العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01-08-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

السفير التركي السابق عمر أونهون والقصة السورية

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 29/7/2021

نشر السفير التركي السابق في دمشق عمر أونهون كتاباً بعنوان «سوريا بعيون السفير» جمع بين المذكرات السياسية والقراءة في الصراع السوري. قراءة شاملة قدر الإمكان، موضوعية قدر الإمكان، فيها الكثير من التفاصيل المعروفة وغير المعروفة.

فقد حظي أونهون بمراقبة الصراع السوري عن كثب، وعمل للتأثير فيه بقدر ما تسمح به مهمته الدبلوماسية، وبتوجيهات وزارة الخارجية التي يتبع لها، مقدماً لهذه الأخيرة رؤيته وتوصياته، بأسلوب رشيق وعين متعاطفة.

وبخلاف المهتمين القلائل بالصراع السوري، في الرأي العام التركي، ممن اختزلوا هذا الصراع إلى حرب «الحكومة الشرعية» على المنظمات الجهادية الإرهابية أو «مقاومتها» ضد التدخلات الخارجية، رأى أونهون أساس المشكلة في نظام يرفض تقديم أي تنازلات لشعبه ويواجه ثورته السلمية بالعنف المهول.

قدم أونهون قراءة موضوعية للصراع وأسبابه وتطوراته، مع تفاصيل غنية عن بداية الأحداث، وعن مراوغات النظام وألاعيبه في التظاهر بالاستجابة للمبادرات الدبلوماسية ومواصلة الرد العنيف على المظاهرات السلمية. ففي اللقاء المطول الذي جمع بين رأس النظام ووزير الخارجية التركي آنذاك أحمد داوود أوغلو، 9 آب 2011، في دمشق، على سبيل المثال، تعهد بشار الأسد بتنفيذ «خارطة الطريق» التي قدمها له الأخير للخروج من الأزمة، وكان أبرز بنودها: انسحاب قوات الجيش من حماة ودير الزور غداً، سفر السفير التركي إلى حماة للتأكد من التنفيذ وتقديم تقرير بشأنه، إصدار قانون للإعلام خلال بضعة أيام، ظهور الأسد على التلفزيون خلال فترة أقصاها عشرة أيام للإعلان عن خارطة طريق للحل السياسي بما في ذلك تحديد جدول زمني فيه موعد للانتخابات النيابية، إجراء استفتاء على المادة الثامنة من الدستور التي تنص على «قيادة حزب البعث للمجتمع والدولة، في غضون شهر واحد بعد ظهور بشار التلفزيوني، تغيير الدستور من قبل مجلس الشعب الجديد وتقديمه للاستفتاء الشعبي، السماح بعودة المعارضين السوريين من خارج البلاد وتمكينهم من تأسيس أحزاب سياسية لا تحمل أسماء إسلامية.

رأى عمر أونهون أساس المشكلة في سوريا نظام يرفض تقديم أي تنازلات لشعبه ويواجه ثورته السلمية بالعنف المهول

في اليوم التالي سافر أونهون إلى مدينة حماة، وفقاً للاتفاق، برفقة وفد من 8 أشخاص، وأمضوا فيها سبع ساعات، رافقهم في قسم من الوقت محافظ حماة، ثم تركهم يتجولون في شوارع المدينة وجوامعها، حيث التقوا بعدد كبير من الناس الذين تسابقوا في الحديث عما جرى ويجري في مدينتهم، وأعطاهم البعض فلاشات ذاكرة فيها توثيق بصري لبعض انتهاكات قوات النظام. «جميع الذين قابلناهم في شوارع حماة كانوا معارضين للنظام» كتب أونهون مستدركاً أنه «ربما يعود ذلك إلى عدم وجود مؤيدين في المناطق التي تسنى لنا التجول فيها، أو في حال وجود البعض فهم لن يجرؤوا على التعبير عن مواقفهم في وسط معارض» مؤكداً أن الشخص الوحيد المؤيد للنظام الذي قابلوه في حماه هو المحافظ عباس النعيم. «هل التزم النظام بتعهداته التي قطعها لوزير الخارجية داوود أوغلو؟» يتساءل أونهون، ويجيب: انسحب الجيش من حماة ودير الزور على الورق، لكنه تموضع في ثكنات قريبة خارج المدينتين، ويمكنه اقتحامهما بسرعة حين يشاء. زيارة السفير إلى حماة تمت بلا عوائق. قانون الإعلام الذي كان يفترض إصداره خلال بضعة أيام، أصدر في 28 آب. وظهر الأسد على التلفزيون في 22 آب. لم يجر الاستفتاء على المادة الثامنة من الدستور بعد شهر، كما كان الاتفاق. ولم يعد المعارضون من خارج البلاد.

يصف أونهون استجابات النظام للمبادرات السياسية بأنها كانت عموماً «متأخرة جداً وأدنى من التوقعات». بالمقابل كانت سياسة القمع ثابتة ومتصاعدة باطراد. فالنظام، في رأي السفير السابق، لم يفكر يوماً بتقديم أي تنازل جوهري للشعب، مكتفياً بصيغ لإصلاحات شكلية لا يمكنها أن ترضي تطلعات الشعب الثائر. الواقع أن «الخطة التركية» للحل السياسي كانت مستوحاة أساساً من التجربة التركية نفسها: نظام تعدد أحزاب، انتخابات حرة منتظمة، إعلام حر. كان داوود أوغلو يظن أن الأسد يمكن أن يتحول من دكتاتور إلى زعيم إصلاحي يقود عملية التحول بنفسه، مع إشراك المعارضة في السلطة. ويتضح من البند الأخير من «خارطة الطريق» التي قدمها للأسد أن المعارضة الإسلامية (الإخوان المسلمون) هي المقصودة بالعودة من المنفى وتأسيس أحزاب «لا يتضمن اسمها مرجعية إسلامية» كحال التيار الإسلامي في تركيا. كل هذا، على أي حال، بات من الماضي البعيد. فتطورات الأحداث في سوريا ستمضي في مسارات أخرى ومراحل أخرى تغير هذا المشهد الأولي تماماً. فمن فشل مهمة الجامعة العربية إلى الفيتو الروسي ـ الصيني الذي أغلق أبواب مجلس الأمن أمام أي حل سياسي، إلى اجتماعات «أصدقاء الشعب السوري» إلى توتر العلاقات التركية ـ الأسدية، بما في ذلك الهجمات التي تعرضت لها السفارة في دمشق والقنصلية في حلب من قبل «مؤيدي النظام» إلى بعثة الأمم المتحدة بقيادة كوفي أنان، إلى بيان جنيف الأول في تموز 2012، إلى تفجير خلية إدارة الأزمة، إلى تحول الثورة من سلمية إلى مسلحة بشكل أساسي، إلى ظهور المنظمات الجهادية كجبهة النصرة ثم داعش، وصولاً إلى الهجوم الكيماوي في الغوطة، والتهديد الأمريكي، والصفقة الأمريكية ـ الروسية لسحب السلاح الكيماوي من النظام، ثم التدخل العسكري الروسي المباشر في أيلول 2015، وصدور قرار مجلس الأمن 2254، وتداعيات إسقاط تركيا للطائرة الروسية، سقوط حلب الشرقية وانطلاق مسار آستانا الثلاثي في مطلع 2017 وما تلا ذلك من تطورات… كل ذلك نقرأه في كتاب السفير السابق بالتفصيل، من موقعه كمراقب مباشر للأحداث، في الفترة الأولى، وكمشارك في جميع الاجتماعات التي كانت وزارة الخارجية التركية طرفاً فيها، ومن خلال التقارير التي كان يرسلها من دمشق إلى أنقرة. في آذار 2012، أغلق السفير أونهون باب السفارة في دمشق، وعاد إلى بلاده عن طريق لبنان. لكنه واصل اهتمامه بسوريا بعد تعيينه على رأس مكتب سوريا في وزارة الخارجية، وشارك في جميع الأعمال الدبلوماسية بشأن سوريا وصولاً إلى تقاعده العام الماضي. الفصول الأخيرة من الكتاب هي متابعة رصد للأحداث السورية بعد التقاعد أيضاً، وصولاً إلى مشكلة معبر باب الهوى التي سيصوت بشأنها مجلس الأمن في العاشر من شهر تموز الجاري.

يذكر أن القسم الأول من الكتاب يتحدث عن فترة تعيينه مستشاراً للسفير التركي في دمشق بين 1998 ـ 2000، حيث شهد موت حافظ الأسد وانتقال السلطة إلى ابنه بشار. ثم يغطي الفترة بين 2000- 2009 من مكتبه في الخارجية قبل تعيينه سفيراً في دمشق، تلك الفترة الذهبية في العلاقات السورية التركية.

كاتب سوري

=========================

وجهة نظر : حول زيارة رئيس البرلمان الإيراني "قاليباف" إلى سورية .. ماذا تحت الدخان؟؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

1/ 8/ 2021

أربعة أيام قضاها رئيس البرلمان الإيراني " محمد باقر قاليباف" في سورية. الثلاثاء 27/ 7 - الجمعة 30/ 7

جاءت الزيارة أعقاب عملية تكريس رئاسة " المستبد " والتجديد له بالقسم الغموس..

أكان الهدف الرئيسي المعلن للزيارة هدف اقتصادي . وقيل إن الهدف هو التوكيد على اتفاقيات اقتصادية تم عقدها من قبل. ونعتقد أن التوكيد على الاتفاقات الاقتصادية، لا يحتاج إلى رئيس مجلس الشورى، الذي غالبا ما تكون مهامه من نوع آخر، وأن الحديث عن الاقتصاد ، والاتفاقيات الاقتصادية المعلقة، جاء كقنبلة دخانية، أريد منها التغطية على حقيقة الزيارة . لا نزعم أننا نملك أدوات استشعار نستشف خلالها ما جرى وراء الكواليس، وماذا أرادت دولة الفقيه من سورية، ولاسيما بين يدي استلام الرئيس الإيراني المنتخب إبراهيم رئيسي.

من معرفتنا بالمحتل الإيراني، وبالبائع لمصالح الوطن ، ندرك أن الأمر الذي سعى " قاليباف" إليه أكبر من بعث الحياة في اتفاقيات اقتصادية، تم التوقيع عليها في دمشق، منذ عام ونصف، كما يقر المتحدثون ثم لم تر النور ..!!

وفي الاسترسال أكثر مع هذه الجزئية، ندرك أن هناك اتفاقات اقتصادية مجمدة منذ عام ونصف بين دمشق وطهران، ويؤكد هذا دعوة قاليباف مسئولين سوريين لحضور حفل تنصيب رئيس الجمهورية الجديد ، للتوقيع على إحياء أو تفعيل تلك الاتفاقيات من جديد، وهنا نقرأ في أسرار الزيارة وخلفياتها معنى جديدا.

ثم بالتقصي أكثر ندرك الأمور بشكل أوضح ، حيث تخبرنا الأنباء الواردة من دمشق أن السوق التجاري السوري، يعارض هذه الاتفاقيات، ويرى فيها غبنا لمصالح السوريين الاقتصادية، وبشار الأسد غير قادر في هذا الظرف بالذات، على زيادة طينه الاقتصادي بلة، بفتح معارك إضافية مع السوق الاقتصادي، ومن هنا يأتي التسويف والمماطلة، ويأتي الإنذار والتضييق على لسان رئيس البرلمان الإيراني ..ربما تحتاج هذه القراءة إلى معرفة " طبيعة هذه الاتفاقيات، وماهيتها، ومقتضياتها وأبعادها وعلى ماذا يعترض التجار السويون منها، وأعترف بقصور أدواتي في الاستقصاء والمتابعة فسامحوني ..

إلا أن الزيارة - في الوقت نفسه - يجب أن تقرأ بطريقة أخرى في ظلال التناقض الروسي - الإيراني، وظلال التشاكس الإيراني - الأمريكي، ولاسيما حول الاتفاق النووي، الذي تُعتبر سورية والنفوذ الإيراني فيها، أحد ملحقاته السرية، وفي ظلال إعادة إقرار صيغة جديدة في الجنوب السوري، درعا وما حولها، في وقت بدأت فيه العسكرية الصهيونية بناء ملاجئ على مناطق حدودية مع سورية بكلفة 30 مليون دولار ، في مرحلته الأولى ..

وقبل كل شيء يجب أن توضع زيارة رئيس البرلمان الإيراني في سياقها، إذ تأتي بعد زيارة وفد روسي رفيع المستوى بأيام إلى سورية ، وبعد زيارة نوعية للخارجية الصينية فيها ..

كأننا والماء يجري حولنا    قوم جلوس حولهم ماء

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

دمشق قريباً من دائرة التنين الصيني!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 27/7/2021

مرّت 10 سنوات، حافظت فيها الصين على موقف ثابت من انحيازها إلى جانب نظام الأسد في مواجهة ثورة السوريين، متناغمة في ذلك مع موقف روسيا وإيران، وهما أكبر طرفين داعمين للأسد، من دون أن تتبنى نهجهما في التدخل المسلح إلى جانبه في المقتلة السورية، وكان الأهم في دورها إلى جانب روسيا توفير الحماية الدولية للنظام، وخاصة في مجلس الأمن الدولي؛ حيث شاركت الصين في استخدام الفيتو لمنع إصدار أي قرارات تدين النظام، أو تؤدي إلى الإضرار به، وأبطل المندوبان الروسي والصيني أكثر من 15 قراراً في المجلس لإدانة حكومة الأسد.

موقف الصين من نظام الأسد، لا يتوافق فقط مع سياسة الحزب الشيوعي الحاكم في مناهضة أي تغييرات ديمقراطية في الصين، ومساعي الأقليات للحصول على حقوقها المستباحة، بل يتفق مع المعلن في سياسة الصين الخارجية، التي ركزت على 3 نقاط أساسية، هي عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، والحفاظ على سيادتها، وحقها في معالجة شؤونها الداخلية، ورغم كل ما يمكن أن يقال في محتوى هذه السياسة ومصداقيتها في عالم اليوم، فإن سياسة بكين في الموضوع السوري كانت أقرب إلى هذا المحتوى من بين الأطراف التي وقفت إلى جانب نظام الأسد.

وسط هذا السياق وبعد 10 سنوات، جاءت زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى دمشق؛ حيث أجرى محادثات مع بشار الأسد ووزير خارجيته فيصل المقداد، هدفها إحداث نقلة وتطوير العلاقات بين النظام، بما كل ما لديه من مشكلات وترديات، ودولة عظمى، تصارع على ريادة العالم عبر أكثر الأدوات فاعلية، من السياسة إلى المال والاقتصاد والتكنولوجيا والقوة العسكرية. ولأن الهدف فيه هذا الاختلال، فمن المهم التوقف عند الأسباب التي تدعو الصين للذهاب في هذا الاتجاه، وفيها 3 أسباب.

الأول يستند إلى العلاقات التقليدية التي ربطت الصين الشعبية مع نظام الأسد في الخمسين عاماً الماضية.. بل العلاقات بين البلدين تعود إلى خمسينات القرن الماضي، وقد كرست تعاوناً سياسياً واقتصادياً، لا تود الصين أن تخسره، خاصة بعد موقفها الداعم للنظام، والذي يؤهلها الحصول على مزايا وامتيازات، لا يستطيع أحد أن يمنعها، ويبدو أن بكين رأت أنه قد آن أوانها.

والثاني ترتيب الصين علاقاتها بمعظم دول المنطقة في إطار استراتيجية بكين «الحزام والطريق»، وهي خط جديد لتطوير علاقات التبادل والتواصل، وقد تم بالاستناد إليها ترتيب العلاقات مع أغلب بلدان الخليج وإيران وتركيا وإسرائيل، ويمثل واقع العلاقة مع دمشق خللاً، ينبغي تجاوزه عبر إعادة تجديد العلاقة وتطويرها في سياق استراتيجية بكين الإقليمية.

الثالث، تناغم مصالح بكين من مصالح شركائها في سوريا. فالصينيون دائمو البحث عن فرص استثمارية، بما فيها الفرص الملتبسة القائمة في بلدان الديكتاتوريات والصراعات، كما كان الأمر سابقاً في الصومال والسودان واليمن، والتي تقدر بكين أنه بالإمكان حمايتها بطرق مختلفة، وحيث تستنكف أغلب الدول عن المشاركة في تمويل وإعادة إعمار سوريا لأسباب مختلفة، ومنها العقوبات الأميركية، تملك بكين طاقات كبرى للتعامل معها، وما سبق يجد هوى من شركائها في سوريا؛ حيث سيأخذ نظام الأسد فرصاً أفضل للتعامل مع مشكلاته وتحدياته، (ولو أنني أجد شخصياً أنه من الصعب عليه القيام بذلك لأسباب بنيوية). والروس والإيرانيون وآخرون، ستكون أمامهم فرص للحصول على مكاسب سياسية ومادية، قد لا تلائم طموحاتهم، ولا ترضي أطماعهم، لكن من الصعب الحصول عليها من دون وجود بلد مثل الصين خلفها، ولهذا فإنهم سيدعمون دخول الصين إلى سوريا من البوابة العريضة، وثمة أوساط قالت إن تحريضاً وتشجيعاً لبكين صدر عن حلفائهم الروس، لكن من دون تأكيد؛ حيث إن الحدأة (أو الشوحة كما يسميها البعض) لا تترك صيصاناً خلفها، كما يقول المثل السوري.

لكل الأسباب السابقة، وربما لأسباب أخرى، تعود لتقديرات بكين، يمكن القول إن زيارة الوزير الصيني إلى دمشق يمكن أن تكون بداية تحول في الموقف الصيني من القضية السورية، انتقالاً من الهامش إلى العمق، على نحو ما حدث في موقف روسيا السوري أواخر العام 2015؛ حيث تدخلت موسكو عسكرياً في سوريا، ودفعت القضية في مسارب جديدة، كانت الأضعف في الاحتمالات القائمة آنذاك.

أعتقد أن زيارة الوزير وانغ يي أخرجت الدور الصيني مما درج عليه طوال السنوات السابقة، ووضعته على طاولة مختلف المتدخلين في سوريا. وإذا كان الروس والإيرانيون يشجعون، والأتراك والإسرائيليون لا يمانعون، وجل العرب يمتنعون، فإن الأوروبيين هم الأقل اهتماماً في ضوء الإحباط، الذي هم غارقون فيه بسبب الموضوع السوري، ما يعني أن الأمر عند الأميركي، وهنا ثمة تعقيد، لا بد من طرحه.

فإذا كانت سوريا وعموم الشرق الأوسط خارج الدوائر الثلاث في اهتمامات إدارة الرئيس جو بايدن، فإن الدخول الصيني إلى سوريا، لا يهم واشنطن، لكن الأخيرة لا يمكن أن تمرر شيئاً كهذا من دون أن يكون لها إصبع فيه، على نحو ما هي عليه التدخلات الإقليمية والدولية القائمة في سوريا، بدون استثناء روسيا، وعليه فإن واشنطن ستفكر في الأمر، لكن عليها أن تتذكر أن هذه هي الصين، والصين ليست كغيرها.

=========================

رقعة الشطرنج السورية في حسابات بكين وواشنطن

مرح البقاعي

سوريا تي في

الثلاثاء 27/7/2021

ليست الزيارة التي قام بها مؤخراً وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، إلى العاصمة السورية دمشق ببريئة في توقيتها أو في مستوى تمثيلها، وهي التي تزامنت مع أداء رئيس النظام السوري بشار الأسد لقسم الرئاسة في عهدها الرابع ولمدة سبع سنوات قادمة لا بدّ عجاف كسابقاتها من سلطته الموروثة.

فالصين هي الحليف الحاضر الغائب للنظام السوري، وغالباً ما يتبدّى دعمه في المحافل الدولية ومجلس الأمن باستعماله حق النقض (فيتو) - بالتزامن مع روسيا بطبيعة الحال -  في كل مرة تحاول الدول الأعضاء في المجلس إيجاد مخارج قانونية لردع الأسد عن الاستمرار في مقتلته الكبرى، وكذا تطبيق القرارت الأممية المتعلقة بالانتقال السياسي في سوريا من عهد الاستبداد البائد إلى دولة القانون والمواطنة الحديثة.

الهدف السياسي من ظروف الزيارة فهو أقرب إلى رسالة موجّهة إلى الولايات المتحدة الأميركية مفادها أن للأسد حلفاء أقوياء ما ليس لقوى الثورة والمعارضة

الحليف الصيني لنظام بشار الأسد في واجهة المعادلة السورية اليوم بعد أن كان لوقت طويل يتحرّك خلف الكواليس، وهذا الحضور المعلن لأول مرة منذ العام 2011 ليس ببعيد عن موافقة روسيا وتشجيعها للزيارة من جهة، ودعم إيران المطلق لها. أما الهدف السياسي من ظروف الزيارة فهو أقرب إلى رسالة موجّهة إلى الولايات المتحدة الأميركية مفادها أن للأسد حلفاء أقوياء ما ليس لقوى الثورة والمعارضة.

ورغم أن الزيارة تحمل رسائل سياسية في عدة اتجاهات إلا أن مرماها البعيد المدى يتساوق مع الاستراتيجية التي وضعتها بكين للتمدد والسيطرة على نصف الكرة الأرضية بواسطة مبادرتها "الحزام والطريق".

فالحزب الشيوعي الحاكم في بكين يسعى بشكل متعاظم ليرفع من تصنيف الصين من مصاف القوّة الإقليمية الأكبر في آسيا إلى مقام الدول الكبرى المهيمنة في العالم مقارَنةً بالخصم اللدود الولايات المتحدة، و"الحزام والطريق" أُطلقت في العام 2013 ضمن دائرة تلك المساعي.

تغطي المبادرة ما يزيد على 85 دولة، وما نسبته 65% من سكان العالم، الأمر الذي ساعد على إدراجها ضمن كبرى مشاريع البنية التحتية والاستثمار في التاريخ بما يشمل قطاعات التعليم، ومواد البناء، والسّكك الحديديّة والطرق السريعة، والسيارات والعقارات، وشبكات الطّاقة والغاز والنفط والحديد والصلب.

للمبادرة كما يشير اسمها مساران: الأول برّي (الحزام) والثاني بحري (الطريق). وللمسارين أهداف جيوسياسية أبعد بكثير من ظاهر المبادرة تكمن في إحياء طرق التجارة القديمة البحرية والبرية. فالمبادرة لا تتعلق بالتجارة والاستثمار وحسب، بل ستتجاوزها نحو التأسيس لتحالفات دولية جديدة تعتمد على الكتلة البشرية الضخمة التي تنضوي تحت مظلتها، ما يضمن للصين هدفها البعيد المدى في ولوجها حلبة الدول الكبرى المؤثرة، وكذا تحقيق التوازن الاستراتيجي مع أوروبا بعامة ومع الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص.

المراقب الأميركي يرى في المبادرة خطة للسيطرة على العالم من خلال شبكة تجارية عالمية تتمحور حول الصين، وكذا أداة حيوية تستخدم لأغراض عسكرية غير معلنة. وسيكون عام 2049 عام استكمال المشروع  بما يتزامن مع الذكرى المئة لقيام جمهورية الصين الشعبية.

دول الاتحاد الأوروبي لا تخفي قلقها من امتدادات الصين وغاياتها لاسيما أن "الحزام والطريق" يعتريها الكثير من الغموض الذي تختفي وراءه رغبة جامحة صينية في السيطرة المطلقة. فالمبادرة ستُلحق حيزاً واسع النطاق من البنية التحتية في أوروبا الشرق والوسط تحت المظلة الصينية. فها هو مرفأ بيرايوس في اليونان - أحد أهم المرافئ في العالم - قد انتقل إلى يد الصين منذ عام 2016، ما دقّ جرس الإنذار في العديد من دول أوروبا النافذة اقتصادياً مثل فرنسا والدانمارك وألمانيا. وقد سبق أن عبّرت ألمانيا عن قلقها على لسان وزير خارجيتها الأسبق، زيغمار غابرييل، حين قال: "ستنجح الصين في تقسيم أوروبا إذا لم تكن لدينا استراتيجية موحّدة للوقوف بوجهها".

الولايات المتحدة الأميركية بدورها في حالة ترقّب لمآلات المبادرة. وهي التي لا تخفي عداءها المستشري للصين، وقد تبدّى بأخطر صوره في اتهام يوهان بمسؤوليتها عن انتشار جائحة كوفيد 19 وإخفائها المعلومات عن طبيعة المرض والمريض رقم 1، ناهيك عن الحرب التجارية بين البلدين وانتقادات واشنطن اللاذعة لانتهاكات بكين المستمرة لحقوق الإنسان في هونغ كونغ، ورؤية بايدن على أن العدو الأول لأميركا يكمن في حكومة بكين الشيوعية وطموحاتها الغامضة.

الصين تدرك أن الطريق إلى تحقيق طموحاتها تمرّ عبر البوابة الإيرانية المفتوحة على دمشق حيث النفوذ المطلق لأذرع طهران العسكرية المتحكمة في القرار السياسي لقصر المهاجرين

الأمر المقلق أيضاً لواشنطن وأغلب الدول العربية هو انتعاش العلاقات الصينية الإيرانية حتى بدا البلدان وكأنهما يدخلان في حلف غير معلن، وعلى العديد من الصعد منها السياسية والثقافية والاستثمارية.

وتحكم العلاقات الإيرانية - الصينية مجموعة من المحددات التي ساعدت على تقوية العلاقات بينهما. يتعلق المحدد الأول بالأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط في السياسة الصينية حيث تُعد مصدراً للطاقة والاستثمار فضلاً عن كونها وجهة لرأس المال والعمال الصينيين. ومن هذا المنطلق نجد بكين ساعيةً نحو توطيد وجودها في المنطقة سواء سياسياً أو عسكرياً، ولم تجد أفضل وأسرع من البوابة الإيرانية لتحقيق هذا الغرض نظراً لعلاقات الصداقة والتحالف بين البلدين الممتدة على مدار الزمن، متجاهلة علاقاتها مع الدول العربية ولاسيما دول الخليج وموقف هذه الدول من حلفها مع إيران التي تعيث فساداً وإرهاباً في المنطقة بأسرها.

فالصين تدرك أن الطريق إلى تحقيق طموحاتها تمرّ عبر البوابة الإيرانية المفتوحة على دمشق حيث النفوذ المطلق لأذرع طهران العسكرية المتحكمة في القرار السياسي لقصر المهاجرين.

وبينما أتمّت الصين مهمتها في دعم استمرار نظام الأسد وتمكينه سياسياً من إعادة سيطرته على مساحة كبيرة كان قد فقدها خلال مواجهاته مع المعارضة السورية، فقد آن لها أن تستوفي ما استثمرته في السنوات العشر الأخيرة، وأن تظهر جلياً على رقعة شطرنج المشهد المعقّد في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية ومصالحها على الأرض السورية...

فما واشنطن بفاعلة؟!

=========================

اتفاق درعا لم يدخل حيز التنفيذ والنظام يواصل التحشيد

جلال بكور

العربي الجديد

الاثنين 26/7/2021

واصل النظام السوري، اليوم الاثنين، حشد قواته في مناطق عدة بمدينة درعا ومحيطها الغربي، في انتظار تطبيق الاتفاق الذي توصّل إليه بعد مفاوضات مع اللجنة المركزية لفك الحصار عن منطقة درعا البلد، فيما ذكرت مصادر أن النظام يسعى لفرض سيناريو مماثل في كل المناطق بدرعا.

وقالت مصادر مطلعة لـ"العربي الجديد" إن النظام واصل تحشيد قواته في المحاور الغربية لمدينة درعا ومحيط منطقة المزيريب، وخصوصاً في منطقة الملعب البلدي وحي الضاحية غربي مدينة درعا، ومن المتوقع أن تكون هذه الخطوة هي الأولى للنظام نحو حصار مناطق غرب محافظة درعا لفرض اتفاقات مصالحة جديدة هناك.

وأكد الناشط أبو محمد الحوراني، لـ"العربي الجديد"، أن اتفاق درعا البلد لم يدخل حيز التنفيذ بعد، فلم تقم قوات النظام بفك الحصار، ولم تقم اللجنة المركزية بعد بالخطوات المتفق عليها أيضاً، فيما يستمرّ النظام بحشد قواته في درعا ومحيطها.

من جانبها، نقلت صحيفة "الوطن" التابعة للنظام عن أمين فرع حزب "البعث العربي الاشتراكي" في محافظة درعا حسين الرفاعي، الذي يشغل منصب رئيس لجنة المصالحة هناك، قوله إنه من المتوقع أن يبدأ تنفيذ الاتفاق اليوم، مشيراً إلى أنه يتضمن "تسليم السلاح، ودخول الجيش العربي السوري (قوات النظام ومليشياته)، وفتح المعابر، وتسوية أوضاع من لم تتم تسوية أوضاعهم".

وبحسب مصادر مطلعة، فإنه كان من المتوجب أن يبدأ تنفيذ الاتفاق يوم أمس الأحد، إلا أن الذي حدث هو قيام النظام بتعزيز قواته وجلب عناصر وآليات عسكرية من الفرقة الرابعة ومليشيات الحرس الجمهوري، موضحة أن الاتفاق الأخير جرى برعاية روسية، وينصّ على أن يبدأ التنفيذ خلال أيام من توقيعه. وأضافت أن النظام اشترط على اللجنة المركزية البدء بالبنود أولاً، وبالتالي على اللجنة أولاً جمع السلاح.

وذكرت المصادر أن اللجنة المركزية وافقت على ذلك الاتفاق بهدف تجنيب المنطقة عملية عسكرية كان النظام ينوي القيام بها، وتهدف إلى تدمير المنطقة وتهجير السكان منها.

ومن المتوقع أن يعمد النظام لاحقاً إلى تنفيذ السيناريو ذاته مع المناطق الأخرى في محافظة درعا.

بدورها، نقلت صحيفة "الوطن"، أيضاً، عن قائد شرطة محافظة درعا التابع للنظام العميد ضرار دندل قوله إن اتفاق "درعا البلد" تم من خلال عقد اجتماع للقيادة الأمنية بدرعا مع وجهاء من درعا البلد والمنطقتين الغربية والشرقية، وتكليفهم بتسليم كامل السلاح المتوسط والخفيف، زاعماً أنه سيتم وضع نقاط أمنية وعسكرية داخل درعا البلد والمخيم وطريق السد. أما بالنسبة لفتح جميع الطرق باتجاه درعا البلد، فأكد أنه لا حديث الآن فيها إلا بعد تنفيذ البنود بشكل كامل.

وبعد حصار النظام لدرعا البلد مدة 28 يوماً على الأقل، رضخت لجان التفاوض لمطالب النظام السوري المدعومة بحليفه الروسي، وتوصل الطرفان إلى اتفاق ينفذ على مراحل، بدءاً بتسليم السلاح الخفيف، مقابل وقف الأعمال الاستفزازية من جانب قوات النظام.

وفي اليوم الثاني، يتم إخفاء السلاح الشخصي والمظاهر المسلحة، فيما تدخل في اليوم الثالث لجنة تسوية من حاجز السرايا بمرافقة لجنة إلى درعا البلد، لإجراء تسويات للمطلوبين البالغ عددهم 135 شخصاً، مع دخول قوة أمنية لاختيار مواقع للحواجز المتفق عليها، وعددها ثلاثة، وأخيراً تنسحب قوات النظام إلى ثكناتها، وتفتح جميع الطرق المؤدية إلى درعا البلد.

=========================

تغيُّر سلوك "النظام" يعني نهايته

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 26/7/2021

سلوك المخلوق، بشراً كان أو حيواناً أو نباتاً أو مؤسسةً أو نظاماً، هو ترجمة لبنيته العضوية الموروثة أو المكتسبة، ولتطبيعه أو برمجته بشكل أو اتجاه معين. صحيح أن جعل "بطة" تتوقف عن السباحة، أو تأكل اللحم بدلاً من النباتات والحبوب، وتلد لا تبيض، لا يجعلها ثعلباً؛ وصحيح أن إفقادَ "الأسد" قوته العضلية، وسحبَ أنيابه، وجعله يعوي بدلاً من أن يزأر؛ لا يجعله كلباً؛ إلا أن البطة والأسد- بفقدهما أو بتغييرهما سلوكهما الطبيعي- يفقدا الصفة الأساس في تكوينهما، ويلغيهما حتماً. رغم أن للسلوك معايير وروائز وقياسات في الحسن والسوء، إلا أن تلك المعايير تغيب في حال منظومة الاستبداد الأسدية؛ لأن هذه العصابة ظاهرة غريبة فريدة نادرة لا شبيه لها.

دأبت أميركا على استخدام مصطلح "تغيير السلوك" كمطلب من"نظام الأسد" وكتعبير عن موقفها أو سياستها تجاهه. وأراد، وتوقّع من ينتظر أميركا أن تغيّر له "النظام" وضوحاً أكثر في تصريحاتها وفِعْلِها. فهي أولاً قادرة، وثانياً لها سوابق؛ حيث لم يستلزم إخراج "النظام الأسدي" ذاته من لبنان- حسب تصور البعض- إلا اتصالاً هاتفياً..

أميركا من جانبها تُصِرُّ على مصطلح "تغيير السلوك"؛ ولذلك، بالتأكيد مبرراته؛ حيث يسود الاعتقاد والتسويق الإعلامي، بأن تغيير نظامٍ بالقوة مسألة منبوذة دولياً؛ فمهما كان المُراد تغييره على درجة من الإجرام أو المناكفة الدولية، هناك خشية من تحوّل عالمنا إلى غابة وحشية، تضيع بها الطاسة، كما يُقال.

روسيا وقوى أخرى تراقب وتسجل؛ وكأن هناك اتفاقاً ضمنياً بين الكبار ألا يحدث هكذا فعل، بشكل مفضوح…. فتجربة العراق، والتدخل الأميركي، وتغيير النظام بالقوة لا تزال ماثلةً في أذهان سبعة مليارات إنسان على كوكبنا. القوى تعرف ذلك؛ فتراقب، وتسجل؛ وتعتبره سقطة ما بعدها سقطة. وفي الوقت ذاته، تغفل أو تنسى روسيا تحديداً أن تدخلها للإبقاء على المنظومة الأسدية المجرمة عنوة، وإخراجها الشعب السوري من أرضه عنوة، لا يختلف عن التدخل لوقف هذا الإجرام عنوة۔ ((سأفصّل بهذه النقطة في المقال القادم)).

 يرى البعض أن مَن يتحدث عن "تغيير سلوك" النظام؛ وهو يعلم استحالة ذلك دون أن تكون نهاية له كنظام؛ إما أن يكون جاهلاً، أو خبيثاً، أو مخططاً استراتيجياً. إذا كان الاحتمال الأول بعيداً، فيبقى الأمر المحتمل هو الخبث؛ كأن يكون بقاء النظام- بحكم استحالة تغييره لسلوكه- مسألة مفيدة لأميركا؛ لأن ذلك يخدم أغراضها الاستراتيجية، ويريح ربيبتها إسرائيل.  وإن كان الاحتمال الثالث- وهي فعلياً جادة بتغييره- فلأنها ربما تعبت من تجارة الخراب، ولا بد من وقف هذا الاستنزاف. وبحكم معرفتها باستحالة بقاء النظام، إذا تغيّر سلوكه، وبصعوبة ومخاطر تغييره بالقوة، فمن هنا قد تكون اتّبعت خطة استراتيجية بتركيزها على "تغيير السلوك"؛ والذي يعني نهايته.

ويبقى بالنسبة للسوريين السؤال الأهم: ماذا يبقى من نظام الأسد، إذا تغيّر سلوكه

بداية، لو كانت بنية أو طبيعة النظام الأسدي غير تلك التي شهد العالم نتائجها خلال العقد المنصرم؛ لكان "النظام" سلك مسلكاً آخر تجاه ما حدث عام 2011؛ وكان بإمكانه اختيار التجاوب مع مطالب الشعب السوري؛ ولكنه – انسجاماً مع تلك الطبيعة والبنية- اختار ما أدى بسوريا إلى هذا الحال.

إذا كان العنف والعدوانية والاحتقار والاستغباء والتخوين هي ملامح أساسية متأصلة في سلوك نظام الأسد تجاه المواطن السوري؛ فماذا يبقى منه، إن هي تغيّرت؟!إذا كان سلوكه تجاه مَن عارضه القتل والتدمير والاعتقال والتشريد واستخدام كل صنوف الأسلحة- بما فيها الدمار الشامل- وصولاً إلى استدعاء الاحتلال، ليحميه من "الشعب العدو"؛ فماذا سيتبقى منه، إن تغيّر ذلك السلوك؟!

إذا كان سلوكه تجاه العملية السياسية أو الحل السياسي التهرب والعرقلة، وعدم الالتزام والمراوغة والكذب- لاستشعاره بأن الحل يحمل نهايته- فما الذي يحدث له، إن تم تغيير هذا السلوك؟!

إذا كان نهجه التوءمية مع إيران الملالي، فما الذي يبقى منه، إذا تغيّرت هذه العلاقة؟! وإذا سلك مبدأ وهب كل شيء للروس مقابل حمايته، وتم تغيير هذا السلوك- حسب المطلوب- فهل يستطيع الاستمرار؟!

أخيراً وليس آخراً، إذا كان أخذُ الرهائن سلوكاً تتبعه العصابات لتحقق أهدافها، وإذا كان ذلك نهجاً متأصلاً في سلوك النظام الأسدي، كأخذه سوريا رهينة، ومعتقلي الرأي رهينة؛ فهل يبقى منه شيئاً، إن غيّر هذا السلوك؟!

مَن يفعل ما فعله النظام الأسدي في سوريا على مدار نصف قرن، وخاصة في العقد الماضي، رداً على ثورة السوريين؛ وآخرها خطاب الأمس الفارغ؛ لا يمكن أن يغيّر سلوكه. لننظر فقط إلى مسرحية "الانتخابات والقَسَم"، ومحاولة النظام المريضة بإقناع الشعب والعالم أنه "انتصر"، ولنسأل على مَن، وكيف، وبيد مَن؟ وإن صَحَّ ذلك، أليس كانتصار الرذيلة على الطهر، والمرض على الصحة، والخراب على العمار، والباطل على الحق، والعمالة على الوطنية، والخيانة والكفر على الإخلاص والإيمان؟ إن كان ذلك قد حدث، فيكون فقط في ذهن ذاك المنفصم المريض وفي الضمائر الميتة لِمَن حوله من عصابة. والمشكلة، كيف يمكن أن تتوقع من هكذا مرضى تغيير السلوك؟! لا عودة حياة لسوريا إلا باستئصال هذا الداء. والسوريون سيفعلونها؛ طال الزمان أم قَصُر. إن مجرد التجرؤ على الثورة، وكسر جدار الخوف هو نهاية هذه المنظومة المستبدة، والباقية للآن بفعل الخيانة العظمى؛ ولكن في غرفة العناية المشددة؛ حيث أضحت كلفة الإبقاء عليها تفوق تحمُّل حُماتها.

=========================

استهداف اللاجئين السوريين في تركيا

عمر كوش

سوريا تي في

الاثنين 26/7/2021

لا يوفر أغلب المسؤولين في أحزاب المعارضة التركية فرصة إلا ويستهدفون فيها اللاجئين السوريين في تركيا، وذلك في إطار توظيف مسألة وجودهم فيها سياسياً خدمة لحسابات المصالح والأجندات الحزبية، وخاصة في مناسبات الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية وسواها، حيث تعهد مؤخراً زعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال كلجدار أوغلو، بإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم في حال وصول حزبه إلى السلطة، ضمن خطة زعم بأنها جاهزة لديه، وتقضي بإعادتهم إلى سوريا خلال عامين فقط، بعد فتح السفارات والتصالح مع نظام الأسد.

بالرغم من أن قضية اللاجئين، بشكل عام، هي قضية إنسانية في جانبها الأساسي، إلا أن أنها باتت تخضع للتوظيف السياسي في الحالة التركية

ولا تخرج تصريحات كلجدار أوغلو عن استراتيجية أحزاب المعارضة التركية التي تقود حملات ضد اللاجئين السوريين، إذ بالرغم من أنه لفت إلى أن "هذه ليست عنصرية، السوريون هم أقرباء لنا"، إلا أنه استدرك بالقول "لكنهم سيكونون سعداء في الأراضي التي ولدوا فيها، لذلك، سوف نرسل إخواننا السوريين إلى بلدهم في سلام"، الأمر ينعكس سلباً على أوضاع اللاجئين السوريين في الشارع التركي المحتقن ضدهم، في ظل تزايد الحملات العنصرية الكارهة لهم.

وبالرغم من أن قضية اللاجئين، بشكل عام، هي قضية إنسانية في جانبها الأساسي، إلا أن أنها باتت تخضع للتوظيف السياسي في الحالة التركية، وذلك في إطار التنافس والتجاذب السياسي لقوى وأحزاب المعارضة والسلطة، ويجري استغلالها في الصراعات الحزبية الداخلية، حيث تستغل أحزاب المعارضة التركية مسألة اللاجئين لتوظيفها سياسياً من باب الطعن بسياسات حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم، واتهامها بسوء إدارة الملف السوري، فيما تنفي الحكومة ذلك، لكن مسؤوليها لا يتوقفون عن القول إنهم صرفوا على اللاجئين السوريين أكثر من 40 مليار دولار، دون ذكر المليارات التي تقدمها دول الاتحاد الأوروبي والمنظمات الأممية والدولية، إلى جانب استغلال مسألة اللاجئين كورقة ضغط وتهديد للخارج، وخاصة مع دول الاتحاد الأوروبي من أجل الإيفاء بالتزاماتها بتقديم مساعدات مالية بموجب اتفاقية الهجرة الموقعة 2016 وسوى ذلك.

وتأتي تصريحات كلجدار أوغلو في سياق الاستعدادات المبكرة لانتخابات 2023 التي تقوم بها مختلف الأحزاب التركية، ومحاولة لاستمالة الناخب التركي، واستثمار تراجع الأوضاع المعيشية في تركيا في ظل تداعيات الأزمة الاقتصادية مع ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، وزيادة نسب التضخم والبطالة، وانخفاض سعر صرف الليرة التركية أمام العملات الأجنبية وسواها، والإيحاء المزعوم بأن تبعات كل ذلك يتحملها المواطن التركي بسبب عشرات مليارات الدولارات التي صرفت على اللاجئين، وأفضت إلى استنزاف الخزينة التركية، في حين أن وزيرة الأسرة والعمل والخدمات الاجتماعية التركية، زهراء زمرد سلجوق، أقرّت بأن جميع المساعدات المقدمة إلى اللاجئين السوريين ممولة من قبل الاتحاد الأوروبي، ولم تنفق الدولة التركية شيئاً من الموارد المالية المخصصة للمواطنين الأتراك.

وإذا كانت تصريحات كلجدار أوغلو تدخل في سياق الدعاية الانتخابية التي تستهدف اللاجئين السوريين بوصفهم الحلقة الأضعف، إلا أنها أثارت ردود فعل عديدة في الأوساط السياسية والإعلامية التركية، أبرزها جاء على لسان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي تعهد بأنه ما دام في السلطة مع حزبه "فلن نلقي بعباد الله الذين لجؤوا إلينا في أحضان القتلة"، وربط عودة اللاجئين السوريين بالعودة الطوعية والآمنة، وبمقتضى القواعد التي حددتها الأمم المتحدة.

ومن جهته اعتبر رئيس حزب الديمقراطية والتقدم، علي باباجان، أن "السوريين هنا ليس لديهم فرصة للذهاب إلى بلادهم ما لم يتحقق السلام والاستقرار في سوريا"، لذلك "يجب أن تكون هناك استراتيجية بشأن سوريا، وتحتاج تركيا إلى التحدث مع الجميع في سوريا، والانسحاب من كونها طرفا في الشؤون الداخلية في تلك البلاد، وهذه هي الطريقة الوحيدة لضمان السلام والاستقرار في سوريا". أما البرلماني التركي والقيادي السابق في حزب "الجيد" التركي، أوميت أوزداغ، المعروف بعدائه للاجئين السوريين، فقد لجأ إلى تزييف كل الإحصاءات التركية والأممية حول تعدادهم، زعماً أن هناك نحو خمسة ملايين و300 ألف لاجئ سوري مسجل وغير مسجل في تركيا، من دون أن يذكر أي مصدر لهذه الأرقام، لأن غايته هي التحريض وتلفيق الأكاذيب العنصرية، ثم وجه سؤالاً إلى الشعب التركي يضعه أمام خيار منح الجنسية التركي لهم أو خيار ترحيلهم إلى بلادهم!

تعلم قيادات أحزاب المعارضة التركية أن الفوز بأي استحقاق انتخابي ليس مرده إلى الحملات العنصرية على اللاجئين السوريين

ويبدو أن آثار وإرهاصات وجود اللاجئين السوريين في تركيا تتفاعل على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والثقافية، لكن الحل ليس باستهدافهم بحملات عنصرية، خاصة أن السوريين وبعد مرور عشر سنوات على ثورتهم، وغياب أي أفق حقيقي لحل سياسي في بلادهم، لم يعودوا مجرد لاجئين ينتظرون نهاية نظام الاستبداد الأسدي في بلادهم، كي يعودوا إليها، بل تحولوا إلى مهاجرين يحاولون التأقلم والتكيف مع الأوضاع الجديدة في المجتمع التركي الحاضن لهم، وأسهموا بشكل كبير في دورة الاقتصاد التركي منذ البداية، حيث إن العائد الاقتصادي لاستثماراتهم وخبراتهم وقوة عملهم في تركيا كان أكبر من أي تبعات أخرى، ومع ذلك تحولت مسألة الوجود السوري في تركيا، نتيجة الصراعات السياسية الداخلية التركية، إلى مسألة سياسية ذات بعد قومي، بعد أن جرى تجريدها من أي بعد قانوني أو إنساني وأخلاقي، مع أن مسألة اللاجئين السوريين، يجب النظر إليها من جهة اختبار نموذج الدولة التركية، وممكنات استيعابه لمنظومة قانونية تحمي حقوق الإنسان، بصرف النظر عن جنسيته، طالما أنه يوجد على الأرض التركية، خاصة أن اللاجئين السوريين جاؤوا إليها هرباً من الملاحقة والحرب التي خاضها النظام السوري وحلفاؤه الروس والإيرانيون ضدهم.

وتعلم قيادات أحزاب المعارضة التركية أن الفوز بأي استحقاق انتخابي ليس مرده إلى الحملات العنصرية على اللاجئين السوريين، كونه يتعلق بالبرامج المقدمة للناخب التي تقدم حلولاً مقنعة للمشاكل الأساسية التي تواجهها تركيا في الاقتصاد، وخاصة البطالة والتضخم وانخفاض سعر صرف الليرة التركية وسوء الإدارة والتعليم ومواجهة كورونا وسوى ذلك، والأهم هو أن المعارضة حين فازت في انتخابات البلدية عام 2019 في إسطنبول وأنقرة وأنطاليا وسواها لم يقدم مرشحوها في هذه البلديات أي خطاب كاره أو معاد للسوريين، ولم يطالبوا أو يتعهدوا بترحيلهم، وذلك بالتضاد مع ما يطرحه قادة أحزاب المعارضة. ويبقى العامل الأساس هو أن مسألة اللاجئين السوريين في تركيا وسواها، مرتبطة بشكل أساسي بالحل السياسي للقضية السورية، الذي يبدو أنه بعيد المنال وفق المعطيات الراهنة، وبالتالي، فإن استهداف اللاجئين السوريين لن يتوقف. 

=========================

لعبة إدلب لعنة إدلب

سمير صالحة

سوريا تي في

الاحد 25/7/2021

احتشد مئات من السوريين على مقربة من النقاط العسكرية التركية في إدلب وريفها مطالبين بالرد على قصف النظام وروسيا. لم تتمكن تركيا من الحصول على ما تريده في موضوع إدلب رغم كل جلسات الحوار والتفاوض مع روسيا وإيران. قواتها هناك بين طريقة الرد على الاستفزازات اليومية للنظام وبين الإصغاء لحركات الاحتجاج العفوي المطالبة بكسر حاجز الصمت والتريث ووضع حد لاستهداف المدنيين في مناطق نفوذها العسكري في جبل الزاوية، وطالما أنها أخذت على عاتقها حماية المنطقة وإدارة شؤون الجغرافيا الحدودية المحاذية لأراضيها.

لماذا يصعد النظام في إدلب؟ هل يفعل ذلك لأنه يشعر يوما بعد آخر باقتراب ساعة رحيله على ضوء تفاهمات دخول المساعدات التي تجاهلت ما كان يعول عليه والمواقف الأميركية الأخيرة المعلنة حول عودة واشنطن إلى الملف السوري وبيانات السفارة الأميركية في دمشق التي أعلنت أنه "لا ينبغي أبدًا استهداف المدنيين وأن الولايات المتحدة تقف إلى جانب الجهود المبذولة لمحاسبة نظام الأسد وداعميه"؟ أم أن العكس هو صحيح وهو يستفيد من أجواء اللاتفاهم بين الفرقاء الإقليميين رغم القمم الثنائية والمتعددة الأطراف التي عقدت في الأسابيع الأخيرة لبحث الملف السوري؟

تتقلص في جميع الأحوال خيارات تركيا في إدلب على ضوء تمسك النظام بتحويل المدينة إلى قنبلة موقوتة جاهزة للانفجار. هناك شماعة تحرير الشام التي تقول إنها دخلت في الآونة الأخيرة بعملية نقد ذاتي ومراجعة لسياساتها وأساليبها لكن دمشق مصرة على لعب ورقتها حتى النهاية ضد هذه المجموعات. وهناك إصرار النظام على تحريك مسألة اللاجئين ضد تركيا وافتعال أزمات تقود إلى موجات جديدة من النزوح باتجاه الأراضي التركية لإضعاف موقف حزب العدالة في الداخل الذي يتمسك بمواصلة خطط إقناع المزيد من السوريين في المخيمات الحدودية بالعودة إلى الداخل بضمانات مشروع المنطقة الآمنة.

تركيا مطالبة باتخاذ إجراءات جديدة توقف القتل اليومي للمدنيين وفرصها محدودة جدا

وضعية تركيا في إدلب اليوم تدفعها لإعطاء النظام ما يريده في إشعال الجبهات مجددا في شمال غربي سوريا بأكملها. وهي ستحمل موسكو وطهران مسؤولية ذلك لأنهما يتجنبان تذكير النظام بضرورة احترام الاتفاقيات الموقعة بين الدول الثلاث. تركيا مطالبة باتخاذ إجراءات جديدة توقف القتل اليومي للمدنيين وفرصها محدودة جدا: إما أن تقنع روسيا وإيران بوقف استفزازات النظام وإما أن تطلق يد الفصائل للرد الواسع أو تقول إن قوى المعارضة هي التي لا تريد التحرك أو أن تقود بنفسها عملية مشتركة وواسعة لردع النظام ووقف سياسة القضم وتضييق مساحة وجود الملايين من النازحين التي يتمسك بها في شمال سوريا وهي تملك أكثر من مبرر لذلك.

أصوات سورية في عواصم عربية وغربية عديدة يحركها أنظمة وفضائيات بدأت تتهم أنقرة بالتخلي عن السوريين في إدلب واستعدادها للدخول في صفقة حول الملف. إصرار على رمي الكرة في الملعب التركي لإضعاف تركيا في سوريا. المطلوب تركيا أيضا هو إطلاق حملة سياسية ودبلوماسية واسعة لتذكير المجتمع الدولي بتعهداته وواجباته قبل انفجار برميل البارود في إدلب لكن المطلوب أيضا وبشكل عاجل هو إنهاء حرب الاستفزاز والاستنزاف التي يقودها النظام ضد المدنيين في إدلب لأن الكثير من المؤشرات تقول إنه لن يدخل في مواجهة عسكرية مفتوحة واسعة وسيكتفي بما يفعله في حرب أعصاب طويلة الأمد. الطريق الأسهل طالما أن دمشق تعلن أنها ليست طرفا في الأستانا وسوتشي هو إبلاغ حلفاء النظام أن تركيا سترد بأسلوب مختلف لأن ما يجري يعني وجود احتمالين لا ثالث لهما إما أن قرار التفجير هو روسي إيراني أو أن النظام ينفذ تعليمات عواصم أخرى تريد محاصرة النفوذ والقرار التركي في سوريا رغما عن موسكو وطهران.تسعى تركيا لحل الأزمة في إدلب السورية عبر القنوات الدبلوماسية، في ظلّ محاولات النظام فرض السيطرة عليها مخلفاً كثيراً من القتلى ومئات آلاف النازحين، لكنها في الوقت ذاته قالت إنها ستجبر النظام على الانسحاب، إذا لم يفعل حتى نهاية فبراير.

حددت أنقرة سياستها في إدلب على أساس حل المشكلة هناك بالحوار تحت سقف الأستانا وسوتشي ومحاولة كسب الدعم الغربي. أوجز الرئيس أردوغان ذلك بقوله "ما لم تُحَلّ المشكلة في إدلب فلن يتمكن السوريون في بلدنا أو النازحون نحو حدودنا من العودة إلى ديارهم، وسنكون سعداء إذا تَمكَّنَّا من حل الأمر في إدلب بدعم أصدقائنا، لكننا مستعدون لتحقيق المهمة بالطريقة الصعبة إذا اضطُررنا".

لماذا قبلت أنقرة بخطوة إعادة الانتشار والتموضع الميداني في إدلب إذا لم يواكبها تفاهمات سياسية جديدة تفتح الطريق أمام تنفيذ بنود اتفاقيات أستانا وسوتشي وتسريع المرحلة الانتقالية في سوريا؟

أين تفاهمات "الممر الآمن" التركية الروسية التي جرى الحديث عنها أكثر من مرة وحيث كان من المفترض أن يقابل الخطوة التركية انسحابات لقوات النظام من بعض الأماكن التي تقدم إليها فيما هو يوسع رقعة هجماته مرة أخرى؟

كيف ستقنع أنقرة المدنيين السوريين في إدلب بأن إعادة انتشارها في المنطقة هو من أجل حمايتهم وضمانة سلامتهم فيما تتساقط قذائف النظام يوميا فوق رؤوسهم؟

كان واضحا منذ البداية أن موسكو ستلعب لعبة الوقت والفرص في إدلب بانتظار حسم موضوع مجموعات هيئة تحرير الشام فيما كانت أنقرة تراهن على تحول في الموقف الروسي وتغيير سياسة التعامل مع النظام. تواصل قوات الأسد استهداف المدنيين في مدينة إدلب ومحيطها ودفع الآلاف لمغادرة بيوتهم ومخيماتهم ولا يمكن للفصائل والقوات التركية اعتماد سياسة ضبط النفس بعد الآن. وإلا فكيف ستقنع أنقرة المدنيين السوريين في إدلب بأن إعادة انتشارها في المنطقة هو من أجل حمايتهم وضمانة سلامتهم فيما تتساقط قذائف النظام يوميا فوق رؤوسهم؟

موسكو وطهران يرجحان أسلوب القضم الجغرافي في إدلب بدلا من خيار الحسم العسكري الواسع. خيارات أنقرة محدودة إذا إما إعطاء شركاء الأستانا ما يريدان أو إعلان جاهزيتها لسيناريو التصعيد وتحريك القوات للخروج من وضعية كماشة إدلب.

لقاء أميركي روسي جديد مرتقب بعد أيام. هل الملف السوري سيكون حاضرا أم لا؟ الإجابة مهمة طبعا لكن قوى الثورة السورية ملزمة بعدم الانتظار مطولا وبمراجعة الكثير من مواقفها وسياساتها إذا ما كانت متمسكة بما خرجت من أجله قبل عقد.

بعد انقضاء أيام شهر العسل حملت الزوجة صينية القهوة ودخلت مكتب زوجها في البيت تقترح عليه خارطة طريق بسيطة لتقاسم النفوذ والصلاحيات ومنع أي سوء تفاهم. القرارات البسيطة هي من اختصاصي إما المسائل الاستراتيجية المهمة فهي عندك. اختيار مكان وحجم وفرش المنزل ونوع السيارة ومدارس الأطفال والأصدقاء الذين سنلتقي بهم وزيارات الأهل والأقارب مثلا هي عندي بعد الآن. متابعة ورصد النزاع الأميركي الصيني، لعبة التوازنات الإقليمية في شرق المتوسط، الأزمات المالية العالمية كلها ملفات تحت تصرفك تتلاعب بها كما تشاء.

=========================

"عروبة" بشار الأسد

غازي دحمان

عربي 21

السبت 24/7/2021

ينطوي خطاب بشار الأسد، في الغالب، على مفارقات لا يمكن أن تحصل مع أحد غيره، فهو بالإضافة إلى تميّزه بإنكار الواقع على الدوام، يتميز أيضاً بالانقلابات عن مواقف سبق أن اتخذها قولاً وفعلاً، الواقع والثابت عند بشار الأسد هو تأكيده للسوريين بأن الغد أسوأ من اليوم بكثير، وعليهم أن يستبدلوا الكوابيس بالأحلام.

من مفارقات الأسد الجديدة، عودة عزفه على وتر العروبة والانتماء إليها، بل واعتبارها أحد أهم مكونات سياسته، وهي مهمة لدرجة أن مصير المنطقة بأكملها يتوقف عليها.

على مدار السنوات السابقة مثلت العروبة والعرب أحد ردائف الشتائم السيئة، فهي، وعبر الخطاب السياسي والإعلامي للنظام، تنطوي على التخلف والهمجية والخيانة، والعرب وفق ذلك ليسوا سوى إرهابيّين يعيشون خارج العصر، ويستحقون كل ما يحصل لهم، وأن السوريين، أو بالتحديد بيئة النظام، ليسوا عرباً بل هم سوريون أصلاء موجودون قبل "الغزو" العربي - الذي ليته لم يكن - بقرون عديدة.

ينطوي خطاب بشار الأسد، في الغالب، على مفارقات لا يمكن أن تحصل مع أحد غيره، فهو بالإضافة إلى تميّزه بإنكار الواقع على الدوام، يتميز أيضاً بالانقلابات عن مواقف سبق أن اتخذها قولاً وفعلاً، الواقع والثابت عند بشار الأسد هو تأكيده للسوريين بأن الغد أسوأ من اليوم

كان من الطبيعي انتقال هذه الرؤية السلبية للعرب إلى البيئة الحاضنة للنظام، والتي من منطلق إبداء ولائها والتصاقها بمواقف النظام بالغت في حقدها على العرب والعروبة، وراجت بينها أقاويل عن شرب العرب للبول والإدمان عليه. وأكثر من ذلك، العرب مدمنون على تعاطي المخدرات، ويمارسون سفاح القربى وسواها من الموبقات التي لا تخطر على بال ولا يقبلها أي ضمير!

لم يكن خافياً الهدف الأبعد من ذلك، إذ شكّل هذا الخطاب جزءاً من عدة تجريد العرب من إنسانيتهم تمهيداً لقتلهم. والمقصود بالعرب هنا هم أبناء الأرياف والضواحي والمدن الطرفية السورية، هؤلاء كانوا يمثلون العرب ولا بأس من التخلص منهم، بالقتل أو التهجير والتغيير الديمغرافي، وتشويههم هو بمثابة تشريع لقتلهم دون الإحساس بأدنى ذنب تجاههم.

كل الذين عملوا في المؤسسات السورية يعرفون تماماً موقف النظام من العرب وتعالي مؤيديه وموظفيه الكبار على العرب والعروبة، ولطالما أثار هذا الموقف السؤال حول السبب الذي يدفع نظاما يدّعي أنه يؤمن بالقومية من خلال الانتساب لـ"حزب البعث العربي الاشتراكي"، إلى احتقار العرب والعروبة

ورث بشار الأسد وبيئته هذا الحقد عن حافظ الأسد، الذي اشتهر بقدرته على اللعب على الحبال، إذ بقدر ما كان يحرص في خطاباته الرسمية على الولاء للقومية العربية، كان يستهزئ أمام المقربين منه من العرب، وخاصة عرب الخليج. كما أن حافظ الأسد وطوال فترة حكمه كان على عداء مع دول الجوار العربي (العراق والأردن ولبنان والفلسطينيين) ولم يوفر فرصة لإيذاء هذه الأطراف. وقد وصل به الأمر إلى مد إيران بالأسلحة التي قتلت بها الشعب العراقي، الذي هو عربي بالطبع، وارتكب مجازر عديدة بحق الفلسطينيين في لبنان، وذهب إلى حد التقرب من جزاريهم حينما عيّن إيلي حبيقة وزيراً في أكثر من حكومة، وهو المسئول المباشر عن مجازر صبرا وشاتيلا.

في زمن بشار، خرج الحقد على العرب والعروبة من دائرة البطانة الضيقة للأسد إلى العموم، وكانت حرب 2006 هي الذريعة لذلك، وكان قد سبقها موقف السعودية من جرائم اغتيال قادة وسياسيين لبنانيين، بمن فيهم رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. وقد استغل بشار الأسد موقف دول الخليج من الحرب بين "حزب الله" وإسرائيل، لتوجيه أقذع الشتائم لحكام الخليج.

وعلى مبدأ مضطر أخاك لا بطل، يعود الأسد اليوم إلى العزف على وتر العروبة. إذ ليس خافياً أن الأسد يغزل على أموال الخليج للخروج من ورطته، ولإعمار ما دمرته آلته وحلفائه الروس والإيرانيين العسكرية، بسبب عجز هؤلاء عن إعمار سوريا، وفي نفس الوقت حاجتهم لهذا الأمر، من جهة كي يخرجوا من مآزق تحوّل سوريا إلى دولة فاشلة، ومن جهة أخرى من أجل تعويض ما دفعوه في حروبهم على الشعب السوري.

ورغم عدم وجود بوادر على احتمال انخراط دول الخليج في عملية الإعمار في سوريا، نتيجة ضعف الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع، مع فساد النظام السوري، وسيطرة روسيا وإيران على عناصر الاقتصاد، إلا أن الأسد يبني آمالا كبيرة على المال العربي، ومن أجل ذلك أصبح يتغنى بالقومية والعروبة، ولا مانع لديه من تقديسها والتغني بها إذا كان ذلك سيكون مفتاحاً لخزائن العرب.

=========================

شرط إعادة الإعمار!

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 24/7/2021

ثلاث نقاط تؤكد صحة ما ذهب إليه المجتمع الدولي عن أولوية تنفيذ القرار 2254 الذي أقر بالإجماع في مجلس الأمن عام 2015 ويتضمن إحداث انتقال سياسي في سوريا، كشرط ضروري ولازم، للمشاركة في إعادة الإعمار.

أولاً، من الواضح أن النظام السوري الذي دأب على رفض وإفشال أي معالجة سياسية للصراع الدائر، دأب أيضاً على توسل إعادة الإعمار، ليس كفرصة للتعافي الاجتماعي والاقتصادي ولترميم ما تهدم ودمر، بل لتحقيق مكاسب سياسية وتعويض خسائره المالية، والدلائل على ذلك كثيرة، تبدأ بتسخير الأموال التي دفعها السوريون كضرائب تحت عنوان إعادة الإعمار، ليس لبناء المرافق الحيوية وتحسين شروط حياة الناس وتخفيف معاناتهم المعيشية، بل لتغذية خيار العنف والحرب، مروراً بفرض آليات واشتراطات على عمل وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بإعادة تأهيل البنى التحتية والمساكن، كي يتمكن النظام من التلاعب بما تقدمه من مساعدات إنسانية، عبر الاستيلاء على القسط الأكبر منها أو التحكم بمواقع ووتيرة تنفيذ ما تقترحه من مشاريع، وانتهاء بتمرير ما يصح تسميته إعادة إعمار انتقائية تقوم على سلسلة من القوانين المحدثة التي تطعن بحقوق السكن والأرض والملكية، وأبرزها القانون رقم 10 لعام 2018 الذي يسهل وضع يد الحكومة على المناطق والأحياء التي كانت ساحات للقتال وباتت خراباً، بهدف معاقبة البيئة الشعبية المعارضة والعبث بالمشاريع العمرانية، وتثبيت التغييرات الديموغرافية التي تجد الحكومة فيها ما يرسخ فسادها وتسلطها.

ثانياً، تراجع الحماسة عند دول غربية وعربية راهنت على مساهمتها في إعادة إعمار سوريا لمزاحمة الوجود الإيراني هناك، تمهيداً لفك ارتباطه مع هذا البلد، ربما لأنها أدركت حقيقة أن النظام السوري يبيع الأوهام فيما أطلقه من إشارات توحي برغبته في التحرر من النفوذ الإيراني، ربطاً بتجارب ملموسة أكدت، خلال سنوات مديدة، مدى قوة الروابط بين حكام دمشق وطهران وصعوبة إن لم نقل استحالة فك عرى التحالف بينهما، فكيف الحال حين لا تثق هذه الدول بنظام طعنها في ظهرها غير مرة، وتعرف أنه لن يثق بها أيضاً ما دامت قد عارضت عنفه بشدة وأدانت انتهاكاته، وتعرف أيضاً أن سلطة دمشق لن تنسى كيف مكنتها طهران من الصمود وساعدتها ولا تزال في تعزيز سيطرتها إرهاباً على الدولة والمجتمع، وربما لأنها تتحسب محقة من تحول القدرات المالية والفنية التي توظفها في إعادة إعمار سوريا، إن لم ينفذ القرار الأممي، إلى رصيد موضوعي للنفوذ الإيراني، يخفف عنه الأعباء ويمكنه من تعزيز مواقعه وتغلغله في المجتمع السوري ومؤسسات الدولة، ويزيد الطين بلة الدخول الصريح للصين على خط إعادة الإعمار، والتي باتت تمتلك مصالح واسعة مع حكام طهران، تتوجت باتفاق استراتيجي بينهما يتضمن تعاوناً متميزاً في مختلف المجالات.

صحيح أن حلفاء النظام في طهران وموسكو لا يمتلكون القدرة على تبني عملية إعادة إعمار قدرت بحدها الأدنى بقيمة 400 مليار دولار، ما داموا، هم أنفسهم، يرزحون تحت وطأة ضغوط وعقوبات واسعة ويعانون من تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ويجدون صعوبة، يوماً تلو آخر، في الحفاظ على المستويات الضرورية من الدعم المالي والمادي المقدم للنظام السوري، وصحيح أن المساهمة المجدية في إعادة الإعمار تستند أساساً إلى دول غربية وعربية تمتلك الإمكانيات التمويلية، لكن الصحيح أيضاً أن هذه الدول لن تقدم على هذه الخطوة من دون قيام نظام دستوري وإجراء إصلاحات سياسية جذرية، وإلا ستغدو كمن يمد يد العون لخصمه، ويمنح حكام دمشق وطهران فرصة لتخفيف أزماتهم ولتغطية ما ارتكبوه بحق الشعب السوري خلال سنوات الصراع الدامية.

ثالثاً، إن الخراب السوري لا يقف عند تدمير العمران والبنية التحتية والمرافق الاقتصادية والنسيج الاجتماعي، بل هو خراب طال، وهذا الأخطر، ركائز استمرار الوطن، وقدراته على النهوض من أزماته والشروع ببناء مستقبل واعد للأجيال القادمة، ما يعني أن إعادة الإعمار لم تعد في خصوصية الحالة السورية، مسألة تقنية أو استثمارية وتتعلق بالعمران والبنية التحتية المدمرة، بل غدت مسألة سياسية بامتياز تستند إلى ما سوف يرسو عليه الوضع السياسي في البلاد، وترتبط أشد الارتباط بمختلف القضايا التي يمكنها خفض مستوى الاحتقان، منها قضايا التوافق على دستور جديد وصيغة الحكم ومصير المعتقلين والمغيّبين والمحاسبة والمصالحة وعودة النازحين واللاجئين.

فكم هو مؤلم ومهين أخلاقياً وإنسانياً أن تتقدم عملية إعادة الإعمار من دون سلطة جديدة تضع في صلب اهتمامها إطلاق سراح من بقي حياً من المعتقلين، والتعويض لمن عاشوا ظروفاً لا يتصورها عقل من شدة القهر والتعذيب، أو من دون كشف مصير المفقودين وتعرية حقيقة وأسباب تغييبهم والطرف الذي وقف وراء ذلك، أو من غير معالجة تداعيات الظلم وإنصاف ما يقارب مليون ضحية وتكريمهم، بما في ذلك كشف عشرات المجازر الوحشية ومحاسبة مرتكبيها؟

وكيف يمكن أن تسوق عملية إعادة الإعمار إن لم توجد حكومة ذات صدقية تضع في صلب مهامها إرجاع الملكيات المسلوبة إلى أصحابها، وتعمل جادة على وقف خطط التغيير الديموغرافي، بل تفرض التراجع عما حصل من تبدلات في التموضع الاجتماعي على أساس عرقي أو ديني؟

ثم ما الجدوى من إعادة الإعمار من دون ضمان عودة لائقة وآمنة للاجئين السوريين، التي لن يحققها سوى الشرط الأممي المتعلق بإحداث تغيير سياسي في البلاد، لأنه وحده الكفيل بتشكيل مناخ آمن يشجعهم على العودة، خاصة عندما يتكامل مع ضمانات دولية كافية تتعلق بحمايتهم والحفاظ على حياتهم وصون كرامتهم؟

وهل يصح التعويل، من دون تغيير سياسي، على إنعاش السلم الأهلي وبناء حد أولي من الثقة بين أبناء الشعب الواحد لتغذية إرادة العيش المشترك بين الناس، وتشجيعهم على تجاوز قسوة آلام الحرب وما خلفته من أحقاد وجروح عميقة في النفوس؟

وأخيراً، بأي عين يمكن النظر إلى إعادة الإعمار من دون تسوية سياسية تنتج حكومة قادرة على إخراج مختلف القوات الأجنبية من سوريا، ووقف رهن اقتصادها لجهات خارجية عبر اتفاقيات مجحفة تسلب الشعب السوري ليس حريته واستقلاله فحسب وإنما أيضاً ثرواته؟!

=========================

ماذا تريد الصين في سورية؟

مروان قبلان

العربي الجديد

السبت 24/7/2021

لفتت زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى دمشق هذا الأسبوع الانتباه، وأثارت تساؤلات كثيرة بشأن دلالات التوقيت والأهداف. أما التوقيت فقد بدا واضحا منه أن بكين تسعى إلى استقطاب أكبر اهتمام إعلامي ممكن من ترتيب أول زيارة يقوم بها أرفع مسؤول صيني إلى دمشق منذ سنين، وهو عكس سلوكها الذي اتسم بالهدوء والتلطّي وراء الموقف الروسي في التعامل مع المسألة السورية منذ عام 2011. وعلى الرغم من إبدائها موقفا واضحا في تأييد النظام السوري منذ بداية الأزمة، إلا أن موقف الصين كان ينبع من احتياجاتٍ داخلية، يحكمها شعور بالضعف والهشاشة، ولم يكن مرتبطا بمصالح فعلية لها في سورية، أو حتى في منطقة شرق المتوسط التي انحصرت اهتمامات الصين بها، منذ نهاية الحرب الباردة، بتطوير العلاقة مع إسرائيل، فالسوق السورية صغيرة، والتبادل التجاري بين البلدين يكاد لا يُذكر في حجم تجارة الصين الخارجية، كما لا توجد استثمارات صينية مهمة في سورية، ولا تمثل سورية محطة رئيسية في مشروع الحزام والطريق الذي أطلقته الصين عام 2013 وتعدّه سبيلها إلى العالمية.

والواقع أن الموقف من الأزمة السورية انطلق من مبدأ لا تفتأ الصين تذكّر به وتؤكد عليه، وهو مبدأ سيادة الدول وعدم جواز التدخل في شؤونها الداخلية، وهي ترى، وفقًا له، أن الصراع بين أي حكومة وشعبها شأن داخلي، لا يحق لأحد التدخل به، حتى لو أبادت الحكومة شعبها عن آخره. والصين عندما تتحدث وفق هذا المنطوق، فإنها تعني نفسها قبل أي طرف آخر، وهي التي سحقت ثورة الطلاب في ساحة تيان آن مين بالدبابات عام 1989، وتنشئ معسكرات اعتقال لملايين من مواطنيها من قومية الإيغور المسلمين. وإذا أخذنا في الاعتبار فوق ذلك أن أكثر النظم العربية، وأولها السوري، تتبنّى، منذ نهاية الحرب الباردة، النموذج الصيني في الحكم والإدارة، أي الرأسمالية الاستبدادية (Authoritarian Capitalism)، يمكن عندها فهم حساسية الصين لتطورات العقد الأخير في العالم العربي. والواقع أن الصين تتشارك مع العالم العربي أسبابا كثيرة تؤدي إلى تفجّر الثورات، خصوصا في ظل الفوارق الكبيرة في الثروة والتنمية بين الساحل والداخل، وبين ريف الصين ومدنها الكبرى. وتعاني الصين أيضا من صعوباتٍ في السيطرة على بعض أنحائها المترامية، خصوصا في إقليمي التبت وسينغيانغ (تركستان الشرقية) ذي الغالبية المسلمة. قلق الصين من احتمال حدوث اضطرابات لديها هو ما حدّد موقفها من ثورات الربيع العربي عموماً، وسورية خصوصا، وغذّى خوفها "المرضي" من احتمال انتقال الثورات إليها، ومن شرعنة أي تدخل دولي على أساس إنساني (كما حصل في كوسوفو وليبيا وغيرهما)، قد يقود لاحقاً إلى التدخل في شؤون الصين الداخلية، أخذاً في الاعتبار ميلها إلى استخدام العنف المفرط ضد أي حركة احتجاج مجتمعي.

الشعور بالضعف والهشاشة هو إذا ما حدّد موقف الصين من المسألة السورية، وثورات الربيع العربي عموما عند انطلاقتها، لكن الأمور تغيرت الآن، أو هكذا تريد لنا الصين أن نفهم، فهي لم تعد تلك القوة الإقليمية المحاصرة في شرق آسيا، والتي تتبع سياسة دفاعية في التعاطي مع الغرب. زيارة وانغ يي إلى دمشق تهدف إلى القول إن صين 2021 ليست صين 2011. صحيحٌ أن اعتبارات داخلية ما زالت تملي موقفها من المسألة السورية، مثل تخوّفها من الجيش الإسلامي التركستاني، الذي يقال إن له نحو ألفي مقاتل في سورية، وورود أنباء عن انتقال بعضهم إلى أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي منها، إلا أن توقيت زيارة المسؤول الصيني إلى دمشق وترتيباتها كان فيهما نبرة تحدّ واضحة للولايات المتحدة التي تستعد للانسحاب من المنطقة، وكأن الصين أرادت من خلالها أن تعلن بداية حقبةٍ جديدةٍ في التعاطي مع الغرب، وأن ما بدأته روسيا في سورية عسكريا لإحداث تغييرٍ جذري في بنية النظام الدولي تريد الصين إكماله اقتصاديا، بإعلان أول انتصار كبير لمنطوق الرأسمالية الاستبدادية بعد انتهاء الحرب الباردة. ملفتٌ أن الغرب لم يفهم أبدا أهمية سورية في الصراع العالمي على القيم والسيادة والنموذج، حتى جاء وانغ يي ليعلن منها أن التاريخ لم ينته بسقوط جدار برلين عام 1989.

=========================

سورية والحسابات الصينية

سامر خير أحمد

العربي الجديد

السبت 24/7/2021

كثير من البروباغندا الجوفاء رافقت زيارة وزير خارجية الصين، وانغ يي، إلى دمشق في يوم إعادة تنصيب بشار الأسد رئيساً للنظام السوري سبع سنوات جديدة، وهي الأولى لمسؤول صيني رفيع منذ اندلاع الثورة السورية في 2011، إذ جرى تصويرها في الإعلام المساند لنظام الأسد فتحاً استراتيجياً عظيماً، ونقطة تحول في حضور الصين في منطقة الشرق الأوسط، بل و"رسالة إلى واشنطن" ترسلها بكين من دمشق! والحقيقة أن الأمر لا يحتمل مثل هذه التوصيفات، لأن النظام السوري ينتمي أصلاً للتحالف الروسي الصيني الإيراني، ويتبع له، وليس ثمّة إضافة ينطوي عليها توقيع اتفاقيات صينية سورية ضمن إطار مبادرة الطريق والحزام لبناء مشاريع للبنى التحتية وإعادة إعمار المناطق المدمّرة. وليس هناك تحوّل استراتيجي ذو قيمة في الموقف الصيني تجاه النظام الذي دعمته بكين سابقاً من دون شروط، حتى أنها استخدمت حق النقض أربع مرات في مجلس الأمن (بالتنسيق مع روسيا)، لحمايته من مساءلاتٍ جنائيةٍ دوليةٍ بشأن جرائمه في حق المدنيين السوريين. ولا تمثل تهنئة الوزير الصيني بشار الأسد بأدائه قسم الرئاسة إضافة نوعية مقارنة بتهنئة الرئيس الصيني، شي جينغ بيغ، الأسد نفسه بإعادة انتخابه قبل نحو شهرين.

بذلك، لا يمكن القول إن ثمّة تقارباً صينياً من نوع جديد مع النظام السوري، يشكّل رسالة إلى واشنطن التي تعمل على قدم وساق على إعادة ترتيب الشرق الأوسط من أفغانستان إلى شمال أفريقيا، بحيث تتفرّغ لحرب الصين ومضايقتها، وتوفر لنفسها أوراق ضغط جديدة على حكومة بكين، فالنظام السوري سيكون طبعاً "في جيب الصين"، ما دام "في جيب بوتين"!

النظام السوري ينتمي أصلاً للتحالف الروسي الصيني الإيراني، ويتبع له، وليس ثمّة إضافة ينطوي عليها توقيع اتفاقيات صينية سورية ضمن إطار مبادرة الطريق والحزام

ما يمكن الالتفات إليه أكثر في هذه الزيارة الصينية التي كانت إحدى محطات وزير الخارجية ضمن جولة شملت عدة دول في المنطقة، تضمنت، هي الأخرى، توقيع اتفاقيات ومشاريع ضمن مبادرة الطريق والحزام، بشكلٍ ينزع الفرادة عن الاتفاقيات السورية الصينية، ليس المجاملات الدبلوماسية التي تبرع فيها الصين، ولا الاتفاقيات الاستثمارية التي وقّعت الصين اتفاقياتٍ تشبهها من قبل مع أبرز حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، مثل مصر والسعودية والإمارات، بل في الحقيقة كيفية تعاطي الطرفين، الصيني والسوري، مع مسألة التنظيم العسكري لقومية الإيغور الصينية المسلمة الموجود في سورية، الذي يعدّ خمسة آلاف مقاتل يحاربون إلى جانب المعارضة السورية، بحسب تصريحات سابقة لسفير دمشق في بكين، وينتمون للحزب الإسلامي التركستاني الذي يسعى إلى فصل مقاطعة شينجيانغ عن الصين وتأسيس دولة تركستان الشرقية فيها.

لم تأتِ الأخبار على ذكر هذه المسألة موضوعاً للحوار بين المسؤول الصيني الرفيع ونظرائه في النظام السوري، مع أن توجيه رسالةٍ ذات معنى إلى واشنطن من دمشق ينبغي أن يكون التنظيم العسكري للإيغور هو موضوعها، لا اتفاقيات الحزام والطريق، ذلك أن مساعي الولايات المتحدة الجارية حالياً للحشد السياسي والاقتصادي والعسكري ضد الصين إنما تتضمّن جعل منطقة شينجيانغ التي تقع في أقصى شمال غرب الصين بمثابة خاصرة رخوة لحكومة بكين. ولهذا السبب، تتبنّى الولايات المتحدة قضية قومية الإيغور باعتبارهم "أقلية دينية مضطهدة". وتخشى الصين من نوايا أميركا في توظيف الحزب الإسلامي التركستاني ومقاتليه الذين اكتسبوا خبرة واسعة من القتال في سورية، لتنفيذ عملياتٍ عسكرية على الأراضي الصينية، انطلاقاً من أفغانستان، بعد انسحاب القوات الأميركية منها، خصوصاً أن الحزب الإيغوري يلقى دعماً ومساندة من تنظيماتٍ إسلامية أفغانية، وكان قد تأسّس أصلاً في كابول عام 1993 بعد سيطرة الأحزاب الإسلامية عليها عقب الحرب الطويلة مع الاحتلال السوفييتي.

تخشى الصين من نوايا أميركا في توظيف الحزب الإسلامي التركستاني ومقاتليه

وإذا لم يكن التنظيم العسكري الإيغوري موضوعاً محورياً في زيارة الوزير الصيني، فإن الزيارة لا تضيف جديداً للموقف القائم أصلاً. والمؤكد أن الصين أذكى من أن تطرح هذا الموضوع الحساس على العلن، من خلال زيارة وزير خارجيتها، هذا فضلاً عن أن مواجهة التنظيم والحيلولة دون استخدامه ورقة ضغط في يد أميركا ليست مسألة في يد النظام السوري بالتأكيد، والأجدى أن تتخذ الصين إجراءات حاسمة على حدودها الغربية، وعلى أراضيها في مقاطعة شينجيانغ، وهذا ما فعلته تماماً على مدار السنوات الخمس الأخيرة.

في منتصف يوليو/ تموز الجاري، أصدرت الحكومة الصينية "الكتاب الأبيض حول شينجيانغ"، تحت عنوان "ضمان الحقوق المتساوية لجميع المجموعات العرقية في شينجيانغ"، جاء فيه أن المقاطعة لم تشهد "حوادث إرهابية" منذ نهاية عام 2016، وأنه تم القضاء على الفقر المدقع فيها بنهاية عام 2020، حيث خرج أكثر من 2.7 مليون من سكان الريف الذين كانوا يعيشون تحت خط الفقر في شينجيانغ من الفقر، ولم تعد 3666 قرية و32 محافظة مصنفة أنها فقيرة، كما ارتفع نصيب الفرد من الدخل من 119 يوان عام 1978 إلى 14056 يوان عام 2020. وجاء في الكتاب الأبيض أن ممارسة العبادات مضمونة للمسلمين في شينجيانغ التي يوجد فيها ثلاث مؤسسات أكاديمية لتخريج رجال الدين: المعهد الإسلامي الصيني ومعهد شينجيانغ الإسلامي ومدرسة شينجيانغ الإسلامية. .. وهذا يعني أن الحكومة الصينية عملت أساساً على حل مشكلة قومية الإيغور في أراضيها، وواءمت بين الإجراءات الأمنية والإجراءات التنموية، ولعل الأخيرة هي المعنى الذي يجدر أن يكون استراتيجياً لكل نظامٍ يحرص على شعبه، وينأى به عن القتل والدمار والتشريد.

=========================

وجهة نظر : الانتصار لدرعا حق وواجب وسهل وقريب

زهير سالم

مركز الشرق العربي

29/ 7/ 2021

وما زالت الحرب في درعا  كر وفر

ونصرة درعا حق واجب. ومناطه في عنق كل السوريين، وبشكل أخص في عنق المتحملين لمسئولية القرار الكلي والجزئي.

الحرب في درعا أو على درعا ليست مباراة كرة بين فريقين، يمكن أن نكون فيه من المشجعين.

وموقف سياسي حقيقي من أصحاب القرار يمكن أن يغير ويبدل المشهد، ويقلبه على العابثين فيه بلحظات.  الإيغال في تصفية معاقل الثورة يعني أن مقترحي ما سُمي "الحل السياسي" قد " أجهزوا عليه " أقرب للصواب أن نقول قد " تفعّلوا عليه " وبعض الناس يحبون الفرجة!!!

وأسهل شيء على مؤسسات القرار الوطني ، أن تفعل هي الأخرى به، ما اقترحه سيدنا عمر رضي الله عنه على بني ثقيف في أمر " اللات "  راجعوا كتب السيرة، لا أحب أن يدعي بعض الناس عليّ جنيف واحد وجنيف 2 ، و2254 ، وكل الأستانات تستحق ما اقترحه سيدنا عمر على بني ثقيف بشأن اللات ..أبسطه أن يقول من في يده مقلاد الأمر : إن لم توقفوا الحرب على درعا في الجنوب، وعلى بلدات الشمال فنفعل بكل قراراتكم بمقترح سيدنا عمر، ولن نكون غطاء للعبتكم القذرة ...

أكثر ما يسوؤني قوم يبخسون قدر ثورتهم. فيظلون يتشكون من ضعف ومن عجز ومن تثريب ،ومرة أخرى سمع سيدنا عمر رجلا يتماوت ويسمي تماوته زهدا أو واقعية ، فقال له : لا تمت علينا ديننا أماتك الله .. أنتم ممثلون لسورية أبهرت العالم وأعجزته!! أنتم ممثلون لثورة قدمت مليون شهيد، ويظلون يتعللون بضعف الإمكانات ..وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله أخي لوطا فقد كان يأوي إلى ركن شديد .." الذين خرجوا إلى المظاهرات في أول يوم في درعا وفي غيرها لم يكن يملكون عشر ما تملكون ..

من أولويات الانتصار لدرعا اليوم أن لا تترك درعا اليوم وحيدة في الميدان ، أن يتحرك الناس على كل المحاور والمواقع وفي كل البلدات. وقد لا نطلب الكثير  حين نعتبر رفع الصوت بالأذان مقاومة ، وتكثير سواد المصلين في المساجد مقاومة ، وحرق إطارات السيارات على الطرق العامة وفي الساحات الداخلية ..

ومنها أن نستعيد نشيد :

الله أكبر فوق كيد المعتدي .. والله للمظلوم خير مؤيد

يا هذه الدنيا أطلي واسمعي ..جيش الأعادي جاء يبغي مصرعي

هل تحفظونه ..لعلي كنت في الصف الخامس الابتدائي عندما هزتني لأول مرة،  موسيقاه وكلماته ، ولعله ما زال يردني إلى هناك  ..

أحيانا ليس من الجميل عقلنة كل شيء ، وكان بعض الشيوخ الصالحين ينشد: جنوني في حبكمُ فنون ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

الأسد يحظر المستقبل على السوريين

غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 24/7/2021

عزّ على بشار الأسد أن يقدم لمحكوميه، في خطاب قسم رئاسته الرابعة، ولو حتى بصيص أمل يعينهم على تحمّل ما لم يعانِه بشر في العصر الحديث من جوع وعطش وخوف، لكنه كان سخياً في شرح مفاهيم الشفافية والعقائد والقيم والوطنية والقومية. وبالطبع، بالقدر الذي يمكنه من توظيف هذه المصطلحات في خدمة روايته عن حربه على السوريين.

بالنسبة له، الشعب هم النخبة المنتقاة لحضور خطاب القسم، فهؤلاء إما أصحاب مناصب عليا في جمهوريته صاروا على تلك الحال نتيجة قدراتهم الفائقة على المشاركة في قتل السوريين، أو أصحاب ثرواتٍ صنعهم هو بنفسه في أثناء فترة الحرب. ويشكّل هؤلاء متن المشهد الذي يحتاج ديكورا يزينه من الممثلين وبعض مصابي الحرب وشخصيات عامة.

أما من هم خارج القاعة، فلم يكونوا في ذهن الأسد أو اعتباره. كانوا ينتظرون حلولا عاجلة لحل مشكلاتٍ من نوع تأمين العشاء لأولادهم، وتأمين وصول التيار الكهربائي بما يكفي لتشغيل مروحة تخفّف عنهم وهج الحر في بيوت غير مصمّّمة أصلاً للسكن الآدمي. وكان ملايين منهم، النازحون في الداخل، ينتظرون ولو وعدا بإمكانية رجوعهم إلى مناطقهم المدمّرة، والخلاص من سكن الجوامع والمدارس والحدائق العامة.

من أين يجد هؤلاء مكانة لهم في عقل "رئيس" همومه بحجم مواجهة حربٍ كونية، وطموحاته لا تقبل بأقل من تعديل ميزان القوى العالمي، ولا يقبل النزول إلى مستوى تفاصيل صغيرة لا تليق إلا بالصغار، هؤلاء هم الذين ذكرهم بخطابه على أنهم لا لون ولا طعم لهم، من السهل على القوى الإمبريالية اختراقهم وحرفهم.

فالسوريون إذاً حسب بشار الأسد طبقات، ليس بالمعنى الماركسي الكلاسيكي، بل يمكن القول إنهم طوابق، وأغلب هذه الطوابق هم مجرّد فوائض، ضررهم أكثر من نفعهم، لأنهم بلا أساسات، ولا يمتلكون المناعة الوطنية الأسدية، وهم مرشّحون للسقوط دائماً في بئر الخيانة، حينما تتهيأ الفرصة لذلك.

الحل بسيط عند بشار، المشكلة في الشعب، ذلك أن الخلل في قيمه بعد انزياحه عن قيم الدولة الأسدية ودستورها، وبحثه عن معاني الحرية في قواميس الغرب

وحدهم، النخبة المختارة، هم الناجون، هؤلاء من يتوجّه بخطابه إليهم، ومن يحدّثهم عن الاستثمارات والقوانين والتسهيلات التي يؤمنها لهم، وهؤلاء أصلاً من يفهمون معاني المصطلحات الثقيلة واللغة الرخيمة، ومن لديهم القدرة على تذوّق السيمفونية التي تم عزفها على مدخل القاعة، وهم من يقدّرون الصورة المبهرة لمراسم استقبال الأسد، وقبلها سيارته الفارهة والسجاد الأحمر والأروقة الأسطورية لقصر الشعب. أما الباحثون عن الخبز والكهرباء والسكن وكل هذه التفاصيل التافهة، فلسان الرئيس لن يخاطبهم، وعواطف ماري أنطوانيت العصر لن تشملهم.

أين المستقبل في خطاب بشار الذي يدشّن سبع سنوات مقبلة لحكم هذه البلاد التي عاش شعبها أقسى ما يمكن أن يعرفه البشر من ألم في العصر الحديث، وكأنه تمت إعارتهم إلى أزمان غابرة، لترى البشرية كيف كانت الحياة في تلك الأزمان، وتستوعب ماذا يعني الموت جوعاً وعطشاً وغرقاً في البحار وتحت ردم البيوت؟ هل ما حصل للسوريين، على يد بشار وحلفائه، كان مجرّد فاصل ترى عبره الشعوب أفلام سينما الرعب تتجسّد في الواقع؟

المستقبل الذي قدّمه بشار لهؤلاء المنكوبين يتمثل بفكرة إصلاح البنية المركزية للدولة، التي لديها قطاع عام واسع، لكنه اشترط عليهم أن يكونوا صبورين بحجم تعقيدات القطاع العام واتساعه. وهنا لا بد لهؤلاء أن يسألوا، إذا كنت، يا قائد الحرب الكونية، بعد أكثر من عشرين عاماً في الحكم، لم تستطع إصلاح البنية المركزية، وهي من أولى أولويات أي نظام سياسي لتسيير شؤون المجتمع الذي يحكمه، ومن المسلمات التي استفضت بشرحها في خطابك العرمرمي، فكم مطلوبٌ منا أن ننتظر حتى تنجز هذه المهمة، ونحن الذين نحتاج لحلول إسعافية لأوضاعنا الكارثية؟

طار المستقبل في خطاب بشار، تاه بين زواريب البنى المركزية للدولة، وتبدّد في مشروع البحث عن معان لمصطلحات ولادة لبدائل عديدة

الحل بسيط عند بشار، المشكلة في الشعب، ذلك أن الخلل في قيمه بعد انزياحه عن قيم الدولة الأسدية ودستورها، وبحثه عن معاني الحرية في قواميس الغرب. المشكلة في الشعب الذي وقف على الحياد، ولم يشارك في قتل من تجرّأوا وطالبوا بالعدل. والمشكلة في هؤلاء لأنهم شكّكوا برواية النظام عن الأحداث، أو ربما لم يستطيعوا أن يكذبوا عيونهم وآذانهم. وما يحصل من مصاعب وأزمات أمر طبيعي لهؤلاء، ولا توجد لدى بشار حلول سحرية لهؤلاء. عليهم أولاً تسليم عقولهم وضمائرهم لسدنة الدولة الأسدية وحماتها، وأن يفعلوا ذلك وهم مقتنعون، ومن ثم يبدأون في تطبيق الوصفة التي تشتمل على احترام الكبير قدراً وسناً، بمعنى لا يلعنوا روح حافظ الأسد ولا يستهترون بوريثه بشار، بالإضافة إلى احترام القوانين التي يسنّها الأسد، بما فيها الدستور الذي ينصّبه حاكماً بأمر الله.

طار المستقبل في خطاب بشار، تاه بين زواريب البنى المركزية للدولة، وتبدّد في مشروع البحث عن معان لمصطلحات ولادة لبدائل عديدة. والخلاصة أن المستقبل صار من المحظورات في سورية، أو على الأقل، بات محصوراً ضمن شعب الرئيس والرئيس نفسه. ولهؤلاء تتم صناعة أدوات المستقبل من قوانين تشجّع على الاستثمار، وصولاً إلى طبقة عاملة لها فم يأكل، إن وجد الطعام، ولا يعترض أو يطلب. أما البقية، فلا داعي للحديث عن مستقبلهم الذي بات محصوراً ضمن خيارين: النزوح عن سورية أو الموت جوعاً وعطشاً.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com