العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01-11-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

روسيا التي تبحث عن منقذ

منير الربيع

سوريا تي في

الخميس 29/10/2020

تتسارع الأحداث الإقليمية والدولية وتحفل بالتطورات والمتغيرات. المزيد منها سيأتي بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية. ستكون روسيا أكثر القوى المتأثرة بنتيجة الانتخابات. دونالد ترامب هو المرشح المفضل لروسيا بينما جو بايدن هو المرشح المفضل للصين. الأرقام حتى الآن تشير إلى تقدم بايدن على ترامب، ولكن يستحيل الحسم، والمفاجآت ممكنة في مثل هذا الاستحقاق على غرار ما حصل بين ترامب وهيلاري كلينتون. بفوز بايدن ستتحسن العلاقة الصينية الأميركية، على حساب العلاقة الأميركية الروسية التي كانت في أوجها عند مؤتمر هلسنكي بين ترامب وفلاديمير بوتين.

تأتي الانتخابات على وقع ضربات كثيرة تتلقاها روسيا، من البحر الأسود الذي تكتشف فيه أنقرة كميات هائلة من الغاز، الأمر الذي سيؤثر سلباً على العلاقة مع موسكو، لأن العلاقة التاريخية والمصلحة بين الطرفين ترتبط باستيراد تركيا للغاز الروسي، بفعل الاكتشافات التركية لن تعود هناك حاجة إلى الغاز الروسي الأمر الذي سيرتد سلباً على اقتصاد موسكو. حتى التفاهمات التي نسجت حول سوريا تهتز وقابلة للتفجر في أي لحظة. العلاقة سيئة في ليبيا، كما في الصراع الدائر حول أذربيجان وأرمينيا على إقليم ناغورني قره باغ.

 ومن أكبر مخاوف الروس هو الوصول إلى اتفاق أميركي إيراني ما بعد الانتخابات، سينعكس سلباً على دور موسكو بشكل جذري، وهذا قابل لأن يتحقق في حال فوز جو بايدن، إذ كانت إيران قد أبرمت معاهدة استراتيجية مع الصين وليس مع روسيا فيما تعتبر طهران أن تجربتها في الأسلحة الروسية سيئة جداً، منذ صفقة صواريخ إس 300، إلى التأخير بتسليمها، وصولاً إلى ضربها من قبل الطائرات الإسرائيلية، كما ضربت هذه القواعد والبطاريات في أذربيجان من قبل حلفاء تركيا. ولكن على إيران أن تقف باهتمام أمام سقوط "تفاهمات أستانا" بانعكاسها على هذه العلاقة الثلاثية بين روسيا وإيران وتركيا، ما يعني مزيدا من الإضعاف لدورها مستقبلاً.

 في المقابل تتصاعد مؤشرات الحرب الروسية التركية. من ليبيا، وتصاعد التوتر في سوريا بعد الضربة الروسية التي وجهت إلى فيلق الشام. لا يبدو أن هذا الصراع قابل للتوقف، إنما سيتوسع إلى قبرص، واليونان، كذلك بين أرمينيا وأذربيجان، كل هذه المقاومات ستقود إلى مزيد من التصدعات في بنية محور الممانعة، وستنعكس على العلاقة الإيرانية الروسية. هنا لا بد من العودة إلى ضربة الطائرات التركية لعناصر من حزب الله في إدلب قبل أشهر.

 عندما كان السلطان سليم يريد مهاجمة إيران، قرر فيما بعد الاتجاه جنوباً وخاض معركة مرج دابق، حالياً يتكرر السيناريو نفسه، في الاهتمام التركي بالجنوب، ليس في سوريا فقط بل في لبنان مستقبلاً، وعلى وقع توتر العلاقة مع إيران وروسيا. هنا لا بد من العودة التاريخية إلى النظرة التركية لأن تعزيز النفوذ التركي في المنطقة كلها مدخله سوريا. على الرغم من انسحاب الأتراك من بعض نقاط المراقبة قبل فترة، إلا أن ذلك لن يؤدي إلى مزيد من التنازلات أو التراجعات بل في سبيل تعزيز الوجود في مناطق أخرى.

 لا يمكن لتركيا أن تتخلى عن سوريا، وهي التي لا تتمتع فقط بالمناطق الحدودية المحاذية على خطّ طويل، إنما تتمتع بالقدرة المالية والبشرية والثقافية والعسكرية والتكنولوجية لتوسيع النفوذ وتمكينه، بينما إيران لن تكون قادرة على توسيع نفوذها في سوريا أكثر مما بلغته. أما روسيا ففي واقع مأسوي، بعد خمس سنوات على التدخل لم تنجح موسكو في تحقيق أي اتفاق حول الحل السياسي، غير قادرين على السيطرة على الواقع ولا تقديم أي دعم مادي لسوريا التي يجتاحها الفقر باستفحال دون أي قدرة لتوفير مقومات البقاء والصمود البشري والاجتماعي. فيما أعطى الوجود الروسي فرصة لتركيا لتثبيت مواقعها في الشمال، وأميركا في الشرق، وإسرائيل في الجنوب، وهذا بحد ذاته يتعارض مع الطرح الروسي الثابت بأنهم يريدون سوريا موحدة.

=========================

موقفنا : صحيفة روسية تنشر هذا ( ...... ) وبقلم كاتب تركي !!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

1/ 11/ 2020

ووكالة آر .. تي الروسية تحتفي به وتعيد نشره . ونرجو أن يكون ما كتب ونشر مما يقال فيه أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ..

في 31/ 10 / 2020 أي بالأمس ، نشرت الصحيفة الروسية " أوراسيا ديلي " عمودا صحفيا للكاتب التركي " سميح إيديز " في تفسير الغارات الهمجية التي تعرض لها السوريون في ريف إدلب منذ أيام وراح ضحيتها العشرات من السوريين.

كان عنوان العمود مريبا وصادما ، بقدر ما هو مخيف ومريب ، يعنون الكاتب ، أو الصحيفة للعمود هكذا ، وأنشره ولا أتحمل المسئولية عنه "روسية ضربت تركية في إدلب بينما كانت أنقرة تستعرض عضلاتها في القوقاز "

ولعل العنوان رسالة روسية مباشرة وضعت في فم صحفي تركي ربما كان معارضا ، لإعادة إيصالها إلى الملأين في تركية وسورية ، ولاسيما بعد أن قصّر كثير من قراء السياسة عن قراءة الحدث ، في سياقه، و ضعفوا عن فهم مغزاه ..ولعلهم تعمدوا ، ولكل لأسباب تخصه ، إغفال فحوى الرسالة أوتجاهلوا مؤداها .

منذ نحو شهر نفى لافروف علاقة التحالف بين الروس والأتراك ، وقال نحن والأتراك شركاء ولسنا حلفاء . وعلمنا القرآن الكريم أن الشركاء قد يكونون متشاكسين ،. وشراكات الضرورة دائما هي الأقسى . وهي ما اعتبره أبو الطيب المتنبي " من نكد الدنيا على الحر "

وركز كاتب العمود الصحفي على أن روسية وتركية تنشطان أو تشتبكان في ثلاثة مواطن مشتعلة ( ليبية - وسورية - والقوقاز - ) والحقيقة أنهما تشتبكان في أكثر من ذلك وبكل بساطة نستطيع أن نضيف إلى ما ذكر الكاتب ( القرم - وأوكرانيا - والبحر المتوسط حيث النفط والغاز - وفلسطين المحتلة أيضا )

ومفهوم كاتب العمود أن الساحة السورية هي الحلقة الأضعف من بين تلك الحلقات ، وأنه كلما أراد الروسي أن يضغط على ساحة من تلك الساحات ..فإن الساحة السورية هي المرشحة ..

وإعادة شرح الرسالة من قبل الصحيفة الروسية هو رسالة أخرى مفادها أن الرسالة الأولى قابلة للتكرار .. ونسأل الله السلامة والحفظ ..

كانت العرب إذا أوردت البقر على الماء فامتنعت عن الشرب ، يترفقون بالإناث ولا يضربون البقرة الولود الحلوب .. وإنما يصبون جام غضبهم على الثور فيضربونه تخويفا وزجرا للإناث ، حتى قال قائلهم ..

إني وقتلي سليكا ثم أعقله .. كالثور يضرب لما عافتِ البقرُ

رسالة إلى قراء المشهد السوري .. أو صناع القرار فيه ..

لا تجلدوا أنفسكم ، لا تتقاذفوا التهم ، في تفسير ما وقع عليكم ..

وحضر قاضي " قُم " مجلس ابن العميد الوزير الأديب ، وكان يتكلف السجع فنادي على القاضي : " أيها القاضي بقم ... قد عزلنا فقم " يقول القاضي : والله ما عزلني إلا لأجل السجعة !!

وذكر بشار بن برد يوما أحد أصدقائه في سياق قافية هجاء ، وكان بينهما مودة ، فقال له الصديق منكرا عليه : ويحك يا بشار لما هجوتني وما بيني وبينك إلا الخير ، أجابه بشار : لأنك قعدتَ في طريق القافية .

ونحن أيها السوريون قد قعدنا في طريق قافية الروس يقتلون رجالنا ونساءنا وأطفالنا كلما أرادوا ، وسيل دمائنا هو ساعي بريدهم في القرم في اليونان في قبرض في أذريبجان في ليبية وفي كل مكان ..

ألا أيها النوام ويحكم هبوا ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=======================

السياسات الروسية ومؤتمر اللاجئين في دمشق

 موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 28/10/2020

لا بدّ أن مسألة عقد مؤتمر حول اللاجئين السوريين في دمشق، كان من أهم النقاط على جدول أعمال اجتماع « المجموعة المصغرة» الخاصة بسوريا مؤخراً، التي تضم إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، كلاً من مصر والسعودية والأردن.. ولم يتركّز النقاش حتماً على دور محتمل للمؤتمر في حلّ مشكلة اللاجئين، ولكن على ما تريده روسيا من ورائه.

ولا بأس بافتراض أن مصدر «الفكرة» جاء من انعقاد مؤتمر حول الموضوع نفسه منذ أكثر من عام في إسطنبول، بمبادرة من حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، الذي حرمت الحكومة ممثلي النظام المعنيين من حضوره، بالامتناع عن منحهم التأشيرات اللازمة، وحضره فقط رئيس ما يسمى بجمعية المسيحيين السوريين، الذي تلا رسالة من القيادة القطرية لحزب البعث إلى المؤتمر، تشدّ من أزره. يأتي المؤتمر، الذي هو حتماً روسي قبل أي افتراض آخر، بترتيب من»مركز حميميم» وقد أصبح منذ زمن شبيهاً بمركز «انتداب» روسي، من دون أن ينتدبه، ولا يحدّد مهمته أحد، لا في عصبة الأمم ولا خليفتها لاحقاً. ما يلتبس قليلاً هو في تحديد مرجعية المبادرة، هل هي في وزارة الدفاع الروسية، كما هو الأمر غالباً، أم في وزارة الخارجية، التي يعيد سيّدها المخضرم تنظيم أوراقه السورية منذ زيارته الأخيرة إلى دمشق خصوصاً. ويأتي أيضاً بعد مرور خمس سنوات على بداية التدخل المباشر الروسي في دعم النظام، وإنقاذه من انهيار كان قاب قوسين أو أدنى منه في نهاية سبتمبر 2015. وبعد تفسّخ مسار أستانة واستنفاد إمكانيات الانتفاع منه، وبعد تفاقم مشاكل انتظار الروس للأمريكان ومفاجآتهم، إضافة إلى طول نفسهم، الذي ينتظر آثاراً صريحة لحالة الاستنقاع الروسية في هذه الأرض، التي أصبحت جرداء قاحلة، إلا من مصادر الصداع.

انتهى ما تستطيع روسيا تحقيقه من استعادة شيء من الهيبة «السوفييتية» دولياً، وترويج السلاح الروسي واختباره، وحجز مكان رئيس حول طاولة التفاوض، مع تطوير سوريا كأرض – قاعدة استراتيجية ومنصة على شرفات البحر المتوسط الشرقية. ولكن إمكانيات تغيير الوقائع على الأرض تتناقص بشدة، وبناء معارضات بديلة قد استنفد إمكانياته إلا قليلاً، وطريق الحلّ النهائي ما زال غامضاً بانتظار متغيرات لازمة.. فيأتي مؤتمر اللاجئين هذا محاولة لتحريك الركود، واستفزاز جميع عناصر الأزمة السورية وأطرافها، من الأمريكيين والأوروبيين، إلى الإيرانيين والأتراك أيضاً. وفي اختيار هذا الموضوع شيء من مكر الموجيك – الفلاح القنّ الفقير- الروسي العتيق، وسلوكه عند أزمته كذلك. وهذا المثال استحضرته أحوال الروس، الذين غدا مركز اهتمامهم الحالي مرتكزاً إلى موضوع إعادة الإعمار، وإشكاليات تمويله المسدودة الأبواب حتى الآن، بعد أن انتهوا تقريباً- وربما زادوا شيئاً بعد الانتهاء- من وضع اليد على مقدّرات اقتصادية يرغبون بها، من خلال اتفاقيات وقوانين متنوعة. خلاف ذلك، يطمحون إلى أن يحتلوا المكانة الأولى في مقاولات إعادة الإعمار، التي تعددت الدراسات التي تزيد ميزانيتها عن نصف تريليون دولار، وهذا مصدر سيلان الريق بغزارة دافقة بالطبع.

مؤتمر اللاجئين محاولة لتحريك الركود، واستفزاز عناصر الأزمة السورية، من الأمريكيين والأوروبيين، إلى الإيرانيين والأتراك

ويأتي مكر المشروع الروسي، من أهدافه المباشرة واستهدافاته الأبعد. فالعالم في معظمه يتلوى تحت ثقل موضوع اللاجئين وأعبائهم المتنوعة، في أوروبا على أشكال متعددة، وفي دول الجوار السوري التي تنوء تحت تلك الأعباء، خصوصاً في لبنان والأردن، وفي تركيا بطريقة مختلفة. ولكن، لابدّ أن بوتين يستريح لقتال وزيريه على تجهيز الغنيمة، وهو يتقن جيداً ألعاب الابتزاز وفنّه الموروث، وأهم خواصّه في تلك الفوضى التي يخلقها، والأسئلة الحمقاء التي يثيرها، ولا جواب لها. ربما يهدف هذا المشروع الصغير بتوقيته مثلاً إلى استفتاح ما بعد الانتخابات الأمريكية، ومحاولة حجز زاوية روسية في نتائجها الأولية. ذلك مفيد إن نجح ترامب ومفيد إن فشل، ومفيد خصوصاً إن ارتبكت السياسة الأمريكية لفترة في منطقة غائمة. سيزدحم الطابور يومئذٍ أمام البيت الأبيض، ولا بأس بحجز مكان مبكّر، لا يطلب شيئاً، بل يقدّم الأحاجي وفوضى الأجوبة والاحتمالات.

ولكنّه لا يستهدف واشنطن على وجه الخصوص، بل يستفيد من دروسها في مسألة اللاجئين، ويفجّر قنبلة صوتية في وجه الأوروبيين. وهؤلاء مأزومون بتلك المسألة أساساً، ويخشون أيّ جديد فيها. يخشى الكبار في أوروبا مثلاً إثارة دولهم الأصغر الأكثر حساسيةً أمام قضية اللاجئين، تلك التي يستسهل بعض نخبها السياسية معارك انتخابية على برامج فاقعة الألوان قومية الأصوات، بل عنصرية الأهواء أحياناً. سوف تدعو روسيا بعض هؤلاء، وتحاول إحضارهم إلى المؤتمر في دمشق، ليعودوا بكمية من المشاكل لأوروبا، التي تئنّ أساساً تحت وطأة الخروج من أزمة إلى اختها. سيرى هؤلاء في طروحات المؤتمر البعثي، مخرجاً لطرح إغلاق الأبواب أمام اللاجئين، بل ترحيلهم إلى بلادهم التي لمسوا «الأمن والأمان» فيها، ربما في الحيّ والفندق الوحيدين الآهلَين في دمشق..

ينشغل الروس أيضاً بتحييد الإيرانيين إلى الحدّ الأقصى، ليس إرضاءً لإسرائيل وسعياً لودادها وحسب، بل أيضاً لإبعاد تأثيرات الملفات الإيرانية المعقدة والمثيرة، من الحقل حين يحلّ الحصاد. ومنذ زمن ليس قصيراً يشتغل الروس على بيع الإيرانيين علناً، للانتهاء من شريك مضارب مختلف عن الروس ومتخلف عن طموحاتهم. أما على الجانب التركي الأكثر تعقيداً بالنسبة للروس، فينفع المؤتمر بالاتجاهين: المفيد والضار. فكلّ ما يحرج الأوروبيين والأمريكيين يسرّ إردوغان حتماً، ولكن مشروعه في تلك المسألة مختلف تماماً عن المشروع الروسي، وهو أكثر صدىً وإثارة أيضاً: يريد الترك تمويل «مستوطنات» للاجئين السوريين لديه في شمال سوريا، تكلّف بضع عشرات المليارات، وتشكّل سداً من أجل تحصين الأمن القومي التركي في وجه الأكراد والجنوب عموماً. لا تسأل الحكومة التركية عمّا إذا كان هذا هندسة ديموغرافية، أو تغييراً ديموغرافياً، فهم الأكثر خبرةً بأن تلك البروباغندا لن تطول، وسوف تتلاشى مع الزمن.

لن يكون الإسرائيليون معنيين كثيراً، فهم – كالأمريكيين- أكثر تماسكاً وروحاً عملية، وقابلية للمقاولات السياسية والجيوسياسية، ما دامت خارج مجالهم الحيوي الأولي، ولكنهم لن ينزعجوا من كلّ ما يمتص طاقة أهل المنطقة بما يكفي لتسيير قافلة التطبيع بهدوء وحسم ونتائج واضحة، بل إن أي موجة جديدة من الأزمات، حقيقية كانت أو مفتعلة، سوف تلائم مزاجهم، وتساعدهم على الاستمرار بجني محاصيل الخراب السوري.

أما ما يجتمع للمشرّدين من أوراق مضادة لذلك السَفَه الروسي في عالم السياسة الحديث هذا، فليس كثيراً جداً، لكنه ليس قليلاً أيضاً، حتى الآن على الأقل. هنالك القانون الدولي، وشروط المفوضية السامية للاجئين، التي لا ترى أي إمكانية لعودة اللاجئين، إلا من خلال توفّر الأمان الكافي لعودتهم، البيئة الآمنة إن صح التعبير. ولا يحظى بشار الأسد الآن بشعبية كافية للدفع بملايين السوريين بين يديه وقد قتل أبناءهم وأخوتهم، ودمّر بيوتهم، وخرب حياتهم.. إنه ذلك الذي يحرق البلد – مراراً- من أجل الاستمرار رئيساً، ولو على بادية قاحلة. ولن ينفعه مؤتمر اللاجئين هذا أمام الهجمة القانونية ضدّه، من أجل محاسبته باتهامات لن تترك له مجالاً كبيراً للحركة، وسيضيق الخناق عليه بالتدريج، البطيء بالفعل ولكن الفعّال. تلك المحاكمات المتكاثرة، ستصبح قيداً أيضاً على المناورين الخارجيين من حوله، تحرجهم وتضعهم معه تحت عدسة مشتركة.

وعملياً، ليس من ورقة فاعلة إلا الإصرار الأمريكي والأوروبي على أن مناط مسألة اللاجئين هو الأمان، ومفتاح إعادة الإعمار هو البيئة الآمنة، والدخول في مرحلة عملية لا رجوع عنها في مسار الحلّ السياسي على أساس قرارات مجلس الأمن والقانون الدولي. وهذا هو ما يوجع السياسة الروسية أكثر من غيره، وهو الذي يجعل من مناورة مؤتمر اللاجئين الروسي في دمشق ظاهرة عابرة.. وذلك ربما هو في السياسة الروسية مفيد أيضاً، قد ينجلي عن بعض النتائج في السباق بين وزارتي الدفاع والخارجية هناك!

=========================

السوريون في انتخابات الرئاسة الأميركية

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 28/10/2020

يترقب السوريون، كغيرهم، تطورات السباق الرئاسي في الولايات المتحدة، الذي كان دائما عالميا بتداعياته ومستوى الاهتمام بنتائجه، لكنه يحمل هذا العام أهمية استثنائية، نظرا إلى حالة الانقسام غير المسبوق الذي تشهده أميركا ويسري على العالم كله، مع تواري العقلانية وصعود النزعات الشعبوية من اليمين واليسار على السواء. وما يضفي على الموضوع أهمية خاصة، بالنسبة إلى السوريين (وغيرهم)، الفجوة الكبيرة التي تفصل بين مواقف كلا المرشحين تجاه ملفات إقليمية ودولية متعدّدة، سيكون لها تأثيرات وانعكاسات مباشرة وكبيرة على قضيتهم. الانقسامات بين السوريين حول موضوع الانتخابات الرئاسية الأميركية لا تتطابق بالضرورة مع خطوط الانقسام القائمة المعروفة (نظام - معارضة) بل تعد عابرةً لها، فجماعة إيران في النظام السوري، وجزء من المعارضة، يفضلان فوز مرشح الحزب الديمقراطي جوزيف بايدن. ويسود اعتقاد لدى التيار الإيراني في النظام السوري أن سياسات هذا الأخير ستمثل امتدادا لحقبة الرئيس السابق، أوباما، تجاه إيران، إذ سيعود إلى الالتزام بالاتفاق النووي وبالانفتاح على طهران، ما يعني استعادة الفترة الذهبية في العلاقات الأميركية - الإيرانية (2015 - 2017). وترى المعارضة المنفتحة على فوز بايدن أن منافسه الرئيس ترامب لم يفعل شيئا للقضية السورية سوى أنه باع السوريين كلاما، لا بل أطلق يد روسيا في سورية حتى باتت صاحب القرار الأول فيها. مجيء بايدن، برأيهم، قد يعيد الاهتمام الأميركي بالقضية السورية، إن لم يكن لشيء فمن باب محاولة مسح أو التخفيف من الوصمة التي طبعت جبين حقبة أوباما - بايدن بتركهم سورية تنحدر إلى الوضع الذي صارت عليه اليوم. جزء كبير أيضا من السوريين الأكراد يتمنون فوز بايدن، لأنه، برأيهم، سيضع حدّا لتطلعات تركيا الإقليمية، وسيكف يدها التي أطلقها ترامب، ويعيد الألق إلى التحالف الأميركي - الكردي الذي أسّسه أوباما. ويعتقد الأكراد عموما أن بايدن، لو كان رئيسا، لربما أيد استفتاء شمال العراق على الاستقلال عام 2017، فهو صاحب مشروع الفدرلة هناك، وقد يدفع باتجاه فدرلةٍ أيضا في سورية، ولما سمح لتركيا بإطلاق عمليتي غصن الزيتون في عفرين (فبراير/ شباط 2018) وعملية نبع السلام في رأس العين (أكتوبر/ تشرين الأول 2019). 

أما جماعة روسيا في النظام السوري، والجزء الأكبر من المعارضة المحسوبة على بعض دول الخليج وتركيا، فيفضلون ترامب. ويرجّح التيار الروسي داخل النظام السوري أن يدفع ترامب بعلاقاته مع موسكو إلى مستوياتٍ كبيرة من التعاون في ولايته الثانية، إذ يرجح أن ينسحب من مناطق شمال شرق البلاد الغنية بثرواته الطبيعية، ويطلق يد روسيا لحسم الوضع فيها لصالح النظام. أما جماعات المعارضة (القريبة إلى بعض دول الخليج) فيعتبرون أن مشكلتهم الرئيسية هي إيران، وأن استمرار ترامب في منصبه سيعني إنهاء طموحاتها الإقليمية مرة واحدة وإلى الأبد. جماعات المعارضة الأقرب إلى تركيا تتمنى، هي الأخرى، استمرار ترامب، للسبب نفسه، ولأن ترامب يبدو أكثر تفهما للموقف التركي، وداعما له، خصوصا في إدلب، حيث لعب الموقف الأميركي دورا حاسما (إلى جانب عوامل أخرى طبعا) في منع الروس من شن هجوم كبير لإخراج فصائل المعارضة من منطقة "خفض التصعيد" الأخيرة.

لكن، في كل هذه الحسابات التي يجريها السوريون، على اختلافهم، حول الانتخابات الأميركية، تغيب عن بالهم فكرة أنها تدور حول التغييرات المحتمل أن تطرأ على علاقة واشنطن بالقوى الفاعلة في المشهد السوري، في حال فوز هذا المرشح أو ذاك، وليس حول سورية تحديدا. إذ لا يبدي ترامب أو بايدن أدنى درجةٍ من الاهتمام بحل الأزمة السورية، حتى أن أحدهما لم يذكر سورية مرة خلال الشهور الأخيرة من الحملة الانتخابية. فهي إذا ليست مادة للنقاش في واشنطن إلا في إطار العلاقة بمربع روسيا - تركيا - إيران - إسرائيل. هناك خلافٌ كبير بين بايدن وترامب، بخصوص العلاقة مع القوى الثلاث الأولى، فترامب يفضل التعامل مع روسيا وتركيا وعزل إيران. أما بايدن فيريد اعتماد إيران، وتحجيم روسيا وتركيا. الاثنان متفقان على أولوية أمن إسرائيل ومصالحها في الساحة السورية. أما السوريون فلا وجود لهم على قائمة اهتمامات الطرفين. يتساءل المرء عندها: لماذا كل هذا الحماس إذا حول معركةٍ لسنا جزءا من حساباتها أصلا؟

=========================

سوريا.. درب الآلام نحو الحرية

حسين عبد العزيز

سوريا تي في

الثلاثاء 27/10/2020

لا تكمن أهمية كتاب "سوريا.. درب الآلام نحو الحرية" ـ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2013 ـ للدكتور عزمي بشارة، في أنه كان من أوائل الكتب التي رصدت صيرورة الثورة في عاميها الأولين فحسب، بل تكمن أهمية الكتاب في القراءة المعمقة التي قدمها بشارة للخلفيات الاجتماعية والسياسية المباشرة للثورة السورية.

فرغم أوجه التشابه الكثيرة في الأسباب المحركة للاحتجاجات العربية، فإن بشارة يميز الحالة السورية عن مثيلاتها العربية بثلاثة فوارق:

ـ خصوصية المجتمع السوري المركب دينيا وطائفيا وإثنيا التي أعاقت تبلور هوية وطنية جامعة تسمح بفصل المجتمع عن النظام والنظام عن الدولة.

ـ وضع سوريا السياسي الجيوستراتيجي لأنها جزء من محور دولي لا يؤيد أي تحول ديمقراطي.

ـ اغتراب النظام شبه الكامل عن المجتمع وتعامله معه باعتباره استعمارا داخليا يسيطر عليه من خارجه.

يتناول بشارة خصوصية سوريا من ناحية التركيب الاجتماعي ومن ناحية بنية النظام وآلية حكمها.

يقول إن أبرز مخاطر المجتمعات المركبة في حال عدم رسوخ الدولة الحديثة عندما تُوهم جماعة أنها تمتلك الدولة، في هذه الحالة يصبح تأكيد الجماعات الأخرى لهويتها مسألة اعتراض على هوية الجماعة التي تدعي امتلاك الدولة، وإذا كانت هوية الجماعة التي تمتلك الدولة أقلية، فإن شعورها بأنها ضحية تاريخية يساهم في زيادة شدة القسوة في القمع، لأن الأقلية يجب أن تمارس قدرا أكبر من العنف لإخضاع الأكثرية.

وهذا يعني انتشار سياسات الهوية في العمل السياسي بشكل يحول الصراع من أجل الحقوق إلى استقطاب هوياتي، وينطوي على نزعات تقسيمية، وكل ذلك سببه أن الدولة لم تطور وظيفتها بتوحيد وطني لاختلافات المجتمع ومصالحه المتضاربة.

في مقطع مميز، يقول بشارة إن ما يجعل التمايز بين النظام والمجتمع صعبا هو الرابط نفسه الذي يجعل فصل الدولة عن النظام صعبا أيضا، وهو الفصل الذي أتاح خروج المجتمعين التونسي والمصري إلى المطالبة بإسقاط نظام الحكم.

إن القدرة على الفصل بين الدولة والنظام، والتمييز بينهما، هي التي مكنت الجيش من الامتناع عن استخدام القوة العسكرية في مساندة النظام في صراعه ضد الشعب في حالتي تونس ومصر، ونظرا إلى صعوبة هذا الفصل في الحالة السورية، بدا النظام أكثر تماسكا وقسوة.

ورغم ذلك، نجحت الثورة السورية خلال العامين الأولين

إن تجربة الثورة السورية هي التجربة الأولى بعد الاستقلال التي يجري فيها تشكل هوية وطنية

في إظهار ملامح هوية وطنية تعددية تتبلور ديمقراطيا من خلال مناهضة الاستبداد، وقد وجد بشارة هذا السياق ملائما لطرح واحدة من الفرضيات النظرية التي أسس الكتاب لها:

ـ منعت أيديولوجية النظام وممارسته تشكل هوية وطنية سورية في حدود الدولة السورية، وذلك عبر الممارسات الآتية:ـ عدم تحول المواطنة السورية إلى كيان حقوقي من أي نوع.

ـ التعامل مع المواطنين عبر الهويات الجهوية والعشائرية والطائفية من جهة، والتأكيد على الهوية العربية باعتبارها أيديولوجية دولة من جهة أخرى.

ـ إن تجربة الثورة السورية هي التجربة الأولى بعد الاستقلال التي يجري فيها تشكل هوية وطنية.

ـ الثورة ذاتها التي كانت العامل الأساس في تشكل هذه الهوية الوطنية، وضعت هذه الهوية أمام خيارين: الشرخ الطائفي واتخاذ الهوية الوطنية الجديدة طابعا سنيا طائفيا أو المواطنة الديمقراطية التي تقوم عليها هوية وطنية غير متناقضة مع عروبة أغلبية سكان سوريا.

ـ كانت الثورة السلمية ذاهبة نحو هذا الاتجاه الثاني، أما الثورة المسلحة التي نشبت كردة فعل ممكنة ووحيدة في التصدي لخيار النظام العسكري في قمع الثورة، فشدت باتجاه الشرخ الطائفي وزادت من مخاطره، لأن الثورة المسلحة كان لا بد من أن تدخل في لعبة الأمم التي تؤدي في حالة سوريا والمشرق، إلى نماذج تسووية بين طوائف نافية للهوية العربية.

ترييف الحزب وتطييف الجيش

على الرغم من تغلغل الانتماء العروبي عميقا لدى السوريين، ظلت الأيديولوجية القومية العلمانية أيديولوجية فوقية لم تنجح في علمنة المجتمع بسبب طبيعة النظام التي حملها، فإلى جانب الشعارات القومية، استخدم النظام الانتماءات الجهوية والطائفية في عمليات محاصصة لكسب الولاءات، وتبلور مع الوقت مزاج سياسي ـ ثقافي يرى في النظام السياسي وأيديولوجياته غطاء لسلطة طائفية أقلياتية.

يتتبع بشارة بشكل سريع جذور الطائفية في سوريا خلال المرحلة العثمانية ثم مرحلة الانتداب الفرنسي مرورا بمرحلة الكتل العسكرية العقائدية بين عامي 1954 ـ 1963، وصولا إلى مرحلة قائدنا إلى الأبد..الأمين حافظ الأسد، لينتقل بعدها إلى عملية الترييف التي اتبعها البعث الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية في سوريا.

استند حزب البعث في انقلابه عام 1963 إلى نخبة عسكرية ريفية، وظهرت أولى نتائج ذلك في توسع قوة طبقة الفلاحين على حساب سكان المدن، ثم انتقل أثر ذلك إلى مؤسسات الدولة التي غلب عليها الطابع الريفي، فأصبحت بيروقراطية الدولة ريفية.

ومع الوقت، تحول القادة البعثيون الريفيون من قادة حزبيين وعسكريين في الستينيات إلى موظفين تابعين في السبعينيات والثمانينيات، ليصبحوا برجوازية جديدة إلى جانب البرجوازية المدينية.

ورث بشار الأسد عن والده قواعد اجتماعية في حالة تغير، وطبقة طفيلية متعفنة داخل جهاز الدولة، لكن مرحلته أتمت عملية الانزياح في التحالفات الاجتماعية التي بدأت في ظل الفساد والاستبداد، لتنقلب قواعد النظام القديمة ضده.

في هذه المرحلة الجديدة تلاشى دور الحزب نهائيا، ودمرت السياسات

يميز بشارة العنف الاجتماعي عن العنف السياسي، ففي الأزمات يتداخل العنف الاجتماعي بالعنف السياسي

النيوليبرالية القواعد الاجتماعية التي ارتكز عليها الحزب، وزادت سنوات الجفاف من مآسيها، نتج عنها عمليات هجرة واسعة نحو المدن، وزودت هذه الهجرة المدينة السورية بالشريحة المؤهلة للاحتجاج.

العنف الثوري

يميز بشارة العنف الاجتماعي عن العنف السياسي، ففي الأزمات يتداخل العنف الاجتماعي بالعنف السياسي، وتستند بعض أشكال العنف السياسي في مظاهرها إلى ديناميات العنف الاجتماعي، ومنها وجود انقسامات وعصبيات اجتماعية تحركه، وبالتالي يجب التمييز بين عنف الثورة المسلح والعنف الاجتماعي والسياسي الذي كان قائما خارج الثورة.

اختلطت المواقف وطريقة التوظيف السياسي لمظاهر العنف خلال الثورة بين النظام السياسي والمعارضة، حيث دأب إعلام النظام على الربط بين الثورة الشعبية وتلك المظاهر العنيفة بخلفياتها الجنائية والجهادية والطائفية، في حين كان خطاب المعارضة يتهم السلطة بتدبير هذا العنف ضمن نسق ديماغوجي واستيراد نظرية المؤامرة إلى صفوف المعارضة بشكل يسمح لها بالتهرب من مواجهة هذه المظاهر باعتبارها تحديا مجتمعيا تتطلب معالجته قيادة سياسية.

في الأشهر الأولى للثورة هددت الحملات الأمنية الشرائح المثقفة بالاعتقال والقتل لإبعادها عن الحركة الاحتجاجية السلمية ولتعطيل دينامو النشاط وقطع الرأس السياسي للحركة الشعبية، وبعد تواصل القمع الأمني بدأت التفاعلات الاجتماعية تنتج مظاهر عنف أخرى، ومع توسع الصدام غابت سلطة الدولة عن مساحات جغرافية كبيرة، الأمر الذي أدى إلى بروز مظاهر عنف اجتماعي ساهم في إذكائها ضعف المجتمع المدني وانحدار آليات الضبط الاجتماعي.

ومن الأهمية بمكان التذكير بأن مراسيم العفو الرئاسية شملت المجرمين الجنائيين الذين وُظف بعضهم لقمع المظاهرات، في حين استغل آخرون هشاشة الوضع الأمني لمتابعة أعمال السرقة والنهب والخطف، وفي حالات أخرى اختلطت الجرائم الجنائية بالعنف الطائفي الذي يمارس في المناطق المختلطة لا سيما في حمص وريف حماة وحيي تشرين والقابون في دمشق.

أما العنف الحركي الجهادي، فقد بدأ بالانتشار في النصف الثاني من عام 2012 مع اشتداد الأعمال القتالية، ولا يمكن حصر الكتائب والمجموعات الجهادية كلها، لكن يمكن تقسيمها بحسب مرجعياتها الفكرية:

ـ مجموعات تتبنى السلفية الجهادية العالمية وفق نهج القاعدة، ومن أبرزها جبهة النصرة التي ظهرت مطلع العام 2012 وتبنت مجموعة من التفجيرات "الانتحارية"، وأنشأت إمارات إسلامية في سوريا.

ـ مجموعات سلفية تقتصر أهدافها على سوريا بإسقاط النظام وإقامة نظام إسلامي، وما يميزها عن جبهة النصرة أنها تعمل تحت لافتة الجيش الحر، كما تختلف عنها في سلوكها فهي لا تفرض الحدود الإسلامية وليست لديها محاكم شرعية خاصة، ومن أبرزها (أحرار الشام، وصقور الشام في إدلب، وكتائب الأنصار في مدينة حمص، ولواء الإسلام في دوما، وتجمع أنصار الإسلام في دمشق).

ـ مجموعات تشبه في تركيبتها وثقافتها المجتمع الذي نشأت فيه مع بدء عملية التسلح، وهو مجتمع متدين على نمط التدين الشعبي، كما تشمل عددا من غير المتدينين، لكنها "تسلفنت" ضمن تفكير براغماتي للتقرب من المانحين أو بسبب ظاهرة التدين خلال القتال.

خاتمة

تعتبر الثورة السورية فريدة في الإقليم يقول بشارة في ختام الكتاب لجهة تشابك العوامل المؤثرة فيها التي قد تؤدي إلى سيناريوهات كارثية ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية تتضمن رحيل النظام وبقاء جهاز الدولة، وتضمن التحول التدريجي نحو الديمقراطية من دون اجتثاث، وإلا فالبديل صراع طائفي وإثني قد ينتج صراعات أخرى في المستقبل، وهذه ليست دوافع الثورة وأهدافها حين انطلقت، ولكن يؤكد بشارة أن مبدأ إسقاط النظام وحده غير كاف لأن الدولة ستسقط معه إذا لم يوجد برنامج سياسي تلتف حوله قوى الثورة.ولا يكفي ما يدعيه النظام من أن المقاومة مجرد شعار أجوف، فقد يندفع من ينفي كل ما يمثله هذا الشعار إلى التعاون مع إسرائيل ضد سوريا.

إن كارثة الطائفية في المشرق العربي ليس في كونها أيديولوجية زائفة، بل في كونها متجذرة في بنى اجتماعية وفكرية حقيقية، والمطلوب تجذير هويات ذات علاقة أوطد بالدولة الحديثة.

الطائفية في سوريا ليست افتراء، بل هي قائمة في نظام الحكم، ولا يمكن الطلب من المتضررين من نظام استبدادي يقوم على بنى طائفية وجهوية أن يعبروا عن مشاعرهم عفويا بلغة غير طائفية، فهذه وظيفة النخب السياسية التي تصوغ وعي الجماهير الشعبية وتتكلم باسمها.

الثورة السورية ثورة مجيدة تجسدت بخروج شعب مدافعا عن كرامته وحريته وصموده التاريخي أمام قمع غير مسبوق، ويمكن تحويل الطاقة الجبارة المادية والمعنوية لهذا الشعب في نع نهضة عظيمة لسوريا ويلاد الشام والأمة العربية، كما يمكن أن تتحول إلى طاقة سلبية تفجر ذاتها ووطنها، ويتوقف كل شيء على وعي الفاعلين السياسيين، أي مسؤوليتهم الوطنية عن ثورة أصبحت ثورة وطنية، وصدقهم في تمثيل مطالب ديمقراطية أصبحت خلال الثورة المدنية مطالب وطنية.

=========================

الأسدية وقد أكلت ذاتها

عمر قدور

المدن

الثلاثاء 27/10/2020

لم تعد الأخبار القادمة من الداخل السوري تثير الفضول، هكذا هو عموماً حال أخبار البؤس، فهي ليست بالمبهجة، ولا بالطريفة عندما تصبح معتادة. ربما، لو أتى خبر، على سبيل المثال، مفاده ازدهار حالات الدعارة بين القاصرات، لأثار الخبر انتباهاً ورواجاً، حتى يصل القارئ إلى تفسير الظاهرة بانتشار هائل للبؤس، وحينها يتحول الخبر برمته إلى خبر نمطي ممل. الطرافة وما يبدو لامعقولاً، حتى ضمن الوحشية الأسدية، لهما حظ من الاهتمام والانتشار يفوق حظ أولئك البائسين المنسيين. وكي لا نتسرع في لوم الذين يشيحون أبصارهم عن ذلك البؤس؛ بالتجاهل يحمي كثر أنفسهم من ذلك الإحساس بالقهر والعجز معاً. ذلك إذا كنا مدفوعين باللباقة، وأغفلنا الأثر الأقسى لانعدام الأمل.

بالمقارنة مع الأسعار العالمية، ما يراه السوري غلاء فاحشاً هو ليس كذلك، فالأسعار في غالبيتها حتى الآن تقارب الأسعار العالمية أو أقل منها. الغلاء يظهر بالقياس إلى الدخل، عندما مثلاً بالكاد يشتري راتب موظف حذاءين قليلي الجودة، أو بالكاد يكفي لاستئجار شقة، وأخيراً بالكاد يطعم عائلة متوسطة الخبز فقط. العتبة الأخيرة من الغلاء تختلف عن سابقاتها، ففي المراحل الأولى المتدرجة، كان لمدخرات بعض الشرائح أن تخفف عنها الصدمة، وكان للمساعدات البسيطة التي يتلقاها البعض من أفراد العائلة في الخارج أن تعوّض الغلاء. العامل النفسي كان يساعد على امتصاص موجات الغلاء الأولى بعدّها طارئة، مما لا يؤثر جداً في أنماط عيش المتضررين ولا يستهلّ تأثيرات اجتماعية مستدامة كما هو الحال الآن. 

السوريون موعودون بارتفاع جديد للأسعار مرده الارتفاع الرسمي لأسعار المحروقات، تحديداً المستهلكة في القطاع الصناعي في بلد منهار يحتاج إلى البدائل الصناعية المحلية! وكالة الأنباء الرسمية الأسدية، في نقلها قرار رفع الأسعار، ألقت بالمسؤولية على "الحصار الجائر" الذي تفرضه الإدارة الأمريكية، ما يعني الاعتراف ضمناً بجدوى الحصار، بل تحميله تبعات الفشل الأسدي كلها، لكن مع الاحتفاظ بنغمة التصدي للحصار وعدم الرضوخ للتدخلات الخارجية. إذاً، لا ضوء ينتظر السوريين في آخر النفق، لا شمعة وهمية على الأقل ترسمها سلطة الأسد في نهايته.

العزاء الوحيد الذي تقدّمه السلطة للخاضعين لسيطرتها هو أنهم جربوا من قبل صعوبات العيش، وهذه مجرد محنة أخرى تُضاف إلى طبيعة حياتهم. لا المؤامرات الغربية المزعومة بجديدة على الإعلام الأسدي، ولا شظف العيش بجديد على السوريين الذين ينبغي أن يتصدوا لها. بين هذين الحدين هناك أمل غامض، غير محدد زمنياً، فالسلطة سبق لها الانتصار على المؤامرات، وستنتصر هذه المرة أيضاً. ينبغي أن نتذكر دائماً أن ثمن التصدي للمؤامرة يدفعه السوري البائس، بينما النصر تحققه السلطة القوية الحاذقة. 

لعل مواجهة الثمانينات هي المثَل الذي لم تتوقف الأسدية عن التذكير به، علناً أو ضمناً. حينها كانت بموجب روايتها المعتادة "تحارب في الداخل عملاء الخارج"، وتحقق الانتصار الذي دفع السوريون ثمنه المعيشي والقمعي. آنذاك فرغت خزينة المصرف المركزي تماماً، قيل أن مخزونها قبضه رفعت الأسد ثمناً لمغادرته، وارتفعت الأسعار مع انخفاض شديد في سعر صرف الليرة، ومع هروب رساميل ضخمة إلى الخارج. ثم في التسعينات انفرجت الأزمة المعيشية، مع انفراج علاقات السلطة بالخارج، بإعادة الدفء إلى علاقاتها الخليجية، وكذلك الانفتاح على الغرب والموافقة على المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام مع إسرائيل. 

هكذا، وفق الإحالة السابقة، توحي الأسدية بأنها تملك المفاتيح في جيبها، وستخرجها في الوقت المناسب. هي، بتعبير طالما أطلقه المعجبون بها، تلعب سياسة "حافة الهاوية" وتتقنها. أي أن تحمّل الأزمات المعيشية هو جزء من اللعب على حافة الهاوية، وسيأتي الحل "لا بد أن يأتي" عندما ييأس الخصوم من تعديل سلوك الأسدية، فيرضخون لها مجدداً كما فعلوا مرات ومرات. تخاذلُ العالم عن إنقاذ السوريين من المقتلة الأسدية يغذي الانطباع ذاته، فالقوى الكبرى رغم كل ما حدث تفضّل الأسدية على أي بديل، وفي اللحظة المناسبة ستعيد التطبيع معها ليعود الوضع إلى ما كان عليه قبل عام 2011.

ركن من أركان سياسة حافة الهاوية، إذا أقرينا بوجودها وجدواها، أن الأسدية كانت تضع السوريين معيشياً أيضاً على حافة الهاوية، وعندما يتدافعون لتحاشي الأخيرة فقد كان هناك متسع لهم كي لا يسقطوا فيها. كانت الأزمات تحت سيطرة نسبية، أو تامة أحياناً، وأودت أزمات الثمانينات على نحو خاص بالطبقة المتوسطة، بعد أن أودى انقلاب البعث بالرأسمالية الوطنية الناشئة. في أسوأ أيام الثمانينات لم يصل الحديث إلى احتمال حدوث مجاعة، أو هبوط النسبة الساحقة من السوريين إلى ما دون خط الفقر، بل كان يكفي أن ترخي السلطة قليلاً قبضة احتكارها الاقتصاد كي يُحلّ العديد من الأزمات الضاغطة. لم تكن هناك عقوبات دولية ولا حصار، كانت ثمة عزلة وانعزال يتوسطهما احتلال بلد آخر "لبنان" هو بمثابة رئة لصفقات السياسة الخارجية وبمثابة رئة للاقتصاد المنهك. 

تآكلت الأسدية بصيغتها السابقة عندما سقطت في الهاوية، وعندما أسقطت السوريين فيها. على مستوى السلطة، لم تعد المفاتيح في جيبها كما من قبل، فالسياسات الخارجية محكومة من قبل قوتي الوصاية الروسية والإيرانية، ولعلنا نخطئ باستخدام تعبير "السياسة الخارجية" لسلطة لا تربطها علاقات مع معظم دول العالم. السياسات الاقتصادية الداخلية ليست محكومة فقط بعوامل العقوبات والحصار، وبقاء مناطق سورية مهمة اقتصادياً خارج السيطرة، هي محكومة أيضاً بالدائنين الروسي والإيراني ومطالبهما التي لها الأولوية على قوت السوريين. 

في ثنايا ذلك، يمكن القول أن الأسدية أكلت ذاتها، بانقضاضها على العقد غير المكتوب مع السوريين، وهو عقد قد لا نجد له مثيلاً من حيث إبقائهم على حافة الهاوية. الدفع بهم إلى السقوط هو تحلل من ذلك العقد المجحف أصلاً، ولا غرابة في أن شهدت سنوات التحلل منه إبراز ترف العصابة الحاكمة وشركائها القلائل على نحو لم يكن معهوداً من قبل. لقد ترافق إفقار الطبقة المتوسطة في الثمانينات مع قليل من الحياء اقتضى إبقاء الثروات المنهوبة بعيدة عن أعين السوريين، أما الدفع بالغالبية الساحقة إلى ما دون خط الفقر فلم يلازمه قدر ضئيل من الحياء، لا لأن مَن أباد وهجّر الملايين لن يتحلى بالحياء وإنما لأنه أيضاً فقد مشروعه المستقل كصاحب سلطة.

لن يستثير بؤس السوريين العالم، ومن المرجح بقاؤه مهملاً تماماً لزمن ليس بالقصير، ولدينا في التاريخ القريب أمثلة على بلدان تُركت لشتى أصناف البؤس لأن العالم لا يريد تحمل مسؤولية التغيير. ولعلنا نخطئ بأن نربط تراكم عوامل الثورة مع البؤس المدقع، فالاحتجاج على الأخير عندما يشتد قد لا يتعدى ازدياد حوادث العنف والقتل والانتحار، وهذه تأخذ حظها من الاهتمام بقدر ما قد تحمل من غرابة وطرافة.

=========================

الشراكة الروسية التركية في سوريا

عمر كوش

سوريا تي في

الاثنين 26/10/2020

اعتبر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن بلاده لم تصنّف تركيا حليفاً إستراتيجياً بالنسبة إليها، بل "هي شريك وثيق جداً"، الأمر الذي يطرح أسئلة عن مدى هذه الشراكة وأهدافها وأبعادها، خاصة أنها تأخذ طابعاً إستراتيجياً في عدد من الاتجاهات، حيث تشمل ميادين الاقتصاد والتجارة والسياحة، عبر الدخول في شراكات جيو إستراتيجية جسدتها مشاريع كبرى، مثل بناء محطة الطاقة النووية "آق قويو"، وخط غاز السيل التركي، وشراء تركيا منظومة الصواريخ اس 400، وسواها.

وتمتدّ الشراكة إلى العديد من القضايا الإقليمية والملفات السياسية، وخاصة الملفين السوري والليبي، حيث يعدّ الملف السوري، على مستوى السياسة الخارجية، من أبرز الملفات الذي شهدت شراكة روسية تركية وثيقة في إدارته وتوجيهه، بالرغم من الخلافات في الرؤى والتوجهات، وذلك عبر توقيع اتفاقيات وعقد تفاهمات ومقايضات ما بين تركيا وروسيا منذ نهاية العام 2016، بعد تجاوز ساسة الدولتين أزمة إسقاط تركيا الطائرة الحربية (سوخوي 24) في 24 من نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، والتحول الذي طرأ على السياسة الخارجية التركية بخصوص القضية السورية.

 ولعل المبدأ الأبرز الذي تعامل به الطرفان مع الوضع في سوريا، يقوم على أساس منع التصادم العسكري بينهما مهما بلغت درجة الخلافات والتوترات، ومراعاة مصالح بعضهما البعض، وبناء تفاهمات تكتيكية عبر الاتصالات والاجتماعات بين مسؤولي البلدين مع إشراك الأطراف السورية المحلية، نظاماً ومعارضة، التي حصرت مهمتها في الموافقة على ما يتم التوصل إليه، وضمان تنفيذها للمخرجات والتفاهمات، سواء كانت تصّب في مصلحتها أم لا تصّب.

ويضاف إلى نقاط تقاطع مصالح روسيا وتركيا في سوريا، وضع كل من البلدين على الساحة الدولية والإقليمية، حيث ما تزال روسيا تمثل في نظر ساسة أغلب الدول الغربية تهديداً معادياً لها، وتخضع لعقوبات اقتصادية أميركية وأوروبية، لذلك فإن روسيا حققت مكاسب عديدة بتقاربها مع تركيا، كونها قوة لها وزنها وتأثيرها الإقليمي، وجذبها نحو الروس يعني إحداث شرخ في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بوصفها القوة الثانية عسكرياً بعد الولايات المتحدة من حيث القدرات البشرية.

بالمقابل، ابتعدت تركيا كثيراً عن دول الغرب، بالرغم من استمرار عضويتها في حلف الناتو، وذلك على خلفيات فقدانها الأمل في الانضمام إلى منظومة الاتحاد الأوروبي، واتباعها سياسات وتوجهات مخالفة للسياسات الغربية في ملفات عديدة، وخاصة حيال الوضع في سوريا وليبيا وشرقي المتوسط وأذربيجان وسواها.

ومنذ اندلاع الثورة السورية، اتبعت تركيا سياسة مساندة لها، عبر احتضان قوى وتشكيلات المعارضة واستقبال ملايين السوريين الهاربين من جحيم نظام الأسد، وذلك بخلاف التوجهات الروسية المعادية لثورة السوريين وطموحاتهم، والمساندة لنظام الأسد وجرائمه، والتي وصلت إلى حدّ التدخل العسكري المباشر إلى جانبه

بُني مسار أستانا على أنقاض أحياء مدينة حلب الشرقية، بوصفه المحطة المفصلية المدشنة لطبيعة المسار برمته

في نهاية سبتمبر/ أيلول 2015، ومع ذلك فإن ساسة الكرملين أدركوا تماماً أن مصالحهم الإستراتيجية، على المدى البعيد، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال إرضاء نظرائهم الأتراك، وبناء تفاهمات معهم، وأخذ هواجسهم ومصالحهم بعين الاعتبار. إضافة إلى أن جملة المتغيرات التي حصلت منذ العام 2016، وخصوصاً بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، جعلت كلا من روسيا وتركيا، تقتربان من بعضهما البعض، وتمتثلان إلى حاجة كل منهما إلى الآخر في إدارة الوضع السوري، وبالتالي انخرطت تركيا في مسار أستانا إلى جانب روسيا، ثم التحقت بهما إيران.

وبُني مسار أستانا على أنقاض أحياء مدينة حلب الشرقية، بوصفه المحطة المفصلية المدشنة لطبيعة المسار برمته، الذي نهض حسب التصور الروسي على مبدأ الفصل بين المسارين السياسي والعسكري، والاستفراد عسكرياً بمناطق المعارضة، التي سُميت "مناطق خفض التصعيد"، بغية قضمها والسيطرة عليها واحدة بعد الأخرى، تحقيقاً لبسط النفوذ الروسي على الأرض السورية، ووفق تفاهمات المصالح وتوزع مناطق النفوذ بين رعاته الثلاث.

ومع تنامي الشراكة الروسية التركية في سوريا وقعت الدولتان اتفاقيات سوتشي، التي أثمرت عن تقاسم مناطق النفوذ بينهما، وخاصة في الشمال السوري، سواء في غرب نهر الفرات أو شرقه، حيث أظهر اتفاق سوتشي، الذي توصل إليه الرئيسان، الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، في 22 أوكتوبر/ تشرين الثاني 2019، توسع مناطق النفوذ الروسي في سوريا، حيث عززت القوات الروسية وجودها في عدد من مناطق شرقي الفرات، بالمقابل ضمت تركيا سيطرتها على منطقة إضافية، تمتد من رأس العين إلى تل أبيض.

قد يجادل بعضهم في أن تركيا اضطرت إلى أن تكون أقرب إلى الطرف الروسي، بحكم النفوذ القوي لروسيا في سوريا، ودورها الفاعل في المجالات السياسية والعسكرية، وتحكمها بالقرار السوري، لذلك حاول الساسة الأتراك استثمار الأوضاع لتحقيق مكاسب لبلادهم، واستطاعوا من خلالها إبعاد ما يعتبرونه خطر قيام كيان معاد لهم لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي. 

وجاء اتفاق سوتشي في 5 آذار/ مارس 2019 بخصوص الوضع في منطقة إدلب وما حولها، كي يمثل المعلم الأبرز للشراكة الروسية التركية، إذ بالرغم من الخلافات حولها والتوترات التي نشأت بين الدولتين، لكن تفاهماتهما مكّنت كليهما من تحقيق أهدافهما وخططهما فيها، حيث حققت روسيا إحدى أهم أولوياتها، المتمثلة في حماية قواعدها العسكرية، وخاصة قاعدتها الجوية في حميميم، وتأمين السيطرة على الطريق إم5، وأجزاء من الطريق إم 4، تأمين ممر آمن عليه لتسيير دوريات مشتركة مع القوات التركية، ما يعني أنها رابحة من الاتفاق، بحيث يمكن القول إن روسيا كانت على الدوام تستغل التفاهمات والاتفاقيات مع الأتراك لضمان توسيع نفوذها وسيطرتها على الأرض في الشمال السوري، في إطار سعيها الحثيث للتحكم والسيطرة على كامل الجغرافيا السورية. بالمقابل ضمنت تركيا سيطرتها على مناطق درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام إلى جانب وجود فصائل من المعارضة السورية فيها.

ويبدو أن تفاهمات الشراكة الروسية التركية في سوريا، ستستمر في المنظور القريب والمتوسط، كونها شهدت استثماراً كبيراً بين الدولتين، وهي مرتبطة بالنظر إلى القضية السورية بشكل عام، وتفيض إلى خارج سوريا، لتصل إلى الوضع في جنوب القوقاز ومنطقة شرقي المتوسط والوضع في ليبيا.

=========================

مذكرات سارية الرفاعي في زمن الثورة السورية

أنس أزرق

العربي الجديد

الاثنين 26/10/2020

يكشف الداعية السوري، الشيخ سارية الرفاعي، في كتابه الذي صدر أخيرا "مذكرات في زمن الثورة .. الجزء الأول" (مكتبة الأسرة العربية، إسطنبول، 2020)، أسرارا كثيرة في العلاقة المعقدة الملتبسة بين علماء الدين وأجهزة النظام السوري، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، ورأس النظام بشار الأسد والذي يحرص الشيخ سارية على وصفه "ساكن القصر".

كما تضيء المذكرات على صراعات مشايخ الدين ومواقفهم، وحساسياتهم المبنية على اختلاف مذاهبهم وطرقهم ومناطقهم وشخصياتهم، وعلاقتهم مع السلطة ومؤسسة الأمن التي تشرف على نشاطهم. وتأتي قيمة المذكرات من أن كاتبها من أهم شيوخ دمشق والمؤثرين بمجتمعها، نظرا إلى مكانته العلمية ومكانة أخيه الشيخ أسامة، ومن قبلهما والده مؤسس جمعية زيد، الشيخ الراحل عبد الكريم الرفاعي، وإشرافه على أهم مؤسسات العمل الأهلي فيها، وإدارته لها، كمشاريع حفظ النعمة وصندوق العافية وكفالة اليتيم.

يسرد خطيب جامع زيد بن ثابت في دمشق لقاءاته مع بشار الأسد وأركان أمنه، منذ بداية الثورة السورية في العام 2011، ومساعيه، مع ثلةٍ من العلماء، من أجل وقف حمام الدم في البلاد، انتهاء بخروجه من سورية، ومساهمته في العمل الإغاثي الديني في مصر وتركيا التي يقيم فيها حاليا. كما يسرد الرفاعي محاولات النظام شراءه بالمناصب، كعرض تنصيبه مفتيا لدمشق أو تعيينه وزيرا للأوقاف، أو إعطائه مليار ليرة عن طريق جمعية البستان لـ "رجل الأعمال"، رامي مخلوف (ابن خال الأسد)، لتوزيعها على فقراء دمشق. وفي الختام، اقترح النظام عليه تشكيل فصيل عسكري باسم زيد بن ثابت. .. وبعد الترغيب، بدأ الترهيب، حيث قام الأمن بتصفية ابن أخته، وبعض أبناء عمومته، وعزله عن الخطابة، وكان قبل الثورة قد أبعده عن مشروع حفظ النعمة، وأقفل قناة الدعوة التي يديرها نجله عمّار. 

يسرد الرفاعي محاولات النظام شراءه بالمناصب، كعرض تنصيبه مفتيا لدمشق أو تعيينه وزيرا للأوقاف

.. لطالما كانت علاقة مشايخ الدين والدعاة مع نظام حافظ الأسد وابنه خفية مكشوفة، فيها نزاع أو حياد، وفي كل الأحوال، فيها كثير من القهر والتحكّم من جانب النظام، والنفاق والمداهنة من جانب من بقي منهم في سورية. وقد استطاع الأسد الأب أن يشكل نخبة دينية خاصة به، أبرزهم المفتي أحمد كفتارو ووزير الأوقاف عبد الستار السيد والشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، وصهيب الشامي بعد اغتيال أبيه الشيخ محمد الشامي، ولاحقا أحمد حسون، وتصفية ونفي من عارضه منهم، ولا سيما بعد أحداث الإخوان المسلمين في الثمانينيات، وكان من بين من هاجر الشقيقان أسامة وزيد الرفاعي، حيث أقاما في المدينة المنورة، وعادا إلى دمشق عام 1993. أما الابن فحاول أن يشكل نخبته، فابتعد عن بعض أفراد حلقة أبيه، سيما الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي الذي بقي، كما يذكر كاتب المذكرات، خمس سنوات يطلب لقاء بشار، ولا يُستجاب له. 

كان مشايخ الدين الإسلامي والدعاة وأيضا رجال الدين المسيحي جزءا من النخبة السياسية الاجتماعية السورية التي حكمت البلاد منذ الاستقلال وحتى انقلاب 8 مارس/ آذار 1963، وطبعا لا بد من استثناء فترة الوحدة مع مصر (1958 – 1961) القصيرة. ومع انقلاب حزب البعث في 1963، ولاحقا انقلاب حافظ الأسد في 1970، حصر دور العلماء البارزين غير المنضوين تحت عباءة النظام بالوساطة والشفاعة لدى الحاكم، كما فعل الشيخ محمد الحامد في أحداث حماه عام 1964 مع الرئيس أمين الحافظ، والشيخ حسن حبنكة في أحداث الدستور مع حافظ الأسد عام 1973، ومن لم يرضخ كان عليه أن ينفي نفسه طوعا أو كرها.

تحذير من العواقب

يوقع الشيخ سارية الرفاعي مذكراته من "على فراش الموت" مع بداية الثورة السورية التي حذر من عواقبها، إذا "لم يرفع الظلم عن الناس والقضاء على الفساد واستيعاب الشارع"، متحدثا عن لقائه وشقيقه أسامة مع بشار الأسد الذي استجاب لمطالب الشيخين بإعادة المدرّسات المنقبات إلى التدريس، وإعادة فتح قناة الدعوة، والاعتراف بشهادات المعاهد الشرعية، وطلب منهما ان يلتقيا أهالي درعا لما لهما من مكانة، واصفا قريبه ضابط الأمن السياسي في درعا عاطف نجيب "أزعر وشلناه". وبالفعل التقى الشقيقان نخبة أهالي درعا الذين قدموا 14 مطلبا، في مقدمتها تغيير المحافظ فيصل كلثوم، وحفر الآبار. (يورد الشيخ مطلبا بتسمية المشفى الوطني في درعا باسم الشهيد محمد المسالمة، وهو مطلب لم يكن موجودا، كما أكد لي بعض المطلعين الثقاة).

النظام يعرض على الرفاعي تشكيل مجموعة مسلحة باسم زيد بن ثابت

نقل الشيخان المطالب لبشار يوم الأربعاء، فحصلت مجزرة الصنمين يوم الجمعة 20 مارس/ آذار 2011، فأقسم الشيخ سارية الرفاعي يمينا ألا يلتقي بشار، ولا أيا من رجال أمنه، بعد ذلك. في اليوم نفسه، وكما حنث بشار بوعوده تجاه درعا، فعل الأمر نفسه تجاه اعتصامات كثيرة، ومنها اعتصام جامع الإيمان، حيث كان يخطب الشيخ أسامة، وحاصر الأمن والشبيحة المصلين الذين اكتفوا بالتكبير وشعار "نحنا معك للموت يا درعا". ووصل الشيخ سارية، ونقل إليهم تعهد كبار المسؤولين، ومنهم رئيس شعبة الأمن العسكري حينها، عبد الفتاح قدسية، بعدم التعرّض لهم، إذا فكّوا الاعتصام. وتحدّث عن وصول صوتهم إلى ساكن القصر، وما إن خرج المعتصمون، حتى انهال عليهم أمن النظام وشبيحة الحزب (البعث) من مؤسسات حكومية قريبة من المسجد، كفرقة الإذاعة والتلفزيون وصحيفة الثورة بالضرب المبرح وصل إلى حدود الموت واعتقال بعضهم. .. اللافت أن الشيخ سارية الرفاعي لا يسرد قصة هذا الاعتصام في كتابه، ولكني شاهدته بأم عيني. 

المظاهرات حرام

يعتبر الشيخ الرفاعي نفسه من أنصار الثورة منذ بدايتها، ولكنه كان ينصح الشباب ورواد مسجده بعدم الخروج، خوفا على حياتهم، لأنه "ما من مظاهرة إلا ونسمع أن شبابا قد قتلوا فيها". ثم يروي كيف اختزل النظام خطبة الجمعة، وكتب على شريط الأخبار نقلا عنه إنه يقول "المظاهرات حرام حرام حرام"، في حين أنه قال على المنبر: "إن كانت المظاهرات ستتحول من سلمية إلى مسلحة، فأقول: إن مظاهراتكم حرام، حرام، حرام". اتصل الشيخ بمسؤول الأمن في القصر (العقيد حسام سكر وقتها)، مهدّدا بتكذيب الإعلام السوري، فأجابه هل يرضيه أن بث الخطبة كاملة، وهذا ما كان.

رفض الشيخ سارية المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني برئاسة نائب الرئيس، فاروق الشرع، لأنه ليس متخصّصا بالسياسة ولا بالاقتصاد، ولكنه حذّر المجتمعين من المساس بالدين. ويرى في مذكراته أن مخرجات المؤتمر قد أجهضت، لأنه عقد من دون إذن إيران. كما رفض الشيخ دعوة بعض الشباب إلى تشكيل حزب مقابل حزب البعث. وفي منظوره، انقسم علماء سورية إلى ثلاث فئات، منهم من وقف إلى جانب الثائرين المنادين بالحرية. والثاني آثر الصمت خشية البطش، واعتبرها فتنة يجب تجنبها، والقسم الأخير ممن خاف على منبره وشخصه، فتظاهر بالوقوف إلى جانب النظام.

باسل الأسد يقوم الليل ويسأل البوطي عن صلاة الوتر بعد صلاة العشاء ومحمد ناصيف يقود تياراً دينياً محافظا

ويتذكّر الشيخ اتهام النظام المعاهد الشرعية بحضانة الإرهاب، عندما أذاع إفادات طلاب في معهد الفتح الإسلامي بتفجير فرع الدوريات في منطقة القزاز العام 2008، فعلق الشيخ سارية على ذلك في خطبة الجمعة، بوصف ما حدث بأنه مسرحية ساذجة، فاتصل به رئيس فرع التحقيق العسكري وقتها، اللواء رستم غزالي، وتبرأ من هذه التحقيقات.

ويذكر أنه خطب على المنبر في آخر شهر يناير/ كانون الثاني من عام 2011 عن الفساد والظلم والإساءة للدين ومنع الصلاة في المؤسسات العسكرية. وبعد أيام التقى بشار الأسد مع مجموعة من العلماء، فقال له الأسد: إن خطبتك تحريضية. .. كما تعدّدت لقاءات الشيخ مع أركان أمن النظام، رئيس مكتب الأمن القومي، هشام الاختيار، رئيس جهاز المخابرات العامة، علي مملوك، رئيس شعبة الأمن العسكري، عبد الفتاح قدسية، مدير مكتب بشار الخاص، حسام سكر، رئيس الحرس الجمهوري الأسبق، عدنان مخلوف، معاون نائب الرئيس محمد ناصيف، نائب وزير الدفاع آصف شوكت. .. سأل الشيخ سارية شوكت: لماذا حرّكتم الدبابات تجاه المدن؟ فكان جواب شوكت: من أجل هيبة الدولة! سأله عدنان مخلوف عن الحل، فأجاب الشيخ أن يتنحّى بشار، فردّ مخلوف: نريد أن نحل المشكلة، لا أن نعقّدها.

وجه الشيخ سارية الرفاعي نداءً للناس، بعد مجزرة الحولة في مايو 2012، فاستجابت دمشق بالإضراب خمسة أيام، وأرسلت مبادرة أهل الشام مواد غذائية إلى حمص

ومن وقائع وتفاصيل يسردها الشيخ سارية الرفاعي في مذكراته أن محمد ناصيف دعا حوالي أربعين عالما للفطور في جبل قاسيون (مطعم أحلى طلة الذي يستثمره ابن أخته بأبخس الأثمان). ويروي أن مدير مراسم القصر الجمهوري، محي الدين مسلمانية، زاره ناقلا إليه عتب الرئيس لعدم ظهوره على شاشة التلفزيون، فاشترط الشيخ أن يقول ما يريد، وطلب من مسلمانية سؤال بشار عن ذلك فعاد إليه مسلمانية بالقبول، فكان اللقاء على قناة الدنيا. 

ويذكر أنه خطب، بعد مجزرة حماه، فجر أول أيام شهر رمضان، 1 أغسطس/ آب 2011، وقال في خطبته إن الجيش في سورية مجرم، فاتصل به العقيد حسام سكر، ليقول له إن الرئيس وضباط الجيش غاضبون لاتهامه الجيش بيوم عيده. وقد أصدر الشيخ، مع مجموعة من العلماء (كريم راجح، راتب النابلسي، هشام الدجاني، معاذ الخطيب وآخرون)، بيانا دعوا فيه الجيش إلى عدم إطاعة أوامر إطلاق النار. وقرّروا أن يصدروا بيانا ثانيا يحمّل الأمن مسؤولية سفك الدم، فدعاهم الشيخ عبد الفتاح البزم إلى لقاء مع علماء دمشق، وفي مقدمتهم الشيخ محمد رمضان البوطي الذي أحضر بيانا مكتوبا، ليكون بديلا عن بيانهم. وتم دمج البيانين، حيث احتفظ النص الجديد بمضمون إدانة الأجهزة الأمنية مع مقدمة بيان البوطي وخاتمته. وما إن انفض المجلس، حتى اتصل علي مملوك وهشام الاختيار بالشيخ سارية، غاضبين، وأقال وزير الأوقاف كل الموقعين على البيان، باستثناء سارية وأسامة وراجح والبرهاني والنابلسي. ثم استدعي الشيخ للتحقيق، فاعتذر بسبب مرضه، فأرسل إليه اللواء مملوك باقة من الورد، بينما أصدر اللواء هشام الاختيار أواخر العام 2011 كتابا ينصح فيه الخطباء الخمسة باعتزال الخطبة، وبالفعل بقي الشيخ ثلاثة أشهر في البيت. 

مسلسل "ما ملكت أيمانكم" للمخرج نجدت أنزور كان بتوجيه من آصف شوكت

وقد وجه الشيخ سارية الرفاعي نداءً للناس، بعد مجزرة الحولة في شهر مايو/ أيار 2012، فاستجابت دمشق بالإضراب خمسة أيام، وأرسلت مبادرة أهل الشام مواد غذائية إلى حمص.

ذهب الشيخ إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، فجاءه تهديد مباشر من مكتب الأمن القومي، ومن العقيد حسام سكر، إن لديهم معلومات استخبارية أن المجموعات الإرهابية عازمة على تصفية العلماء الخمسة، فسافر إلى مصر.

عن البوطي 

يفرد الشيخ سارية صفحات كثيرة في مذكراته لعلاقته مع الشيخ محمد رمضان البوطي، وعلاقة الرجل مع النظام وموقفه من الثورة في سورية. ولا يقلل الكاتب من علم البوطي وفقهه، ولكنه يصفه بالسذاجة، بتصديق النظام، وعدم جواز الخروج على الحاكم، فيكتب عن البوطي: "يعتقد أن في الدولة تيارا دينيا محافظا يقوده محمد ناصيف، كما يعتقد أن دين الدولة الإسلام، بدليل أن حافظ الأسد قال ذلك. كان يتحدّث عن باسل الأسد إنه يقوم الليل، لأنه سأله عن حكم صلاة الوتر بعد صلاة العشاء، هل يعيدها بعد قيامه الليل؟! وكان البوطي يخشى من الشيعة، وامتدادهم إلى القرى البعيدة في سورية، و"يكره مؤتمرات التقريب بين المذاهب والأديان، وقلّ أن يحضرها".

جاء إلى عند الشيخ سارية أبناء وأحفاد للبوطي، وسألوه عمّ يفعلونه معه، وهو على هذا الحال من الخطأ الجسيم؟ فنصحهم بأن يقولوا له إنه مخطئ، فرد ابنه: ألا تعلم نزق والدي وشدة غضبه. "وروى لي ما حصل مع شاب تركي جاءه في العيد وذكّره بقوله تعالى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار .. فقام الشيخ بضربه وطرده".

كان البوطي لا يطيق أن يسمع باسم المفتي أحمد حسون، ويتكلم في حقه كلاما يكاد يخرجه من الملّة

ويكشف الشيخ سارية الرفاعي أن مسلسل "ما ملكت أيمانكم" للمخرج نجدت أنزور كان بتوجيه من آصف شوكت، والمقصود به الشيخ البوطي، حيث يكنّى الشيخ في المسلسل "أبو توفيق"، وهي كنية البوطي، كما أن شارة المسلسل تضع صورة جامع الإيمان، حيث يدرّس. وتورد المذكرات أن شوكت جمع البوطي وأنزور بعد أن كتب البوطي وخطب ضد المسلسل، وجعل الشيخ يعتذر من المخرج.

وكان الشيخ البوطي لا يطيق أن يسمع باسم المفتي أحمد حسون، ويتكلم في حقه كلاما يكاد يخرجه من الملّة، ويرى أن المفتي صدّق نفسه أنه شيخ الإسلام في سورية. وكان حسّون يبرر للشيخ سارية بعض تصريحاته عن النصارى والدروز، "أردتُ أن أحرجهم بانتسابهم للإسلام فأطبق عليهم أحكام الإسلام".

ويشير سارية الرفاعي إلى علاقة ودية جمعته مع وزير الأوقاف، محمد عبد الستار السيد "كنت أسمع منه الكثير الكثير عن الشيعة، ويقول: أي تقريب هذا! إنهم يريدون أن يقربونا إلى مذهبهم. وأنا أعلم أنه قبل الثورة لم يفتح لهم حسينية واحدة". ولكن الشيخ سارية يورد معاتبته له، عندما أبعد عن مشروع حفظ النعمة "والله ما وجدنا عزا كالذي وجدناه أيام أبيك، وما وجدنا ذلا كالذي نجده في عهدك". ولم يوضح المؤلف ما الذي كان أيام والده الشيخ عبد الستار السيد الذي تسلم وزارة الأوقاف بين عامي 1971 – 1980

=========================

مؤتمر بوتين للاجئين السوريين

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 26/10/2020

يعمل "الحلفاء الروس" الموجودون "شرعياً" في سوريا بالاشتراك مع "النظام الشرعي" على عقد مؤتمر دولي في النصف الأول من الشهر المقبل حول عودة اللاجئين السوريين. تبدو الفكرة ممتازة، وتكاد تنسي المرء أن الداعي للمؤتمر بصحبة من دعاه "شرعيا"، كانا وراء تشريد أكثر من نصف سكان سوريا بالبراميل "الشرعية" وطائرات السوخوي الروسية المدعوة "شرعياً".

ما من سوري- أكان نازحاً أو لاجئاً داخل سوريا أو خارجها - إلا ويتوق للعودة إلى وطنه؛ فالسوري يعرف المثل الشعبي القائل: "مَن يترك داره، يقل مقداره"؛ وأكثر ما يعني هذا السوري {مقداره وكرامته}؛ فلا يترك مسقط رأسه، إلا إذا أصبح مقداره وكرامته وحتى بقاؤه مستحيلاً، أو في خطر لا راد له.

خلال السنوات التسع الماضية، حوّلت منظومة الاستبداد وداعموها معظم الأرض السورية إلى مكان استحال به العيش. أكثر من نصف السوريين، الذين بقوا على قيد الحياة، أصبحوا لاجئين إما خارج وطنهم أو داخله. حتى إن نسبة كبيرة ممن لم يتعرضوا للاقتلاع من بيوتهم يتمنون ترك بلدهم لأسباب لا حصر لها.

لا ندري إن كان السيد بوتين قد سمع الذي دعاه "شرعيا"، يدعو في أحد خطاباته إلى "مجتمع متجانس" بعد الخلاص ممن سمّاهم الجراثيم التي خرجت من البلد! أو سمع توصية ونصيحة أحد ضباط النظام

إذا كانت العصابة المشتركة تريد السوريين أن يعودوا إلى بلدهم، لَما شردتهم بقصفها وتدميرها لبيوتهم ولحياتهم في المقام الأول

بعدم العودة. حتى من تبقى من السوريين، وبينهم مَن سمّاهم رأس النظام "المجتمع المتجانس"، يتراقصون على صفيح العوز والإذلال، حيث بدأ صراخهم وطوابيرهم تصل إلى قبرص. هؤلاء يشكّلون سلفاً عبئاً اقتصادياً على كاهل نظام دمّر سبل الحياة، فهل يمكنه تحمل المزيد، وأبواب العيش مقفلة؟

إذا كانت العصابة المشتركة تريد السوريين أن يعودوا إلى بلدهم، لَما شردتهم بقصفها وتدميرها لبيوتهم ولحياتهم في المقام الأول، ولَما خططت لتغيير ديموغرافي وجلبت جنسيات أخرى أفغانية وإيرانية لتقيم حيث كانوا، ولَما فرض النظام "خوّة" لدخول السوري إلى بلده، ولَما أصبح جواز السفر السوري يكلف بحدود الألفي دولار.

إلى أين سيعود هؤلاء وبيوتهم مدمرة، وسبل العيش مقفلة، والبطش المخابراتي على حاله؟! أين ضمانات عدم الملاحقة أو الاعتقال أو الخطف أو القتل لمن قال /لا/ للمنظومة الاستبدادية؟ أي سوري يمكن أن يثق بما يُسمى "قرارات عفو" يتبجح بها نظام الاستبداد؟! هل افتكر أو اعتبر هذا النظام كوادره المؤهلة ليحرص الآن على عودتهم؟! هل يحتاج النظام مزيدا من الرهائن كي يستمر بالابتزاز؟

يبدو أن غاية المؤتمر لا تخص حتى إسعاف أولئك الذين ضحوا بفلذات أكبادهم كي تبقى تلك السلطة؛ ولا هي تخص لملمة جراح السوريين المقتلعين من وطنهم، وعودتهم، وإعادة إعمار حياتهم وبيوتهم؛ بل لملمة الأموال وإعادة إعمار خزائن العصابات.

عندما تربط دول العالم والأمم المتحدة إعادة الإعمار وعودة اللاجئين ببيئة آمنة محايدة تتحقق بالتوازي مع الانخراط بعملية سياسية تطبق القرارات الدولية الخاصة بسوريا، ويتم القفز الأسدي البوتيني إلى مؤتمر لعودة اللاجئين متجاوزاً العملية السياسية، فإن النوايا تفتضح، ويتضح أن آخر اهتمامات تلك الشراكة الإنسان السوري اللاجئ وعودته إلى بلده.

أين البيئة الآمنة والمحايدة والقرار الاختياري الحر الذي أقرته واشترطته المنظمة الدولية السامية للاجئين كي يكون هناك دعوة لمؤتمر عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم؟! أي وطن هذا الذي تحوّل إلى معتقل، إلى حارة تتحكم بها عصابة، إلى مكان استعان حكامه بالاحتلال ليبقوا في مناصبهم.

هذه الدعوة المشتركة من نظام الاستبداد الأسدي والنظام البوتيني عينها على مسألة واحدة لا تتعلق بمأساة أو ذل أو تشرد أو مقدار أو كرامة الإنسان السوري، بل لدفع دول العالم باتجاه الدعم والمساهمة بإعادة الإعمار التي ستذهب حتمًا لجيوب العصابة المشتركة. إنه طريقة للالتفاف على مؤتمر "بروكسل" السنوي للدول المانحة بحيث يذهب ذلك الدعم إلى المنظومة الاستبدادية وحماته.

يريد السوريون أن يعودوا إلى بلدهم؛ ولكن ذلك سيكون مستحيلاً في ظل منظومة استبدادية مجرمة. على روسيا صاحبة المشروع المزيّف أن تسأل من غادر سوريا مرغماً؛ وستعرف الجواب. من جانب آخر، صاعق وشائن أن تتحدث روسيا عن عودة ٥٢٠ لاجئا سوريا هربوا من رمضاء شبيحة حزب الله إلى نار الاستبداد مرة أخرى. وصغير وتافه أكثر أن تتحدث عن توزيع بضعة كيلوات من السكر والرز وتسمّيه سللاً غذائية لنحو ١٣٥٠ شخصا. هذا العدد كانت تضعه طائرات روسيا تحت الأرض بأسبوع. إذا كانت روسيا جادة بخطوتها فعليها فعل أمر بسيط تجاه سوريا والسوريين لتعود وتكتسب ذرة احترام محلية ودولية؛ وهو فقط أن تعمل على تطبيق القرارات الدولية الخاصة بسوريا، بجوهرها لا تمثيلا.

=========================

قسوة السوريين

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 26/10/2020

يكاد يتفق متابعو الوضع السوري على قول، إنه ما من شعب في العالم تعرض للقسوة، وعانى منها أكثر من الشعب السوري طوال العقدين الماضيين من القرن. ويستند المتابعون في قولهم إلى كم هائل من المعطيات والوقائع المدعومة بوثائق مكتوبة وأخرى مصورة، وثالثة تجمع بين الصوت والصورة، وقد بنيت على أساسها آلاف التقارير الصادرة عن منظمات وهيئات دولية وإقليمية حقوقية وإنسانية وحكومية، تابعت مسار القضية السورية وتطوراتها على مدار نحو 10 سنوات مضت.

ويتضمن الخط الأكثر شيوعاً في مسار القسوة السورية، السياسات والممارسات العنيفة، التي أصابت السوريين، فأوقعت فيهم قتلاً وجرْحاً واختفاءً قسرياً واعتقالاً تحول في كثير من حالاته إلى موت تحت التعذيب أو تسبب في عاهة دائمة، قد يكون الموت أشد رحمة منها، ويضاف إلى هذا الخط في القسوة السورية، خط مضاف، بدا في قسم منه نتيجة للعنف، لكنه في قسم آخر، بدا وكأنه خط مقصود في السياسات والممارسات، وهو خط الحط من الكرامة الإنسانية بمنع السوريين من الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية أو منع الحصول عليها، ولئن كان خط القتل وأخواته قد طال ملايين السوريين، فإن الخط الأخير ألقى بظلاله القاتمة على أغلب السوريين، ولم ينجُ منه سوى قلة قليلة، تتربع على سدة سلطة ما، تتجاوز سلطة نظام الأسد وحلفائه وزعماء العصابات المسلحة إلى سلطة أمراء الحرب وأثريائها.

وبطبيعة الحال، فإن تمركز السلطة في تعددها وتنوعها في يد 5 في المائة، دفع نحو توحش الأخيرة في قسوتها، ليس إزاء الآخر، بل حيال داخله بمن فيه من مؤيدين وتابعين، الأمر الذي جعل الجميع ضد الجميع، وتحولت القسوة إلى سلوك عام وشائع، اختلافها الأساسي يستند إلى تفاصيل منها الأدوات، التي يملكها كل طرف.

وإذا كانت وحشية النظام وحلفائه، تمثل الأساس في شيوع القسوة، فإن انعكاساتها في أواسط المناهضين ولا سيما الجماعات الإسلامية المتطرفة، صارت سبباً ثانياً ومهماً، لأن القسوة الشديدة، كانت أداتها في تحطيم قوة الحراك الشعبي في مناطق نشاطها الخارجة للتو من تحت سيطرة نظام الأسد، واستخدمت الجماعات الإسلامية لفرض سيطرتها كل أنواع الأسلحة التقليدية، وأضافت إليها الأسلحة الآيديولوجية بما فيها التشدد وتكفير خصومها، وإشاعة الطائفية، والحط من القيم الإنسانية والشعارات التي رفعتها الثورة ضد النظام، وتوجت ممارساتها في تغييب القانون، وجعل سلطته في أيدي مجموعة من «الشرعيين» الجهلة، تحت إدارة عصابات مسلحة، مما حول حياة السوريين في مناطق سيطرة الجماعات الإسلامية المتطرفة إلى ما يقارب حياة السوريين في مناطق سيطرة النظام مع فارق في الآيديولوجيا المعلنة: «تطرف ديني» يقابل «التطرف الأسدي».

العامل الثالث في تعميم القسوة في صفوف السوريين، تمثله سلسلة انهيارات، قادت إليها الحرب، ولا سيما على صعيد البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن الأمثلة الشائعة، يمكن القول، إن تدمير البنية الاقتصادية، أدى لتحول فاعلين أساسيين فيها إلى قوة هامشية، ذهبت للانخراط في ميليشيات مسلحة من أجل توفير ما يضمن استمرار العيش، ووسط سيطرة جماعات التطرف حدث انقلاب في الأدوار الاجتماعية، فتحول دور النساء من حضور بارز في بدايات الثورة إلى غياب شبه كامل ولا سيما في المجتمعات المدنية، وانتقلت المكانة الاجتماعية من نخبة أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين إلى الجدد من رجال الدين والبعض لم يكن في هذا المقام سابقاً، وهذه مجرد أمثلة ليس إلا.

وهناك عامل رابع، لا بد من الإشارة إليه، وهو التراجع الطارئ في نشاط الجماعات السياسية والمدنية في الواقع السوري، وبالتالي انخفاض تأثيرهم سواء في الجمهور أو على صعيد القضايا، وهذا أمر طبيعي، لأنه في ظل شيوع السلاح، وازدياد أتباعه المنفصلين عن السياسة، فإن العقل السياسي والنخبة السياسية يتراجعان، ويقل دورهما.

ولا شك أن تأثير العوامل السابقة في تعميم القسوة عند السوريين، تضاعف في ظل الانفلات والتفشي الإعلامي المحيط بالسوريين وبقضيتهم. وباستثناء مئات المواقع والمنصات الإلكترونية، فقد فتحت وسائل التواصل الاجتماعي من «فيسبوك» و«تويتر» و«إنستغرام» و«واتساب» وغيرها نوافذها لهجمات وحروب بين السوريين، تعدت الأفراد إلى حروب بين المجموعات والجماعات.

ثمة من يقول، إن ما يجري أمر طبيعي بعد كل ما عاشه السوريون في السنوات العشر الماضية، وأستطيع القول، إن ذلك صحيح في بعض جوانبه ولا سيما إذا نظرنا إليه من زاوية ما يحيط بهم من سكوت المجتمع الدولي عن الجرائم التي أصابتهم، والظلم الذي يتزايد عليهم مع مرور الوقت، وانسداد آفاق المستقبل. لكن من الصحيح، أن معالجة هذه القضايا وخلق ظروف جديدة للسوريين وقضيتهم، يحتاج إلى تغييرات لعل من أولها تهدئة الصراعات، ووقف سياسات وممارسات القسوة في سلوكياتهم. وثمة مثال ساخن، يبدو في معارك خاضها سوريون مؤخراً في الإعلام وعلى منصات التواصل الاجتماعي حول ترشح الكاتب والشاعر السوري أدونيس لجائزة «نوبل»، ولم يتأخر المتصارعون في استخدام معطيات وأكاذيب لكسب المعركة، علما بأن القضية ليست جديدة، إذ هي مكررة منذ سنوات، وتأثير السوريين من الطرفين على الجهة المانحة والبيئة الثقافية الدولية، يكاد يكون صفراً، فما الفائدة من تلك المعارك، سوى تكريس القسوة في وقت يحتاج فيها السوريون إلى نقيضها في القول والممارسة.

=========================

الأسد .. والرهائن الأميركيون

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 25/10/2020

ينتشر على "يوتيوب" مقطع صوتي لموظفي سكرتارية القصر الجمهوري في دمشق، وهم ينتظرون مكالمة مهمة من البيت الأبيض، بينما يُسمع صوت رجل عربي يقول: بعد لحظات سيكون الرئيس ريغان على الخط لمكالمة الرئيس الأسد. لكنّ رونالد ريغان يتأخر ثلاث عشرة دقيقة ونصف دقيقة، قبل أن يبدأ حديثه الذي يفتتحه بشكر حافظ الأسد على الجهود التي بذلها لإطلاق رهينة أميركي، يدعى جيرمي ليفن، ويحثه على السعي لإطلاق أربعة آخرين خُطفوا في لبنان، وينتهز ريغان الفرصة ليهنئ الأسد "بفوزه" برئاسة سورية! ردّ الأسد الشكر، ووعد ببذل الجهد لمحاولة إطلاق الجميع. كان أهم ما جاء في حديث الدقائق العشر بالنسبة إلى الأسد، كلمات ريغان التي قال فيها: على الرغم من قضايا عديدة نختلف عليها، فإن إطلاق ليفن قضية يمكن البناء عليها للالتقاء معاً في قضايا أخرى. وردَّ الأسد بالموافقة، ثم بادر ريغان بلكنته الواثقة وأنهى بالشكر المكالمة التي تعطي صورة عن طريقة التعاطي الأميركي مع ملفات كهذه. وعلى الرغم من أن تاريخ الحديث يعود إلى ما قبل 35 عاماً، إلا أن كثيراً من عناصره ما زال موجوداً.

استخدم الأسد الأب أسلوب أخذ رهائن طوال فترة الحرب الأهلية اللبنانية، وكانت له أدواته المستعملة في هذا المضمار، ولم يكن ذلك سرّاً، وكان ذوو المخطوفين يعرفون ذلك، فصارت دمشق وجهة معظمهم، وهنا كانت تبدأ لعبة المساومات على المواقف والتنازلات. وفي حالة الرهينة ليفن، كسب الأسد الأب شكراً علنياً من ريغان، مع وعدٍ بالبحث عن نقاط تفاهم أخرى. وما زالت هذه الخطة صالحة، وربما من يسير فيها هو دونالد ترامب ومستشاروه الذين يحفظون تاريخ المنطقة. يرغب ترامب، وهو متأخر بعشر نقاط أمام جو بايدن في الاستطلاعات الانتخابية، في الاستثمار في هذه القضية، فتحرير رهينة يمكن أن يكسبه شيئاً من التقدّم قبل أسابيع قليلة من بدء التصويت، لكن النظام السوري، بتشجيع روسي، يصعّد مطالبه، هذه المرة، إلى أعلى درجة، لمقايضة الأسير الأميركي أوستن تايس بربع مساحة سورية! حيث قال رئيس مكتب الأمن الوطني، علي مملوك، لوفد أميركي زار دمشق في أغسطس/ آب الماضي، إن المفاوضات حول أي قضية غير ممكنة قبل خروج القوات الأميركية من سورية، والمقصود بالطبع من شرق الفرات، حيث الوقود وحقول القمح الشاسعة. 

ظهرت عدة تصريحات لترامب في الفترة الماضية عبّر فيها عن رغبته في الخروج من سورية، وتخفيف وجوده في المنطقة، وقد بدأت قواته بالفعل تحرّكاتٍ توحي بذلك، وهو أمر إذا تحقق قد يساعد ترامب شعبياً في تحدّي الانتخابات، ولكنه خيار غير واقعي، ولا يتماشى مع التزامات أميركا، ويعاكس رغبات وزارة الدفاع بشكل خاص. يدرك ترامب هذا الأمر، ولذلك لم تتجاوز حركة قواته حدودَ دراسةِ ردود الفعل، وأبدت روسيا حماسةً، فتحرّكت في المنطقة، معلنة رغبتها في ملء الفراغ. تعرف كل من روسيا وأميركا أن عودة هذه المنطقة، وهي تشكل نحو ربع مساحة سورية، للأسد، تعني أن الوضع عاد إلى ما كان عليه قبل بداية الثورة، وهذا غير مسموح به بالنسبة إلى أميركا، والثمن هو بقاء قواتها.

جرّب ترامب منذ سنة أن يرسل رسالة شخصية إلى الأسد، ويبدو أنه شاهد شريط ريغان والأسد الأب، ولمس فرح حافظ بالمديح الذي أغدقه عليه ريغان، فقدّر أنه يمكن أن يمارس اللعبة نفسها. لم تصدر أية إشارة عن بشار الأسد، لتأتي اليوم مبادرة أميركية جديدة بزيارة شخصيتين رفيعتي المستوى، للطلب من دمشق ثانية إطلاق سراح السجين. اللافت وسط تجاذب بشار وترامب السياسي، أنه في عام 1985 كان في سورية آلاف المعتقلين في السجون، والآن يتكرّر السيناريو، وبينما يطالب ترامب بسجين واحد، يقبض الأسد على آلاف السجناء السوريين من دون أن يكون هناك أي صفقة لإطلاقهم.

=========================

رسالة روسيّة إلى الاتحاد الأوروبي من خلال الفوسفات السوري

مالك الحافظ

رزونة 

الاحد 25/10/2020

قال خبير اقتصادي سوري أن منح حكومة النظام ترخيص استخراج الفوسفات من حمص لشركة صربية، يعتبر رسالة مبطنة للاتحاد الأوروبي، يغمز من خلالها الروس إلى موافقتهم منح استثمارات عدة للأوربيين في سوريا خلال المرحلة المقبلة. 

وذكر المحلل الاقتصادي، يونس الكريم خلال حديث لـ "روزنة" بأن روسيا وجدت بصربيا التي تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؛ أداة مناسبة لإيصال رسالة غير مباشرة للأوروبيين تدفعهم فيها لإعادة التفكير بالدخول قريباً في مرحلة إعادة إعمار سوريا. 

وكان مجلس الشعب صادق على عقد للتنقيب عن الفوسفات بين "المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية" وشركة "وومكو أسوشيتس دوو" الصربية. في حين نقلت صحيفة "الوطن" المحلية عن وزير النفط بحكومة دمشق بسام طعمة، قوله إنه يوجد في سوريا 3 مليارات طن من الفوسفات، وأضاف "عاجزون عن تصدير أي طن نتيجة مقاطعة المنتج السوري".

وأشار الكريم إلى أن أهمية الفوسفات السوري تكمن كونه يحوي كميات جيدة من المواد المشعة والتي يستوردها الاتحاد الأوروبي من روسيا، لذا فإن استحواذ شركة صربية على استثمار الفوسفات من مناجم "الشرقية" في تدمر، سيؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة توريد هذه المواد إلى أوروبا.

ووفق الكريم فإن روسيا تُصدّر اليورانيوم إلى أوروبا بواقع 7.5 مليار دولار أميركي إلى أوروبا

وتابع في سياق مواز "روسيا لا تستثمر بشكل مباشر لنفسها؛ وإنما تأخذ دور الوسيط مع شركات أخرى وتأخذ نسبة من الأرباح… الاستثمار بهذه المناجم يحتاج لأموال ضخمة و روسيا غير مستعدة لذلك، وبالتالي هي باعت الاستثمارات مقابل الحصول على أموال… هناك ضرر بمناجم الفوسفات السوري مليار دولار ونصف، فيما تنتج سوريا 2.2 مليون طن سنوياً". 

وختم بالقول "نلاحظ في هذه الجزئية أن هناك انحسار جزئي للاستثمارات العائدة لروسيا حتى و لو تم منحها برضى روسي؛ ما يعني أن روسيا بدأت تشعر أنها مدانة دولياً بانهيار الاقتصاد السوري لذلك تمنح الاستثمارات لحلفاء روسيا بشكل غير مباشر؛ بحيث يخفف العبء على روسيا".

وبحسب التقديرات فإن سوريا تمتلك ثالث أكبر احتياطي عربي بعد المغرب والجزائر من الفوسفات، وتنتشر حقول الفوسفات فيها بثلاث مناطق رئيسية وهي الجبسة وخنيفيس والشرقية.، والمناجم الموجودة هناك مرتبطة بخط حديدي حتى ميناء طرطوس.

=========================

خطاب وطني من أجل سوريا

نصر الحريري

سوريا تي في

الاحد 25/10/2020

مهما اختلفت وجهات النظر، وكيفما تعددت قراءة مجريات الثورة السورية، وما رافقها من أحداث وما تعرضت له من استهداف، وما وقع منذ اندلاعها في إطار الربيع العربي من تطورات وتغيرات محلية وإقليمية ودولية، وما تعرض له السوريون منذ عام 2011 من انتهاكات ومجازر؛ فنحن قادرون على العودة في أي وقت إلى منطلقات هذه الثورة ووضعها أمام الجميع كمرجعية ثابتة لا تتزحزح.

الثورة السورية هي ثورة ولدت من صميم الشعب السوري من احتياجاته الحقيقية ومن مطالبة الطبيعية، بمختلف فئاته ومكوّناته، لقد تبلورت شعاراتها الرئيسة من واقع السوريين ومن معاناتهم، لتضع أمام الجميع كلمات واضحة وبسيطة وأساسية: الحرية والكرامة والعدالة.

مطالب الشعب السوري تهدف في المحصلة إلى إحداث تغيير جذري يطول بنية نظام الاستبداد والفئوية والفساد الذي فرض نفسه على سوريا وشعبها منذ نصف قرن وقضى على الحياة التعددية والديمقراطية التي كان يعيشها بلدنا آنذاك، مطالب شعبنا تسعى نحو إقامة نظام بديل، نظام مدني تعددي ديمقراطي، تتساوى فيه جميع مكونات الشعب السوري، نظام يحافظ على النسيج المجتمعي، ويتعزز خلاله الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين، وتكون جميع المكونات حريصة على حقوق بعضها بعضاً كما تحرص على حقوقها وأحلامها الذاتية، وتدرك بأن حقوق البعض لا تكون مضمونة ما لم يتم صون حقوق الجميع.

هذا هو المعنى الحقيقي للمواطنة، أن نحرص على حقوق إخوتنا في الوطن قبل حقوقنا، وأن نفهم بأن حصولنا على حقوقنا على حساب حقوق الآخرين لا يمكن أن يكون خياراً عادلاً ولا مستداماً، بل سيؤدي إلى الخراب مجدداً ولو بعد حين. فأي فضل لنا إذا كنا ندافع عن حقوقنا ونرفض حصول إخوتنا في الوطن على حقوقهم.. عند ذلك  لا تعود حقوقنا حقوقاً، بل تتحول إلى مظالم.. وامتيازات وفساد.

هذا هو الخطاب الوطني الأخلاقي والسياسي الذي يساوي بين جميع مكونات الشعب السوري بغض النظر عن الإثنية والقومية والجنس والدين والمذهب، هذا هو خطاب المواطنة وتأمين الحقوق عبر دستور عصري يقرره الشعب في استفتاء عام.

روعة الثورة السورية جاءت من شموليتها، ومن جذورها الممتدة في آلام جميع السوريين وتطلعات جميع السوريين، الثورة التي عبرت كل الحدود وتجاوزت كل التقسيمات والتكوينات وفتحت أبوابها من خلال حراك سلمي وصمود أسطوري في وجه آلة إجرامية جهنمية صبت حممها على رؤوس المدنيين والمتظاهرين.

لم تكن الثورة السورية حالة فئوية لجماعة أو دين أو مذهب، وإنما مشروعاً لمختلف فئات ومكونات الشعب السوري، وهو ما كرسته في حراكها السلمي في معظم المدن والمناطق والقرى طيلة أشهرها السلمية، وفي المراحل التالية واجهت وعانت من مختلف محاولات الشيطنة، والحرف والتشويه، لكن أصواتها الحرة

 تمثل حقوق الشعب السوري والحريات التي يجب أن يعيشها المواطنون ويتمتعوا بها جوهرَ قضية الشعب السوري، وهي حقوق تنص عليها جميع الدساتير العصرية

ومعدنها الحقيقي ظل عصياً على الاختراق بفضل جذورها النابتة في أرض الحقوق المشروعة لجميع الشعوب، ولأنها لم تحمل إلا شعارات إنسانية طبيعية حقوقية سياسية ولا خلاف حولها، في الوقت الذي استمر فيه النظام في جرائمه الممنهجة باستقدام القوى الخارجية، والميليشيات الطائفية، وتدمير البلاد، وإجبار نحو نصف السكان على النزوح والهجرة واللجوء.

 تمثل حقوق الشعب السوري والحريات التي يجب أن يعيشها المواطنون ويتمتعوا بها جوهرَ قضية الشعب السوري، وهي حقوق تنص عليها جميع الدساتير العصرية، وكذلك الدساتير السورية السابقة، وبالأخص دستور عام 1950، وقد وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ والعهدين الدوليين الخاصين.

السنوات العشر المنصرمة كانت مليئة بالتحديات والتغيرات وقد شن خلالها النظام النظام حرباً على الشعب السوري استعان خلالها بقوى إقليمية ودولية لمواجهة الثورة، واستخدم جيش البلاد لقتل الشعب، وجيّر موارد الدولة لتمويل آلة عسكرية إجرامية ضد الشعب المطالب بالحرية وألقى البراميل المتفجرة واستخدم الأسلحة الكيميائية وزج مئات الآلاف في المعتقلات، وأعدم الآلاف من خيرة أبنائنا وشبابنا في أقبية سجونه الرهيبة، كل ذلك بالإضافة إلى الكثير من الإجرام الذي لا مكان لذكره هنا، تسبب بكثير من المآسي والدمار والخراب الذي طال جزء منه النسيج الاجتماعي للشعب السوري، وزرع شروخاً كبيرة بين أبناء الوطن وساهم في تخريب وكسر وحدة السوريين من أجل تعزيز فرص النظام في البقاء.

ومن جانب آخر جعل النظام من سوريا بلداً يتذيل قوائم التنمية في العالم وجعلها من الأفقر عالمياً، طوابير من المواطنين لا نهاية لها أمام المخابز ومحطات الوقود لا تجد فيها أحداً من أبناء العصابة الحاكمة ولا من دوائرهم الضيقة، حتى المساعدات الإنسانية الدولية التي تصل مناطق سيطرة النظام يتم سرقة الجزء الأكبر منها، وما تبقى يتم توزيعه بشكل انتقائي على الشبيحة المقربين.

لقد أوصلتنا سياسات النظام وتفاعلاتها مع المواقف الدولية إلى وضع معقد للغاية، وضع تتداخل فيه مصالح دول كبرى وإقليمية على حساب الشعب السوري، الأمر الذي يضع مزيداً من المسؤوليات على عاتق أهل الثورة، ويدفعنا نحو مزيد من التمسك بمبادئ هذه الثورة من أجل تجاوز المخاطر الجادة التي تراكمت خلال هذه السنوات. إن إعادة النظر بالرؤية السياسية وتجديد الخطاب الوطني مع مراعاة المعطيات التي استجدت أمر ضروري.

إن طبيعة هذا الخطاب المستند إلى حقوق طبيعية ومطالب وأهداف ذات بعد إنساني؛ تضعه فوق أي مجال للتفاوض، ما يعني أن النضال من أجل هذه الحقوق لا يمكن أن يتوقف بأي شرط، وأنه من غير المعقول أن نطالب أي شعب من شعوب العالم بوقف نضاله من أجل استعادة حقوقه، على العكس فإن المطلوب هو موقف من دول الحرية والديمقراطية، ومنظمات ومؤسسات المجتمع المدني والناشطين الإنسانيين وناشطي الحرية والعدالة حول العالم؛ يدعم أبناء الشعب السوري، المناضل في سبيل حقوقه الطبيعية المبدئية والأساسية.

أبناء سوريا في المناطق المحررة وفي المناطق الخاضعة للنظام أو لسلطات الأمر الواقع، وكذلك في دول اللجوء والاغتراب؛ مدعوون إلى اصطفاف وطني هدفه إنقاذ الوطن ومواجهة التحديات الخطيرة التي يواجهها، والحفاظ على وحدته الجغرافية والسياسية والاجتماعية، وتفعيل الحراك الثوري والمقاومة الشعبية بكل أشكالها وصورها، بما في ذلك العمل على إخراج القوات الأجنبية، والميليشيات الطائفية العابرة للحدود، ومقاومة التفريط بسيادة الوطن ومصالحه والعبث بثقافته ولغته وعقائده.

=========================

لا خبز في دمشق

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 25/10/2020

طوابير السوريين على الأفران من أجل الحصول على ربطة خبز، باتت مشهدا من مشاهد الحياة اليومية في العاصمة السورية التي تعيش وسط دوامة لا تنتهي من الأزمات الطاحنة. وما تكاد أزمة تجد حلا مؤقتا حتى تطل أخرى أكثر قسوة. سلسلة متوالية لا تتوقف عند تأمين رغيف الخبز والماء الصالح للشراب وغاز الطهو وباقي المواد الأولية، بل تذهب نحو المشتقات البترولية والكهرباء التي تشهد تقنينا صارما، ولا تصل بعض الأحياء أكثر من ساعتين في اليوم، وفي ذات الوقت هناك تراجع لا يوصف في الخدمات الصحية، مما سهل استشراء وباء كورونا الذي يفتك بأصحاب الأوضاع الصحية الهشة. وحسب شهادات منظمات وهيئات دولية متخصصة فإن الوفيات بعشرات الآلاف من دون أن يصرح النظام أو حتى يعترف. وأعلن المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في سوريا، عمران ريزا، في الأول من سبتمبر/ أيلول، أن عدد الإصابات في سوريا ارتفع نحو عشرة أضعاف خلال الشهرين الماضيين، منذ آخر إحاطة لموظفي الأمم المتحدة، ومنذ لك الحين تحدثت تقارير غير رسمية عن خروج الوباء عن السيطرة.

أعاد النظام الحاكم السوريين إلى عصر سحيق سابق للمدنية، وحوّل دمشق أقدم مدينة في التاريخ إلى خربة منكوبة تفتقر إلى أبسط شروط الحياة الإنسانية. وحين يرى العالم الخارجي طوابير الخبز في دمشق مدينة الغوطتين، فإنه يصاب بالذهول من هول الكارثة التي لا شبيه لها في مدن أخرى واجهت ظروف الحروب المديدة، وحتى في صنعاء التي تشهد حصارا وحروبا منذ عدة سنوات، فإن الأوضاع المعيشية أحسن حالا مقارنة بدمشق التي أخذ بعض سكانها يعودون نحو أنماط بدائية من المعيشة كي يستمروا على قيد الحياة، فهناك عائلات أخذت تزرع الخضار في حدائق البيوت وتربي الدواجن، ومن لا يتدافع على الأفران من أجل رغيف خبز مغمس بالإهانة فإنه استعاض عن ذلك بتنور حطب في بيته. وينضاف إلى ذلك تقنين الخبز رغيفين ونصف الرغيف لكل مواطن يتم شراؤه من خلال البطاقة التموينية. ومن استطاع سبيلا إلى الخبز السياحي فإنه من المحظوظين الذين لا يتجشمون عناء الانتظار ساعات في الطابور من أجل ربطة خبز قد لا يتم الحصول عليها. وتكون عادة من النوع الرديء، ونقل موقع تلفزيون سوريا من أحد أفران دمشق إن "الطحين المستخدم في صناعة الخبز رديء جداً وقاسٍ وعملية عجنه تستغرق وقتاً وتصيب الآلات بأعطال كثيرة، مؤكداً أن أغلب مكوناته نخالة"، مشيراً إلى أنه منذ أكثر من شهر لم يصل إلى المخابز دقيق القمح الطري، ما جعل عملية إنتاج الخبز تستغرق وقتاً أطول.

ما يزال هذا النظام يستمد كل أسباب بقائه من روسيا وإيران اللتين صارتا الحارس الفعلي للخراب السوري، بل إنهما تتحملان مسؤولية لا تقل عن النظام الحاكم.

لا خبز في دمشق ولا حياة في سوريا. الشعب السوري يعيش نكبة لا مثيل لها. جوع وإرهاب النظام وأمراض وتشرد وبطالة وانعدام أمان، وانسداد الآفاق جميعها، بينما يواجه النظام كل هذا الانهيار الحياتي بسلوك كلّي من النكران وعدم الاكتراث، ولو كان القائمون على مقاليد الأمور يمتلكون قدرا زهيدا من الحس الإنساني لكانوا أخلوا المكان، وتركوا سوريا للمجتمع الدولي الذي لا بد أن يتكفل بإيجاد حلول لأزماتها بوصفها بلدا منكوبا. ورغم المأساة التي تتعاظم في كل يوم يصر النظام على تعزيز قبضته الأمنية من أجل البقاء، فهناك عشرات الآلاف من السوريين الذين تم سجنهم في ظروف تفتقر إلى أدنى الشروط الإنسانية، وما يزال يطور أدوات القتل كما كشفت منذ أيام منظمات غير حكومية (الأرشيف السوري، ومبادرة العدالة) عن تلاعب النظام بمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية من أجل تطوير ترسانته من غاز السارين التي استخدمها عدة مرات ضد المدنيين منذ أغسطس/آب 2013 في الغوطة الشرقية.

وما يزال هذا النظام يستمد كل أسباب بقائه من روسيا وإيران اللتين صارتا الحارس الفعلي للخراب السوري، بل إنهما تتحملان مسؤولية لا تقل عن النظام الحاكم في قتل وتجويع وتهجير السوريين من بلادهم، في حين تقتسمان ما بقي لسوريا من موارد. إيران تسيطر على جزء من الثروة الزراعية في شرق الفرات وروسيا الموانئ والثروات الأرضية مثل الفوسفات، والنفط والغاز للإدارة الكردية.

=========================

أي ثمنٍ يمكن أن يقدّمه ترامب للأسد؟

وائل السواح

العربي الجديد

السبت 24/10/2020

احتفت أوساط النظام السوري بزيارة اثنين من كبار المسؤولين في البيت الأبيض دمشق للقاءِ كبيرِ رجال الأمن والمخابرات السورية علي مملوك، بحثاً عن طريقة لإطلاق سراح رهينتين أميركيتين كان نظام الأسد قد اختطفهما وأخفاهما قسراً منذ سنوات. 

ضمّ الوفد مساعد الرئيس الأميركي ومدير مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض، كاش باتل، والمبعوث الخاص للرئيس الأميركي لشؤون المخطوفين، روجر كارستينس. وكانت صحيفة وول ستريت جورنال أول من نشر خبر الزيارة التي تمّت في شهر أغسطس/ آب الماضي. وتلقّفت القصّةَ صحيفة الوطن السورية المقرّبة من النظام، فنشرت خبراً بعنوان "واشنطن تغازل دمشق برفع العقوبات والقيادة السورية تتمسك بالانسحاب الأميركي الكامل من أراضيها". وأكّدت صحّة الخبر بلهجة ابتهاج واضحة، وذكرت أن الرجلين اجتمعا برئيس مكتب الأمن الوطني، اللواء علي مملوك "في مكتبه بدمشق". وأضافت المصادر التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها "أن هذه ليست الزيارة الأولى لمسؤولين أميركيين بهذا المستوى الرفيع، وأنه سبقتها ثلاث زيارات مشابهة إلى دمشق خلال الأشهر والسنوات الماضية".

لا نعلم بالضبط الحوار الذي جرى بين الرجال الثلاثة، ولكننا نعلم ما صرّحت به مصادر "وول ستريت جورنال" التي أفادت بأن هدف زيارة المسؤولين الأميركيين كان فقط الحديث في قضية الرهينتين، ومحاولة إطلاق سراحهما. 

هنالك في هذه القصّة ثلاثة مناح تستحقّ الوقوف إزاءها. أولها بالطبع قضية الرهينتين، أوستن تايس وكمّ ألماز. وتايس صحافي مستقل اختفى في سورية عام 2012، في أثناء تغطيته أخبار انتفاضة السوريين ضدّ النظام لصالح شبكة CBS وصحيفة واشنطن بوست. أما ألماز فهو معالج نفسي، كان يحاول مساعدة السوريين حين اختفى في البلاد في عام 2017. والرجلان هما غاية رحلة المسؤولين الأميركيين إلى دمشق، ولكن للإدارة الأمريكية هدفاً آخر بالتأكيد.

يقترب ترامب من انتخابات حاسمة، ستؤدي، في أغلب التوقعات، إلى خروجه من البيت الأبيض بشكلّ مذلّ

يقترب الرئيس ترامب من انتخابات حاسمة، ستؤدي، في أغلب التوقعات، إلى خروجه من البيت الأبيض بشكلّ مذلّ. ولتجنّب هذه النتيجة، يحاول الرئيس شتّى الطرق الممكنة. ولأن السياسة والاقتصاد والوباء تتحالف كلّها لإيصاله إلى مصيره خلال أيام، لم يبقّ أمامه سوى السياسة الخارجية. وهو لذلك يجرّب كلّ السبل، ولأنه لم يحّقق نجاحاً يذكر في أوروبا وكندا وأميركا الجنوبية، ولأنه يدرك أن زعماء هذه الدول متشوّقون ليروه يلملم أشياءه ويغادر البيت الأبيض، فقد يمّم وجهه شطر العالم العربي، فرعى اتفاقيات أبراهام بين الإمارات وإسرائيل، ثم بين الأخيرة والبحرين. ويحاول الآن الضغط على السعودية بما له عليها من دالّة صمته على دور وليّ العهد، محمد بن سلمان، في الجريمة سيئة الصيت التي أودت بحياة الصحافي السعودي الذي كان يكتب في واحدة من أهم الصحف الأميركية ويحمل حقّ الإقامة في الولايات المتّحدة، جمال خاشقجي. كما يحاول مع السودان أيضاً لتشجيعه على عقد اتفاق سلام آخر مع إسرائيل. 

في هذا السياق، جاءت زيارة المسؤولَين الأميركيين إلى دمشق، غايتها البحث في مصير الرهينتين الأميركتين، وهدف الرئيس ترامب من ورائها تحقيق نصر انتخابي من خلال إطلاق سراحهما قبل الانتخابات. ولكن الرئيس السوري، أو من يسيّره، يعلم حاجة ترامب إلى ذلك، فوضع شروطه لمناقشة وضع الرهينتين. ووفق "نيوزويك"، زار مدير الأمن العام اللبناني، عباس إبراهيم، واشنطن الأسبوع الفائت، والتقى مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، روبرت أوبراين، أربع ساعات، حاملاً معه ردّ حكومة الأسد على طلب إدارة الرئيس ترامب، والذي تضمّن شرطين رئيسيين، لقبول التعاون في قضية الرهينتين: تخفيف العقوبات المشدّدة وانسحاب القوات الأميركية. ومعروف أن إبراهيم لعب، في السابق، دور الوسيط مع الحكومة السورية للإفراج العام الماضي عن السائح الأميركي الذي احتُجز شهرين في سورية، في أثناء محاولته السفر إلى كل دول العالم، سام غودوين، والرحالة الكندي كريستيان باكستر.

إن كان ترامب مستعدّاً لتقديم أي شيء للبقاء في منصبه، وتأجيل الملاحقة القانونية بحقّه، حال خروجه من مكتبه، فإن مؤسّسات الإدارة البيروقراطية ستقف في وجهه

وأكّدت صحيفة الوطن معلومات نيوزويك، وذكرت أن المسؤولَين الأميركيين فوجئا بالموقف السوري نفسه الذي يقوم على مبدأ أنه "لا نقاش ولا تعاون مع واشنطن قبل البحث بملف انسحاب القوات الأميركية المحتلة من شرقي سورية، وظهور بوادر حقيقية لهذا الانسحاب على الأرض، وأن دمشق رفضت مناقشة العقوبات الأميركية على سورية، قبل مناقشة ملف الانسحاب الأميركي من الأراضي السورية." واختارت الصحيفة الموالية للأسد وإيران أن تشوّه صورة تايس، فقالت إنه لم يكن صحافياً، وإنما "عميل متعاقد مع الاستخبارات الأميركية دخل الأراضي السورية بطريقة التهريب عام 2012، وزار مناطق عديدة كانت قد خرجت حينها عن سيطرة الجيش السوري، ووصل إلى منطقة الغوطة الشرقية مكلّفاً بمهمة تجهيز وإعداد "جهاديين" لمحاربة القوات السورية، لكنه اختفى في الغوطة في ظروف غامضة ولم يُعرف مصيره". وأضافت "الوطن" أن الأسد لا يثق بالإدارات الأميركية، فهو يعتبر "الرؤساء الأميركيين هم مجرّد مديرين تنفيذيين،" بيد مجموعات الضغط والشركات الكبرى.

يدرك الرئيس الأسد حاجة الرئيس ترامب إلى تعاون دمشق معه في قضية الرهائن، من أجل تحقيق مكسب انتخابي. ولكنه ليس مضطراً لمجاملة الرجل الذي ضرب قواته مرّتين، وهو على الأرجح على وشك مغادرة منصبه. ومع ذلك قد يكون مستعدّا لأن يفعل ذلك مقابل انسحاب القوات الأميركية وتخفيف العقوبات. ولكن ما لا يعرفه الأسد، ربّما، أنه لا ترامب ولا غيره من الرؤساء قادر، حتى ولو شاء، أن يخفّف العقوبات عن دمشق، فالعقوبات صارت مشرّعة بقانون، هو قانون قيصر، والذي أقرّه الكونغرس، ولتغيير أيّ بند فيه، لا بدّ من اتفاق الكونغرس على ذلك بمجلسيه، وهو أمر غير وارد الآن، لأن كلا الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، ينظران إلى الأسد على أنه مجرم حرب ينبغي أن يُحاسَب، لا أن يكافأ. 

كلا الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، ينظران إلى الأسد أنه مجرم حرب ينبغي أن يُحاسَب، لا أن يكافأ

وعلى أيّ حال، على إدارة الرئيس ترامب إذا أرادت تغيير سياستها مع دمشق التفكيرُ في أمرين قبل أن تقدم على ذلك. أولاً: هل ثمّة دليل على أن الرهائن الذين تساوم الإدارة عليهم أحياء؟ على الرغم من صعوبة هذا السؤال، لا ينبغي أن تكون هناك مفاوضات على الإطلاق حتى يقدّم نظام الأسد دليلاً يمكن التحقق منه على حياة الرهينتين. ثانياً: هل الثمن الذي سيُدفَع لنظام الأسد لتقديم دليل على حياة الرهائن باهظ إلى درجة أنه سيقوّض السياسات الأميركية الأوسع في سورية والعراق، ويضعف قدرة الولايات المتحدة على مواصلة العمليات ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ويترك آلاف السوريين النازحين في مخيم الركبان للنازحين عرضة لوحشية نظام الأسد؟ إذا قبلت الولايات المتحدة طلب النظام سحب القوات شرطاً مسبقاً لتقديم دليل على الحياة، فستصبح كل هذه النتائج أكثر احتمالاً.

وأخيراً، لئن كان ترامب شخصياً مستعدّاً لتقديم أي شيء للبقاء في منصبه، وتأجيل الملاحقة القانونية بحقّه، حال خروجه من مكتبه، فإن مؤسّسات الإدارة البيروقراطية ستقف في وجهه في تحقيق ذلك. وفي النهاية، إخفاء كلّ من تايس وكمّ الماز جريمة إرهابية قام بها نظام إرهابي، ويجب أن يحاكَم على هذه الجريمة، وغيرها من الجرائم ضدّ الإنسانية التي ارتكبها، لا أن يكافأ من أجل مكاسب انتخابية رخيصة.

=========================

سوريون وخيار الارتزاق

غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 24/10/2020

لا تنحصر صفة الارتزاق بفئةٍ محدّدة من السوريين، فالسوريون (معارضون وموالون)، كلهم سواء في الموت على جبهات بعيدة عن أوطانهم، وتعفن جثثهم من دون حتى أن يصار إلى دفنها، لا ثمن، كما لا حاجة، لمرتزق بعد سقوط البندقية من يده، وأيضا لا عزاء له.

بعد حرب مديدة، أكلت عمران سورية وأعمار ناسها، حرب وصفت بأنها قذرة، بسبب سياسات إدارتها، وهياكل تعبئتها، والإيديولوجيات الرثة التي شكلت محرّكاتها، وصولا إلى تجمد جبهاتها وانسداد أفق الحلول، انفتح البطن السوري على كارثةٍ لا مثيل لها في العصر الحديث: مجتمعات بأكملها تقف على شفير الموت والجوع، بملايين مشرّديها وأيتامها وأراملها، تواجه تحدّي البقاء على قيد الحياة أمام آلة قتل لا تكل، وعالم أدار ظهره للمأساة السورية.

انفتح البطن السوري على كارثةٍ لا مثيل لها في العصر الحديث: مجتمعات بأكملها تقف على شفير الموت والجوع

لا مبرّر للارتزاق، ولا شفيع لأتباعه، وهو عملٌ تدينه القوانين والأخلاق والأديان، ويصعب التعاطف مع المرتزقة الذين يذهبون للقتال على أرض الغير، بعيداً عن أرضهم وقضيتهم. بالأصل، شكّل المرتزقة الذين جلبتهم الأطراف المتصارعة للحرب أحد أسباب نكبة السوريين، فمعلومٌ أن المرتزقة لا تردعهم أخلاق ولا قوانين، وهم أكثر الفئات إجراماً في الحروب، فكيف الحال وهذه الحروب بالأصل قذرة؟

لكن، هل يمارس أحد الارتزاق ترفاً؟ القصص التي تنشرها التقارير العالمية عن الحيوات الشخصية لبعض من التقتهم على جبهات القتال، في ليبيا وناغورنو كاراباخ، تظهر أن هؤلاء من بيئات ريفية أو مدنية، وكانت لهم مشاريع وطموحات بعيدة عن الحرب والقتل، لكنها تحطّمت جميعها وأغلقت كل المخارج في وجوههم، حتى بعد أن تنازلوا عن طموحاتهم التي بدت ثقيلة وسط ظروفٍ قاسية، فأصبحت، حتى مواصلة الحياة بأدنى الاشتراطات والمتطلبات، أمراً ينطوي على استحالة كبيرة. فماذا كان ينتظر العالم من ألف مخيم يحيط بإدلب، لا يجد ساكنوها حتى الخيمة لإيواء لحمهم من برد الشتاء، فضلاً عن مئات المخيمات في لبنان وتركيا والأردن؟ وماذا ننتظر من شخص وجد نفسه معيلاً لأفواه كثيرة، بعد موت أشقائه أو والده، ووجد نفسه في موقع المسؤولية عن تركة ثقيلة لا يستطيع حملها عدّة رجال؟ لا خيارات هنا، فإن لم تبع جسدك للارتزاق سيفنى جسد ابنك من الجوع أو ستبيع زوجتك جسدها ما دامت الخيام لا تنتج خبزاً. وليس الوضع أفضل في سورية المقابلة، الخاضعة لسيطرة مليشيا الأسد، حيث البطالة والجوع وطوابير الإذلال على الخبز، وجيوش اليتامى والأرامل، وسلطة آخر همها التفكير بتأمين ظروف معيشية أفضل لهؤلاء، وانعدام أي إمكانيةٍ للخروج من هذه الأوضاع، وأفق مسدود، سنوات طويلة، بلا مخارج ولا حلول.

ثمّة أسباب كثيرة تقف وراء ازدهار مهنة الارتزاق في سورية، على ضفتيها، المعارضة والمولاة، فهنالك جيل امتهن الحرب ولا يعرف مهنة غيرها، كل الذين كانت أعمارهم بين عشرة أعوام وعشرين عاما لحظة انطلاق الثورة أصبحوا في موقع المعيلين لأنفسهم وأهاليهم، وامتهن أغلب هؤلاء السلاح، وهؤلاء هم أكثرية السوريين، بالنظر إلى التركيبة العمرية في سورية، حيث يوصف المجتمع السوري بالمجتمع الشاب، لأن الفئة العمرية حتى 35 عاما تشكل الأغلبية في الهرم السكاني.

تختلف الحرب في سورية عن سواها من النزاعات والحروب الشبيهة لها، بكثافة المشاركين فيها

من جهة ثانية، تختلف الحرب في سورية عن سواها من النزاعات والحروب الشبيهة لها، بكثافة المشاركين فيها، ويكفي أن نتذكر أن فصائل المعارضة زادت عن مائة فصيل، وأن تشكيلات النظام لم تقل عن هذا العدد، وساهم طول الفترة بدخول أشخاص عديدين وخروج مثلهم، وحتى الذين لم ينخرطوا مباشرة في القتال كانت معيشتهم تعتمد على اقتصاد الحرب.

في جميع الدول التي شهدت منازعات وحروبا داخلية، كولومبيا وهندوراس وكمبوديا .. إلخ، كانت قضية إيجاد حل وبدائل للمشاركين فيها تمثل أعقد القضايا، وذلك أن إعادة تأهيلهم للحياة المدنية، وإدخالهم ضمن الأنشطة الاقتصادية، وتأمين فرص عمل لهم، تكلف مبالغ طائلة، في ظل توجيه الجزء الأكبر من الموارد والمساعدات إلى إصلاحات البنى التحتية. وفي سورية، لا بنى تحتية ولا إعادة تأهيل، ولا مصالحة مجتمعية، ولا حل سياسي، فتدبر أمرك ما استطعت.

تكمن المشكلة في تحول عملية الارتزاق إلى منظومة عمل كاملة، سوق فيها عرض وطلب، مع ازدهار المشاريع الجيوسياسية والحروب الإقليمية

ولعل المشكلة في هذه الحالة تحوّل عملية الارتزاق إلى منظومة عمل كاملة، سوق فيها عرض وطلب، مع ازدهار المشاريع الجيوسياسية والحروب الإقليمية، ووجود أعداد هائلة من ممتهني الحرب العاطلين من العمل، وتشكّل شبكاتٌ لاستثمار هؤلاء وزجّهم في الحروب والصراعات، من أمراء الحروب والمتنفذين، وأكثر من ذلك مؤسسات دول، ومصالح سياسية واقتصادية، الأمر الذي يصعب إمكانية كسر هذه الدورة الجهنمية لعملية الارتزاق، وسط حالة من الإحباط وانسداد الأفق.

ليس الارتزاق سوى أحد مظاهر الأزمة السورية، والتي يصعب حلها من دون إيجاد حل كلي للأزمة، حل سياسي ينطلق من معالجة جذور الأزمة، فقد ثبت أن الحل الروسي لم يجن سوى مزيد من الأزمات للوضع السوري، وترك روسيا تكمّل مسارها الذي بدأته منذ عام 2015، يعني إعطاءها المزيد من الفرص لمراكمة الأزمات التي سترتد بالسلب على الأمن الإقليمي والدولي. وإذا كان السوريون هم من يدفعون الأثمان الكبيرة، فلن يكون الآخرون في منجىً عن هذه الارتدادات، حتى لو اعتقدوا ذلك.

=========================

موقفنا : رجال اللحظة .. الرجال .. الرجال الذين ينتظرهم المشهد السوري

زهير سالم

مركز الشرق العربي

30/ 10 / 2020

وقال أبو الطيب :

يرى الجبناءُ أن الجبن حزم ..

وقال :

على قدر أهل العزم تأني العزائم ..

ويظن بعض الناس أن الإنجاز إنما يتحقق دائما بفعل "الألف ألف" من الرجال أو من المال ... وإن يظنون إلا غرورا. وقد فنّد ابن خلدون في مقدمته أسطورة أن يسير أو بسيّر جيشٌ " بألف ألف " تفنيدا عقليا موضوعيا وأسقطه ونفاه ، ونسبه إلى المبالغة التي يألفها عامة الناس.

وفي كثير من محطات التاريخ يكون النصر للقلة الواثقة المؤمنة الصابرة المحتسبة. و " كم " في قوله تعالى ( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ) هي كم التعجبية التي تفيد التكثير ، وليس كم الاستفهامية التي تسأل عن الكم العدد ..

وعنوان هذا المقال " رجال اللحظة " مقتبس من محطة من محطات تاريخ التأسيس لأمريكا الحديثة ، في حرب استقلالها ضد عسكر الإمبراطورية البريطانية العظمى .

 في "كتاب الحلم والتاريخ ، يذكرنا الكاتب الفرنسي " كلود جوليان " أن ثورة تحرر الأمريكيين ضد الإنكليز بدأت في لحظة ، برجال تجمعوا في لحظة ، وتواثقوا على ميثاق في لحظة . سبعون رجلا من الأمريكيين تجمعوا في لحظة واحدة من لحظات صنع التاريخ ، تاريخ الولايات المتحدة ، وسموا أنفسهم لحظتها ، رجال الدقيقة " minutemen " ثم وضعوا لأنفسهم ميثاقا تواثقوا عليه ، ثم خاضوا حربهم حرب التحرير تحت لوائها حتى انتصروا فيها ....

 أحكي هذا فقط لأسهل الأمر على الذين يستعظمونه ويتهيبونه من رجال الساحة الممسكين باللحظة والساعة واليوم والشهر والعام من السوريين.. أخاطبهم على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم ، وأن الأمر، على عظمته ومشقته ، ليسير على من يسره الله عليه ؛ فهلموا إلى العمل أيها العاملون...

والجبن ليس حزما ، والتردد ليس رأيا ، والإحجام ليس قرارا ، والتشاغل، والناس يعقدون عقد إعدامنا، ليس بخيار الراشدين..

ولو صار الأمر لأعداء الإنسان لقتلوا في سورية كل من يفكر ومن يقدر ومن يدبر ومن يوقر ( وسحلوا / 1980 أحد زملائنا من مدرسي اللغة العربية على قفا رأسه من بيته في الدور الخامس ، وهو يقول لهم : ويحكم أنا بعثي .. أنا رفيق .. ومات البعثي الرفيق من الرطمة على الدرجة العاشرة أو العشرين .... يقول له الفدم الغليظ من كتبكم جاءنا البلاء !! قائمة الحُرم على الكتب الممنوعة سقطت في الفاتيكان في ستينات القرن الماضي ، وكانت أطول قائمة حُرم على الكتب في العالم وتليها قائمة زمرة الأسد وما تزال معلنة حتى اليوم ..

سوريتنا اليوم .. عروبتنا اليوم .. إسلامنا اليوم ، ينادون علينا : وأنا على ظهر الغول .. والغول بدو يأكلني ..

ويا هند ويا هنود .. ويا مسك .. ويا عود .. أخوكِ المسكين .. سنّوا له السكاكين ..

رجال الدقيقة ، يجتمعون في دقيقة ، يحددون ما يريدون في دقيقة ( لا لتّ ولا عجن ) ويصنعون التاريخ في دقيقة ..وتنتصر القلة القليلة على الكثير المدججين في لحظة ، ومهما طالت هي لحظة ، وهكذا نقول يوم اليرموك ، ويوم القادسية ، وما هي بيوم بل أيام طال فيها الصراع وحمي الوطيس .

في تاريخنا الإسلامي صور كثيرة للرجال والنساء ..من رجال ونساء اللحظة، الرجال الذين تصنعهم اللحظة بكل معطياتها وتحدياتها وكيفما تقلبت بهم الحال ..

في بيعة العقبة الثانية اجتمع للحظة سبعون رجلا وامرأتان ..

وكان خالد بن الوليد رضي الله عنه يوم مؤتة "رجل اللحظة " وهو يدبر لانسحاب المسلمين المشرف من المعركة ..

واسترفد عمروُ بن العاص في فتحه لمصر عمرَ بن الخطاب رضي الله عنهما ، بأربعة آلاف رجل ، فرفده بأربعة رجال ، قال : هم خير لك من أربعة آلاف ، وقد آثرتك بهم على نفسي . فكانوا مع عمرو رجالَ اللحظة الذين أنجزوا الفتح وقعّدوا للإدارة والثاني أصعب وأكثر تعقيدا ..

وفي فتوح الشام ..

في اليوم الأول من معركة اليرموك ، ضغط الرومُ المسلمين ضغطة شديدة ، حتى قيل انكسروا ؛ فلما أصبحوا من غداة ، وقف سيدنا عكرمة وسط الناس ونادى : من يبايع على الموت ، فبايعه سبعون من فرسان المسلمين ، فحفروا لأنفسهم في الأرض ، وانغمسوا فيها كل واحد حتى منتصفه ، لا يمر فرسان العدو إلا على جثته ، حتى ردوا هجمة الروم الأولى وكانت الكرة من بعد للمسلمين..

رجال الدقيقة أو رجال اللحظة ، ليسوا بالعدد الكثير، ولا بالعدة الوافرة ، ولكنهم رجال الرأي والحزم والعزم والتفكير والتدبير والمبادرة والإقدام؛ شعارهم دائما : لا يركنن امرؤ إلى الإحجام .. يوم الوغى متخوفا لحمام

وفي علم الإدارة يقررون : أن اللاقرار أسوأ قرار . والصمت ليس درعا ولا حصنا يحتمي به العاجزون . والانتظار بمنعرج اللوى موقف المغرورين :

أمرتهمُ أمري بمنعرج اللوى .. فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

أتذكر في ستينات القرن الماضي وعدد تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في حلب بعد إعادة تأسيسه لا يتجاوز العشرات – ولعله سر أكشفه – وكنا نشاغل النظام وأجهزته المدججة في المدرسة والجامعة والدائرة والحي والمسجد والصحيفة ..

وأتذكرنا في السبعينات ، في حلب التي أعرف نحو – 200 نقيب – فقط ونهزم قوائم حافظ الأسد في الانتخابات، وننصر قائمتنا الشعبية في المدينة والريف ، وكان الرائد أو المقدم عادل حج مراد الناصري في قائمتنا الشعبية مع الدكتور زين العابدين خير الله، والشيخ إبراهيم سلقيني وآخرَين، ويضيق الطاغية بأنشطتنا الدعوية والفكرية والثقافية حتى لا يدري هو وأجهزته الأمنية كيف يموء ، فيعتقل ويسجن ويتهدد ..

ليس سرا أن أكشف للسوريين أن جماعة الشيخ مروان حديد رحمه الله ، ولا أتجمل بادعاء الانتماء إليها ، كانوا فقط عشرات من الرجال سقفهم أصابع يد واحدة ، وشاغلوا النظام وأجهزته الأمنية ومَن وراءها خمس سنوات .. وتركوهم يخبطون خبط عشواء ، مرة يتهمون الكتائب وأخرى يتهمون بعث العراق ، ولولا خرق قدري ، ما علموا من أين تنزل عليهم السهام .. وما أتحدث إلا عن الفترة بين 1975 - 1979

أقرر كل هذا وأنا أرى السوريين في مشهدهم ، مع الكثرة اليوم ، حائرين بائرين :" عيّوا بأمرهم كما عيّت ببيضتها الحمامة "

بعضهم ينتظر جيفري ، وبعضهم يأمل من بيدرسون ، بعضهم يرنو إلى الأمم المتحدة ، وبعضهم ينتظر ما تجيء به موسكو ، بعضهم يحلم بأستانا وبعضهم في الذم والقدح يبدئ ويعيد ..وبعضهم يرى أن المخرج في قواعد العشق العشر أو مواثيق ورقة العشرين ..!!

ومائة سوري من أهل الحزم والعزم يبتدرون اللحظة ، ويتقدمون الركب ، ويقولون للسوريين كل السوريين : نحن فئتكم ..والأسد وزمرته عدوكم، وحين عجز الجن عن إدراك موت نبي الله سليمان ، دلتهم عليه دابة الأرض تأكل منسأته ..!!

وفي البدء كانت الثورة حت وتعرية وقضم ونقض .. وإنما خدعنا من زين لنا غير هذا من شياطين الإنس والأنس

وقد علم أهل الرشد أنهم ما أرادوا بنا خيرا منذ "كردسونا " كراديس وفصائل ، وتحت رحمة طيرانهم مجتمعين ومتفرقين بيّتونا ..ولكل من كراديسنا وقت معلوم ..

انظروا إلى كراديسنا كأن لم تغن بالأمس ، ولم يكن ذلك عن جبن ولا عن وهن ولا من ضعف عزيمة ، وإنما كان من قصور رؤية ، وضعف تدبر ، وقلة تدبير ..

وذهبنا مع المانحين حيث أرادوا فما أغنى عنا الاسترسال مع المانحين .. وما زالوا مع المانحين يسترسلون ...!!

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com