أفضل للأبناء والأحفاد.

وعلى الرغم من صعوبة التكهّن حاليًا بالنتائج التي ستسفر عنها التحركات الشعبية في البلدان الثلاثة، خاصة في إيران حيث يمارس النظام أقسى درجات العنف والتنكيل لمنع الشباب في مختلف المناطق من متابعة تظاهراتهم واعتصاماتهم الاحتجاجية، فإننا على يقين بأن الأمور قد تغيّرت، ولم تعد لعبة التضليل بالشعارات، والتسويف من خلال إعطاء الوعود التخديرية، قادرة على إقناع الناس بجدية وجدوى المعالجات التي تدعي السلطات بأنها ستقوم بها للتخفيف من معاناة الناس.

فما يحدث في البلدان الثلاثة لا يمكن فصله عما جرى، ويجري، في سورية والجزائر والسودان واليمن ولييبيا ومصر وتونس، وهي البلدان التي شهدت ثورات وانتفاضات شعبية في مواجهة فساد السياسيين واستبدادهم، أو تبعيتهم للمشاريع الخارجية. وكل ما تشهده المنطقة راهنًا، وشهدته قبل سنوات، إنما هو حصيلة عقود من الفوضى، وعدم الوصول إلى توافقات إقليمية كان من شأنها تحقيق الاستقرار على مستوى الدول والإقليم، وهو الأمر الذي يعدّ مقدّمة ضرورية لا استغناء، لتمكين شعوب منطقتنا ودولها من الخروج من دائرة العنف الداخلي، والحروب البينية التي تجري حاليًا بمختلف الأشكال.

أما أن تستمر الأوضاع على ما هي عليه راهنًا، أو ربما تتجه نحو الأسوأ، وتتعقد من دون أي ضوابط أو وجود آليات الحل، فإن كل الاحتمالات السيئة، بل الأسوأ، واردة، وذلك كله يستنزف الموارد البشرية والطبيعية، ويقطع الطريق أمام أي صيغة من صيغ التراكم، سواء تراكم الثروات أم المعارف والخبرات.

فالأنظمة الحاكمة في دول المنطقة لم تتمكن بعدُ من تجاوز الحسابات القديمة، وما زالت تتعامل مع قضاياها ومشكلاتها بعقلية ماضوية، ونزعات رغبوية لا تنسجم مع الوقائع، ولا تضمن تأمين احتياجات أجيالنا الشابة والمقبلة؛ وللتغطية على الاستعصاءات والعيوب، تلجأ الأنظمة المعنية إلى لغة التجييش والتخوين والتضليل، وتستخدم غالبًا شعارات شعبوية تساهم في تصعيد المشاعر السلبية؛ شعارات تكون للاستهلاك المحلي، بينما الممارسات والبازارات البينية تكون وفق مصالح من تحكموا في مفاصل دول المنطقة، وباتوا يتعاملون معها بوصفها غنيمة لهم، لا يجوز التنازل عنها، أو حتى إتاحة المجال للآخرين للمشاركة وفق محددات واضحة شفافة، تسمح بالمساءلة والمحاسبة عبر المؤسسات الدستورية الفعلية، وليست تلك الشكلية التي قد أصبحت منذ زمن بعيد مجرد أداة تزيينية دعائية، تستخدمها الأنظمة الدكتاتورية بأسمائها المختلفة لإطالة عمرها.

حركة شعوب المنطقة تجدّد التفاؤل، بالرغم من الصعوبات والمخاوف الكثيرة المشروعة، فهي حركة أدت، وستؤدي، إلى هتك أسرار الفاسدين والمستبدين، الأمر الذي سيؤدي من ناحيته إلى انتفاء الهيبة، وتلاشي مظاهر العنجهية المتغطرسة، وانكشاف أمر الصفقات المخزية.

===========================

بشار مسترجعاً أباه

عمر قدور

المدن

السبت 23/1/1/2019

منذ خمسة أيام، وبما يتجاوز ردّ ذلك إلى المصادفة، تواردت أخبار من قبيل تعليق صورة بشار الأسد على واجهة القصر العدلي في حماة مرفقة بلقب "القاضي الأول". التلفزيون الرسمي استضاف "شاعراً"، يكتب النظم التقليدي المقفى، وبيده ديوانه الذي يحمل غلافه صورة بشار الأسد. بينما انتشرت صورة منحوتة ضخمة بالطول الكامل لبشار، وهو يرفع يده اليمنى أعلى بقليل من التحية النازية المعروفة، من دون أن ندري أين ستوضع المنحوتة التي أُنجزت للتو.

سيُتوّج ما سبق بقرار زيادة الرواتب الذي أصدره بشار قبل يومين، لتبدأ الماكينة الإعلامية بعملها المعتاد وتصوّر القرار كأنه مَكْرمة شخصية منه، بصرف النظر عن قيمة الزيادة التي لا تصل إلى ما يعادل ثلاثين دولاراً وفق أسعار الصرف الحالية، وأيضاً بصرف النظر عن أن الزيادة "ككل الزيادات الشبيهة" تعكس تضخماً سابقاً ولاحقاً وتدهوراً في القيمة الحقيقية للدخل. بالتزامن، لا يأتي بلا قرار مركزي التركيزُ على وسم بشار بـ"أبو حافظ"، فالنَظْم الذي ألقاه الشاعر المذكور على شاشة التلفزيون يبدأ بمديح حافظ الأسد كصاحب رسالة يستكملها بشار، ومن المرجح أن التركيز على الاستمرارية لا يستهدف الآن تعويم حافظ الحفيد كوريث للسلطة.

في السنوات الأولى لعهده، وبسبب مطالبات الناس برفع الأجور، خرج بشار ليتحدث عن ربط الأجور بالإنتاج والتنمية، وقال حينها أن أي رفع للأجور لا يستند على وفر وتمويل حقيقي سيكون بلا فائدة. رغم تلك التوضيحات، لم يمضِ وقت طويل حتى فهِمَ هو الأرباح التي يمكن أن تُجنى من التضخم، وعاد إلى سياسة أبيه الاقتصادية في ما يخص تمويل العجز بالتضخم. مقارنة اليوم بالأمس أكثر كارثية مع اقتصاد مدمر، وبنية خدمية وإنتاجية متهالكة، فضلاً عن الديون المستحقة التي تطالب بها طهران وموسكو، إلا أن إعادة إنتاج الأسدية الأولى تظهر الملجأ الوحيد أمام جمهور المؤيدين المتضررين.

كانت الألقاب قد أُسبغت بسخاء على حافظ الأسد، فهو المحامي الأول والمعلم الأول والفلاح الأول... هو الأول على الإطلاق وفي جميع الميادين. تلك الكاريزما التي صُنعت له لم تفقد مفعولها حتى الآن، أو هذا ما يطفو على السطح، فالعقد الضمني والعلني بين بشار ومؤيديه يستند إلى الأسدية التي أرساها الأب ما لم يثبت هو تفوقاً يتقدّم بتلك الأسدية. مع انطلاق الثورة، كانت اللافتات الأكثر شيوعاً في الساحل السوري هي تلك التي تعلن التأييد، أو تحض عليه، لمن يوصف بالغالي ابن الغالي، وبعضها صريح في إظهار التأييد وفاءً للأب. في أمكنة سورية أخرى، يمكن القول أيضاً أن الجمهور المعادي للتغيير يستند وجدانه إلى أسدية الأب التي ربما لم يدرك غيرها، ورغم شظف العيش في ظلها بقيت تمثّل صورة الاستقرار والأمان، مع كل ما لصورة الأب البطريركية من أثر نفسي جمعي.

كان المطلوب من بشار، بخلاف الصورة التي حاول ترويجها عن نفسه من قبل، أن يبطش بمعارضيه على منوال الأب. الحق أنه فعل ذلك وأكثر، وأثبت في العديد من المناسبات "وقد تعمد ذلك" وحشية منقطعة النظير، ومارس الإبادة أحياناً من أجل الإبادة، وخرج مرات ليعلن مسؤوليته الكاملة، وكان مفهوماً أنه يريد إثبات كفاءته لجمهور مؤيديه، بل يريد القول أنه يبزّ أباه على هذا الصعيد.

لكن شخصية حافظ الأسد، وآثارها الرمزية الباقية، تبقى هي الملجأ والحصن الذي يعود إليه كلما بان المآل المتهافت. تحقيق النصر، بواسطة الحليفين الإيراني والروسي، ليس وحده الذي كشف تهافت النصر، وإنما فوقه الكلفة الباهظة التي تجعل من أيام الأسد الأب فردوساً مفقوداً على صعيد العيش للطبقات الفقيرة من المؤيدين. لا عزاء يقدّمه بشار لهؤلاء سوى أنه ينتمي إلى فردوسهم، وأنه ابن أبيه، يفعل ما كان يفعل الأب، ويتقمص شخصيته من جديد. إنه أبو حافظ الذي يتغنون به، وهو على مسيرته ذاتها؛ القاضي الأول والفلاح الأول... إلخ. إنه يكرر لهم الماضي الذي يحبون، بتفاصيله التي اعتادوا عليها أو أدمنوها، وعليهم هم الذين تعلقوا بالماضي دفع ثمن العيش مرة أخرى فيه.

في الأصل كانت الثورة تعبيراً عن وصول الأسدية إلى مأزقها ونهايتها، وهي الدلالة ذاتها التي وجدت في كافة الثورات العربية من انطلاقها. عدم اعتراف مؤيدي بشار بهذا الواقع، وتلك الأصولية الأسدية المعممة لدى شريحة لا يُستهان بها، يعكسان في جزء صغير منها المصالح المباشرة الفاحشة، في حين تتراكب الاعتبارات لدى الفئة الأوسع التي لم تستفد منها سابقاً وتدفع ثمن بقائها وتكرار زمنها القديم.

لقد كان الأبد الأسدي، متعيناً بالاستبداد ثم توريثه، بمثابة خروج عن الزمن العالمي العام. ذلك الأبد طبخه حافظ الأسد على مدار ثلاثة عقود، وعلى نار هادئة لم تنغصها ثورة على النحو الذي شهده الوريث. لا بسبب حنكته، وإنما لأن المرحلة كانت مواتية في العديد من دول المنطقة، نجح الأب في مشروعه. استرجاع الأب، عبر تقمصه، لن يعيد زمناً نرى يومياً كيف انقضى في عموم المنطقة، ولو كانت الإمكانيات العسكرية والمخابراتية متوفرة أو فائضة عن اللزوم.

ما يجمع صورة بشار وتمثاله والنظم المكتوب في مديحه تلك الرداءة الفنية الفاقعة، ليبدو كأنه كاريكاتير عن أبيه ليس إلا. هذا الفقر غير ناجم فحسب عن فقر أساسي في المخيلة الأسدية، وإنما أيضاً ناجم عن إفقار البلد إلى حد تظهر فيه الأسدية عارية إلا من ذاتها. في زمنها الأول، كانت تتعايش مع الأسدية مختلف الكفاءات، وكان ثمة هامش ليطور أفرادٌ كفاءاتهم بمعزل عنها، ومن دون أن يكونوا معها أو ضدها. حتى إذا استثنينا ذلك النوع من الكفاءات الذي يتطلب هامشاً بسيطاً من الحرية، شهدت البلاد نزيفاً عاماً من الكفاءات ولو هروباً من العنف وعدم الاستقرار، أي بلا قناعات سياسية واضحة، وهذا الإفقار يصيب الأسدية وأدواتها بخلاف تبجح رئيسها عن المجتمع المتجانس، وبلا شك فإن مقتل مئات آلاف الشباب ممن هم في ذروة طاقاتهم يحتاج تعويضه إلى مرور أكثر من جيل.

لأصحاب الغرائز الدموية يستطيع بشار ارتكاب مجازر لا هدف لها سوى تفريغ شحنات الحقد الأعمى، على مثال قصف مخيم قاح للاجئين على الحدود التركية. وللشريحة الأعم يلبس عباءة أبيه ليوهمها بأن الأسدية تسترجع عافيتها، بتماثيلها وصورها ونظّاميها الجدد. مشكلته لن تكون فقط في استحالة إعادة الزمن إلى الوراء، بل أيضاً في استعادته بأدوات ومقدرات ركيكة تجعله مبتذلاً وهزلياً، ليظهر أصغر بكثير من عباءة يتوهم عدم انتهاء صلاحيتها.

===========================

ماذا أنقذت روسيا في سورية؟

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 23/1/1/2019

ـ بدأ الأسد حربه على سورية، وفيها ثلاثة وعشرون مليون مواطنة ومواطنا يطالبون بحقهم في الحرية. واليوم، لم يبق فيها مواطن واحد لا يخشى على حقه في الحياة. خلال هذه الحرب، طرد "جيش الأسد العقائدي" نصف السوريين من وطنهم، ورحّل ربعهم داخله، واحتجز الربع الباقي كرهائن لدى مخابراته، ليكونوا طعاما للمدافع وضحايا للاعتقال والقتل تعذيبا وجوعا.

ـ وكان السوري العادي يعيش على حد أدنى من الدخل والخدمات قبل الثورة، فصار، بحرب الأسد الإرهابية عليه، يعيش من دون دخل أو خدمات، وأي دخلٍ أو خدماتٍ يمكن للسوري الحصول عليهما، إن كان بلا عمل، وكانت الحرب الأسدية قد دمرت اقتصاد سورية، وأخرجت مؤسسات الماء والكهرباء والمشافي من الخدمة، وأنزلت 90% من أسرى السجن الأسدي إلى ما دون خط الفقر، حسب الأمم المتحدة، بينما استولى الأسد وعصابات لصوصه وقتلته على القروش القليلة التي يسمونها راتبه أو أجره، وبالكاد تكفي لدفع إيجار غرفة صغيرة في قرية. بينما الطبقات الوسطى، بما يعرف عنها من ميل إلى الادّخار، فأنهت بيع ما فوقها وما تحتها من دون أن توقف انحدارها إلى مهاوي البؤس والحرمان، فما عساه يمكن القول عما جرى للفئات العاملة، والفقيرة، والعاطلة من الشباب في المدن والأرياف، حيث لم يعد هناك سعر لقوة العمل، لأنه لم يعد هناك عمل؟

ـ مقابل إفقار الشعب وبؤسه، نمت وازدهرت صناعة التشبيح، وغدت منجما أسديا ذهبه لقمة شعب تقتحم منازله، ويتعرّض للتنكيل على حواجز "الجيش العقائدي" التي حولت شبيحته، الذين لا يستهان بعددهم، من متسولين إلى أصحاب ملايين، خلال أيام أو أسابيع من "خدمة الوطن"، بما انتزعوه يوميا من "إخوتهم" الإرهابيين، واستولوا عليه من ممتلكاتهم، خصوصا إن كانوا "دسمين"، واعتقلوا للحصول على "فدية" بعشرات آلاف الدولارات في مقابل عدم إرسالهم إلى الموت في سجون الأفرع، أو امتدت مكرماتهم إلى نساء ضحاياهم، أو بيوت هؤلاء الضحايا أو سياراتهم، وباعوهم إياها بالمبلغ الذي يحدّدونه، تبرعا منهم للحرب الأسدية على الإرهاب!

- بحلول اقتصاد التشبيح محل الاقتصاد الوطني، ورعايته من شبكات مترابطة تغطي سورية، بعناية روسية / إيرانية، تخلقت دولة إجرام منظم، جعل ازدهارها انهيار المجتمع حتميا، وكشف نقل ما يمتلكه السوريون إلى لصوص "مملكة الحواجز والسجون العميقة"، هوية دولة الأسدية الحقيقية التي كانت مخبأة وراء أكاذيب "الوحدة والحرية والاشتراكية". لذا لمّا علم معظم السوريين أنها لم تكن يوما غير أخوية إجرام، نسق حافظ الأسد بالأمس، وينسق ابنه اليوم، خروجها على القانون وعداءها دولته، وتدمير دولة سورية ومجتمعها، فماذا سيفعل الروس، عندما ستحين ساعة الحل، وسيكتشف الأسد أن بقاء نظامه في صوره الراهنة محال، وعليه الاستقواء بإيران لمواجهتهم؟ كيف سيتخلصون من "عصابات" تمسّكوا بشبيحتها بحجة "الحرب على الإرهاب"، لن تقبل نظاما ليست إرادتها قانونه، ولا يكمن اقتصاده في مد أيديها إلي جيوب السوريين وأرزاقهم، بعد أن جعلتهم حرب الأسدية على الإرهاب سارقي لقمة أطفال، صوبت مسدساتها إلى رؤوس أمهاتهم وآبائهم، فهل يدرك الروس أن هؤلاء هم اليوم "مؤسسات الدولة"، التي غزوا سورية لإنقاذها، وأنه سيكون عليهم قبول بقائها وحمايتها مقابل بقائهم في مزرعة مشتركة اسمها سورية. أنقذوا زعيم قتلتها من ثورة حرية، مكافأة له على استجارته بجيشهم ودعوته هذا الجيش إلى احتلال سورية، وللفتك بشعبها وإجباره على الدخول من جديد في طاعته، بالمصالحات والهدن، وإلا فبالقنابل الفراغية والارتجاجية والفوسفورية!

... مع ذلك، يجد الأسد في نفسه من الوقاحة ما يدفعه إلى الحديث عن انتصاره ، بينما يزعم بوتين أنه غزا سورية لإنقاذ "دولتها"!.

===========================

موقفنا : ردنا على بيدرسن المندوب الأممي لتمرير الجريمة الدولية على الشعب السورية .. لم نكن  أبدا في حرب أهلية ولن نكون

زهير سالم

مركز الشرق العربي

23/ 11/ 2019

في مطالعته بالأمس  22/ 11 في مجلس الأمن الدولي قرر المندوب الأممي ، للمضي في مخطط الاحتواء لثورة الشعب السوري ، أنه ما يزال يعمل مع المنصات المشتبكة معه والمتواطئة جميعها على ثورة الشعب السوري وحريته واستقلاله على إخراج السوريين من الحرب الأهلية التي دخلوها منذ ثماني سنوات ....

باسم كل السوريين الذين عرفتهم وألفتهم وخبرتهم وحاورتهم على مدى خمسين عاما من مكونات وأطياف وطبقات الشعب السوري .. أسجل هذا الموقف حقيقة ثابتة على جبين التاريخ ، ولعنة خالدة تلاحق كل الطغاة والمتآمرين والمتواطئين ..

لم يكن ما جرى ويجري في سوري حربا أهلية ..

بل كان ثورة شعب حر أبي ضد زمرة من الطغاة المستبدين الفاسدين ..

وإذا كانت مواقف بعض السوريين قد تباينت في الانخراط في الثورة ، فلم يكن ذلك نتيجة اختلافهم على ضرورتها وأهميتها ؛ وإنما كان ذلك نتيجة جبلات بشرية متفاوتة في الشجاعة وأخيها ، والجرأة وضدها ، فما حبس الكثير من الناس عن الاشتراك في الثورة  منذ انطلاقها إلا بعض ما حبس جميع الفرنسيين عن الاشتراك في الثورة ضد الباستيل في القرن الثامن عشر أو ضد النازيين في القرن العشرين ..

وقد كان لبطش الطغاة ، المغطى والمدعوم  دوليا ، دوره في منع جميع المواطنين السوريين من الانخراط في ثورة الحق والعدل والحرية ..

دون أن ينفي ذلك أن يكون كما هو الحال في كل المجتمعات لشركاء السلطة والثروة والفرصة والنهزة موقفهم في معاداة الثورات عموما والثورة السورية خصوصا ، وهؤلاء أيضا يتمايزون ويختلفون في موقفهم بإعلان العداء حسب جبلاتهم وظروفهم .

إن الذي يجب أن لا نتوقف  - نحن السوريين السوريين - عن تكراره هو أن الثورة السورية لم تكن حربا أهلية أبدا ، وما مر ذلك في خلد السواد العالم من السوريين ..

لم تكن الثورة السورية حربا أهلية على خلفية دينية

فهي لم تكن ثورة ضد المختلف الديني من مسيحي وأزيدي أو صابئ ..

لم تكن الثورة السورية حربا أهلية على خلفية مذهبية

 فهي لم تكن أبدا ضد العلوي ولا الدرزي ولا الإسماعيلي ..

لم تكن الثورة السورية حربا أهلية على خلفية عرقية

فهي لم تكن ضد الكرد ولا التركمان ولا الشركس ولا الآشور ولا الكلدان ولا الأرمن..

لم تكن الثورة السورية حربا أهلية على خلفية فكرية

فهي لم تكن ثورة يسار ضد يمين ولا إسلامي ضد علماني ,,

كانت فقط ثورة ضد الظلم والظالمين ، ضد الاستبداد والمستبدين ، ضد الفساد والفاسدين ومع العدل والحرية والكرامة للجميع ومن أجل الجميع ..

إن إصرار بيدرسن وفريقه والمتواطئين معه على نبذ الثورة السورية واتهامها ، وجعل هذا الاتهام مسلمة تلقى على المنابر ويصمت عنها المجرمون والمتواطئون هو جريمة إضافية مثلها مثل كل الجرائم من قتل وتعذيب وتهجير وتدمير ..

( وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ )

===========================

سوريا: العودة إلى النقطة صفر

 فراس سعد

القدس العربي

الخميس 21/11/2019

يوجد تشابه كبير بين ثورتي إيران وسوريا من حيث الانطلاق والمآل. فكلا الثورتين بدأها يساريون مناهضون للنظام الحاكم وكلا الثورتين تحولتا إلى الخطاب الإسلامي مع فارق أن ثورة إيران نجحت ذاتيا بسبب عدم التدخل الخارجي معها أو ضدها فالثورة الإيرانية تيار الخميني لم تطلب عون الروس ولا الأمريكان علما أن الروس كان بإمكانهم دعم اليسار الإيراني الذي أشعل الثورة؛ ولم يفعلوا خوفا من تزكية نار حرب أهلية بين اليسار والإسلاميين.فيما وقفت كل من أمريكا وروسيا ضد الثورة السورية، الأمريكان سرا والروس علنا.

 

الصراع الطبقي

يمكن أن تتحول سوريا بالفعل إلى أفغانستان ثانية. بإعلان «القاعدة» عن وجودها رسميا في سوريا بعد انشقاق قيادات من أحرار الشام وجبهة النصرة عن التنظيمين وانضمامهم إلى ما يسمى فرع القاعدة في سوريا المعلن عن تأسيسه قبل فترة.

ما سبق مضافا لإعلان تأسيس حرس حدود كردي بدعم أمريكي يمتد على طول ضفة الفرات الشرقية قدمت بعض الأنظمة العربية المستبدة نفسها لجمهورها كأنظمة علمانية فكفرت الجماهير بالعلمانية وأقبلت أفراد وجماعات على ما هو ضد العلمانية أي التدين.

لم تكن العلمانية سوى قفاز استخدمته الديكتاتورية العربية كوسيلة لتعميق التخلف واضطهاد الشعوب، فالمطلوب السلطوي هو شعوب عربية فاشلة كما هو المطلوب الدولي أنظمة عربية وشرق أوسطية فاشلة.

صدقت الماركسية حين وصفت الأفكار القومية أنها وسيلة البرجوازية لإلغاء الصراع الطبقي، الأفكار القومية في العالم العربي كانت وسيلة لصعود الفاشية العسكرية التي ألغت كل شيء بما في ذلك الصراع الطبقي الكلاسيكي لأنها أصلا أبادت إحدى أهم الطبقات في كل المجتمعات أي الطبقة الوسطى التي تعد حامل جميع المشاريع الوطنية الثقيلة أو حاملة النهضة.

بعض المعارضين وبعض التجمعات المعارضة في الخارج يتحدثون بمنطق يخدم النظام فهؤلاء يزكون العسكرة ويجدونها الحل الوحيد للمشكلة والكارثة السورية، بهذا يجد النظام عونا من هؤلاء «العسكرتاريين» لأن العسكرة هي أحد الاثافي الثلاثة للنظام ( الفساد، الأمن، الجيش) فهو نظام عسكري في تكوينه وحلوله كلها تعتمد على العنف فمن يريد إسقاط النظام عسكريا يجب أن تكون له قوة تساوي قوة النظام مرتين أو ثلاثة ويجب أن تكون له خبرة نصف قرن في العسكرة.

 

حلول «فيسبوكية»

 

الثورة السورية كما ثورات شعبية عديدة في التاريخ لا تستوي مع العسكرة فهي في طبيعتها ثورة مدنية سلمية لا عنفية نهض به جمهور المثقفين والجامعيين والمعارضين ابتداء من العاصمة وانضمت إليهم على الفور جماهير من كل الشرائح، وبالطبع فهذه الثورة لم يقم بها عسكريون، ولا يصلح بالتالي أن يقود عسكريون ثورة وإلا تحولت إلى انقلاب عسكري أو حرب أهلية.

حلول فيسبوكية للكارثة السورية، هذا ما تقدمه معارضة ونشطاء الفيسبوك لمواجهة المجزرة الجارية في سوريا منذ ست سنوات، لقد انحصرت عقول الثوريين لتأخذ شكل ومساحة المستطيل الأبيض في صفحة كل منهم على الفيسبوك بدل مساحات للحوار المباشر واللقاء الفيزيائي قبل الفيسبوك.

ولعمري قد يكون الفيسبوك أحد الأسباب الفرعية لتأزيم الكارثة السورية، فبعد أن كان وسيلة لتنظيم الحشود والدعوة للتظاهر في أول الثورة تحول الفيسبوك إلى مجال واسع للنشاط الإلكتروني وتفريغ طاقات الثوار والنشطاء بدل لقائهم الحي على الأرض وهو ما يقتضيه الحراك الطبيعي.

صار الحراك إلكترونيا والثورة فيسبوكية، وهو حراك يأخذ منحى الخلافات والنزاعات أكثر من التوافقات والتقاطعات فلقد شهدت الساحات السياسية خلافات وانشقاقات حقيقية على الأرض بسبب تعليق فيسبوكي بل حدث في واقعة مشهودة أن استقال سياسي سوري من أحد الأحزاب بسبب «لايك» وضعه لسياسي معارض آخر مما أثار حفيظة زعيم الحزب الأمر الذي أدى به بعد مناوشات مع زعيم الحزب إلى الاستقالة.

 

الزاوية النفسية الاجتماعية

 

لم يعد من المفيد تناول الثورة السورية سياسيا أو أمنيا بل ربما كان من المؤذي الاستمرار على هذا النحو من التناول، لا بد الآن من تناول الثورة ثقافيا أو اجتماعيا كي نفهم الثورة حقا بعيدا عن التناول العنصري أو السطحي أو الشكلي شديد التبسيط والاختزال.

فالثورة أي ثورة لا تنجح ولا يتم الاستفادة منها حتى لو أجهضت إلا بكشفها ثقافيا اجتماعيا أي تناولها من حيث الدوافع والمسارات من حيث القوى الفاعلة فيها والمحركة لها بعيدا عن الرؤى السياسوية المؤقتة أو الآنية التي كانت سببا في الجهل والتجهيل بالثورة السورية وبالتالي كانت سببا في انحراف الثورة أو استغلالها من الدوغمائيين ومن إجهاضها.

رؤية للحرب السورية من زاوية لم يتم النظر منها أيضا هي الزاوية النفسية الاجتماعية.

الوضع الذي يبدو عليه السوريون اليوم هو أنهم شعب مشروخ نفسيا واجتماعيا حتى أعماقه ولن يتم الوصول إلى السلام الأهلي إلا إذا اعترفنا أولا أن الحرب السورية هي حرب أهلية أجّلت طويلا أو هي حرب أهلية مستحقة بدأت قبل ست سنوات ولن تتوقف إلا إذا تم الاعتراف بها، عند ذلك فقط يمكن تحقق وعي الحرب ومعالجة الظروف التي أدت إليها.

هذا الاعتراف لا يعني بأي حال تجاهل مسألة جوهرية مفادها أن الأزمة السورية الحالية بدأت كثورة شعبية عارمة واضحة الأهداف.

إن أسوأ ما يلحق قضية أو نزاع هو عدم الاعتراف به أو تشويه حقيقته أو تزييفها. هذا التجاهل يؤخر حل أي قضية أو نزاع.

الخطاب الثوري بأهمية الثورة ذاتها، فإذا لم يكن لديك خطاب يقنع العدو قبل الصديق فلا تعلن الثورة، اذا لم تحسن علم الخطاب لن تحسن عِلم الثورة…

بقاء المعارضة الخارجية عند لحظة الثورة الأولى أي لحظة الاعتراض والصوت العالي فوت على المعارضة تحولها إلى مجال سياسي مالي أو شبه نظـام ينـظم حيـاة السـوريين خـارج سـوريا.

كل الثورات تقبل النجاح كما الفشل هذا ما يدركه الثوريون والشعوب. غير أن الشعب السوري الذي وقع في فخ ثورييه الحالمين أنهك نفسه بل أفنى نفسه لأنه مازال يعتقد أن الثورة السورية لا بد أن تنتصر.

===========================

الجنوب السوري على صفيح ساخن

حسان الأسود

سوريا تي في

الاربعاء 20/11/2019

مرّ عامٌ ونيّف على استعادة النظام السيطرة العسكريّة في الجنوب، على ما كان قد خرج عن قبضته لأعوام طويلة منذ انطلاق الثورة في مهدها، أي مدينة درعا. سيكون من المفيد إعادة قراءة ما حصل وبدا وقتها وكأنّه انهيارُ سلطة النظام وفقدانه السيطرة على الحدود وعلى كثير من المناطق، مع ملاحظة أنّه احتفظ بمراكز المدن أو بجزء رئيس منها على الأقل، كما حصل عموماً في درعا والقنيطرة ودير الزور والحسكة وحماة وحمص وحلب. ولعلّ استثناءَي الرقة وإدلب يؤكّدان القاعدة التي يبدو أنّ النظام رسم استراتيجيّته للوصول إليها مبكّراً.

لقد ترك النظام طواعية أو بسهولة كبيرة مناطق الحدود الرخوة سياسياً، للاستفادة منها فيما بعد في مساوماته مع دول الجوار

في الشمال سلّم النظامُ حليفه وربيب معسكرات تدريبه – حزب العمّال الكردستاني PKK - أمر أغلب المناطق الحدوديّة، وكثيراً من المناطق الداخليّة التي رأى أنه قادرٌ على قمع أهلها الثائرين عليه، وتفرّغ لغيرها من المناطق. لقد كان يدرك أنّه بذلك يخلق للأتراك مشكلة وجوديّة سيضطرون في المستقبل للتعاون معه من أجل حلّها. وفي الجنوب ترك قسماً كبيراً جدّاً من الحدود مع إسرائيل والأردن لتستولي عليها فصائل الجيش الحر، وفي مناطق محدّدة سهّل لجبهة النصرة القيام بذلك ومكّنها من التمركز على حدودٍ طالما حماها من أيّة محاولات تسلل على مدار ما يقرب من أربعين عاماً منذ معاهدة فضّ الاشتباك عام 1974.

لعلّ من أهمّ أسباب التنازل عن الحدود أو تسليمها، تسهيل عمليّات تهجير السكّان عبرها دون وجود قوّات عسكريّة تتبع له وتتحمّل مسؤولية السماح أو عدم السماح لهم بالعبور أولاً، ومن ثمّ توريط دول الجوار بهم وتحميلهم أعباء حمايتهم ورعايتهم ثانياً، ثم تأمين الحجّة والغطاء لدخول الجماعات الإرهابيّة عبر حدود لا سيطرة له عليها، ثم لتبرير استقدام والاستعانة بالحلفاء ومليشياتهم ثالثاً، وبالنهاية المساومة في فترة لاحقة على إعادة ضبط هذه الحدود مقابل إعادة التعامل معه والاعتراف بضرورته إن لم يكن بشرعيّته.

بعد مرور أكثر من ستة عشر شهراً على سيطرته على كامل محافظتي درعا والقنيطرة، لم يستطع النظام أنّ يقدّم أيّة خدمات للمدنيّين فيهما، ولن يرغب حتى لو كان يستطيع ذلك وتوفّرت له القدرة والإمكانيّات، وهذا يعود لعقلّية قادة النظام الحاقدة، التي ترى في الإبقاء على الدمار والخراب وسيلة وأداة لعقاب سكّان المناطق التي أهانته وخرجت عن طاعته أولاً، وبؤرة للتوتّر وابتزاز أهالي المنطقة من المغتربين ودول الجوار والمجتمع الدولي ثانياً. سنورد هنا بعض المشكلات التي ما تزال عالقة في تلك المناطق للتدليل على السياسة المتّبعة من قبل النظام في هذا المجال.

لم يتم حتى الآن الإفراج عن المعتقلين في سجون النظام، بل على العكس من ذلك ومنذ سنة وحتى الآن قامت أجهزته باعتقال المئات من أبناء الجنوب بذرائع مختلفة ولم يطلق سراحهم، وتم تحويل عدد كبير منهم إلى محكمة الإرهاب والمحاكم الميدانية، وهؤلاء مصيرهم الإعدام أو سجن صيدنايا الأشدّ رعباً من الإعدام ذاته.

يعاني سكان الجنوب جميعاً، وبالأخص منهم أولئك الذين قاموا بتسوية أوضاعهم أمنيّاً وعددهم حوالي 122 ألف شخص، من عدم قدرتهم على ممارسة الحياة الطبيعية مثل العمل في مهنهم ومصالحهم ولا حتى عودة الطلاب إلى جامعاتهم، بسبب عدم القدرة على استخراج الأوراق الرسمية لأيّة معاملة كانت. فالموافقة الأمنيّة مطلوبة ليس فقط في عمليّات بيع وشراء السيارات والعقارات، بل أيضاً في عودة الطلاب إلى جامعاتهم والموظفين إلى وظائفهم والنقابيّين إلى نقاباتهم. فلا المحامي ولا المهندس ولا الطبيب ولا المقاول بقادر على العمل دون الحصول على هذه الموافقة. بل أكثر من ذلك فإنّ تثبيت واقعات الأحوال الشخصيّة من زواج وطلاق وولادة ووفاة باتت تحتاج إلى موافقة أمنيّة.

مشكلة العسكريين المنشقين عن قوات النظام من الجيش والشرطة وأجهزة المخابرات تتفاقم بدل أن يتمّ حلّها، فكل من سلّم نفسه بعد التسوية سواءٌ قبل أو بعد صدور مرسوم العفو الرئاسي تعرّض للتعذيب الشديد والبعض تمّ الحكم عليه بالإعدام أو تمّت تصفيته والبقيّة غير معروف مصيرهم.

ازدياد نشاط ميليشيا حزب الله ونفوذ إيران بالتالي، من خلال تكثيف عمليّات التشييع وتجنيد الشباب في هيئات وتنظيمات عسكريّة وأمنيّة، باستغلال التضييق الأمني وانعدام فرص العمل وبالتالي الحاجة الماديّة والحاجة للأمان من ملاحقات أجهزة المخابرات. هذا كلّه يبقي على الجرح مفتوحاً وعلى أسباب النزاع قائمة، نظراً لما يكنّه أهالي المنطقة من حقد وضغينة على إيران وميليشياتها.

الانتقام من السكّان عبر نشر حواجز الجيش والمخابرات على مداخل المدن والقرى، وعبر تفعيل مبدأ الدعاوى الجزائيّة الكيديّة لاعتقال الأهالي بحجّة وجود حقوق شخصيّة، وإلقاء الحجوزات على أموالهم وممتلكاتهم ومصادرتها من قبل السلطات التنفيذية والقضائية، وأحكام السجن الطويلة وأحكام الإعدام الصادرة غيابيّاً من محكمة الإرهاب والمحاكم الميدانية.

إعادة تفعيل دور حزب البعث في الحياة العامّة وفرضه على الناس بالقوّة وتدخّله بشؤونهم، رغم أنّ الدستور الأخير الصادر عام 2012 قد ألغى المادّة الثامنة من الدستور القديم والتي كانت تنصّ على أنّ حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع. وكأحد تجلّيات هذا التدخّل تمّ فرض مرشحين بعثيّين فقط في الانتخابات المحليّة التي أجريت بعد أشهر من إعادة السيطرة على الجنوب.

انعدام الخدمات بشكل كامل في جميع المجالات الصحيّة والتعليمية والإدارية وغيرها مثل انقطاع التيار الكهربائي بشكل شبه دائم وانقطاع المياه الصالحة للشرب وانقطاع خدمة الهاتف الأرضي، وعدم بذل أدنى الجهود لإصلاح البنية التحتيّة من طرق ومدارس ومستشفياتٍ ومؤسسات حكوميّة. ورغم كلّ ذلك إرهاق الناس بفواتير المياه والكهرباء والهاتف عن السنوات الماضية رغم انقطاع الخدمة المقدّمة لهم تماماً أثناءها. يضاف إلى ذلك كلّه الانخفاض الحادّ بسعر صرف الليرة السوريّة أمام الدولار بسبب انعدام أسس قيام وتعافي الاقتصاد المحلي والوطني.

كلّ ما فعله النظام أنّه ركّز على نقطتين بسيطتين بعد استعادته كامل مناطق الجنوب. فتح أولاً معبر نصيب الحدودي لتسهيل تدفّق المخدرات عبره إلى دول الخليج، وبذلك يضرب عصفورين بحجر واحد، أولهما زعزعة الأمن الاجتماعي في تلك الدول وثانيهما إمداد زبانيته وميليشياته بالمال اللازم لبقائها قادرة على خدمته بعد أن شحّ مال الدعم الإيراني. ثمّ إن النظام ليس لديه ما يصدّره سوى ذلك، كما إنّه يعلم أنّ الحصار المضروب عليه من الأميركييّن سيمنع الجميع من المغامرة بالتبادل التجاري معه.

من أهمّ أسباب التنازل عن الحدود أو تسليمها، تسهيل عمليّات تهجير السكّان عبرها دون وجود قوّات عسكريّة تتبع له وتتحمّل مسؤولية السماح أو عدم السماح لهم بالعبور

طمح النظام ثانياً للاستفادة من الخزّان البشري من الشباب لترميم جيشه المتهالك، لكنّ ذلك جرى على غير ما يشتهي تماماً، فقد توصّل قادة بعض الفصائل العسكريّة إلى اتفاق مع الروس لإبقاء مناطقهم خارج سيطرة قوّات النظام، وعلى أن يخدم أبناء هذه المناطق فيها ضمن قوّات الفيلق الخامس المدعوم من روسيا. أمّا بقيّة المناطق التي أجرت التسوية دون الحصول على اتفاق مماثل، فقد شهدت منذ ذلك الحين عمليّات انشقاق كبيرة من قوات النظام التي التحق بها أبناؤها، ويقدّر العدد بثلاثة آلاف شابّ هربوا من قطعاتهم العسكرية، أو بقوا في منازلهم بعد أن أتيح لهم أخذ إجازة لزيارة قراهم أو مدنهم.

إذن ولهذه الأسباب، لم تهدأ مناطق الجنوب ولن تهدأ، فالناس بحاجة لعشرات السنين من حكم رشيد يعاملهم باحترام كمواطنين كاملي المواطنة محفوظي الحقوق بعد تطبيق مسار متكامل للعدالة الانتقاليّة وتأمين الحاجات الأساسية والخدمات اللازمة وإعادة الإعمار، حتى يتمكّنوا من نسيان القدر الهائل من الظلم الذي حاق بهم على يد نظام الاستبداد السابق، فما بالنا بنظام استبداديّ يظنّ نفسه انتصر على الشعب ويرفض أن يتغيّر إلّا نحو الأسوأ؟

تدلّ طريقة تعامل النظام مع سكّان المناطق التي استرجعها بقوّة حليفه الروسي على غباءٍ منقطع النظير أو على ضيق أفقٍ إذا أحسنّا الظن، لكنّ الأغلب الأعمّ أنها تدلّ على حقدٍ غير مسبوقٍ من أشخاص لا يمكن اعتبارهم إلّا أعداءً أبديّين والصراع معهم صراعٌ تناحريٌّ على البقاء. لذلك رأينا وسنرى مجدّداً المظاهرات المطالبة بخروج ميليشيا حزب الله من الجنوب، والاحتجاجات المطالبة بالإفراج عن المعتقلين والوقفات والاعتصامات المطالبة باسترداد الحقوق التي ثار السوريّون أساساً من أجلها. وقد لا تقف الأمور عند هذا الحدّ، فلا أحد يعلم أين يمكن أن تصل التحرّكات بالناس بعد أن فقدوا الأمل تماماً أو يكادوا.

===========================

هل يولد الدستور السوري من جنيف؟

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 20/11/2019

تستمر الاجتماعات العبثية في جنيف بين وفد "لا يمثل" النظام كما أعلن الأسد في مقابلة له مع محطة روسيا اليوم باللغة الإنكليزية وبين وفد "لا يمثل" المعارضة التي تفرقت بها السبل، وأصبح الأكثر انتهازية ونفعية هم الأكثر تحدثا باسمها، ووفد آخر أطلق عليه وفد "المجتمع المدني" وهو خلاصة تجميع بين دول عديدة كرغبة منها في طرح الأسماء ثم استأثرت الأمم المتحدة باختيار الأشخاص "الأقل" إشكالية و"الأكثر" موافقة بهدف المضي في حلقة اللجنة الدستورية.

فالتاريخ القصير للحرب السورية يُظهر أن مبادرات أخرى كانت أكثر دعماً من الدول العظمى كالولايات المتحدة لكنها فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق أي من أهدافها مثل اجتماع المجموعة الدولية لدعم سورية في فيينا (ISSG) التي وضع فيها وزير الخارجية الأميركية الأسبق كيري جهوداً كبيرة لإنجاح الفكرة لكنها تحطمت على صخرة التدخل الروسي العسكري في سبتمبر 2015 وعدم رغبة الطرف الروسي في ضمان وقف إطلاق النار، ثم أتت مبادرة أستانا واعتقد بعض الأطراف أن روسيا وبالتنسيق مع تركيا جادة في الوصول وتطبيق خريطة مناطق خفض التصعيد لكن روسيا ومن ورائها النظام بدؤوا في حملة عسكرية مدمرة لمناطق خفض التصعيد في حلب ومن ثم الغوطة الشرقية وغيرها من المناطق.

ليست فكرة اللجنة الدستورية التي هي عمليا بديل عن قرار مجلس الأمن 2254 وإنما هي وليدة مؤتمر سوتشي من أجل استبدال قرار مجلس الأمن بمبادرة لا قيمة لها على الأرض ما دامت روسيا ومن خلفها النظام استمروا في عملية الأرض المحروقة في إدلب آخر ما تبقى من الأرض بيد المعارضة السورية.

ولذلك لا يحتاج اثنان للنقاش أن فكرة اللجنة الدستورية ستلتقي بكل شقيقاتها السابقات في الفشل وفي نسيان التاريخ وسيستمر الشعب السوري في عذاباته وآلامه.

كان يجب على المعارضة السورية أن تطور خطة تقود إلى استراتيجية فعالة فيما يتعلق بالمطروح اليوم في اللجنة الدستورية التي تجتمع في جنيف.

فكما يعلم الجميع أن هناك ثلاث مراحل خلال عملية كتابة الدستور في أي دولة في العالم:

- الثقافة الدستورية والتي تعتمد على الوعي الشعبي بأهمية الدستور وموقعه في الحياة العامة، فلا معنى لدستور ينص على حفظ حق الحياة بالحد الأدنى وبنفس الوقت تقوم الحكومة التي مهمتها حماية الدستور والدفاع عنه في قتل السوريين تعذيبا وقصفا، وهنا أهمية أن تضاف عملية العدالة والمحاسبة لكل ما جرى في سوريا وأن لا تكون مسألة اختيارية.

- عملية كتابة الدستور وهو ما تهمله اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف بشكل متعمد، فعملية كتابة الدستور هي بالأهمية ذاتها كالدستور ذاته، يجب أن تكون العملية شفافة وشاملة وتحظى بدعم شعبي من كل التيارات السياسية في البلد، وهو غير محقق أبدا في جنيف وما اقترح التركيز عليه خاصة أن السوريين لديهم خبرة في كتابة دستور عام ١٩٥٠ والذي جرى عبر هيئة دستورية منتخبة.

- ثالثًا الدستور نفسه والذي يعكس شكل الدولة المستقبلية التي يطمح السوريون إلى بنائها وهو يعكس توازنات القوى السياسية والاجتماعية في كل مجتمع خلال مرحلة من مراحله.

يجب أن تتحقق هذه الاستراتيجية عبر أكبر مشاركة من المجتمع المدني السوري والمعارضة السورية بحيث تصل إلى توافقات عامة حول الدستور المستقبلي يمكن لها أن تقدم في جنيف للأمم المتحدة وللرأي العام السوري والعالمي بحيث تقدم الرؤية السورية للدستور عبر أكبر مشاركة وليس عبر اجتماعات لا تمثيلية في غرف مغلقة في جنيف.

للأسف، يبدو أن المعارضة السورية تحولت من مبادرة وفاعلة إلى متلقية تحاول فقط قبول المبادرات التي تقدمها الأطراف الدولية بهدف البقاء على قيد الحياة، بدل أن تأخذ المبادرة في فرض الأجندة الدولية الخاصة بتطبيق القرارات الدولية الخاصة بسوريا.

===========================


حملات مكافحة الفساد في نظام الأسد

حسام جزماتي

سوريا تي في

الاثنين 18/11/2019

تتواتر من دمشق أخبار الضغط على بعض رجال المال المقربين من السلطة، والتدقيق في سجلات أبرز شركاتهم، والتحقيق مع مسؤولين حكوميين. بشار الأسد نفسه كرر كلمتَي «الفساد» و«فاسد» 35 مرة خلال مقابلته الأخيرة مع وسائل إعلام رسمية محلية قبل حوالي ثلاثة أسابيع، والتي دامت ساعة ونصفاً. مثل جمهوره، عدّ رئيس النظام أن ما «نهشه» الفاسدون من «الدولة» و«الوطن» في السنوات الأخيرة كان أكبر حتى مما فعله «الإرهابيون». وأردف قائلاً: «البلد لا تتحمل».

من لم يعد يتحمل، في الحقيقة، هم ثلاثة أطراف؛ الأسد نفسه مستعجلاً إمساك السلطة بيد من حديد من جديد، و«البلد» بالفعل، أي اقتصاد مناطق سيطرة النظام، والذي صارت معالم اهترائه وتعثره واضحة ومتكررة، وأخيراً أهل هذه البلد، سكان تلك المناطق.

في الواقع، كان لتسرّع النظام في إعلان انتصاره، هذه المرّة، مفاعيل سلبية لم تظهر مع كل مرّة زعم فيها سابقاً أن «الأزمة» قد انتهت بتعبيره الشهير «خلصت». ففي عقابيل سيطرته على درعا والجنوب، متوجاً سلسلة فتوحات دموية طالت بقعاً ثورية ذات أهمية ورمزية عاليتين، كحلب والغوطة وأرياف حمص؛ بدا الأمر لجمهوره، وخاصة لحاضنته المتعَبة، بوصفه إيذاناً بنهاية «الحرب» أخيراً. صحيح أن بؤرتين كبيرتين ظلتا خارج السيطرة، وهما إدلب والشمال حولها من جهة والمناطق الواقعة تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) من جهة أخرى؛ غير أن حل هذين الاستعصاءين بدا للجميع رهن «تفاهمات دولية» أكثر من كونه شأناً داخلياً يناط تحقيقه بالجيش «الباسل».

لم تكن حقبة الثمانينيات غائبة عن الذاكرة، عندما كوفئ من وقفوا مع النظام في أزمته، بمناصب وإقطاعات حكومية وتمييز عام

أنهت حاضنة النظام -ومؤيدوه- دورها أو تكاد، إذاً، وحان الوقت لتجني الثمرة؛ تمييزاً في العطايا والوظائف والحياة العامة، مشرعناً بقوانين خاصة لأهالي «الشهداء»، وكلهم ذوو «شهيد» أو أكثر. لم تكن حقبة الثمانينات غائبة عن الذاكرة، عندما كوفئ من وقفوا مع النظام في أزمته، بمناصب وإقطاعات حكومية وتمييز عام. غير أن نتائج ذهبية من هذا النوع سرعان ما تبين خطلها مع ضعف موارد البلاد وجفافها من طرف، ونتيجة العدد الهائل لقاعدة شركاء الأسد في نصره المزعوم من طرف آخر.

ليكن... لقد قدّم هؤلاء أبناءهم «فداء للوطن»، كما اعتادوا القول على التلفزيون وهم يستبطنون الطائفة أو التشبيح أو الحماقة أو الصدفة أو التجنيد الإلزامي، ومن حقهم على الأقل أن تعود «سوريا الجميلة» التي دافعوا عنها إلى سابق عهدها في حدود الحياة الدنيا؛ كفاية في رواتب موظفي الجيش والأمن والقطاع العام وقتلاهم ومتقاعديهم، وقدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية من غذاء وتعليم وسكن ومحروقات. لكن حتى هذه المتطلبات العادية لم تتوافر! ولا يبدو أنها في وارد التحقق على المدى المنظور! فأين يكمن الخطأ إذاً؟!

لا نعرف من أول من أطلق تعبير «دواعش الداخل» للدلالة على تجار الحرب وشركائهم من المسؤولين الفاسدين، ممن كانوا «ينهشون» ظهر البلد فيما هي تواجه بصدرها «المؤامرة الكونية»، غير أنه شاع بدرجة هائلة لدى جمهور النظام حتى غدا أحد المفاهيم المفتاحية التي تشكّل فضاءهم الحياتي في السنوات الأخيرة. ولطالما اعتُبر «دواعش الداخل» أخطر من الدواعش الحقيقيين ومن الثوار، نتيجة الأفكار الرائجة الراسخة التي تنحو إلى أن الخيانة من قلب البيت أمضى وأن ظلم ذوي القربى أشد... إلخ.

يلوب هذا الجمهور، إذاً، في ما يشبه حملة ملاحقة ساحرات قروسطية، في البحث عن هؤلاء، يتابع بشغف أي تسريبات، يتضوّر لتعليق مشانق! وقد كانت السنة الأخيرة فرصة مواتية لتفعيل مشاعره هذه.

هل ننتظر شيئاً جدياً من وراء ذلك؟ نعم ولا.

في مقابلته نفسها يشير بشار الأسد إلى أن الحملة بدأت من «المؤسسة العسكرية». وبالنظر إلى أن مسائل كهذه سرية الطابع فإننا لا نعرف عنها الكثير. كُلّفت لجنة بالتحقيق في مناقصات جرت في جهات إنشائية كبرى تابعة لجيش النظام لخدمة بنيته التحتية وأخرى لتزويده بالتعيينات (الإطعام)، كما ببعض التهم الموجهة إلى ضباط بتهريب مستلزمات الحياة إلى بعض مناطق الثوار التي كانت محاصرة، مقابل المال، وحتى ببيع الذخيرة. وقد أسفرت هذه الحملة عن اعتقال مئات الضباط وصف الضباط من مواقع مختلفة وإيداعهم في سجن صيدنايا، وإن في ظروف تختلف كلياً عن أوضاع سجناء الثورة هناك طبعاً.

شكّلت هذه القضية إرباكاً للباحثين المهووسين عن المحاسبة! فالفاسد النمطي لديهم وزير أو مدير عام مدني لإحدى شركات القطاع العام، يرتدي طقماً يبدو لهم أنيقاً وربطة عنق، بدين حكماً، سنّي على الأرجح، بعثي في الغالب، بعدما أصبح الحزب طريق الإخوان المسلمين للتسلل إلى السلطة كما يعتقد هؤلاء. أما أن تكون طلائع الفاسدين من لابسي البدلة العسكرية المنزهة، وبأغلبية علوية كما تدل حملات أهاليهم لإطلاق سراحهم، فهو ما لم يكن في الحسبان! خاصة بالنظر إلى أن إحدى الصور النمطية الأساسية لمكافحة الفساد المرجوة هي إبراز تناقض صورة مأدبة الوزير الباذخة مع حبّتي البطاطا الواصلتين إلى عسكري في الخندق يتصدى للإرهاب!

خفتت أصوات المطالبين بالإفراج عن «ضباط صيدنايا» بعد أن أثيرت حتى في «مجلس الشعب» من قبل عضو شهير يمثل جبلة. وتبيّن أن النظام يحاكمهم ولن يستجيب للمناشدات الساذجة التي اعتمدت أساساً على طلب العفو لأنهم حاربوا «المسلحين» لسنوات، وباعتبار أنه «ما في شجرة ما هزّها الهوا» كما كتبت «صحافية» نشطت في الملف!

الأسماء الجديدة المتداولة في الأشهر الماضية نقلت أمر مكافحة الفساد إلى سوية غير مسبوقة

غير أن الأسماء الجديدة المتداولة في الأشهر الماضية نقلت أمر مكافحة الفساد إلى سوية غير مسبوقة. والحق أن النظام، القائم على سلسلة هرمية متماسكة من المحسوبيات والشراكات وتقاسم الحصص، كان حذراً من هذا الموضوع لعقود، فحافظ دوماً على ملاحقة الفساد كعملية مضبوطة مخبرياً دون أن يسمح لها بالانفلات. واستخدمها كوسيلة لمعاقبة بعض المغضوب عليهم، أو من زاد طمعهم واعتدادهم بأنفسهم عن الحد، أو تجاوزوا خطوطاً حمراء معينة، فضلاً عن وظيفتها الثابتة في إرضاء «المواطنين» وتدوير شكاويهم.

ولأجل ذلك أقامت بيئة النظام الأمنية والسياسية الداخلية والإعلامية حاجزاً مكهرباً بين «الحكومة العتيدة»، التي تُركت لتلوكها الألسن الحرة، وبين «السيد الرئيس» الرمز الذي «الله يعينه... شو بده يلحّق ليلحّق؟!... كل ما بيعيّن حدا بيطلع حرامي... بيغيّره بيجي اللي بعده أفسد منه... وهيك»!

رغم سخافة هذه الفكرة، التي تقتضي أن يستقيل هذا الذي لا يعرف كيف يعيّن المسؤولين على الأقل، إلا أنها خدمت طويلاً بفعل حراستها الأمنية الحازمة. منذ عهد حافظ الأسد الذي كان الصحافيون يتلطون، عند الحديث عن الفساد، وراء مقولته الأيقونية: «لا أريد لأحد أن يسكت عن الخطأ ولا أن يتستر على العيوب والنواقص»، وحتى أيامنا التي يستخدم فيها المتذاكون حكمة لابنه لا تقل ألمعية، هي: «عليكم بمحاربة الفساد... والقرار الفاسد... والإنسان الفاسد»!!

ولكن هل سيستمر هذا الجدار الوهمي بالصمود؟ يُستبعد ذلك إذا واظبت حملة مكافحة الفساد على تناول أسماء كبيرة ذات صلة واضحة بأعلى المستويات، خاصة مع ضيق السكان ذرعاً وصدراً وحياةً بشكل يقلل من إمكانية مداهنتهم لهذا الحاجز المرائي إلى وقت طويل.

هل نتوقع احتجاجات بسبب هذا في مناطق الأسد؟ يُستبعد ذلك أيضاً بسبب ظروف مركّبة معروفة. لكن عرياً أكبر للنظام هو أمر ينبغي عدم الاستخفاف بأثره على الشرعية والهيبة، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

===========================

قمة أردوغان – ترامب: غموض وتساؤلات

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 18/11/2019

منذ ما قبل تحققها، حظيت زيارة أردوغان لواشنطن بكثير من التساؤلات والشكوك. قبل كل شيء، طرح بعض الإعلام التركي، الموالي والمعارض على السواء، السؤال عن جدوى الزيارة، ما دام التواصل قائماً بين الرئيسين بواسطة الاتصالات التليفونية، وهي تحقق نتائج ملموسة، كاتصال السادس من الشهر الماضي الذي أعطى فيه ترامب الضوء الأخضر لأردوغان بالتدخل العسكري في شمال شرق سوريا. كما عبر بعض الإعلام الموالي عن خشيته من فخ ينصبه ترامب للرئيس التركي ليفرض عليه مواقف لا يريدها. حتى أن البعض تكهنوا بماهية الفخ فقالوا إن ترامب قد يطلب من ضيفه التركي عقد لقاء مع قائد قوات "قسد" مظلوم عبدي الذي حصل على دعوة من ترامب أيضاً لزيارته في البيت الأبيض.

لم يتحقق شيء من مخاوف الإعلام الموالي، أو تمنيات الإعلام المعارض، بل شكلت زيارة أردوغان، في الحسابات السياسية الداخلية في تركيا، محطة نجاح أخرى تضاف لصالحه، بالنظر إلى الجوانب الشكلية والرمزية. فقد أغرق ترامب، في المؤتمر الصحفي المشترك، ضيفه التركي بالمديح والتعبير عن الشكر، ولم يوجه أي انتقاد إليه أو إلى السياسات التركية، كما أبرز موضوع العلاقات التجارية بين البلدين فتحدث عن إرادة مشتركة بصدد رفع حجم هذه التجارة إلى 100 مليار دولار سنوياً.

كذلك أشارت وسائل الإعلام إلى تخصيص ترامب خمس ساعات كاملة لزيارة أردوغان، بين لقاء ثنائي وآخر للوفدين وثالث ضم أعضاء من مجلس الشيوخ ناقشوا أردوغان واستمعوا إليه، فيما يعتبر سابقة في المكتب البيضاوي.

أما في المضمون أو النتائج العملية، فقد اقتصرت مكاسب أردوغان على منع عضو الكونغرس ليندسي غراهام، المعروف بمواقفه المتشددة ضد الرئيس التركي، وصول مشروع القانون الخاص بالاعتراف بمجازر الأرمن في العام 1915 المحال من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ.

تبقى "عقدة المنشار" في الزيارة هي موضوع الصواريخ الروسية إس 400، حيث كان من الواضح أنه على رأس جدول أعمال الاجتماع، وهو السبب الرئيسي لدعوة ترامب نظيره التركي إلى واشنطن. فما زال الجانب الأميركي يطالب تركيا بتجميد تلك الصواريخ وعدم تفعيلها، بعدما صارت داخل الأراضي التركية. فالخلاف بقي على حاله، إذ عبر أردوغان مجدداً عن أن موضوع الصواريخ الروسية أمر منته ولا رجوع عنه. لكن ترامب تحدث عن "مواصلة العمل" بين الجانبين للوصول إلى حل، من خلال لجان مختصة. هذا يعني المراهنة على الزمن، وترحيل الخلاف إلى الأشهر القادمة، مع تأجيل فرض العقوبات القاسية على تركيا بسببها وبسبب نقاط الخلاف الأخرى، ومنها العملية العسكرية التركية في المنطقة الواقعة بين تل أبيض ورأس العين في شمال شرق سوريا.

أما الجانب التركي فقد كانت أولوياته مختلفة عن أولويات الأميركيين. فقبل كل شيء هناك موضوع استمرار التعاون العسكري والسياسي بين الأميركيين وقوات سوريا الديموقراطية التي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية، ولا تشاركها في هذا التوصيف أي دولة أخرى باستثناء نظام بشار الكيماوي. كذلك هناك موضوع الداعية التركي فتح الله غولن الذي تعتبره أنقرة المسؤول الأول عن المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز 2016، وتطالب باستعادته، في حين لا تحرك واشنطن ساكناً تجاه الرجل.

على العموم، لم تنتج عن الزيارة أي توافقات بشأن الخلافات المزمنة القائمة بين الجانبين، بل تم ترحيلها إلى الفترة القادمة من غير أن يظهر أي احتمال لإمكانية حلها، ما لم تحدث تغيرات كبيرة تفرض حلولاً لا يمكن التنبؤ بها الآن. ذلك أن واشنطن تملك أوراق ضغط كبيرة على حليفتها أنقرة التي لا تملك ما يماثلها من أوراق ضغط مقابلة. ويبدو مستقبل العلاقات بين البلدين وكأنه يعتمد بالكامل على العلاقة الشخصية الغامضة بين الرئيسين، في وقت يواجه فيه ترامب إجراءات العزل في مجلس النواب، وقد بدأت جلساته العلنية بالتزامن مع زيارة أردوغان، وذلك قبيل أسابيع قليلة من بدء حملة الانتخابات الرئاسية التي يعلق عليها ترامب آماله في التجديد لولاية ثانية.

ربما هذا الوضع غير المريح للرئيس الأميركي هو ما دفعه لدعوة أعضاء مجلس النواب إلى المكتب البيضاوي للقاء مع أردوغان وجهاً لوجه ومناقشته في موضوعات الخلاف الكبيرة.

لم يبدد المؤتمر الصحفي المشترك التساؤلات والشكوك المحيطة بالزيارة، فقد بقي السؤال معلقاً بشأن الغاية الحقيقية منها. وقد ذهب أحد المحللين في الإعلام التركي إلى حد وضع هذه الزيارة في إطار ما يدور في كواليس الدول العظمى من استعدادات لإقرار نظام دولي جديد ترسو عليه الفوضى القائمة، منذ بضع سنوات، في العلاقات الدولية. ويقوم هذا الافتراض على ما يبدو من حيرة حول موقع تركيا الاستراتيجي بين واشنطن وموسكو، أو بين حلف الناتو وثلاثي أستانة، وتشكل صفقة الصواريخ الروسية والرفض الأطلسي لها التجسيد الملموس لهذا الوضع القلق. قد يكون اجتماع حلف شمال الأطلسي، أوائل الشهر القادم في بريطانيا، هو المنبر الذي سيشهد الإعلان عن النظام الدولي الجديد، وفقاً للمحلل التركي نفسه، فقد بلغت الفوضى في العلاقات الدولية درجة شديدة الخطورة. يفترض هذا التحليل أن الجانب غير المعلن من زيارة أردوغان هو تمهيد الطريق أمام تركيا لتكون، في اجتماع قمة الناتو، شريكاً أطلسياً في إرساء أسس النظام الدولي الجديد.

===========================


عن تصادم روسي أميركي محتمل شرق الفرات

غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 17/11/2019

تحوّلت منطقة شرق الفرات في سورية إلى أخطر منطقة في العالم، نتيجة التداخل الحاصل في مناطق نفوذ اللاعبين المختلفين، ففي تلك المساحة، الصغيرة نسبياً، والتي كانت، إلى زمنٍ قريب، جغرافيا مهملة ومنسية، تقع حدود المشاريع الجيوسياسية، بطرقها ومنعطفاتها المرجح أن تحدد، بدرجة كبيرة، مسارات السياسة والصراع الدوليين في الزمن المقبل.

حتى اللحظة، لا شيء يشي بصدام مؤكد بين اللاعبين الكبيرين، روسيا والولايات المتحدة الأميركية، بل تلمح الأخبار من هناك إلى وجود تنسيق معين بينهما، لتلافي التصادم والإحتكاك بين عسكرهما المنتشر في المنطقة، ودورياتهما الجوّالة، ويبدو أن القادة الميدانيين قادرون على استيعاب هذه التطورات، والتعامل معها بما يضمن عدم الانزلاق إلى مواجهات بين الطرفين. ولكن المناخ العام، والبيئة السياسية التي تظلل المشهد، يبدوان غير ذلك تماماً، إذ ليس صعبا معرفة عناصر التفجير المحتملة في هذا الوضع، وتوقع احتمالات حصولها في لحظة ما، وبالتالي تغيير المعطيات الميدانية الراهنة التي قبلتها الأطراف المختلفة، إما على مضض، أو بانتظار حصول متغيراتٍ تساهم في إعادة صياغة قواعد اللعبة على شكل مختلف.

لم يكن القبول الروسي بهذا الوضع الناشئ أكثر من حالة انتظار قرار ثان للرئيس الأميركي، 

"ترجيحات أن بوتين قد يعمد إلى شنّ حربٍ بالوكالة على القوات الأميركية الموجودة شرق الفرات"دونالد ترامب، فهو، ومن التجربة العملية في سورية، قام بتحولاتٍ عديدة، وأكثر من مرّة أجرى تقليصات لعدد الجنود المتواجدين في الميدان، كما ألغى ميزانياتٍ كانت مخصصة لنشاطات أميركية في سورية، وأوقف التعاون مع بعض اللاعبين المحليين، بالإضافة إلى رفعه الغطاء عن فصائل جنوب سورية، بدون مبرّر واضح، وهو يدرك أن لا روسيا ولا نظام الأسد كان من الممكن أن يخرقا هذا الغطاء بدون وجود ضوء أخضر من الإدارة الأميركية.

في ذلك الحين، وعلى الرغم من سياسة الأرض المحروقة التي تبنّاها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلا أنه كان يسعى إلى بناء هيكل تسويةٍ مع الأطراف الإقليمية والولايات المتحدة. وكانت تحركاته الميدانية تكتسب زخمها عند التوصل إلى تفاهماتٍ مع تلك الأطراف. وهنا يكمن العنصر الأساسي في قصة نجاح بوتين السورية، ذلك أن بوتين أنجز مهمته بتغطيةٍ دولية وإقليمية، وأوجد أمراً واقعاً، بعيداً عما إذا كان قد التزم بالاستحقاقات التي طلبتها الأطراف الأخرى، في مقابل تيسير سيطرته على المناطق التي كانت خارج سلطة نظام الأسد.

واليوم تبدو الأمور مختلفة في نظر بوتين الذي يُعتقد أن الوقائع تجاوزت مرحلة مراعاة حساسيات اللاعبين الخارجيين، فتلك مرحلةُ، بعجرها وبجرها، تجاوزتها السياقات، وهو الآن في مرحلة بناء سياقٍ مختلف، عناصره الأساسية، تأهيل نظام الأسد والشروع بإعادة إعمار ما تم تدميره، وهو يعتقد، حسب ما يتّضح من الخطاب الروسي، أن عبور هذه المرحلة يجب أن يكون ميكانيكياً ومفتاحه الأساسي ما أنتجته الحرب من وقائع، وخصوصا لجهة إنهاء المعارضة المسلحة، والسيطرة على أكبر جزء من الأراضي السورية، وهي معطياتٌ كافية لجعل الأطراف الخارجية تقتنع بالانخراط في خطة بوتين السورية، من دون الخوض حتى في تفاصيل العملية السياسية المقبلة وشروط خوضها، وانتظار مخرجات اللجنة الدستورية، ما دامت كل هذه إجراءات لن تغير واقع عودة سيطرة نظام الأسد، وتجعل من أي تفكيرٍ بغير ذلك مجرّد عبثٍ لا طائل منه.

تشكل هذه الوقائع، وطريقة التفكير الروسي، مؤشراتٍ على احتمالات التصادم الروسي الأميركي في مناطق شرق الفرات، فالواضح أن هناك جهات أميركية، وخصوصا وزارة الدفاع 

"سعي إلى إحراق ورقة رهان بوتين على نزعة ترامب في الانكفاء عن سورية لعدم وجود حوافز مالية تُغريه بالبقاء فيها"(البنتاغون)، ترفض منح بوتين انتصاراً نهائياً في سورية، وتصّر على عرقلة هذا الأمر إلى أبعد درجة، وهي عملت ما في وسعها، لجعل ترامب يتراجع عن قرار الانسحاب، والاحتفاظ بجزء من الأرض السورية تحت سيطرة القوات الأميركية، وبالتالي إحراق ورقة رهان بوتين على نزعة ترامب في الانكفاء عن سورية لعدم وجود حوافز مالية تُغريه بالبقاء فيها، بعد أن حوّل السياسات الأميركية إلى استثمار فج.

وبذلك، يغيّر الأميركيون مواقع اللاعبين، إذ يتحوّل بوتين من وضع اللاعب الهادئ وصاحب الحسابات البعيدة، إلى لاعبٍ نزقٍ متهوّر للخروج من وضعية الأزمة التي وضعته فيها عقول "البنتاغون" والدولة الأميركية العميقة التي لا يبدو أنها تسامحت مع ألاعيب بوتين الاستخباراتية في أميركا نفسها وأوروبا، وهي تدرك أنها بذلك تضعه في وضعٍ حرج، فبوتين المستعجل للفلفة الموضوع السوري، لمعرفته أن استثماراته الدبلوماسية والسياسية، على هامش حربه السورية، ستكون مهدّدةً بالضياع، وأن الهيبة التي صنعها لنفسه، ولروسيا هي اليوم أمام اختبار مفصلي، وأن خياراته محدودة للخروج من هذه الوضعية.

تذهب ترجيحات إلى أن بوتين قد يعمد إلى شنّ حربٍ بالوكالة على القوات الأميركية الموجودة شرق الفرات، من خلال تشكيل عناصر مقاومة لها، بمساعدة إيران، من العشائر العربية الموجودة في المنطقة، ولكن هذا الخيار ليس مضموناً بسبب العداء المعلن من العشائر في تلك المنطقة لنظام الأسد وإيران، وبالتالي سترفض أي تعاونٍ مع روسيا في هذا الإطار، كما أن تلك العشائر باتت تدرك حقيقة اللعبة. ومن مصلحتها وجود طرف ثالث لتحقيق قدر من التوازن في مواجهة نظام الأسد الذي لن يرحمها في حال سيطرته على مناطق شرق الفرات.

والحال، إن إنعدام الخيارات، وإلحاحية اللحظة واستعجال بوتين للخروج من هذا المأزق، وكذلك رغبته في عدم إعطاء الفرصة للأميركيين لتطوير هذه الوضعية وتزخيم أدواتها، ستدفعه إلى البحث عن مخارج، حتى لو انطوت على بعض المخاطر، ومن ضمنها التصادم المباشر مع الأميركيين شرق الفرات.

===========================

موقفنا: عود إلى الجريمة المركبة ... عملاء بوتين وقاسم وبشار يقصفون أحياء حلب الغربية

زهير سالم

مركز الشرق العربي

22/ 11/ 2019

ما تزال الأخبار تتوارد عن وقوع قذائف وصواريخ على بعض أحياء حلب الغربية في مناطق الأنصاري والحمدانية ..ويستكمل الخبر بأن هذه القذائف صادرة عن المنطقة المحررة في ريف حلب الغربي ، حيث تسيطر فصائل من الجيش الحر كما يزعمون.

وإذا كان للعاقل ، في هذا السياق ، من كلمة فإن هذه القذائف تحمل هوية القذائف الروسية والإيرانية والأسدية التي ما تزال تستهدف مخيمات السوريين الأحرار، ومناطقهم وكان آخر محطاتها في الأمس في كفرنبل الابداع والصمود .

لا يقوم بالقصف على أحياء المدنيين الآمنين المكتظة بالنساء والأطفال إلا مجرم حاقد لئيم أو شريك أو وكيل للمجرم الحاقد اللئيم .

إن عمليات القصف على الأحياء الآمنة في مدينة حلب ، أو في أي مكان من المدن السورية هو من نوع الجريمة المركبة التي دأب أشرار العالم أجمع وزمرة بوتين وسليماني وبشار الأسد على محاربة الشعب السوري بها .

الجريمة المركبة ، للشرح والتبيين ، تتمثل في صورة ما كان المجرم الطائفي ميشيل سماحة يريد تنفيذه في لبنان وإليكم السيناريو الخبيث الذي تواطأ عالم الجريمة في تغطيته والصمت عليه :

وزير لبناني مسيحي يقتل في عمل تدميري رهيب رموز رجال الدين المسيحيين الموارنة اللبنانيين وفي مقدمتهم البطركان : صفير والراعي ..

ثم يتهم هو وجوقة الإعلام الدولي تؤيده المتطرفين المتوحشين من المسلمين ..

ثم ينادي المنادي حول العالم : يا خيل الصليب اركبي ..

صورة أخرى للجريمة المركبة لعلنا نتذكر ..

حزب الله يقتل رفيق الحريري - الاتهام من المحكمة الدولية -

وتحمل التهمة في فيديو مصور للمتطرف المسلم أبو عدس ... لعلكم تذكرون ..

القضية ليست " أبو عدس ولا كف عدس " القضية أكبر مما نقدر ويقدرون !!

هذا هو ما يحدث اليوم في القصف الهمجي الجبان والوقح على أحياء عامرة بالمدنيين الأبرياء في غرب الشهباء.

مجرمو بشار الأسد وعملاؤه أو عملاء قاسم سليماني أو عملاء بوتين وترامب الظاهرون أو الخفيون من شركاء الباطن يقصفون ..

ثم يخرج إعلامهم الذي مرد على الكذب فيقول للأبرياء الذين هم حاضنة الثورة الحقيقية: هذه هي الثورة وهؤلاء هم الثوار الذين كنتم تدعمون وتأملون ..!!!

يتناسى هؤلاء المجرمون المتجرئون على الجريمة ، المباشرون للقصف أن الأحياء المستهدفة اليوم بالقصف ، كانت هي المحضن الأول للمظاهرات السلمية في حلب ، وأنه من مسجد آمنة وصلاح الدين وما حوله زغردت أولى النداءات : سورية بدها حرية ، أفليس هذا القصف اليوم هو نوع من العقوبة التي يفرضها بشار الأسد وداعموه على هذه الأحياء ..؟! لعلكم تذكرون

والوجه الآخر للجريمة المركبة ..

وبعد أن يتصاعد القصف من الريف الغربي " المحرر" !!! والله أعلم بمن يسوسه ويسيطر عليه ، وبمن يحرك الأصابع المريبة فيه ..

يعود المجرمون بوتين وقاسم وبشار ليعلنوا أنه لا بد من حماية الأحياء السكنية ولا بد من حماية المدنيين فيصعّدون الغارات على المناطق التي تنطلق منها القذائف والصواريخ .. ويكون الذي نعلم وتعلمون !!

- نعتبر القصف على الأحياء السكنية ، والمدنيين الآمنين جريمة منكرة مستنكرة أينما وقعت ، ندينها وندين كل الذين يقفون وراءها ..ولا نعتبر ما يقدم عليه الروسي والإيراني والأسدي تشريعا ولا تذريعا .. فنحن كموقف ثوري وطني الأول بكل المدن والبلدات السورية إنسانا وعمرانا ..

- ندين هذه القذائف التي ما زالت تتساقط على أحياء حلب الغربية ، وندين الذين يقفون وراءها ، مهما كانت هويتهم وبواعثهم . ونقول شاهت الوجوه وشلّت الأيدي وقاتل الله الجهل والحماقة والغباء ..

نؤكد أن وراء هذه الجريمة أصابع مريبة من أعداء الشعب السوري يراد منها إيقاع الفتنة ، والتخذيل عن الثورة .. ونبرئ منها الثوار الأحرار والأبطال

ننادي على أهلنا المستهدفين بالمؤامرة في أحياء حلب الغربية : الوعيَ .. الوعيَ ..الحذرَ ..الحذرَ ..وهذه الثورة منكم ومن أجلكم وإليكم .. وأن هؤلاء الذين يستهدفونكم مجرمون في ريبهم يترددون ..

(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

المعلوم والمستور في لعبة الدستور

عماد غليون

جيرون

السبت 16/11/2019

المعلوم من عمل اللجنة الدستورية أنها مكلفة بإعداد دستور جديد والتحضير لإجراء الانتخابات المقبلة على ضوئه، لكن المستور والأخطر وراء إطلاقها يأتي من مخاوف أن تكون اللجنة مقدمة لتقسيم أو فيدرالية أو فرض نظام سياسي لا يُرضي طموحات السوريين ويرتكز على محاصصات طائفية وقومية.

لا تخفى أولوية إنتاج عقد اجتماعي أو دستور جديد، لإعادة الاستقرار في بلاد عاشت حالة عاصفة من صراعات وفوضى، نتجت عن اندلاع انتفاضات أو حركات احتجاج وثورات اندلعت بهدف إحداث تغييرات جذرية، لكن الاعتراض على اللجنة الدستورية يأتي أولًا لتشكيلها بشكل غير شرعي أو دستوري، وفرضها على السوريين من خلال مسار أستانة بين روسيا وتركيا وإيران، ثم منحها صلاحيات مؤتمر وطني تأسيسي، وتاليًا لتسمية أعضاء اللجنة من قبل الدول الفاعلة في الملف السوري والداعمة والراعية، سواء لنظام الأسد أو المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، ثم للدور المتوقع لهذه اللجنة في هدر الوقت بلا طائل، وصولًا إلى تعويم نظام الأسد دون تحقيق انتقال سياسي حقيقي يلبي مطالب السوريين في الحرية والعدالة، إضافة إلى مخاوف فعلية من إنتاج دستور يكون بمنزلة قنبلة موقوتة قابلة للانفجار مع أي تضارب في المصالح الإقليمية والدولية، وهو ما تزال تعاني منه دول مرت بتجارب مماثلة في أفغانستان والعراق ولبنان.

تجاوز تشكيل اللجنة الدستورية قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بعملية انتقال سياسي وفق القرار 2254، وعلى الرغم من إضافة أعمال اللجنة إلى محتوى القرار المذكور، فإنها بقيت غير معبّرة عن الإرادة الحرة للشعب السوري، لكنها مثلت تحولًا جذريًا في الموقف الدولي تجاه الملف السوري، حيث يجرى تمييع وتحجيم شروط الحل السياسي نحو مجرد إصدار دستور جديد وإجراء انتخابات على أساسه، من دون الإشارة إلى كيفية تحقيق العدالة الانتقالية ومصير نظام الأسد، وانعكس ذلك بوضوح في كلمات أعضاء اللجنة، مع افتتاح أعمالها، التي تجنبت ذكر الأسد ورموز أجهزته الأمنية القمعية دون تحميلهم مسؤولية مباشرة عن مأساة السوريين، واتجهت إلى تحميل كل الأطراف مسؤولية مشتركة في أفضل الأحوال، وهو ما يشير إلى توجهات اللجنة وتأثير الضغوط الخارجية المباشر على أعضائها ومسار عملها بشكل يرضى عنه نظام الأسد.

لا يمكن التعويل على تحقيق حل سياسي مستدام، من خلال دستور مفروض دون التمثيل الصحيح للسوريين ومشاركتهم في صياغة مستقبلهم، ومن الأجدر العمل على مسار انتقالي واضح المعالم، يؤسس لمستقبل راسخ وللحؤول دون إبقاء البلاد معرضة للهزات العنيفة وخطر الانفجار، كما يؤدي تمرير دستور إشكالي غير مكتمل الجوانب إلى تأثيرات سلبية على الصعيد الوطني، يصبح من الصعب تجاوزها، والعجز عن تعديل الدستور فيما بعد أو إنتاج دستور جديد.

وعلى الرغم من المآخذ والتحفظات الكثيرة المحيطة باللجنة الدستورية وطبيعة عملها، فإن هناك فرصة ضئيلة لتحقيق إنجاز ما في حال توفر نوايا طيبة من نظام الأسد في اللحظة الأخيرة، وتستفيد عندها اللجنة من الدعم والغطاء الدولي الذي تحظى به.

تتشابه معظم دساتير العالم حتى السيئة منها في التأكيد على الحقوق والواجبات والحريات، وما يميز دستور دولةٍ ما نصوص خاصة تحدد نظامها السياسي، وتتوافق مع تركيبتها الاجتماعية والسياسية، كما تلائم الظروف والحاجة التي دفعت إلى إنتاج عقد اجتماعي جديد، وقد تبلورت العديد من الملامح الأساسية التي ينبغي عدم تجاوزها في الدستور السوري العتيد.

تعطي صياغة مقدمة الدستور انطباعًا مباشرًا عن طريقة تعاطي المشرعين في التعبير عن الإرادة الشعبية من خلال النصوص الدستورية، ويبدو من تركيبة اللجنة الدستورية أنها تبحث عن نصوص سائبة أو محايدة يقبل بها نظام الأسد، بينما يستدعي الحفاظ على المصلحة الوطنية وضع نصوص تؤكد وتمجد وقائع الثورة السورية وشهدائها، وتشير إلى مسؤولية نظام الأسد الرئيسية عن أعمال القتل والتعذيب والتدمير والتهجير واستجلاب قوى الاحتلال الخارجي.

يجب أن يضمن الدستور العتيد التداول السلمي للسلطة، وتعزيز الفصل بين السلطات، واستقلالية القضاء، وإبعاد الجيش وأجهزة الأمن من لعب أي دور سياسي أو ممارسة أي نفوذ، وكذلك رفض القبول بأي محاصصات طائفية أو قومية لتقاسم السلطة، ومن تجارب السوريين المريرة منذ الاستقلال مع الانقلابات العسكرية ونظام الأسد، يبدو أن النظام البرلماني هو الأكثر قبولًا وملاءمة للواقع السوري المستجد بعد الثورة، ومع تطبيق نظام اقتصادي حرّ يضمن التنمية المتوازنة والمستدامة، يجب تكريس منظومة ضمان اجتماعي عادل، وفي السياسة الخارجية لا بدّ من التزام الحياد وعدم الدخول في سياسات المحاور والأحلاف الإقليمية الدولية.

بين المعلوم والمستور في قصة اللجنة والدستور الموعود، يجب ألا نكون ضحية وهم في انتظار انتقال سياسي، وألا نعتقد أن ذلك يكمن بإصدار دستور جديد أو تعديل بعض النصوص الدستورية، ويجب ألا يغيب عن بالنا أن نظام الأسد ما يزال موجودًا مع أجهزته القمعية المخابراتية، كما تعج البلاد بقوى احتلال خارجي وقواعد عسكرية تنتهك كامل السيادة الوطنية.

===========================


في معنى الربيع العربي

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 16/11/2019

تؤكد حركات التمرّد الشعبي الراهنة في العالم العربي سمة الواقع السياسي العربي التي كشفها المد الثوري، وتلخصها حقيقة لا مجال لإنكارها بعد، أن التنافي المتبادل بين السلطة الحاكمة ومجتمعاتها بلغ حد القطيعة النهائية التي تجعل تعايش الشعوب ونظم الحكم ضربا من الاستحالة، في ظل معادلةٍ فرضتها النظم طوال نصف قرن، جعلت حضورها ممكنا ما دامت قادرةً على تغييب مجتمعاتها وإلغائها. وبالعكس، ستزول هي بمجرد عودة مجتمعاتها إلى دورها السياسي. وواضح أن ثورات الربيع العربي، وهي التعبير اليومي عن عودة السياسة إلى المجتمعات، قد أسقطت ما سوّغ معادلة النظم من أدلجة وأكاذيب وشعارات قومية وعنتريات صمودية، ووعود تحريرية، وأوهام تنموية، واستبدلتها بمعادلةٍ حاملها المواطن العادي، غير المنظم أو المسيس، والعابر جميع فئات مجتمعه، جوهرها استعادة وطنه، كاملا غير منقوص، من النظام القائم.

مع الربيع العربي، تبنّت الشعوب نهج أهل النظام الذي قال: لا مكان لنا ولهم معا، إما نحن أو هم. لذلك صدحت حناجر صبايا الثورة وشبانها بالقول "كلن يعني كلن"، ويعني "نحن لا هم"، ولن نقبل بوجود أي واحد منهم بيننا، لأن هذا الواحد سيكون نقيضنا وسيلغي وجودُه وجودنا. وبما أننا لن نسلمهم إرادتنا وكرامتنا بعد الآن، ولن نبقى خدما لا حقوق ولا وطن لهم، فإن زمن رحيلهم قد حان: في الجزائر، حيث هم "عصابة"، وفي العراق "عملاء فاسدون"، وفي لبنان، الفساد بذاته ولا يُستثنى أحد منهم.

هذا التنافي المتبادل الذي مارسته السلطة إلى البارحة ضد مجتمعها، ويتبنّاه المجتمع من الثورة فصاعدا في مواجهتها، يفضح حجم تطابق نظم عربية في الفساد والإجرام، وحجم انكشافها الذي يثير أقصى الغضب والرفض لدى المجتمعات العربية في كل أرض ومصر. ولذلك ينضم إليه مواطنون من مختلف الأعمار والفئات. وحّدهم الغضب، فنزلوا إلى الشوارع كتلة صلدة مصممة على تقديم أعز التضحيات لاقتلاع نظم العنف والفساد، ما دام فشلهم لا يعني مجرد إخفاقٍ أصاب حركة سياسية، بل يتخطّى ذلك إلى نفي وجودهم ذاته، كما تخبرهم التجربة السورية، حيث انتقلت الأسدية من إلغاء الشعب سياسيا إلى إبادته جسديا. ولكن صمود المواطنين الأحرار وتضحياتهم يُفشلان سعيه، ويضعانه أمام تحدٍّ لا يمكنه تجاوزه، هو رد السوريين إلى ما قبل ثورتهم في 15 مارس/ آذار عام 2011، على الرغم مما تلقاه من دعم دولة عظمى وأخرى إقليمية وعشرات تنظيمات الإرهاب من لبنان والعراق وأفغانستان.. إلخ، وموقف واشنطن الممتنع عن دعمه، والمراهن على الفوضى.

بالثورة، أعلنت شعوب الربيع العربي القطع مع زمن الذل والموت السياسي، وبدء زمن الحرية والكرامة، وأسقطت أكذوبة السلطة القوية والمجتمع الضعيف، وأثبتت بتضحياتها وبطولاتها كم راكمت من قوة، وتحرّرت من هشاشةٍ بدت إلى حين من الزمن أنها لن تبارحها، لكنها ثارت وأعادت لإرادتها مكانها في تاريخٍ كاد ينساها، ولن يتمكّن أي نظام من القفز عنها بعد اليوم.

تواصل الشعوب العربية ثورتها بشعارات ومطالب وهتافات تشبه ما كانت الثورة السورية قد أبدعته، وتهتف الملايين لها وتحمل علمها، اعترافا بدور صمودها الأسطوري في بعث الأمل بانتصارها، والثقة في قدرتها على مواجهة طغاتها، وانتزاع أوطانها منهم، لإعادة تأثيثها أوطانا نظيفة تليق بشعوب حرّة، وحّدتها الآلام خلال نصف قرن، ويحرّرها في أيامنا من قرّروا العيش في نعيم العدالة والمساواة، وما تتوق نفوسهم إليه من كرامة، أدركوا أن نيلها محال من دون كنس نظم الفساد والاستبداد، والقضاء الناجز عليها، تطبيقا لمعادلة الثورة التي تجعل عودة الشعب إلى الحياة تعني هلاك المستبدّين والتخلص من نظمهم.

===========================

في مسار العلاقات التركية الأميركية وراهنها

علاء بيومي

العربي الجديد

السبت 16/11/2019

للحكم على تطورات العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة، يجب وضعها في سياقها الصحيح، فالواضح أن تلك العلاقة تواجه أخيرا تحدياتٍ ضخمة، لن يمحوها الاستقبال الحار الذي حظي به الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في البيت الأبيض في 23 من نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي. وفي مقدمة تلك القضايا استمرار تركيا في الحصول على نظام الدفاع الجوي الروسي (إس - 400)، والتدخل التركي في شمال سورية لمواجهة قوات حماية الشعب (الكردية). وكلاهما من القضايا الخلافية، والتي تثير عاصفة من النقد الأميركي، خصوصا ضمن أروقة الكونغرس الأميركي الساعي إلى فرض عقوبات على تركيا.

أضف إلى ذلك التحديات التي مرت بها العلاقة بين البلدين خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، كمطالبة تركيا الولايات المتحدة بتسليم الداعية التركي، فتح الله غولن، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/ تموز 2016، والعقوبات الاقتصادية التي فرضها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على تركيا في أغسطس/ آب 2018 لإطلاق سراح رجل دين أميركي معتقل هناك، والتي سرّعت من وتيرة أزمة الاقتصاد التركي، وتراجع العملة التركية أمام الدولار.

إلى أي مدى تمثل التحديات السابقة تقويضا للعلاقات التركية الأميركية؟ وما هي طبيعة تلك 

"تركيا في حاجة لأميركا لموازنة علاقاتها الأمنية والاستراتيجية بروسيا والصين"العلاقات ومدى رسوخها في مواجهة التحديات السابقة، وبعيدا عن الخلافات الحزبية والمبالغات الإعلامية؟ هنا تجب الإشارة إلى تقرير صدر عن خدمة أبحاث الكونغرس، الذراع البحثية للكونغرس الأميركي، في يناير/ كانون الثاني الماضي، يحاول الإجابة عن الأسئلة السابقة من منظور تاريخي. إذ يقول التقرير، وعنوانه "العلاقات الأميركية التركية: سياق تاريخي مختصر"، أن تلك العلاقات مرت، منذ الحرب العالمية الثانية، بتحدّيات عديدة.

تعود العلاقات الاستراتيجية بين البلدين إلى 1946، حين ضغط الاتحاد السوفييتي على تركيا، بعد الحرب العالمية الثانية، لمشاركتها إدارة مضايقها المائية لأسباب استراتيجية. وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى إرسال سفنها الحربية للمياه التركية، دعما للأخيرة في مواجهة موسكو في بدايات الحرب الباردة. وفي 1947، صنفت أميركا تركيا دولة مستقبلة للمساعدات المضادة للسوفييت. وفي 1952 أصبحت تركيا عضوا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبدأت أميركا تباعا في استخدام قواعد تركيا العسكرية، والحفاظ على أعداد كبيرة ونظم أسلحة متطورة هناك. ولكن العلاقة لم تسر على الوتيرة نفسها، ففي 1974، وبعد التدخل العسكري التركي في قبرص، فرضت أميركا حظرا على تصدير الأسلحة لتركيا استمر حتى 1978. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب البادرة، أغلقت أميركا خلال عامي 1991 و1992 ثمانية من 12 قاعدة عسكرية لها في تركيا. كما أوقفت جزءا كبيرا من مساعداتها العسكرية. وفي عام 2003، صوّت البرلمان التركي برفض استخدام الولايات المتحدة قواعدها في تركيا في غزو العراق.

وضمن التوجه نفسه، يقلل تقرير صدر عن خدمة أبحاث الكونغرس في الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول) من تبعات الخلافات الراهنة على العلاقة بين البلدين. ويؤكد أن "موقع تركيا القريب من عدة مناطق ساخنة في العالم جعل من استمرار إتاحة أراضيها محطة لنقل الأسلحة والقوات أمرا قيّما للولايات المتحدة وحلف الناتو"، وقد ترامب عبّر، في 16 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، عن ثقته في أمن "الأرصدة العسكرية" الأميركية في تركيا وسلامتها.

ويشير التقرير نفسه إلى قول خبراء إن المخاوف المتعلقة بمخاطر تشغيل تركيا لنظم الدفاع الجوي الروسية بالقرب من الطائرات الأميركية والأسلحة الغربية الموجودة على أراضيها "مبالغ فيها"، لأن قدرة نظم الدفاع الجوي الروسية على مراقبة الطائرات الأميركية لن تتغير كثيرا لو وضعت في تركيا مقارنة بوضعها في أي مكان آخر. ويضيف التقرير أن ترامب بحث مع أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي من الجمهوريين، في يوليو/ تموز الماضي، إمكانية أن تسمح أميركا لتركيا بامتلاك نظام الدفاع الروسي من دون تشغيله، على أن تتلقى، في المقابل، نظم دفاع جوي أميركية (باتريوت)، وطائرات إف - 35.

على المنوال نفسه، جاء الاستقبال الحار الذي حظي به أردوغان في البيت الأبيض، إذ وصف ترامب لقاءه أردوغان "بالرائع"، وإلى "إمكانية إيجاد حل" لقضية نظم الدفاع الروسية، وإلى رغبته في مضاعفة تجارة بلاده مع تركيا أربع مرات لتصل إلى مائة مليار دولار سنويا، كما طالب أيضا ترامب الدول الأوروبية بتحمل مزيد من تكاليف اللاجئين السوريين لتخفيف العبء عن تركيا.

ولا يعني هذا التوجه أن العلاقة بين أنقرة وواشنطن على ما يرام، فهناك تحديات حقيقية كثيرة 

"العلاقة بين أنقرة وواشنطن ليست على ما يرام، فهناك تحديات حقيقية كثيرة تواجهها، في مقدمتها استمرار تسليح أميركا ودعمها وحدات حماية الشعب"تواجهها، في مقدمتها استمرار تسليح أميركا ودعمها وحدات حماية الشعب (الكردية) في سورية، ورغبة تركيا المعلنة في المضي في امتلاك صواريخ إس - 400، والذي وصفه ترامب "بالتحدي الخطير" للعلاقة بين البلدين. وكذلك تطوّر علاقة تركيا بروسيا على مستويات عدة، ونبرة النقد المرتفعة ضد تركيا في الكونغرس الأميركي، وتهديدات ترامب العلنية السابقة لتركيا وطريقة إدارته العلاقة بين البلدين. كما أن من المبكر الحكم على نتائج زيارة أردوغان البيت الأبيض، على الرغم من حديثه عن الرغبة المشتركة في "فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين".

المغزى الأعمق للحقائق المتعارضة السابقة أن للعلاقات التركية الأميركية وتيرة خاصة، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهذه العلاقات تمر بتحديات ضخمة، كالتدخل التركي في قبرص، ورفض تركيا استخدام أراضيها في حرب العراق، ولكنها لم تصل إلى حد القطيعة أو العداء. بل استمرت العلاقة بينهما في شد وجذب مستمرّين، فالولايات المتحدة تحتاج تركيا لأسباب استراتيجية، بسبب موقعها الجغرافي وثقلها الاستراتيجيين، وتقاطعها مع مناطق ساخنة عديدة، كالشرق الأوسط والبلقان والجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي، وفي مواجهة روسيا والتمدّد الاقتصادي الصيني أيضا (تركيا محطة أساسية على طريق الحرير الذي تسعى الصين إلى إحيائه مرورا بجنوب أوروبا).

وتركيا كذلك في حاجة لأميركا أيضا لموازنة علاقاتها الأمنية والاستراتيجية بروسيا والصين، وهي التي تملك علاقات اقتصادية رئيسية مع أوروبا. ولذا عارضت ألمانيا العقوبات التي فرضها ترامب على تركيا في عام 2018، فألمانيا والدول الأوروبية لا تريد أن يتأثر الاقتصاد التركي سلبا أو ينهار. كما تعتمد تركيا على إيران وروسيا مصادر للطاقة. وتمر فيها خطوط (نفط وغاز) حالية ومستقبلية تربط مصادر طاقة رئيسية بالشرق الأوسط وروسيا بأوروبا. كما تعتمد تركيا، في نهضتها الاقتصادية، على التجارة والتصنيع بالأساس. فهي لا تمتلك مصادر طاقة ضخمة، كبعض دول الخليج. كل هذه العوامل تجعل من تركيا نقطة تلاقي مصالح دولية كثيرة وضخمة. وتجعل علاقاتها الخارجية تتسم بدرجةٍ عاليةٍ من التعقيد والتشابك والاعتماد المتبادل والتنافسية كذلك.

باختصار، لكي نقيم التحديات الضخمة والعديدة التي تمر بها العلاقات التركية الأميركية حاليا، 

"تركيا ليس دولة معادية لأميركا كإيران. تركيا دولية حليفة لأميركا. ولكنها حليفة من نوع مختلف"وتأثيرها بعيد المدى، يجب أن نفهم طبيعة العلاقة بين البلدين. ليست تركيا دولة حليفة لأميركا، على غرار بعض الدول العربية التي تسير في ركب أميركا سياسيا واستراتيجيا على طول الخط، وتحرص على التقرّب من إسرائيل. كما أن تركيا ليس دولة معادية لأميركا كإيران. تركيا دولية حليفة لأميركا. ولكنها حليفة من نوع مختلف.

تركيا قوة إقليمية لها ثقل تاريخي ومكانة إقليمية تجعلها من أقطاب الشرق الأوسط الرئيسية. دولة تمتلك علاقات تاريخية وثقافية عميقة ومتشعبة، تربطها بمسلمي الصين وروسيا والبلقان. كما تنتهج سياسة اقتصادية تقوم على التجارة والتصنيع والانفتاح على الاستثمارات الدولية. وعلاقاتها الاقتصادية الأكبر مع أوروبا وليس مع أميركا. وخلال العقود الأخيرة، طورت سياسة خارجية أكثر استقلالية، ما يرشحها دوما للدخول في خلافاتٍ ساخنة مع القوى الدولية المختلفة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، من دون أن يؤدي ذلك إلى القطيعة أو الصدام المدمر للعلاقات بين الطرفين.

===========================

قواعد عسكرية جديدة في سورية!

عمار ديوب

العربي الجديد

السبت 16/11/2019

تستأجر روسيا مطار القامشلي في سورية 49 عاماً. الولايات المتحدة الفاقدة سياسة محدّدة في سورية، تُنشئ قاعدتين عسكريتين مجدّداً في الحسكة. تركيا تعزّز نفوذها، وتنشئ قواعد وتتمركز في مناطق جديدة. وفد النظام السوري إلى اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف لا يمثل هذا النظام، كما يقول قادته! وفي هذه الأوقات، تستمر روسيا والنظام بقصف بلدات إدلب وقراها. تتحرك كل هذه الأطراف خارج سياق التفكير بحلٍّ نهائي للوضع السوري. وتشير تحرّكاتها الميدانية إلى تعزيز نفوذ كلٍّ منها حيال الأخرى. المعارضة خارج الفعل وكذلك النظام، ولا تثير تصريحات الأخير عن سياسات الدول المتدخلة في سورية أهمية فعلية لأيٍّ منها.

وحدهم الروس يسيطرون على مناطق جديدة، ويتمركزون فيها عبر معاهدات واتفاقيات، ودلالة لـ "49 سنة" زمنا لعقود الاتفاقيات احتلالية بامتياز. كل ما فعلته الولايات المتحدة أخيرا أنها مكّنت تركيا وروسيا من مناطق جديدة! فما حصل لم يكن حربا بين هذه الدول، وجاء في إطار الانسحاب الأميركي، وإن تصريحات واشنطن أخيرا إنها ستُبقي 600 جندي، أو أنها لن تسمح للنظام أو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بالاستفادة من النفط لا تعني سياسة جديدة. تمدُّ روسيا عبر مطار القامشلي سيطرتها على جزء كبير من النفط، عدا أنها مسيطرة على الساحل، حيث مراكز تكريره وتصديره، وهناك تسيطر أيضا على المكتشفات الجديدة من الغاز والنفط في الساحل. روسيا بذلك، وإضافة إلى كل الاتفاقيات السابقة مع النظام السوري، والشاملة مختلف مؤسسات الدولة السورية، تعلن احتلالاً مستمراً، وعبر الاتفاق مع النظام الذي استدعاها بنفسه، ولحمايته الأكيدة من السقوط في 2015.

هناك مشكلات عديدة تواجه روسيا؛ فسيطرتها على سورية لا تسمح لها بفرض سياساتها على كل من إيران وتركيا وأميركا في البلد، وهذا يوضح محدودية القوة الروسية، وقدرة تلك الأطراف 

"سيطرة روسيا على سورية لا تسمح لها بفرض سياساتها على إيران وتركيا وأميركا في البلد"على تخريب أية محاولة روسية بفرض سيطرة كاملة على هذا البلد. لن نكرّر ذكر الأحداث التي أصبحت معروفة، والتي تؤكد أن التنسيق الروسي التركي والروسي الأميركي هو ما سمح لروسيا بالسيطرة على كل المناطق التي كانت خارج سيطرة النظام، وهناك بالتأكيد التنسيق مع إسرائيل وإيران، والذي ساعدها على التمدّد إلى مختلف المدن السورية.

التحليل أعلاه، وغياب أي دور للنظام وللمعارضة باستثناء حكاية اللجنة الدستورية السمجة، وتبعية قواته وقوات المعارضة لكل من روسيا وتركيا، والحروب المستمرة في إدلب والجزيرة السورية، يسمح لنا بتهميش أيِّ دورٍ حاليٍّ للأطراف السورية، والتأكيد، مجدّداً، أن سورية مُحتلة من خمس دول (روسيا، وتركيا، وإيران، وأميركا وإسرائيل). والجدير ذكره هنا: إن كل هذه الدول تعطي روسيا دوراً أكبر في تقرير مصير سورية، ولكنها لا تعطيها الحق المطلق في سورية، ولتتصرّف فيها بمفردها.

لا يتبدّى الضعف الروسي في القوة العسكرية فقط، بل أيضا في القدرة على إعادة إعمار سورية، وهذا يتبدى في المواقف الروسية ذاتها، والتي تحاول استمالة أوروبا لسياستها في سورية، عبر إيقاف الهجرة إليها. عدا ذلك، هناك الأزمة الاقتصادية في روسيا، وهناك العقوبات المفروضة عليها، والتي تتعرض لها باستمرار. ولا يكفي القول إن روسيا بتدخلها في سورية تفرض نفسها لاعباً أساسياً في المنطقة؛ فهي تريد كذلك استثمارات وعائدات وتعويض احتلالها! والمشكلة أن ذلك يتناقض مع القدرات الضعيفة للدولة الروسية، وهذا ما يدفعها إلى عقد اتفاقيات متعدّدة مع كل الدول المتدخلة في سورية، وذلك لتسهيل احتلالها.

لا تعني القواعد الأميركية أبداً، سياسة جديدة، والولايات المتحدة تدخلت في سورية من أجل قضايا محدّدة، وستغادرها حالما تتحقق، وهذا مرتبط بصراعات داخلية في الإدارة الأميركية، فهناك انتقادات كبيرة طاولت مواقف الرئيس ترامب وفريقه بخصوص الانسحاب، وصُوِّرَ الأمر كأنه هدية لروسيا وإيران. ويبقى التمركز الجديد لأميركا سياستها ذاتها، أي إعطاء سورية لروسيا، والسماح لتركيا بالسيطرة على كامل الحدود السورية المحاذية لها. وقبالة ذلك، تهميش الدور الإيراني في سورية، وحرمان النظام من أغلبية حقول النفط، والضغط على الروس للبحث عن صيغة عادلة لصالح الأكراد، ودمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في قواتٍ تابعة لروسيا وضمن جيش النظام. ويوضح ذلك كله أنه ليس للولايات المتحدة مصالح كبرى في سورية، ومصالحها الأقوى في العراق والخليج بصورة أساسية، وأن سياستها العالمية حالياً في مواجهة الصين، وكذلك إعطاء أدوار لدول المنطقة ولروسيا في إدارة شؤون المنطقة.

هنا تساؤل: هل أميركا مع دورٍ إقليمي لإيران؟ طبعاً، وهي من "أهدت" العراق لإيران. 

"غياب أي دور للنظام وللمعارضة باستثناء حكاية اللجنة الدستورية السمجة"والإشكالية تكمن في السياسة الإيرانية الطامحة إلى لعب دور مركزي لا يتناسب مع قوتها الحقيقية؛ فكل الدول العربية التي تدخلت فيها تعاني حالياً إمّا حروباً أهلية أو ثورات ضد الأنظمة التابعة لها، عدا عن تفاقم الأزمة الاقتصادية داخل إيران وبين قومياتها، وهي تعادي أميركا، على الرغم من أن الأخيرة تكرّر أنها ليست ضد النظام الإيراني، وتستهدف فقط تغيير سياساته.

القواعد التركية الجديدة لا تعطي أنقرة وزناً نوعياً، بل تظلُّ سياستها في سورية رهينة الاتفاقات مع كل من موسكو وواشنطن، وتستفيد من الخلافات بينهما لتعزيز سياساتها في المنطقة، وليس سورية فقط. لا تسمح قواعدها تلك، كما قيل، بتشكيل منطقة آمنة فعلية، ولا بإعادة إعمار المناطق التي تسيطر عليها. وبالتالي، تريد تركيا، وعبر تدخلاتها في كل المناطق في سورية، حفظ حدودها، والتخلص من أية أشكال للحكم الذاتي أو قوات كردية. وضمن ذلك، تستفيد من ثروات المناطق التي تسيطر عليها، ومن تصدير بضائعها إليها. المعارضة التابعة لتركيا هي إحدى أحصنتها في التنسيق مع الروس وأميركا، وفائدتها تكمن فقط من أجل ضمان مصالح تركيا في الحل النهائي للوضع السوري؛ حالياً ومن قبل، يتم توظيفها في خدمة أفضل العلاقات مع روسيا ولإدارة الخلافات معها كذلك، وريثما تتحقّق التوافقات مجدّداً، كما يتم الأمر في إدلب أو مناطق أخرى، وفي اللجنة الدستورية غير الموقرة!

توضح القواعد العسكرية الجديدة، والقديمة، والدول المتدخلة والمحتلة لسورية، أنّه ليس هناك نهاية قريبة للوضع السوري. وفي حال وُجدت، لن تكون لصالح الشعب. وستكون فقط من أجل ضمان مصالح الدول التي تدخلت، وتبني قواعدها ولصالح روسيا بشكل رئيسي.

===========================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com