العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01-09-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الشمال المحرّر والتحام الحاضنة بثورته

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الخميس 29/8/2019

زائر الشمال السوري المحرّر يلمس هذه الأيام ثقة متزايدة واعتماداً شعبياً أكبر على الثوار، الذين وقفوا بوجه قوة كبرى وميليشيات طائفية لأكثر من 120 يوماً، تخللتها 10 آلاف غارة جوية بحسب صحيفة القوات الروسية في حميميم على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي الغارات والهجمات التي لو تعرضت لها دول لانهارت، ومع هذا صمدت هذه الفصائل على رغم قلة الإمكانيات وتخلّي الحلفاء عن الثوار إلا لماماً.

زائر الشمال السوري المحرّر يلمس اليوم اختفاء لهجة التخوين، ولهجة البيع والشراء من قبل الحاضنة بحق ثوارها، كما هي شائعة للأسف من قبل من أدمن الجلوس خلف «الكيبورد» ومواقع التواصل الاجتماعي، لقد رأت الحاضنة بنفسها كيف كانت القنابل والصواريخ الارتجاجية تهزّ وتخلع شبابيك بيوت على بعد عشرات الكيلومترات من مكان الانفجارات، ولكن هذه الانفجارات التي خلّفت حفراً بعمق أمتار وبعرض أمتار كذلك، لم يكن لها أن تفعل الكثير في أجساد غضّة، سوى نشر الرعب والخوف والفزع في وجوه أطفال، لا يعرفون لماذا يُقصفون، ولماذا يُستهدفون بهذا الشكل المخيف، دون أن يدين أحد هذا الفعل الإجرامي الوحشي المغولي، لكن هذه الانفجارات لم تؤثر على عزيمة وإرادة وثبات المجاهدين والثوار في الجبهات، وهو ما عزّز ثقة الحاضنة بثوارها وزادت معه شعبيتهم.

زائر الشمال السوري اليوم يرى التحام الثوار بعضهم ببعض، لا فرق بين ثائر وآخر، وبين مقاتل وثانٍ، وبين فصيل وفصيل، وإنما الكل سواسية، شكّلوا غرفة عمليات واحدة تدير العمليات، فتقاسموا أسلحتهم وذخائرهم رغم قلتها، وتقاسموا أموالهم رغم ندرتها، فاختفت اللافتات من بعدها، واختفت من ورائها كل الاتهامات التي يكيلها البعض من وراء الحدود لهذا الفصيل أو ذاك، أملاً في تسجيل نقاط لأيديولوجيته الفارغة، في حين يسخر كل من هو في الداخل من أولئك الذين يسعون إلى الانتصار لأفكارهم وأيديولوجياتهم، بينما الضحية هي المدني المحاصر والمقصوف.

زائر الشمال السوري المحرر ليس لديه ردٌّ على ما جرى من انسحابات للثوار أمام الأرض المحروقة الروسية وميليشياتها الطائفية، إلا أن الثوار هم الكرّارون، وأن لا بديل عن الصمود حتى ولو كلّف ذلك إبادة 3 أو 4 ملايين سوري مقيمين في الشمال المحرّر، فالهجرة والاقتلاع من الأرض غير وارد في قاموسهم، ولذا فقد أعدّ الجميع لذلك اليوم، يوم الصمود من أجل الانتصار وليس غيره، وهم يدركون تماماً ماذا يعني انتصار الغزاة على الشمال المحرّر.

الكل يتحدث عن حرب عصابات بعيدة المدى في حال سقط الشمال، وحينها ستكون تركيا وجهاً لوجه أمام عدو تاريخي تقليدي خطير ثلاثي الأبعاد، فتكون جبهاتها مكشوفة تماماً لا سمح الله ولا قدر، فما جرى لمحاصرة نقطتها التاسعة في مورك وحجم الإذلال الذي تعرضت له على أيدي قوات النظام السوري، أو على أيدي القوات الروسية باستعراض قواتها ومقاتليها حول النقطة، يشير إلى ما يمكن أن يكون عليه مستقبل وجود هذه القوات أمام الحدود التركية، لكن لا يزال الثوار على الأرض يعدون المفاجآت، ومسألة إسقاط الشمال كله ليست بذلك الأمر السهل لا داخلياً ولا إقليمياً ولا دولياً، وإن تحدى الروس ذلك كله فهذا سيكلّفهم الكثير، ربما ليس على المدى القريب، ولكن حتماً سيكون بمثابة حرب استنزاف طويلة الأمد.

===========================

موقفنا : حول لقاء بوتين وأردوغان .. لا أعرف كيف أقول هذا ولكن لا بد أن يقال..

زهير سالم

مركز الشرق العربي

28/ 8/ 2019

واستمعت بالأمس إلى المؤتمر الصحفي بين الرئيسين بوتين وترامب . وتتبعت إيجازاته من أكثر من مصدر . وخلاصة الخلاصة أن الرجلين كانا يتحدثان على منبر واحد عن رؤيتين متقابلتين .

واحد يظل يتحدث عن الإرهاب والإرهابيين وضرورة التخلص منهم ، ويلزم شريكه بذلك .

والآخر يظل يتحدث عن وقف القتل والتهجير وحماية المدنيين والمنطقة الآمنة . ولا جسر يربط بين المحطتين .

قيل : إن الأمور دفعت فاندفعت إلى القمة الثلاثية في 15 / 9 .. ولكن هل يحل في الثلاثي ما لم يمكن حله في الثنائي .

وإذا كنا لا نشك ولا نشكك في صدق الرئيس أردوغان وحرصه على مساعدة السوريين في إطار مصالح الدولة التركية ..

فإننا لا نشك ولا نتشكك في كذب بوتين ومناورته ومحاولته الالتفاف على إرادة الرئيس أردوغان ، لينفرد بالسوريين ، ويفرض عليهم بالتقتيل والتهجير الحلول التي تخدم مشروعه الاستعماري التخريبي ...

استمراء السوريين الشكوى والاتهام ليس محمودا ، وهو غير مجدٍ ولا كريم ولا يليق . بل ربما كانت له ارتداداته العكسية ، حيث يصوره البعض أو يتصورونه ضربا من إلزام ما لا يلزم .

أيها السوريون ..

 اقبلوا من كل أصدقائكم ما يقدمونه لكم مما يخدم مصالحكم واشكروا عليه قلّ أو كثر . واعتذروا عما لا يفيدكم و ..

ثم اسعوا على أنفسكم . وليكن لكم مشروعكم الوطني المستقل ، ولو على مستوى الخطوط العريضة التي تجمع العقلاء منكم .

وأجمل الجميل أن تعرفوا ماذا تريدون وأن تتفقوا عليه وأن تواجهوا به القانون الدولي والحقوق الإنسانية ودوائر الصديق والشقيق ..

ثم مرتكزات الفعل التي أهدر البعض إمكاناتها مع لبن الصيف المضيع والمهدور ..

ـــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

داريا.. ذكرى وذاكرة المجزرة والتهجير

تمام أبو الخير

نون بوست

الثلاثاء 27/8/2019

لم يبالغوا أبدًا حين نعتوا "آب" بالشهر "اللهاب"، لهبٌ من نوع أعتى وأعنف يحرق الروح والذكرى معًا، إذ لا يمكن لهذا الشهر أن يمر مرّ السحاب على أهالي مدينة داريا في ريف دمشق الغربي، منذ أيام المجزرة الكبرى التي ارتكبها جيش النظام السوري عام 2012 مرورًا بالتهجير سنة 2016 وحتى عامنا هذا، ولا يمكن للبداية إلا أن تكون مترعةً بالألم وملتهبةً كجمر أحمر أشعله فتيل القهر والظلم ليتناسب مع فجاعة الموقف.

عاينت أيام المجزرة بكل مواقفها وتفاصيلها، كيف لا وقد كنتُ حينها في أكثر الأماكن معاينةً للواقع، في المشفى الميداني الذي كان يعج بالمصابين والقتلى، ويعج كذلك بالباحثين عن بقايا أشلاء من أقربائهم، عملت كمسعف وموّثق، أذكر لحظتها حين كان صديقنا الطبيب منهمكًا بإنقاذ ما يستطيع إنقاذه، وفجأة تدوي الأصوات المتسارعة ليأتوا بعائلة كاملة نزل في بيتهم صاروخ وتتناثر أشلائهم فتحيلهم بين قتيل وجريح، وفجأة يكتشف هذا الطبيب أنها عائلته، أمه وأبوه وأخوته والأطفال الثلاث الذين قضوا حينها.

اليوم وفي الذكرى السابعة للمجزرة ما زالت المأساة تتكرر والمصائب تتوالى على الشعب السوري، فمذبحة داريا تكررت في مدن وبلدات كثيرة، غير أن هذه الذكرى السابعة توافق مرور 3 سنوات على تهجير أهل المدينة التي ذاقت من ويلات النظام وميلشياته ما ذاقت بين قتل وتهجير وجرح واعتقال على غرار أخواتها من المدن السورية.

أيام سوداء

في يوم 25 من أغسطس/آب عام 2012، شهدت مدينة داريا بالريف الدمشقي مجزرة راح ضحيتها أكثر من 700 مدني بينهم 522 موثقون بالاسم، بحسب المجلس المحلي، إلا أن الأيام التي سبقت هذا اليوم كانت أقسى وما تلاه كان أشد، انقطعت كامل الاتصالات عن المدينة في 20 من أغسطس/آب مع قطع كامل للكهرباء والمياه، وبدأ النظام حملةً عسكرية على المدينة استهلها بقصف المنطقة الفاصلة بين داريا ومدينة معضمية الشام.

في صباح اليوم التالي أغلقت قوات النظام السوري كل مداخل ومخارج المدينة سواء الرئيسية أم الفرعية بالحواجز العسكرية والسواتر الترابية إضافه إلى نشر ما لا يقل عن 30 دبابة على الطريق الدولي لمدينة درعا وبالقرب من جسر صحنايا، ومنعت بالتالي الدخول أو الخروج من المدينة، وفي يوم 22 من أغسطس/آب الذي كان الأفظع والأشد قصفًا بحسب توثيق "المجلس المحلي لمدينة داريا"، استخدم النظام السوري أنواعًا مختلفة من الأسلحة الثقيلة بقصف المدينة كقذائف الدبابات وقذائف الهاون إضافة إلى صواريخ المروحيات وخلف هذا القصف دمارًا واسعًا وقتل العشرات من المدنيين داخل منازلهم إضافة إلى عشرات الجرحى.

قوات النظام التي اقتحمت المدينة

في يوم الجمعة 24 من أغسطس/آب، اقتحمت المدينة قوات من المخابرات الجوية معززة بقوات من الجيش ومدعومة بعدد كبير من الدبابات وتحت غطاء جوي من المروحيات المقاتلة من جهة مطار المزة العسكري وبدأ قصف عنيف على الجهة الغربية ووسط المدينة وشنت حملات مداهمات واسعة للأهالي المدنيين داخل منازلهم واعتقلت العشرات منهم، وفقًا لـ"الشبكة السورية لحقوق الإنسان".

حاوت قوات من الجيش السوري الحر صد الاقتحام ودارت اشتباكات عنيفة بين الطرفين، هذه المواجهة دفعت النظام السوري إلى اتباع سياسه الأرض المحروقه حيث استخدم بعدها مباشرة أفظع أنواع القصف بالصواريخ من الطائرات المروحية والدبابات وقذائف الهاون الأمر الذي أوقع أعدادًا هائلة بين صفوف المدنيين بين قتيل وجريح وانسحب عند هذا المشهد الجيش السوري الحر بشكل كامل من المدينة.

على مدار تلك الأيام كان المشفى الميداني يغص بالمصابين والجرحى نتيجة القصف الشديد، لا أنسى أنني كنت في المشفى الذي اتخذ من إحدى المدارس مقرًا له، وكتبت دفتر أسماء المصابين لمدة 3 أيام ووصلت لتسجيل 900 مصاب حتى شعرت بالعجز التام وتوقفت عن الإحصاء لتصيبني حالة من الهلع والخوف والبكاء الشديد.

تتواصل تباعًا أعداد القتلى نتيجة القصف إلى مقبرة المدينة، المدينة فارغة الشوارع والكل ينتظر ويترقب ما الذي سيحصل، والطائرات المروحية في السماء. يستقبل أبو صياح صاحب مهمة دفن القتلى، العشرات يوميًا ليدفنهم، أتى للمشفى الميداني ليستلم دفعةً للدفن، ركبتُ في سيارته التي استقلها مسرعًا وذهبنا باتجاه المقبرة، لنصل ونجد النظام قصف المقبرة وحرق العشرات من الجثامين المصفوفة هناك فلم يسلم منه ميتٌ ولا حي.

الإعدامات الميدانية

بدأت عمليات الانتقام والقتل العشوائي والإعدامات الميدانية الجماعية بحق سكان المدينة أيام 25 و26 من أغسطس/آب وجرت حالات إعدام لعائلات بكاملها، فيتم اقتحام المنزل وتصفية عوائل بأكلملها، وفي تقرير المجلس المحلي للمدينة حصلت كبرى المجازر في هذه الأيام وهي المجزرة التي حصلت داخل جامع (أبو سليمان الداراني) وفي محيط المسجد، حيث كان بالقرب منه منزل بداخله ملجأ هرب إليه أعداد كبيره من المدنيين من منازلهم القريبة ولجأوا إليه، وفي هذه المجزرة وثق الناشطون ما يقرب من 156 اسم قتيل بينهم 19 جثة لنساء و3 جثث لأطفال.

أذكر جيدًا حينها صديقي بشار أبو أسامة الذي تسلل إلى المسجد ليلًا وصُعق بما رأى وصَوّر القتلى ليسارع وقتها بنشر المقطع ليكون هذا المقطع أول الفيديوهات الصادرة عن المذبحة التي صدمت الجميع، وبعد سنوات وخلال أيام حصار المدينة قُتل مصور المقطع بقصف للنظام.

مجزرة جامع أبو سليمان في داريا

وكما نقلت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، ففي يوم الإثنين بدأت القوات الحربية بالتراجع بعد قتلها أكثر من 700 شخص بشتى الأسلحة، والتمركز على أطرف المدينة، كما أعدمت قوات المخابرات رئيس مخفر شرطة داريا وعناصر من شرطة المخفر وذلك لاتهامه بمساعدة الأهالي، فيما نهبت عناصر قوات الأسد مستودعات الصليب الأحمر الواقعة في نهاية طريق المعامل وكانت هذه المستودعات تحتوي على مواد غذائية ومفروشات ومواد إغاثية.

عثر الأهالي بعد خروج قوات الجيش والمدرعات من المدينة على 35 جثة لأهالي المدينة كانت قوات المخابرات وجيش النظام السوري قد اعتقلتهم وقبل خروجهم من المدينة أعدموهم جميعًا بينهم 4 نساء و3 أطفال.

حاولنا في تلك الأيام سد حاجة أهل المدينة من الاحتياجات إلا أنه في نقطة ما ولأسباب عدة لم نستطع أن نكمل، ووجب علينا التفرق والانسحاب فلا شيء يمكنه أن يقف في وجه ذلك الاجتياح الآثم ولا العين تستطيع مقاومة المخرز، باختصار تلك الفترة كنا نسبح ببرك الدماء ونستنشق الموت.

فصل جديد

شهر آب لم يكن حنونًا بما يكفي لرأب صدع المجزرة في قلوبنا، إذ إنه مصر على نكئ الجراح العتيقة وكسر ما تبقى من حياة، لتشهد داريا بعد سنوات عجاف من الحصار والخيبة والصمود تهجيرًا قسريًا لأبنائها إلى الشمال السوري، كان يوم التهجير أشبه ما يكون بفصل الروح عن الجسد، أن تترك أرضك وسلاحك لقاتلك وأن تسلم لخذلان القريب قبل البعيد، وأن تتناسى كل ماضيك وحاضرك لتختصر ذلك في حقيبة صغيرة تحوي صور بقايا من ماضٍ جميلٍ يحتضن بين كفيه كل الأحبة، وشعلة تحرق بها كنز طفولتك ومملكتك الصغيرة بيديك حتى لا يهنأ بهما قاتل بلا أي مبالاة ولو تطلب الأمر أن نقتلع جذورنا معنا خشية أن تنبت عليها شجرة خبيثة لاقتلعناها، الأمر سيان بعد أن ذهب النفيس فلا أسف على الرخيص.

في مثل هذا اليوم وبعد سنوات من الحصار القاسي الذي بدأ بعد شهرين من المجزرة القاسية، كانت داريا على موعد مع تهجير أبنائها بعد استنفاد كامل الفرص والمقاومة، واستخدام النظام كل الأسلحة في تدمير المدينة ومقاومة أسطورية للجيش الحر، حيث كان نصيب داريا من براميل النظام ما يقرب من 9008 براميل متفجرة، وآلاف الطلعات الجوية مع القصف المستمر من الجبال المحيطة

هُجرتُ مع أصدقائي تاركين خلفنا مدينةً حوت أرضها أجساد من قتلوا فداءً لها، لا أذكر من يوم التهجير إلا آخر ركعتين في المسجد المدمر الذي تربيت فيه وزيارة لقبور أصدقائي، حتى إنني أحرقت بيتنا كي لا تستفيد قوات الأسد من الأشياء الموجودة فيه، فالمعلوم عن قوات الأسد أنهم كلما احتلوا مدينة "عفشوا" وسرقوا ونهبوا حتى يفرغوا المدينة ليس من أهلها فقط بل من كل أشيائها.

اليوم ورفم مرور سنوات، تواصل العدالة غيابها وينجوا مرتكبو المجزرة والتهجير القسري، لتبقى المبادئ التي يتغنى بها العالم "المتحضر" عن الإنسانية ومحاسبة مجرمي الحرب على المحك، في الوقت الذي يبقى فيه أهل الضحايا على أمل بالعودة إلى مدينتهم الغناء بعرائش العنب والفوز بعدالة تأخذ الحق من القتلة.

===========================

تركيا تصارع حليفين لها في سوريا

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 26/8/2019

تصارع تركيا، في سوريا، حليفين دوليين، في وقت واحد: روسيا في الشمال الغربي حيث منطقة "خفض التصعيد" في محافظة إدلب وريف حماة الشمالي، والولايات المتحدة في شرقي نهر الفرات. شهدت الجبهة الأولى تقدماً كبيراً لقوات "النظام" بمشاركة روسية حاسمة، ليس فقط بسلاح الطيران كالمعتاد، بل كذلك بزج قوات برية تابعة لها، إضافة إلى مشاركة محدودة للميليشيات الإيرانية، فاستولت على بلدة خان شيخون ومناطق مجاورة، على طريق السيطرة على طريق حلب – حماة ذي الأهمية الاستراتيجية، عسكرياً وتجارياً.

بالمقابل، توصلت تركيا إلى تفاهم أولي مع الولايات المتحدة على إنشاء منطقة آمنة على قسم من حدودها الجنوبية، بطول 100 كم، وعمق 514 كم، للفصل بين حدودها ومناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية، وبدأ التنفيذ حيث أزالت "القوات" المذكورة قسماً من التحصينات والخنادق من النطاق (أ) ذي العمق 5 كم، كما نص اتفاق أنقرة، "كبادرة حسن نية" وفقاً لتصريح الناطق باسم القوات الأميركية، وتم تسيير أول طلعة جوية مختلطة أميركية – تركية فوق المنطقة.

ويقوم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة إلى موسكو، في السابع والعشرين من شهر آب الجاري، للتباحث حول تطورات الحرب

السوخوي الروسية كانت دقيقة جداً في استهدافها، فدمرت سيارة، وسط القافلة التركية، كانت تقل 3 مقاتلين من "فيلق الشام" المحمي من تركيا، ولم تصب الآليات التركية بأي أذى

في منطقة "خفض التصعيد" بعدما فشلت المباحثات بين الجانبين في وقف تقدم قوات النظام ووقف القصف الجوي على مختلف مدن محافظة إدلب، الأمر الذي أدى إلى موجة نزوح كبيرة باتجاه الحدود التركية.

تصريحات المسؤولين الروس بشأن مواصلة ضرب "الإرهابيين" في إدلب، تصاعدت على وقع التفاهم التركي – الأميركي، وبلغ الأمر بالطيران الروسي أن قصف رتلاً عسكرياً تركياً كان متجهاً نحو منطقة خان شيخون قبل سيطرة ميليشيات النظام عليها، تعبيراً صريحاً عن الاستياء الروسي من احتمال تقارب مستجد بين أنقرة وواشنطن. لكن السوخوي الروسية كانت دقيقة جداً في استهدافها، فدمرت سيارة، وسط القافلة التركية، كانت تقل 3 مقاتلين من "فيلق الشام" المحمي من تركيا، ولم تصب الآليات التركية بأي أذى.

الرسالة الروسية الموجهة لتركيا من هذه الغارة واضحة جداً: قواتك في نقاط المراقبة المنتشرة في منطقة خفض التصعيد هي في أمان، لكن "الإرهابيين" الذين تحميهم هم في عين الاستهداف. لقد فشلتِ في الوفاء بالتزاماتك في اتفاق سوتشي (أيلول 2018)، دعنا إذن نقوم بالمهمة بنفسنا.

لكن "الأمان" الروسي الممنوح للقوات التركية لا يشمل الحفاظ على هيبة تركيا، فرسالة السوخوي تقول، ضمناً، إن تركيا غير قادرة على حماية حلفائها السوريين، الأمر الذي من المفترض أن ينعكس سلباً لدى الفصائل المسلحة والقوى السياسية التي وضعت كل بيضها في السلة التركية، من غير أن نذكر شعبية القيادة التركية لدى المجتمعات المحلية في تلك المناطق، تلك الشعبية الآخذة بالتآكل منذ تسليم حلب الشرقية، أواخر العام 2016، وبسبب انتهاكات الفصائل التابعة لتركيا في منطقة "درع الفرات"، والآن بسبب عجز أنقرة عن حماية أحد في إدلب، مدنيين أو فصائل تابعة لها.

نقطة المراقبة التركية في مورك، شمال حماة، حوصرت بالكامل من قبل ميليشيات النظام. لكنها ستكون في أمان، الأمر الذي يزيد من مهانة الوضع بالنسبة لتركيا. فهل ينجح أردوغان، غداً، في إقناع الرئيس الروسي بمخرج مشرف لهذا الوضع، سواء فيما يتعلق بنقطة المراقبة المذكورة أو بالحصول على فترة سماح جديدة لترتيب أمور المنطقة بما يحفظ ماء الوجه؟

الواقع أن أي "ترتيب" لهذه المنطقة، بالتوافق مع روسيا، سيكون خسارة كاملة لتركيا. ذلك أن المطلوب منها هو تحقيق الأهداف الروسية بغير قتال. وهدف روسيا معلن: إعادة المنطقة إلى سيطرة النظام. أي أن على الأتراك أن يسلموا، في نهاية المطاف، مناطق انتشار نقاط مراقبتهم لقوات النظام، ثم ينسحبوا! وهكذا يمكن القول، بعيداً عن نظريات المؤامرة والصفقات المزعومة تحت الطاولة، الشائعة اليوم لدى المعارضين السوريين، إن إشراك تركيا بضمان منطقة خفض التصعيد في إدلب وجوارها كان، بحد ذاته، توريطاً روسياً لا يمكن لتركيا أن تخرج منها بلا خسائر.

ترى هل الوعي المتأخر لدى القيادة التركية بهذه الحقيقة هو ما دفع أردوغان إلى البحث عن تفاهمات مع واشنطن بشأن شرقي نهر الفرات، وجعله يوافق على اتفاق دون طموحه، يمكن قراءته بصورة معكوسة من حيث أن الهدف منه حماية قوات سوريا الديموقراطية من الخطر التركي، وليس حماية تركيا من الخطر الكردي؟

أم أن تدهور شعبية السلطة في الداخل التركي هي ما دفعت الرئيس إلى العودة إلى حليفه الأطلسي

التفاهمات بين الأخير وكل من الحليفين اللدودين تكون دائماً تكتيكية، مؤقتة، مشروطة بظروفها، هشة وقابلة للارتكاس

بعد طول توتر؟ ذلك أن التاريخ القريب لتركيا يقول إن الرضى الأميركي أمر لا غنى عنه بالنسبة لأي طامح في اعتلاء السلطة، أو الاحتفاظ بها، في أنقرة. وما كان لحزب العدالة والتنمية أن يفوز بالسلطة، منذ العام 2002، لولا تشجيع واشنطن لمؤسسيه.

أم أن ما دفع أردوغان إلى الموافقة على الاتفاق هو اعتباره ثمناً مقابل صفقة الصواريخ الروسية التي أثارت استياء واشنطن؟

الواقع أن جميع العوامل المذكورة لعبت دوراً في المرونة التركية التي أنتجت الاتفاق وأبعدت المجازفة بغزو تركي أحادي لا بد أن يؤدي إلى صدام مباشر مع القوات الأميركية.

سواء تعلق الأمر بموسكو أو واشنطن في علاقات أنقرة التحالفية - الصراعية معهما، نلاحظ أن التفاهمات بين الأخير وكل من الحليفين اللدودين تكون دائماً تكتيكية، مؤقتة، مشروطة بظروفها، هشة وقابلة للارتكاس، فضلاً عن العلاقة الشرطية العكسية بين أي تفاهم أو صراع على خط أنقرة – موسكو وأي تفاهم أو صراع على خط أنقرة – واشنطن. التقارب هنا يؤدي إلى صراع هناك، والاحتدام هنا ينعكس استرخاء هناك.

ما الذي تريده تركيا في سوريا؟

على المدى القريب تريد تركيا الحفاظ على مناطق نفوذها الحالية، وتوسيعها إن أمكن لها ذلك، لتبقى صاحبة كلمة في أي حل سياسي للصراع في سوريا، وفرض منطقة عازلة بينها وبين القرى والمدن الكردية على طول حدودها كمكسب مسبق قبل الدخول في أي مفاوضات مع الأطراف الأخرى.

وتريد، على المدى المتوسط، أن تكون شريكاً في رسم مصير سوريا ما بعد الحرب: وحدة الأراضي السورية كضمانة لعدم قيام أي وضع قانوني خاص بالمناطق الكردية. وهو هدف يلتقي فيه الأتراك مع النظام الكيماوي، كما مع "المعارضة العربية" في سوريا، مما يسهل اعتماده في أي حل سياسي مفترض.

أما على المدى البعيد، وفي حال استمرار الصراع سنوات إضافية وعدم توافق القوى الدولية المنخرطة في الصراع، وبخاصة روسيا والولايات المتحدة، على تسوية سياسية بغطاء أممي، فسيكون بمقدور أنقرة تحويل سيطرتها على منطقتي "درع الفرات" وعفرين إلى إلحاق نهائي، أو شبه إلحاق، بالأراضي التركية، بموازاة تغيير ديموغرافي من طريق طرد كرد تلك المناطق وإحلال اللاجئين السوريين في تركيا محلهم.

ولكن بين ما تريده تركيا والممكنات هوة كبيرة أهم عناصرها ضعفها أمام حليفيها اللدودين.

===========================

الجغرافيا لن تمنحك تأهيلاً أو سيادة

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 26/8/2019

يعتقد نظام الأسد أن صراعه مع السوريين على الجغرافيا؛ وينسى أن الجغرافيا، أو حتى البيت الذي يقيم فيه السوري لم يكن له، لأن هذا البيت مزروع بالخوف والإذلال. وما خرج السوري عليه، وحتى من كل تلك الجغرافيا، إلا لأن النظام جعلها موبوءة باستبداده. يتصور نظام الاستبداد أنه إذا استعاد تلك الجغرافيا، التي تحررت منه؛ يمكن أن يستقر؛ ويُعاد تأهيله؛ وتُزال وصمة الإجرام عنه. الأمور ليست كذلك؛ والمثال الصارخ هو أن سيطرة إسرائيل على جغرافيا الجولان لا يجعلها إسرائيلية؛ إنها قطعة من روح السوري؛ ولن تكون إسرائيلية، إلا إذا احتلت إسرائيل روح كل سوري.

لعقود عاش السوري منغصات بلا ضفاف. كان بلا حرية، ولا إرادة. القانون في بلاده غائب؛ حقُّه لا يحصل عليه إلا بالواسطة، أو على شكل "مكرمة من سيّد الوطن"؛ يأكل رغيفه مغمساً بالإهانة ومخلفات الخوف؛ غاب من حياته أي تفكير إبداعي خلاق؛ وتحوّل التعليم إلى تلقين، والصحة إلى مِنّة، والثقافة إلى

اعتبره نظامه المجرم إرهابياً غايته منازعته على الجغرافيا والثروة؛ فقمعه بالحديد والنار متذرعاً بحماية السيادة والوطن والجغرافيا

كذب وتأليه للحاكم؛ وأضحى القيام بالواجب كالاغتصاب برضى. باختصار، أضحت وطنيته، ومواطنيته وحتى إنسانيته منقوصة في جغرافيا أخذت فيها الدكتاتورية والاستبداد دور الإله.

بعد كل هذا وغيره، ثار؛ لا ليتنازع مع الاستبداد على ملكية أو جغرافيا. ثار ليستعيد حريته وكرامته وحتى إنسانيته المنقوصة. اعتبره نظامه المجرم إرهابياً غايته منازعته على الجغرافيا والثروة؛ فقمعه بالحديد والنار متذرعاً بحماية السيادة والوطن والجغرافيا. وكي يحمي كرسيّه أكثر، استعان بكل رصيده من بيع الوطن، وعمالته وخدمته للعدو الإسرائيلي، وبقوى تمتهن القتل والتدمير والدكتاتورية ممثّلة بالخمينية والبوتينية.

أكثر من نصف السوريين تشردوا وفقدوا كل شيء إلا بقايا إنسانية وروح وعقل؛ وهاموا على وجوههم في بقاع الأرض. تحمّل هؤلاء منغصات الغربة، وآلام الحنين، ووجع الماضي المبرحة؛ ولكنهم بدؤوا بتنمية تلك البقايا من الروح والعقل والنفس في بيئات من الحرية والإبداع، ومعرفة الحق والواجب والقانون والصحة والمدارس والعمل. اتضحت أكثر في أذهانهم مواصفات وتصرفات نظام كان كابوساً على أرواحهم وعقولهم؛ وازدادوا تصميماً على اقتلاعه، واستعادة جذر أرواحهم، التي سعى لاقتلاعها.

في الداخل، تكشفت منظومة الاستبداد أمام كثيرين. في أعماقهم، يخافها هؤلاء، لكنهم لا يحترمونها. بعضهم يعبّر عن ذلك؛ وهذا لم يحدث من قبل؛ والفضل فيه لِذاك الذي ضحّى. بداخلهم يعرفون إجرام النظام؛ وربما يدركون أنهم خذلوا أخاهم الذي تشرد، أو هُدِم بيته، أو اعتقل، أو قضى بفعل إجرام النظام. هؤلاء بأعماقهم يستهينون بالنظام؛ وما تجرؤوا على ذلك يوما؛ ولكن بفضل الثورة، كسبوا تلك الجرأة. يعرف هؤلاء كذب السلطة ودجلها وتسلطها وعربدتها ومؤامراتها وخبثها ورخصها واستجلابها للاحتلال. لقد انكسرت هيبة السلطة أمامهم؛ وتستحق.

هناك بينهم مَن يحاول أن يغطي تقصيره الأخلاقي معتبراً ان معياره "الوطن"؛ فيرى /النظام والمعارضة أو الثورة/ أضرب وأحقر من بعظهم البعض؛ فيتطهّر بالقول إنه مع "الوطن" فقط. هناك فئة ثالثة مع "جيش الوطن". هؤلاء لا يرون أنه جيش تعفيش ورخص؛ ويُغفِلون ما كان يحدث في الخدمة الإلزامية من فساد وذل ونذالة؛ ولا يضيرهم أن يُشحَن رئيسهم إلى روسيا ذليلاً، ولا أن يقف في حضرة الخمينائي مستجديا؛ ويغمضون أعينهم عما تفعله إسرائيل، وعن مدى حرصها على هذا النظام الذي خدمها عقوداً؛ ويصدّقون رواية "النظام" في الإرهاب مُغْفِلين أن أمراء داعش كانوا على تنسيق مع منظومة الاستبداد؛ وأن هذا النظام استخدم الإرهاب شماعة للفتك بالوطن وأهله الثائرين.

في المحصلة سيفيق معظم هؤلاء على أن واحدهم ما له إلا أخوه للتحالف والتعاضد معه، وليس مع القاتل الذي يرى بهم جميعاً أدوات أو مشاريع أعداء لا بد قتلها متى تنفست بشكل مختلف. في الوقت ذاته، يصعب على سوري حقيقي أن يغفر لمن كان نسخة عن النظام أو متماهياً معه بالمطلق؛ ولكنه سيغفر لأخيه السوري الذي لا حول له ولا قوة؛ سيغفر له صمته أو رماديته أو قلة حيلته.

سيتأكد الجميع أن لهم عدوا واحدا؛ أكان هذا العدو الذي أخذ شكل الظالم المستبد القاتل الحاكم بأمره تحت يافطة السيادة المزيفة التي ادعاها وعهّرها؛ أم كان تلك الأداة المتطرفة التي قررت أن تبدّل سوريا الاستبداد بسوريا الأمارة التي تكفّر، معتبِرة -كالنظام تماماً- أن من ليس متطابقاً معها، وجب قتله. سيعرف الجميع أن أكثر ما أفاد النظام، وقدّم له الذريعة التي يحتاج للبطش بالسوريين، وبوصف كل من ليس معه إرهابياً؛ هم تحديداً أولئك الأمراء من داعش والنصرة ومَن غرروا بهم. ذلك المتطرف المبني على إلغاء الآخر هو كالنظام تماما؛ إنه مبني على احتكار

كل قطعة سلاح وكل متطرف كان نعمة نزلت على النظام. كان هؤلاء حلفاءه الأساس، وكان عدوه الحقيقي المدني المقاوم بالكلمة والحجة والقانون

السلطة واستخدام القوة. كما النظام، في المزاودة في الوطنية والمقاومة والممانعة؛ وهذا المتطرف، في مزاودته باستخدام الدين والقوة الإلهية؛ شوّها صرخة الحرية. في النهاية النظام سطوة باسم العلمانية؛ والتطرف سطوة باسم الدين.

تلك الظاهرة المتعصبة التي امتطت الدين وجعلت من نفسها وكيلة لله على الأرض؛ كانت وراء فقدان التعاطف الدولي مع قضية سوريا وحريتها. لقد كانت السبب في صمت العالم على الجرائم والتشريد؛ ومعروف أن قوام تلك الزمر المتطرفة كان أولئك الذين أخرجهم النظام من صيدنايا، وممن ترك لهم نوري المالكي في الموصل مئات ملايين الدولارات وترسانة أسلحة تحرر وطن.

كل قطعة سلاح وكل متطرف كان نعمة نزلت على النظام. كان هؤلاء حلفاءه الأساس، وكان عدوه الحقيقي المدني المقاوم بالكلمة والحجة والقانون. الثاني عرضة للقتل أو الاعتقال أو التشريد، والأول ضرورة لتبرير إجرامه. والشاهد على ذلك البلدات والمدن التي أفرغها من أهلها تدميراً وتشريداً. مَن طلب الحرية، من أراد الخلاص من الاستبداد والفساد، لا يمكن أن يكون طائفياً، ولا قاتلاً، ولا مكفراً. سيتأكد السوري أن من نشر ذلك الشعار البغيض/ المسيحي عـ بيروت، والعلوي عـ التابوت/ لم يكن إلا نظام الاستبداد وأدواته.

ما حدث في سوريا لم يكن حرباً طائفية أو أهلية. ذلك المستبد المتطرف، والداعشي المتوحش نسختان لصورة واحدة؛ كلاهما أداة لذبح سوريا، وأداة بيد القوى الخارجية. كلاهما جعلا من الجغرافيا محوراً لهما؛ والبلاد والعباد ليسوا جغرافيا. فلا يفرحنَّ هذا النظام كثيراً إذا حوّلت له طائرات بوتين بلدات سورية إلى أرض يباب يسيطر على جغرافيتها. مرة أخرى جغرافيا اليباب لا تعيد التأهيل، ولا تمنح السيادة. هذه الأرض ملك لأرواح ودماء أهلها الذين رفضوه؛ إنها لطلّاب الحرية.

===========================

تحالف أستانة على محك منطقة "خفض التصعيد" في إدلب

ماجد كيالي

العرب اللندنية

الاثنين 26/8/2019

يبدو أن تحالف أستانة، الذي تأسّس مطلع العام 2017، بات على المحكّ، أولا، بسبب معركة خان شيخون، والتي هي بحد ذاتها بمثابة معركة على آخر منطقة مما يسمى “مناطق خفض التصعيد” الأربع، التي كانت تضم مناطق درعا ودمشق وحمص وإدلب، إضافة إلى أنها، أيضا، آخر معركة لتمكين النظام السوري من استعادة سيطرته على المناطق التي كانت تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة.

ثانيا، بسبب التوافقات الأميركية – التركية على ترتيبات المنطقة الآمنة، أو الحزام الآمن، أو ممر السلام في منطقة شرقي الفرات بمحاذاة الحدود التركية – السورية، بما يعنيه ذلك ربما، من ابتعاد تركيا عن روسيا، ما قد يفسر القلق الروسي مما يجري من ترتيبات أميركية – تركية في منطقة تشكل مساحتها ثلث سوريا.

ثالثا بسبب وصول الصراع السوري إلى مرحلة بات يتعذر فيها الصراع المسلح، لانتفاء أدواته، وأيضا بحكم تقاسم النفوذ في الجغرافيا السورية، بين الولايات المتحدة (شرقي الفرات) وتركيا على امتداد الحدود الشمالية لسوريا من جهة، وروسيا وإيران في الداخل والساحل السوري من جهة أخرى، الأمر الذي كان يحث على إيجاد وسائل وتوافقات ومنابر تفاوضية أخرى، لإيجاد حل لهذا الصراع الطويل والمعقد على الأرض السورية.

تركيا تعتبر منطقة إدلب وريفها بمثابة امتداد لمجالها الأمني، كما أنها تتحسب من احتمال تدفق موجات جديدة من اللاجئين السوريين إلى أراضيها

وللتذكير، فقد تأسّس تحالف أستانة لحلّ، وبالأصحّ لإدارة الصراع، في سوريا، قبل ثلاثة أعوام تقريبا، بين الدول الأكثر انخراطا في ذلك الصراع، وعلى الجبهتين، والتي عرفت في ما بعد، بالدول الضامنة لما سمي في حينه بـ”مناطق خفض التصعيد” الأربع، في الجنوب ودمشق وحمص وإدلب.

وربما يجدر التذكير هنا بأن النظام السوري استعاد المناطق التي كانت خارجة عن سيطرته في مدينة حلب، أواخر العام 2016، مقابل تمرير حملة “درع الفرات” التي شنّتها تركيا مع فصائل سورية معارضة انطلاقا من 24 أغسطس عام 2016، ومكنتها من السيطرة على ريف حلب الشمالي، وصولا إلى مدينة جرابلس السورية (على الضفة الغربية لنهر الفرات قرب الحدود التركية)، ما يعطينا فكرة عن تقلبات وتحولات الأطراف الفاعلة في الصراع السوري، واشتغالها بحسب أجنداتها الخاصة، ويأتي ضمن ذلك عدم فهم انخراط تركيا، الداعمة للمعارضة السورية، في هذا التحالف مع شريكي النظام روسيا وإيران.

ومعلوم أنه في غضون الأعوام الثلاثة الماضية اشتغل تحالف أستانة على ثلاث مسائل. المسألة الأولى، خلق مسار تفاوضي مواز للمسار التفاوضي لجنيف، وربما لفرضه كبديل عنه، بحيث عقد حتى الآن 13 جولة تفاوضية، من دون التوصل إلى نتائج ملموسة.

والثانية الاتفاق على إيجاد مناطق خفض تصعيد، وهي الأربع التي تحدثنا عنها، بما يتطلبه الأمر من وقف القصف والأعمال القتالية، وإتاحة المجال لتأمين الحاجات الإنسانية التموينية والطبية للسوريين، وهو ما لم يحصل إذ على العكس تم استئناف القصف والتهجير. وبالمحصلة، سقطت مناطق خفض التصعيد الثلاث واحدة تلو الأخرى بيد النظام بدعم عسكري مباشر من روسيا، عبر القصف الجوي، ونحن الآن إزاء الصراع على المنطقة الرابعة.

أما المسألة الثالثة في هذا السياق فهي السعي لتشكيل لجنة، أو إطار دستوري، لحل الصراع السوري، جرى تدشينه في مؤتمر سوتشي مطلع العام الماضي، من دون التوصل إلى أي نتيجة تذكر، ولا حتى على مستوى تشكيل اللجنة من أطراف ثلاث، النظام والمعارضة ومستقلين يمثلون المجتمع المدني.

على ذلك فإن المعركة الحاصلة في خان شيخون وفي منطقة إدلب عموما هي جزء من الصراع الدولي والإقليمي حول سوريا، وربما هو صراع يدشن المرحلة الأخيرة من النزاع المسلح فيها، سعيا من كل طرف لتعزيز مكانته التفاوضية من خلال الميدان، قبيل اجتماع القمة الثلاثية قريبا في العاصمة التركية أنقرة، المزمع عقده يوم 16 سبتمبر القادم، بين الرؤساء فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان وحسن روحاني.

أما بخصوص اختلاف أجندات المتصارعين، فإن تركيا تعتبر منطقة إدلب وريفها بمثابة امتداد لمجالها الأمني، كما أنها تتحسب من احتمال تدفق موجات جديدة من اللاجئين السوريين إلى أراضيها، في منطقة يعيش فيها حوالي أربعة ملايين من السوريين من سكانها ومن المشردين من مناطق أخرى، إضافة إلى أنها ترى أن وجودها في هذه المنطقة يعزز من مكانتها في التفاوض على المنطقة الآمنة مع الولايات المتحدة في شرقي الفرات، كما يعزز من مكانتها في تقرير مصير سوريا، إزاء الأطراف الآخرين.

أما بالنسبة لروسيا، وهي هنا تلعب دور الفاعل والمقرر، عن النظام وإيران، في مواجهة تركيا، فهي لا تريد وجودا قويا لتركيا في المنطقة، وحتى إن وافقتها على حساباتها الأمنية، إضافة إلى أن موسكو تريد الانتهاء من وجود المعارضة المسلحة في ريف حماة، ما يفضي إلى فتح الأوتوستراد الدولي بين دمشق وحلب، كما تريد التخلص نهائيا من جبهة النصرة، التي تؤاخذ تركيا على عدم الحسم معها، وربما استعمالها كورقة ضغط، علما أن تلك الجبهة لا تحسب نفسها على الثورة السورية، بل هي أضرت بشكل كبير بصورة تلك الثورة وبالسوريين.

على أي حال، فنحن إزاء احتمالين، فإما أن الأمور ستتم السيطرة عليها، وستتجه الأطراف المعنية، بعد لعبة عض الأصابع المتبادلة، إلى إيجاد توافقات تجدد تحالف أستانة، وإما توقفه عند حدوده بعد أن انتفى الغرض منه. وإما إنهاء التحالف مع ما يعنيه ذلك، من تموضع كل طرف في مواجهة الطرف الآخر، حيث الولايات المتحدة وتركيا في جهة، وروسيا وإيران في جهة أخرى، أما الشعب السوري، فهو وحده الذي يدفع الأثمان الباهظة نتيجة هذا الصراع الدولي والإقليمي الدائر في سوريا.

===========================


النظام يصعّد ضد إدلب: شروط لعودة مهجّري خان شيخون

جلال بكور

العربي الجديد

الاثنين 26/8/2019

واصلت قوات النظام السوري مدعومة بالقوات الروسية والمليشيات المحلية والأجنبية، أمس الأحد، عمليات القصف البري والجوي ضدّ ريف إدلب الجنوبي الشرقي، موقعةً المزيد من القتلى والجرحى بين المدنيين، وسط حالة خوف من استمرار التقدّم البري للنظام. ويأتي ذلك في ظلّ محاولات قوات الأسد التواصل مع المهجرين من مدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي، بهدف إقناعهم بإجراء تسوية أو ما تسميه "مصالحة"، مقابل السماح لهم بالعودة إلى المدينة المدمرة.

وقال مصدر من الدفاع المدني السوري في إدلب "الخوذ البيضاء"، لـ"العربي الجديد"، إنّ القصف من قبل قوات النظام، أمس الأحد، أسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين على الأقل، وإصابة خمسة آخرين، في بلدتي تلمنس ومعرشوين. كما تسبب في أضرار مادية جسيمة في بلدات كفرسجنة والتح وجرجناز ومعرتحرمة والشيخ مصطفى والتمانعة وتحتايا، وهي بلدات تقع في ريف إدلب الجنوبي الشرقي.

وتقع جميع تلك البلدات شرق الطريق الدولي الواصل بين حلب ودمشق، مروراً بمدينتي حماة وحمص، ويعبر في ريف إدلب من مدينة خان شيخون مروراً بمدينة معرة النعمان، وصولاً إلى مدينة سراقب. وبحسب مصدر الدفاع المدني السوري، شنّ الطيران الحربي التابع للنظام وحليفته روسيا، أمس، سبعين غارة على الأقل على المناطق شرق الطريق، وذلك منذ الساعة السادسة صباحاً وحتى الثانية عشرة ظهراً.

وتتمركز قوات النظام في الوقت الحالي شرق خان شيخون في محور تل ترعي الاستراتيجي، فيما تتمركز قوات المعارضة و"هيئة تحرير الشام" (النصرة سابقاً) في المحور المقابل في بلدة التمانعة، والتي تعدّ خط الدفاع الأول عن بقية المناطق.

وبحسب الأنباء الواردة من المنطقة، تعزز قوات النظام دفاعاتها في تل ترعي بالتزامن مع جلب المزيد من التعزيزات العسكرية، مما يشير إلى وجود نية للنظام للتقدم مجدداً في المنطقة، عقب السيطرة على خان شيخون وكامل ريف حماة الشمالي.

ورافق هذه الأنباء التي تتحدث عن مزيد من التعزيزات للنظام، تخوّف لدى الأهالي، خصوصاً في المنطقة التي تعتبر حالياً محطّ أنظار النظام، وهي القرى والبلدات التي تقع حول الطريق الدولي في المنطقة الممتدة بين خان شيخون ومعرة النعمان وسراقب. وتركز قوات النظام قصفها الجوي على تلك المناطق، بالإضافة إلى القصف البري والصاروخي انطلاقاً من مطار أبو الظهور والنقاط العسكرية المحيطة به.

وفي السياق، قال الناشط عامر السيد، لـ"العربي الجديد"، إنّ "هناك تخوفاً لدى المدنيين في المنطقة، وهو ما دفع بالناس إلى النزوح منها، على الرغم من هدوء المعارك على الجبهات واقتصار العمليات على القصف الجوي والمدفعي". وأكد السيّد خلو المنطقة الواصلة بين خان شيخون ومعرة النعمان بشكل شبه تام من المدنيين الذين نزحوا نحو الشمال، في وقت تغيب فيه المنظمات الدولية المعنية.

في الأثناء، قال مصدر من "جيش العزة"، أبرز فصائل المعارضة السورية في ريف حماة، لـ"العربي الجديد"، إنّ النظام جلب المزيد من التعزيزات العسكرية إلى محور تل ترعي، منوهاً إلى أنّ المعارضة تتحسب لمحاولة تقدّم جديدة من قبل قوات الأسد في المنطقة.

بدورها، أعلنت "الجبهة الوطنية للتحرير" في بيان لها أمس، عن مقتل وجرح عدد من عناصر قوات النظام، جراء استهداف موقع لهم في محور تل هواش بريف حماة الشمالي.

وفي ريف اللاذقية الشمالي الشرقي، قالت مصادر لـ"العربي الجديد"، إنّ المعارضة اشتبكت مع مجموعة من قوات النظام حاولت التقدّم على محور تل الكبينة الاستراتيجي، ودمّرت لها دبابة خلال الاشتباك. ويعدّ محور تل الكبينة الأكثر أهمية في ريف اللاذقية، لموقعه الاستراتيجي المطلّ على ريف حماة الشمالي الغربي وريف إدلب الجنوبي الغربي. وقد فشلت قوات النظام منذ بداية الحملة العسكرية على المنطقة نهاية إبريل/نيسان الماضي في إحراز أي تقدم فيه.

من جانب آخر، ذكر مصدر من مهجري مدينة خان شيخون لـ"العربي الجديد"، أن تابعين لقوات النظام السوري من أهالي المدينة، بدأوا بمحاولة التواصل مع المهجرين منها، بهدف إقناعهم بالعودة وإجراء "مصالحة" وتسوية مع النظام. وأوضح المصدر أنّ من وصفهم بـ"عملاء النظام" والمروجين للمصالحة والتسوية معه ينشطون في منطقة ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي منذ زمن، إلا أنّ ملاحقتهم من قبل الفصائل و"هيئة تحرير الشام" كانت أدّت إلى اختفائهم في الفترة السابقة.

بدوره، أكّد الناشط أدهم الحسن، المنحدر من مدينة خان شيخون، المعلومات التي تتحدث عن محاولة النظام التواصل مع أهالي المدينة، لكنه قال إنّ من يعودون إلى المدينة في الوقت الحالي هم في الأصل يقطنون في مناطق سيطرة النظام.

وكان النظام السوري قد اتبع سياسة "المصالحات" مع مهجري الغوطة الشرقية لدمشق ومهجري حي الوعر في حمص، إلا أنه قام لاحقاً باعتقال العديد من العائدين وزجهم في سجونه، أو قام باقتيادهم إلى التجنيد الإجباري في صفوف قواته.

===========================


بيان كنسي معيب

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 24/8/2019

ليس ما يجري في سورية والمنطقة العربية بالأمر العابر، بل هو تأسيس جديد وشامل لحياة شعوبهما وأدوارهما، لن يكبحه نظام شن حربا ضروسا على شعبٍ بأسره، بجرم تذكيره بما تعهد بتحقيقه منذ عام 1947: الحرية. لكنه تنكّر لها، وأقام استبدادا قاتلا وقمعيا وفاسدا، لم يعرف التاريخ الحديث مثيلا له.

وكما يحدث في مثل هذه الحالات، دفع الإذلال والإفقار الشعب إلى إسماع صوته، فنزل إلى الشارع مطالبا بحقوقه الطبيعية. عندئذ، شنّت الأسدية عليه الحرب، بجيش أعظم مآثره الفرار أمام جيش إسرائيل في ثلاث حروب متعاقبة، وتسليمه الجولان من دون قتال في أولاها، قبل نيف ونصف قرن، وتعايشه السلمي مع الاحتلال، وانقضاضه، في المقابل، العنيف والهمجي، على ما يفترض أنه شعبه، وتدمير قراه وبلداته ومدنه، وقتل وجرح وتشويه واعتقال وتعذيب وحرق وإخفاء بضعة ملايين من بناته وأبنائه، وطرد نصفه إلى خارج وطنه، بحجة محاربة الإرهاب الذي لو صح أنه منتشر في سورية بالحجم الذي تدّعيه الأسدية، لكان هذا وحده كافيا للمطالبة بإسقاطها، ولنزع الشرعية عنها بوصفها سلطة أنتجت هذا الكم الهائل من الإرهابيين في أثناء نصف قرن انفردت خلاله بالحكم، وها هي تدمّر منذ سنوات العمران السوري، وتسحق مجتمع السوريين ودولتهم، وهم الذين تحولوا جميعهم إلى شعب إرهابي.

تُرى، بأي ضمير ديني أو إنساني يمكن اعتبار مقتلةٍ ذهب ضحيتها مليون شهيد سوري انتصارا للأسدية؟ وإلى أي قدر من انعدام الضمير يحتاج أمراء الكنائس المسيحية في سورية كي يهنئوا أنفسهم بانتصارٍ كهذا، تقشعر له أبدان أعتى المجرمين؟ وإلى أي قدر من العته والبلاهة يحتاج هؤلاء ليصدقوا أنه انتصار نهائي، وأن السوريين سيقبلون العودة كالأغنام إلى ما كان قائما قبل عام ثورتهم 2011 من ظلم وبؤس؟

لم أصدّق أن كنائس سورية المسيحية يمكن أن تصدر بيانا تهنئ فيه القاتل على جرائمه، بينما يواصل حربه ضد العزّل، ويلقي عليهم خلال أسبوعين آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ. وافترضت أن المطارنة والبطاركة لن يصدروا بيانا هذا مضمونه، لأن غبار الانفجارات زكم أنوفهم، ولأنهم أشاحوا بوجوههم عنها وهي تغطي قرى بأكملها، ويراقبون بحزن أرتال الأبرياء الذاهبة إلى المجهول، لافتراش الأرض تحت الأشجار، مع من سبقهم من مهجّرين لم يعد هناك خيام يأوون إليها، وكسرة خبز يُسكتون بها جوعهم، وتوهمت أن أمراء الكنائس سيتعاطفون مع ألمهم الإنساني!

عن أي انتصار تتحدّثون، يا أمراء الكنيسة، وقد بلغ عدد ضحايا السلطة التي تساندونها مليون مهجر وآلاف القتلى من الأطفال والشيوخ والنساء؟ ولماذا لا تهنئون المنتصر الحقيقي، روسيا، وأنتم تعلمون أن سيدكم تحول إلى "خيال مآته" يحرّكه من يحرّكه من لبنان والعراق وأفغانستان وبنغلادش.. الذين لو أصدر شريككم في الانتصار، خامنئي، إليهم أمرا بقتلكم، لذبحوكم؟

اختار أمراء الكنائس الأسدية دعم من فتكوا بشعب سورية، وذبحوا شعبا أعزل فارق أكثر من نصفه الحياة أو وطنه، لمجرّد أنه طالب بالحرية التي يتشارك الإرهاب الأسدي والداعشي/ القاعدي في قتل أنصارها، و"العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية" هي قيم ثورتهم التي يكرّرون المطالبة بها، وهم يطلقون هتافهم "الإرهابي" الخطير، كلما تظاهروا: "سورية بدها حرية، والشعب السوري واحد".

لن يبقى بيان أمراء الكنائس من دون رد فعل لدى من يرفضون من المسيحيين إسقاط كنيستهم بالتلازم مع سقوط الطغاة، وزوال المسيحية من المشرق، وترحيل المسيحيين من وطنهم، لأن كهنتهم يرفضون الانتماء إلى شعبه، والتضامن معه في محنته، وينتمون إلى السلطة التي تقتله. ولا بد أن يحاسب المسيحيون من يخونون تعاليم مسيحهم، وينبذوهم، لتعود الكنيسة إلى دورها الذي يحمي المظلومين، ويقيهم العنف، ولا تبقى أداة بيد "كهنة المخابرات" وسادتهم القتلة.

===========================

إدلب.. نموذج للعلاقات الروسية التركية

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

السبت 24/8/2019

يمكن وصف العلاقة بين روسيا وتركيا بأنها تحكمها الضرورات الملحّة، أو البراغماتية السياسية ـ الاقتصادية، وبأنها أكثر من تفاهم وأقل من تحالف استراتيجي.. دفع الموقع الجغرافي لكل من البلدين، في لحظات تاريخية، إلى الافتراق الحادّ، وفي لحظاتٍ أخرى إلى الاقتراب. بين الجانبين خلافات كبيرة، لكنها ليست ملحّة: خلافات حول المرور في مضيق البوسفور، التنافس على نقل بترول آسيا الوسطى وبحر قزوين، الموقف المتباين من قضية ناغورني كاراباخ، القضية القبرصية. ولكن الأزمة السورية شكلت نوعاً من المفارقة في تاريخ العلاقة بين البلدين: اختلاف استراتيجي حيال الموقف من الثورة ومن النظام ومن مستقبل سورية السياسي، غير أن هذه الخلافات الحادّة، وبفعل تعقد المشهد السوري بسبب كثرة الفاعلين الإقليميين، دفعت الطرفين إلى الاقتراب من بعضهما، وتقديم تنازلات متبادلة فرضتها مجريات الأمور. ولا تعني هذه التنازلات تقاطعاً في الرؤى الاستراتيجية، بقدر ما تعني تقاطعاً في أولوية المصالح الخاصة لكل طرف. ومن هنا، قد تتغير أولوية هذه المصالح مع مرور الوقت، وحدوث تغيرات مفاجئة في المشهد السوري.

كان قبول روسيا بدخول تركيا الأراضي السورية مشروطاً بتقديمها تنازلاتٍ مهمة في حلب أولاً، ثم في ضبط سيمفونية المعارضة المسلحة ثانياً، وفي اعتدال سياسي ثالثاً. وفي المقابل، كان التنازل التركي لروسيا مشروطاً باعتبار المناطق السورية الخاضعة لتركيا جزءاً من معادلة المصالح القومية العليا لأنقرة، وليس جزءاً من ثنائية النظام/ المعارضة. بعبارة أخرى، لا يخضع الانسحاب التركي من هذه الأراضي (منطقة درع الفرات، عفرين، إدلب) لمقتضيات الصراع السوري ـ السوري، وإنما لمقتضيات المصالح العليا لتركيا.

ضمن دائرة التقاطعات/ التخارجات التي تحكم العلاقة بين الدولتين في سورية، يمكن فهم حدود التلاقي والافتراق بينهما. وتشكل منطقة إدلب نموذجاً لطبيعة العلاقة هذه، فبموجب اتفاق

"ما يجري اليوم في إدلب ليس خلافاً حادّاً بين موسكو وأنقرة وليس تفاهماً مضمراً" "أستانة 4" في مايو/ أيار 2017، قبلت موسكو أن تدخل منطقة إدلب ضمن اتفاق خفض التصعيد، شريطة أن تضبط أنقرة فصائل المعارضة، وتمنعها من شنّ عمليات عسكرية ضد النظام السوري. قبلت أنقرة بذلك، من أجل الحفاظ على هذه المنطقة بعيداً عن الصراع، مقابل انخراطها في مسار أستانة الذي بدأ يأخذ منحىً سياسياً إلى جانب منحاه العسكري. ولكن بعيد استعادة النظام السوري مناطق خفض التصعيد الثلاث (الغوطة الشرقية، درعا/ القنيطرة، ريف حمص الشمالي)، بدا واضحاً أن مضامين اتفاق "أستانة 4" لم تعد كافية، وعليه جرى اتفاق بين العاصمتين في سوتشي (سبتمبر/ أيلول 2018) على شروط جديدة، تضمنت إنشاء منطقة عازلة بعمق 15/ 20 كلم في محيط منطقة إدلب، ثم انسحاب الفصائل المسلحة، بما فيها المنظمات المدرجة ضمن لائحة الإرهاب الأممية إلى خارج المنطقة، ثم فصل فصائل المعارضة عن المنظمات الإرهابية، وأخيراً فتح الطريقين الدوليين M4 / M5.

المشكلة بالنسبة لتركيا تكمن في فصل المعارضة عن هيئة تحرير الشام وسواها، فمثل هذا الفصل سيكلف تركيا وفصائل المعارضة كثيراً، فضلاً عن أن أنقرة لا ترغب بهذا الفصل، إذ تريد أن تبقي هيئة تحرير الشام إلى جانب فصائل المعارضة، على أن تقوم الهيئة تدريجياً بتغيير سلوكها ومعتقداتها. ونجحت تركيا عملياً في ذلك، إذ استطاعت إقناع الهيئة قبل سنوات بعدم القيام بأي عمليات إرهابية، ولا القيام بعمليات إعدام كما فعل "داعش" وحتى "جيش الإسلام" في الغوطة. وفعلاً تمت معاملة "هيئة تحرير الشام" بصورة استثنائية من روسيا، بناءً على طلب تركيا، وليس مصادفة أن تصبر روسيا نحو تسعة شهور على عدم تطبيق اتفاق سوتشي، لأنها تعلم أن ملف "تحرير الشام" خط أحمر بالنسة لأنقرة، ليس لأسباب أيديولوجية، وإنما لأسباب استراتيجية.

ما الذي حدث، حتى تتغير الأمور وتسمح روسيا للنظام بشنّ عملية عسكرية في إدلب، قبل أن تشارك هي نفسها في المعارك علناً؟ لا يتعلق الأمر بإدلب منطقة جغرافية بحدّ ذاتها، بقدر ما يتعلق باختلاف بعض الرؤى بين الجانبين في ملفات (الطريقين الدوليين في إدلب، شرق الفرات، اللجنة الدستورية).

لا تبدو روسيا مهتمة بمصير هيئة تحرير الشام في هذه المرحلة، ولا بالسيطرة التركية على

"المشكلة بالنسبة لتركيا تكمن في فصل المعارضة عن هيئة تحرير الشام وسواها" وسط إدلب وشماليّها، لكنها مهتمة بالسيطرة على ريف حماة الشمالي، فقد آن أوان إخراج هذه المحافظة من جدلية الصراع، في وقتٍ تعمل مع النظام للوصول إلى الطريقين الدوليين M4 وM5. ومن هنا تأخذ المعارك على جبهة اللاذقية أهمية كبيرة، حيث يسعى النظام بدعم روسي للوصول إلى جسر الشغور، ومن ثم تحقيق اختراق في عمق المحافظة.

ليس معروفاً إلى الآن ما إذا كانت موسكو بصدد السماح للنظام بالاكتفاء بأخذ آخر نقطة في ريف اللاذقية الشمالي، أو المضيّ نحو جسر الشغور، فتصريح وزير الخارجية الروسي لافروف حمّال أوجه "الجيش التركي أنشأ نقاط مراقبة في إدلب، وكانت هناك آمال معقودة على أن وجود العسكريين الأتراك هناك سيحول دون شنّ الإرهابيين هجمات، لكن ذلك لم يحدث". هل يفهم من ذلك أن روسيا اتخذت قراراً بمحاربة ما تسميها التنظيمات الإرهابية في عمق إدلب، أم الاكتفاء بإبعادهم عن المنطقة العازلة؟

طبيعة العلاقة الروسية ـ التركية لا تسمح الآن بخيار العمل العسكري الواسع، وأغلب الظن أنه سيتم الاتفاق على ترتيباتٍ جديدة، منها فتح الطريقين الدوليين، وبقاء خان شيخون وريف حماة الشمالي تحت سيطرة النظام، في مقابل بقاء وسط إدلب وشماليه بيد المعارضة.

ما يجري اليوم في إدلب ليس خلافاً حادّاً بين موسكو وأنقرة كما يروّج بعضهم، وليس تفاهماً مضمراً كما يروج آخرون، وإنما هو تباين في الأولويات. ومن هنا، قد تجد أنقرة في سيطرة النظام على المنطقة الجنوبية من إدلب فرصة لنقل السكان النازحين إلى مناطق شرق الفرات، عقب إنشاء المنطقة الآمنة، وهنا ثمة تلاقٍ روسي ـ تركي.

===========================

الخديعة الروسية الكبرى في سوريا

  د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 24/8/2019

لم تتصرف روسيا بعقلية الدب الروسي المعهودة في سوريا بل تصرفت في واقع الأمر بعقلية الثعلب، ونجحت نجاحاً باهراً في خداع قوى المعارضة السورية كلها، بالإضافة طبعاً إلى خداع الفصائل المسلحة وكل من يساندها من السوريين وغير السوريين. دعونا أولاً نتذكر الشعار الذي رفعته روسيا في أواخر شهر سبتمبر /أيلول عام 2015 قبيل غزوها لسوريا. لقد ملأ الروس الدنيا ضجيجاً وقتها بضرورة التدخل في سوريا للقضاء على داعش حصراً كأكبر خطر إرهابي يهدد العالم.

ولا شك أن الجميع وقتها كان سيرحب بهذه الخطوة الروسية، خاصة وأن الشعار الذي رفعه الروس شعار جذاب جداً، ألا وهو القضاء على الإرهاب. لكن كم من الجرائم البشعة وكم من المخططات الشريرة مرت على الشعوب تحت هذا الشعار الكاذب؟ لقد فعلها الأمريكيون من قبل مرات ومرات في العراق وأفغانستان، حيث رفعوا شعار محاربة الإرهاب بينما كان الهدف استعمارياً بامتياز لنهب ثروات العراق والسيطرة على أفغانستان الممر الهام إلى نفط وغاز بحر قزوين.

وقد سخرت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس ذات يوم من الذين انخدعوا بالشعارات الأمريكية عندما قالت: «إنه النفط يا غبي».

ما حدا أحسن من حدا، صاح الروس، لماذا لا نرفع شعار القضاء على الإرهاب في سوريا للتغطية على الغزو الروسي الاستعماري الذي لا يختلف مطلقاً عن الغزو الروسي لأفغانستان أو الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان؟ لاحظوا أن الروس لم يتحدثوا ولم يهددوا مطلقاً بمهاجمة قوى المعارضة السورية عندما تدخلوا في سوريا، بل أعلنوا فقط أنهم سيستهدفون الدواعش، لكن مرت الأيام والأسابيع فلم يطلق الروس طلقة واحدة على الدواعش، إلا ربما لذر الرماد في العيون والضحك على الذقون، بينما راحوا يعملون عسكرياً وسياسياً على طرد كل فصائل المعارضة من المناطق التي تسيطر عليها وإعادتها إلى النظام. لقد كان القضاء على داعش كما كان بالنسبة لكل الذين تدخلوا في سوريا مجرد ستار أو شعار زائف لتحقيق أهداف أخرى تماماً.

كيف يمكن أن نصدق أن روسيا تريد القضاء على الدواعش في سوريا إذا كانت روسيا من أكثر الدول التي شحنت الدواعش إلى سوريا؟

والسؤال الكبير: كيف يمكن أن نصدق أن روسيا تريد القضاء على الدواعش في سوريا إذا كانت روسيا من أكثر الدول التي شحنت الدواعش إلى سوريا؟ جدير بالذكر أن الروس وكلوا شخصية كبيرة من أصول شرق أوسطية من قبل لشحن الدواعش الشيشانيين إلى سوريا. وكان ينسق عملياته من دمشق. تصوروا. يتظاهرون بمحاربة الدواعش، بينما هم أكبر المتاجرين بهم لأغراض قذرة.

وعندما بدأت روسيا تكشر عن أنيابها فعلاً في سوريا بعد أن صارت قواتها في سوريا بدأت تطرح مشاريع سياسية عبر مؤتمرات شهيرة في أستانا وسوتشي للقضاء تماماً على مقررات مؤتمر جنيف الدولي. وقد نجحت تماماً. من مازال يتذكر جنيف بعد أن مررت روسيا كل مخططاتها عبر استانا وسوتشي؟ ولعل أشهر شعار رفعته روسيا في سوريا شعار: «خفض التصعيد»، وهو في ظاهره شعار براق جذاب نفهم منه إعادة الأمن والأمان والاستقرار لسوريا والسوريين بعد سنوات من الصراع الدامي، لكن شيئاً فشيئاً بدأنا نكتشف أن الهدف الرئيسي مما يسمى بخفض التصعيد هو القضاء على كل فصائل المعارضة السورية التي تواجه النظام عسكرياً. فجأة اختفى جيش الإسلام الذي كان ظاهرياً يحاصر دمشق بعتاد عسكري قادر أن يحرر سوريا كلها. كيف؟ طبعاً بجهود روسية عسكرية وسياسية، ثم سقطت درعا بين ليلة وضحاها بموجب خفض التصعيد وتم شحن مقاتليها إلى إدلب، لكن ليس لحمايتهم، بل للقضاء عليهم لاحقاً بعد تنظيف سوريا من كل فصائل المعارضة. انظروا الآن مصير الفصائل التي ضحك عليها الروس وشحنوها إلى إدلب أين هي؟ لقد كانت إدلب بموجب لعبة خفض التصعيد المحشر الكبير لكل فصائل المعارضة كي يتم القضاء عليها دفعة واحدة. وهذا ما يحصل الآن. وكان جديراً بالمقاتلين الذين قبلوا بالذهاب إلى إدلب وقتها أن يرددوا: «أكلت يوم أكل الثور الأبيض»، أي بعد خروجهم من ريف دمشق ودرعا وباقي المناطق.

قد يقول البعض طبعاً إن المعارضة السورية التي قبلت بالخطط الروسية ومؤتمراتها، كمؤتمري أستانا وسوتشي، وما تبعها مما يسمى بعملية خفض التصعيد في مناطق الصراع بين النظام وقوات المعارضة، ربما لم تنخدع بالمخططات الروسية، بل كان مغلوباً على أمرها بفعل الوحشية الروسية أولاً، وثانياً بفعل ضغوط الدول الضامنة للاتفاقات وخاصة تركيا. وهذا طبعاً عذر أقبح من ذنب.

لهذا نقول أخيراً على ضوء الخديعة الروسية الكبرى في سوريا: احذروا دائماً الشعارات والأسماء البراقة، فالأسماء والشعارات التي تطلقها الدول على مشاريعها السياسية قد تكون خادعة إلى حد كبير…لا تصدقوا الأسماء والتوصيفات الإعلامية لهذا المشروع أو ذاك، فكلها تبدو جذابة، بينما في الواقع قد تكون كالأفاعي ناعمة الملمس لكن العطب في أنيابها. فقط قارنوا أخيراً بينما ما رفعته روسيا في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر عام ألفين وخمسة عشر من شعارات، وما فعلته في سوريا حتى الآن. وأخيراً للذين قبلوا بالمبادرات الروسية من قوى المعارضة والدول الضامنة كتركيا نقول: تعيشوا وتأكلوا غيرها!

===========================

موقفنا: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ) .. هويتنا

زهير سالم

مركز الشرق العربي

28/ 8/ 2019

وما سأحكيه هنا في صميم المشهد السياسي السوري . ليتأمله متأمل ، ويتدبره عاقل . ومساهمة متواضعة في الرد على محاولة البعض الاستقواء بمحتل جاثم على الأرض ، وآخر يلوح بعصاه عن بعد ، يستعينون بهم في خلط الأوراق ، وترديد ألفاظ بغير علم كما تقول الببغا ..

وتقول : هذا عقد لؤلؤ أو عقد زمرد ، أو عقد مرجان ؛ ولا يضره أن يكون خيط نظمه مفتولا من ليف أو منسوجا من قطن أو كتان . كما لا يضره أن يكون " قفله " مصنوعا من فضة أو كروم أو من صفر .

وتقول : هذا ثوب صوف ، أو ثوب حرير ، ولا يصادر قولك أنه خِيط بخيط غير.. ، أو سُجف بسجف... ، أو شيب بقليل شوب ..

طلب النقاء المطلق فيما هو مقدر ومصنوع أمر صعب وعسير . ومسرح الحياة العامة بأبعادها ليس مختبرا كيمائيا تجري فيه التفاعلات بقدر مقدور ..كما يقدرها أصحاب القير القطمير؛ فكيف بنهر الحضارة والحياة البشرية تمخر العباب في أرض كانت مسرح الحياة .

حتى الطهاة في مطابخهم يسمون أطعمتهم بأسمائها ..

فيقولون : رز بلحم . وقد علمنا أن معهما ماء وملح وسمن أو زبد أو بهارات بأرواحها السبعة . وإن من السماجة إلى حد كبير أن تشترط علينا حبة الفلفل أن نقول : رز ولحم وزبد و ثلاث حبات بهار ، وعود قرفة ، وحبة فلفل، وكبش قرنفل ، وكسرة من جوزة الطيب ، وورقة غار ..وهكذا أسمعهم في كل محفل يرطنون.

لا يا أيها السادة ..

هذا استنزاف للعقل ، واغتصاب لعلوم اللغة والاجتماع والسياسة والجغرافيا والديموغرافيا . ولكل ما تعارف عليه المؤرخون والمفكرون والعلماء والعقلاء .

واو العطف التي وضعها العقلاء لتعبر عن مقاصدهم في مطلق الجمع ، وليس لتكون تحلة يمين بجمع الناقة إلى القطة في معادلة مختلة لعلمي الدلالة والحساب . حيث قالت العقلاء ما أرخص الناقة لولا القط

أيها السادة كفى استخفافا بالعقول . وكفى نكأ للجراح ..

عقدنا : لؤلؤ . وثوبنا صوف أو قطن . وعيشنا : برغل .

 ولم يبق لدينا في هذا الفضاء غير " هوية" لن نساوم عليها .. وإن تكاثر حولنا المساومون:

هوية انتماء هي قنطرة وجودنا المضروبة بين ضفتي الأزل والأبد ..

وهوية اختيار هي كنه وعينا ، وسر اختيارنا ، ورافعة خلاصنا وتفوقنا بين العالمين

ـــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

أكبر مصائب السوريين!

فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 24/8/2019

لا يختلف اثنان حول فظاعة المصائب التي حلّت على السوريين طوال عهد آل الأسد الممتد نحو خمسين عاماً، بدأت مع استيلاء الأسد الأب على السلطة في سوريا عام 1970، وتواصلت مع مجيء وريثه في عام 2000، لتبلغ المصائب مستوى تجاوز الخيال، عندما نهض السوريون عام 2011 مطالبين بالحرية والمشاركة في شؤون حياتهم ومستقبلهم، فذهب الأسد الابن ونظامه إلى الأبعد في قتل واعتقال وتهجير الملايين، وتدمير قدراتهم وإمكانياتهم الظاهرة والكامنة، دافعين السوريين إلى عمق الكارثة.

ولم تقتصر مصائب السوريين على ما قام به نظام الأسد ثم حلفاؤه الإيرانيون وميليشياتهم، بل امتدت المصائب لتصير من صنع كثير مَن وُصفوا بأنهم أصدقاء الشعب السوري وأنصاره من القوى الإقليمية والدولية ومن جماعات التطرف والإرهاب، التي تدخلت في القضية السورية، وجعلت السوريين ضحايا على نحو ما فعل النظام وحلفاؤه، وهذا ما فعله التحالف الدولي في الحرب على «داعش» وفعله الأخير أيضاً، وقد تحولت بعض القوى «الصديقة» المتدخلة في سوريا ومنها الولايات المتحدة ودول في غرب أوروبا وتركيا، إلى قوى احتلال على نحو ما هي عليه إيران وروسيا.

ولأنه بدا أن أساس مصائب السوريين يعود إلى مواقف وسياسات نظام الأسد، فإنه لا يمكن قول إن المعارضة بمواقفها وسياساتها بعيدة عما أصاب السوريين من مصائب، وقد زادت المعارضة في هذا الجانب، أنها لم تكن سبباً في بعض المصائب فقط بل كانت الطرف الذي جلب تلك المصائب، تماماُ على نحو ما فعل نظام الأسد في إغراق السوريين بالمصائب.

ويكشف تتبع مسارات القضية السورية الأخطاء الفادحة في مواقف المعارضة وسياساتها، والأهم في ذلك عجزها عن تشكيل كيان سياسي موحد، يقف في مواجهة النظام، ويقود ثورة السوريين نحو هدفهم في إقامة نظام يوفر الحرية والعدالة والمساواة للسوريين، وأضافت بعض قوى المعارضة لا سيما «الإخوان المسلمين» إلى ما سبق ذهابها نحو عسكرة الثورة وتسليحها، ثم أسلمتها وتطييفها، مما أضعف الثورة وعزز قوة النظام، ووسع نفوذ جماعات التطرف والإرهاب من «النصرة» و«داعش» وأخواتهما في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وجعل تلك الجماعات تشارك النظام في حرب مكشوفة ضد تشكيلات الجيش الحر، وفرض سيطرتها على الحواضن الاجتماعية للثورة، وارتكبت في الحالتين جرائم قتل واعتقال وتهجير، عمّقت مصائب السوريين.

وأضافت المعارضة لا سيما المسلحة إلى ما سبق نسقاً موازياً من ممارساتها، فتحولت إلى قوى تابعة ومرهونة لقوى إقليمية ودولية، فزادت في ذلك مصائبها، إذ أُضيفت تبعيتها وارتهان قراراتها إلى غياب وحدتها وتصارعها البيني وانقسامها، مما ساعد القوى المحلية والإقليمية والدولية على المضي في ارتكاباتها وجرائمها في سوريا، وصارت عاملاً رئيسياً في الإبقاء على نظام الأسد وداعماً غير مباشر لسياساته ولحلفائه.

إن الأسباب المؤدية لسوء أداء المعارضة وما خلفته في حياة السوريين من مصائب، تتضمن أسباباً موضوعية ناتجة عن الاستبداد الطويل الذي عاشت المعارضة في ظله، والسياسات الإجرامية التي مورست ضدها، لكن الأهم، تمثله أسباب ذاتية تتعلق ببنية المعارضة وعجزها عن قراءة الواقع واستخلاص دروسه ووضع سياسات وتبني خطط جديدة تستطيع أن تواجه بها المستجدات، وقد مرت سنوات وظروف كان يمكن للمعارضة أن تفعل ما هو إيجابي بدل ما ظهر في تفكيرها وممارساتها وجسّد إفلاسها سواء في مستوى التنظيمات أو في مستوى الأفراد ممن هم داخل سوريا أو الموجودين خارجها في بلدان الشتات.

وبدل أن تذهب المعارضة في الطريق الصحيح، راحت إلى خلافه. فكرّست ما هو سلبي في العلاقات البينية، وحتى في الحالات التي اضطرت فيها إلى مسايرة السياسات الإقليمية والدولية في توحيد قوتها التفاوضية، فإنها ظلت أسيرة التنابذات والصراعات والتشتت والعمل في الهوامش بدل التركيز على النقاط المركزية، وكلها من ثمار بنى وعلاقات جماعاتها الرئيسية من ائتلاف وهيئة تنسيق، ومثلهما صنائع اتُّفق على تسميتها منصات لا وزن ولا قيمة لها، وهو وضع يقارب حالة ما تبقى من تشكيلات المعارضة المسلحة التي صارت مربوطة بخطين مشتركهما العلاقة مع تركيا؛ أولهما سياسي يمثله خط آستانة مع الروس المتعارض مع أهداف السوريين، والآخر خط مشاركة القوات التركية في الشمال السوري، والذي سيتحمل عبئاً سياسياً وعسكرياً فادحاً لعملية تركية يمكن أن تبدأ في شرق الفرات ضد قوات سوريا الديمقراطية في أي وقت.

ولا يمكن عزل تردي وسوء أوضاع وسياسات وممارسات جماعات المعارضة، ومنها سكوت المعارضة السياسية والمسلحة والمدنية والأهلية عن الإجراءات التركية حيال اللاجئين السوريين الأخيرة، عما آل إليه حال كثير من المعارضين سواء القدماء منهم أو ممن ظهروا في سنوات الثورة الأولى، وأغلبهم ذهب في واحد من مسارات ثلاثة؛ أولها الخروج من أطر المعارضة بصورة كلية، وهي حالة عشرات الأشخاص ممن تراكضوا في بداية الثورة للانخراط في أطر معارضة خصوصاً في المجلس الوطني، ولم يتبقَّ منهم سوى قلة انخرطت في الائتلاف الوطني السوري. والمسار الثاني خروج الشخصيات من أطر المعارضة مع بقاء على هوامشها على نحو ما فعل الرؤساء الثلاثة للمجلس الوطني السوري وبعض رؤساء الائتلاف الوطني وقادة في التشكيلات المسلحة وبينهم رؤساء أركان ما كان معروفاً باسم الجيش السوري الحر، وأغلبهم يراهنون على دور مستقبلي في تطورات القضية السورية. أما المسار الثالث فهو استمرار معارضين ومنهم رئيس أول حكومة مؤقتة وبعض قيادات الائتلاف الوطني وقيادات تشكيلات مسلحة في مواقعهم رغم تدهور أوضاع جماعاتهم، وتسلل شخصيات هامشية وأخرى غير مؤتمَنة أو مخترَقة أمنياً إلى قيادات تلك الجماعات، والأمر فيما سبق لا يقتصر على ما هو قائم في بلدان الشتات بما فيها تركيا، وإنما يشمل الداخل السوري رغم الاختلاف في البيئات السياسية.

لقد بلغ تردي أوضاع المعارضة بتشكيلاتها السياسية والمسلحة والمدنية والأهلية وأغلب المنتمين إلى النخبة السورية مداه العميق لدرجة يمكن القول معها، إن علينا ألا ننتظر من تلك التشكيلات والشخصيات انعكاسات إيجابية لوجودها ونشاطها في المدى المنظور، وهو أمر يضعنا على ضفاف ما يقوم به البعض من جهد للخروج من المأزق الحالي، حيث تُبذل محاولات لا يمكن رؤية إمكانيات نجاحها في ضوء ما جرّته المعارضة من مصائب على السوريين في الفترة الماضية.

===========================

ثوابت الحرب على إدلب ومسارها

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 24/8/2019

لعل أول الثوابت وأهمها في حرب النظام السوري وحلفائه على جماعات المعارضة المسلحة في مدينة إدلب وأريافها، هو انعدام أي فرصة للتعايش أو لهدنة مستقرة بين الطرفين، فالأول لم ولن يبدي أدنى استعداد للاعتراف بالآخر المختلف، فكيف بمساكنته، ولنقل، على العكس، هو مستعد ومتمرس للذهاب إلى أبعد مدى في تدمير البلاد وقتل العباد لتصفية كل من يعترض على تفرده بالسلطة، بينما بات الطرف الآخر رهينة لدى «جبهة فتح الشام»، المحسوبة على تنظيم «القاعدة»، والتي دون مشروعها الإسلاموي المتشدد لا تقيم اعتباراً لأحد.

الثابت الثاني، أن إدلب باتت الملجأ الأخير للهاربين من أتون العنف، وأكبر تجمع مدني ومسلح يناهض النظام السوري، ففيها نحو أربعة ملايين مدني من اللاجئين والنازحين، نصفهم من المهجّرين جراء التسويات التي تمت في حمص وحلب ودرعا والغوطة الشرقية، أو العائدين، طوعاً وقسراً، من تركيا، وهناك ما يقارب ستين ألف مسلح من عناصر المعارضة، تمرسوا بالقتال لسنوات كثيرة، وليس أمامهم خيار إلا الموت بعد أن غدت إدلب ملاذهم الأخير، وهذا ما يشي بأن هذه الحرب ستكون طويلة ودموية ومكلفة.

والثابت الثالث، هو الإهمال والاستهتار الدولي بتلك الحرب على الرغم من القصف العشوائي الذي يطال المشافي الميدانية ونقاط الإسعاف والمدارس، وحتى مراكز توزيع معونات الإغاثة وتجمعات النازحين في العراء، زاد الطين بلة، تقدم الأفكار الشعبوية عالمياً وما فرضته من قيم أخلاقية عمّقت النزعات الأنانية، والتقوقع حول الذات، والاستهتار بحيوات الآخرين، وبالحقوق الإنسانية الموحدة للبشرية.

الثابت الرابع، أن الحرب على إدلب صارت بكل المواصفات حرباً إقليمية وعالمية في آن، ربطاً بتعدد التدخلات العسكرية الخارجية في الصراع السوري، وبطرفين داخليين باتا خاضعين لإملاءات الداعمين وعاجزين عن لعب دور مستقل، والقصد أن ثمة احتمالاً بأن تمتد نيران هذه الحرب وتأخذ أشكالاً من المواجهة الإقليمية، أو على الأقل بأن تفضي نتائجها وتداعياتها إلى تحديد تسوية جديدة من العلاقات والتأثير بالصراع السوري بين قوى إقليمية وعالمية متعددة، بدءاً بأميركا وروسيا، مروراً بأنقرة وطهران وإسرائيل، وانتهاءً بالصين والدول العربية والأوروبية.

وتأسيساً على ما سبق نقف أمام احتمالين لمسار الحرب التي تستعر، منذ أسابيع، وتتصاعد في أرياف إدلب الشمالية والجنوبية.

الأول، أن يكون التصعيد العسكري الراهن عتبة لهجوم شامل يستهدف إعادة كامل محافظة إدلب إلى سيطرة النظام، وفرض تسوية على الفصائل المعتدلة الموجودة فيها بقوة النيران، والقضاء تماماً على من يرفض منها وعلى الجماعات الجهادية على حد سواء، بما في ذلك تحجيم دور أنقرة التي منحت الكثير من الوقت ولم تفِ، وربما لم تكن تريد الوفاء، بالتزامها، أمام شركاء آستانة، بضبط مناطق خفض التصعيد والفصل بين المعتدلين والمتطرفين، وحل مشكلة عناصر «هيئة تحرير الشام» وغيرها من الجماعات المتشددة، زاد الأمر سوءاً انتقال الكثير من عناصر تنظيم «داعش» إلى إدلب بعد هزيمتهم شرق البلاد وتنامي دورهم فيها، لكن ما يعترض هذا الاحتمال ويضعفه أنه يحمل خطورة كبيرة على استقرار المنطقة، والأهم على مستقبل حزب «العدالة والتنمية» المأزوم، والذي تتحسب حكومته من الانزلاق إلى حرب غير متكافئة، حتى وإن أظهرت بعض العزم العسكري، إنْ في تكثيف طلعات سلاح الجو وإنْ بدفع وحدات عسكرية من الجيش التركي لدعم مراكز المراقبة على مشارف بلدتي خان شيخون ومورك، ويزيد من ضعف هذا الاحتمال، أن النظام والميليشيا الإيرانية لا يملكان قدرات بشرية كافية، في هذه المرحلة على الأقل، لشن هجوم شامل ومكلف، وربما يفضي إلى مجازر وحمامات دم وموجات نزوح غير مسبوقة، والأهم لأن ما يظهر من حسابات موسكو أنها لا تريد حرباً واسعة تفضي إلى قطيعة نهائية مع أنقرة، بل تميل لمنح الأخيرة وقتاً إضافياً للاستمرار في جهود عزل المتشددين وتفكيك تنظيماتهم، يحدوها حرص لافت على إفشال التقارب بين أنقرة وواشنطن بعد ما أثير عن تقدم التوافق بينهما على المنطقة الآمنة، وعلى الإفادة من الدور التركي للتضييق على النفوذ الإيراني في سوريا، عدا عن أنها خير من يدرك بأن مشروعها للتسوية السياسية في سوريا، لن يكتب له النجاح والاستقرار، إن لم يتلق دعم أنقرة ومساندتها.

والمسار الآخر، أن تكون العمليات العسكرية الراهنة حلقة من سلسلة طويلة من المعارك المبنية على استراتيجية القضم البطيء، وغرضها اليوم، من جهة، تشديد الضغط على تركيا وفصائل المعارضة السورية القريبة منها لإضعاف أوراقها في مفاوضات تقاسم حصص المستقبل السوري ودفعها لمواجهة الجماعات المتشددة، ومن جهة ثانية، السيطرة على مزيد من الأراضي التي تحيط بإدلب لإبعاد الفصائل المتطرفة أكثر صوب الشمال وتأمين قاعدة حميميم الجوية والقسم المتبقي من الطريق الدولية بين مدينتي حلب ودمشق، ومن جهة ثالثة، تبديل المشهد السوري، بعد أن أدركت السلطة وحلفاؤها عدم كفاية «الانتصارات» التي يتغنون بها لتليين الموقفين الغربي والعربي، اللذين كانوا يعولون عليهما، للشروع بإعادة إعمار البلاد وتأهيل نظام بات يعاني من وضع اقتصادي مذرٍ.

وهذا المسار يعني عملياً، استمرار اتفاق خفض التصعيد الذي ترعاه روسيا وتركيا، لكن بمقومات جديدة، جوهرها، تثبيت الالتفاف على مفاوضات جنيف وإجهاض فرصة الإشراف الدولي على الحل السياسي، وثمنها، مقايضة يرجح أن تكون مضمرة، تتلخص بتعويض سيطرة النظام وحلفائه على مساحة جديدة من أرياف إدلب، مقابل تمرير رغبة حكومة أنقرة في إقامة منطقة آمنة تمكّنها من إبعاد التهديد المتمثل بوحدات حماية الشعب الكردية، وتمنحها حجة وخياراً قويين لتشجيع اللاجئين السوريين على العودة وتوطينهم فيها، ويصب في هذا المسار، ما أثارته تقارير صحافية تركية عن وجود تفاهم مع الجانب السوري على المنطقة الآمنة بوساطة روسية، وأيضاً ما سرب من معلومات عن تبلور اتفاق بين واشنطن وأنقرة لإقامة منطقة آمنة.

واستدراكاً، إذ يصح القول بأن الحملات العسكرية على إدلب لن تتوقف، بل ستكون أكثر تواتراً وأشد فتكاً وتنكيلاً، يصح تالياً القول بأن محنة السوريين لن تنتهي، بل سوف تتخذ أشكالاً أكثر ألماً وقهراً، في ظل تواطؤ وصمت دوليين بغيضين.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com