العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01-10-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

1.     

روسيا بعد سنتين في سورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 28/9/2017

دخلت قوات روسية إلى سورية، نهاية سبتمبر/ أيلول سنة 2015، بـ "طلب من الأسد" كما أعلنت موسكو، تحت هدف "محاربة داعش"، بعد أن أعلن الأسد أنه لم يبقَ من قواته ما يسمح بسيطرته على سورية. على أساس أن مهمتها لا تتجاوز ثلاثة أشهر. لكنها لا تزال في سورية بعد سنتين، ولا تزال تشارك في الصراع، وبوحشية. وعادت وأكدت أنها مَنْ حمى النظام من السقوط، وظهر ذلك واضحاً في خطتها العسكرية التي ركزت على المناطق التي لم يكن لـ"داعش" فيها وجود، أي في الشمال والشمال الغربي والوسط ومحيط دمشق وجنوب سورية. بمعنى أن عنوان "داعش" لم يكن سوى مبرّر للتدخل لمنع سقوط النظام، ليس حباً به، بل لأن لروسيا مصالح ومطامح إستراتيجية، دفعتها إلى استغلال لحظة ضعف النظام وإيران بكل قواتها التي أرسلتها، من أجل فرض وجودها العسكري، ومن ثم التحكم بمصير سورية. 

لكن تدخلها لم يعد "تمرينا عسكريا"، بل بات يستنزف اقتصاد البلد، ولم يعد يُظهر قوة روسيا، بل ضعفها بعد أن فشلت في سحق الثورة، وهذا ما دفعها إلى المناورة من خلال سياسة "خفض التوتر"، وعقد صفقات مع الجيش الحرّ في مناطق عديدة، وأيضاً الحوار في أستانة مع من كانت تعتبرهم إرهابيين. استخدمت كل الأسلحة الحديثة، وجرّبت سلاحها المتطور وجيوشها، وقامت بعملية تدمير واسعة، أكملت ما بدأ به النظام. لكنها لم تستطع النصر كما طمح فلاديمير بوتين. وباتت الأشهر الثلاثة سنتين، وربما سنوات أخرى. واعتبار أن تكلفة التدخل هي تكلفة تمرين عسكري، كما أشار، تبخّرت لتستنزف قدرات روسيا التي تعاني من الحصار الأميركي والأوروبي، نتيجة تدخلها في أوكرانيا. وتركيزها على استخدام الطائرات الحربية فقط جرّ إرسال قوات برية و"شرطة عسكرية"، وكذلك شركات أمنية تضم متطوعين ومتقاعدين روسا.

بالتالي، على الرغم مما يظهر من "نجاح"، ومن تهليل لانتصارات، وكذلك من حسم للصراع يكرّس بشار الأسد، فإن سنتين من الحرب الروسية التي لا يمكن أن توصف إلا أنها وحشية، ومستهترة بكل القيم البشرية، وتنحكم لغطرسة تريد إظهار القوة الفائقة والعنف الكبير، سنتين من الحرب لم تسمح لروسيا مدعومة بكل ما أرسلت إيران من قوات، ومن كل صفقاتٍ عقدتها مع دول إقليمية، مثل تركيا والأردن، ومن تحييد لقوى سلفية ضحكت عليها في أستانة، أن تقول إنها أنهت الحرب بتحقيق الانتصار. وما حققته عسكرياً قليل بالقياس إلى ما تسيطر عليه الكتائب المسلحة وبعض المجموعات السلفية، على الرغم من استخدام جبهة النصرة عنصر تخريب يُضعف بيئة الثورة، ويربك الكتائب المسلحة، ويشوّش على دورها.

روسيا، الدولة التي تريد أن تصبح قوة عظمى مهيمنة، وتفرض سطوتها العالمية، وتعزِّز من قدراتها الاقتصادية، لم تستطع خلال سنتين من سحق ثورة شعب، وليس أمامها ليس منع سقوط النظام، بل إسقاط النظام، لكي تستطيع أن تكمل سياستها "المتصالحة" مع الشعب، والتي تقبل بسيطرة الكتائب المسلحة على المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام. وبالتالي أن تُسهم في بناء "دولة جديدة"، بعيداً عن الطغمة التي حكمت، والتي ارتكبت مجازر بحق الشعب، والتي حمتها هي من السقوط لحظة ضعفها وتراجع قواتها.

لكن، في كل الأحوال، لا يمكن أن نتجاهل أن روسيا باتت دولة محتلة، بعد أن فرضت وجودها العسكري، بعقد إذلال وقّعه النظام يسمح بوجود قاعدة بحرية مدة 99 سنة، وجوية مدة 49 سنة، وبالتالي سمحت بوجود عسكري طويل الأمد. بالتالي، تعيد روسيا عصر الاستعمار، بعد أن تحققت "تصفية الاستعمار" بُعَيْد الحرب العالمية الثانية، وهي تفرض وجودها حتى أكثر مما تفعل أميركا في أفغانستان والعراق.

لم تنتصر روسيا بعد سنتين من الحرب القذرة والوحشية، ولن تنتصر. وستكون "تحت مرمى الشعب"، لكونها باتت دولة احتلال، دولة محتلة لسورية في عصرٍ انتهى فيه الاستعمار.

2.    ========================

معركة عبثية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 28/9/2017

ما أن أعلن كردستان العراق، مسعود البارزاني، أن حدود كردستان سترسم بالدم، حتى تغير كل شيء في تفكير (وممارسات) أطراف كردية، كانت تبدو على خلافٍ شديد بعضها مع بعض، وتقاربت مطالبها وممارساتها، حتى مع ما يسعى إليه حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، من دون أن تتوقف عن اتهامه بالعمل لتحقيق أهدافه بالدم.

وفي حين كان طموح أحزاب سياسية كردية يتركز على المواطنة المتساوية في دولة ديمقراطية، فإنها شرعت تتحول عن طموحها إلى نهج يقوم على استحالة تعايشها مع نظام تديره أغلبية عربية، والسبب وجود أرض كردستانية في سورية للكرد الحق في إقامة دولة خاصة بهم عليها، وفي تحريرها من "مستعمريها السوريين من خلال عملية تقرير مصير، لا يحق لهؤلاء المشاركة فيه، لكونهم مستعمرين، وتقرير المصير هدفه الانفصال عنهم".

يقول هذا التحول عن النهج الديمقراطي إلى نهج باستحالة التعايش مع العرب الإرهابيين والمتطرفين مذهبيا بطبيعتهم، والدعوة إلى استخدام الدم في رسم حدود كردستان، يؤذنان بانفجار صراع كردي عربي، يعتقد بعض قادة الكرد، من أمثال صالح مسلم، أنهم كسبوا جولته الأولى، لكونهم يخوضون، من جهة، معاركهم الحالية بدعم أميركي، يمكنهم من تحرير كردستان الغربية التي فاضت عن جميع حوافيها، وبلغت اليوم قرابة ربع مساحة سورية، وتضم مدنا وبلدات وقرى تخلو من أي وجود كردي، ويستغلون، من جهة أخرى، فرصةً ذهبيةً يتيحها لهم الصراع الداخلي السوري/ السوري الذي يمنحهم الوقت الكافي لفرض أمر واقع لن يتمكّن أحد من تغييره، ستوطده قوتهم العسكرية المتنامية والمحمية بالطيران الأميركي، ومؤسسات دولتهم الجديدة التي تستبق انتهاء القتال في سورية، فإن استعادت دولتها من جديد وجدت نفسها أمام أمر واقع، سيكون صعبا عليها تغييره.

ومع أن واشنطن أعلنت، مرات، أنها لا ترى حلا للمشكلة الكردية خارج الإطار السوري، فإن من كانوا يطالبون من الكرد بالمواطنة المتساوية والدولة الديمقراطية شرعوا يتبنون خطا 

"من الحكمة أن يراجع كرد سورية موقفهم من وطنهم ويتخلوا عن سياسات التحريض ضد العرب" سياسيا يبزّ، في تطرفه، خط أتباع زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، الذين وفد معظمهم إلى"معركة تحرير كردستان سورية ورسم حدودها بالدم" من العراق وإيران. وقد قدم هؤلاء الذين يزعمون أنهم ضد حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) تصورا للفيدرالية، يقوّض تماما الدولة الديمقراطية المنشودة، ويضعفها إلى درجة منح الكيان الفيدرالي حق النقض ضد قراراتها، من دون أن يكون لها، في المقابل، حق الاعتراض على قراراته.

وقد أملت هذا التوجه نزعة مقلقة، تخلت عمّا كانت تركز عليها من مطالبة بالمواطنة المتساوية في دولة ديمقراطية، ومالت، بعد أن ثار الشعب السوري، مطالبا بالمواطنة والدولة الديمقراطية، إلى برنامج محض قومي، استهدف حشد كل من ليس عربيا من السوريين ضد أغلبيتهم العربية، المشكوك في ديمقراطيتها والمتهمة بالداعشية والإرهاب، والتي وضع معيار وحيد للتعامل مع ديمقراطييها، هو موافقتهم على الخطاب الكردستاني ومطالبه الدولوية، وتجاهل أن هذا الخطاب لم يتحدث إطلاقا عن "كردستان سورية"، قبل توجيه مسعود البارزاني الدموي. وقع هذا الانزياح القومي بعد الثورة، عندما صار الحل الديمقراطي لقضايا مكونات الجماعة الوطنية السورية ومشكلاتها أمرا مفروغا منه، ولم يعد أحد يتنكر لحقوق الكرد أو يرفض الوصول إلى حل يرضيهم، بما في ذلك التفاهم على النظام الفيدرالي، على الرغم من أنهم ابتعدوا عن الثورة، وامتنعوا عن وضع أيديهم في أيدي بقية السوريين (حتى لا أقول شعبهم، فهذه الكلمة أصبحت ملعونة عند معظمهم)، في صراعهم ضد النظام الذي اضطهدهم، على أن يتلازم التفاهم على الحل مع حوار وطني عام حول مستقبل سورية، ونمط دولتها، وتحدّد التزامات كل طرف حيال إقامته، ويعلن ما يتم الاتفاق عليه التزاما وطنيا. بما أن قادة الكرد يعرفون تماما أن هناك التزاما بحقوقهم، فان السؤال الذي حير أنصارها من الديمقراطيين هو: لماذا يقاتلون، أو يدعمون القتال، من أجل نيل شيء يستطيعون الحصول عليه بلا قتال، إذا كان هدفهم هو حقا الفيدرالية؟ ألا يعتقدون أن قتالهم يضمر مغامرةً غير مضمونة النتائج، تكمن في أنه قد يضعف فرص بلوغ حقوقهم؟

واليوم، يواجه كرد مسعود البارزاني، قبل غيرهم، تحدي رسم حدود "كردستان" بالدم، ويواجهون موقف العالم من مشروعه الذي يلغي اعترافا دوليا شاملا بحقه في توسيع الإدارة الذاتية التي منحها صدام حسين للكرد، يعطيه الحق في امتلاك جيش وموازنة وعملة وعلاقات خارجية، يشرعن وجودها في العراق ما يفتقر إليه كرد سورية: عدد كبير ومتجانس نسبيا من السكان، جغرافيا مندمجة يعيشون فيها منذ فترة طويلة، وتضحيات قدموها على امتداد قرن. وفي المقابل، نظام مركزي مفرط، طائفي وفاشل، يوافق العالم على تقليص صلاحياته حيال أربيل، واستبدالها بصلاحياتٍ أوسع تمنح لإدارتها الذاتية التي سيكون عقابها شديدا، إن وضعت العراق والعالم أمام استقلالها أمرا واقعا، أو توسعت عبر الاستيلاء على مناطق متنازع عليها مع الحكومة المركزية، أهمها كركوك. ما أن بدأ البارزاني يفكر بـ"النط عن خياله"، حتى ذكّره العالم بأنه عراقي، وعليه التفاهم مع الدولة العراقية على حل مشكلاته معها، وأن انفصاله عن العراق لن يكون مقبولا، بسبب ما سيترتب عليه من دم.

والآن: هل كان البارزاني راغبا في الانفصال، من أجل إقامة إطار دولوي، يلاقي المشروع الكردستاني السوري، ويكون معه نواة كردستان الكبرى؟ أعتقد أن موقف تركيا وإيران موجه ضد هذا الاحتمال. بالمناسبة، أرسلت واشنطن التي تعارض الاستفتاء والانفصال رسالة واضحة إلى كرد سورية، ترفض فيها انفصالهم عنها، وحل قضيتهم خارجها، واندماجهم بكردستان العراق التي يمكنها أن توسع بدورها دائرة حكمها الذاتي، بالارتباط مع الحكم المركزي في بغداد وليس خارجه! لن يذهب الكرد الآن إلى كردستان الكبرى، هذا ما أكدت عليه واشنطن، وهزّت تركيا وإيران والعراق عصاها في وجه من يتوهمون أن في وسعهم إقامتها من الكرد.

في عودة إلى كرد سورية.. لستم عددا كبيرا ومتجانسا من السكان، ولا تقطنون في منطقة 

"كان لينين الداعية الأكبر لحق تقرير المصير كحق انفصال عن كيان دولوي قائم، لكنه ربط هذا الحق بالثورة، بعد قيامها" واحدة وخاصة بكم، ولم تقاتلوا إطلاقا من أجل حكمها ذاتيا. كما أنكم لستم أغلبية سكان المنطقة التي تحتلونها اليوم، والتي لم تكن يوما منطقتكم، بينما تقاتلون من يؤمنون بحقكم في أن يكون لكم كيان خاص في مناطق أنتم أغلبية فيها، لكنه لن يقوم فيها من دون توافقٍ مع الديمقراطية السورية، أو بقوة السلاح والأمر الواقع، وستبين لكم الوقائع أن دمكم لن يرسم حدود "كردستان سورية" لا وجود لها، وأن مسعود يضللكم ويضيعكم، بدل أن يخبركم أن مصلحتكم في سوريتكم، والإسهام في ثورة شعبكم، وأن عليكم وعليه نسيان حدود الدم، لأنه إن حاول هو نفسه رسمها في كردستان العراق هدر دماء أكرادها عبثا، وفقد ما لديه، في ظل اختلال موازين القوى المطلق بينه وبين الدول التي ترفض مشروعه، ولم تغير موقفها منه، على الرغم مما قدمه من تفسيرات له اعتبرته انتقاليا، وغير نهائي، وشكليا، ومجرد استفتاء لن تكون له أية نتائج تنظيمية أو سياسية... إلخ.

سيكون من الحكمة أن يراجع كرد سورية موقفهم من وطنهم، ويتخلوا عن سياسات التحريض وإعلامه ضد العرب، ويتوقفوا عن إحداث تغيير ديمغرافي وجغرافي في ربع مساحة سورية، بعد أن واجه مشروع البارزاني في العراق، بشروطه الأفضل بكثير من شروطهم، رفضا دوليا شاملا بلغ حد التهديد بخنقه اقتصاديا أو عسكريا. وليفهم كرد سورية أنها لن تقسّم، ولن يكون في وسع كرد إيران وتركيا تقطيعها والاستيلاء على خمس مساحتها، ومن الأفضل لهم، ولجميع السوريين، الدعوة الفورية إلى حوار وطني، يحدد شكل الدولة السورية المطلوبة، ويضع قدراتهم، بعد تعريف حقوقهم والالتزام الوطني بتحقيقها، في خدمة رحيل النظام وقيام الدولة الديمقراطية، التي تعدهم بما لن يحققه لهم أحد غير شعبهم: العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية!

كان لينين الداعية الأكبر لحق تقرير المصير كحق انفصال عن كيان دولوي قائم، لكنه ربط هذا الحق بالثورة، بعد قيامها، حين قال: علينا أن ندعم، كثوار، حق أي شعب في تقرير مصيره حتى الانفصال، وعليه أن يتخلى عن حقه في الانفصال، ليسهم في ثورةٍ تمنحه جميع حقوقه. وبالمناسبة، يضيف لينين: من حقي أن أنفصل عن زوجتي، لكنني لا أمارس حقي هذا، لأنه يضر بي.

3.    ========================

موقفنا : سورية .. ثلاثة أعوام على الاحتلال الأمريكي عامان على الاحتلال الروسي .. محتلان والهدف واحد .. زهير سالم

26 / 9 / 2017

مركز الشرق العربي

في مثل هذه الأيام من ( الثالث والعشرين من أيلول ) عام 2014 ، أعلنت الولايات المتحدة تشكيل تحالفها الدولي بدعوى حرب داعش . وطارت في غضون ساعات إلى العراق ثم سورية لاستنقاذ بضعة آلاف من أهل خاصتها من السوريين ، الذين قيل إن ( داعش) تحاصرهم وتخطفهم ، وفي فيلم هوليودي ، سيء الإخراج تبيعهم نساءهم بالمزاد ، أو تتسرى بهم ..

وفي مثل هذه الأيام أيضا ( الثامن والعشرين من أيلول ) من عام 2015 ، قام المحتلون الروس بإنزال بحري وجوي على وطننا سورية ، ثم ليمارسوا خلال سنتين من تاريخ الاحتلال وحتى يوم أمس ، ومع شركائهم الأمريكيين ، كل ما مارسه البرابرة عبر التاريخ من قتل وتهجير وتدمير.

ومع إيماننا بقدر الله الغالب ، وبإرادة الشعوب التي هي من إرادة الله ، نبدأ بالقول ، ليس فخرا للولايات المتحدة الأمريكية ولا لحلفائها ، وليس فخرا للاتحاد الروسي ولا لأدواته من الإيرانيين أن يفخرا ، وهم  الدول الأعظم في العالم ، بالانتصار على شعب مستضعف ، خرج ثائرا ينشد حقه في الحرية والكرامة والإنسانية .

بل سيظل ما جنته دول الاحتلال على نفسها في هذه الحرب القذرة ، لطخة عار في تاريخها الإنساني والقومي ، يلحقها بمرتكبي المحارق البشرية ، وحروب الإبادة الجماعية الذين يجللهم الخزي والعار على مر التاريخ. وسيظل يقترن اسم أوباما وترامب وبوتين بأسماء من مثل النمرود وفرعون وذي نواس وجينكيز خان وهولاكو وهتلر وموسوليني وستالين وأكابر المجرمين في التاريخ البشري على المستويين الديني والمدني على السواء ..

لن نقدم هنا ثبتا بالإحصائيات الإنسانية المروعة لمخرجات الاحتلالين الأفظع في تاريخ القرن والعشرين . وسنترك للجمعيات ذات الاختصاص أن تتحدث عن أعداد المدنين من الرجال والنساء والولدان الذين اغتالتهم طائرات المحتلين ، وقذائفهم وأسلحتهم المحرمة دوليا . سنترك للجماعات المدنية أن تشرح  كيف تحولت المدارس والمساجد والمعاهد والمستشفيات والمخابز والأسواق إلى أهداف استراتيجية لأعتى آلة حربية في القرن الحادي والعشرين ..

وسنترك لخبراء القانون الدولي أن يقرروا حجم الجناية الإنسانية والقانونية المترتبة على تحويل المحتلين الروسي والأمريكي وحليفتهما إيران ، وطننا سورية (إنسانه وعمرانه ) إلى حقل تجريب لأسلحتهم الاستراتيجية . سنترك للخبراء الاستراتيجين أن يحصوا في سياق متسلسل كم التصريحات التي صدرت عن قادة تلك الدول يتفاخرون بتجارب أسلحتهم الناجحة ، ورواج سوقها بعد تجاربهم المجدية في لحم أطفال سورية .

ولن نكرر هنا معادا في الحديث عن الفزاعة ( داعش ) التي صنعوها ليقتلوا السوريين بذريعتها ، بعد أن ظهروا في المشهد الأخير يتبادلون حمايتها ، وتغطية انتقالها ، أو يتقاذفون الاتهامات بدعمها وتأييدها والحدب عليها .

لن نبدئ ونعيد في الحديث عن الكذبة الكبرى ( الحل السياسي ) الذي كتبوا بنوده بمداد من دم أطفال سورية المغلوبين ، بحسب حديث وكيلهم علينا السيد ديمستورا الرجيم ..

وإنما في الذكرى السنوية الثالثة والثانية للاحتلالين سنركز على نقطتين اثنتين : الأولى الطبيعة الطائفية المنغلقة للاحتلالين والمستهدفة للسواد العام للشعب السوري المتمثل في العرب المسلمين السنة ..

فالاحتلال الأمريكي الذي وجد بغيته في فئة من أقلية عرقية ، فراهن عليها. وربط مشروعه لإجهاض ثورة الشعب الحر الكريم بها . وهو لم  يفعل ذلك نكاية في شعب سورية فقط ، بل نكاية في الهوية السائدة في المنطقة أجمع . إمعانا في التحريش بين مكونات المنطقة ، على خطا بريمر ، صاحب مصطلح ( العرب السنة ) . إن مصطلح (العرب السنة) لم يكن مصطلحا عارضا على لسان مسئول عسكري ، وإنما كان تعبيرا عن استراتيجية راسخة في دفاتر أصحابها ومقرراتهم .

خلاصة الأمر أن الاحتلال الأمريكي وجد بغيته في التحالف  مع فصيل شيفوني مصنف إرهابيا في المعايير الدولية والأمريكية ، ينتمي إلى ما يعز علينا أن نصفه بالأقلية العرقية ، ضد السواد العام من شعب سورية ، وتطلعاته الجماعية المشروعة إلى العدل والحرية . هذا الاحتلال الذي تملص من تبعاته الكثيرون ، و الذي تتجسد مخاطره ومشروعاته اليوم على أمن ثلاث دول في المنطقة :تركية والعراق وسورية .

وعلى التوازي من الاحتلال الأمريكي المعتمد على جسم أقلوي لمواجهة متطلبات الحرية والكرامة لعامة الشعب السوري ، كان هناك الاحتلال الروسي الذي تأخر عاما كاملا عن الاحتلال الأمريكي ، في الإعلان عن نفسه . والذي كان في حقيقة الأمر سابقا له بمراحل .

كان الاحتلال الروسي هو الآخر يبحث عن مشروعيته تحت عباءة فئوية أقلوية ، ولكن إذا كان الخيار الفئوي الأمريكي قد نحا منحى طائفيا عرقيا ، فإن الخيار الفئوي الروسي قد نحا منحى فئويا مذهبيا ..

إن استعمالنا مصطلح ( فئوي ) في هذا السياق ليس ضربا من الحلية البيانية . إن الذي نريد من هذا المصطلح أن نبرأ عامة الكرد كما عامة العلويين من الانزلاق في مستنقع الخيانة والعمالة والإثم الذي انزلقت فيه الزمرة الأسدية من جهة ، ونظراؤهم من أدوات الأمريكي من جهة أخرى.

ولكي نقطع اللجاجة حول الطبيعة الفئوية الأقلوية الطائفية للاحتلال الروسي لسورية نحتاج إلى كتابة دراسة كاملة حول تصريحات قمة الهرم من صناع السياسة الروسية بوتين ولافروف الغارقة في الطائفية ، التي ادعت يوما حماية المسيحية ، وآخر حماية الأرثوذكسية ، وأكدت ثالثة بالفم الملآن أن الروس لن يسمحوا لأهل سورية ( السنة ) بحكمها . في تصريحات معلنة موثقة مؤرخة .

قلنا في البداية : احتلالان وهدف واحد ، وهكذا يتضح لنا وبالدليل ومن خلال التحالف الروسي – الإيراني – الأسدي : أن هدف الاحتلال الروسي كما الاحتلال الأمريكي هو سحق تطلعات الشعب السوري إلى العدل والحرية والكرامة الإنسانية ، في تحالف شرير ظل ينسق خطواته يوما بعد يوم لتحقيق هذا الهدف المريب .

أما النقطة الثانية التي يجب ألا نغفل عنها ، بل التي يجب أن نتحمل مسئوليتها التاريخية كشعب حي ، وكقوى وطنية مسئولة فهي أن المقاومة هي النقيض الجدلي للاحتلال . وبمعنى أكثر وضوحا : حيث يوجد الاحتلال يجب أن تولد فورا المقاومة . وإذا تخلفت أو تأخرت هذه الولادة ، فهذا مؤشر غير صحي يدلل على خلل عقدي أو بنيوي في أي جسم حي يجتاحه جسم غريب . ولو شوكة يشاكها المرء في أصبع قدمه .

وإذا كان أعداؤنا من المحتلين على اختلاف أصنافهم قد استباحوا في حربنا كل القيم الإنسانية ، والقوانين والأعراف الدولية ، فإن من واجب الشعوب المستضعفة أن تعلن التزامها بالقيم الإنسانية والقوانين الدولية ، وأن تتمسك بذلك عمليا ، فإن هذا سيزيد من قوتها ، وسيحشد الداعمين من أصحاب الضمائر الحية خلفها . وقد أعطت الشرائع السماوية والقوانين الوضعية الحقوق كاملة للمستضعف المغلوب للدفاع عن نفسه  وعن عرضه وعن أرضه.

وحين نتحدث عن التلازم بين النقيضين : الاحتلال والمقاومة ، نتساءل بحق : لماذا غابت المقاومة العملية الهادفة عن الساحة السورية حتى الآن؟! مع مضي بضعة أعوام على وجود الغزاة على الأرض السورية ، وكانت بدايتهم عمليا ، مع وجود عصابات حزب الله ؟! 

ربما يكمن بعض الجواب في السياسات ( الاتقائية ) التي اتبعتها دول الإقليم المحسوبة على صداقة الشعب السوري . والتي ظلت حتى اللحظة تضن بصداقتها ، لأسباب تخصها ، مع كلا المحتلين على السواء .

ولكن السبب الأهم لتخلف مشروع المقاومة حتى اللحظة ، هو فقدان فصائل الثورة الحقيقية الرشاقة السياسية والعملياتية التي تؤهلها إلى تغيير استراتيجياتها وتكتيكاتها ووسائلها وأساليبها . فهذه الفصائل التي اندفعت منذ الأيام الأولى في طرق خاطئة ، حيث تم تكبيلها بالسيطرة على مدن وبلدات وقرى وقفار وتلال  وجبال ، لم تكن السيطرة عليها تغني من الحق شيئا ، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى المرابطة في مثل هذه المواقع مع فقدان الجدوى وقلة الغنى .

فقدت الفصائل السورية منذ الأيام الأولى المرشد الناصح . بل إن بعض المحتلين كانوا عن طريق حلفائهم يرسمون للثوار الدوائر الحمر للمفاصل الحيوية التي لا يجوز لها مقاربتها ؛ حتى يهدروا طاقاتهم وقدراتهم في قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ..

بعد ثلاثة أعوام من الاحتلال الأمريكي ، وعامين من الاحتلال الروسي ، وبعد جملة المتغيرات العاصفة في الإقليم وعلى الأرض السورية ؛ ينتظر أن تمتلك الثورة السورية رؤيتها وآليتها لتتحول لحركة مقاومة شعبية تستهدف المحتل وقواه والظالم المستبد ومرتكزاته .

وعلى العاجزين عن مواكبة هذا التحول بكل استحقاقاته أن ينزاحوا من الطريق . وأن يتوقفوا عن أن يكونوا حجر عثرة في طريق المستضعفين. فالمستضعفون بحاجة إلى من يعينهم لا إلى من يعوقهم.

وإذا كانت قوى الاحتلال وقوى الصيال هدفا مشروعا لأي مقاومة فإن المدنيين السوريين على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم هم خط أحمر في فقه الجادين من الثوار الحقيقيين.

لسنا في حرب أهلية وهذه حقيقة سنظل نتمسك بها . نحن في حرب مع المحتلين والغزاة ومع المستبد الظالم وأدواته من الذين يصولون علينا ويريدون بوطننا وشعبنا السوء .

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

4.    ==============================

الثورة السورية وتحديات المتغيرات الدولية .. ميسرة بكور

القدس العربي

الخميس 28/9/2017

إذا كان السمك يأكل السمك، وإذا صح الخبر أن الرياض وطهران في طور التقارب، وإذا كانت انقرة تتحالف مع موسكو، وتعقد الصفقات مع طهران خدمة لأمنها القومي، وإذا كانت حماس تقبل بدولة مؤقتة على حدود 67، فنحن ايضاً سنأكل السمك، وسنبحث عن مصالحنا وعن تحالفات تخدم تطلعات شعبنا وأهدافه.

بالأمس القريب خرج علينا مسؤولون أتراك، بحديث قالوا فيه انهم توافقوا مع الإيرانيين لمحاربة التنظيمات الإرهابية الكردية، وسبق أن صرح رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أنَّ بلاده قد توافق على بقاء الأسد في مرحلة انتقالية تضمن إنهاء شلال الدماء، فمن حقنا نحن أيضًا أن نبحث عن مصالح شعبنا حيث نجدها. ومن حقنا أن نأكل السمك.

للأسف البعض لا يريد أن يقرأ المتغيرات الدولية، وتعجبه حالة اللاحرب واللاسلم القائمة حاليًّا التي تنعكس بشكل سلبي على الأهالي المكلومين، يجب إنهاء هذا الوضع.

حتى لا يصطاد احدهم ويتلاعب بالكلام لسنا ندعوكم للاستسلام. ليكن معلوما لكم هذا.

لكل شيء في هذه الحياة "استراتيجية بديلة"، البعض يقول سنقاتل حتى آخر رصاصة فإذا سألته وماذا بعد آخر رصاصة؟ سيقول لك الموت بكرامة، لكن ثمة خيارا آخر العيش بكرامة.

أيها السادة، أنتم لم تخرجوا بثورة من أجل الموت ولا من أجل الخراب، بل من أجل البناء والتطور، ثورة الحق على الباطل ثورة النور على الظلام، ولم تكن تلكم الحرب اللعينة خياركم بل فرضت عليكم فرضًا.

بالتالي أن اتيحت فرصة للسلام العادل، والانتقال السياسي الكامل بما يضمن العدالة والمساءلة لمرتكبي جرائم الحرب والجرائم بحق الإنسانية في سوريا دون تفريط، فعلينا أن نجنح نحوه.

في بداية الحديث تحدثت عن تغيرات في الحسابات السياسية لبعض الدول التي كانت تدعي وصلا "بالثورة السورية" التي يريد البعض أن يقرأها بعناية تامة.

من هذه المتغيرات الحاصلة على أرض الواقع، الملف السوري لم يعد الملف الأول المطروح على جدول أعمال دول الخليج العربي التي كانت تصر على رحيل تنظيم الأسد – الموقف الأردن ي المنزلة بين المنزلتين أصبح أقرب للتوافق مع تنظيم بشار الأسد. جميعكم يعلم الضغوطات التي مورست على بعض الفصائل العاملة في البادية السورية من أجل الاستسلام والانسحاب إلى الأردن.

وجميعكم سمع بالتصريحات المتكررة لوزير الخارجية الفرنسي حول عدم القبول بشرط رحيل تنظيم الأسد كبداية لحل سياسي في سوريا، وما أعقبه من تصريح وزيرُ الخارجيةِ البريطاني بوريس جونسون ان بلادَه تخلت عن رحيلِ الرئيسِ السوري بشار الأسد كشرطٍ مسبّقٍ لحلِ الازمةِ السورية وأضاف. انه بإمكانِ الأسد دائماً المشاركةُ في انتخاباتٍ رئاسيةٍ ديمقراطيّة. مضيفاً ان رحيلَ الأسد يجبُ أن يكونَ كجزءٍ من عمليةِ انتقالٍ سياسيٍ حسبَ تعبيرِه.

نعتقد أن هناك توافقا دوليا عالميا على ضرورة بقاء الأسد في المرحلة لانتقالية كحاجة فرضتها ضرورة وطبيعة المرحلة بسبب عدم تمكن أو "السماح" للفصائل المسلحة من تشكيل قوة واحدة أو بديل عن ميليشيا تنظيم الأسد.

وأضيفكم من الشعر بيتا، الجميع بات لديه شعور متنام مفاده أن بقاء تنظيم الأسد أفضل من انتصار التنظيمات " الراديكالية" وهو الوحيد القادر على الحفاظ على ما بقي من سوريا موحدة، في ظل تشتت وتنوع الفصائل واختلافاتها السياسية هي الأيديولوجيا.

لو تابعتم الجولة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية الروسي برتبة" جنرال" إلى دول المنطقة والإقليم والطريقة التي تم استقباله بها في معظم العواصم العربية والإقليمية، وركزتم على زيارته الأخيرة لعمان التي كان يتحدث فيها بثقة تامة يفهم من فحواها أن أمريكا وكلتهم بالمنطقة ومشاكلها وعلى الجميع أن يستعد لمرحلة المصالحة مع تنظيم الأسد.

نستطيع إلى حد بعيد القول أن لافروف حصل من عواصم المنطقة على كامل ما تريده الاستراتيجية الروسية في سوريا وهي إعادة استنبات تنظيم الأسد وهو الأفضل من بين الخيارات الأخرى " الراديكالية" التي تعتبر الخطر الحقيقي على الأنظمة القائمة في المنطقة، على حد ما زعم لافروف وصدق البعض.

في ما يخص الفصائل المسلحة الثائرة في وجه تنظيم الأسد، فالخيارات الروسية المتاحة لا تخرج عن " إلقاء السلاح والخروج – الاستسلام والانخراط في جيش تنظيم الأسد في حربه المزعومة على الإرهاب الذي أوجده- أو الموت – وترك شيء من الرفاهية للبعض في الهجرة خارج سوريا وعدم التفكير بالرجوع،لأن عصام زهر الدين سيكون بانتظارهم.

إذا اعتبرت الثورة السورية بشقيها السياسي والعسكري أن خيارها الاستراتيجي هو التفاوض فهنا علينا أن نتوقف ونسأل على ماذا نتفاوض. إذا كان التفاوض على قرارات مجلس الأمن نعتقد أن قرارات مجلس الأمن لا يتم التفاوض عليها فهي واجبة التنفيذ، إنما يتم البحث عن آليات تنفيذية لها.

وعلينا أن نتوقف هنا مرة اخرى لنسأل هل ما تطرحه موسكو مفاوضات أم مباحثات فنية أم "مصالحة" الحقيقة ومن خلال متابعة منشورات قاعدة حميميم الروسية في طرطوس نجد أن ما تطرحه موسكو هو "المصالحة" بالمفهوم الروسي أي الاستسلام مقابل عدم موتكم وإفنائكم جميعاً، أما إذا كانت المعارضة تبحث عن مصالحة، فالسؤال هو على ماذا نتصالح وما هي مقومات هذه المصالحة وما نتيجتها وثمنها السياسي والثوري؟

أعتقد أن الجميع بات يدرك أن ما تطرحه موسكو على الثائرين على تنظيم الأسد هو الاستسلام أو القتل أو التهجير.

بالتالي على من يدعون الزعامة والقيادة والتمثيل الثوري، أن يتعاملوا مع هذه المعطيات ومطلوب منهم أن يجدوا آليات للتعامل مع هذا الواقع وهو الحقيقة المرة التي هي بكل تأكيد أفضل من الوهم المريح.

ما هي خيارات الثورة في التعامل مع هذا الواقع غير المريح، مع التذكير أن الجهات العربية الداعمة أوقفت بشكل كبير دعمها العسكري للفصائل المسلحة، ودعمها السياسي للمعارضة السياسية. وفي ظل ما ذكره المبعوث الأممي إلى سوريا "ديمستورا" التي قال فيها أن على المعارضة أن تدرك أنها لم تنتصر.

إذا كان الخيار الصمود، فعلينا أن نسأل ما هي مقومات الصمود وما هي امكانياتنا و إلى متى نستطيع أن نصمد في ظل وقف الامدادات.

من الصحيح القول أن الفصائل لم تنتصر، ولكنها أيضاً لم تخسر حتى الآن. ويقول المثل الشائع طالما أن السيف بيد الفارس لم تنته المعركة.

واعتقد أن لدى الفصائل امكانية كبيرة في فتح أكثر من "100 جبهة " في وقت واحد وهذا ما يعجز عن تحمله النظام وداعميه، لكن هذا الخيار سيتحقق في حال واحد اتفاق جميع الفصائل على قيادة واحدة، وهذا أمر لا يمكن تخيله وبعد سبع سنين من الثورة لم تفلح الفصائل بذلك.

أما إذا كان الخيار هو الاستمرار في المفاوضات بالقراءة الروسية فعلينا أن نفكر جيدا أننا في الموقع الأضعف وقد تخلى عنا الجميع، بالتالي علينا التركيز على تحقيق أكبر قدر من المكاسب لأن روسيا ماضية في مشروع اعادة تأهيل نظام الأسد بمباركة دولية. لكم في ما قاله المندوب الروسي إلى استانة أن الخطوة التالية ستكون في محاربة كل من يريدون إسقاط تنظيم دمشـق والقضاء عليـهم، درسـا وعبـرة.

5.    ========================

تكتيك الأسد في خدمة الاستراتيجية الإيرانية .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

27/9/2017

يتضح يوماً بعد يوم أن التكتيكات الأسدية في الشام ما هي إلا خدمة للاستراتيجية الإيرانية، فمنذ تصريحات رئيس النظام السوري بشار الأسد في داريا المدمرة بأن سوريا غدت أكثر تجانساً بعد تشريد أهلها من دمشق وضواحيها ومن حمص وغيرها من المدن، يأتي تصريح العميد عصام زهر الدين من الحرس الجمهوري الذي يتوعد بالقتل كل من يفكر بالعودة إلى الوطن، لكن النظام الذي سعى إلى تعديل تصريحاته كون التقية والباطنية السياسية لا تسمح بمثل هذا، وقع هو نفسه في أكثر من هذا حين أرسل زبانيته ليخنقوا عروبة بركات وابنتها حلا بركات ثم يطعنونهما بالسكاكين حتى الموت في شقة من شقق اسطنبول ..

الاستراتيجية الإيرانية الواضحة والفاضحة والناطقة يومياً بعشرات الأدلة والبراهين هي المسُّ بجغرافية الديمغرافيا، وهندستها بما يتوافق مع طائفيتها وفارسيتها اللتين تسمح لهما بالعودة إلى الإمبراطورية الساسانية التي بشر بها قادة الثورة الإيرانية أخيراً..

ما تفعله وتمارسه إيران هو الإحلال الوجودي وتغيير الحمض النووي للشام والعراق واليمن، وقد تجلى ذلك بمراسيم عاشوراء في دمشق وحلب، وبرفع الرايات الطائفية على أعرق مساجد دمشق وحلب، ومواصلة زرع المراقد الطائفية في المدن الشامية، فضلاً عن تدمير حواضر السنة التجارية وهو ما يعني تدميراً لمصادر العيش السني في الموصل والرقة ودير الزور وحلب وغيرها...

ما يفعله النظام السوري هو التكتيك، وهو يعلم أكثر من غيره أنه لم يعد له وجود، وساعة تنسحب المليشيات الطائفية عن الشام سنرى انهياراً مخيفاً لهذه العصابة الطائفية، وكل الدراسات الغربية والشرقية تؤكدان ذلك، ووجود هذه العصابة في الحكم ما هو إلاّ ذريعة يستخدمها الاحتلالان الإيراني والروسي لبقائهما في الشام، ولذا فهو التكيتك والاحتلال الروسي والإيراني هو الاستراتيجيا، هكذا كان العبيد، وهكذا كان خدم ومطايا الاحتلال وهكذا كان المحتل على مدى الزمان والمكان..;

========================

6.    مسار أستانة ونهاية جبهة النصرة .. عمار ديوب

العربي الجديد

27/9/2017

أنهى الاجتماع السادس لمسار أستانة تحديد مناطق النفوذ في سورية، باستثناء التحديد الدقيق لوضع مدن شمال سورية وشرقها؛ طبعاً هناك تسريبات تقول إن المناطق التي فيها أغلبية كردية ستخضع لسيطرة أميركية وكذلك شرق الفرات وغربه من حصة الروس وحلفائهم، والمناطق الواقعة تحت سيطرة النظام ذاته ستكون من حصة روسيا وإيران. إدلب مشمولة إذاً ضمن مناطق النفوذ، وهذا معلنٌ قبل الاجتماع السادس. عقدةُ سيطرة جبهة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) لم تحلّ بعد، على الرغم من كل المحاولات التي بذلتها دول إقليمية، لتجنيب المدينة من دمارٍ يُشبه بقية مدن سورية، ويعطي للحركة ذاتها مخرجاً يمنع سحقها بالكامل. أنهى مسار أستانة استقلالية المدينة، وأصبحت تحت سيطرته، وترافق هذا الأمر بانفكاك عدد كبير للتنظيمات المتحالفة مع جبهة فتح الشام ضمن هيئة تحرير الشام، بل إن قياديين مثل مصلح العلياني وأبو صالح طحان وعبد الله المحيسني خرجوا من الجبهة. ودلالة هذا الأمر واضحة، وهي أن المعطيات الإقليمية والدولية تغيرت، ولا بد من ملاقاتها قبل السحق وخسارة كل شيء.

كل المحاولات مع جبهة النصرة، والتي لاقتها بتغيير اسمها إلى جبهة فتح الشام فقط، لم تُفهمُها أن الحرب في سورية تكاد تضع أوزارها، وأن الممكن الوحيد أمامها هو أن تصبح حركة سوريةً ووطنيةً، وتتحالف مع بقية الفصائل السورية والعمل ضمن خيارات التدخل الدولي لإنهاء الحرب، أي ضمن خيار أستانة أو جنيف، أو ضمن مؤسساتٍ مثل الهيئة العليا للمفاوضات وسوى ذلك. إذاً لم يعد ممكناً التغريد خارج السرب، فالروس بالتحديد هم من أنقذ النظام، والأميركان متحالفون معهم، وهناك قرارات دولية تقول إن جبهة النصرة تنظيمٌ إرهابيٌّ، وموفد الولايات المتحدة إلى سورية، مايكل راتني، يكرّر في بياناته أن جبهة النصرة ومهما غيّرت اسمها فهي جبهة النصرة، وسيُسحق كل من يتحالف معها.

ناورت "فتح الشام" منذ سيطرتها على إدلب في سبتمبر/ أيلول 2015، فتارةً أقامت "جيش الفتح"، ثم شكلت هيئة تحرير الشام، وحاولت التعاون مع الفصائل في السيطرة على إدلب، 

"يجب محاكمة النظام والمعارضة على التفريط بأهداف الثورة من أجل سورية أفضل" وأقامت إدارةً مدنية تُشبه "مجلس محافظة"، ووزعت المسؤوليات فيها مع بقية الفصائل، وكلما حوصرت تناور، حتى وصلت أخيراً بدفع بعض قياداتها والمقرّبين منها إلى عقد المؤتمر السوري العام، والذي ستنبثق عنه حكومة في إدلب، وليست مرتبطة بالحكومة المؤقتة للمعارضة، وحشدت من أجل ذلك كل طاقاتها لإفشال قرارات مسار أستانة، ولسحب الغطاء من تحت الفصائل المشاركة فيه، ولم تكتفِ بذلك، بل أعلنت معركة حماة "يا عباد الله اثبتوا" في 19 سبتمبر/ أيلول، فارضة المشاركة على بعض الفصائل الضعيفة والموجودة في مناطق "معركتها"، مثل جيش العزة والنصر، وتريد من ذلك كله ابتزاز الفصائل تلك، وإعادة الفصائل التي انفكّت عنها، والتي تزيد عن ستة، وهي كثيرة العدد (حركة نور الدين، وجيش الأحرار، وكتائب ريف حماة، وقوات النخبة..)؛ إعادتها بحجة محاربة النظام "الكافر"، وطبعاً لن تشترك تلك الفصائل، وبالتالي تصبح الحرب واقعة بين جبهة تحرير الشام وتلك الفصائل وكل الفصائل التي سحقتها "النصرة" وآخرها "أحرار الشام"، وبالتوافق مع تركيا وروسيا، وربما دول أخرى.

في هذا الوقت، تقدمت تركيا بآليات عسكرية عديدة، إلى الحدود مع إدلب، وهي تتعاون بالتأكيد مع الفصائل المنفكة و"أحرار الشام" والفصائل التي استولت جبهة النصرة على مناطقها، بحجة أنها تتعاون مع أميركا. عدا ذلك، كان رد فعل روسيا على المعركة قيام طيرانها بتدمير واسع لمرافق حيوية كثيرة من مشافٍ ومدارس وأفران في ريف حماة وإدلب؛ وتقول العوامل السابقة بشيء واحد، أن الفصائل المحلية أصبحت مستعدة للتعاون مع "الشيطان" ضد فتح الشام، وأن الأهالي أيضاً أصبحوا مستعدين لكل الخيارات، للتخلص من "طغاة ومستبدين جدد باسم الدين" كهؤلاء.

إذاً، لن تنجح جبهة النصرة في محاولاتها البراغماتية الغبية، فهي لا تعادي فقط "بلدان الكفر"

"سورية، بوضعيتها الراهنة وعبر الجهاديين، أصبحت دولة مُحتلة" والنظام، وكذلك المعارضة والأهالي، وأيضاً لا تستجيب للدول الإقليمية، وبالتالي الحرب التي تضع أوزارها لن تترك "فتح الشام: إلا جثة مثل "داعش". وقد فهمت الفصائل هذا الدرس جيداً، والتي أُجبرت، ولأسبابٍ شتى، على الدخول إلى مساري أستانة وجنيف.

في مسار أستانة، ليست فقط الحركات الجهادية، مثل "داعش" وجبهة النصرة، ستخسر، بل وكل السوريين؛ فإذا كانت هاتان المذكورتان مثلا قد استخدمتا كأوراق للتدخل الدولي، عبر ائتلاف أميركا والتدخل الروسي وكل أشكال التدخل، فإن مجريات الأوضاع قادت إلى انتهاء قوى الثورة وكذلك النظام. أقصد أن سورية، بوضعيتها الراهنة وعبر الجهاديين، أصبحت دولة مُحتلة، وفيها مناطق نفوذ لدول إقليمية، وسيتم تشكيل نظام سياسي قادم يخدم هذه المعطيات. وبالتالي، مسار أستانة ونهاية جبهة النصرة و"داعش" هي بمعنى ما نهاية كاملة لسورية القديمة.

كانت الثورة تريد حياة أفضل؛ ساعد الجهاديون النظام من أجل التخلص منها. منعت قوة الثورة الجهاديين والنظام من السيطرة الكاملة، فكان التدخل الخارجي وتدمير سورية. لم تنته معركة السوريين بعد، فما تتشكل عليه سورية حالياً يقول باحتمال تجدد حركات جهادية جديدة، ولكن باندلاع حرب عصاباتٍ كذلك. وفي كل الأحوال، يقول الدرس السوري إنّه يجب محاكمة النظام والمعارضة على التفريط بأهداف الثورة من أجل سورية أفضل، وضرورة تشكيل حركات سياسية وطنية جديدة، ترفض كل الأسباب التي أوصلت سورية إلى ما هي عليه حالياً.

ستغرق سورية الغارقة بالأزمات أكثر فأكثر فيها، وأكذوبة إعادة الإعمار المتداولة في الأخبار تمّ الحديث عما يشبهها في العراق ولبنان وأفغانستان؛ الدول الأخيرة هذه مثال أمامنا، وبالتالي ما سيُخرج سورية من كوارثها هو الحركات الوطنية، أي في نهاية الحرب والتشكيلات الجهادية سيكون أمام السوريين مهمة إعادة تشكيل سورية الجديدة، وهذا غير ممكن من دون تلك الحركات.

7.    ========================

عن سوريا المتجانسة الى اشلاء ..نضال معلوف

 سيريا نيوز

27/9/2017

عندما خرجت ماري انطوانيت الى الجموع الثائرة خلال الثورة الفرنسية وقالت ” إذا لم يكن هناك خبزاً للفقراء, دعهم يأكلون كعك” اعتقدت بان الشعب متجانس يشبه مجتمعها المحيط بها في القصر.

هل اصبح الشعب السوري متجانس .. ؟ لنرى ..

واذا نظرنا اليوم الى الخريطة ) الاخضر للمعارضة ، الاحمر للنظام ، الاصفر للاكراد ، الاسود لداعش ) نرى بان سوريا اصبحت مقسمة الى مناطق غير متجانسة ( على الاغلب متعادية ) يعيش اهلها حبيسين في مناطقهم ، بمعنى انه لا يمكن لاهل منطقة ما الانتقال الى منطقة اخرى والا عرضوا انفسهم الى الخطر اقلها الاعتقال او الخطف او حتى القتل ..

مناطق الاكراد في الشمال ( اميركا ) ، منطقة درع الفرات ( تركيا ) ، “دولة” ادلب ( معارضة ) ، درعا ، اجزاء من ريف حماة ، القنيطرة .. .. مناطق النظام ( روسيا ، ايران )

وحتى في المنطقة الواحدة الكبيرة المحسوبة كمنطقة تحت سيطرة واحدة من الدول الضامنة عادة ما تكون الاوضاع مضطربة فيها ..

لا يستطيع اهالي معظم الشمال مثلا الذي يقع تحت حكم “الادارة الذاتية” الممثل المدني في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية ( المناطق الكردية )العبور الى مناطق جنوب مجرى نهر الفرات ، الى مناطق النظام او داعش ، ولا يمكنهم ايضا ان يتجهوا غربا الى منطقة “درع الفرات” التي تقع تحت فصائل المعارضة المدعومة من تركيا ..

قبائل دير الزور نفسها ، اصبح هناك ثأر كبير بينهم ، فالقبائل التي انحازت الى الجيش السوري اول ما دخل الى دير الزور في 2011 خرجت من المحافظة مع دخول الجيش الحر ، والقبائل التي ايدت الجيش الحر خرجت مع دخول داعش ، ومع عودة الجيش خرجت القبائل التي اعلنت الولاء لداعش ..

وخلال تغير فترات السيطرة على المنطقة كانت القبائل الموالية للقوى المسيطرة تعمل كـ “شرطي” للقوى العسكرية ضد كل ما هو مختلف عنهم ومنهم باقي القبائل .. فبرزت هناك “تارات” بين هذه المكونات اضافية لما كان موجد قبلا لاسباب اخرى ..

اذا اردنا ان نبقى في الجزيرة السورية ذاتها في مدن مثل القامشلي والحسكة ، اليوم يعيش الاهالي صراعا وجوديا يهدد قوميتهم ودينهم ولغتهم ، فالعرب اليوم يحاولون مقاومة “التكريد” والسريان يقاومون سلطة الاكراد ويحاولون انتهاز الفرصة ليأخذوا ما لم يستطيعوا اخذه من العرب قبلا بتدعيم “الهوية السريانية” والمطالبة بحقوقها التاريخية واولها اللغة .. وتستفيق قوميات اخرى مثل ” الاشوريين ” وتبدأ حراكا لتحافظ على تمايزها وحقوقها في مجتمع بدأ يتشظى الى قطع صغيرة ..

حتى في مناطق الاكراد ذاتها ، تدب فيها الخلافات بين جماعة البارزاني ( الوطني الكردي ) وبين جماعة اوجلان ( الاتحاد الديمقراطي ) وبين كيانات سياسية اخرى هذا اذا تجاوزنا التباينات المناطقية ..

في دمشق ، وصل الشقاق بين اهل الشام الى حد غير مسبوق من الكراهية والثائر ليشمل مناطق بأسرها ، مناطق نجح النظام في ترحيل اهلها بالكامل الى ادلب ومناطق اخرى متسعة لا احد يعرف كيف سيكون الحل فيها ، مثل دوما وحرستا وجوبر وعين ترما ، وفي الجنوب الحجر الاسود واليرموك يلدا وببيلا وبيت سحم ..

هذه المناطق يعيش فيها اهلها معزولين منذ سنوات، فالخروج من المنطقة الى منطقة مجاورة هو رحلة خطرة قد تؤدي الى الموت ..

وفي المقابل اهل باقي المناطق في الشام هم عرضة لهجوم مسلح بالقذائف او الاسلحة او حتى محاولات الاقتحام من قبل الفصائل.

وحتى الاهالي في تلك المناطق ( المعارضة ) الذين عاشوا كل انواع الظلم والحرمان ولم يتبقى في قلوبهم الا الحقد والكراهية .. ماذا لو سنحت لهم الفرصة ودخلوا الى احياء دمشق الاخرى ؟

في قلب دمشق ذاتها ، هناك جمر تحت الرماد بين سكانها الاصليين والوافدين الشيعة الذين يحاولون توسيع ملكهم وسيطرتهم في المدينة القديمة، وبات لهم اليد الطولى والكلمة الاولى على كل سكان المنطقة هناك.

في دمشق ايضا “السنة” حتى هؤلاء الموالون للنظام يبدون عدم الرضى ، والامتعاض من المظاهر المتزايدة لـ “طقوس” الشيعة التي اكتسحت اكثر من مرة شوارعهم ومضت تذكرهم بانهم في وقت قريب يمكن ان يصبحوا غرباء في بلدهم هذا البلد الذي كان عاصمة للأمويين وقبلة للمسلمين ومركزا هاما لعلمائهم على مر التاريخ .. مظاهر بانت وتمددت حتى وصلت الى قلب الجامع الاموي ..

في الجنوب كبر الخلاف والشقاق بين ابناء المحافظتين الجارتين السويداء ودرعا ، وايضا اصبحت العلاقة ثأرية وجودية بينهم ويحاول الحكماء من كلا الجانبين ان يحافظوا على الحد الادنى مما بينهم من علاقات تاريخية تجنبهم الدخول في قتال طويل دامي ..

ماذا عن البلدات والقرى التي اصبحت حبيسة محيطها مثل نبل والزهراء في ريف حلب والفوعة في ريف ادلب ، محردة والسلمية القرى التي تعيش خطرا دائما داهما من المحيط المتربص باهلها ..

اين التجانس في حلب .. ؟ عزاز وعفرين البلدتين التوأمتين اللتان تتوزعان اليوم بين الاكراد ( عفرين ) و الجيش الحر ( اعزاز ) .. دارة عزة ( معارضة ) التي بات قصفها امر روتيني كل يوم من قبل الاكراد ..

ام احدثكم عن التركمان في ريف اللاذقية ، والذين يهددون في كل لحظة اهل المدن الساحلية ..

هل يمكن ان نصدق بان اهل “الصليبة والطابيات ,والرمل الجنوبي.. ” واهالي القرى المهجرة المدمرة مثل سلمى وغيرها في الريف القريب باتو ينظرون الى “اخوتهم” في المناطق الاخرى بعين المحبة والقبول ؟ .. هل بالفعل نسوا ما حصل .. هل فعلا يقبلون بالامر الواقع عن رضى ويشعرون بالعدالة والمساواة ..

هذا اذا تناسينا اعمال الشبيحة والعصابات التابعة للمتنفذين ودوائرهم وعلاقة هؤلاء بباقي الدوائر ، للذي يعرف كيف تسير الامور في مدن الساحل فهي عملية ابتزاز طويلة تمتد عشرات السنين بين قاطعي الطريق اصحاب السلطة وبين سكان المدينة من كل الاديان والطوائف .. واليوم ساء هذا الوضع كثيرا عما هو معروف ..

وفي ادلب امر اخر ، امر لا اعتقد ان مثله مر في التاريخ تلك الفصائل المتناحرة والسكان الذي اتوا اليها مرحلين من كل حدب وصوب ، لتصبح كل بلدة فيها تحت حكم منفصل وربما اكثر من فصيل في البلدة الواحدة التي تلون سكانها وتشكلوا من كل انحاء سوريا.

فيما يحيط بالمحافظة الاعداء .. اعداء حلب واعداء حمص واعداء حماة واعداء اللاذقية ..

ماري انطوانيت القت جملتها الشهيرة ( الكعك بدل الخبز ) ومارست قبلها وبعدها افعالا تنسجم مع جهلها بواقع ما يحيط بها .. وتسببت بشكل مباشر في قيام اعظم ثورة في التاريخ اطاحت بها وقادتها الى حبل المشنقة على مسافة غير بعيدة من المكان الذي القت الخطاب فيه.

8.    ========================

مآلات آستانة 6 وخيارات السوريين في تحديد المصير .. يمان دابقي

كلنا شركاء

27/9/2017

بعد أن استطاعت الدول الإقليمية في إخماد فوهات البنادق السورية عبر مسار آستانة، أصبح لزاماً على السوريين التعاطي مع الواقع السوري من منظور العقل، وتفعيل دور الوعي الجمعي المدني لإجبار المجتمع الدولي النظر لحرية السوريين والتأكيد على أنَّ ثوابت الثورة مسلّمة يستحيل تجاوزها

لم تمضي ساعات قليلة على نهاية الجولة السادسة من آستانة في 15 من الشهر الحالي، حتى سارعت الحكومة التركية إرسالها تعزيزات عسكرية تتضمن دبابات، ومدرعات وقوات خاصة تركية، انتشرت في ولاية هاتاي التركية الحدودية مع محافظة إدلب، تمهيداً لخوض معركة قطع الشريان انطلاقاً من عفرين وصولاً إلى شمال غرب إدلب في القسم المطل على ولاية هاتاي التركية. وفي ظل تأهب تركيا لدخول إدلب، أطلقت تحرير الشام الرافضة لاتفاق آستانة 6، معركةً في ريف حماه استبقت بذلك الدخول التركي وأجلت المواجهة معها ريثما توسع الهيئة من نقاط سيطرتها، وتستميل عناصر من تنظيم الدولة في شرق حماه تتفق معها بالفكر لتشكل معها قوةً أحادية في شمال سورية، وتعوض النقص في مكامن الضعف، سيما بعد انفصال كبرى الفصائل عنها، جيش الأحرار وحركة نور الزنكي.

وبالفعل استطاعت تحرير الشام اللعب على عامل الوقت، وعززت من تواجدها العسكري على جميع مداخل إدلب بالسلاح الثقيل، ما يوضح قرار الهيئة أنه محسوم في مواجهة معركة قد تعتبر مصيرية بالنسبة لها، في حال قررت تركيا فعلاً الدخول، وهو مايبدو مستبعد بالوقت الحالي لاعبتارت عدة تنظر لها تركيا بعين الحذر والمراقب ، سيما بعد عزم الرئيس مسعود برازني إجراء استفتاء لكردستان العراق، وإقدام الإدارة الذاتية في مناطقها المسيطرة عليها  شمال سوريا على إجراء انتخابات فدرالية الإقليم لأول مرة منذ اندلاع الثورة في سوريا .

وبالعودة إلى معركة إدلب مثل هكذا معركة لا يمكن معرفة من الرابح ومن الخاسر، فتركيا من جهة يبدو أنها مترددة بالدخول حتى بعد إقرارالبرلمان التركي المصادقة على سماح بقاء القوات التركية في سوريا والعراق لعام آخر، فالأخطار الأخيرة على الحكومة التركية يتحتم عليها عدم تجاهل أي خطر يهدد أمنها قومي ، وبنفس الوقت التريث خشية المصائد التي ينصبها لها أعداؤها الرامين إلى إغراق تركيا في الرمال السورية خصوصاُ من قبل خليفتها أمريكا الداعمة لحزب انفصالي كردي تعتبره تركيا أونه إرهابي .

وعليه فالعلاقات التركية الأمركية الأخيرة خي الأسوء بتاريخ علاقات البلدين منذ أكثر من خمسين عام.

وعلى الرغم من تهيئة المناخ العام لدخول الجيش التركي لإدلب، إلا أن الامر ليس سهلاً سيما أن جبهة النصرة في إدلب غير راضية وكانت قد عبرت عن رفضها لاتفاق الأخير معتبرة أنه لا يُلبي مصالح الثورة ويعزز من استرداد المناطق إلى نظام الأسد.

آستانة 6 تعقيد للواقع السوري

التطورات الأخيرة أفرزتها اتفاقيات آستانة 6 الذي انعقد على مدار يومين متتاليين14 الشهر الحالي نتج عنها اتفاق تركي روسي إيراني لضم محافظة إدلب لمناطق تخفيف التصعيد، لتكون المحافظة هي المنطقة الرابعة إلى جانب درعا وريف حمص والغوطة الشرقية. وبحسب نص الاتفاق فإن أبرزنقاط الإيجاب تمخضت في إنقاذ ثلاثة ملايين سوري جلعوا من إدلب موطنهم الأم بعد مسلسل تهجير قسري، وقد تبنت الفصائل  التي ذهبت لآستانة هذا الطرح ، وقبلت بالاتفاق على أن لا يكون لإيران أي تواجد ضمن المنطقة الخاضعة تحت سيطرت المعارضة، كما أثنت الهيئة العليا للمفاوضات على الاتفاق باعتمادها على الضامن والشريك التركي، ومؤخراً صرح رياض حجاب بأن المعارضة تدعم العملية التركية العسكرية في محافظة إدلب ضد تحرير الشام، معتبراً أنها جزء من القاعدة ويجب التخلص منها، تصريحات حجاب جاءت بعد أن أقدمت هيئة تحريرالشام على فتح معركة في ريف حماه الشمالي كضربة استباقية أولى عقبها، اجتياح روسيا لريف إدلب الجنوبي دمرت مدارس ومستشفيات، كوسيلة ضغط لوقف تمدد النصرة ومنع فشل اتفاق تخفيف التصعيد، وقد اتهمت روسيا الولايات المتحدة بالقيام بعمليات تحريض لفصائل اعتبرتها إرهابية بفتح معركة حماه، حتى لا يكتب للاتفاق أي نجاح .

اجتياح روسيا والنظام لمناطق مشمولمة باتفاق خفض التصعيد، وضع اتفاق إدلب على سفح ساخن، بين احتمالية الانهيار والصمود، فقد اتضح من خلال تبادل الاتهامات بين روسيا وأمريكا أن هناك أطرافاً لا ترغب في نجاح الاتفاق ، فإيران كانت قد عبرت عن عدم الرضا لهذا الاتفاق فقد صرح مسؤول إيران قبل عقد الاتفاق أن اتفاق إدلب لن يكتب له النجاح، وهو ما يصب في مصلحة إيران لأن استمرار التوتر والفوضى يعزز من نظرية استمرار تعويم نظام الأسد الذي يضمن لها تواجد دائم في سوريا غير أن الضغوطات الروسية مع تقديم بعض التطمينات لإيران أفضت إلى اتفاق ظاهره إيجابي وباطنه يفضي إلى تكريس مناطق النفوذ وتوزيع سوريا محاصصة بين دول أربعة (أمريكا-روسيا-إيران-تركيا).

صحيح أن الاتفاق يحوي نقطة إيجابية عن مصير إدلب، لكن بنفس الوقت لا توجد أطراف دولية ضامنة لتحقيق الحياة المدنية ، كما لم يخلوالاتفاق من جوانب سلبية عدة، على رأسها أن الاتفاق، يعطي شرعية لإيران البقاء في سوريا ،  حيث أتاح الاتفاق نشر 1500  جندي كقوات مراقبة في منطقة التصعيد الرابعة، ما يعني أن إيران تم اعتبارها دولة ضامنة للاتفاق، وهي مفارقة خطيرة ومرفوضة عند الشعب السوري، فلا يمكن لدولة احتلال مارقة تستبيح الدماء السورية منذ 2012 أن يتم القبول بها كدولة راعية لعملية السلام ، يُضاف إلى نقاط السلب لآستانة الأخيرعدم الحديث عن بنود العملية السياسية في جنيف، واكتفى بدعوة خجولة لإطلاق سراح المعتقلين.

السوريون في تحدي مع مصالح الدول الإقليمية في سوريا

على الرغم من كل الأبعاد الخطيرة على مستقبل سوريا، فإن اتفاقيات تخفيف التصعيد التي انطلقت في أيارالماضي أصبحت أمراً واقعاً ولا يمكن اليوم إنكاره، والسؤال اليوم كيف يمكن تحويل السلب إلى إيجاب والاستفادة من الاتفاقيات الدولية لتصب في مصلة الثورة وتحقق ذاتها وتكتسب شرعيتها رغماُ عن الدول المتآمرة على وأدها.

السوريون هم وحدهم القادرين على فرض وانتزاع حقوقهم من ألسنة اللهب المشتعلة، والجواب البديهي لهذا هو التميز بين الثورة والحرب، فالغرب يعلم حقيقة المفارقة، ولكنه يتجاهلها ويظن أنه قادرُعلى قتل الثورات إذا ماحولها إلى حالة حرب يريد أن تضع أوزارها متى شاء.

بيدا أن الحقيقة الماثلة في نفوس الثائرين تحتكم إلى استمرارية الثورة حتى بعد نهاية الحرب، ولن تنتهي إلا ببلوغها أهدافها وتحقيق النتائج الرامية لها استناداً للمقدمات التي انطلقت منها.

إذاً كلما حاول الغرب قتل الثورة بفعل أدوات حرب مفتعلة، كلما استمرت الثورة في التمدد لتندفع نحو أهدافها، ولِعلم السوريين يقيناً بالنتائج أصبح لزاماُ عليهم قراءة الواقع السوري كما هو والتعامل معه بعين العاقل المنضبط وليس بعين العاطفي المنفعل، لمعرفة مكانهم ضمن هذه المعادلات المتناقضة، حتى يتنسى لهم نزع الحقوق من أفواه الطغاة.

وعند الحديث عن الواقع السوري، فبعد سبع سنوات لم يعد بالإمكان تجاهل حقيقة احتلال روسيا لسوريا، فبوتين عطل كل قرارات مجلس الأمن لمنع السوريين من تقرير مصيرهم، وبوتين هو أول من أخرج مسرحية إعادة انتاج النظام بعد مجزرة الكيماوي في 21 آغسطس 2013 في الغوطة الشرقية ، وفرض نظام الأسد كطرف رئيس في محاربة الإرهاب، واستطاع إقناع الغرب والدول الأوربية بضرورة حماية الأسد لضمان الاستمرار في محاربة الإرهاب، وتعاونت معه الأمم المتحدة وقدمت له مدينة حلب أواخر 2016 لتبدأ بعدها مرحلة الاستثمار السياسي للانتصارات العسكرية الروسية في سوريا التي حمل وزرها السوريون في شمال وجنوب ووسط البلاد.

كما لا يمكن تجاهل الدور الإيراني الداعم الأول للأسد في تقديم المال والسلاح وزج آلاف المليشيات وبعد مرور أكثر من ست سنوات من حرب دولية ، ترغب إيران في تعزيز وجودها السوري لأمد طويل أقله الوجود المنظم بضمان طريق بري يصل طهران بيروت مررواً بالعراق وسوريا، وهو ما يعمل عليه بوتين بلعب دور محترف ووسيط مع إسرائيل لإقناعها ببقاء وجود إيران في سوريا من دون السماح لها ببناء قواعد عسكرية أو جوية ، بمعنى آخر تواجد إيراني منزوع السيادة، وبشكل متفق عليه يضمن إزالة كل الأخطار عن مناطق النفوذ الإسرائيلي، دلالة هذا الكلام التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي حيت ذكرت صحيفة يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية أن نتنياهو لن يسمح بإقامة قواعد جوية أو عسكرية لإيران في سوريا، ما يشير إلى استنتاج مباشر أن إسرائيل قد تقبل بوجود إيران في سوريا على أن لا يتم بناء قواعد ومطارات خاصة لإيران، فالحسم الإسرائيلي واضح وقد تكررت الرسائل لإيران من سوريا آخرها استهداف موقع في المزة بدمشق على مقربة ضيقة من مطار دمشق الدولي22 سبتمبر 2017 .

كمالا يمكن تجاهل حقيقة تحقيق التغيير الديمغرافي علي يد إيران وتوطينها في دمشق، حيث القرار بات إيراني، ولا يمكن تجاهل نهاية مكونات الدولة السورية بعناصرها الثلاث، ولا يمكن تجاهل حقيقة نضوج مصالح الدول على حساب ثورة السوريين، عقب استثمار مرحلي في الثورة بدأ من مرحلة فرض السلاح إلى صنع وتصدير الإرهاب، وصولاً لمرحلة وأد المشاريع الإسلامية لنصل اليوم الي مرحلة قطف الثمار.

وعلاوة على ماسبق فإن مسار آستانة الذي اتطلق منذ سقوط حلب، هو السلاح الروسي الوحيد لشرعنة جرائمها واحتلالها لسوريا، لذا يتحتم ضميرنا القول، إن فصائل آستانة أسهمت بشكل أو بآخر بإعطاء الشرعية للمحتل الروسي، على إسكات الجبهات وإخمادها، وتفعيل الهدن والمصالحات مع النظام، واستكمال تهجير بقية المناطق آخرها حي القدم في جنوب دمشق، ولا يمكن تجاهل هذه الحقيقة الواضحة عبرا خسارات المعارضة، فعقب كل جولة من آستانة خسر السوريون مناطق كانت صمام أمان لثورتهم، من وادي بردى، إلى قدسيا والهامة والمعضمية وداريا وحلب ودير الزور والبادية السورية، حتى وصل الأمر بفصائل آستانة أن يبرروا خسارتهم بالركيز فقط على إنقاذ إدلب وهو الاتفاق الذي لم يكتب له النجاح حتى اليوم.

لذا فمن المعيب على أي إنسان عاقل تجاهل كل هذه الحقائق وما هذه النتائج إلا حصاد أخطاء حدثت في سنوات الست الماضية بفعل معارضات سياسية وعسكرية زادت من المعاناة، وهانت عليها تضحيات جمّة على حساب مصالها الخاصة. .

السؤال اليوم ما العمل لضمان الحصول على استحقاق السوريين بعد ما قدموا الغالي والنفيس، ولم يبخل السوريون يوماً في تقديم المزيد من أجل الوصول الي شط الحرية، مليون شهيد و 60 ألف معتقل استشهدوا، هو رصيد ثوري يمثل الحقيقة الأقوى من كل ما ذكرناه أعلاه، ولا يمكن تجاهلها حتى لو اضطر ذلك لفناء البشرية لا يمكن ولن يسمح السوريين بتجاهلها، هذه الحقيقة التي يجب أن يعمل على تأكيدها السوريين أناء الليل وأطراف النهار، وبدونها لن تحقق الدول مصالحها وإن فرضتها اليوم فلن تهنأ بها غداً فلن يكون هناك استقرار، بدون أخذ الاعتبار لحرية السوريين، فإذا ما أرادت الدول الضالعة في قتل السوريين وضع حد للفوضى، عليها أولاً التجاوب مع السوريين أنفسهم وليس مع العملاء، والحل واضح يتمثل  تطبيق العدالة ومحاسبة المجرمين ونهاية مسرحية تعويم الأسد .

على الشعب السوري العمل على تأكيد رصيدهم الثوري، وبث الروح به كل يوم، فهو خير لهم من معارك خاسرة لا تأكل إلا أبناؤها.

على السوريين تحويل السلبي الي إيجابي ومحاولة الاستفادة من الاتفاقيات الدولية، وجرها لصالح مطالب ثورتهم والضغط والتمسك بثوابت ثورتهم، وعودة الحراك المدني وتفعيل دورإدارة مناطقهم المدنية من قبل أصحاب الكفاءات فهم أصحاب المعرفة في طبيعة العمل المدني وقادرة على إنجاحه.

على السوريين فرض تيار مدني ثوري داخل مصالح الدول المتناقضة، وتفعيل الوعي الجمعي المدني وتقبل الاخر، وأخيراً الصبر على المصاب وعدم السماح لليأس أن يتسلل لأنفسهم لأنه غاية نظام الأسد المحتفل بتحقيق التجانس على حساب السيادة السورية.

وما ظهر مؤخراً من مبادرات مدينة في الشمال السوري يشكل نواة ولبنة أولى نجو الاتجاه الصحيح هي  مبادرات من شأنها تهيئة الأرضية والظروف الموضوعية لإدارية المنطقة بكيان مدني له هيئات سياسية منظمة، وصحيح أن خلافاً داخلياً شاب هذه المبادرات المتعددة الأطراف، إلا أنه يعتبر خلاف وإختلاف مرحلي مؤقت، إلا أن الأمر قد يتغير كلياً إذا ما حسمت تركيا على خوض معركة مباشرة مع النصرة داخل محافظة إدلب.

وإذا ما ثبت أن هيئة تحرير الشام تدفع باتجاه تشكيل حكومة مدنية في إدلب لتقف وراءها أو لتحتمي بها، فلا شك أنه سيتم وضع نهاية لكل الفعاليات المشكوك بها والتي لا تلبي مصالح السوريين وسيستطيع الشرفاء من إطلاق حكومة جديدة تضم كل الهيئات والفعاليات والمجالس لتشكل في نهاية المطاف نتاج مجتمع مدني متعدد السلطات يمارس الديمقراطية المدنية وهذا أكثر ما يؤلم النظام في دمشق فخروج إدلب عن سيطرة النظام بقرار دولي يعني بداية سقوطه لاحقاً.

9.    ========================

دي مستورة والبوح الصامت المشبوه .. د. يحيى العريضي

كلنا شركاء

الثلاثاء 26/9/2017

لا شك أن المبعوث الدولي لسورية دبلوماسي مخضرم وخبير، بغض النظر عن الأحكام العاطفية وحتى السياسية على أدائه أو نواياه. في اللقاء معه في “اسانة”، قال إن مَن كان متوقَعاً أن يستاء جداً مِن تصريحه ويطالب بعزله هو “النظام” لا “المعارضة”. رافع الرجل عن تلك الرؤية بقوله إن “النظام” كان في عزِّ حملة يسعى من خلالها تكريس نفسه “منتصراً”؛ فجاء تصريحه ليفسد على النظام فرحته المصَنَّعة عندما قال: “لا أعتقد أن النظام يمكنه أن يدعي الانتصار” ما نغّص تلك البهجة المفتعلة. يرى “دي مستورة” أن ردة الفعل التأنيبية للمعارضة، وفِّرت على النظام ذلك الهجوم المتوقَّع والمحتَّم عليه.

     يعتقد المبعوث الدولي أنه بذلك التصريح ألغى المدَّ الإقليمي والدولي في إعادة تأهيل منظومة الأسد المستندة على ادعاء مفاده أن ما من أمر تبقِّى للتفاوض عليه، وما على هذا العالم إلا أن يهرع لاسترضاء نظام الأسد وإعادة العلاقات معه ويشرع بإعادة الإعمار، لأن النظام استردَّ عافيته بحكم أنه يكاد يضع يده على كل التراب السوري؛ أي أنه انتصر (بغض النظر ان الخصم كان الشعب أو أي معيق آخر؛ وخدم العالم بـ “نصره” هذا أنه خلّص العالم من الإرهاب. وها هي تأتي التصريحات الصادمة لهذا المبعوث وتنسف له تلك النظرية وتعري ادعاءه.

     في تلك الجلسة مع دي مستورة، عبّر الرجل بمرارة عن إغفاله لذكر تقرير لجنة التحقيق باستخدام النظام للسلاح الكيماوي أكثر من عشرين مرة. صادقاً أم مدّعياً، قال الرجل: “أشعر بالأسف أنني لم آت على ذكر ذلك التقرير خلال تصريحي”؛ فباعتقاده أنه لوضمّن ذلك في إحاطته الصحفية، لكانت مقولته حول أن أحداً لا يمكنه ادعاء الانتصار أكثر وقعاً وتأثيراً ووضوحاً، ولما كانت أثارت ما أثارت.

     عندما سُئل دي مستوره لماذا لم يقل بوضوح وصراحة إن النظام لم ينتصر- حيث أتت إشارته تلك بمعرض إجابة عن سؤال فيما إذا كان قوله إن المعارضة لم تنتصر يعني أن النظام انتصر، فقال بمواربة إن النظام لا يستطيع ادعاء ذلك- عندها قدّم دي مستورة مرافعته المألوفة بان النظام الذي لم يدخل العملية السياسية حتى الآن، ويتجنّب الدخول في أي مناقشة لعملية الانتقال السياسي، سيجد ذلك فرصة وحجة لنسف العملية السياسية برمتها تحت يافطة تحيّز الوسيط الدولي، وسيجد مَن يرافع ويدافع عن حجته بقوة/روسيا/؛ وأضاف ان مِن بين مهامه أن يبقي القضية السورية حيّةً رغم محاولات دولية كثيرة لإزاحة الأضواء عنها وطيّها في غياهب النسيان.

     لا شك أن السيد دي مستورة يمتلك من المهارات الكثير، ولكن الأمر الغائب في منهجه هو الشجاعة والسليقية والرؤية الفروسية للجوهر. هناك سيطرة لمتلازمة ثنائية مغلوطة على ذهنه وذهن قوى دولية (بقصدية أو غفلة) أن القضية السورية السورية هي مسالة “معارضة” و”نظام”. ومن هنا اللعب بهذه الثنائية وعليها. ربما لا يدرك السيد دي مستورة انه لو ساد رأي ما يُسمّى منصة موسكو بعدم البحث في مصير الأسد تحت يافطة الواقعية السياسية، والتي مهّدت لها حملة النظام وأعوانه، ولو تدهور الفعل العسكري والسياسي للمعارضة، ولو بدأ اللعاب الاستثماري يسيل، ولو اشتد التعب العالمي من القضية السورية؛ إلا أن أحداً ببعض قواه العقلية والأخلاقية لا يمكنه أن يتصور أن هذا النظام قابل لاعادة التأهيل او الحياة، لأن مشكلته ليست فقط في ما ارتكب من جرائم حرب بل مع الشعب السوري؛ ونظام خصمه شعبه لا يمكن أن يعيش، مهما اشتد صلفه ودكتاتوريته. ومَن صمد سبع سنوات أمام هكذا وحشية غير قابل للهزيمة. ففي المناطق التي يعود إليها الهدوء، سرعان ما تشهد السوريين يعودون إلى حراكهم المدني الغاضب والرافض لمنظومة الاستبداد وممارساتها الاجرامية وبكونها المتسبب بالمأسي التي حدثت. تلك الغضبة الشعبية تعود بتاريخها إلى ما قبل أن يكون هناك سيطرة لمن ثار على النظام على شبر واحد من سورية. هؤلاء يعرفون أن أي “انتصار” أو سيطرة للنظام، ليس إلا سيطرة روسية إيرانية لا علاقة للنظام بها؛ وحتى التفاوض في “استانة وغيرها ليس إلا مع تلك القوى المسيطرة لا مع النظام.

     الأمر الأخطر من كل ما سبق هو أنه حتى لو ذهبت المعارضة مع ما يُسوِّق له كـ “واقعية سياسية”؛ إلا أن ذلك لا يقدّم ولا يؤخّر في مصير الأسد محتوم النهاية. فهو بمعيار الواقعية السياسية الحقيقية الوصفة الأنجع لاستمرار الحرب واستمرار الإرهاب واستمرار أزمة اللجوء واستمرار الموقف الرافض لإعادة الإعمار. وهو الداء المحتِّم لبقاء النزف والاستنزاف الإيراني الروسي في حرب مفتوحة لا طائل لهما بها. يبقى رحيل منظومة الأسد الوصفة الأنجع للشروع بحل حقيقي في سورية. وكلما استمر وجود الطغمة يوماً، ضعفت قيمة ورقة المساومة التي يراهن عليها بوتين والخمينائي. إنها الورقة التي تزيد سرطانيتها على حاملها يوماً بعد يوم. حتى دي مستورة، في صراخه الصامت، يعرف ذلك؛ ويعرف أيضاً أن المعارضة على حق عندما تتمترس عند ثوابت الثورة؛ ولكنه يبوح بذلك بصمت.

10.     ========================

الأكراد و "داعش": لماذا هذان الإجماعان؟ .. حازم صاغية

الحياة

الثلاثاء 26/9/2017

استفتاء الأكراد هزّ العالم ووحّده ضدّ الأكراد. في إسبانيا، تحرّكت حكومة مدريد، المعنيّة مباشرة بالأمر، ضدّ مشروع الاستفتاء الكاتالاني. في العراق، العالم كلّه بدا معنيّاً. بعضه اعترض وبعضه ندّد وبعضه لجأ إلى التهديد المباشر.

يمكن فهم كلّ واحد من الأطراف على حدّة. لكنّها حين تؤخذ معاً يصير واضحاً أنّ تغيير صورة الشرق الأوسط لا يزال أمراً مرفوضاً. لا يغيّر في ذلك أنّ هذا الشرق الأوسط يستمرّ في عرض "مفاتنه" الدمويّة على العالم، اقتتالاً وحروباً أهليّة وانكشافاً للعجز عن إدامة الاجتماع الوطنيّ بأشكاله القائمة.

الذين كانوا يندّدون بـ "خريطة سايكس– بيكو" تمسّكوا بها. الذين كانوا يرحّبون بمبدأ "حقّ تقرير المصير" تحفّظوا عليه. أصوات سنّيّة في العراق استنفرت "العروبة". أصوات شيعيّة راعها الانفصال عن سلطتـ "ـنا".

هناك انتقادات كثيرة صائبة توجّه لقيادة أكراد العراق. لنوع النظام الذي ينوون إنشاءه. لقلّة الحساسية التي أبداها الاستفتاء حيال خصوصيّة كركوك. لكنّ أكراد العراق، وفي ما هو أساسيّ، تصرّفوا كمن يريد أن يدفن الميّت الذي شبع موتاً وأشبعنا عفونة. الآخرون متمسّكون بجثّة الميّت، يغسلونها مرّةً بعد مرّة من دون أن ينجحوا في إزالة رائحة العفونة.

الميّت الموقّر ليس دول الواقع القائم فحسب، بل أيضاً خطاب هذا الواقع: ففي معارضة حقّ تقرير المصير، لم تظهر فكرة واحدة لامعة، أو جملة واحدة مفيدة. الكلام هو إيّاه: "وحدة العراق. إسرائيل ثانية. التصدّي للإرهاب".

الحكومة العراقيّة، وهي أكثر المعنيّين مباشرة بالمسألة، كانت الأضعف خيالاً والأشدّ بكماً. هنا، في المقابل، بدت قيادة الإقليم الوحيدة التي طرحت في سوق التداول السياسيّ فكرة جديدة: دولة غير قوميّة تشمل غير الأكراد من سكّان إقليم كردستان، ولا تشمل الأكراد من غير سكّان الإقليم. إنّها الفكرة الوحيدة ربّما التي سمعناها في السنوات الأخيرة والتي تحاول اللحاق ببعض مستجدّات المنطقة، أي بتفسّخ الدول وتعفّن العلاقات الأهليّة في كلّ منها. أمّا أن يكون أحد أهداف هذه الفكرة طمأنة دول الجوار حيث يعيش أكراد، فهذا لا ينتقص من جدّتها وجدّيّتها. إنّه، فوق هذا، يمنحها مزيداً من حسّ السياسة الذي تستدعيه الأفكار. بيد أنّ الإجماع ضدّ الاستفتاء الكرديّ، وتالياً ضدّ الكيان الكرديّ المستقلّ، يذكّر بإجماع آخر تعيشه المنطقة: الإجماع ضدّ "داعش". وهذا، للوهلة الأولى، يبدو غريباً، إذ الأكراد و "داعش" خصمان في العراق وخصمان أيضاً في سوريّة.

لقد سبق أن رأينا شيئاً من هذا في التعاطي مع الثورة السوريّة. لقد قيل للسوريّين: كونوا ضدّ "داعش" واصمتوا.

فكأنّ الإجماعين، ضدّ الأكراد وضدّ "داعش"، مأخوذين معاً، يشيران إلى انعدام أيّ صورة تحرّر الشعوب لدى صنّاع القرار في الشرق الأوسط والعالم، ولكنْ أيضاً إلى انعدام أيّ صور عن المنطقة ومستقبلها: من جهة، تُختَصر الأوضاع والتعقيدات في نظريّة "الحرب على الإرهاب" بوصفها حدّاً أدنى يلتقي حوله متخاصمون ومتنافسون، كما يتستّرون على خصوماتهم ومنافساتهم. ومن جهة أخرى، عدم السماح بفتح ملفّات الاجتماع الوطنيّ وأنظمته السياسيّة، ما يضمن وحده مخرجاً سياسيّاً ممّا نحن فيه، مخرجاً أغنى وأبعد أثراً من "الحرب على الإرهاب". بلغة أخرى: المنطق السائد يقوم على إطلاق القتال وكبت السياسة. لهذا ضُرب أكراد العراق على يدهم حين حاولوا أن يفتحوا ملفّهم المزمن والمحتقن.

المؤلم أنّ إسرائيل الطرف الرسميّ الوحيد الذي أيّد الاستفتاء الكرديّ. والمؤلم أكثر أنّها، هي التي تمتنع عن حلّ مشكلة الفلسطينيّين ومشكلتها هي نفسها بالتالي، تملك التصوّر الأعرض لحلّ مشاكل جيرانها. وهذا بالتأكيد ينطوي على نفاق، لكنّه أيضاً ينطوي على تصوّر. ويُخشى أن يولّد ذاك الموقفُ الإسرائيليّ حبّاً كرديّاً للدولة العبريّة سبق للعرب أن اتّهموا به الأكراد قبل أن يصير حبّاً، ثمّ مضوا في التنديد دافعين الأكراد إلى ولهٍ بإسرائيل. وطبعاً سترتفع الأصوات العربيّة (والتركيّة والإيرانيّة) مستغربةً: لماذا يكرهنا الأكراد ويحبّون إسرائيل؟

11.     ========================

روسيا وسورية: حَوَل سياسي أم غزل غير عفيف؟ .. علي العبدالله

الحياة

الثلاثاء 26/9/2017

في تقدير موقف تحت عنوان "سياسة فرض الاستقرار الروسية... حصاد القوة المفرطة" (مركز جسور للدراسات: 14/9/2017) قراءة ملفقة للدور الروسي في الصراع في سورية وعليها.

انطلق التقدير من مقدمات خطيرة مثل "استخدامها [روسيا] القوة المفرطة في بداية تدخلها كان ضمن رؤية سياسية متكاملة"، وهذه "مكّنتها من تحقيق ما فشل النظام وداعموه الإيرانيون في تحقيقه في أربع سنوات"، نجاحها في "تفكيك المعادلة السورية" و"إعادة ترتيب أجزاء اللوحة المفككة" و"بناء علاقات مع مختلف الفاعلين على الساحة السورية، من المحليين والإقليميين، ولم تحصر شراكاتها في المعركة مع إيران والنظام السوري". و"نقلت الجانب الإيراني إلى طرف هامشي في معادلة المعسكر المؤيد للنظام، ثمّ تولّت تحييد بقية الفاعلين المنافسين للنظام، سواء على المستوى الدولي والإقليمي، أو حتى على المستوى الفصائلي". و"إلى جانب التعامل مع الفاعلين المعارضين للنظام، قامت روسيا بعملية طويلة المدى لإعادة تشكيل النظام ذاته، ليكون قابلاً للتعامل مع شكل الحل السياسي الذي تُريده، وفرضت تغيّرات اجتماعية وسياسية في المناطق التي يُسيطر عليها النظام، وأعادت تكوين الصورة الذهنية لدى السكان عن الوجود الروسي".

تفتقر هذه المقدمات/ الاستنتاجات إلى الدقة والموضوعية وتغرق في رؤية تجميلية للعنف المفرط والوحشية المدمرة التي اتبعتها روسيا في حملتها ضد معارضي النظام بربطها بهدف سياسي سامٍ: الحفاظ على الدولة السورية، وهذا، مع ما فيها من مغالطات وتعسف، قاد إلى وقوع التقدير في أخطاء فادحة إن لجهة قراءة الوقائع أم تقويم المواقف.

قال التقدير: "استطاعت روسيا منذ الربع الأخير من عام 2016 إعادة إنتاج صورتها لدى المعارضة في داخل سورية، حيث تحوّلت إلى وسيط وضامن، وأصبحت المعارضة- وحاضنتها الشعبية- ترفض القبول بأي اتفاق ما لم يكن بضمانة الطرف الروسي، وأضحى وجود الشرطة العسكرية الروسية في أي منطقة سبباً كافياً لشعور السكان بالأمان". في تجاهل تام للسياق الذي حصل فيه قبول فصائل معارضة التفاوض مع روسيا والمشاركة في محادثات آستانة، ومن دون إشارة إلى دور تركيا في ذلك، والى حضورها(الفصائل) الشكلي في هذه المحادثات وقيام روسيا وإيران وتركيا بصياغة اتفاقات والتوقيع عليها بمعزل عنها، وعن وفد النظام كذلك، ولكنه عاد وناقض نفسه حين قال: "ومن المعتقد أن مؤسسات المعارضة السياسية ومعظم شخوصها ينطلقون في مواقفهم من الوجود الروسي(تعتبره احتلالاً لابدّ من انتهائه) من رغبات في تحقيق شعبية لدى جمهور المعارضة".

لم يكتف التقدير بمغالطاته على صعيد الدور الروسي مع المعارضة وحواضنها الاجتماعية بل راح يروج لممارسات لا تمت للواقع بصلة حيث زعم التالي: "وعمل الروس على نشر الشعور بالاستقرار لدى السكان، حيث عملوا على رفع الحواجز الأمنية في كل مناطق سيطرة النظام، وهي الحواجز التي كانت منتشرة في شكل كبير جداً في كل المناطق، كما اختفت الميليشيات من مناطق سيطرة النظام، وتم تحديد أدوار ما بقي منها". وأضاف: "وانخفض عدد الاعتقالات السياسيّة في شكل كبير، كما حصل انفتاح على تراخيص منظمات المجتمع المدني في شكل كبير، على رغم محدودية قدراتها على التأثير السياسي. وقامت أفرع الأمن السياسي وأمن الدولة في النصف الثاني من عام 2017 بضغطٍ روسي باستدعاء معارضين ونشطاء معروفين في مختلف مناطق سيطرة النظام في شكل ودّي، بطريقة مشابهة لسلوك هذه الأجهزة في 2001-2002، ودعت هؤلاء المعارضين لتفعيل العمل السياسي المعارض". فلا الحواجز رفعت، رفع بعضها وأعيد ثانية بعد أيام، ولا الاعتقالات تراجعت، ولا الانفتاح السياسي على نشطاء حصل.

بعد هذه المغالطات الشنيعة، يطرح التقدير سؤالاً مركزياً: ماذا تريد روسيا في سورية؟ ويقدم إجابة غريبة وصادمة "تُظهر المعطيات السياسية أن روسيا لا تتمسّك بالأسد كشخص"، و "تتمسك بالمقابل بوجود نظام قوي في دمشق يحفظ المصالح الروسية بعيدة المدى في سورية"، و "تُدرك روسيا أن الحفاظ على الدولة السورية يقتضي إشراك أكبر عدد من الفاعلين، بمن فيهم المعارضون للأسد من غير الراغبين بتغيير شكل الدولة، وتحييد الفاعلين الرافضين الحل السياسي، في نظام هجين لا يوجد فيه منتصر"، و "ترغب روسيا في تحجيم النفوذ الإيراني في سورية، وإعادة القوة الإيرانية إلى داخل الحدود الجغرافية الإيرانية"، "ويعني تحجيم الدور الإيراني بالضرورة تقليص حجم حزب الله السياسي والعسكري في لبنان والمنطقة، وهو ما تسعى له روسيا". وختم إجابته بقوله: "يعتقد أن روسيا ستستمر في وجودها في سورية لمدى طويل، من أجل تحقيق دورين أساسيين، أحدهما سياسي وآخر ديموغرافي. الدور الأول، بصفتها قوة كبرى تحمي مصالحها بالوصول إلى المياه الدافئة، ويتمثل في ضمان حماية منطقة جغرافية متصلة قابلة للحياة، وهو ما تسميه بـ "سورية الفاعلة"، أو تمكن تسميتها بـ "سورية الصغرى"، والدور الديموغرافي (وصفه بدور ديموغرافي غير مفهوم) لروسيا بصفتها قوة مسيحية أرثوذكسية تحاول تحقيق حلمها التاريخي بوجودها بثقلها الديني في المنطقة منذ الإمبراطورية العثمانية، ويتمثل في خلق دولة أقليات نخبوية ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، ومثالاً لتعايش المكونات معاً".

لم يحصل ما يثبت توجه روسيا "لإعادة القوة الإيرانية إلى داخل الجغرافية الإيرانية"، ولا العمل على "تقليص حجم حزب الله السياسي والعسكري في لبنان والمنطقة"، ثم كيف يتسق الحفاظ على الدولة السورية ووجود نظام قوي في دمشق يحفظ المصالح الروسية بعيدة المدى في سورية، ألا تتعارض التبعية مع السيادة التي هي جوهر الدولة؟

وقد كان لافتاً تجاهل التقدير للولايات المتحدة الأميركية ودورها في سورية ونشرها قوات على الأراضي السورية وإقامتها قواعد ثابتة (8 قواعد) ومفاوضاتها مع روسيا حول الحل في سورية، وتأثير ذلك في مستقبل سورية والدور الروسي فيها، وإطلاقه وصف "أزمة" على ما يجرى في سورية (وردت هكذا 3 مرات).

يبقى أن نسأل هل وقع التقدير في كل تلك المغالطات والاستنتاجات الفجة بسبب حَوَل سياسي أصاب معديه أم تبريراً لموقف تركيا وتعاونها مع روسيا (مقر المركز في تركيا له فرعان في اسطنبول وغازي عنتاب)، أم على خلفية سعي جماعة "الإخوان المسلمين"، التي تمتلك المركز وتديره، لكسب ود روسيا من أجل دور ما في سورية.

12.     ========================

من المنتصر في سورية؟ .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 25/9/2017

انتهت الحرب في سورية على شكلٍ مختلفٍ عما عرفته أغلب الحروب، ربما لأن الحالة السورية فريدة، ولا شبيه لها، حرب على شعبٍ طالب بالتغيير السياسي، وكانت بداية ثورته المطالبة بإقالة مسؤول أو اثنين محليين، ففي الحالة السورية لا يوجد شيء اسمه صباح اليوم التالي للحرب، الذي من الواضح أنه لن يأتي، أقله في المدى الزمني المنظور.

لكنّ ثمّة طرفاً يدّعي انه انتصر، وإن كانت تلك المزاعم تنطوي على تناقضاتٍ هائلة، ما بين ادعاء أن الانتصار تم على قوى الإرهاب، "داعش" وأضرابها، وإن كانت هذه القوى أصلاً مستدخلة على الحدث، وليست طرفاً أصيلاً فيه، كما أنها لم تكن لديها مطالب سياسية تحرج نظام الأسد، ولم تكن بالأصل في حربٍ معه، ولا مع حلفائه.

غير أن هذا الزعم بالانتصار يجري توسيع دائرته مرّة تلو الأخرى، عن طريق الأطراف الرديفة، حزب الله مثلاً، وتصويره نصرا على مكون مذهبي في المنطقة سعى إلى كسر هيمنة مكون آخر لكنه فشل، وأن الطرف الآخر (إيران وحلفاءها) يكتبون تاريخ المنطقة، فيما "المنهزمون" يحاولون، قدر الإمكان، التقليل من هزيمتهم عبر توسّلهم مكاسب هامشية هنا وهناك.

ليس سراً أن هذا الفريق (الأسد وحلفاءه) تعاطى مع الحدث، منذ بدايته، بوصفه حربا بين منظومتين، وليس باعتباره شأناً داخلياً بين الشعب السوري ومنظومة الحكم، في محاولةٍ لإخراج الأمر عن سياقه، إما لغايات تعبوية بهدف استقطاب المقاتلين لمساندة منظومة الحكم السورية وإيجاد ذريعة تبريرية، أو لإيجاد مساحة حرية للتعامل مع الحراك السوري، ورفع سقف التصعيد إلى درجات أعلى.

وكان من السهل تشكيل منظومة متماسكة وصلبة، في مواجهة هذا الحراك، على اعتبار أن

"يستثمر اليوم تحالف روسيا - إيران نجاحه في توضيب حربٍ كانت على مقاساته، بدءاً من تحريف الرواية المؤسسة للحدث، وصولاً إلى فبركة أعداء غير حقيقيين" أرضيته موجودة، سواء من خلال شبكة العلاقات والتحالفات القائمة أصلاً قبل الحدث، أو نتيجة تشابه بنى النظم السلطوية وتركيبتها داخل هذا التحالف، أو حتى لوجود البعد الطائفي بين حلقاته الثلاث على الأقل (إيران، نظام الأسد، وحزب الله)، والتقائهم مع روسيا التي لا تخفي مدى حساسيتها من الإسلام السني، ورغبتها في إيجاد توازن سني- شيعي على مستوى العالم، على أن تكون ركيزة هذا التوازن سيطرة شيعية في المشرق العربي، في مقابل أن السنة يشكلون كتلة أكبر على مستوى العالم.

كانت المشكلة في التحالف المقابل، حيث لم تكن، ولا في أي لحظة، نوايا جدية لتشكيله، أو تشغيله لمواجهة التحالف القائم والمتشكّل، بل مجرد خليطٍ من الأطراف، لم يكن بينها أي تنسيق، في أحيان كثيرة، كما أنها تختلف في رؤيتها للحدث، من حيث مساراته ومآلاته، وهو ما جعل إدارتها تدخلاتها تأخذ طابعاً فوضوياً، أنتج كوارث حقيقية على حراك السوريين، ويكفي للتدليل على ذلك أن التحالف الآخر استخدمه ذريعةً لحرب الإبادة والتهجير ضد السوريين، بحجة أنهم يواجهون مؤامرة موصوفة.

انطلاقا من ذلك، يستثمر اليوم تحالف روسيا - إيران نجاحه في توضيب حربٍ كانت على مقاساته، بدءاً من تحريف الرواية المؤسسة للحدث، وصولاً إلى فبركة أعداء غير حقيقيين. لم يكن هدفهم لا مساندة السوريين، ولا حتى هزيمة الروس والإيرانيين، بقدر ما كان دافعهم اعتبارات خارج سياق الحدث السوري، وعندما أدركوا أنها تحققت، كما فعلت إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، التي انتزعت كيماوي الأسد وجمّدت نووي إيران، فوّضت الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في إخراج الصورة النهائية، ومثله أطراف أخرى محسوبة على هذا التحالف، بما يعني أن تلك الأطراف أخذت حصتها، وانصرفت قبل هذا الزمن بوقت طويل، وقبل أن يكتشف الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، أنه أنجز الانتصار، وهو الآن في طور هندسة المنطقة وكتابة مدونة مسيرتها.

نعم، هي حرب منظومات، لكن المنظومة الأخرى اقتصرت هيكليتها على السوريين وكانت فارغة من أطراف إقليمية ودولية وازنة، على الأقل لم تشترك ولا دولة من أقرباء الشعب السوري وحلفائه في معارك مباشرة، ولم ترسل جيوشاً، ولا آليات، كما فعلت روسيا وإيران. ثم إن حسابات الربح والخسارة ومعاييرهما بالنسبة لهذا التحالف تكاد تخرج عن العقلانية، وذلك لارتباطها بالأصل بأهداف غير عقلانية ولا منطقية، فبالنسبة للأسد النصر لديه يقاس بإفلاته من الموت على شاكلة معمر القذافي، ثم بقائه في السلطة. أما الكوارث الاقتصادية

"بالنسبة للأسد النصر لديه يقاس بإفلاته من الموت على شاكلة معمر القذافي، ثم بقائه في السلطة" والأمنية والاجتماعية التي أنتجها "انتصاره"، فتلك قضايا ستصلح نفسها، أو يتم إصلاحها مع الزمن، على اعتبار أن الزمن "مهما طال" سيبقى واقفاً عند انتصاره المزعوم.

وكذلك الأمر بالنسبة لروسيا بوتين، إذ ليس مهماً تكاليف النصر المتحقق، ما دامت الجيوسياسة بخير، حيث تربض القواعد الروسية في قلب الشرق الأوسط، وتتبختر الزوارق في مياه المتوسط، ولا بأس من اختراع رواية السيطرة على ممرات النفط والغاز، وطبعاً من دون الاهتمام، لا بحسابات الجدوى ولا التكاليف، ومدى أهمية ذلك بالنسبة لدولةٍ تفقد نخبها الحيوية، إما بالهجرة إلى أوروبا وأميركا، أو بالموت بسبب الإدمان على الكحول، هرباً من الواقع الأليم.

وقس على ذلك حسابات إيران وحزب الله للنصر والخسارة، حيث لا داعي لاستحضار كشف تفصيلي بهذا الأمر، ما دامت المسألة بالأساس تقوم على محرّكات طائفية لا عقلانية، ما يجعل من تحليلها عقلانياً مسألة عبثية بامتياز.

لعل أفصح توصيفٍ عن الانتصار المحقّق في سورية ما قاله مسؤول دولي أن "دولة الأسد قشرة رقيقة تغطي مجموعة من الضيعات" (القرى)، كما تكفي للإشارة على هذا الانتصار مراقبة الهزع والفزع الحاصل داخل روسيا، نتيجة إخباريات عن وجود قنابل في الأماكن العامة. والصحيح أن هذا النوع من الانتصارات يستدعي من المنتصر أن يبقي المهزوم خاضعاً لمدى زمني طويل، وأن يبقى هو مستنفراً، فيما لا تزال روسيا وحلفاؤها يطمحون إلى تحقيق شيء من الأمن على امتداد الأرض السورية، من دمشق إلى الحسكة.

13.     ========================

الكرد ومصير الشرق الأوسط والعالم .. هوشنك أوسي

الحياة                                

الاثنين 25/9/2017

حظي قرار الكرد الذهاب إلى الاستفتاء على تقرير مصيرهم، بحالة من الهلع والذعر والمتابعة والممانعة والقبول المشروط، أو القبول بنهكة الرفض، لكأنَّ الكرد باستفتائهم على تقرير مصيرهم يقررون مصير الشرق الأوسط وبلدانه وأنظمته ونخبه الحاكمة والمعارضة، ومصير الاتحاد الاوروبي وأميركا ودول جنوب آسيا، والامم المتحدة ومجلس الأمن؟! هذا الكمّ من الذعر والقلق يؤكّد مدى فداحة ما عاشه الكرد وبشاعته طيلة قرن، تحت سلطة نظم ونخب استبداديّة وفاسدة وغاشمة وسيطرتها، ذلك أن قرار الاستفتاء فضح بطانة الكثيرين وتقيتهم، أكراداً وعرباً وعجماً. وبالتالي، بمقدار ما هزّ قرار الاستفتاء الشرق الأوسط والعالم، فإنه خدم القضيّة الكرديّة سياسيّاً وإعلاميّاً، وأعطى ثماراً ربما لم تعطها عشرات السنوات من الكفاح، فحتى الرافضون الاستفتاءَ وحقّ الكرد في تقرير مصيرهم، ومَن شتموهم وخوّنوهم، قدّموا خدمات جليلة للكرد ولقضيتهم، إذ برهنوا أن الكرد تحمّلوا العيش المشترك قرناً من الزمن مع أنساق من التفكير والسلوك كهذه، وأنه آن أوان الطلاق معها، بل ربما تأخّر. وبالتالي، فالغلال السياسيّة والإعلاميّة لقرار الاستفتاء كانت وفيرة ومهمة، يمكن التأسيس والبناء عليها، وستكون لنتائج الاستفتاء غـلال وثمار سياسيّة أكثر وأهم. وسيكون واقع وقرار وإرادة ووزن كرد (العراق) بعد الاستفتاء، أضعاف ما كانت عليه سابقاً.

قلّة قليلة من الكتّاب والمثقفين العرب والترك، كانوا مع حق الكرد في تقرير مصيرهم. هذه القلّة، ستزداد لاحقاً، خاصّة بعد إجراء الاستفتاء وظهور نتائجه. ولن ينسى الكرد من وقفوا معهم ساعة المحنة والأزمة، وكذلك من وقفوا معهم وغيّروا مواقفهم نحو التأييد، ساعة الفرج والتمكّن. واعتقد أن النتائج ستغيّر الكثير من المزاج العالمي والعربي والخليجي والإقليمي الرافض الاستفتاء، ذلك أن ظهور دولة جديدة سيقلب الموازين رأساً على عقب.

ما يهمّ أميركا استمرار الحرب على "داعش"، ولا يهمها إنْ بقي الكرد عبيداً ومظلومين. كما تخشى أن يتسبب الاستفتاء ونتائجه في تقديم بغداد وطهران ودمشق وأنقرة ترياق الحياة مجدداً لـ "داعش"، ردّاً على الصمت الأميركي حيال قيام الدولة الكرديّة. ثم إنه من غير المعقول أن تقول دولة عظمى إنها مع تقسيم دولة أخرى. ولكن بعد ظهور نتائج الاستفتاء، من غير المعقول أن تقبل واشنطن سياسة ليّ الذراع عبر "داعش" و "القاعدة" والإذعان للابتزاز والترهيب الإقليمي!

ما يهمّ بغداد، أن يبقى الكرد وكردستان ضمن الحظيرة العراقيّة، وأن يبقى العراق ضمن حظيرة الولي الفقيه الإيراني. ولا يهم الاحزاب المسيطرة على السلطة بناء دولة شراكة وطنيّة ذات سيادة واستقلاليّة عن إيران.

وما يهمّ أنقرة أن تبقى كردستان (العراق) البقرة الحلوب التي تدرّ عليها مليارات الدولارات، من دون أن يتحوّل هذا الإقليم إلى دولة، وتضطر إلى التعامل مع كردستان تعامل دولة مع دولة. وما يهمّ نظام الأسد أن يبقى نظامه، ولو على ألف متر مربّع، وألا يحال رأس النظام وحاشيته على محكمة الجنايات الدوليّة كمجرمي حرب. ولا يعنيه كثيراً انفصال كردستان عن العراق أو عن سورية أو عن البرتغال.

لكن ما يهمّ كرد العراق هو التحرر من حالة اللادولة.

إن المنطقة والعالم يعيشان هذه الأيّام حمّى مرض "كردستان-فوبيا"، وهنالك طريقتان لا ثالثة لهما في الشفاء منها: إما بقصف كردستان بالقنابل الذرية أو بالاعتراف بدولة كردستان. وأعتقد أن سيناريو الاستفتاء والاستقلال سيكون درساً ملهماً، و "بروفا" للشعب الفلسطيني أيضاً، في مواجهة العالم والمجتمع الدولي المنحاز للجلاّد ضدّ الضحيّة، بهدف إعلان فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس. كما سيكون طيّ الخلاف بين السليمانية وأربيل درساً لحركتي "حماس" و "فتح" للسير نحو تحقيق الحلم الفلسطيني.

14.     ========================

ما لم يقله السوريون لأميركا .. مرح البقاعي

الحياة

الاثنين 25/9/2017

خلال التصفية نصف النهائية لبرنامج America’s Got Talent الشهير، حيث تتنافس المواهب الفنية والإبداعية على نيل الجائزة الكبرى في تصفيته النهائية وقيمتها مليون دولار، إلى جانب الجائزة المعنوية الأكبر وهي دخول نادي المشاهير وما سيجلب هذا الموقع للفائز من عروض سخية ستشكل حكماً منعطفاً استثنائياً في حياته وحياة عائلته ومحيطه، في تلك التصفية ذهبت أصوات الجمهور الأميركي، الذي هو الحكم الأول والأخير من خلال استعمال آلية التصويت الالكتروني على تطبيقات البرنامج، إلى متسابقين أثبتوا أنهم على مستوى استثنائي من قوة الحضور والتأثير الشعبي العام، حيث انتقلت إلى التصفية النهائية صبيّتان في مقتبل العمر تحملان مؤشرات إنسانية فوق عادية تتفوق إلى حد كبير على ما قدمتاه من أداء غنائي كان لهما فيه منافسون أقدر على الاستمرار إلى الحلقة الأخيرة من التصفيات.

أما الصبيّة الأولى الفائزة بالتصويت الشعبي فهي الناجية الوحيدة من حادث تحطم طائرة مدنية في الولايات المتحدة قبل سنوات قليلة، قتل فيه كل ركابها، وهم بمعظمهم زملاؤها في المدرسة وقد استقلوا الطائرة ذاتها في تلك الرحلة الطلابية المشؤومة. وعلى رغم الحروق الجلدية البليغة على الوجه والساعدين والساقين التي خلّفها سقوط الطائرة وانفجارها حين ارتطمت بالأرض على جسد تلك الصبية، فإن إصرارها على الحياة، بل وإيمانها بطاقة الروح التي تضاهي في لمعتها الكمال الجسدي وتغلبه في معظم الحالات، جعلتها تقف بهيبة الكبرياء، وبلا وجل، أمام ملايين المتابعين على الشاشات في بث مباشر من هوليوود وهي تغني بما يشبه تراتيل القيامة التي نحفظها من شعر محمود درويش: إنني عدت من الموت لأحيا وأغني!

الفائزة الثانية كانت عازفة ومغنية صماء تماماً، تتعامل مع الموسيقى بالحس والتخاطر، تغني ولا تسمع أغنيتها، تردد المقامات اللحنية بقلبها وفطرتها، وتتناغم مع الموسيقى من خلال إرادة استثنائية على التواصل مع محيطها ولو كانت محجوبة عنه بعازل الصمت.

كلتا الصبيتين حازتا تأييد الأغلبية في التصويت الجماهيري العام، وفازتا بمنطق تفوق رهافة الحسي الإنساني على صرامة المحسوس الفيزيائي وقد غدا معياراً عتيقاً ينتمي إلى الماضي، نسبة إلى الجيل الأميركي الجديد ومفاهيمه ما بعد الحداثوية.

السبب في سوقي هذا المشهد الرمزي من الحياة الأميركية يقع في عمق علاقتنا نحن السوريين في تفنيد السبل التي سلكناها لنقل وتسويق قضية الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية التي نحملها عبر العالم، وبالأخص إلى عاصمة من عواصم القرار العالمي: واشنطن.

من المؤسف أن التشكيلات السياسية والمدنية السورية المعارضة التي كان من المفترض أن تحمل الصوت السوري إلى العالم وتبتكر الأدوات المناسبة لتوصيله بما يتماشى مع طبيعة المجتمعات الغربية التي تخاطبها، وهي مجتمعات ديموقراطية بعامة، ذات تركيبة سياسية أفقية، ولا سيما في الولايات المتحدة حيث يشكل الرأي العام الشعبي الدينامو المحرك لحكومتها الفيدرالية وأداة للضغط عليها هي الأجدى في تحديد سياساتها الداخلية والخارجية في آن، من المؤسف أن الفهم لدى تلك التشكيلات بدا قاصراً عن استيعاب فكرة حتمية التعامل مع القاعدة الشعبية الأميركية والمواطن الأميركي العادي بالدرجة الأولى، وهو الذي يرحّب بفطرته بالحركات الثورية والتحررية في العالم، وينتصر لها ويحتضنها. غير أن التواصل على مدى سنوات ست انحصر على الحكومات والمسؤولين التنفيذيين فيها، وهم عادة ما يتغيرون بشكل متسارع في الأنظمة الديموقراطية حيث لا يبقى المسؤول الحكومي في منصبه لفترة طويلة ويتم تداول المنصب باستمرار تلافياً لتغليب المصلحة الفردية والعلاقات الخاصة التي تنسج من خلال المركز الوظيفي المستدام. أما التواصل مع الشعب الأميركي أو حتى ممثليه في الكونغرس فكان ضعيفاً إلى حد الانعدام في معظم الحالات. والأفدح من هذا كله أن هذا الأداء الساذج لم يتغير مع دخول الثورة السورية الماجدة عامها السابع، ومع تحوّل مسمياتها والتعتيم على معانيها الأصيلة إلى أن حملت اسم "الأزمة" في قواميس البعض من أطراف المعارضة.

بالطبع، التوجُّه إلى الشعوب يحتاج إلى خبرة ودراية من عاش بينها، وانفتح على ثقافتها، وعرف لغتها بالأبجديتين: اللسانية والسياسية. فالجالية الأميركية السورية، تلك التي انخرطت من بعد لكن بمصداقية وقوة في تيار التغيير الديموقراطي السلمي منذ البدايات، لم تعطَ الفرصة أو الموقع لنقل الصورة إلى مطبخ القرار وطبّاخيه الأساس من الشعب الأميركي بمؤسساته المدنية العريضة الطيف. وعلى رغم أن العديد من مثقفي الجالية وناشطيها لم يكونوا لينتظروا تكليفاً من أحد للقيام بواجبهم تجاه أرضهم الأم وشعبهم الجريح، فإنهم لم ينالوا يوماً احتضاناً حقيقياً من منظومات المعارضة التي اقتصرت على التحالفات المرحلية العابرة مع الحكومات نفسها التي تخذلها وتتنكر لها اليوم.

وإثر الضربة التي وجهتها واشنطن للنظام السوري في موقع تحميل المواد الكيماوية الضاربة في مطار الشعيرات، والتي توقعنا أن تشكل تغيراً استراتيجياً عن نهج حكومة أوباما في إدارة الملف السوري، حدث ما كان صادماً لنا من انكماش الدعم الأميركي للنشطاء والمعارضة السياسية، وسحب السلاح من أيدي المعارضة المعتدلة، وترك الدفة للرياح الروسية.

مشهد الفائزتين أعادني إلى لب المشكلة: نعم، لقد فشلنا في فهم هذا التحول الدرامي في الذهن الشعبي الأميركي في القرن الحادي والعشرين. فبعد أن كان في بدايات ومنتصف القرن الفائت يمجّد القوة والكمال والثراء، نراه اليوم في أعلى حالات تعاطفه مع المظلومية وحالات الإعاقة والفقر، منتصراً للضحية وليس للجلاد. ولو أننا تمكنا من طرح قضيتنا في مقوماتها الإنسانية وليس السياسية وحسب، لكان لدينا اليوم مخزون بشري من الداعمين الأميركيين يضغطون على الزر ليصوتوا بـ "نعم" للإنسان السوري.

15.     ========================

التخلص من سوريا لا من شاوشيسكو السوري .. إبراهيم العلوش

عنب بلدي

الاحد 24/9/2017

لماذا تقوم روسيا وأتباعها بالحفاظ على بشار الأسد اليوم، وتصر على التخلص من سوريا وتدميرها، بينما هي صمتت عندما تم التخلص من حليفها الروماني نيكولاي شاوشيسكو في عام 1989، ولم تدافع عنه، علمًا بأن إعدام شاوشيسكو كان شارة البدء لانهيار حلفها الشهير باسم “حلف وارسو” الذي كان يرعب العالم بصواريخه النووية. حدثان تاريخيان يستحقان الربط بينهما والتأمل في نتائجهما.

كان يا ما كان.. وفي الثمانينيات من القرن السابق.. كانت صور حافظ الأسد تحتل سوريا مثل الجراد، وكانت نياشين طلاس تقوم بتمثيل الأب القائد المنتصر في مجازر الثمانينيات، أما الرومان فكانوا ينعمون بصور شاوشيسكو ومؤلفاته، والتلفزيون محتل من قبل شاوشيسكو وزوجته، حتى إنهم كانوا يسمون التلفزيون الشوشاي.. شغّل الشوشاي أو طفّي الشوشاي.. لأنهم لم يكونوا يعرفون وظيفة للتلفزيون إلا نقل أخبار شاوشيسكو.

كان حافظ الأسد يحب شاوشيسكو كثيرًا، وقد سانده في أحداث الثمانينيات الدموية، واستقبل أعدادًا هائلة من أبناء المقربين منه وشبيحته من ضباط الجيش والمخابرات للدراسة الوهمية في رومانيا، حتى يقال إن أبو سليم (مدير مكتب حافظ الأسد) أرسل لوحده طائرة كاملة من حملة البكالوريا، من بلدته كمبتعثين إلى رومانيا في سنة واحدة، وهذا واحد من مئات المتنفذين الذين أرسلوا أبناء ذويهم ومسانديهم إلى رومانيا، التي كانت تمنحهم علمًا لا يضر ولا ينفع، فهم يغيّبون شموسًا ويقبضون شهادات لا قيمة علمية لها. وهذا ما ساهم بتدمير مستقبل الكثير من المؤسسات السورية التي امتلأت بهؤلاء الخريجين شبه الأميين، إلا من كان منهم صاحب ضمير وإرادة في التعلم وطوّر قدراته العلمية.

وعندما قامت المظاهرات ضد شاوشيسكو، في نهاية عام 1989، أعلن الكثير من المبتعثين السوريين والعراقيين نيتهم الدفاع عن شاوشيسكو ضد شعبه، ولكن الجيش الروماني كان حاسمًا في التخلص من سرطان الطاغية، الذي تم إعدامه خلال ساعات بعد محاكمته، لئلا يتمادى في تدمير رومانيا، بلدهم الذي حافظوا عليه بكل النبل والشرف العسكري.

لم يرتعب النظام السوري، بعد أحداث مطلع الثمانينيات، مثلما ارتعب إبان إعدام شاوشيسكو قرين الأسد الأب، وأمام نظر وسمع روسيا الأم الحنون للطاغية الروماني، ومن المفارقات أن الطاغية قبل الاحتجاجات كان في زيارة إلى إيران البلد الذي تمركزت فيه لاحقًا، الوحشية والفاشية في المنطقة بأقذر صورها وتجلياتها.

في اليوم التالي لإعدام شاوشيسكو نقلت إذاعة “مونتي كارلو” خبرًا مهمًا عن سوريا، أذهل السوريين حينها، حيث أُعلن عن نية تخفيف الأحكام العرفية وإجراء إصلاحات جذرية بناء على رغبة الرئيس السوري حافظ الأسد، وقد أوعزت القيادة إلى انعقاد اجتماع عاجل لمجلس الوزراء، لاتخاذ القرارات اللازمة، ولكنها كانت مجرد خدعة من خدع النظام، الذي تلقى تطمينات من الدول الراعية له، بإبقاء رقبة الشعب السوري مخنوقة، والاستمرار في نهج النظام المعهود، لعل التطمينات جاءت من الروس أنفسهم، بالإضافة إلى زيارة مفاجئة قام بها نائبان أمريكيان للقصر الجمهوري.

لماذا تم إعدام الطاغية في رومانيا، بينما تم إعدام الدولة السورية هنا، ولماذا يستمر الإصرار الروسي على مطالبة العالم بالحفاظ على هذه الأنتيكا الوحشية المسماة بشار الأسد؟

الفارق الزمني لا يزيد عن ثلث قرن، واللعبة ماتزال هي نفسها ولكن بأدوار مقلوبة، فثلث قرن ليس زمنًا طويلًا في عمر الشعوب، ولكن تدمير بلد بكامله للحفاظ على طاغية مكروه، هو الحل الجديد، والمقلوب للّغز المرعب.

التدخل الأوربي والأمريكي في تونس ومصر جنّب تدمير البلدين وأُمر الجيش في كلا البلدين بالتخلص من الطاغية للحفاظ عليهما وعلى شعبهما، لكنهم أعطوا القيادة للوحشية الروسية، وحليفتها الإيرانية لتدمير سوريا وإبقاء بشار الأسد، ونظامه، واعتباره حليفًا لهم في محاربة الإرهاب. وقد تلاعبت قمم جمعية أصدقاء سوريا الاستهلاكية بعواطف الشعب السوري، وخدعته لاستدراج التدمير لسوريا، ولشعبها على أيدي شبيحة الأسد، وحلفائه من الإرهابيين الذين كان يتعامل معهم في العراق، وفي لبنان، من أنصار القاعدة، وداعش، وحزب الله، وما جادت به قريحة الملالي من مجرمين وسفلة طائفيين.

لقد تدرب الجيش السوري على التدمير والتخريب، إبان تدخله المديد في الحرب الأهلية اللبنانية، حيث استمر هذا التدخل نحو ثلاثين سنة (1976-2005)، وارتبط ضباطه الكبار، وأجهزة مخابراته بالأجهزة الدولية، ودانوا لها بالولاء، وهذا ما أطلق أيديهم في التعذيب، والتدمير، وخنق مستقبل الشعب السوري، وحوّل سوريا بنظرهم الى مجرد مقر للتحالفات، والمؤامرات، وليس موطنًا لشعب له كرامته، وهبّ مطالبًا بحريته، وهذا ما أغضب النخب الطائفية، وبقية النخب المهيمنة على الدولة والمجتمع، وحملهم غرورهم وثقتهم بالداعمين الدوليين لهم على تدمير سوريا أرضًا وشعبًا.

هل العوامل الداخلية، وطول زمن التخريب البعثي وتراكمه البنيوي، بالإضافة إلى بنية الجيش الطائفية، وأجهزة مخابراته المافيوية، هي ما قاد سوريا وشعبها إلى هذا المصير، أم أن الحفاظ على أمن إسرائيل من أوهام هجوم الجيوش العربية الزاحفة هو ما أودى بالوطن السوري إلى هذا المآل المروّع، أم أن اتحاد نخب الهيمنة السياسية، مع نخب الهيمنة الاقتصادية هو ما ضاعف الاندفاع إلى هذا الدمار؟

أسئلة تحتاج إلى محللين، ودارسين اجتماعيين، وتاريخيين، ومن مختلف الاختصاصات للإجابة عليها، وهي رهن الزمن، ورهن القدرات السورية الشابة والمتجددة، لإيجاد حلها وفك شيفرتها المعقدة، والتمهيد لإعادة بناء وطن جديد قادر على النهوض وتجاوز المحنة، والتوصل إلى عقد اجتماعي مدني، وحضاري، يدفع عجلة التطور، والابتكار، والمنافسة، من أجل مكانة لائقة للسوريين في بلدهم أولًا، وفي منطقتهم ثانيًا، وعلى جميع الأصعدة والمجالات.

ملاحظة أخيرة: حافظ الأسد لم يكن مولعًا مثل شاوشيسكو بنشر المؤلفات والكتب، وقد أوعز لمصطفى طلاس بهذه المهمة، بالإضافة إلى مهمة التوقيع على آلاف قرارات الإعدام التي ترده من القصر الجمهوري.

16.     ========================

استراتيجية الأسد ... تكتيك عون

حسام عيتاني

الحياة

الاحد 24/9/2017

هناك سوء فهم عميق، على ما يبدو بين الرئاستين في لبنان وسورية. فكلما أبدى رئيس الثانية ارتياحه لتخلصه من ملايين السوريين وتحويلهم لاجئين، جاء الرئيس اللبناني لينغص هذه الفرحة بالقول إن بلده يعمل على إعادة اللاجئين الى الأماكن التي أتوا منها.

بل إن العميد في الحرس الجمهوري السوري عصام زهر الدين أوضح أنه "لن يسامح الهاربين" ناصحاً بعدم عودتهم. وتراجع بعد ذلك عن هذا التهديد بقوله إن نظامه يعمل في ظل القانون، ولعل هذا يزيد من فداحة التهديد إذا أخذت في الاعتبار الطريقة التي يفهم بها زبانية بشار الأسد معنى القانون. المهم أن الرئيس اللبناني ميشال عون لم يبالِ بتصريح زهر الدين، كما كان قد تجاهل سعادة الأسد بـ "التجانس" الذي أضفاه على المجتمع السوري، وأعلن عون في الأمم المتحدة انه لن يقبل بتوطين أي لاجئ أو نازح في لبنان استناداً الى دستور هذا البلد الذي يمنع التوطين.

الأدهى أن وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل التقى نظيره السوري وليد المعلم في الأمم المتحدة وهنأ باسيل المعلم بانتصارات الجيش السوري في مكافحته الإرهاب، وأكد تطوير مجالات التعاون كافة، من دون أن تأتي المعلومات الموزعة بعد الاجتماع على أي ذكر للاجئين السوريين الذين تلاحق أشباحهم الوزير اللبناني بحيث يُضمّن كل تصريحاته إشارات اليهم والى الأعباء التي يشكلونها على اقتصاد لبنان وأمنه. السؤال الذي لا مفر منه: أليس وزير الخارجية السوري هو الجهة الأجدى بالتوجه اليها لبحث مسألة اللاجئين، ما دام أن النظام الذي يمثله المعلم قد بات يسيطر على 85 في المئة من الأراضي السورية التي حلّ فيها الأمان على ما قال عون؟ لا جواب.

لم يترك بشار الأسد فرصة إلا وأعلن فيها رفضه عودة اللاجئين الى بلادهم. كذلك فعل معاونوه. في مقابلات صحافية وفي مؤتمر وزارة الخارجية وفي تصريح بعد أدائه صلاة العيد في مسجد مدينة داريا المدمرة، كرر الأسد مرات عدة أن اللاجئين لن يعودوا الى سورية التي أصبحت أكثر تجانساً، ولم يترك ذا سمع إلا وأسمعه انه لن يسمح بعودة من ترك سورية هرباً من قمعه أو من ممارسات "داعش" و "النصرة" الإرهابيين. لكنّ للرئيس عون رأياً آخر.

التطهير الطائفي الذي مارسته قوات الأسد والميليشيات ذات التمويل الإيراني المتحالفة معها، لم يأخذ موقف الحكومة اللبنانية في الاعتبار ولا هشاشة اللعبة الديموغرافية في لبنان. جاء التطهير الطائفي الذي تؤكده شهادات ووثائق دولية عديدة، وفق قرار استراتيجي بتعديل الميزان السكاني السوري بحيث تتغير مزاعم الأقليات والأكثريات وخطابها بتغير الحقائق المفروضة على أرض الواقع. وليس كشفاً كبيراً الحديث عن إصرار على تبديل بعض المعالم الأساسية في دمشق التي يبدو أن مصيرها قد حُسم لمصلحة بقائها عاصمة "سورية المفيدة" التي يحكمها الأسد.

عليه، يكون كلام عون والمواقف اللبنانية المعترضة في وسائل الإعلام على "خطر اللاجئين السوريين" يندرج ضمن تكتيكات السياسات المحلية المعدة للاستهلاك الداخلي ولا تمت الى حقيقة ما يُعد للمنطقة بصلة. التلويح بخطر طغيان المسلمين السنة على عديد السكان في لبنان ما زال لعبة مربحة لابتزاز المسيحيين وتأبيد التحاقهم بمن وضع استراتيجية التطهير الطائفي وتغيير الميزان الديموغرافي السوري، في المقام الأول.

17.     ========================

مشكلات العرب بين الإقليمي والدولي .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 24/9/2017

تعمل كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية على وضع ترتيبات تعتبرها "نهائية" تصون مصالحها وما كسبته في السنوات الأخيرة، في المرحلة الحالية المسمّاة مرحلة ما بعد "داعش". ومن الطبيعي أن يكونَ الجاري على الأرض مهماً جداً بالنسبة للطرف العربي؛ فالمسؤولية الأولى والأخيرة ستقع على عاتقه ولعقودٍ قادمة.

وتواجه الأطراف الإقليمية والدولية تحديات كبرى أيضاً، لكنْ عندها ميزات؛ فبسبب تفاقم الاضطراب الداخلي في خمس دول عربية، وعدم تبلور جهات داخلية صلبة معنية باستعادة الدولة والاستقرار، أمكن للقوى الخارجية التدخل والاستيلاء والسيطرة. ويسود الآن مشهدٌ عالميٌّ يريد العودة للاستقرار والانتظام، بسبب الأخطار المترتبة على الاضطراب على نظام العالم وعلى مصالح دول الجوار والدول الكبرى والوسطى المشاركة في النظام الدولي. وهذا الميل الغلاّب الآن يستخدمه الإقليميون مستظلّين بمكافحة الإرهاب، وبالأخطار على دول المحيط، من أجل تثبيت مصالحهم بالدواخل العربية. والتحديات التي يواجهها الإقليميون لها عدة أسباب، لكنْ ليس من بينها وجود جهات داخلية عربية فاعلة وقادرة، تعطي الأولوية للمصالح الوطنية والعربية. أما الأسباب فهي: المطامح والمطامع غير الواقعية لكلٍ من إيران وتركيا، والتجاذب فيما بينهما على المناطق والمصالح، والتنافس والتجاذب على الرضا الدولي من هذه الجهة أو تلك، وحالة العداء التي يواجهها الإيرانيون والأتراك في الدواخل العربية كونهم يستعينون لبلوغ مطامعهم بالطائفيات والتهجير والقتل والتقسيم.

مسألة "الترتيبات النهائية" التي تدعم "المصالح المستقرة" لهؤلاء جميعاً، وبخاصة إيران وتركيا وروسيا وإسرائيل والولايات المتحدة، هي التي ينبغي أن تثير اهتمام الطرف العربي (السعودية ومصر والأردن والإمارات). وبالطبع فإنّ الطرف العربيَّ هذا تختلف تقديراته إزاء الترتيبات المقصودة من دولةٍ إلى أُخرى. ففي ليبيا واليمن وغزة، يستطيع الطرف العربي، بحكم موقعه القوي أن يجترح حلولاً بالفعل، وبالتعاون مع الدواخل ومع الدوليين. ففي كل ٍ من اليمن وليبيا، كانت هناك بعد عام 2011 ترتيبات انتقالية متفق عليها محلياً وعربياً ودولياً. لكنها تعرقلت بسبب تدخل الإرهاب والقوى القديمة، والقوى الإقليمية (إيران مثلاً في اليمن وغزة). ومنذ البداية أمكن للعرب التدخل لاستعادة الاستقرار، ولمنع الانقسام أو التدخل الخارجي. لذلك فإن التوصل إلى ترتيبات تتمتع بالثبات النسبي، وبصون الدولة والمجتمع، يمكن المصير إليها بالنضال والقوة الاقتراحية والعلاقات الدولية. أما في بلدان الاضطراب الأخرى، أي العراق وسوريا ولبنان، فإنّ "الترتيبات النهائية" التي يراد الدخول إليها في مرحلة ما بعد "داعش"، ليست محمودةً في البلدان الثلاثة. ففي العراق، هناك المشكلة الكردية شبه المستعصية، وهناك "الحشد الشعبي" الذي صار جيشاً ثانياً، وهناك العملية السياسية التي تعطلت جوانب منها. والترتيبات الجارية في سوريا هي بضمانة روسية وإيرانية وتركية. لكلٍ من هذه الدول قواعد وجنود على الأرض السورية، إضافةً لإسرائيل. وهناك مشكلة النظام السوري نفسه مع ستمائة ألف قتيل، وأكثر من مليون سجين، و12 مليون مهجَّر بالداخل والخارج. وبسبب تفضيلات الأميركيين لاستخدام الأكراد على الأرض في مكافحة الإرهاب، صارت هناك مشكلة كردية في سوريا. كان الأتراك السوريون يطالبون بحقوق المواطنة، وهم يطالبون الآن بما يشبه الاستقلال. وهذا كله والدور العربي ضئيل الوجود والفعالية. وإذا كان هناك اهتمام فبحجة الإبقاء على الدولة والجيش. لذلك، فإنّ المصلحة العربية في سوريا تختلف عن مصالح المتدخلين الإقليميين والدوليين. لكن هناك مشتركات، منها وقف النار، وخروج الميليشيات الأجنبية، وإعادة المهجرين، وإعادة الإعمار. وكلها أمور يستطيع العرب إن أرادوا التأثير فيها لصالح وحدة سوريا أرضاً وشعباً. وهكذا ليست لدينا مصلحة في "الحل النهائي" كما يقال.

ومشكلة لبنان مختلفة. فمن الناحية الشكلية، ما يزال هناك نظام دستوري قائم، وليس هناك اضطراب أمني. إنما في الواقع، ليس هناك عمل بالدستور، وعمل قليل بالقانون. فهناك غلبة عسكرية وسياسية لـ"حزب الله" المدعوم من إيران، والذي يحكم في قضايا الحرب والسلم، وفي انتخاب رئيس الجمهورية، وفي فتح مجلس النواب أو إقفاله، وفي قانون الانتخاب وإجراء الانتخابات، وفي قرار الجيش القتالي، وفي علاقات لبنان الخارجية!

ماذا يعني هذا كله؟ يعني أنه لا مصلحة لأحد في استمرار الاضطراب الأمني والسياسي. لكن "الحلول" ينبغي أن تكون بالفعل سياسية وتعتمد على القدرات العربية، وعلى إعادة بناء الدواخل بالعمل الوطني والعربي، وكبح التدخلات الإقليمية المشرذِمة لتلك الدواخل، والحائلة من دون تكوينات داخلية قوية وفاعلة، ومن دون مشاركةٍ عربية بنّاءة.

18.     ========================

القضية الكردية على جدول أعمال الحرب الإقليمية .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 24/9/2017

أنا ممن يعتقدون أنه من دون تعاون إقليمي واسع يتجاوز الحدود القومية والسياسية، ويؤسس لفضاء تنمية اقتصادية، وأمن جماعي يطمئن الجميع ويشرك الجميع ويخدم مصالحهم، لن يكون للشرق الأوسط الذي يعيش أكبر أزمة ثقافية وسياسية واقتصادية في تاريخه، تختلط فيها ثورات الشعوب من أجل الحرية وفرض احترام الحقوق الإنسانية الأساسية بالمطالب القومية المحبطة منذ عقود والكوارث الاجتماعية النابعة من إخفاق سياسات التنمية الاقتصادية، إن لم نقل انهيارها وعودة الاحتلالات الأجنبية، أي مستقبل، وسوف يغرق أكثر فأكثر في الحروب والصراعات الداخلية والخارجية، ويتحول، لا محالة، لمفرخة لكل أشكال التطرف، بل لتعميم أساليب العنف والإرهاب، كما لم يحصل في أي وقت، على جميع العلاقات الداخلية والخارجية.

(1)

وقد كتبت عن ضرورة الإسراع في فتح مفاوضات بين دول المشرق التي تضم الشعوب الأربعة الكبرى التي صاغت تاريخ المنطقة، بصراعاتها وتفاهماتها معا، العرب والكرد والأتراك والفرس، منذ أكثر من عقدين، وقلت إن بديل العمل من أجل إقامة منطقةٍ للأمن والتعاون بين هذه الشعوب هو ترك المجال مفتوحا لكل أنواع الصدام والصراع والنزاع، وتخليد الحروب الداخلية والإقليمية. فالحرب هي النتجية الحتمية للتناقضات المتفاقمة من دون أفق للحل، والمخرج الطبيعي للنخب الفاشلة من مواجهة المسؤولية ومحاولة تحميل عبء فشلها على الشعب، أو على الدول والشعوب المجاورة.

هذا ما حصل ويحصل عندنا الآن بالضبط، فأصبح تحقيق الأمن لهذه الدولة أو تلك يقوم على زعزعة أمن جارتها، وتحقيق الاستقرار في هذا البلد أو ذاك، أو زيادة موارده، وتعظيم مصالح نخبه الحاكمة، يتوقف على سحق أي روح نقد أو احتجاج أو معارضة، وفرض الصمت المطلق على جميع الطبقات والطوائف والأحزاب، وحرمان الشعوب من أي حياةٍ سياسيةٍ، بل حتى ثقافية. والمشرق اليوم منطقة حروب ونزاعات داخلية وخارجية لا تنتهي، أي لا حل لها، ولا أحد داخل المنطقة أو خارجها يجرؤ على التفكير بالطريقة التي يمكن له أن يساعدها على الخروج منها.

والأغلب أن الدول الكبيرة في الغرب والشرق وآسيا وأميركا الشمالية، بل حتى في أفريقيا التي تكاد لا تلعب أي دور في السياسة الدولية، تشعر أكثر فأكثر بأنها تعبت من مشكلات الشرق 

"الدول والحكومات في المنطقة تجد نفسها اليوم في طريقٍ مسدود، وأمام رهانات مصيرية ومخاطر لا أمل لها بمواجهتها" الأوسط، ولا تملك القدرة على تقديم ما يمكن أن يساعده على الخروج من أزمته، وأن أقصى ما يمكن أن تفعله أن تسعى إلى الحفاظ على مصالحها بأي ثمن، حتى لو اضطرها ذلك إلى تقسيم البلدان وتفتيتها، وضرب ما يشبه الحصار الصحّي على شعوبه، واقتطاع مناطق خاصة بها، تسيطر عليها مباشرة عن طريق تصدير "الخبراء" والمستشارين وإرسال المليشيات، وبناء القواعد العسكرية حول آبار النفط والمضائق والمصالح الأخرى، وترك الشرق أوسطيين يذبحون بعضهم بعضا إلى قيام الساعة. وهذا أفضل وسيلةٍ لتجنب خطرهم، ومنعهم من نقل شرورهم وعنفهم ومشكلاتهم إلى بقية بقاع العالم الأخرى. وأول من يجول بذهنه هذا التفكير هو حكومات الدول الكبرى التي كانت المسؤولة الأولى عن الخراب السياسي والاقتصادي والثقافي والديني الذي يعم المنطقة، وعن تدمير التوازنات التاريخية الكبرى التي كانت تحفظ لها استقرارها وسلام مجتمعاتها وتعاونها.

لكن ضحالة الثقافة السياسية التي تميز نخب هذه المنطقة، وغطرسة القوة التي كانت تسكن أذهان (ونفوس) حكامها الصغار والفارغين مثل الطبول، أو أغلبيتهم الساحقة، قد دفعت هذه النخب إلى الاعتقاد بأنها عنترة، وحالت دون رؤية مخاطر الانخراط في صراعات مفتوحة ولغايات مستحيلة، مع الاعتقاد الراسخ عند أطرافها المختلفة بأنها ستكون الرابح الأول، أو المستفيد الرئيسي منها. وأول هذه الحكومات التي افتتحت حقبة الرهان على القوة، ولا شيء غير القوة والقهر، هي الحكومة الإسرائيلية التي صممت على حرمان الفلسطينيين من أي أمل في استعادة أي جزء من فلسطين، يضمن لسكانها الحد الأدنى من الشعور بالاستقلال والسيادة وممارسة حقهم في تقرير مصيرهم، واستمرأت، تحت تأثير غطرسة القوة، الحرب المستمرة مع العرب بأكملهم، وجعلت من هزيمتهم وتمريغ حكوماتهم ونخبهم بالوحل عربونا لتفوقها الساحق على جميع دول الإقليم، ولتطمين شعبها على أمنه وازدهاره ومستقبله.

وهذا هو الزلزال الذي فتح الباب أمام الارتدادات المستمرة التي ستهز البلدان والمجتمعات 

"لم تقدم حكومة بغداد سوى الحروب الداخلية والخارجية والتلاعب بالمليشيات الطائفية والبؤس والفقر والفاقة والاقتتال" العربية وتزعزعها، وتدفعها إلى الدخول في أزمة قيادةٍ لا حل لها، وتفجّر نزاعاتها الداخلية، قبل أن تصل إلى إيران ما بعد الثورة التي رأت في الزجّ بنفسها في أتون الحرب العربية الإسرائيلية أفضل وسيلة لتجنب تحديات تنميتها الداخلية، ومزاحمة الدول العربية على الهيمنة الإقليمية، ولتأمين مصادر الشرعية للحروب التي ستطلقها في العراق وسورية وغيرهما. وها هي حكومة حزب العدالة والتنمية التركية تواجه خطر الدخول في حربٍ مصيريةٍ لحماية الجغرافيا التركية من خطر الانفصال الكردي، بدءا من شمال سورية الذي تخشى أن يتحوّل، بدعمٍ غير مسبوق من الولايات المتحدة الأميركية، لحركة كردية استقلالية تشكل امتدادا للحركة الكردية الاستقلالية التركية، في وقتٍ لم تجد فيه بلدان الخليج العربي وسيلةً للتغطية على خسارتها الحرب في سورية، غير تفجير تناقضاتها الذاتية، وإشعال فتيل النزاع والحرب النفسية والإعلامية والسياسية فيما بينها.

والنتيجة أن جميع الدول والحكومات في هذه المنطقة تجد نفسها اليوم في طريقٍ مسدود، وأمام رهانات مصيرية ومخاطر لا أمل لها بمواجهتها أو بالحد من عواقبها المأساوية. وإذا استمرت الأحوال على ما هي عليه، ولم نجد الفرصة لمراجعة حساباتنا، ولا أقصد الحكومات وحدها، وإنما النخب السياسية والثقافية والاجتماعية عموما التي تملك مفاتيح النفوذ المتعدد المصادر، والتي تؤثر على الرأي العام، وتحدّد مسار الأحداث، وتبني خططا وأساليب أخرى للعمل داخل بلداننا، وفي محيطنا بين الدول والشعوب القريبة والمشاركة لنا في تحديد مصائر منطقتنا، فسوف نجد أنفسنا، بعد سنوات قليلة، في محرقة إقليمية لا سابق لها في تاريخ الدول، يزيد من استعار لهيب النيران المشتعلة فيها اختلاط القضايا والمسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقومية والأمنية والإنسانية، من دون أي قدرة على فصلها عن بعضها أو تفكيكها.

(2)

ما يدفعني إلى التذكير بمسألة العلاقات بين دول الإقليم وافتقارها لأي أسس وقواعد متفاوض عليها، وترك المنطقة نهبا للصراعات والنزاعات المتقاطعة والمتداخلة، حسب ما كانت تريده الدول الاستعمارية السابقة للاحتفاظ بنفوذها وهيمنتها. وبالتالي تفجر حروب التنافس والصراع على الهيمنة والنفوذ الإقليميين، كما نشهده اليوم، هو ما أثاره الاستفتاء الذي قرّرت حكومة كردستان العراق تنظيمه للانفصال عن العراق، وإقامة دولة مستقلة من تخبط وردود أفعال عنيفة في بلدان المنطقة ومحيطها، فهو يقدم نموذجا لنوعية الاختيارات العدائية التي وسمت علاقات حكومات الإقليم وشعوبه في ما بينها منذ عقود.

يكمن وراء هذا التوتر الشديد الذي أثاره قرار الاستفتاء الكردي مسألتان، جاء الجواب عليهما في الحالتين، في العراق وكثير من قطاعات الرأي العام العربي، وفي حضن الحركة الكردستانية، بطريقةٍ سلبيةٍ تعكس المخاوف والشكوك التي غذّتها سياسات الحكومات العربية والحركات السياسية، بما فيها الكردية في الماضي، وتعمل على إعادة إنتاجها. وفي جميع الحالات، وهذا هو المهم، دلت على أن كل الأطراف تنطلق من وجهة نظر مصالحها الخاصة، أو ما تعتبره مصالحها، من دون أن تأخذ بالاعتبار مصالح الأطراف الأخرى، بل مع محاولة الاستحواذ على جزء منها، أو حتى مع خطر تقويضها، بصرف النظر عن العواقب. والمحصلة بالطبع إشعال فتيل النزاع وفتح جبهة جديدة في الحرب الشاملة التي تلف الإقليم الشرق أوسطي منذ نشوئه.

هكذا افتتحت حكومة الإقليم معركتها بالإعلان عن شمول كركوك ومناطق أخرى متنازع عليها بالاستفتاء، أي بفرض الأمر الواقع على مجموع العراقيين، وشرعنة ضمها مستقبلا، من دون أي مشاوراتٍ مع حكومة بغداد، أو سكان المناطق الملحقة بالاستفتاء، في وقتٍ ردّت فيه حكومة بغداد المركزية برفضها قرار الاستفتاء، ورفض البرلمان العراقي له من دون أي جواب واضح على اعتراضات حكومة الإقليم ومطالبها، أو اقتراحات مقابلة للخروج من الأزمة. وما من شك في أن ضم كركوك في الاستفتاء، من دون اتفاق مسبق مع بقية ممثلي الشعب العراقي والحكومة المركزية يشعل فتيل النزاع بين الطرفين، قبل أن يحصل الاستفتاء الذي ستكون نتيجته محسومةً لصالح الاستقلال.

وراء النزاع المتجدّد في العراق يتجلى انهيار المبدأ الذي قامت عليه العلاقات السياسية الداخلية والجيوسياسية داخل المنطقة، خلال العقود الطويلة الماضية، بل منذ تأسيسها على يد القوى الاستعمارية، والتي قوّضت استقرارها وتدفع بها اليوم إلى الانتحار، وهو مبدأ الإكراه. وعكسه مبدأ الحرية الذي يقوم على الاعتراف بحق الأفراد والجماعات والشعوب في الاختيار. وبالتالي الذي يقدم التفاهم على الإذعان، ويفترض الحوار والمفاوضات، وأبعد من ذلك الاعتراف 

"القضية الكردية مركبة لا تقتصر على تفصيل سياسي داخل دولة واحدة، وإنما ترتبط بإعادة ترتيب الجغرافيا السياسية لمنطقة كاملة" بالآخر وبحقه في الدفاع عن مصالحه بالمثل. وتقدّم القضية الكردية التي طرحت نفسها بقوة على ضوء قرار الاستفتاء على الانفصال، تجسيدا مثاليا لهذا النظام/ السلام، القائم على الإكراه، وانهياره في الوقت نفسه. والطريقة التي ستعالج بها حكومات المنطقة هذه القضية سوف تحدّد أيضا مستقبلها القريب، أي مقدرتها على الخروج من أزمتها التاريخية، بتبني مبادئ جديدة تفتح باب التسويات والحلول الوسط واللقاءات على المصالح المتبادلة، أو الاستمرار في نظام الإكراه وسياسة فرض الأمر الواقع واستخدام القوة لحل النزاعات. وهذا يعني تبنّي خيار الحرب المستمرة، كما حصل في أوروبا في حقبة ما قبل الحرب العالمية الثانية، بدل خيار الحوار والتعاون والتفاوض الذي لا مهرب منه في سبيل إيجاد بيئة آمنة، صالحة للاستثمار والتنمية التي نحن أحوج ما نكون لها اليوم، لتأمين فرص العمل والحياة الكريمة لملايين الناس المحرومين من أي حق، والمرميين على قارعات الطرق، في عواصم دولنا ومدنها وأريافها.

(3)

بصرف النظر عن نوايا حكومة الإقليم والمناورات السياسية التي ينطوي عليها قرار الاستفتاء، والانقسامات القائمة في صف الكرد أنفسهم، يطرح نزوع الكرد إلى الاستقلال في العراق مسألتين وليس مسألة واحدة. الأولى خاصة بالعراق، تعبر عن التدهور الكبير لعلاقات الكرد مع الدولة المركزية التي شكلوا جزءا منها منذ إنشائها. وهي نفسها جزء من مشكلة النظام العراقي الذي قام بعد الغزو الأميركي في بداية هذا القرن. وليس هناك شك في المسؤولية الرئيسية في دفع الكرد إلى الانفصال. بالنسبة للمسألة الأولى، تقع على كاهل الحكم المركزي العراقي، فقد استسلمت حكومة العراق للضغوط الخارجية، وبشكل خاص الإيرانية، وللنزعات الطائفية، وأقامت إمارة شيعية تابعة لايران، ولصالح تعزيز هيمنة إيران وسطوتها الإقليميتين، بدل أن تبني دولة ديمقراطية تفتح آفاق العدالة والحرية والمساواة والتآخي بين جميع سكانها ومواطنيها، بصرف النظر عن أصلهم ودينهم وقوميتهم وجنسهم. ولعلها خدعت نفسها، بتخفيض فهمها الديمقراطية إلى مجرد انتخابات. وبدل أن تطمئن جميع سكانها على حقوقهم، عمّقت الشروخ بينهم، وشرعنت للتمييز بحق أغلبيتهم، واستخدمت الشحن الطائفي والتحشيد المذهبي، للتغطية على فشلها في إقامة دولة حق لجميع مواطنيها. وبدل أن تقدم لهم فرصا أكبر في التقدّم، وتحسين شروط حياتهم الفردية والجماعية، أدخلتهم في حروب الامبرطورية الإيرانية التي وضعت نفسها في خدمتها، وجعلت منهم ضحايا بالمجان لهيمنة محتليها.

والمقصود أن المبرّر الوحيد للدولة، وخصوصا عندما تكون متعدّدة القوميات، هو ما تقدمه من فرص إضافية لتحسين شروط حياة مواطنيها وسعادتهم. والحال لم تقدم حكومة بغداد، منذ ولادتها على إثر الغزو الأميركي وتدمير الدولة الذي تبعه سوى الحروب الداخلية والخارجية والتلاعب بالمليشيات الطائفية والبؤس والفقر والفاقة والاقتتال. هذا النمط من الدولة الإمارة، لا يمكن أن يجمع القوميات ويؤلف بين الجماعات، لا في القانون ولا في الإدارة ولا في النظام، لأنه بدل أن يضمن حقوقهم، ويؤمن سعادتهم، يفاقم من مشكلاتهم، ويقتل آمالهم، ولا يمكن إلا أن يدفع الكرد والعرب إلى التحرّر منه، وتركه لحشوده ومليشياته الطائفية، فهو المسؤول أولا وأخيرا عن تمزّق العراق وانقساماته القومية والطائفية.

أما المسألة الثانية فهي المسألة القومية الكردية التي حاولت جميع الدول والشعوب التي يشكل الأكراد شركاء فيها تجاهلها، أو السكوت عنها، أو محوها إذا أمكن من الذاكرة السياسية، خلال العقود الطويلة الماضية، وهي تعني حق الكرد بوصفهم شعبا في تقرير مصيره، وإذا أراد ذلك، إقامة دولة كردية مستقلة، تعبر عن هويته، وتقود كفاحه من أجل الاندماج في التاريخ الحديث للبشرية، بوسائله وقيمه وقدراته الذاتية. وتضافر المسألتين اللتين تشكلان وجهين لقضية واحدة، هو ما يجعل من القضية الكردية قضيةً مركبة لا تقتصر على تفاصل سياسي داخل دولة واحدة، أي مجرد انفصال لجزء من الشعب الواحد، لتكوين دولة خاصة به، وإنما ترتبط بإعادة ترتيب الجغرافيا السياسية لمنطقة كاملة، فهي مسألة سياسية، ومسألة جيوسياسية، وعقدة حقيقية في طريق السعي إلى تخليص المنطقة من الأفخاخ والمطبات والمظالم ومصادر النزاع التي تحول دون استقرارها.

ردت حكومة بغداد، على المسألة الأولى، بالرفض واستدعاء الدول القريبة والبعيدة للتدخل 

"لم تقدم حكومة بغداد أي رد واضح على مصدر قلق الأكراد، ولا أي اقتراح بديل تمكن مناقشته" والضغط على حكومة الإقليم، متذرعةً بمخالفة قرار الاستفتاء للدستور العراقي. وعلى المسألة الثانية، ردت الدول المعنية بالقضية الكردية، أي طهران وأنقرة والنظام الفاقد للشرعية في سورية، بالتهديد بالحرب. لم تقدم حكومة بغداد أي رد واضح على مصدر قلق الأكراد، ولا أي اقتراح بديل تمكن مناقشته. وهذا كان أيضا مضمون التهديدات التي أطلقتها الدول المهدّدة بإحياء الحركات الانفصالية الكردية فيها.

لا أحد يجهل أن استقلال الإقليم يطرح قضية حق تقرير المصير للكرد عموما. وقد حان الوقت كي تفكر الدول المعنية بالمسألة الكردية في تقديم اقتراحاتٍ بناءة، للمساهمة في حل القضية الكردية القومية بدل الاستمرار في استخدام سلاح القمع والإكراه. ولا يمكن للاستمرار في دفن الرأس في الرمال أن يقود إلى شيء آخر غير مزيد من الشحن العاطفي المتبادل والاحتقان والحقد والكراهية الحاضنة للنزاعات والحروب، وجعل المسألة الكردية الثغرة التي يمكن أن ينفذ منها كل المناهضين أو الخائفين من استقرار المنطقة وتعاونها ونهضتها. وإذا كان صعبا على الكرد في شروط وجودهم القومي الراهنة انتزاع الانفصال بالحرب، وهي مستمرة منذ عقود، من دون جدوى كبيرة، فإن من الصعب أيضا، بالمقدار نفسه، أن تقود الحرب إلى قتل إرادة الاستقلال بالحرب، وكبح ثورة الكرد المستمرة منذ عقود، وسيكون ثمن ذلك استمرار حالة التنازع، وانعدام الثقة والتفكّك وتقويض بناء المجتمعات ذاتها، وبالتالي تضحية الدول المعنية بمصير تنميتها، ومستقبل تقدمها في طريق المدنية، وتأمين شروط الحياة الكريمة والحرة والسلام لأبنائها جميعا.

وليس هناك حل في نظري من دون الاعتراف بحق الكرد في تقرير مصيرهم، وبالتالي من دون فتح مفاوضاتٍ لتطبيق هذا الحق، على مدى زمني، وفي شروطٍ تراعي مصالح الدول المعنية، وتحول دون تهديد مصالحها القومية الأساسية. ومن دون ذلك، سوف تتحول القضية الكردية، لا محالة، إلى بؤرة التهاب دائم يزعزع استقرار الجميع، ويهدّد أمن دول كثيرة واستقرارها، ويقف عقبة أمام تفاهمها وتعاونها، وبالتالي بناء مستقبلها الفردي والجماعي. ولا أعتقد أن هذا الحل يمكن أن يحصل، من دون المبادرة بفتح نقاش جدي بين دولها الرئيسية على مستقبل المنطقة ومصيرها، ومن دون التوصل إلى اتفاقٍ ناجز لإقامة فضاء للأمن الجماعي والتعاون الإقليمي المشترك، يضم الجميع، ولا شيء يمنع من ذلك سوى التردّد والخوف وغياب الشجاعة، واستمرار بعض الحكومات في المراهنة على النزاع للتغطية على مشكلاتها الداخلية، أو لمواجهة خصومها على حساب الشعوب والدول الأضعف منها. لكن مآل الاستمرار في هذا الخيار، كما ذكرت، الانهيار الشامل وخروج المنطقة من التاريخ الراهن، والعودة بشعوبها إلى عهود الإقطاع والقرون الوسطى والخراب المعمم والدمار.

لا يتعلق الأمر، إذن، بقضية خاصة تعني الكرد أنفسهم، كما لم تكن قضية فلسطين قضيةً تعني الفلسطينيين فحسب، لكنها تطرح مسألة عامة وكبيرة، لا تزال تعاني منهما معظم شعوب العالم الذي خسر ثورته الصناعية والسياسية أو فشل فيها، بشقيها الوطني والدولي، فهي تظهر أولا فشل المجتمعات العربية، وأكثر المجتمعات النامية في إقامة العلاقات داخل الدول والمجتمعات على أسس سليمة واضحة ومقبولة، أي إقامة النظم السياسية الشرعية والفاعلة، المستندة إلى احترام إرادة الشعوب وحقها في انتخاب ممثليها بحرية، وتقرير سياساتها بنفسها، بعيدا عن الضغوط والتهديدات والعقوبات. وهي تبرز ثانيا فشل دول المنطقة في إقامة العلاقات التي تربط بينها على قواعد ومعايير معروفة وثابتة، أهمها الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحقها في الاستقلال، وفي الاتحاد والتعاون أيضا، واحترام سيادة الدول، واحترام القانون والمواثيق الدولية وتطبيق قانون العدالة وإزالة الظلم وتصفية بقايا الاستعمار والعلاقات المجحفة والتبعية والمساواة في التعامل بين الجميع.

في منطقةٍ من أكثر المناطق تدويلا في العالم، ليس هناك فاعل مستقل بمصالحه وقراره، ولا فعل يمكن أن يتحقق من دون أن تكون له آثار على محيطه، وربما هدّد بتغيير التوازنات، والدفع إلى ردود غير منظورة، إقليمية ودولية. وما حصل ويحصل في سورية منذ ست سنوات، وما تشهد عليه تعقيدات أزمة الانفصال الكردية يبين حدود الرهان على القوة وحدها، ومخاطر الاستمرار في المراهنة على تخليد مبدأ الإكراه. من دون إعادة النظر في المبادئ التي تنظم أو بالأحرى تقوض علاقتنا داخل الدول، وبينها في هذه المنطقة لن يكون أمامنا سوى الجحيم، أي الاستثمار في السلاح والاستقواء بالأجنبي، والإعداد للتضحية بالملاييين من المدنيين والعسكريين، من دون أمل بتحقيق أي كسب، وللجميع، باستثناء إدامة الحرب، وتأجيل السلام إلى ما لا نهاية.

وأنا أكتب هذه المقالة، لا أدري في ما إذا كان الإقليم سيتمسك بقراره أم لا. لكن مهما كان الحال، لن يستقر العراق، ولن تدخل المنطقة في عصر التنمية والتقدم الأخلاقي والقانوني والسياسي، ولن تنجح في اللحاق بركب عالم التقدم التقني والعلمي وتندمج في الحضارة، ولن تخرج من الهمجية التي تعيشها اليوم، داخل كل دولة وفي ما بين الدول، ما لم تعترف بحقوق مواطنيها التي لا تناقش في الحرية والعدالة والكرامة والمساواة، وحقوق شعوبها في السيادة ودولها في الأمن والسلام والتعاون والاستقرار.

19.     ========================

آذار وبحار الدم (الحلقة 26) - البعث يأكل بعضه بعد تصفية خصومه .. انقلاب 23 شباط 1966م .. محمد فاروق الإمام

في كانون الأول من عام 1965م وجه منيف الرزاز الأمين العام لحزب البعث ثلاث تحديات إلى

اللجنة العسكرية:

1-حل القيادة القطرية التي كانت تسيطر عليها اللجنة العسكرية.

2-تشكيل حكومة جديدة برئاسة صلاح الدين البيطار.

3-نشر وتعميم قرارات القيادة القومية التي تحظر على الضباط التدخل في الشؤون السياسية أو ممارسة أي شكل من أشكال أمور السلطة السياسية والحزب.

ومزيداً في التحدي للجنة العسكرية درست القيادة القومية في دورتها الاستثنائية المنعقدة من 8 إلى 20 كانون الأول 1965م.. وضع الجيش الذي تسيطر عليه اللجنة العسكرية على الصعيد الحزبي وانعكاساته على الوضع العام. وقد اتخذت أهم القرارات التالية:

1-تعيين مكتب عسكري من مدنيين وعسكريين تابع للقيادة الحزبية.

2-فصل المكتب العسكري عن لجنة الضباط.. وحصر عمله في التنظيم الحزبي.

3-تعيين موجهين سياسيين لكافة قطعات ووحدات الجيش.

4-تتولى لجنة الضباط المسؤوليات العسكرية.. ويحق للقيادة القومية في كل الأحوال نقض أي قرار تصدره لجنة الضباط.

5-تعتبر القيادة الحزبية السلطة العليا المقصودة في النظام العسكري الداخلي.

6-لا يمكن الجمع بين المهنة العسكرية المناصب الحكومية - يستثنى من ذلك وزير الدفاع - وكذلك بين الوظيفة العسكرية والمسؤولية الحزبية على مستوى القيادة القطرية.

7-تشكيل قيادة موسعة تشرف على شؤون الحزب والحكم والجيش في القطر.. على أن تضم هذه القيادة جميع أعضاء القيادة القومية.. يضاف إليهم عدد من الرفاق من القطر السوري شرط أن لا يزيد عددهم عن عدد أعضاء القيادة القومية. وهذا يعني حل القيادة القطرية الحالية.

8-تستمر القيادة القومية في ممارسة كافة السلطات العسكرية والمدنية والحزبية حتى يتم تشكيل القيادة الحزبية (حزب البعث العربي الاشتراكي).

حلت القيادة القومية في الحادي والعشرين من كانون الأول 1965م.. القيادة القطرية السورية.. وعينت قيادة جديدة أطلقت عليها اسم (القيادة الحزبية العليا).

وكمحصلة للخلافات والتناقضات والصراع بين الحزب واللجنة العسكرية وتسارع الأحداث تحملت القيادة القطرية (التي تسيطر عليها اللجنة العسكرية) في 23 شباط 1966م.. مسؤولية انقلاب عسكري حمل إلى السلطة بقوة الدبابات - التي دخلت دمشق باسم (الثورة الشاملة) - نور الدين الأتاسي واللواء صلاح جديد.

وبعد نجاح حركتهم.. لاحقوا وسجنوا أو أصدروا أحكاماً بالإعدام غيابياً على كثير من أعضاء القيادة القومية ومؤيديهم.

يتبع

20.     ====================================

ماذا أبقيتم للسوريين؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 23/9/2017

يكرّر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، القول إن السوريين هم الذين سيقرّرون مصيرهم. وكان الروس، في عام 2012 قد نصحوا بشار الأسد بتحويل ثورة السوريين من أجل حريتهم إلى حربٍ ضد الإرهاب، ووضعوا له خطةً ما أن ترجمها إلى العنف الذي تعرّض له السوريون من دون تمييز، بدءا من أغسطس/ آب 2012، حتى حققت هدفها الرئيس: التخلص من الحراك المجتمعي الواسع والسلمي، ودفع أوساط واسعة من السوريين إلى التمذهب والتعسكر، وصولا إلى تقويض ثورة الحرية، واستبدال المواجهة اليائسة مع المجتمع، بقتالٍ واعد مع مسلحين يسهل اختراقهم، سينقضّون مثله على ثورة الحرية، وسيتكفلون بإخراجها من المناطق التي أخرجته منها، وسيعتمدون مثله أيديولوجيات توزع الشعب على طوائف تنكر وحدته، وتحول المعركة ضده إلى حربٍ بين مواطنين أعداء. وبمرور الوقت وتعاظم العنف، ستتوفر أدلة كافية على أن المعركة في سورية حرب يدافع نظام شرعي فيها عن أمنه وسلامه، وأمن العالم وسلامه، ضد إرهابيين.

بالتناغم مع هذه الخطة، وقف لافروف، بأقصى وضوح، إلى جانب نظامٍ أعلن ملايين من مواطناته ومواطنيه الثورة عليه، وتمسّك، هو ورئيسه وجنرالاته، برئيسه وساندوه، من دون تحفظ، من خلال مئات التصريحات والتدابير الميدانية، وعطلوا النظام الدولي ومنظماته الشرعية لمنع إدانته على جرائم الحرب التي ارتكبها، فهل هكذا يدعم لافروف حق السوريين في تقرير مصيرهم، هل تقرير مصير السوريين مسألة تجريدية تعوم في فراغ، أم ترتبط بعلاقات القوى، من حيث سماحها بفعل التقرير وبنتائجه؟ وهل أسهم تحويل ثورة الحرية إلى صراع طائفي وحربٍ ضد شعب سورية الأعزل والمسالم في تعزيز قدرة السوريين على تقرير مصيرهم، أم فرض الأسد عليهم بقوة عملية إبادة منهجية نظمها الروس، وزوّدوها بما يلزم لنجاحها من أسلحة وخطط؟

ـ أرسلت روسيا، في 2015، أسلحة حديثة، بينها ستمائة سلاح جديد تمت تجربتها في سورية. سبق ذلك بيوم حديث للرئيس فلاديمير بوتين مع جنرالاته، في أعقاب مناورةٍ استخدم فيها السلاح الذي سيرسل إلى سورية، أخبرهم أنهم ذاهبون إلى سورية لإنقاذ الأسد ونظامه. هكذا، قرر بوتين مصير السوريين. شكرا له على صراحته، ولأنه تصرف كممثل تقليدي للحقبة الاستعمارية، وأعلمنا أن جيش روسيا، كغيره من جيوش الدول الاستعمارية، لن يغزو سورية، لتمكين شعبها من تقرير مصيره، وأن مهمته فرض الأسد عليه بالقوة؟

ـ استخدم الروس القوة للإمساك بخيوط جميع الأطراف المتصارعة، عدا إيران ومرتزقتها وكرد حزب الاتحاد الديمقراطي الأميركيين، وتفاهموا مع واشنطن على مسائل تتخطّى الحل السوري الذي سينضوي فيها ويتعيّن بها، الأمر الذي سيترك أبوابها مشرعةً أمام صراعاتٍ إضافية لا علاقة للثورة والشعب السوري بها، أهمها قاطبةً الصراع الدولي الروسي/ الأميركي الذي يقرّر مصير السوريين ولا يتقرّر به، فإذا أخذنا بالاعتبار أن الورقة الإيرانية ليست بعد في يد روسيا، وأن إيران منافسة لها، علمنا أن آخر ما يهم روسيا إعطاؤنا الحق في أن نكون أحرارا في تقرير مصيرنا الذي سيكون حتما ضد وجودها في وطننا، فهل بلغ استخفاف الروس بعقولنا حدا نوهم أنفسنا معه أن بين مهامنا تقرير مصيرها ومصير علاقاتها مع واشنطن وطهران، ووضعها الدولي، ونهاية نظام الأمن الإقليمي الذي أعلنت تصميمها على إقامته في المنطقة العربية؟ هل ستسمح روسيا حقا للسوريين بتقرير مصيرهم ، إن كانت سياساتها تستهدف هزيمتهم، والإبقاء على الأسد ونظامه أمرا واقعا؟

قتلت روسيا عشرات آلاف السوريين، ودمرت مقومات وجودهم، واحتلت بلادهم، وأعادت النظام بالقوة إلى مناطق عديدة، كان قد طرد منها، وطردتهم من مناطق يرتبط حقهم في تقرير مصيرهم بها، وتلاعبت بالقرارات الدولية، لكي تبقي الأسد رئيسا في مرحلة انتقالية تريدها من الحرية إلى النظام، على أن تجدّد رئاسته فترتين متتاليتين مدتهما أربعة عشر عاما تضاف إلى الأعوام الحادية والعشرين التي يكون قد أمضاها في الرئاسة. من أجل الأسد، أجهزت روسيا على أي توازنٍ بين المعارضة ونظامه، وخاضت الحرب نيابةً عنه، ثم يمازحنا لافروف بالقول إن السوريين هم الذين يجب أن يقرّروا مصيرهم.

سيد لافروف: ماذا سيقرّر السوريون؟ هل أبقيت لهم شيئا يقرّرونه، غير الاستسلام لكم، ولخونةٍ باعوكم وطنهم من أجل كراسيهم؟

21.     ========================

من التضليل إلى الهُراء في سورية .. سوسن جميل حسن

العربي الجديد

السبت 23/9/2017

يقول هاري فرانكفورت، بروفسور الفلسفة العقلانية في جامعة برينكتون: يحيط بنا الهُراء، لكننا لا نرى بماذا يتعلق. والهُراء في القاموس: كلام كثير فاسد، لا نظام له، ولا رابط بين جُمله وفِقَره، أي هو كلماتٌ أو عباراتٌ من دون معنى لها، وغير خاضعة للمنطق.

ومن يراقب الواقع، ويرصد كلام الناس وسلوكياتهم في تفاصيل حياتهم اليومية، يرى كثيرا من الهُراء، على شكل الدردشة غير المنضبطة وإلقاء الكلام والحكم والاستنتاجات على عواهنها، وهذا يشكل الملمح الأساس لنمط أحاديثهم وتعاطيهم مع الأحداث، فكيف بحدثٍ جلل كما الزلزال السوري، أو الزلازل الأخرى التي ضربت منطقتنا العربية؟

أما في مواقع التواصل الاجتماعي فإمكانية إنتاج الهُراء أكبر، لما تتمتع به هذه المواقع من أريحيةٍ في استخدامها، وما تمنح من فضاء متاح لجميع الأفراد بديمقراطية كاملة، يمنحهم الحرية المطلقة، ليقولوا ما يريدون، أو ما يرغبون بالتعبير عنه، بل إن المستطيل المخصص لكل مستخدم فيسبوك ممهور بجملة استفهامية: بماذا تفكّر؟ كدعوة غاوية للكتابة.

يفرق هاري فرانكفورت بين الهُراء والكذب، فالذي يرغب بالهُراء، أو يمارسه، خلال مسيرة حياته يكون أكثر حرية، لأنه لا يتوجب عليه أن يصوغ الأكاذيب أمام الحقائق، وهو يروي حكاياتٍ لا تحتاج أن تنسب إلى الحقيقة أو إلى الزيف، فهو مبدع، بل وفنان في نسج هُرائه، ولا يهتم بالحقائق إلاّ بالقدر الذي ينجيهم أو ينقذهم. أما الكذب فيحتاج إلى "تركيز حاد"، فهو، بعكس الهُراء، يحتاج إلى احترافٍ، لأن على الكاذب أن يُلمّ بالحقائق أولاً، كي يستطيع أن يخترع كذبة. وبناء على هذه المفاضلة، فإن "الهراء عدو الحقيقة الأعظم، بكثير، من الكذب" كما يقول.

أما الكذب في بث الأخبار أو الشائعات وفبركتها، لتخدم هدفاً محدداً يُراد منه، في الدرجة

"الحرب دقت أسافينها في صدور السوريين، بينما التسويات تجري بنشاط عالٍ" الأولى، حرف انتباه الشريحة المستهدفة عن قضيةٍ معينةٍ، ودفعها باتجاه نسق محدد من التفكير، فلقد كان ألف باء الميديا، بكل أنواعها وكل ارتباطاتها وانتماءاتها، بالنسبة للشأن السوري، والغاية بأبسط شكل لها هي تشكيل اتجاه عام للمجموع أو الشرائح المستهدفة يعكس دافعاً واستعداداً لدى معظم أفراد الجماعة، أو الشريحة لتبنّي وجهة نظر تجاه موقفٍ لم يتحدد بعد، وللاتجاه تأثير على استجابة الفرد حول جميع المواقف والموضوعات التي تستثير هذه الاستجابة، وهو يدفعها نحو الهدف المطلوب... إذن، الاتجاه هو استعداد نفسي لاستجابة سلوكية معينة تجاه موقف معين لم يتحدد بعد. ما تم ترسيخه في العقود الماضية هو اتجاه عام نحو تبني العقائد الدينية والطائفية التي كانت مستبطنةً حالةً وهميةً خادعة، فرضت بالسيطرة والقوة والقمع تنادي بالقومية والعلمانية والتحرّر والوطنية والجنوح إلى التطوير والتحديث، بينما في الواقع كانت الأصولية الدينية والعصبية الطائفية والمذهبية والقومية هي التي تستعر تحت هذا القناع المخادع المهلهل.

في هذه العقود، والعقد الأخير منها أكثر من غيره لما شهد من عنفٍ وتدمير لبنى المجتمع والدولة، وانتهاك للوعي الفردي والجماعي، وتطاول على البنية الشخصية للفرد السوري، فإن نتيجة الكذب والخداع اللذين مورسا كانت مزيدًا من الهُراء المدروس الموجّه، عن طريق أشخاص وفرق متخصصة في فن الهُراء. ومن الهُراء العفوي الناجم عن فقدان الثقة ومحاولة تعويضها بوهم الإرادة الحرة عن طريق التعاطي اللامسؤول بالشأن العام، أيًّا كان مجاله، وهذا حقٌّ لكل مواطن، حق أن يكون له رأي بالشأن العام، لكن الواقع أظهر فيضًا من الهُراء، وآخره الضجة التي أثارتها المناهج التعليمية والتربوية الجديدة في وزارة التربية السورية.

بمتابعة ما تضج به وسائل التواصل، وبالاطلاع على كتب جديدة "مبتكرة" في مناهج وزارة التربية السورية، تصل إلى أن الهُراء الذي تتحدث عنه هذه المقالة ليس شأنًا شعبيًا فقط، بل شأن حكومي أيضًا.

بعد سنوات سبع من الدمار والدم، وبعد أن صودرت أحلام الشعب بانقلابه على واقعه، واغتيلت أحلامه بدولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة أساسا للانتماء للوطن السوري، بعيدًا عن العصبيات بكل أنواعها، وبعيدًا عن أسلمة الدولة، ومن أجل أن يكون الدين شأنًا شعبيًا وخاصًا، أضيف إلى منهاج الصف الأول الابتدائي كتاب، لم يكن مقررًا في أي عام مضى لهذه الفئة العمرية التي يفترض أنها لا تعرف مدلول الحرف بعد. اشتمل الكتاب على أربع وحدات درسية، كل منها من أربعة محاور: القرآن الكريم، الحديث الشريف، السيرة النبوية، الأخلاق. وبما أن الطفل في الصف الأول الابتدائي يكون في حالة خوض محنةٍ كبيرة، تعتبر بمثابة الفطام الفعلي عن والديه وبيته، ويعاني من خوفٍ واضطرابٍ وارتباكٍ من مواجهة المحيط الخارجي وحيدًا من دون أهله، وأن خبراته التعليمية معدومة، فإن هذا المنهاج، من حيث المبدأ، زيادة عليه وأكبر من وعيه واحتماله، إن كان لجهة المفردات الصعبة التي عليه حفظها، أو لجهة تكريس الخوف لديه منذ نعومة أظفاره بـ "يوم الدين" الذي هو يوم الحساب. ثم "المغضوب عليهم ولا الضالين"، أو "لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت". أما آداب الطعام فهي البداية بالبسملة، كما يقول الحديث الشريف المدوّن في الدرس: "سمِّ الله وكل مما يليك". فماذا عن الأطفال الذين ليسوا مسلمين؟ أليسوا سوريين؟ أما العناوين التي تشتمل على قيم، مثل الصدق والنظافة والكلمة الطيبة والإخلاص وغيرها، فجميعها قيم إنسانية لا تخص دينًا دون آخر، ويمكن تغذيتها في نفوس الأطفال بمعزل عن الدين. فهل تعليم الطفل أن "الطهور شطرُ الإيمان" كما جاء في الحديث الشريف سوف

"الكذب يحتاج إلى "تركيز حاد"، فهو، بعكس الهُراء، يحتاج إلى احترافٍ، لأن على الكاذب أن يُلمّ بالحقائق أولاً، كي يستطيع أن يخترع كذبة" يرسخ هذا السلوك البشري أكثر مما تقدّمه العلوم والمعارف في القرن الواحد والعشرين؟ وهل "الطهور" شأن إسلامي فقط؟

هذا بالنسبة لكتاب واحد، أما بقية الكتب والمناهج فجديرة بدراسةٍ مطولة، ليس أقلها السؤال عن هوية المجتمع السوري القادم، وهل كانت نتيجة هذه الحرب المدفوعة تسوياتٍ تفرض على الشعب الذي مُنع من تحقيق حلمه، وساموه الذل والهوان والقتل، وسرقت الفصائل الإسلامية ثورته، وقتلت الحرب طموحه، ليأتي كتاب اللغة العربية للثاني الثانوي العلمي بغلافٍ تحتله صور فتيات محجبات، فهل هذه هي الهوية القادمة للمجتمع السوري؟ وماذا عن باقي طوائفه؟

كتاب التاريخ للأول الثانوي، عدا صورة الغلاف التي تثير الرعب، وهي صورة تمثال ملك ماري "إيتور شماكين"، والتي كان يمكن استبدالها بصور ألطف، وإخراجها بطريقة أكثر فنية، فإن الكتاب المزمع أن يكون مبنيًا على منهج البحث الذي يدفع الطالب إلى أن يتقصّى من أجل الحصول على المعلومات وبناء المعارف، فإنه يحتاج إلى دورةٍ مكثفة للمدرسين الذين يدرسون المادة، هذا إذا تغاضينا عن الأخطاء اللغوية والنحوية التي يحفل بها. هناك ارتباكٌ واضح في تقديم المعلومة وإدارة المنهاج.

في المحصلة، الضجيج الكبير الذي تحدثه المناهج التعليمية الجديدة زاخر بالهُراء، كما أن المناهج بحد ذاتها غنية بهذا الهُراء. هذا نتيجة حتمية لسبع سنواتٍ من التضليل والخداع والأكاذيب التي فرّغت الوعي العام، والحرب التي دقت أسافينها في صدور السوريين، بينما التسويات واللمسات الأخيرة تجري بنشاط عالٍ وسعي حثيث، وآخر المدعوين إلى رسم الخرائط الجديدة والخطوط البيانية للحياة القادمة هم السوريون.

22.     ========================

أستانة روسيا" وتقاسم النفوذ في سورية .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

السبت 23/9/2017

تصاعدت ردود الفعل السورية بشأن نتائج الجولة السادسة من مباحثات أستانة السورية، وعم الصمت دولياً عن التفاهمات التي عقدت بعيداً عن الأضواء بين الأطراف الثلاثة (روسيا وتركيا وإيران)، إذ عقدت الجولة بعد اجتماعات بين كل طرفين، العامل المشترك فيهما تركيا، ما يعني أن ما آلت إليه الأمور في "أستانة 6" هو نتائج جاهزة لتلك الزيارات واللقاءات المشتركة بين القادة العسكريين والسياسيين، حيث لم يكن للسوريين، على طرفي المعادلة (نظاماً أو معارضة)، أي دور يذكر، حتى ولو كان تشاورياً، في إعلانٍ صريح من الدول المذكورة عن انتفاء سيادة أي طرف (لا سيما النظام) على المناطق التي عقدت التفاهمات والاتفاقيات حولها.

وبينما صمت الحاضرون في المحادثات من الفصائل السورية، وجلسوا مجرد شهود على اتفاقيةٍ لا يعرفون مدى تأثيراتها على واقع وجودهم بوصفهم معارضة، تردّدت هنا وهناك، بيانات رفض لهذه المخرجات، على الرغم من أن النتائج تعد حصيلة طبيعية لمقدّمات سابقة، سواء من الجولات التفاوضية الخمس لأستانة، أو من اتفاقيات خفض التصعيد التي عقدت بين الجانبين الروسي والأميركي، أو الروسي وفصائل الغوطة (جيش الإسلام وفيلق الرحمن) كل على حدة، ما يجعل تلك الصرخات غير ذات فاعلية، ولا يمكن أن تؤدي إلى تعطيل مضمون ما اتفق عليه، سواء المعلن منه، أو المضمر بين سطور بنود الاتفاقيات، وفي الاجتماعات الثنائية والثلاثية.

وقد نفى النظام موافقته على أن تكون تركيا دولة ضامنة لخفض التصعيد في إدلب، معتبراً

"ست جولات في أستانة لن تفيد إلا بتسجيل مواقف إعلامية لا تغير من خرائط المناطق منخفضة التوتر أي شيء" "الوجود العسكري التركي غير شرعي" (كأن كل القوى والقوات العسكرية الأخرى الموجودة على أرض سورية شرعية)، متجاهلاً أن كل ما تم من اتفاقيات على مناطق "خفض التصعيد" هو لشرعنة وجود تلك الدول في سورية، وفي مقدمتها إيران، وأن هذه الاتفاقيات جرت بعيداً عن مشاركتها الفعلية فيها، أسوة بالطرف الآخر (المعارضة بتنوعاتها).

وفي وقتٍ تستعد فيه كل دولة لإطباق سيطرتها على حصتها في مناطق نفوذها، تتابع قوات سورية الديمقراطية مسارها العسكري، لتحرير المناطق التي أوكلت إليها من الإدارة الأميركية، وسط اعتراض النظام وتقاطع موقفه مع اعتراضات إيران وتركيا حول ذلك الدور الكردي وحدوده، ولكل منهم أسبابه الخاصة التي تتلخص في:

أولاً- سعي النظام إلى إحكام سيطرته على كل ما يستطيعه من مساحة سورية لتكبير حصته على طاولة المفاوضات في جنيف، وصياغة تسويةٍ تتناسب وإرادته في البقاء حاكماً مطلقاً لسورية، ضمن تنازلاتٍ من نوع إجراء تعديلات في الحكومة التنفيذية، وإعطاء أدوار لشخصياتٍ معارضةٍ فيها، وتغييرات في بعض نصوص دستور 2012، حيث تسمح هذه التغييرات بمشاركة المعارضة، وفق أسسٍ لا تتجاوز ما هو قائم اليوم من شراكةٍ بين النظام وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، فالاعتبار لدى النظام ليس للسيادة الوطنية التي تجعله قادراً على صناعة القرار على أراضيه، سواء الذي يتعلق بعلاقاته مع دول الجوار أو غيرها، أو التي تسمح للدول بالوجود على أراضيه، وإنما لبقاء النظام شريكا مستثمرا لسورية داخلياً مع أي قوة أو دولة تحميه.

ثانياً- تسعى إيران إلى عرقلة حركة الأكراد في دير الزور التي تتوخى منعها من الوصول إلى مناطق الحدود مع العراق، حيث يمكن للقوى الكردية أن تعرقل لإيران مشروع ربط العواصم الأربع (طهران، بغداد، دمشق، بيروت) الذي لا زالت تحلم به، عبر وصول قواتها، أو قوات النظام، إلى دير الزور والبوكمال، وخصوصا بعد أن خسرت معبر التنف في البادية، إضافة إلى أن أي تمدّد كردي من شأنه أن يفتح أبواب حراك كردي إيراني، تسعى طهران إلى ابقاء ملفه مغلقاً، وهو ما تتشارك بهواجسه مع الجانب التركي.

ثالثاً- تركيا هي صاحبة الحراك الأساسي ضد القوة الكردية التي تعتبرها جزءاً من حزب

"تركيا هي صاحبة الحراك الأساسي ضد القوة الكردية التي تعتبرها جزءاً من حزب العمال الكردستاني" العمال الكردستاني الإرهابي، وتعتبر وجودها على الحدود تهديداً لأمنها القومي، وربما امتدادا لنشاط المنظمة الإرهابية. ولهذا تستمر في القول إنها لن تسمح باقامة كيان كردي في جوارها. وعليه، ما شاهدناه من موقفها الرافض لاستفتاء كردستان العراق، في عملية توحيد نظرتها تجاه الكرد عموماً، ولأي دولة كانوا ينتمون، أربك القضية السورية، حيث لم تستطع قوى المعارضة التدخل في فصل الصراع بين تركيا وأكرادها، وبينها وبين جزء من أكراد سورية، بيد أن التدخل الأميركي حدّ من قدرة أنقرة على إبعاد قوات سورية الديمقراطية، وفتح لها المجال في المشاركة في معركتي الرقة ودير الزور، وأوعز للروس بتحمل جزء من مسؤوليتها لإقامة منطقة فصلٍ بين القوات التركية والكردية في منطقة تل رفعت، في مقابل ضمان روسيا لتركيا إقامة الشريط العازل، أو منطقة خفض التوتر في ريف حماه وسهل الغاب وجبال الساحل وطبعاً إدلب.

وتأتي عملية توحيد الفصائل المسلحة في إدلب، ضمن ما يمكن تسميته ترويض المعارضة داخل مناطق نفوذ داعميها، حيث تتجمع فصائل محسوبة على تركيا في مواجهة ما يسمى هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، علماً أن معظم الذين انضووا تحت جناح الهيئة قد ساهموا اليوم بتفكيكها من الداخل، في عملية نوعية لتدوير الوظائف والأهداف، ما يعني أن مرحلة الاعتراضات التي جاءت متأخرة، ست جولات في أستانة، لن تفيد إلا بتسجيل مواقف إعلامية، لا تغير من خرائط المناطق منخفضة التوتر أي شيء، ولا تعيد رسم الألوان على خريطة تفاهمات 9 سبتمبر/ أيلول في أنقرة، بعيداً عن ريشة السوريين، وحسب المشهد السوري لقوى الثورة التي غيبت تماماً بفعل الفصائل المنضوية ضمن تلك الاتفاقات.

23.     ========================

سؤال في السويداء .. نورس عزيز

العربي الجديد

السبت 23/9/2017

صوت زخاتٍ كثيفةٍ من الرصاص استيقظت عليها مدينة السويداء السورية، أطلقتْ تعبيراً عن الفرح بعملية قَتْل ثلاثة أشخاص، على خلفية حادثة اختطاف فتاة قاصر، في السابعة عشرة من عمرها، بغرض الاتجار بأعضائها، إذ بيعت لسيدة من محافظة اللاذقية مقابل تسعة ملايين ليرة سورية (17 ألف دولار)، بحسب اعترافات مصورة للرجال المقتولين.

اسْتُدْرِجَتْ الفتاة إلى مستودع للأدوية في المدينة، بتوجيه من رئيس فرع الأمن العسكري في السويداء، العميد وفيق ناصر، وبالتنسيق مع قائد كتائب الدفاع الوطني، أنور الكريدي، إضافة إلى مسؤول جمعية في المحافظة تتبع لرامي مخلوف، بحسب الاعترافات.

ظهر المتهمون في أثناء إدلائهم بشهاداتهم المصورة، وآثار التعذيب ظاهرة على أجسادهم، حيث قبض عليهم أفراد من عائلة الفتاة، واختطف هؤلاء عناصر من الأمن، تم الاشتباه بعلاقتهم بخطف الفتاة. وقد نشر هذه المعلومة أقارب الفتاة على صفحتهم في "فيسبوك".

وقد أصبحت عمليات اختطاف عناصر من الأمن أمراً معتاداً في السويداء، فهي تجري لأجل المقايضة على شبان من المحافظة معتقلين لدى الأفرع الأمنية، بذريعة سوقهم إلى خدمة العَلَم العسكرية في الجيش.. مع الإفادة بأن هذا يُعْتَبَرُ خطاً أحمر، رسمته حركةُ الكرامة التي يتزعمها رجال دين دروز منذ أواخر العام 2014.

اعترف المتهمون الثلاثة، في أثناء التحقيق معهم، بعلاقتهم المباشرة باختطاف الفتاة، وأن سبب اختيارها أن مقرّبين منها ينتمون لتلك الجمعية. وبحسب أحدهم، تمت هذه العملية باعتبارها تصفية حسابات بين اللاعبين الأساسيين في المحافظة.

وبغياب شبه كلي للقبضة الأمنية في السويداء، وخصوصا في الأحداث ذات الطابع الحساس بين العائلات، تمت تصفية المتهمين الثلاثة، من دون اللجوء للقانون أو المحكمة، وكُتبت لوحة بجانب جثثهم: هذا مصير كل خائن للعرض، ووقعت باسم أسرة الفتاة القاصر.

يعيد مشهد القتلى الثلاثة وسط ساحة المشنقة المشهورة في المدينة إلى الأذهان القانون العشائري في القَصَاص ممن هناك إجماع على إنزال عقوبة الموت بهم، وكان آخر تطبيق لقانون طرش الدم قد حدث في مدينة السويداء في العام 2005، وهو غالباً ما كان يتعلق بجرائم الشرف، أو جريمة (الخطيفة) بحسب ما هو متعارف عليه محلياً، ويشير إلى زواج إحدى الفتيات من شابٍ ينتمي إلى مذهبٍ ديني مختلف عن المذهب الدرزي، والهرب معه خارج المحافظة، حيث تستدرج الفتاة الهاربة من محافظة السويداء، برفقة شاب ينتمي إلى طائفة أخرى، إلى بيت أهلها في المدينة وتُقتل، ثم تقام الاحتفالات بهذه المناسبة، ويلاقي هذا العمل استياء كثيرين من شرائح المثقفين في المجتمع الدرزي.

غابت هذه الحوادث اثني عشر عاماً، لتعود وتؤكد أن الدولة بدأت تتجه نحو ترك أبناء السويداء يقتلعون شوكهم بأيديهم. وقضية التصفية التي حدثت قبل أيام ما هي إلا غاية ذات شعبتين، أولهما تدمير الأدلة التي تثبت إدانة رئيس فرع الأمن العسكري والمشتركين معه، متمثلة بقتل الشهود. وثانيهما تعزيز النزعة الطائفية من خلال إيجاد جرائم شرف على أيدي أبناء المحافظة، واستغلال حالتهم المادية الضيقة، وكذلك إحلال قانون العشيرة في السويداء، بعيداً عن المحاكمات العادلة، وهو ما يُبقي المحافظة في حالة صراع وعدم استقرار، والمستفيد الأكبر هو النظام السوري.

السؤال الذي يطرحه مثقفو السويداء وبقوة، وعلى نحو استنكاري، في هذه الفترة: هل تتغلب قوانين العشيرة على أحلامهم في بناء دولةٍ مدنيةٍ يحكمها القانون العادل؟

24.     ========================

عُيِّشَ الأسد… سقطت سوريا! .. حسان شمس

القدس العربي

السبت 23/9/2017

في ظل ما تشي به الأوضاع على الأرض، فإن ما كان يُعرف بـ"الجمهورية العربية السورية" آيلاً أن يكون كعكة تتقاسم النفوذ عليها كل مِن الولايات المتحدة، روسيا، إسرائيل، إيران وتركيا، وأن ما اصطُلِح على وصفه بـ"الاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات الجولان السورية"، حتى الآن، صار مِن الماضي وصار معه تكريس الاحتلال أمراً واقعاً بفعل التغيرات الجيوسياسية التي شهدها الكيان السوري.

كان جليّاً منذ البدء أن مَن قدّم "العون" للسوريين مِن العرب في ثورتهم، لم يفعلها لأجل سواد عيونهم أو توقاً منه لبناء دولة حرّة علمانية ديمقراطية ستشكِّل، حتماً وآجلاً أم عاجلاً، نموذجاً يهدِّد بنقل عدواها إلى أوطانهم، وإنما لغاية إقامة أشباه أوطان على شاكلة التي عندهم، أو في أسوأ الأحوال، حالَ عجزهم، حصر تجربة السوريين الوليدة تلك في حدود أرضهم. كل مَن لم يضع، مِن المعارضة السورية، تلك الحقيقة الدامغة نصب عينيه ويتصرف بمقتضاها أو عمل بيدقاً لتلك القوى، سوف يلعنه السوريون لولَد الولدان ويحاكمونه ولو بعد حين.

لسنا في وارد سؤال "القوى المناهضة للنظام" عن ركاكة أدائها السياسي؛ فالقبور والمنافي والسجون التي اختارتها عصابة الأسد قدراً لكل معترض لا تصنع معارضة. كما أن الغاية ليست تحميلها وزر نذالة المجتمع الدولي وقراره في تأديب كل الشعوب المستضعفة على حساب الدم السوري وجعل بلادهم مقبرة الثورات، وتخلّيه الفاقع تالياً عنهم عبر وعود معسولة مِن غير رصيد؛ لكن ما لا يُغفَر لها هو الشطط والروائح النتنة والبيع والشراء واللعاب الذي ساب على سلطة ما حظيت بها يوماً! كما أنه ليس في سجّلات قرض الشعر والبكاء والمؤتمرات والاستجداء والتسوّل الذي احترفته، ما يشي أنها ساهمت في بناء أوطان أو نصرت ثورات. إنّ الاستثناء السوري، طال هذه المرة حتى نمطية "الثورة التي تأكل أبناءها"، إذ أنّ ثورتهم بدأت نهش أولادها أجنّة وحتى قبل اكتمال العناصر التي تجعل منها ثورة.

كان ينبغي لهذه الثورة أن تحافظ على نفسها سلميّةً حتى لو عمد النظام إلى قصفها بالنووي وليس الكيماوي وحسب. لكن مَن وضعها على سكّة وأدِها المحتوم الذي نشهده راهناً، وهو مِن غير منازع الإسلام السياسي والجهادي، يتحمل، جنباً إلى جنب، مع إجرام نظام الأسد، كامل المسؤولية عن خيانة ثورة السوريين ودمائهم وكل ما حلّ بهم مِن كوارث وفظائع وعذابات، بدءاً بحركة "الإخوان المسلمين" وانتهاءً بـ"داعش" و"النصرة" ومَن لفّ لفّهم. فكل المرّات التي استُدعي الله فيها إلى الأرض وحلبات السياسة حلّت الكوارث واللعنات. جماعة "ما خرجنا إلا لنصرة هذا الدين"، كان ينبغي عليهم، مِن الأصل، ألا يخرجوا وألا ينصروا! في لقاء متلفز لم يتم بثّه، بعيد اندلاع الثورة السورية، لم ترُق لمراسلة قناة "فرانس 24" إجابة أحد الحاضرين أنه يفضِّل أن تجتاح سوريا كل قوى الأرض العاتية وتقتلع النظام مِن جذوره، على أن يتم دفع الثورة للتسليح ويرفع سوري السلاح بوجه سوري آخر…؛ ليت ما تمنّاه تم. سوف يكتب التاريخ كثيراً عن بشار الأسد؛ عدوّ الإنسانية، مجرم الحرب، الكيميائي، البراميلي، رئيس أفظع نظام فاسد سياسيا، والديكتاتور الذي بالغَ في ممارسة فعل الخيانة -مِن جهة- وأكثر مَن رمى أخصامه بذات التهمة مِن الجهة الأخرى. لكنه، بالقطع، لن ينكر عليه "مأثرته" أنه الأبله الطائفي الأقلّوي القادم مِن جبال الساحل السوري الذي أكثر ما أجاد فعله الركوب على ظهر المركَّب الأكثري في بلده وإقناع العالم برمّته بوصمه بالجهادي والإرهابي. كانت خمور الوطن تكفينا وتكفي أهل الأرض معنا، وهي أولى بنا مِن خمور السماء. كنا ربحنا أنفسنا وانتصرنا لثورتنا ودماء مَن سقطوا منّا، وكذلك لم نخسر غيرنا. لكن مشيئة مَن كان لهم الفضل الراجح ببعث الروح في جيفة الأسد كانت خلاف ذلك، وكان لهم ما أرادوا… أثبتوا أنهم مِن أولئك الذين لا يعتبرون مِن التاريخ ولا يتعلمون لا مِن أخطاء غيرهم ولا حتى مِن أخطائهم…؛ مَثَلهم الأعلى كان، على الدوام، كائنات ارتبط اسمها بمدينة "دُمَّر" قرب دمشق ويعرفها السوريون جيداً!

اعتاد أهالي منطقتنا، منذ عشرات السنين، كلما أرادوا أن يرْثوا حال الفلسطينيين القول: "ضاعت فلسطين على العرب". الأسد الابن الذي أضاع والده الجولان أول مرّة عام سبعة وستين، أبى إلا أن يشابه أباه. منذ الآن، يجب أن تعتاد ألسنتنا على متلازمة "ضاعت الجولان على السوريين"، وربما غير الجولان أيضاً.

 

كاتب سوري / الجولان المحتل

25.     ========================

تصريحات عصام زهر الدين تطبيق عملي لأفكار بشار الأسد .. ميسرة بكور

القدس العربي

السبت 23/9/2017

يفتح "عصام زهر الدين" مزادًا يقول فيه ناصحًا المُهجَّرين قسرًا بفضل الطائرات الروسية والميليشيات متعددة الجنسيات التي تقاتل لتكون كلمة بشار الأسد العليا، الذي لا يستطيع أن يسمع إلا صدى صوته وبالروح والدم نفديك يا بشار، يطلب من اللاجئين عدم العودة أو التفكير بالرجوع إلى الوطن حتى لو تنازل تنظيم الأسد وتكرم عطفته بمسامحتهم، لأنه هو وزملاءه من القتلة الرخيصين لن يسامحوهم، "وعلينا أن نصدقه".

قد لا تكون هذه النصيحة المقدمة ذات أهمية بالنسبة للكثير من السوريين الذين علموا علم يقين أن تنظيم الأسد قام على ركيزتين أساسيتين، القتل دون حدود والتنكيل، ليس بالخصوم السياسيين بل بمن حلم ذات ليلة أن يتمرد أو أن يقول لا.

لكن ما لفتني ولفت الكثيرين هو رد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة على سؤال أحد الصحافيين الذي طلب إليه التعليق على ما قاله ذلك الضابط السفاح برتبة قيادي في ميليشيا الأسد، فكان رده بالقول "يجب أن يتاح الحق للاجئين في خيار العودة إلى ديارهم آمنين بإرادتهم"، الدهشة التي أصابتني وأنا استمع لقول المتحدث هي أنه لم يجد في قاموس ومفردات اللغة السياسية والحقوقية إلا هذا السخف، رحم الله بان كي مون القلق على الأقل كان يقلق. أما المتحدث يرد على تصريح علني بمجزرة شاملة وتهديد بالإبادة مكتمل الأركان، بالقول للاجئين حق الخيار، ولست على علم إن كان المتحدث السامي على اضطلاع تام على أسباب الهجرة السورية نحو الشمال والغرب، هل كان خيارهم، أم أن ذلك الضابط "الفوق متوحش" وفصيلته هي من أرغمتهم على التهجير أو القتل وهم أنفسهم اليوم يحذرونهم من الرجوع.

ما لفتني في التصريح الذي لم يدهش العارفين بتنظيم دمشق وعقليته فوق المتوحشة، إن البعض بدأ يناقش التصريح من نقطة "زهر الدين" ينتمي للأقلية الدرزية، وهذا أمر يجب أن نتوقف عنده لنقول بكل صدق دون مداهنة لأحد من الخطأ بمكان أن يكون النقاش بهذه الطريقة "الطائفية" علينا جميعًا ألا نغرق بهذا المستنقع الذي حاول ومازال تنظيم الأسد أن يجرنا إليه، فهو كان حريصًا منذ اندلاع الثورة السورية، أن يدفع لواجهة المشهد أشخاصا ينتمون لهذه الطائفة أو تلك باستراتيجية خبيثة هدفها أن يخلق هذا الشعور "الطائفي" لدى المجتمع السوري وبخاصة أن الثوار بغالبيتهم من العرب السنة، وهو أمر طبيعة كونهم العمود الفقري لسوريا، وهدف أبعد من ذلك، تسويق نفسه لدى المجتمع الدولي أنه آخر معاقل العلمانية في المشرق العربي وحامي الأقليات، وأن جنوده ليسوا فقط من فصيلته بل من الأقليات التي تتخوف من المتشددين الإسلاميين "الإرهابيين" الذين دفعتم الطائفية الآيرانية ليتصدروا المشهد الثوري ومن خلال استنبات "تنظيم الدولة".

ما هكذا تورد الإبل، دون تردد أو تملق، نقول هذا "العصام" ليس درزيًا أو يهتم لدين، كما قلنا وقال العالم الإرهاب لا دين له ولا طائفة، عصام ، الذي أراد بشار الأسد أن يصدره لواجهة الأحداث، لا يقاتل عن دين أو عقيدة أو عرق، أولئك الأشخاص عقيدتهم السلطة ومن يجلس على كرسي العرش في دمشق هو من يؤمنون به مخلصًا، والتعميم بكل حال خطأ وظلم وجهالة.

مما دفعني للتعليق على حديث زهرالدين وما تلاه من توعد "وفيق الناصر" تابع تنظيم الأسد في المنطقة الجنوبية، أن التنظيم لن يقبل المصالحات الفردية، وأن كل بلدة سترفع علم النظام على مداخلها قريبًا، نقطة في غاية الأهمية أرجو أن تسترعي انتباهكم، ألم تلاحظوا أن تنظيم بشار الأسد يتعمد أن يظهر كل ما في مخيلته من توحش وهمجية وانتقام لا متناهٍ، ألم يلفتكم الشرالمطلق أو تلكم "الكيمياء" المشتركة بين كافة متصدري المشهد العسكري والإعلامي في تنظيم الأسد، ألم يلفت انتباهكم أن قادة الميليشيا الأسدية جنرالات "التعفيش" وفحول الاغتصاب، جميعهم لا يجدون الكلام أو الحديث ولا يمتلكون القدرة على الخوض بأي نقاش خارج النص المكتوب، عليكم أن تراجعوا بعناية تصريحات سهيل الحسن، ووفيق الناصر، وعصام زهر الدين، ألم تشاهدوا أن أولئك الأشخاص منفصلون عن الواقع وكأنهم كانوا يعيشون في كهوف ما قبل التاريخ حتى أحدهم لا يستطيع تركيب جملة واحدة، وكأنهم لم يعاشروا بشرًا من قبل، هل حقًا أولئك الأشخاص تخرجوا من كليات عسكرية أو خضعوا لما يسمونه في الجيش "التوجيه السياسي والمعنوي"، ألم تلاحظوا أن كبيرهم علي مملوك سبق له أن قال إنهم كانوا رحماء مع السوريين وكان عليهم سحق الثوار من أول لحظة، هل سمعتم حديث "بثينة شعبان" مستشارة بشار، في أول تعليق لها بعد انطلاق الثورة كيف وصفت الثوار بالمرتزقة والخونة والطائفيين المارقين المنفلتين من عقال القيم والأخلاق.

هل لاحظتم أن تنظيم الأسد يتعمد أن يصدر للسوريين أقبح ما في القبح وأشر ما في النار وأسوأ نماذج التوحش حتى بات الناس يترحمون على هولاكو وإيفان الرهيب؟.

بالعودة لموضوع عصام زهر الدين "الدرزي" وسهيل الحسن "العلوي" تعيد التأكيد على أهمية عدم الانسياق وراء هذه التصنيفات والغرق في هذا المستنقع القذر والمسوغ الفاضح الكاشف لهذه الرغبة في توريطنا طائفيًّا وتقسيمنا عرقيًّا، السؤال التالي هل كان "أحمد الحسون "العربي السني" أقل تنكيلًا وكذبًا من عصام وسهيل وبثينة ووفيق الناصر؟ وهل خيب الجامع الأموي "مأمون رحمة" الذي دعا الناس للوقوف على جبل قاسيون بدل جبل عرفات، وسبق هذا كله بالدعاء لبوتين وأغلظ الإيمان أنه سيقاتل إلى جانب موسكو إذ حصل عيها عدوان، هل أولئك يمثلون "السنة" في سوريا وهل هم أقل أم أكثر وقاحة وتحريضا وتنكيلا بكل من تصفح صفحة في جريدة أو أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ألم يهاجموا الإعلام ويطلقون عليه "إعلام سفك الدم السوري"؟ ألم تتابعوا جميعًا كيف أن أشد المنافحين المدافعين عن جرائم الأسد معظمهم من السنة وخاصة المشايخ منهم؟.

أيها السادة خلاصة الكلام.. ما صرح به زهر الدين ومن قبل بثينة ومملوك ووفيق والحسون والرحمة، هو التجسيد والتطبيق العملي، لحديث بشار الأسد الأخير، حين ظن أنه في طور الانتصار "لقد كسبنا مجتمعًا متجانسًا"، وهو التأكيد لما طرحه من قبل في طور الهزيمة حين قال "نبحث عن سوريا المفيدة".

والحديث في هذا السياق طويل، هل عليّ أن أذكركم بما قاله "ماهر الأسد" حين استلمنا الحكم في سوريا كان عدد السكان ثمانية ملايين ونحن على استعداد أن نعيدهم اليوم إلى ذلك الرقم، ولكبار السن لمن عاصروا أحداث حماة ألم يطرق سمعكم قول حافظ الأسد حينها "نحن نخوض حرب قذرة ونحتاج لأشخاص قذرين لخوضها"، الأشخاص القذرون الذين خاضوا حرب حافظ على حماة هم أنفسهم الذين يقودون حرب بشار الأسد الأكثر قذارة على الشعب السوري.

في الوقت الذي تتعاطف فيه معظم الشعوب الإنسانية مع مأساة الشعب السوري بسبب العدوان الآيراني الميليشياتي عليهم، يخرج علينا من مستنقعات تنظيم الأسد ليرعدوا ويزبدوا ويهددوا ويتوعدوا ليس العدو، بل الشعب السوري المستضعف في الأرض. لو أن موظفًا صغيرًا في أي دولة في العالم قال ربع ما قال زهر الدين، لتم طرده وقدم للمحاكمة في اللحظة ذاتها، لكن دولة الأسد لن تحاسب فقاعتها الصوتية على سلوكهم الحقير، لأنهم صدى لصوتها ولأنهم لم يأتوا بجديد، فهم يعبرون ويطبقون ما قالهم سيدهم القابع في أحد أقبية قصر المهاجرين في دمشق. نقول لعصام، وزمرته " الناصر، الحسن، الحسون" ما قاله ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع في كتابه المقدمة، وهو يتحدث عن أطوار بناء الدولة، فيقول إن الحاكم يتخلص من أعوانه الأصليين الذين ثبتوه في الحكم، ولكم في غازي كنعان وجامع جامع ورستم غزالة وهشام بختيار وآصف شوكت عبرة، المصير ذاته ينتظركم بعد انتهائكم من حربكم القذرة، فهو لا يحب أن يترك خلفه صندوقا أسود.

26.     ========================

هل كانت اتفاقية كيري ـ لافروف كذبة كبرى؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 23/9/2017

 

لا شك أن التاريخ سيذكر أن سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي الحالي وجون كيري وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في عهد باراك أوباما شكّلا ثنائياً شهيراً لسنوات، فقد كانا أنشط وزيرين دوليين في الأزمة السورية، وقد اجتمعا عشرات لا بل مئات المرات، وكانا يقودان عملياً فريقي الصراع السوري، لافروف كان بمثابة المتحدث الرسمي باسم النظام السوري، بينما كان جون كيري يمثل بطريقة ما قوى المعارضة السورية مع الاعتراف طبعاً أن الجانب الروسي كان أصدق وأوثق في تحالفه مع نظام الأسد من الجانب الأمريكي مع المعارضة. ومن كثرة ما التقى لافروف بكيري أصبح هذا الثنائي أشبه بتوم أند جيري بطلي المسلسل الكرتوني الشهير، إلى حد أن البعض قال ذات يوم ساخراً: " ونحن صغار كنا نشاهد توم أند جيري، وعندما كبرنا صرنا نشاهد لافروف أند كيري".

لكن على عكس توم أند جيري اللذين ارتبطا في أذهان العالم بالصراع الأبدي بين القط والفأر، فإن الجميع كان ينظر إلى لافروف وكيري نظرة ريبة وشك، فعلى الرغم من أنهما يمثلان قوتين متصارعتين نظرياً، إلا أنهما كانا في نظر الكثيرين نسخة عن الثنائي الفرنسي البريطاني الشهير سايكس وبيكو اللذين قسّما العالم العربي إلى اثنتين وعشرين دولة عبر الاتفاقية التاريخية الشهيرة المعروفة باسميهما. وقد شك الكثيرون بأن الروس والأمريكيين رغم صراعهما على مناطق النفوذ في العالم، إلا أنهما كانا متفقين على تقاسم النفوذ بسلاسة فيما بينهما في سوريا تحديداً. وقد كان مؤيدو النظام السوري نفسه المتحالفون مع الروس يخشون من ذلك الثنائي الخطير كيري ـ لافروف، وكان بعضهم يعتقد أنهما يتآمران على تقسيم سوريا وغيرها في المنطقة، لا بل إن كثيرين كانوا يعتبرون كيري ولافروف بأنهما أخطر من سايكس وبيكو، لأنهما سيعيدان تقسيم العالم العربي ليس إلى دول كما فعل سايكس وبيكو البريطاني والفرنسي، بل إلى دويلات وأقاليم وطوائف وملل متناحرة.

وأتذكر ذات مرة في محادثة مع أحد مؤيدي النظام السوري أنه قال لي حرفياً: "انتظر ذات يوم تطبيق اتفاق كيري لافروف على الأرض السورية، وعندها سنكتشف أن الروس كانوا متواطئين مع الأمريكيين والإسرائيليين على سوريا وليسوا متحالفين معنا كما يبدون الآن".

لكن الآن وبعد بدأت أمريكا تخرج من المنطقة شيئاً فشيئاً، يبدو أن اتفاق كيري لافروف كان في واقع الأمر كذبة كبيرة، وكان مظهراً من مظاهر نظرية المؤامرة التي تعشش في أذهان الكثير من السوريين والعرب. ومن الواضح أن التحالف الدولي الذي شكلته أمريكا من أكثر من ستين دولة لمحاربة داعش في سوريا كان يهدف إلى مساعدة الروس والإيرانيين والنظام السوري على إعادة إحكام السيطرة على سوريا بدل تقاسم النفوذ مع الروس. وقد بدأنا نكتشف في الأيام الأخيرة أن فكرة سوريا المفيدة بدأت تتلاشى بعد أن بات الروس والإيرانيون وقوات النظام السوري تسيطر على المدن الواحدة تلو الأخرى.

لقد ظن البعض أن مدينة دير الزور التي تشكل جزءاً مهماً من الشرق السوري ستكون من نصيب أمريكا كونها غنية بالنفط والغاز. لكن الجميع تفاجأ بوصول القوات السورية وحلفائها على حين غرة إلى دير الزور. وبذلك إذا سقطت المدينة في أيدي الروس وحلفائهم، فهذا يعني سقوط فكرة سوريا المفيدة التي كانت تعني عملياً تقسيم سوريا بين القوى المتصارعة عليها. وحتى مدينة الرقة فيما لو انتزعتها القوات الكردية من أيدي الدواعش، فلن تكون من نصيب الأمريكيين ولا الأكراد، لأن الروس وقوات النظام والإيرانيين يبدون مصممين على القضاء على الميليشيات الكردية بعد الانتهاء من داعش. وقد شاهدنا في الأيام الماضية أن الطيران الروسي استهدف ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية الكردية حسب الاتهامات الأمريكية. وهذا يعني أن اتفاق كيري لافروف الذي ظن البعض أنه يهدف إلى تقسيم سوريا كان وهماً، بدليل أن الروس يريدون السيطرة مع النظام على كامل الأرض السورية، لا بل إنهم أبدوا معارضة واضحة للاستفتاء الكردي في كردستان العراق. وقد طالب بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي إسرائيل بالتوقف عن دعم الانفصال الكردي وتأييد الحقوق الكردية في سوريا والعراق، واتهمها بالنفاق قائلاً: "أليس من الأفضل أن تعطوا الفلسطينيين حقوقهم في فلسطين بدل دعم الحقوق الكردية في العراق وسوريا؟".

هذه التصريحات والمواقف الروسية على الأرض تنسف اتفاق كيري لافروف تماما وتجعله في مهب الريح، هذا إذا كان موجوداً أصلاً. ويُحسب للروس أنهم منعوا تقسيم سوريا إذا نجحوا في نهاية المطاف في الحفاظ على وحدة التراب السوري ومنع تقسيم سوريا إلى دويلات طائفية وعرقية ومذهبية.

 

27.     ========================

هل يثور الصامت؟ .. مصطفى علوش

الاتحاد

السبت 23/9/2017

ثمة فئات وشرائح من الشعب السوري، لم تكن أصلاً مع الثورة السورية، وبعضها كان موالياً للنظام، ولكن أغلب هؤلاء يمكن تصنيفهم بالصامتين الذين دبّ الذعر في قلوبهم أكثر، لا سيما بعد أن تبين مدى التطرف الديني الذي مارسه على الأرض "داعش" وجبهة النصرة.

الصامتون، حرّضهم الثوار عبر صفحات التواصل الاجتماعي منذ 2011 من أجل الانضمام إلى الحراك العام، لكن حدة الصراع والعنف اللانهائي الذي قابل به النظام الناس وما زال جعلا هؤلاء ينكفئون أكثر، يصمتون أكثر، لكنهم يتابعون كل شيء عن كثب، يتألمون بصمت أيضاً.

منذ أيام قليلة، علت أصوات سورية كثيرة مطالبة بتغيير وزير التربية بسبب اكتشاف بعض التفاهات داخل مناهج وزارة النظام، استقبلت تلك الأصوات بالسخرية من قبل بعض من يقف مع الثورة، كما أن هناك هجوماً شبه دائم من قبل الصامتين على حكومة النظام بسبب الأوضاع العامة المعيشية السيئة.

غليان اجتماعي تعيشه أوساط شعبية سورية في الداخل، معظمها كانت تأمل بأن يحدث هناك تغيير سياسي يصب في مصلحة الناس وتحسين الأوضاع العامة، وما حدث عكس ذلك تماماً غلاء فاحش ومستمر، غياب شبه تام لأي ضمان اجتماعي من قبل حكومة النظام، ولولا المساعدات الأممية التي تدخل إلى مناطق النظام وتوزع على غالبية الناس، لكانت الأوضاع أسوأ.

في الداخل السوري، يحدث صراع خفي أحياناً ومعلن أحياناً أخرى بين موالين للنظام من أجل اقتسام مناصب صغيرة هنا أو هناك، بغاية النهب طبعاً. كما أن بعض المسؤولين الصغار في المرتبة تبين مدى الشراسة عندهم في الدفاع عن مكاسبهم التي حصّلوها بسبب الفساد العام في النظام.

الصامتون الخائفون جداً من نظامهم، ومن "داعش" وأخواته، انتظروا طويلاً على أمل التغيير، وحين لم يحدث ذلك، علت أصواتهم الخائفة، ولو عبر غضب على وزير التربية وغضب على الحكومة.

والسؤال الصعب: كيف يمكن تثمير ذلك سياسياً لمصلحة الثورة، أو ليكون على الأقل ضد النظام؟ والجواب عنه متعلق بالحالة العامة التي تعيشها الهيئات المفاوضة المعارضة التي تعيش حتى الآن بمعزل عن فهم تلك التفاصيل المهمة.

الصامتون هؤلاء هل يمكن أن يكونوا كفة الميزان الرابحة لو جرى احترام تعبيراتهم الغاضبة تلك؟ لا أمتلك الجواب، ولكني أميل إلى فهم كل ذلك.

في المجتمعات الغربية هناك فئة صامتة، لا تشارك في استطلاعات الرأي، فئة صامتة، ولكن بسبب قدرتها على التأثير أيام الانتخابات نجد نتائج الانتخابات تميل لمصلحة حزب أو رئيس لم نتوقع أن يفوز.

في سورية، ثمة محارق أخلاقية واجتماعية تحدث من قبل متطرفين وجدوا في وسائل التواصل الاجتماعي فرصتهم للانقضاض على أي رأي سوري معتدل.

في سورية، هناك مزاج عام ناقم على كل شيء، مزاج اجتماعي يجب فهمه، وتقييمه والسعي لاستثماره إيجابياً في المعارك السياسية ضد النظام.

ترى هل يمكن أن يكون الداخل السوري على أبواب انتفاضة شعبية جديدة سببها الانسداد التام في الآفاق السياسية المتعلقة بمستقبل سورية؟

نترك للأيام المقبلة الجواب.

28.     ========================

سوريا وعواصف المتغيرات .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 23/9/2017

كثر الحديث عن المتغيرات في المواقف الدولية من القضية السورية، وقد هبت قبل شهرين تقريباً عاصفة متغيرات كادت تنسف ثوابت الشعب السوري، وتعلن هزيمته أمام الديكتاتورية، وتعلن انتصاره على معارضيه وعلى كل الدول التي ساندت الشعب السوري، وقدمت له دعماً يتفاوت في نوعه وحجمه، وران على بعض السوريين شعور بالوجوم، وبعضهم أصابه اليأس، ولكن طاقة الشعب توهجت فخرجت التظاهرات في العديد من المواقع السورية في الداخل، وفي العديد من العواصم في العالم، وصدرت البيانات القوية التي عبرت عن تمسك الغالبية العظمى من الشعب ببيان الرياض 1 وما أعلنه من ثوابت، وأهمها رحيل الأسد وعصابته عن السلطة وتقديمهم إلى العدالة. وبعض البيانات حملت تهديداً للهيئة العليا للمفاوضات بنزع التفويض الشعبي عنها إذا هي ضعفت أو تنازلت عن مطالب الشعب. ولم يكن أعضاء الهيئة العليا للتفاوض بحاجة إلى إنذار فهم جميعاً متوافقون على أن ثوابت مؤتمر الرياض هي الحد النهائي لما يمكن أن يقبل به الشعب، وبعضهم (وأنا منهم) نرى أنها في الحقيقة لا تلبي مطلبه الأول بالخلاص النهائي من النظام شكلاً وموضوعاً، لأنه نظام أسرف في الاستبداد والظلم والطغيان.

وقد كانت المعارضة السياسية قد قبلت بما نص عليه القرار الدولي 2254 رغبة منها في إيقاف شلال الدماء، وفي الوصول إلى حل وسط عبر تشكيل هيئة حكم تضم الأطراف المتصارعة عدا من ارتكبوا جرائم حرب وإبادة، ومن استخدموا الأسلحة الكيماوية ضد الشعب وأدانتهم لجان الأمم المتحدة والدول المحققة الأخرى.

وقد انطلقت عملية الحل السياسي من بيان جنيف ومن القرارات الدولية ومن أهمها 2118 و2254، وأذكر بالقرار الذي عبر فيه مجلس الأمن عن إدانته الشديدة للانتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني من قبل السلطات السورية والميليشيات الموالية للحكومة، وقرر إحالة الوضع في الجمهورية العربية السورية الوارد وصفه في الفقرة 1 أعلاه منذ مارس 2011 إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.

وقد عطلت روسيا بالفيتو كل القرارات الأممية التي حاولت إيجاد حل للقضية وتلبية مطالب الشعب السوري، وكان عدد كبير من قادة العالم قد صرحوا بضرورة إنهاء حكم النظام المدان بجرائم حرب ضد الشعب، ووصفه كثير من القادة بأنه فقد الشرعية، ولما قام باستخدام الكيماوي في قصف الشعب في الغوطة في 21 أغسطس 2013 تمكنت روسيا من إنقاذ النظام من العقاب الذي أوشك أن يكون إعلان حرب دولية عليه، واستمرت روسيا في الدفاع عن النظام، وتمكنت من تحويل أنظار بعض دول العالم عن حقيقة الصراع من أجل الحرية في سوريا، وجعله قضية نظام يواجه الإرهاب مع تغييب كامل لحضور شعب يتعرض للقتل والاعتقال والتعذيب. وتم تعطيل أي تقدم ممكن في مسار المفاوضات، ولكن تمثيلية "داعش" سرعان ما انكشفت، وصار واضحاً للعالم كله أنها صنعت أصلاً للتغطية على الثورة السورية وللدفاع عن النظام ومحاربة الجيش الحر بستار ديني متطرف. وربما تكون بعض الدول خدعت بقضية "داعش" التي قيل إن القضاء عليها يحتاج إلى عشر سنوات بمشاركة أكثر من ستين دولة، ولكن تسارع الأحداث كشف للجميع أن "داعش" منظمة إرهابية مفتعلة أدت مهمتها، ثم ذابت في رمال الصحراء وعلى أسوار الموصل، ونقلت بعض الدول عناصرها منها بالطائرات، ولكن قتل مدنيون بالآلاف وتشرد مئات الآلاف، ولم ير الناس جثثاً لـ"داعش" ولا أسرى لها! ومع اقتراب الانتهاء الدولي من قصة "داعش" التراجيدية ظهرت أصوات تهلل لانتصار النظام وهزيمة الشعب السوري، وصار مطلوباً من المعارضة أن تسارع إلى تقبيل البوط العسكري لنيل رضا النظام وعفوه. والطريف أن رجال النظام العتاة من العسكريين المجرمين نصحوه بألا يسامح أو يغفر، وبأن ينصب المشانق للمعارضين. وكان من الطرائف أيضاً أن يقوم ضابط بتقديم نصيحة أخوية للشعب المشرد بألا يصدق وعود النظام بالمسامحة لأن الجيش لن يسامح وسيتم قتل وعقاب كل العائدين إلى النظام حتى ولو قبّلوا البوط العسكري! وبدا النظام خائفاً قلقاً من احتمال عودة مئات الآلاف من السوريين المعارضين فقام مؤخراً بحملة اعتقالات لعدد كبير ممن عادوا من المغتربين الذين لم ينبس كثير منهم ببنت شفة خلال السنوات السبع ممن نسميهم "رماديين"، كما قام بحملة مصادرة منازل وأراض كي يحد من احتمال عودة المهجرين خشية أن يختل التجانس الذي أشاد به الأسد بعد رحيل 15 مليون مواطن جلهم من أهل السُّنة.

وفي حديث إعلامي وجهت لي أسئلة صادمة عما يمكن أن تفعله المعارضة بعد هزيمتها الساحقة وانتصار النظام الضخم عليها (وهو في الحقيقة انتصار وهمي)، وما موقفها من المتغيرات الدولية التي بدأت تطالب ببقاء الأسد في المرحلة الانتقالية والسماح له بالترشح لانتخابات الرئاسة! لم أجد جواباً أفضل من القول إن من يبني استراتيجيته على متغيرات ستنهار استراتيجيته مع متغيرات لاحقة، وهذا ما يجعلنا نلتزم بالثوابت ولا نهتم للمتغيرات، وقد بدا اليوم أن متغيرات جديدة بدأت تظهر في المواقف الدولية، حيث لا يصح إلا الصحيح وهو رحيل النظام المستبد والتوجه إلى الديمقراطية، ومن الخطر أن يسجل التاريخ أن دول الديمقراطية الكبرى في العالم منعت الشعب السوري من الوصول إلى الديمقراطية، وأجبرته على أن يذعن للاستبداد على رغم كل ما قدم من تضحيات.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com