العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01-07-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

لماذا لا يشعر الأسد بـ «العار»؟ .. رضوان زيادة

الحياة

الخميس 28/6/2018

شعور المرء بالخجل أو الارتباك بعد ارتكاب فعل خاطئ أو العار الذي جلبه على نفسه وأسرته أو وطنه هو شعور طبيعي، ويترافق عادة مع ما يسمى الإحساس بالمسؤولية أو الشرعية الأخلاقية وبالتالي عند فقدانها نتيجة ارتكابه خطأ ما، يشعر المرء أنه غدرَ بالمسؤولية وأنه فقد الشرعية التي أعطيت له على أمل أن يفعل ما كان يتوقع منه وهو الأفضل لنفسه وللناس، كل هذه المفاهيم تقريباً أصبحت جزء رئيساً مما يسمى اليوم تأثير الرأي العام ومحاسبة المسؤولين السياسيين الذين يتبوأون مقاعد رئيسية في الحياة العامة وبالتالي هم عرضة للنقد أكثر من غيرهم كما أن المسؤولية السياسية والأخلاقية التي تتوقع منهم وتنتظر منهم غالباً ما تكون أعلى وأكبر.

ولذلك نسمع باستمرار عن استقالة هذا المسؤول أو الوزير في الديموقراطيات الغربية بعد تصريحه بعبارة ما يشتم منها رائحة العنصرية أو أنه قام بفعل ما مناف لحقوق الإنسان أو حتى الأخلاق العامة أو ما دون التوقعات العامة مما يجب على هذا المسؤول القيام به. لقد تطورت هذه الثقافة وأصبحت جزءاً رئيساً من حملات الشفافية العامة والمحاسبة للمسؤوليين بخاصة مع نمو وثورة وسائل التواصل الاجتماعي التي مكنت المواطنين من أن يُبدوا رأيهم في كل صغيرة وكبيرة وأن يوثقوا المواقف والتصريحات ويعلقون عليها، وبالتالي أصبحت مسألة المحاسبة العلنية أكثر سهولة وهي طوّرت في المقابل الشعور بالمسؤولية. والتقدم بالاستقالة أكثر شيوعاً ودورية كما وجدنا في بريطانيا مؤخراً وإسبانيا وحتى داخل بعض الدول العربية على مستوى الوزراء لكن ليس على مستوى قادة الدول.

أعتقد أن هذه الطريقة من أكثر الوسائل تأثيراً في الرأي العام وتشجيعاً لبناء ثقافة المحاسبة والمسؤولية ويجب تنميتها باطراد وتعزيزها في الحياة العامة، لأنها تلعب دور برلمان الشارع. وفي الديموقراطيات الغربية أصبحت وسيلة مهمة لقياس الشعبية وبالتالي مؤشر إلى الانتخابات المقبلة لاسيما أن فايسبوك وتويتر أصبحا جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الشعبية للمواطنين وترتفع مع ارتفاع نسبة التعليم في كل البلدان.

إذا أخذنا كل ذلك وقمنا بتطبيقه على سورية اليوم، بكل تأكيد سورية لم تكن منذ استلام حزب البعث السلطة عام 1963 بلداً ديموقراطياً وتحولت مع الأسد الأب والابن إلى دكتاتورية شمولية شبيهة إلى حد ما بنموذج كوريا الشمالية اقتصادياً وسياسياً، ولذلك لن نتوقع أبداً أن يكون رد فعل السياسيين السوريين على غرار ما نجد في الديموقراطيات العريقة.

ولكن، مع بدء الثورة السورية بدأت الفيديوات من سورية تتزايد وبعضها يحكي قصصاً إنسانية ليست مسيسة بأي حال من الأحوال لكن بغاية التأثير في كل سوري مهما كان موقفه السياسي مؤيداً للنظام أم معارضاً له، بخاصة إذا كانت هذه الفيديوات تتعرض لقصص أطفال سوريين يدفعون ثمن حرب لم يكن لهم قرار في اتخاذها أو إعلانها.

فيديو حمزة الخطيب وتعذيبه كان صاعقاً لكل إنسان فما بالك بكل سوري، أظهر بوقت مبكر مدى وحشية الأجهزة الأمنية السورية في تعذيبها للأطفال السوريين، بعدها بدأت تتكاثر الفيديوات لكن بالمقابل وجدنا إنكاراً دائماً لها أو تجاهلاً مطبقاً من قبل الأسد، حتى عندما انتشرت فيديوات لمؤيدين له يدفعون ثمن الحرب وبدأت قصصهم غاية في الألم كقصة حسن محي الدين من حي الرمل بطرطوس حيث تقدم بطلب عمل، وتم إخباره أنه حصل على وظيفة عمل في معمل للأعلاف في حماه وعندما توجه للعمل أعطاه النظام رشاش كلاشنيكوف وبدلة عسكرية وتم أخذه إلى المعارك في اليوم الأول حيث قتل وأرسل إلى أهله في اليوم الأول، كان أهله ينتظرونه ليسمعوا أخباره عن اليوم الأول لعمله فاستلمو جثته، بدت قصة مؤلمة للغاية في الحرب العبثية التي يقودها الأسد ضد شعبه ووقودها السوريين حتى من طائفته ومؤيديه، طبعاً لم يعلق الأسد أو يعتذر أم يغير موقفه.

مقابلة الأسد الأخيرة مع قناة «روسيا اليوم» بدا أنه يكرر العبارات ذاتها التي ما فتئ يرددها على مدار السنوات السبع الماضية: «إرهابيون» و «عملاء» و «السيادة الوطنية». كما بدت ملامح وجهه هي ذاتها، مزيج من البلاهة والإنكار وترديد الأكاذيب على رغم معرفته بأنها ليست سوى ذلك، وهو تقريباً يدفعنا إلى سؤال يتعلق بعلم النفس السياسي: لماذا لا يشعر الأسد بالعار من قراراته التي اتخذها والتي أوصلت سورية إلى ما هي عليه اليوم؟

ربما تكون هناك تفسيرات كثيرة في علم النفس الاجتماعي أو السياسي، لكن القدرة على إنكار الحقيقة وإخفائها سنوات طويلة تحتاج إلى مهارة من نوع خاص، ربما أخبره أحد مستشاريه أنه يجب أن يظهر قوة دائمة وأن يتجنب لحظات الضعف البشرية الطبيعية والتي هي جزء من كل إنسان، ربما هذا المظهر يظهره بقوة أكبر أمام أنصاره ومحازبيه، ربما يدفع به إلى أن يكون مثالاً عن النصر المرتجى وما إلى ذلك.

لكن بكل تأكيد الدمعة والألم باتا جزءاً من كل بيت سوري حيث سقط قتيل أو يوجد معتقل أو لاجئ أو فقير أو يتيم إلى ما لا نهاية لذلك، وبالتالي ربما يبدو أن السوريين يرغبون في رؤية الدمعة أو الألم في عيون وكلمات مسؤوليهم، لكن الأسد ربما يفضل الرأي الأول وهو بكل الأحوال متماش أكثر مع شخصيته.

في الحرب السورية حاول الأسد أن يجعل للحقيقة وجهتي نظر، لكن المحاولة هذه لا يمكن لها أن تصمد كثيراً وهو ما حصل بالفعل ولذلك بالنسبة له لا بد من سياسة الإنكار وهو ما يعتبره الكثيرون من علماء النفس على أنها الوسيلة الوحيدة لتجنب اللوم أو الشعور بالعار، وهو ما ساعد الأسد يومياً على قتل ضميره ببطء رويداً رويداً حتى تحول إلى آلة من الحقد، لا تميز بين معارض ومؤيد وربما يختصر الفيديو المسرب أخيراً من أحد شبيحته في حماة الذي أطعم حصاناً عربياً أصيلاً إلى وحوشه المفترسة من نمور وأسود أمام أعين الكاميرا يختصر هذا الفيديو قصة الشعب السوري الأصيل الذي تفترسه الوحوش على مدى السنوات السبع وصاحبها «الأسد» يتابع المنظر بضحكات ومرح.

==========================

موقفنا : في ذكرى المجزرة الرهيبة .. مجزرة سجن تدمر الصحراوي 27 –حزيران-1980 .. زهير سالم

27 / 6 / 2018

مركز الشرق العربي

وستظل الجريمة حاضرة حتى تنتصب راية العدل

وسيظل المجرمون جميعا تحت قوس الإدانة حتى يتعلموا أنه لن يموت حق وراءه مطالب ، ولن يهدر دم يحمل عبئه وليم حميم ..

سجن تدمر الصحراوي فجر 27 / حزيران / 1980

وما زالت تدوي في مسامعنا أصوات التهليل والتكبير تختلط بأصوات رصاص القتلة المجرمين وقنابلهم وزعيق كفرهم ونعيق وعيدهم . ..

وما زالت شلالات الدم الذكي الطاهر تنبجس - أمام أعيننا - من الأجساد التي آلت ألا تركع إلا لله ..

وما زلنا نرى صور إخواننا ، أساتذتنا ، تلامذتنا ، أحبتنا تغادر عروجا ، تودعنا ببسمة وتلويحة يد حتى نكاد نتغشاهم : هذا إبراهيم ..وهذا مصطفى ..هذا عثمان ..وذاك عمر ..هذا أحمد ..وهذا محمد ..وهذا محمود ..

نسمع وصيتهم الواحدة الموحدة : أن قد قضينا ومضينا ، وبقي عليكم ما على المنتظرين ..فلا تبدلوا تبديلا

كل ولي دم في التاريخ يدفع عن دم أهله . ووراء كل محرقة أو هولكست في التاريخ ثمة طاغية وضحايا . وثمة جريمة تلطخ جبين إنسانية تتماهى معها أو تسكت عليها ، أو تتعامل مع أكابر مجرميها وأصاغرهم .

في كل هولكست ومحرقة هناك نمرود وهناك ذونواس وهناك فرعون وهامان وهناك هتلر وهناك موسوليني وهناك ستالين وهناك ميلوسوفيتش ، وهناك شارون ، وهناك حافظ الأسد ، وهناك أخوه وأخوه وهناك ابنه وابنه ..

وإن من ارتكاس إنسانية الإنسان إلى أسفل السافلين ، أن يعامل المجرمون بحسب هوية ضحاياهم ، فمجرم بطل ومجرم هتلر ، ومجرم يعاقب ومجرم يكافئ ؛ وكل من قتل مسلما في هذا العالم فمكافأته ما نرى ونسمع من أراكان إلى العراق إلى الشام إلى اليمن إلى ليبية إلى مصر وإلى فلسطين ...

أوليس هذا ما حصل ويحصل في سورية منذ نصف قرن في متوالية المجازر والمحارق التي لا حد لها في لولبية حركة الزمن السيء كل من فيه من أصحاب الادعاءات ؟! ويقولون إنه في سورية قد تكسرت النصال على النصال ..وغطى على الجرائم الأولى جرائم لواحق وعلى اللواحق لاحقات ولاحقات ولاحقات ..

ومن جرائم الأب إلى جرائم الولد ومن تل الزعتر إلى طرابلس إلى صبرا وشاتيلا ومن تدمر إلى حماة إلى جسر الشغور إلى حلب إلى حمص بدء وعود ، ثم عود على بدء ..ثم يستأنفون الجريمة كلما غرد هزار ..

يقولون في سورية ستظل نواعير الدم تدور ، ونقول وستظل منارات الدم تزهر ، حتي يبلغ العدل نصابه ، ويعرف الحق طريقه إلى حياة كل السوريين ..وإنه لعهد يقطعه على أنفسهم كل الأحرار .

أحبتنا ..شهداء اليوم الرهيب والجريمة السوداء ننادي عليكم في يوم عروجكم : لا والذي اصطفاكم فأكرمكم واتخذكم شهداء ، ما نسيناكم . ولن ينساكم شعب فديتم وجوده وكرامته وحريته بدمائكم التي ستظل منارا للأحرار والأبطال ..

أيها السوريون الأحرار الأبرار..

تذكروا أنه في صبيحة السابع والعشرين من حزيران من عام 1980 ، حطت طائرات أسدية مقيتة ، عند أسوار سجن تدمر ، وباشر جنود أسديون مقيتون مشحنون بالحقد والكراهية والجريمة ذبح ما يقرب من ألف إنسان أسير ..لم يكن لهم من ذنب إلا أنهم قالوا : ربنا الله ..

تذكروا أنه لا شيء يشبه حطيط تلك الطائرات بالأمس غير حطيط طائرات بوتين المجرم على مرابع الحرية في سورية مربعا ثم مربعا من حمص إلى حلب ومن حلب إلى الغوطة ومن الغوطة إلى حوران ..

أيها السوريون احفظوا ..

أيها الإخوان المسلمون ...تذكروا واحفظوا هذا ولا تنسوه ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

================================

الجنوب السوري.. مرحلة جديدة

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الخميس 28/6/2018

حصلت ثلاثة تطورات أخيرا، تفيد بأن ثمة صفقة تمت بشكل مضمر بين موسكو وواشنطن حيال مصير الجنوب السوري. الأول، لجوء النظام إلى سياسة البراميل المتفجرة في الجنوب، بعد توقفه عن ذلك قرابة العام، ما يعني أن ما يجري يتجاوز حدود الضغط العسكري على المعارضة إلى حدود السيطرة الكاملة على ريف درعا الشرقي، ومن ثم الريف الشمالي الغربي. الثاني، الدخول العسكري الروسي في المعركة، حيث شنت روسيا غاراتٍ على مناطق تسيطر عليها فصائل المعارضة، في سابقة هي الأولى منذ إعلان الجنوب ضمن مناطق خفض التوتر في يوليو/ تموز من العام الماضي، وجاء هذا التطور غداة إعلان السفير الروسي في لبنان أن النظام سيستعيد الجنوب، بدعم من روسيا. الثالث، تغير اللهجة الأميركية حيال ما يجري في الجنوب، فبعيد بياني الخارجية الأميركية في 25 مايو/ أيار و14 يونيو/ حزيران الجاري اللذين وجهت فيهما واشنطن تحذيرات للنظام من مغبة خرق اتفاق الجنوب، جاءت الرسالة الأميركية أخيرا إلى فصائل المعارضة، لتعكس تراجعا واضحا، فقد أبلغت واشنطن الفصائل بألا تبني قراراتها على افتراض أو توقع تدخل الولايات المتحدة عسكريا في الجنوب، لمساعدتها على التصدي للهجوم الذي يشنه النظام، وكأن هذه الرسالة بمثابة ضغط أميركي على المعارضة، للقبول بتسوية تحقق جزءا من أهداف المعارضة، بدلا من عمليةٍ عسكريةٍ تقضي نهائيا عليها.

ليس معروفا بعد ما إذا كان قد اتخذ القرار على المستوى الدولي باعتماد صيغة الغوطة الشرقية في كامل الجنوب، أم أن ثمّة ترتيبات تشابه عملية المصالحات التي اتبعها النظام، خصوصا في مدينة درعا وجنوبها، وفقا للطريقة الروسية، بناء على تفاهمات أولية طرحت قبل أسابيع (تسليم فصائل المعارضة الأسلحة الخفيفة والثقيلة، تحويل جزء من الفصائل إلى قوات محلية بإمرة النظام، وانتشار الشرطة العسكرية الروسية في مناطق المصالحة).

وإذا كان القرار الأميركي ـ الروسي قد اتخذ على ضرورة إخراج الجنوب السوري من معادلة الصراع، فإن شكل الترتيبات النهائية غير معروف، بانتظار ظهور نتيجة اللقاء الذي يجريه مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، مع المسؤولين الروس، وبانتظار زيارة وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، موسكو، والتي تشير إلى وجود خلافات بين عمّان وواشنطن حيال مصير الجنوب، بعدما وضعت الأخيرة المعارضة، وربما الأردن، في فخ تصريحاتها السابقة في الأشهر الثلاثة الماضية، في ما يبدو محاولة أردنية لممارسة الضغط من أجل تمرير سيناريو المصالحات، خصوصا في مدينة درعا.

الواضح أن النظام سيسيطر على كامل ريف درعا الشرقي، والغربي لاحقا، وعلى كامل مناطق الجنوب الغربي، وإقامة منطقة عازلة موازية لخط الهدنة في الجولان المحتل، وإعادة العمل 

"الصفقة الأميركية الكبرى مع روسيا ستكون على المستوى السياسي، بعد تفريغ المعارضة من قوتها العسكرية" باتفاقية الفصل بين القوات السورية ـ الإسرائيلية لعام 1974، بما في ذلك إعادة نشر قوات الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك (أندوف). كما أنه سيسيطر على معبر نصيب الحدودي، وهو هدف يتماشى مع الرغبة الأردنية التي تتأرجح بين مستويين: ضرورة فتح المعبر تحت سيادة دمشق، وعدم حصول معارك كبيرة تحرج عمان التي أقفلت الحدود أمام عمليات النزوح.

في كل الأحوال، تعتبر صفقة الجنوب بين الولايات المتحدة وروسيا جزءا من استراتيجية قديمة متفق عليها، بدأت قبل ولادة مسار أستانة، فقد كان المطلوب أولا وقف القتال بين النظام والمعارضة للتفرغ لقتال تنظيم الدولة الإسلامية، وعندها تنتهي مهمة مناطق خفض التوتر التي لم يبق منها سوى إدلب التي يبدو أنها ستأخذ مصير سابقاتها في الجنوب والغوطة الشرقية، سواء عبر تركيا أو عبر النظام وروسيا.

تبين أحداث الغوطة الشرقية وأحداث الجنوب الجارية أن المقاربة الأميركية ـ الروسية تقوم على إبقاء الجغرافيا السورية ضمن ثلاث قوى، النظام وقوات سورية الديمقراطية (قسد) وفصائل المعارضة، بشرط أن توجد الأخيرة في بقعة جغرافية موحدة، وتخضع لهيمنة تركيا. وتؤكد هذه التطورات ما ذهب إليه التقرير الثاني لمؤسسة راند "خطة سلام من أجل سورية"، في يونيو/ حزيران 2016، أن واشنطن تخلت عن أهدافها المتعدّدة، مثل ضرورة الانتقال إلى نظام ديمقراطي وضرورة إنهاء الوجود الإيراني، لصالح ضرورة إنهاء الحرب ووقف نزيف الدم، وإنهاء عمليات اللجوء، والحد من التطرّف الذي يولده الصراع الدائر.

ووفقا للمسارات العسكرية الحاصلة هذا العام، فإن الصفقة الأميركية الكبرى مع روسيا ستكون على المستوى السياسي، بعد تفريغ المعارضة من قوتها العسكرية، فلم يعد المطلوب إسقاط النظام، وإنما إعادة إنتاجه بشكل جديد، مع ما يتطلبه ذلك من إعادة إنتاج للمعارضة نفسها، كي تكون انعكاسا للوقائع المقبلة.

==========================

معركة درعا وترتيبات سورية

سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 28/6/2018

بدأت معركة درعا، والسيناريو كما كان في الغوطة، وقبلها في حلب، وهذا يُظهر أن القرار الروسي هو الحسم العسكري لمن لا يريد الاستسلام. هذا كان واضحاً منذ البدء، على الرغم من كل المفاوضات والنقاشات، حيث يريد الروس فرض خطتهم القائمة على بقاء النظام، بمن فيه بشار الأسد، وإخضاع كل من تمرّد عليه.

لكن، لبدء معركة الجنوب، كان لا بد من ترتيباتٍ مع أطراف عدة، حيث كانت الجبهة الجنوبية في حالة خفض تصعيد برعاية روسية أميركية أردنية (وأيضاً إسرائيلية). لهذا زار رئيس الأركان الروسي الدولة الصهيونية قبل فترة وجيزة، سبقت ذلك تصريحاتٌ لوزير الحرب أفيغدور ليبرمان، ورئيس الوزراء نتنياهو، تؤكد على قبول بقاء الأسد، في حال وافق على إبعاد إيران وحزب الله من سورية. بالتالي من الواضح أن الدولة الصهيونية حصلت على نقطتين: مجال جوي مفتوح لاستمرار ضرب مواقع إيران وحزب الله، وتوافق على إبعاد قواتهما من سورية، على الرغم من أنهما يشاركان في الحرب على درعا (بعكس ما صرّح ليبرمان حينما قال إنه ليس هناك قوات لإيران في الجنوب). لكن هل وقفت الأمور هنا؟ يصرّ الروس على أن يكون جيش النظام على الحدود الجنوبية وفي الجولان، والدولة الصهيونية توافق على ذلك، حيث حماها سنوات طويلة، ولكن سيظهر أن خلف ذلك كله أيضاً سعيا إلى تحقيق "سلام" بين النظام والدولة الصهيونية، وستلعب روسيا الدور المحوري في ذلك، لكي تظهر أنها من يحقق "السلام"، وأن أميركا عاجزة وحدها على ذلك، كما أعلن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أخيرا.

في المقابل، ظهر أن هناك توافقا أميركيا روسيا، حيث أعلمت أميركا قادة الجبهة الجنوبية أنها لن تتدخل، وليست معنية بدعم الجبهة. أي أنها، بعد صياح وتهديد، تخلت عن الجبهة الجنوبية، على الرغم من أنها ترعى خفض التصعيد هناك. قبل ذلك بقليل، أعلنت روسيا أنها لن توفّر الغطاء الجوي لقوات إيران وحزب الله غربي الفرات، بعد أن كانت تعتبر غربي الفرات من حصتها، في مقابل شرق الفرات الذي هو من حصة أميركا. وعلى ضوء ذلك، لم تعد تعتبر التنف جزءاً من الجبهة الجنوبية. وهذا يعني أن روسيا تنازلت لأميركا هناك. وأميركا تطالب كذلك برحيل قوات إيران وحزب الله من سورية، بالتالي يمكن القول إن أول نقطة جرى التوافق عليها هي رحيل قوات إيران وأتباعها من سورية. وعلى الرغم من مشاركة هذه القوات الآن في الحرب على درعا، ستبقى تحت التهديد الصهيوني (كما حدث بقصف مطار دمشق الأسبوع الجاري)، وسيبقى أمر رحيلها الأولوية إذا ما استطاعت السيطرة على منطقة درعا.

ما يظهر هنا أن توافقاً روسياً أميركياً صهيونياً تحقق في سورية، ولهذا باعت أميركا من كانوا يعتبرون حلفاء لها، وقبلت الدولة الصهيونية بوجود بشار الأسد. وهذا يعني توافقا على الحل في سورية، والذي ينطلق من الخطة الروسية. ربما هذه مقدمة لتفاهم روسي أميركي، سوف يتحقق في لقاء الرئيسين بوتين وترامب في الشهر المقبل.

ربما يوضّح ذلك كله مسار الوضع السوري، لكن في الواقع درعا تتعرّض لأبشع قصف جوي، ويُدفع أهلها إلى التهجير، والمصير المطروح على المقاتلين، كما طرحه الروس قبل الهجمة البربرية، هو الترحيل كما حدث في المناطق الأخرى. يُؤمل ألا يصل الوضع إلى هذا الحد، وأن تصمد الجبهة الجنوبية. لكن مأساة الثورة السورية تمثلت في أن القوى العظمى والدول الإقليمية كلها كانت معنيةً بأن تُسحق لا أن تنتصر، وكان جزءاً من سحقها رهان أطراف المعارضة على دول عظمى وإقليمية، كانت تسعى إلى عكس ما تريده. هذا يظهر واضحاً الآن.

==========================

هذه الرابطة الروسية – الإسرائيلية

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 27/6/2018

يدلّ فتح معركة الجنوب السوري، بعدما كانت أكثر التوقعات والتحليلات تستبعد ذلك، على أن التفاهمات الروسية - الإسرائيلية أشمل وأعمق مما كنا نعتقد بكثير، وأن مفاعيلها تتجاوز بالتأكيد التفاهمات الروسية - الأميركية حول المنطقة، ذلك أن منطقة خفض التصعيد في الجنوب، بخلاف الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي، وحتى إدلب، لم تكن جزءا من مسار أستانة الذي بدأته تركيا وروسيا بعد معركة حلب الشرقية في ديسمبر/ كانون الأول 2016، وانضمت إليه إيران لاحقا، بل كانت محكومةً بتفاهم روسي - أميركي عتيد، تم التوصل إليه في اجتماع الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة العشرين في ألمانيا في يوليو/ تموز 2017، والتأكيد عليه في قمة "أبيك" في فيتنام في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، قبل أن توضع تفاصيله في اتفاقٍ ثلاثي شمل الأردن، الطرف المعني مباشرة بمنطقة الجنوب. وكان يُفترض بهذا الاتفاق "الأسمى" من اتفاقات أستانة، كونه تم على المستوى الأعلى في الصراع الدائر في سورية، أن يشكل، من وجهة نظر روسية، مدخلاً لتفاهمات أكبر مع واشنطن بشأن سورية وقضايا أخرى، بما فيها العقوبات الاقتصادية وأوكرانيا واتفاقات خفض الأسلحة الاستراتيجية، وغيرها. أما أميركيًا فكان المأمول أن يفتح هذا الاتفاق الباب أمام تعاونٍ روسي لاحتواء إيران وكبح جماحها في سورية وعموم المنطقة. لكن هذا لم يحصل لأسباب مختلفة، أهمها المعركة السياسية الشرسة التي تجري في واشنطن بين إدارة ترامب و"الاستبلشمنت" بشأن روسيا وقضايا أخرى. من هنا بدأت روسيا وإسرائيل، كل لأسبابه، بالعمل على تطوير تفاهماتهما بشكل مستقل، والتي كان فد بدأ العمل عليها منذ اليوم الأول للتدخل العسكري الروسي في سورية في سبتمبر/ أيلول 2015، وصولا إلى السماح بفتح معركة الجنوب.

تمت التفاهمات الروسية - الإسرائيلية على أساس تهميش الدور الأميركي في اتفاق الجنوب، باعتبار أنه يمثل دور الحامي للمعارضة السورية في المنطقة، والسماح للنظام السوري بالعودة للسيطرة عليها عن طريق مصالحات، وإلا فبالقوة، في مقابل إبعاد روسيا إيران ومليشياتها عن المنطقة، وإلا فعلى روسيا أن تخلي بينها وبين الإسرائيليين، وأن لا تعترض سبيلهم، كما فعلت عندما أسقطت الدفاعات الجوية الروسية طائرة إف 15 الإسرائيلية فوق الجليل، في رحلة العودة من الضربة التي استهدفت مطار تي فور في العاشر من فبراير/ شباط الماضي.

الاتفاق الذي تم التوصل إليه على ما يبدو، خلال زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى موسكو في التاسع من مايو/ أيار الماضي، تمت ترجمته خلال ساعات، عندما وجهت إسرائيل، في اليوم التالي، ضربة شاملة طالت نحو 40 موقعا إيرانيا في سورية. وقد بدت روسيا في تلك الضربة لإيران متواطئة بالكامل، وكانت كفيلة بإقناع الأخيرة بالموافقة على الاتفاق الروسي – الإسرائيلي، بحسب ما كشف عنه المندوب الروسي الدائم في الأمم المتحدة، وتصريحات سكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، الذي قال إن إيران تدعم جهود موسكو الساعية إلى إعادة بسط سلطة النظام على منطقة الجنوب.

بلغ مقدار الثقة بين الإسرائيليين والروس حد نفي وزير الحرب الإسرائيلي المتطرف، أفيغدور ليبرمان، أخبارا مصدرها المعارضة السورية عن تخفي عناصر إيرانية، ومن حزب الله بملابس الجيش السوري النظامي للبقاء في المنطقة، مبديًا ثقته الكاملة بالتعهدات الروسية التي تحدثت عن خلو المنطقة من أي عناصر إيرانية، وعدم مشاركة مليشياتها في المعارك.

ويبدو واضحا من بيان الخارجية الأميركية الذي طلب من المعارضة السورية عدم توقع الحصول على مساعدة عسكرية أميركية، في أي مواجهةٍ مع قوات النظام، أن إسرائيل تمكّنت من تليين المعارضة الأميركية للاتفاق الروسي – الإسرائيلي، باعتبار أنه يخدم أجندتها أيضا، إذ نجحت إسرائيل في الحصول على مساعدة روسيا في احتواء إيران، وهي سياسة أميركية أصلا. ويبدو أن الإسرائيليين لعبوا دورا إضافيا في التقريب بين الروس والأميركيين، خصوصا منهم مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، والذي كان يعد من أصحاب المواقف المتشدّدة تجاه روسيا، ها هو يزور موسكو اليوم للإعداد لأول قمة رسمية روسية - أميركية منذ وصول ترامب إلى الحكم، ولا نستغرب إذا كشفت الأيام المقبلة عن تفاهمات روسية - إسرائيلية أعمق بكثير مما نتحدّث عنه الآن.

==========================

خروج إيران من سورية رهان مستبعد

رندة تقي الدين 

الحياة

الاربعاء 27/6/2018

نقلت شبكات التواصل الاجتماعي صور التظاهرات الإيرانية حول مجلس الشورى وأخبارها. والهتافات لم تكن ضد أميركا وإسرائيل بل كانت تقول «موت لفلسطين ولحماس وحزب الله والجهاد». إنها هتافات نابعة عن استياء شعبي كبير من صرف أموال الدولة على تمويل الحروب الخارجية، في حين أن اقتصاد البلد يعاني من بطالة ضخمة وتضخم وغلاء معيشة كارثي وفساد واوضاع معيشية متدهورة.

لقد طفح كيل الشعب من نظام يحارب في سورية لحماية بشار الأسد ويمول ميليشيات «حزب الله» في سورية واليمن حيث قتل ثمانية عناصر من «حزب الله» وفي غزة يمول حماس. إن قرار الرئيس الأميركي بإعادة العقوبات على إيران سيزيد الضغوط على الشعب الإيراني. لكن من المستبعد أن يجعل ذلك النظام الإيراني ينسحب من سورية ويسحب تمويله لنشاطات حزب الله العسكرية فيها وفي اليمن واينما كان في المنطقة لحساب ايران. فمنذ سنوات والوضع الاقتصادي الإيراني يتدهور ولم يؤد ذلك إلى تغيير نهج النظام وتدخلاته في المنطقة لأن النظام والحرس الثوري مهتمان بنشر الثورة والهيمنة على حساب حياة الشعب. ولكن تدهور أوضاع الشعب الايراني قد يؤدي إلى المزيد من التظاهرات التي اغلب الظن ستقمع كما فعل بشار الاسد بشعبه عندما بدا يتظاهر مطالبت بالمزيد من الحرية ولازالة الفساد ولتحسين حياته. لكن رئيسه رد بالبراميل وانهالت القنابل على أهل البلد فقتلهم وهجر الملايين منهم. وقد يستخدم النظام الإيراني الطريقة نفسها إذا صعّد الشعب تظاهراته.

فوحده القمع والتخويف والتعذيب يسكت شعب هدرت امواله وكنزه الطبيعي، النفط، لتمويل حروب وميليشيات لا دخل للشعب الإيراني فيها. لكن لسوء الحظ أن النظام الإيراني يعتمد القمع لحماية نفسه من استياء شعبه. وهو يمارس ذلك بكل احوال في مهمته في حماية الاسد ضد شعبه. إن الإدارة الاميركية وفق كل المعلومات الآتية من أوساط الرئيس ترامب عازمة على الضغط بكل الوسائل لاخراج ايران من سورية. فهي لا تبالي بمستقبل سورية إذا كان مع الأسد، بل هي تريد خروج إيران من سورية. وهذا سيكون في صلب المفاوضات التي يجريها جون بولتون المستشار الأمن القومي الأميركي في موسكو. فالإدارة الأميركية قد اعطت الضوء الاخضر لاسرائيل ان تضرب ايران في سورية اينما رات مناسباً. وهذه الإدارة مثل إسرائيل لا تبالي إذا بقي الأسد وتسلم الجنوب السوري ولكنها تريد أولاً إخراج إيران من سورية.

لكن ضعف الأسد العسكري لن يجعله يقبل بذلك لانه باع بلده لقوات روسيا وإيران لبقائه رئيساً. والادارة الأميركية ليست وحدها التي تريد خروج إيران من سورية فربما يناسب ذلك الروس في فترة لاحقة. روسيا لا تريد منافسة إيرانية على هيمنتها في منطقة الشرق الأوسط ولكنها لن تبيع ذلك للولايات المتحدة الا بكلفة عالية. إن الأيام المقبلة والقمة الروسية- الأميركية المرتقبة في منتصف الشهر المقبل ستكون مهمة بالنسبة إلى مستقبل إيران في المنطقة ووضع الشعب الإيراني والتطورات في الأوضاع الإيرانية الداخلية.

مما لا شك فيه أن النظام الإيراني سيزيد قمع شعبه لحماية نفسه كما أنه لن يتنازل عن تدخلاته في المنطقة من سورية إلى اليمن إلى العراق، إلا بالقوة. وهو مدرك أن القوة العظمى الأميركية لا تريد مواجهة عسكرية. أولوية ترامب هي انسحاب قواته من أينما كان في الشرق الأوسط وغيره وقد كرر ذلك أكثر من مرة. والرهان أن الشعب الإيراني يمكنه قلب النظام مثلما حدث مع الشاه خاسر لأن القمع زاد والشعب خاب أمله من الثوريين الذين لم يأتوا إلا بالكوارث. فالمستقبل للتشاؤم لأن التدخلات الإيرانية في المنطقة متروكة لإسرائيل التي أهم ما تتمناه هو المزيد من التخريب في المنطقة كما فعلت عندما اجتاحت لبنان في ٢٠٠٦ وهي منذ عقود تحمي وتصر على بقاء آل الاسد في سدة الحكم في سورية. فالاتكال على هذا البلد لإخراج إيران من سورية رهان خطير لأن حسابات الدولة العبرية مناقضة لكل ما تتطلع إليه شعوب المنطقة.

==========================

تدمر المجزرة المستمرة .. تنسيق وترتيب : محمد الحسناوي .. عرض : يحيى حاج يحيى

إن توثيق المعلومات في كتاب لا يقل أهمية وخطورة عن الأطروحات الجامعية، لأنه وثيقة تاريخية قضائية في آن واحد.

يبدأ الكتاب بالحديث عن مدينة تدمر في التاريخ، ثم في ظل الإسلام، ثم في العصر الحديث، ومن المفارقات أن الشعب السوري لا يعرف من تدمر إلا الوجه المظلم وهو (سجن تدمر العسكري) وشتان ما بين تدمر التاريخ والحضارة، وتدمر التي ضمت فوق ترابها سجناً من أعتى السجون في العالم؟!

وهذا السجن في الأصل جزء من ثكنة عسكرية يعود تاريخها إلى زمن الاحتلال الفرنسي، وهو سجن مخصص لتأديب الناشزين والمنحرفين من العسكريين، وقد تحول في زمن البعث إلى معتقل للسياسيين (1966) وشهد اعتقال عدد من السوريين: حقوقيين – دعاة – سياسيين- قادة أحزاب- مفكرين.

وفي الانتفاضة الشعبية 1980 قدم رفعت أسد قائد سرايا الدفاع مشروعاً لجعله مقبرة أحياء للمعارضين وقد سماه الكثيرون (باستيل سورية) حيث جرت بين جنباته وعلى يد جلاوزته المجازر التي أزهقت فيها أرواح آلاف المواطنين، ولعل أكبرها مجزرة تدمر الكبرى يوم 27/6/1980 حيث توجه (200) عنصر من سرايا الدفاع بالطائرات، للإجهاز على أكثر من ألف سجين من النخب السورية الوطنية في سرية تامة إذ تم اختيار العناصر من فئة معينة دُربت على القتل بدم بارد، وعبئت حقداً وإيغالاً في الانتقام المبني على هلوسات طائفية وحزازات تاريخية، فانقض هؤلاء على المعتقلين وهم في مضاجعهم، يطلقون الرصاص والقنابل وخلال أقل من ساعة أصبح جميع المعتقلين في سجن تدمر العسكري صرعى يتخبطون بدمائهم، وحضرت جرافتان ضخمتان (من نوع قلاب) تسوي الأرض فوقهم في واد يقع شرقي تدمر.

وبقي دم الضحايا البريئة يغمر أرض السجن، وتجمد في كثير من الأماكن من الباحات والمهاجع فتكفل جهاز السجن بإحضار عناصر البلدية الموثوقين، وعملوا على تنظيف السجن من الدماء والأغراض المخضبة، كما أجري ترميم السجن وطليت جدران المهاجع بطلاء يستر ما تحته من آثار الجريمة، أما المجرمون منفذو هذه العملية فقد عادوا بالطائرات إلى مطار المزة قرب دمشق ظهراً ووقف الرائد معين ناصيف يشكرهم على جهودهم قائلاً:

- أنتم قمتم بعمل بطولي.

ثم أمرهم بكتمان ما حدث.

ولكنها جريمة أكبر من أن تكتم، فقد تسربت أخبارها منذ الأيام الأولى، كما أن اثنين من عناصر سرايا الدفاع الذين أسهموا في المذبحة قد أدليا باعترافاتهما المفصلة أمام التلفزيون الأردني بعد أن ألقي القبض عليهما في محاولة اغتيال السيد مضر بدران رئيس وزراء الأردن بعد أشهر من المذبحة.

ثم يستعرض الكتاب صوراً مذهلة للتعذيب الذي يلاقيه المعتقلون بشكل يومي منتظم لا يكاد يتوقف سواء في ذلك التعذيب الجسدي أم النفسي، لينتقل بعد ذلك إلى وصف الأمراض التي انتشرت نتيجة لسوء التغذية والتهوية، وإلى استمرار القتل في عمليات الإعدام التي لم تتوقف، إلى جانب إزهاق الأرواح نتيجة للتعذيب والتشفي، وكانت مواعيد الإعدامات يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، ويستعرض الكتاب أسماء بعض الشهداء وعمليات إعدامهم بشكل وحشي لم تعرفه الإنسانية في أحط أدوارها.

ويفرد الكتاب فصلاً يذكر فيه أسماء المجرمين والمخططين والمنفذين، بدءاً من رئيس النظام آنذاك (حافظ أسد) إلى أصغر عريف، وما يؤسف له أن هؤلاء جميعاً من لون واحد، وطائفة واحدة، بحيث ينطبق على تلك العمليات توصيف التطهير العرقي والديني، وهو ما لم تعرفه سورية إلا بعد انقلاب البعث.

وقد اعتمد الكتاب على (الوثائق الأردنية 1981) الذي يضم (تفاصيل مؤامرة النظام الطائفي الفئوي السوري للاعتداء على حياة السيد مضر بدران رئيس وزراء الأردن، وقد طبعت الكتاب وزارة الإعلام الأردنية في 25/2/1981) كما أذيعت تلك الاعترافات عبر التلفزيون الأردني) وقد أثبت الكتاب نص هذه الاعترافات.

وأما فيما يتعلق بأوضاع سجناء تدمر بعد تلك المجزرة فهو ما أفاد به – مشافهة وكتابة- عدد من أولئك السجناء الأبرياء الذين أطلق سراحهم، على أن أهم المعلومات كان مصدرها كتاب (في القاع: سنتان في معتقل تدمر الصحراوي) لخالد فاضل، وفي الفصل الأخير عرض الكتاب لنماذج أدبية من قصة وشعر تصور هذه الفاجعة، وتتحدث عن ذلك السجن المأساة.

وكذلك كتاب: (حمامات الدم في سجن تدمر الصحراوي)

تأليف الدكتور عبدالله الناجي، الذي اعتقل في ذلك السجن الرهيب مدة سنتين ونصف السنة، خرج بعدها برشوة كبيرة دفعها أهله لمدير السجن.

وفي الكتاب وصف دقيق للمهاجع والباحات وأنواع التعذيب والجلادين المجرمين الذين تجردوا من كل الأحاسيس الإنسانية.

 

*** كنا نتمنى أن يبقى السجن على حاله ، ليكون وثيقة وصورة عن وحشية المجرمين الذين ذبحوا الآلاف في داخله !؟ ولكن غباء الذين دمروه ،أو تواطؤهم ،حال دون ذلك !؟؟

==============================

على هامش المهزلة الدستورية السورية

برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 26/6/2018

تتنازع أطراف المعارضة السورية على جيفةٍ، اسمها الانتقال السياسي. بعضنا مستعجلٌ على التفاوض بأي ثمن، إفراطا بالتفاؤل، وبعضنا الآخر يسير كما لو كان على جمر، خائفا من التفريط في الحقوق التي أنيط به الدفاع عنها. والواقع أن المعركة الجارية الآن ليست سورية، أو بين السوريين، وإنما هي معركة التسوية الدولية التي تدور، من وراء تحديد مناطق النفوذ ومواقعه، حول تقرير مصير سورية ومستقبلها ودورها في المنطقة والمنظومة الدولية. ولن تكون التسوية السورية، وبالتالي النظام الذي سيولد بموازاتها، سوى ثمرة لها وجزء مكمل لها. وجوهر التحدي الذي يواجهه المتنازعون على اقتسام إرث دولة الأسد البائدة هو العثور على نظام جديد، يضمن المصالح الإسرائيلية والأميركية الأمنية، والتطلعات الروسية التي تستخدم سورية منصةً لإعادة موضعة نفسها في المنظومة العالمية، والتي لا يمكن تحقيقها ضد واشنطن، وإنما بالتفاهم معها من جهة أخرى. وعلى هامش هذا التقاسم الصعب، تقديم جائزة ترضية للشعب السوري، تخفف من شعوره بالخسارة المرّة، وتضمن تعاون بعض قطاعاته المنهكة. وهذا يعني أن أي حل في سورية لن يتقدّم، ما لم يحسم مسبقا الصراع الدولي على سورية. ولن يكون في الظروف الراهنة سوى ملحق بالتسوية الدولية أو زائدتها الدودية.

المشكلة أن هذه التسوية لم تنضج بعد، وليس هناك تأكيد بأنها يمكن أن تنضج، فالمشكلة في الصراع الجاري على أرض سورية اليوم أن ما يطلبه المهاجمون الروس، وما يسعون إليه لا يتحقق حتى بسيطرتهم على سورية كاملة، إنه قائمٌ خارجها، أي في واشنطن ذاتها. والسؤال كيف يمكن للحرب السورية التي تفجرت بسبب هذا الصراع أن تتحول إلى سببٍ في تجاوزه، وتفتح باب التفاهم الروسي الأميركي؟ وما الذي سيدفع واشنطن إلى مكافأة موسكو، وتسهيل خروجها سالمة ورابحة من المحرقة السورية التي كانت أكثر من ساهم في إشعالها؟

لا أحد يعرف اليوم بالضبط الأهداف التي يسعى الأميركيون لتحقيقها في الشرق الأوسط وسورية، وفي ما إذا كانت قد تغيرت، أم لا تزال كما كانت، بعد أن لم يعد هناك خوف على أمن إسرائيل، ولا على سطوتها الإقليمية، ولا سبب للقلق على صادرات النفط، ولا على مصب عائداته وحركة أسواقه. وأعتقد أن الأميركيين أنفسهم لم يصلوا بعد إلى بلورة رؤية نهائية لطبيعة المصالح التي يسعون إلى تثبيتها في المنطقة. ويبدو لي أنها تتبلور أكثر فأكثر حول محاور أمنية استراتيجية، تتجسد في الحفاظ على الموقع الهيمني في المنظومة الدولية

"ليس هناك مفاوضات سورية جدية بشأن الدستور، كما لم تكن هناك مفاوضات جدية، لا في أستانة، ولا في سوتشي، حول الانتقال السياسي" والإقليمية، وتتخذ من الحرب ضد الإرهاب شعارا تخفي وراءه مخططاتٍ للسيطرة على مواقع أو تعزيز مواقع دفاعية قائمة، بغرض الإبقاء على نفوذ واشنطن المتعدّد الأبعاد، أطول فترة ممكنة في مواجهة التهديد المتنامي للقوة الصينية، والآسيوية عموما. وربما كان تحجيم إيران وثنيها عن الاستمرار في فرض نفسها القوة الاستراتيجية المهيمنة في المشرق، على حسابها وحساب حلفائها، أحد عناصر تعريف هذه المصالح الجديدة، وتمييزها عن تعريفات الإدارة السابقة للرئيس الأميركي، باراك أوباما، ونظرية الاحتواء التي سبقتها.

يعني هذا أن التسوية السورية لم تنضج بعد. والمقصود بالتسوية ليس التوفيق بين مصالح نظام الأسد وأطراف المعارضة، ولا بين فريقين سوريين خاضا حربا دموية وراء علم النظام أو شعارات الثورة والمعارضة، فلا يمكن، مهما شحذ الدبلوماسيون هممهم، إيجاد الأرضية السياسية والقانونية والفكرية والنفسية الملائمة، كي يخرج من اجتماع الجلاد والضحية توافقٌ في المصالح، أو تسوية قابلة للحياة، ولا أن ينجح الذئب والحمل في إرساء قاعدةٍ التعايش حتى تحت الوصاية الخارجية. ومن المستحيل الاعتقاد أن من الممكن، في إطار هذه المعادلة المستحيلة، مناقشة أي انتقالٍ سياسي جدّي، سواء كان ذلك عن طريق المفاوضات، أي مفاوضات، أو عن طريق الحرب، وقد فشلت الوسيلتان حتى الآن.

التسوية الوحيدة الممكنة والمحتملة، وبالتالي الانتقال بسورية نحو بداية مرحلةٍ من السلام والاستقرار واستعادة الهوية والحياة، لا يمكن ان تأتي إلا من الأطراف الدولية التي بسطت وصايتها على الطرفين، وتستطيع وحدها أن تفرض ما تستدعيه من تنازلاتٍ على النظام، بعد أن قضت أو كادت على فصائل عديدة للمقاتلين باسم الثورة، أو لحسابهم الخاص. وهذه الدول الوصية وحدها التي تضمن أن يتخلى الأسد عن أحلامه وأوهامه، أو يحدّ منها، بعد أن ساعدته، سواء أكانت في صف حلفائه أو صف أصدقاء الثورة، في القضاء على معظم القوة المسلحة الشعبية.

هذا يتطلب تفاهم روسيا والولايات المتحدة وحلفائهما المباشرين على طبيعة النظام الجديد واتجاهاته وسياسته والتزاماته تجاه الدول المختلفة، وتمهيد الساحة لقيامه، وتحرير الدولة التي يمارس سلطته عليها من سيطرة القوى الأجنبية، ومن الالتزامات والتفاهمات السابقة التي ارتبطت بالحرب، وكانت جزءا منها. ويتطلب، في السياق نفسه، أيضا، تعريف دور الأسد وحدود صلاحياته السياسية ومدتها الزمنية، بوصفه التجسيد الرمزي والسياسي الوحيد لمصالح الدول التي وظفته في الحرب ضد السوريين، والتعبير عن حضورها واحترام مصالحها، وبالخصوص إيران وروسيا. ومن المفروض أن يتقدّم هذا التفاهم الدولي بشأن طبيعة النظام المسخ الذي يتم طبخه في مطابخ الدبلوماسية والمخابر الأمنية الدولية، بموازاة النقاش حول الدستور الجديد الذي عرضت أولى مسرحياته الهزلية في مؤتمر سوتشي الذي جمع خليطا من السوريين المخبرين وأنصاف المخبرين والمعارضين وأشباههم وشلة كبيرة ممن ليس له علاقة بالأمر، ولا رأي فيه. وأكثر ما يعبر عن المكانة التي تعطيها الدول الوصية لهذا الدستور هي الطريقة التي تشكّلت بها اللجنة الدستورية، والمحاصصات غير المسبوقة التي قامت عليها. وهي على حق في ذلك، فالدستور هو التعبير الأسمى عن وحدة الشعب وسيادته التي تعكس حريته واستقلاله وإرادته في العيش المشترك. وما يحصل يعكس بالضبط تجريد الشعب السوري من حقه الدستوري، ونزع سيادته عنه، في انتظار تنصيب رجال سلطة عليه، من دون حكمةٍ ولا خبرة ولا أخلاق.

لا ينبغي أن نضحك على أنفسنا. ليس هناك مفاوضات سورية جدية بشأن الدستور، كما لم تكن هناك مفاوضات جدية، لا في أستانة، ولا في سوتشي، حول الانتقال السياسي. هناك مسرحية هزلية، يحاول فيها المصادرون حرية السوريين ودولتهم أن يتوصلوا، عبر السوريين، ومن خلال لي ذراعهم، وكسر إرادتهم، وتنصيب من لا يمثلونهم سادة عليهم، إلى تسويةٍ دوليةٍ، تحقق مصالحهم المتناقضة او المتباينة على حساب السوريين وحقوقهم.

"لا يمكن مهما شحذ الدبلوماسيون هممهم، إيجاد الأرضية السياسية والقانونية والفكرية والنفسية الملائمة، كي يخرج من اجتماع الجلاد والضحية توافقٌ في المصالح"

ليس هناك في الأفق، ولا يمكن أن يخرج من هذه المزحة السقيمة أي انتقالٍ سياسي، ولا أي تغيير جوهري في قواعد عمل السلطة والنظام. ما يحصل، وما هو مطلوب مما هو مطروح اليوم، هو محاولة احتواء آثار الحرب التي دمرت الشعب والبلاد، الإنسان والعمران. وتعميم وتطوير ما أصبح يعرف باسم اتفاقات خفض التصعيد التي تم في ظلها القضاء على جميع قوى الثورة المقاتلة، بانتظار أن تسفر الأحداث وديناميات النزاع عن التفاهم الدولي المنتظر الذي يرضي جميع الأطراف. وما يحصل في جنوب سورية من توافقٍ على تصفية جبهة الجنوب، بعد وعودٍ كاذبةٍ بالدعم لم يجفّ حبرها، هو أكبر دليل على ذلك.

الانتقال السياسي أنشودة للتخدير انتهى دورها، والمطروح اليوم إعادة بناء الدولة والمجتمع. والمدخل إلى ذلك جمع الأطراف، أو النخبة الجديدة التي تعد لقيادة المرحلة المقبلة، والتوافق على الدستور الذي تشير طريقة تصنيعه إلى طبيعة الدولة المسخ التي ستتمخض عنه، والتي لا يحسُن أن تكون ديكتاتوريةً ولا ديمقراطية، لا عربية ولا كردية، لا عشائرية ولا طائفية، لا دينية ولا علمانية، أي أن تكون من دون هوية من أي نوع، حيوانا اسطوريا جديدا من دون ذنب ولا رأس، وخروفا يمشي على قوائم خمس.

هل يعني هذا أن كل شيء انتهى، ولم يعد هناك أملٌ بتحقيق شيء؟ بالعكس. إنه يعني أن الحل الذي تسعى إليه دول الوصاية والانتداب لن يحل شيئا، وأن الديمقراطية أصبحت اليوم هدفا ثوريا في سورية، أي أصبحت قضية أكبر من معركة مسلحة أو سياسية، وأنها تفرض على السوريين أن يخوضوا معاركها في كل الميادين والجبهات والمؤسسات، الفكرية والسياسية والإعلامية والدبلوماسية، المحلية والإقليمية والدولية. وكما تقتضي السياسة ألا يتركوا ساحة خاليةً لأحد، تقتضي روح الثورية ألا يحيدوا عن أهدافهم أبدا.

==========================

تسخين الجنوب السوري مقدمة الحرب

فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 26/6/2018

لا يبدو حتى الآن أن الجهود نجحت في نزع فتيل صدام إسرائيلي - إيراني، فيما لو شن نظام الأسد وحلفاؤه حرباً لاستعادة السيطرة على جنوب سوريا، ذلك أن الالتباسات ما زالت تحيط بموضوع وجود إيران وميليشيات «حزب الله» في المنطقة المحاذية لخط وقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل، وهو ما تصر إسرائيل والولايات المتحدة على رفضه، فيما تسعى إيران و«حزب الله» ونظام الأسد لتحقيقه أو للتحايل عليه في الحد الأدنى.

وسط المشكل في الوصول إلى حل للتعارض القائم بين إسرائيل وإيران، ما زالت موسكو تطمح للتوفيق بين رغبات حليفيها الإيراني والإسرائيلي، وتبذل جهودها لتذليل عقبة وصول حليفها الثالث، نظام الأسد، لاستعادة سيطرته على الجنوب، التي تراها موسكو خطوة مهمة في سياق تحقيق الحل الروسي في سوريا.

غير أنه وبالتوازي مع المسعى الروسي، فإن نظام الأسد وحلفاءه الإيرانيين وميليشياتهم، يواصلون جهودهم لتنفيذ خطة استعادة السيطرة في المناطق الخارجة في درعا والقنيطرة، والتي تبدو ملحّة وضرورية قبل التوجه شمالاً باتجاه إدلب وريف حلب، وغيرها من مناطق ما زالت خارج السيطرة، الأمر الذي كرّس جهوداً مكثفة ومتصاعدة من جانب نظام الأسد، لعل الأبرز فيها أربعة مسارات تواصلت في الأشهر الثلاثة الماضية.

أول المسارات، كان نقل ميليشيات «داعش» من مناطق جنوب دمشق باتجاه الجنوب السوري، حيث احتلت مواقع على تخوم السويداء عبر اتفاقات معلنة مع الأخير، كان فصلها البارز اتفاقاً مع «داعش» لإخراج مقاتليه من مخيم اليرموك قبل اقتحامه من قوات النظام الشهر الماضي.

والمسار الثاني، تمثَّل في تحشيد قوات النظام والميليشيات الموالية لها على المحاور الرئيسية في الجنوب، متجاوزاً الخط الدولي الرابط بين دمشق ودرعا وشاملاً في ذلك منطقة السويداء، حيث نقل إليها قوات وأسلحة، تمهد لفتح جبهة فيها، ليضع قوات المعارضة في درعا بين فكي كماشة لضمان هزيمتها في المعركة المقبلة بدفعها إلى القتال في جبهة واسعة، تشتت قواتها في ظل إمكاناتها المحدودة.

وتضمّن المسار الثالث اللعب على الوضع الأمني في السويداء بالضغط الأمني والإثارة الدعاوية ضد «المسلحين والإرهابيين» بالتوازي مع قصف مدفعي للمدينة من جانب قوات النظام، واتهام قوات المعارضة بالقيام به، فيما شرع بإطلاق عمليات مواجهة محسوبة النتائج لقوات النظام مع «داعش» بالقرب من السويداء، مما يجعل الأخيرة واقعة - وفق طروحات النظام - بين تهديدين «إرهابيين» أحدهما يمثله «داعش» في محيط السويداء وآخر تجسده قوات المعارضة في درعا، الأمر الذي يمكن أن يبدل موقف أهالي السويداء في رفض انخراطهم في معارك، أصروا طوال السنوات الماضية على تجنب الدخول فيها.

ويتمثل المسار الرابع في شن النظام عمليات مزدوجة عسكرية وأخرى دعاوية في الجنوب، هدفها تدمير قوات المعارضة وحاضنتها من جهة وتحريض السكان ضد القوات المدافعة عن الجنوب، خارقاً اتفاق خفض التصعيد الذي كان قد شمل المنطقة في وقت سابق من العام الماضي، وحاز موافقة أردنية وأميركية، وأدى إلى وقف عام للعمليات العسكرية هناك.

وإذا كان الهدف الرئيس للمسارات الأربعة، هو التهيئة لعملية استعادة السيطرة على الجنوب، فإن من المهم التوقف عند أهم ما تمخض عنها من نتائج أولية، وفي مقدمتها إعادة موضوع الجنوب إلى واجهة الأحداث الميدانية والسياسية في سوريا ولدى الأطراف الخارجية سواء المتدخلة أو المهتمة، إضافة إلى تسخين الوضع في الجنوب من الناحيتين العسكرية والسياسية، وتعزيز المخاوف من احتمالات حرب في الجنوب، تؤدي إلى موجة واسعة من عمليات القتل والنزوح والتهجير والتدمير على نحو ما حصل مؤخراً في غوطة دمشق ومناطق سورية أخرى استعاد النظام السيطرة عليها مؤخراً، وقد بدأت بالفعل عمليات النزوح في مناطق درعا والسويداء، التي طالتها عمليات التصعيد أو المواجهات العسكرية.

وكما يظهر في المحصلة، فإن نظام الأسد وحلفاءه بما قاموا به ويواصلونه من خطوات، يخلقون بيئة عامة، تقارب أو تماثل ما كانت عليه البيئة المحيطة بغوطة دمشق عشية الحرب عليها، ويمهدون لحرب شاملة على الجنوب بانتظار اللحظة المناسبة، سواء جاءت في ظل نجاح محتمل للمساعي الروسية بمنع صدام إيراني – الإسرائيلي، أو بفعل متغيرات في مواقف القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في موضوع الجنوب السوري، وهي مواقف مصلحية ومؤقتة، يمكن أن تتغير في أي وقت.

==========================

درعا والسويداء والدستور والعلم

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 25/6/2018

تضع منطقة حوران في جنوب سورية الأطراف الدولية جميعها أمام مواجهة حقائق اتفاقيات خفض التصعيد، والتي تضمن بها روسيا النظام السوري، في التزام وقف إطلاق النار، والتعاطي مع هذه المناطق ضمن نصوص الاتفاق الموقع على أنها خارج عملياته القتالية. وبينما تقع مسؤولية حماية تنفيذ الاتفاق على الأطراف الضامنة له، فإن ما جرى في الغوطتين والريف الدمشقي سابقاً، وما يجري الآن في حوران، بعد صمود اتفاق خفض التصعيد الذي رعته الولايات المتحدة الأميركية والأردن، جهتين ضامنتين لفصائل المعارضة، بينما روسيا كالعادة ضامنة للنظام، يؤكد حقائق كثيرة منها:

ـ أن الاتفاق تم من جهة النظام وراعيته (روسيا) لكسب وقت، كي يستطيع من خلاله تطويق منطقة حوران من محاور ثلاثة، بعد أن هيأت له روسيا، الضامن في اتفاق المنطقة الجنوبية، وكذلك الغوطتين، استعادة سيطرته على الغوطتين، بعد تدخلها في قصفهما جواً لضمان دخول آمن لقوات النظام، بمساندة قوات إيرانية، وإبعاد الحاضنة الشعبية للثورة، عبر تهجيرها بالاتفاق الضمني مع شركاء محور أستانة إلى الشمال، ما هيأ الوقت المناسب للتلويح بعملية معركة درعا، في هذه الظروف، من خلال خطة المحاور التي تنفذها قواته، عبر:

ـ محور السويداء، بلدة صما، بصرى الحرير. وبذلك يسيطر على المنطقة التي تربط السويداء بطريق دمشق درعا، ويعزل اللجاة كاملة ..ويستطيع التحرك باتجاه بصرى الشام، والتحرّك باتجاه طريق نصيب، مرورا بالطريق الحربي المحاذي للحدود الواصل إلى "سرية عمان" ندى، نصيب. وبهذا، يحقق النظام أكثر من انتصار، فهو يشعل حرباً أهلية بين أهالي حوران وأهالي السويداء، ما يبدد قوة التعايش الشعبي بين السهل والجبل، ويسهل على نفسه خوض

"لم تستطع الدول الضامنة لاتفاقات خفض التصعيد في سورية إلزام النظام بما توافقت عليه عسكرياً" معركةٍ من خلال مدن كثيفة السكان، ما يجعل أي رد دفاعي من الفصائل هجوما على المدنيين، وهنا تقع خطورة ما يحدث الآن، وضرورة الحذر الشعبي على الجانبين من الوقوع في هذه المصيدة!

ـ محور مثلث الموت، اللواء 15 للوصول إلى تل الحارة، وبذلك يستطيع السيطرة نارياً على أغلب ريف حوران الغربي، ويفصل غرب حوران عن شرقها.

ـ محور درعا البلد المنشية، درعا المحطة الصوامع النعيمة أم المياذن، وهو الأخطر، أي إما الالتفاف على مدينة درعا لتجنب معركة مع درعا البلد والسد والمخيم، واتخاذ طريق الصوامع غرب أم المياذن، وبذلك يلتف يميناً على درعا، ويساراً على بلدة النعيمة، ويصل إلى نصيب، حيث يريد النظام للسيطرة على المعبر الذي يعنيه سياسياً واقتصادياً بعد تدهور واقعه المالي والتجاري.

أما السيناريو الأصعب على النظام، فهو محاولته السيطرة على المنشية (درعا البلد)، وهذا يعني مواجهةً عنيفةً مع الفصائل المرابطة هناك، ولها الأفضلية القتالية بحكم الجغرافيا من ناحية، والتحصينات المدعومة بمشاركين كثيرين في صد هجوم النظام من الثوار والفصائل على حد سواء من ناحية ثانية، وهو ما يجعلها أكثر ثباتاً، إلا أن النظام قد يخوض هذه المعركة إذا حصل على الدعم الكامل من روسيا جوياً، وهو مدعومٌ ميدانياً بقوات إيرانية وطائفية يمثلها حزب الله، على الرغم من تغيير ملابسهم من إيرانية إلى ما يشير إلى أنها قوات سورية، بغرض الوصول إلى "جمرك درعا القديم"، ما يجعله، في حال تحقق له ذلك، في موقع المنتصر استراتيجياً، لحساسية جغرافية هذا الطريق الحربي الذي يصل بين فصائل شرق حوران وغربها المحاذي للأردن، أي طريق المنشية الجمرك القديم - طريق المحطة الصوامع، ما يعني أن الرهانات اليوم على قدرة الأطراف الضامنة، إما بالحفاظ على منطقة خفض التصعيد، أو بإخراج الاتفاقية من الواقع الميداني، والعودة إلى ما قبل عام 2014، حيث لا خفض تصعيد، ولا فريق تسليم المناطق من دول وفصائل في آستانة، ولا تسوية عبر لجان دستورية، تقرّرها دول الصراع على سورية.

يبرّر كل ما تقدم القول إن المشاركة اليوم بتلك التسوية القائمة على تعديلاتٍ دستوريةٍ، تضمن مصالح الأشخاص المشاركة فيها، وليس الأطراف التي تدّعي هذه الشخصيات تمثيلها، من جهتي النظام والمعارضة، على حد سواء، كما يجعل من هذه القوى المحسوبة على المعارضة، كأنها تمارس من خلال مشاركتها في اللجنة الدستورية، وقبلها مسار أستانة، وبعدها القبول بمخرجات مؤتمر روسيا للحوار الوطني السوري في سوتشي، عملية تجميل فاشلة لما يمكن تسميته اتفاق التسوية بين النظام من جهة، وقيادات المعارضة المعينة دولياً من جهة مقابلة، وهو ما يفترق، في مضمونه، عن مفاوضات السلام في جنيف، حسب بيان جنيف1، وقرار مجلس الأمن 2254، وجميع القرارات ذات الصلة، حيث تتبنّى اللجنة الدستورية الرغبة الروسية في صياغة الحل السياسي ذي الأذرع العسكرية، ذات ألوان الثلاثية الدولية الضامنة لاتفاق أستانة. وهذا يعني أننا أمام لجنة دستورية، مهمتها تحقيق المصالح المشتركة بين روسيا وإيران وتركيا، بعيداً عن أي حل سياسي حقيقي، يبدأ وفق أولويات الشارع السوري: من وقف العمليات القتالية، إلى تأمين مناخات الاستقرار في ظل هيئة حاكمة انتقالية، تمارس من خلال مؤسسات وطنية مهمة صياغة الدستور السوري، وفق إرادات المكوّنات السورية، وبما يضمن سلامة الشعب والجغرافيا السورية ووحدتهما، ويصون مطالب السوريين بدولة ديمقراطية تعددية، ذات حكم غير طائفي.

وفي الوقت الذي لم تستطع الدول الضامنة لاتفاقات خفض التصعيد إلزام النظام بما توافقت عليه عسكرياً، بل عملت على تحويل مضامين الاتفاقات الموقعة، في أستانة وغيرها من المدن، من مناطق خفض تصعيد، إلى مناطق منزوعة من "معارضة النظام" وسلاح الفصائل المحسوبة على المعارضة، كما أنها كشفت الغطاء عن حقيقة الفصائل ذات الرايات العديدة،

"لسنا اليوم أمام معركة حوران التي تحسم مسارات التسوية بين الولايات المتحدة وروسيا فحسب، بل أمام معركةٍ قد تحسم أيضاً خيارات السوريين" تحت غطاء التسميات الإسلامية، بأنها مجرد "أدوات استخدامية ووقتية"، تغير جهة سلاحها، حسب رغبة الداعم ومصالحه، كما تغير لباسها من متطرّفة إلى معتدلة إلى ليبرالية مشوّهة، وهو ما يحدث لدى معظم المسلحين في الشمال اليوم، وهو أيضاً ما اتضح في عمليات قصف الغوطتين وريف دمشق وتهجير سكانهم، وانتهاء أدوار قادة في الفصائل المحسوبة على المعارضة، وفق الوظيفة المكلفة بها من أجهزة النظام الأمنية فيما سمي (عودة الضفادع)، نسبة إلى بسام ضفدع الذي أدى مهمة دقيقة للنظام بين صفوف فصائل المعارضة في الغوطة.

بالنتيجة، لسنا اليوم أمام معركة حوران التي تحسم مسارات التسوية بين الولايات المتحدة وروسيا فحسب، بل أمام معركةٍ قد تحسم أيضاً خيارات السوريين، بين أن تكون الحلول على مقاس سورية الدولة ذات السيادة، لكل مواطنيها، وأن تكون على مقاس دول احتلال، لم تترك لنا أي ملامح لحل سياسي حقيقي، يوقف المجزرة السورية. ومع ذلك، تتسابق إليه وجوه محسوبة على السوريين من نظام ومعارضة، يتشابهون في الولاء والهدف، بينما تشتد خلافاتهم وصراعاتهم على لون العلم، فهل أنت تحب العلم الأحمر، أم تلوذ بالعلم الأخضر الذي أصبح كأنه "مصنع غسيل" لأعمال فصائل موغلة بالعداء له، وبالتطرّف، ثم أصبحت حامية الحمى للعلم وفقط.

==========================

الجنوب آخر معاقل الأمل السورية

غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 24/6/2018

كلّما زادت مساحة سيطرة نظام الأسد على الأراضي تقلصت مساحة التغيير والأمل بانتقال سورية إلى أوضاع جديدة، وعادت الأمور إلى أسوأ مما كانت عليه قبل الثورة، وربما إلى مجهولٍ لا أفق له. وتشكّل منطقة الجنوب، التي تقع اليوم في قلب الخطر، ذروة مرحلة سقوط سورية في هذا المجهول، ليس لرمزيتها فقط في إطلاق شعلة الأمل بغد سوري متحرّر، يملكه أبناء البلد، وإنما لأن الجنوب كان آخر المناطق التي يمكن استثمار وزنها ومزاياها، للمساومة على حل سياسي مقبول، وإن لم يكن مثالياً، على اعتبار أنها المنطقة الوحيدة التي ما زالت تمتلك مواصفات ثورة سياسية اجتماعية.

استطاعت روسيا، وعبر عملية ممنهجة ومدروسة، إخراج المناطق التي تملك وزناً تساومياً يحقق مطالب الشعب السوري من دائرة الصراع، وليس سراً أن البداية كانت من حلب، لما تمثله من أهمية سياسية تضع الطرف الآخر في موقع الند السياسي الذي يستطيع فرض شروطه على طاولة المفاوضات، لتكرّ السبحة بعد ذلك، وتسقط جميع المناطق ذات التأثير السياسي، الغوطة ووادي بردى والقلمون وريف حمص الشمالي.

وليس سراً أن المناطق المتبقية، خارج جنوب سورية، لا تصلح للاستثمار والمساومة السياسية، مثل مناطق شرق سورية وإدلب، فالأولى أصبحت خارج تصنيف التفاوض على شكل النظام القادم، لتدخل في إطار الصياغة السياسية للدولة السورية المقبلة، من حيث الشكل وليس 

"ستكافأ إسرائيل بإبعاد المليشيات الإيرانية إلى مسافة أمان مقبولة لديها" الجوهر، فيدرالية أم مركزية، وإن حل إشكاليتها ليس له علاقة بثورة السوريين ومطالباتهم، بقدر ما هو مرتبط بتوافقات دولية صرفة. أما إدلب، فأصبحت قضيتها ترتبط بقضايا الإرهاب العالمي، نظراً لوجود جبهة النصرة، أو "فرع القاعدة السوري" كما بات يسمى في التقارير الإخبارية.

لأسباب عديدة، لم تكن تجربة المناطق المحرّرة في الجنوب مشجعة ولا مرغوبة. في النهاية، ثمّة حاجة لدولة تدير شؤونها وتوفر المستلزمات الإنمائية والأمنية والخدماتية لمئات آلاف من السكان، لكنها بالتأكيد ليست دولة نظام الأسد التي كانت، مضافاً إليها عقلية المخبر الروسي الذي لا يرى في سوريي المناطق التي تم إخضاعها سوى إرهابيين مهزومين، ورجل الحوزة الإيراني الذي يريد تعليم أبنائهم الدين الصحيح مقابل عشرة آلاف ليرة للعائلة، كما في ريف حلب.

بالتأكيد، ليست إمكانات المقاومة في جنوب سورية معدومة، كما إمكانية تحقيق تغيير سياسي، لكن الشروط العسكرية والسياسية التي أخضعت المنطقة نفسها لها، لا توحي بذلك، وخصوصا بعد أن دخلت المنطقة وبقوّة في إطار المصالح الإقليمية والدولية وتعقيداتها، وجرى تحييد مصالح سكانها لصالح اعتبارات خارجية، يتم احتسابها بناء على دفتر شروط تلك الأطراف وحسابات التوازنات التي يجب الحفاظ عليها في نهاية مواسم المذبحة السورية.

لا يضرّ الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في جوقة التسويات الدائرة الآن على رأس الجنوب، مذبحة إضافية، ولا عملية تهجير جديدة لعشرات الآلاف، وترحيل بضعة آلاف جديدة إلى مكب إدلب. المهم أن عملية إخراج التسويات التي سيتم إنضاجها على نار الجنوب الحامية، يجب ألا تحرج بريستيج الأطراف المتفاوضة والراعية للعملية، والأهم يتوجب ظهور المعارضة بمظهر القابل والمستكين للوضع في اجتماعات أستانة وسوتشي، أو حتى جنيف، المقبلة.

في مقابل سحق الجنوب، ستكافأ إسرائيل بإبعاد المليشيات الإيرانية إلى مسافة أمان مقبولة لديها، وسيتم منح إيران فرصة كاملة لنشر التشيع في الجنوب، شريطة ألا تظهر أعلام مليشياتها في المنطقة، وستشرعن أميركا وجودها في شرق سورية إلى حين إقرار النظام الفيدرالي الذي سيكرّس حصتها في سورية، حتى لو بدون قواعد عسكرية مباشرة. أما روسيا فإن مكافأتها الكبرى ستتمثل في تكريس بقاء نظام الأسد إلى الأبد.

ليس هذا ثمنا عادلا لفاتورة الدم السوري، وما زال هناك إمكانية للمقاومة وتحقيق الأهداف، أو

"إذا سيطر نظام الأسد على الجنوب سقط الحل السياسي في سورية نهائياً"  على الأقل رفض استنساخ تجارب إخضاع المناطق السابقة، لو أن هناك، فعلا، أطرافا يمكن تسميتها داعمي الجنوب، لكان من غير الصعب الوصول إلى نماذج لتسويات مختلفة، مثل نموذج مناطق الأكراد أو نموذج المناطق التي تقع تحت سيطرة القوات التركية في الشمال، يمكن تطبيق التجربة التي كانت مصمّمة للتطبيق في حلب، قبل أن تتراجع روسيا عنها، نظام إدارة يعطي للمجالس المحلية دورا في إدارة شؤون المنطقة.

إذا سيطر نظام الأسد على الجنوب سقط الحل السياسي في سورية نهائياً، وسابقاً كان السوريون يراهنون على عقلانية العالم، أو الأطراف التي ترعى الحرب والحل في سورية، على اعتبار أن من شأن هذا الوضع تعقيد الأوضاع وإدامة الصراع، وبالتالي من غير المنطق أن تقبله هذه الأطراف، انطلاقاً من نظرية أن السلام مصلحة عالمية، وأن الاضطراب في أي بقعة في العالم يؤثر على السلم. غير أن هذا المنطق ثبت عدم واقعيته، فهو ليس أكثر من طقم كلام إنشائي. أما في الواقع، فإن اللاعبين الإقليميين والدوليين لا يهمهم، في نهاية المطاف، سوى مصالحهم، وفي حال تحققها، فإن التعايش مع القتلة ومجرمي الحروب يصبح وارداً، بل تصبح إعادة تأهيلهم أكثر من ممكنة على قاعدة أن ليس في الإمكان أكثر مما كان.

يبقى أنه ليست هناك خيارات للسوريين سوى الصمود في جنوب سورية، لأن القبول بما تفرضه التسويات والتوافقات الإقليمية والدولية ستكون له آثار كارثية تطاول سورية عقودا، حيث سيشن عليهم نظام الوكيل في سورية، وأسياده الروس والإيرانيون، حرب وجود تقتلع جذوة الكرامة فيهم، وتحوّلهم مجرد أشباح بشر.

==========================

معركة الجنوب السوري

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 24/6/2018

حذّرت الولايات المتحدة مجدّداً نظامَ الأسد وروسيا من انتهاك مناطق خفض التصعيد المتفق عليها في الجنوب. ليس هذا التحذير الأول من نوعه، لكنه عاد وتردّد على لسان الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية، هيذر نويرت. جاء التحذير الذي سبقه حين ظهرت تحركات لقوات النظام على مشارف المنطقة الجنوبية، سبقها إلقاء منشوراتٍ تتوعد الفصائل الجنوبية قبل حوالي شهر. تلك المقدمات الهجومية توقفت حينها، لكن القطعات المحتشدة في المنطقة لم تترك مواقعها في الجنوب، بل جرى تعزيزها، واسْتُقْدِمَ قادةٌ من "نجوم" جيش النظام، ليقودوا الهجوم المنتظر.

يأتي التحذير الجديد بعد قصف مدفعي كثيف من قوات النظام، وبدء تحرّك موجة جديدة من النازحين نحو الحدود الأردنية، وكان بشار الأسد قد أكّد، في مقابلتين تلفزيونيتين، أنه عازم على بسط سيطرة جيشه على كل سورية مرة أخرى، جاءت تصريحاته بعد أن استعاد مناطق محيط دمشق وريف حمص وحماة، ويبدو أنه قرّر استكمال الاستعادة بالاتجاه نحو معركة الجنوب التي بدأها بالفعل قبل شهر، لكنها توقفت.

لم يتوقف الهجوم الحقيقي بعد، وما تقوم به قوات النظام من قصفٍ مدفعي، مع أنه في منتهى العنف، مجرّد اختبار جديد لمعرفة ردّات فعل الجهات المنخرطة في الجنوب، أي إسرائيل والأردن. لم يكن التحذير الذي جاء من الولايات المتحدة مطابقاً للتحذير الأميركي السابق، فقد حُذفت منه عبارة "سنتخذ إجراءات صارمة"، وبقيت منه جملة عائمة ومموهة، لا يُفهم منها الكثير، تقول: "إن الهجوم سيجر تداعيات خطيرة".

يبدو الغرق في هذا التحليل اللفظي ضرورياً لاستقراء الخطوة التالية التي يمكن أن تقوم بها الأطراف، خصوصا النظام، فهو تلقى التحذير وقرأه محللوه بإمعان. ومع ذلك، لا يزال القصف المدفعي التمهيدي مستمراً، ولو أنه لم يتطوّر إلى تحرّكات محسوسة على الأرض، وقد يستمر القصف، ريثما تصدر الإشارة التالية، أو ليتسنّى للطرف الروسي أن يردّ على ذاك التحذير، أو أن يتكشف شيءٌ عن الموقف الإسرائيلي.

يمكن القراءة من السيناريو الذي تتحرّك فيه الأحداث بأن هناك اتفاقاً على دخول قوات نظامية إلى الجنوب، وليس لدى إسرائيل مانع من مشاهدة جيش الأسد مرة أخرى على مقربةٍ من مرتفعات الجولان. ولكن لا يبدو أن الترتيبات النهائية لهذا الدخول قد حسمت، فالتصريح الروسي، قبيل الهجوم السابق، بوجوب خروج جميع القوات الأجنبية من سورية لم يلقَ عناية كافية من أيٍّ من القوات التي يعنيها، وخصوصا الإيرانية، والحديث يدور عن ابتعاد القوات التي تدعمها إيران مسافةً كبيرة عن الحدود "الإسرائيلية"، ويبدو الهجوم الذي وقع على مليشيات عراقية في أقصى الشرق السوري تحذيراً مقروءاً بسهولة، فإسرائيل، ومن خلفها أميركا، لا تريد أن تشاهد قواتٍ تابعةً لإيران في المنطقة، ولو ذهبت إلى أقصى مدى. وقد أدت خطوط إسرائيل الحمراء قبل أيام إلى قصف ذي عمق بعيد ومؤثر، فقد نقلت التقارير أن عدد قتلى المليشيات العراقية تجاوز الخمسين. أما الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المؤمن بوجهة النظر الإسرائيلية، فقد كان قد انسحب من الاتفاق مع إيران بشأن ملفها النووي، وفي الوقت نفسه، ذهب شخصياً إلى عقد اتفاق مشابه مع كوريا الشمالية، وهي رسالةٌ ذات تأثير قوي، تحمل معاني جدّية وخطورة عالية، وحذف عبارة "اتخاذ إجراءات صارمة" من التحذير الأميركي يعني أن هناك بعض الوقت لتتراجع إيران، ومَنْ تدعمهم عن الحدود "الإسرائيلية".

لا عزاء للجنوبيين الذي حملوا على عواتقهم همَّ إشعال ثورةٍ عمّت كل التراب السوري، فالهجوم قادم، وبكل حقد المدافع والصواريخ الروسية، وهم محكومون بالنزوح. ومن هنا، قد تبدأ الخطورة، فالوجهة هي الأردن الذي يعاني من أزماته الاقتصادية، وربما ومن قبيل المفارقة أن رغبة الأردن بفتح حدوده وإنعاش تجارته كانت من أسباب السماح الأردني لجيش النظام بالهجوم.

==========================

القديم والجديد في خفض التصعيد !؟ .. يحيى حاج يحيى

خفض التصعيد يعني أن يذبحوا جيرانك وأقرانك وتبقى صامتاً ،  حتى لا يقولوا آنت تخرق الاتفاق !؟

وأن تُضرب على خَدَّك الأيمن ، ولاينتظر خصمك أن تدير له الأيسر ، لأن يده ستنهال على قفاك ، بعد رقبتك !؟

وأن تكون كالمصاب بالحمى ترتفع درجة حرارته حسب شدتها وضعفها ، لأن أحداً لايفكر  بتقديم الدواء النافع له !؟

وأن تموت ببطء وبالتقسيط وبصمت ؛ لأن صوت الحشرجة يزعجهم !؟

ولكن لو أنك وحّدتٓ التصعيد على كل الجبهات لملكتٓ مفتاحه ترفع وتخفض بحسب مصلحتك ، وعندها لن تحتاج إلى إيعاز يأتي  من خارج ساحتك !!

==============================

التنافس الإيراني ـ الروسي في سوريا: خرافة أم تحصيل حاصل؟

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 22/6/2018

بصفة رسمية وصريحة وعلنية، لا يخفى فيها الحرص على أن تبدو هكذا تماماً، اتخذت معادلات الوجودين الإيراني والروسي في سوريا وجهة الافتراق، واستطراداً: التمهيد للشقاق، في أواسط أيار (مايو) الماضي؛ حين أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: «الانتصارات الملموسة للجيش السوري فى محاربة الإرهاب وانطلاق المرحلة النشطة من العملية السياسية سيليها بدء انسحاب القوات الأجنبية من أراضى سوريا». كان بوتين يتحدث وإلى جانبه بشار الأسد، الذي تمّ استدعاؤه ـ كما يتوجب القول، في كلّ زيارة مماثلة ـ كي يصادق على المرحلة المقبلة من خطط الكرملين للمشروع الروسي في سوريا؛ والتي تمثلت، خلال جولة منتجع سوتشي تلك، في ترسيم الحدود القصوى للمواجهة الإيرانية ـ الإسرائيلية على أرض سوريا، وإطلاق سيرورة جديدة في التفاهامات التركية ـ الروسية حول مناطق الشمال.

لم يتأخر الردّ الإيراني بالطبع، وإنْ كان قد جاء أوّلاً على مستوى منخفض في سلّم التفويض بالتصريح السياسي؛ إذْ قال بهرام قاسمي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية: «لا يمكن لأحد أن يجبر إيران على فعل أي شيء. ستستمر إيران في المساعدة في سوريا مادام الأمر يتطلب ذلك، وأرادت الحكومة السورية ذلك». ولقد توجب لاحقاً، حين اتسع التعاطي الإعلامي مع تصريح بوتين، أن يتدخل أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني، فيعلن أنّ إيران لن تنسحب من سوريا رغم الضغوطات التي تتعرض لها، لأنها إنما تتواجد هناك بناء على طلب نظام الأسد؛ وهذا تفصيل صحيح تماماً، ولم يكن بوتين يشكك فيه أصلاً، كما أنّ دولة الاحتلال الإسرائيلي لم تعترض عليه منذ البدء. الفارق أنّ شمخاني أشار إلى ضغوطات أمريكية (على مَن؟ نظام الأسد، أم طهران؟)، وتفادى الإشارة، أو التلميح، إلى الضغوطات الأولى الفعلية، أي الروسية.

والحال أنّ تعبير «القوات الأجنبية» الذي استخدمه بوتين بالغ الإبهام في الأصل، إذْ أنّ منطوقه اللفظي ينبغي أن يشمل جميع الدول والميليشيات والجماعات والجبهات التي ليست سورية الجنسية؛ وهذا لا يقتصر على إيران وأذرعها المختلفة، ولا على تركيا والولايات المتحدة، ولا على الجهاديين من كلّ حدب وصوب، بل يشمل روسيا أيضاً. وفي المقابل، سوف تزعم كلّ مجموعة أجنبية (موالية للنظام أو متحالفة معه) أنها جاءت بناء على طلب النظام؛ وسيزعم الجهاديون أنهم، أيضاً، لبوا نداء الجهاد وتسابقوا إلى نصرة أهلهم على أرض الشام. فلماذا استشعرت إيران، على الفور، أنها المقصودة أولاً بتصريح بوتين؟ أو الأحرى التساؤل: هل كانت أية «قوة أجنبية» ستدرك انها المقصودة، قبل إيران أو أكثر منها؟

كلا، بالطبع، لأسباب بالغة الوضوح وذات صلة مباشرة بالواقع السياسي والعسكري على الأرض، بصفة عامة؛ لأنّ موسكو ترغب في الذهاب نحو مرحلة ما بعد «القضاء على الإرهاب»، كما تسميها، والتي تعني قطاف استثماراتها المتعددة التي كانت وراء مشروع التدخّل العسكري في سوريا، خريف 2015. وإلى جانب الثمار السياسية التي تكفل للكرملين حقّ التدخل والتسيير والهيمنة في مفاصل نظام الأسد الكبرى، ثمة ثمار اقتصادية محلية ذات صلة بإعادة التعمير المقبلة حيث العقود دسمة أو حتى فلكية؛ وثمة ثمار جيو ـ سياسية تتجاوز المحلي إلى الإقليمي والدولي، إذْ بات الاستثمار في الخراب السوري أعلى مردودية من أيّ استثمار روسي آخر على نطاق عالمي. إيران هنا، في النفوذ المحلي والاقتصاد والجيو ـ سياسة، ليست طرفاً مكمّلاً أو متكاملاً مع الاستثمار الروسي، بل هي طرف منازع ومنافس، أقرب إلى الخصم الشرس في نهاية المطاف.

إنها ليست تركيا، أو إدارة رجب طيب أردوغان تحديداً، في كلّ حال، لأنّ العلاقة التركية ـ الروسية يمكن أن تذهب إلى أقصى الشدّ والجذب (كما وقع خلال الأشهر التي أعقبت نجاح الطائرات الحربية التركية في إسقاط المقاتلة الروسية سوخوي ـ 24، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015)؛ لكي تعود إلى أقصى الوفاق والتوافق (كما في الاتفاق الروسي ـ التركي حول تل رفعت). ولا يقلّ أهمية في هذا الفارق، بين تركيا وإيران، أنّ تعاقدات موسكو مع أنقرة يمكن أن تحظى بغمزة رضا من واشنطن، وهذا عند موسكو مكسب لا بأس به في ظلّ شروط الالتحام الراهنة، من جهة؛ كما يمكن لتلك التعاقدات ذاتها أن تجبر طهران على الانخراط في شراكة من نوع ما، إلى درجة الموافقة على سحب أنصارها من تل رفعت مثلاً، وليس هذا بقليل أيضاً، من جهة ثانية.

بهذا المعنى فإنّ القوات التركية، التي تحتل مساحات باتت واسعة في الشمال السوري، ليست ضمن التصنيف «الأجنبي» الذي نطق به بوتين في سوتشي؛ إذْ لا يعقل أن يطالب الكرملين بإخراجها في شهر أيار (مايو)، ثمّ يوافق على إدخالها (عبر بوابة تل رفعت، مثلاً) في شهر حزيران (يونيو)، بل يساعد أيضاً في إخراج الوحدات الكردية والإيرانية منها. تُضاف إلى هذا حقيقة ذات أهمية خاصة، تتجاوز مسألة التنافس الإيراني ـ الروسي إلى مستقبل علاقات موسكو وأنقرة وطهران مع التشكيلات المسلحة التي أنشأها النظام في عموم سوريا، ولكن على امتداد خطوط التماس والاشتباك بين العواصم الثلاث في مناطق الشمال والساحل السوري. ما يرضي طهران هناك، لا يرضي أنقرة غالباً، ولعله لا يرضي قاعدة حميميم الروسية دائماً؛ فضلاً عن أنه لا يندرج جيداً ضمن التمهيد الروسي لسيرورة «انطلاق المرحلة النشطة من العملية السياسية»، حسب تعبير بوتين.

بين الأسباب الأكثر وضوحاً، أيضاً، وكذلك على نحو خاصّ وحساس وجوهري، أنّ الموقف الإسرائيلي من الوجود العسكري الإيراني على الأرض السورية قد انتقل إلى طور مختلف خلال الأشهر الأخيرة، الأمر الذي اقتضى إرساء قواعد اشتباك جديدة تضع طهران في خطّ الاستهداف الأول. في البدء كانت ستراتيجية دولة الاحتلال الإسرائيلي، وما تزال حتى الساعة في الواقع، تبدأ من خطّ أحمر ناظم هو اعتراض قوافل التسليح الإيرانية القادمة من سوريا إلى لبنان؛ إلى جانب ردع أيّ «انحراف»، مصدره إيران عبر «حزب الله مثلاً، عن الهدوء المستتب في هضبة الجولان المحتلة؛ وأخيراً، استئصال أي جهد يقوم به النظام السوري نحو بناء منشآت نووية (كما في قصف موقع الكبر قرب دير الزور في أيلول/ سبتمبر 2007، واغتيال العميد محمد سليمان المستشار الأمني الخاص للأسد في آب/ أغسطس 2008).

اليوم لا يقبل رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بأقلّ من سحب الوجود العسكري الإيراني في سوريا، على نحو كامل وشامل لا يستثني شبراً من مساحة سوريا؛ بدليل القصف الأخير الذي طال «هيئة الحشد الشعبي» العراقية في البوكمال، أقصى شرق سوريا، ويُعتقد أنّ الطيران الحربي الإسرائيلي كان وراءه. وليس في وسع طهران، وميليشياتها التابعة في سوريا، أن تنتهج موقفاً وسيطاً بين عدم الردّ على العمليات الإسرائيلية، وعدم الاستجابة إلى ترتيبات الأرض التي تتوافق فيها موسكو مع واشنطن تارة (درعا وجبهة الجنوب عموماً)، أو تركيا طوراً (تل رفعت). أو، على نحو أدقّ: ليس في وسع طهران انتهاج هذا الخيار طويلاً، لأنّ تسارع التطورات على الأرض لم يعد يسمح بالكثير من التكتيك؛ خاصة حين توضح موسكو، أكثر فأكثر ويوماً بعد آخر، أنها لن تقبل بإفساد استثماراتها بعيد المدى في سوريا جراء إصرار إيران على البقاء في سوريا ضمن صيغة مواجهة مفتوحة مع دولة الاحتلال الإسرائيلية.

ليس التنافس الإيراني ـ الروسي في سوريا خرافة، إذا صحّت قراءة السطور السابقة، بل هو أقرب إلى تحصيل حاصل تفرضه شروط يحدث أنها تتجاوز حسابات طهران، سورياً أوّلاً، ثمّ إقليمياً وعالمياً أيضاً.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

==========================

جوع السوريين ودستور دي ميستورا في جنيف

سميرة المسالمة 

الحياة

الجمعة 22/6/2018

ينظر السوريون- على جانبي الصراع- بسخرية غير مسبوقة إلى الآلية المتبعة حالياً في تشكيل اللجنة الدستورية، وإلى المعركة الإعلامية الدائرة في أروقة «النخبة» السياسية المختارة دولياً، مشككين بجدواها وكأنها واحدة من أسواق التجارة السياسية البينية بين النظام المتهاوي، وقيادات معارضته المعينة من قبل الدول الداعمة لها، وبينما تستعر الخلافات حول أحقية الجهات المدعوة لصياغة دستور خارج الأرض السورية «لدولة ذات سيادة»، يناقش المبعوث الأممي تشكيل هذه اللجنة مع الدول الضامنة لكل الأطراف على كثرتها كأوصياء على النظام والمعارضات (روسيا، إيران، تركيا) وغيرها من الدول، ويترجل خلال ذلك النظام عن تصريحاته السابقة في أنه غير معني بأي لجنة خارجية (تصريح الجعفري في مجلس الأمن 14شباط- فبراير 2018) أي أنه لن يشكل لجنة دستورية خارج مؤسساته الشرعية (مجلس الشعب)، معلناً خضوعه لإملاءات روسيا ويسلم قائمة الأسماء الممثلة عنه لدي ميستورا.

وعلى الجانب الآخر، كما هو سلوك كيانات المعارضة عبر السنوات السبع الماضية، في رفضها المتسرع لكل ما يقدم لها من خيارات، ثم إرغامها على القبول بها من قبل الجهات الداعمة لها، وآخرها رفض المشاركة في «سوتشي»، وما تمخض عنه، ثم القبول بنتائجه وفقاً لإملاءات تركيا التي تصرح أطراف في المعارضة: «أنها الجهة الوحيدة المخولة بتسمية ممثلي المعارضة في اللجنة الدستورية لصياغة دستور سورية»، ثم زيادة على ذلك عادت المعارضات، على تنوعها، لتتصارع على أسماء ممثليها إلى اللجنة الدستورية.

وفي الوقت الذي تأخذ أخبار المعارك الميدانية التي يخوضها النظام إلى جانب حليفتيه روسيا وإيران، وليس العكس، كل مساحات الإعلام، يقع سوريو الداخل والمهجرون واللاجئون في دول الجوار بين براثن الجوع والجهل والتجهيل، والحرب الطائفية الدخيلة بين طرفي التطرف الشيعي أتباع إيران، والسني «القاعدي» كـ «داعش» و «النصرة» والقريب منها، ما يجعل أحداث الساحة السياسية محصورة بين شريحة المنتفعين من الصراع المستمر على السلطة، سواء من النظام، الذي يعوم نفسه قتالياً وعسكرياً، على حساب تجويع شعبه الذي يرزح تحت حكمه وفي مناطق نفوذه، حيث تفيد الدراسات أن جميع الأسر السورية تقع تحت خط الفقر بما فيها أسر العاملين في الدولة بكل مراتبهم الوظيفية، (على رغم أن أحد علاجات الفقر عادة يكون بتأمين فرصة عمل) ويستثنى من هذه الأسر، فقط تجار الحروب والفوضى من السوريين القريبين من السلطة كما هي الحال دائماً، حيث يتقاضى موظفو أعلى مرتبة وظيفية ما قيمته أقل من 100 دولار في أحسن الحالات، في الوقت الذي حدد البنك العالمي مستوى خط الفقر بنحو (1.9) دولار يومياً بحسب مركز فيريل الألماني في دراسة نشرها في 2016، أي ما يتطلب دخلاً لا يقل عن 180 دولاراً للفرد الواحد، ليبقى على حافة حد الفقر وليس فوقه.

ولم تطرأ تعديلات تذكر بعد ذلك على الدخول التي تآكلت الزيادات الطارئة عليها، مع استمرار إصرار النظام على متابعة الحرب ضد الحاضنة الشعبية للثورة وليس للمعارضة، ما أدى إلى انهيار الليرة السورية وفقدان الاحتياط النقدي الذي كان يزيد على 20 بليون دولار عام 2011، أي أن سورية النظام اليوم تعوم على بحر من شعب لا يســـتطيع تأمين قوت يومه، في الوقت الذي تتزايد ثروات فئة من المقربين من النظام طاول نفوذها وهيمنتها الاقتصادية والســـياسية الدولة الجارة لبنان، وهو ما جعل سوق الفضائح التي تحدث عنها الزميل حسام عيتاني في مقاله يوم 18 حزيران (يونيو) الجاري «الفضيحة الناقصة» ينتعش، حيث تصدر خبر تجنيس أثرياء النظام الذين تحوم حول سجلاتهم القضائية شبهات قوية كأحد يوميات الفضائح المتداولة في لبنان حزب الله.

وبين «شعب النظام» الذي لا يستطيع تأمين حاجاته الأساسية من طعام وشراب، والفجوة الكبيرة التي يزيد النظام السوري منها عبر سياسة «دعم الفساد مقابل الولاء» في مناطق النظام، حيث تشهد الأسعار أعلى مستوياتها ليغدو تأمين حصة الغذاء اللازم للفرد ضمن قائمة أحلام (السوريين في الداخل) ما يجعل من بقائهم في منازلهم أسطورة حقيقية في الصبر والتحمل، وبين «شعب المعارضة» وفي حقيقة الأمر يمكن القول «شعب محسوبة عليه هذه المعارضة» التي تستثمر شقاءه ومعاناته، وهو لا يستطيع تأمين أي من مستلزمات الحياة اليومية، أي في حال أسوأ من حال واقع السوريين تحت حكم النظام بعشرات المرات، إضافة إلى فقدان فرص التعليم للأطفال الذين وصل عدد المتسربين من التعليم في مناطق المعارضة والبلدان المجاورة إلى 2.8 مليون طفل، وفقدان المياه النظيفة والأدوية الضرورية، ما يجعل الشك في حقيقة تمثيل كلا الطرفين للسوريين في اللجنة الدستورية، أو سواها من لجان التفاوض، مشروعاً بل مداناً لأنه جاء بناء على رغبة الأمم المتحدة التي ترى أن الحل بمصالحة المتورطين بالمقتلة السورية وليس بعقابهم وإبعادهم عن صياغة مستقبل سورية وشكله المقبل، بمعنى شرعنة القتل وصولاً إلى الشراكة في الحكم عبر قرارات أممية وفوقية.

ما تحتاجه سورية اليوم مع تزايد حشود جيش النظام وحلفائه لخوض معركتهم في درعا، وإيقاع مزيد من خسائر في البشر والحجر، ليستكمل دائرة الدمار التي طوقت سورية، من الجنوب والشمال والغرب والشرق، هو قرار أممي يعيد من جديد تموضع الأولويات في الحل السوري بإنهاء الحرب المفروضة على السوريين أولاً، وتأمين مستلزمات الحياة الآمنة لهم، لإعادة ترتيب أبجديات حياتهم مع بعضهم بعضاً، خلال مرحلة انتقالية تمكنهم من دراسة خيارات العقد الاجتماعي، الذي ينظم حياتهم مع بعضهم ومع الآخرين من دول وكيانات وقوى، أي أن اتفاق مندوبي الدول من الســـوريين لا يمكنه أن يمثل كامل إرادات الشـــعب السوري على اختلاف قومياتهم ومكوناتهم، حيث تبقى اللجنة الدستورية تمثل الدول التي ناقشها دي ميستورا يومي 18 و19 من هذا الشهر، وترسم سياسات هذه الدول تجاه السوريين ورغباتهم، على ورق دستوري بخطوط سورية مرتهنة، حتى عندما يكون بينها بعض من الموثوقين وطنياً في انتماءاتهم.

تقع سورية الدولة صريعة بين رغبات دول احتلالها (من إيران وروسيا وصولاً لتركيا وجيوش التحالف الدولي)، الذين لم تستثر مشاعرهم الدماء التي تراق، ولا مشاهد البؤس في مخيمات اللجوء، ولا حالة القهر على وجوه سوريين لا يستطيعون تأمين قوت أطفالهم، ولا المستقبل الغامض لملايين الأطفال المجهلين (بضم الميم) بفعل فاعل، ولا كل تلك المآسي التي يغرق فيها أكثر من مليون معوق نتيجة الحرب، في الوقت الذي تنادوا لاجتماعات في جنيف لاقتسام جسد سورية عبر وكلاء محليين.

فهل يبدد دستور الدول المجتمعة في جنيف جوع دمشق وريفها وكامل مدن سورية، تلك القابعة تحت حكم أمن النظام، أو أمن فصائل السلاح، ويعيدنا من جديد إلى سيرة الثورة السورية التي انطلقت تنادي بالحرية والديموقراطية في ظل السيادة وليس الاحتلال؟

* كاتبة سورية.

==========================

موقف الإخوان من وفاة الأسد وثورة الشعب - الحلقة (2) رؤية الإخوان لمستقبل سورية .. محمد فاروق الإمام

خلال أكثر من نصف قرن من ممارسة العمل العام داخل الوطن وخارجه، ومن خلال ما استجد على الأوضاع العالمية والعربية من تطورات وتغيّرات.. تفاعلت الجماعة مع معطيات الواقع، وروح العصر، فتطورت بالتالي وسائلها وطرائق حركتها، بما يلائم الواقع الجديد وينسجم معه، ذلك أن الجماعة، من خلال النخب العلمية والثقافية التي تقود حركتها.. وتمارس عملية نقد ذاتي بناء باستمرار، ثم تعمل في كل مرحلة على تسديد ما تراه محتاجاً إلى تصويب في أساليبها ووسائلها، ولعلّ من أهم ما يمكن أن يراجع في هذا الإطار: الموقف من الآخر داخلياً وخارجياً، فقد كان موقفها من الآخر منذ البداية منفتحاً وحوارياً، يعتمد فكرة قبول الآخر، والإنصات إليه، وقد تعززت – في المرحلة الحالية – هذه المفاهيم أكثر، لدى صناع القرار وبين كوادرها في كل مستوياتهم، فالحوار هو وسيلتها الأساسية لتحقيق أهدافها، وقد أكدت هذه الحقيقة أكثر من مرة على أرض الواقع، من خلال خوضها جولات المفاوضات مع النظام الحاكم.

 

موقف الجماعة مما أصابها في عهد حكم حزب البعث

الجماعة لا تتوقف عند الماضي، وتحتفظ بحقها في المطالبة بالإنصاف مما لحقها من ضيم وظلم، وبحق أبناء الوطن في الإنصاف مما أصابهم من حيف وضرر، نتيجة ممارسات النظام القمعية الاستبدادية.. وتعتقد أنه من واجبها وواجب الآخرين، التفكير في المستقبل وتجاوز الماضي وجراحاته، لأنها تريد الخروج من الأزمة الوطنية، وتضع المصلحة العليا للوطن والأمة فوق كل الاعتبارات!.

 

موقف الجماعة من الطائفية

حقائق الواقع والجغرافيا والتاريخ في سورية تقرر بما لا يقبل التأويل أو التزوير، بأنه توجد في الوطن السوري أغلبية كبيرة واحدة، إلى جانبها طوائف من الأقليات العرقية والدينية والمذهبية تحترمها الجماعة، وتحترم حقوقها الكاملة في المواطنة والحرية والمشاركة في بناء الوطن الواحد!.. فالوطن لكل أبنائه، ومؤسسات الوطن وأرضه وسماؤه ليست حكراً حتى على الأكثرية فالكل أمام القانون متساوون في الحقوق والواجبات.

 

رؤية الجماعة لحل الأزمة بينها وبين النظام

الأزمة في سورية ذات صبغة سياسية، وينبغي حلها ضمن هذا الإطار وهذا المفهوم، وإن الإصرار من قبل النظام الحاكم على الأسلوب الأمني في التعامل مع هذه المشكلة ذات الصبغة السياسية، والتمسك بوهم الاستقرار الأمني القائم على القمع والإرهاب، بديلاً عن الاستقرار السياسي الحقيقي، الذي يقوم على الانفتاح والتعددية والحرية والمشاركة الشعبية.. كل ذلك يُبقي الأزمة قائمة، بل يؤجج أوارها، وهذا يجعل الوطن هو الخاسر الأكبر، ويجعل عدوه المتربص به أكبر الرابحين!.

مطالب الجماعة

كانت الجماعة على الدوام لا تخرج في مطالبتها على إعادة الحقوق لأصحابها، وتمتعها مع أبناء شعبها بحقوق متساوية، كحق المواطنة، وحقوق الإنسان الأساسية التي كفلتها كل شرائع السماء وقوانين الأرض: (إنهاء حالة الطوارئ، وإلغاء الأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية، بما في ذلك القانون رقم"49" لعام 1980، الذي يحكم بالإعدام لمجرد الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، وإطلاق الحريات العامة والسياسية، والكف عن ملاحقة المواطنين واعتقالهم خارج إطار القانون والقضاء، ووقف الإجراءات التعسفية والقمعية، واحترام عقيدة الأمة، والسماح بحرية العمل الإسلامي والدعوة إليه، وقبول مبدأ التعددية الفكرية والسياسية، وتحقيق المساواة بين المواطنين، وإلغاء كل أشكال التمييز، وكل أشكال الاستبداد، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، والإعلان عن مصير المفقودين، وإعادة الحقوق المدنية والسياسية للمفرج عنهم، وإعادة الممتلكات المصادرة لأصحابها أو ورثتهم، وتقديم التعويضات المستحقة للمتضررين، وعودة المهجرين والمنفيين من غير البوابة الأمنية).

يتبع

==============================

العاملون مع الأميركان والعاملون مع الروس

رضوان السيد

الشرق الاوسط

الجمعة 22/6/2018

لا يختلف وضع العاملين مع الأميركان في سوريا، عن وضع العاملين مع الروس. فكلا الطرفين عرضة للتخلي عنه وتركه بأفواه الذئاب. لكنّ الأسد أفضل حالاً من الأكراد، باعتبار أنّ الروس لا يملكون بديلاً له في المدى المنظور. ثم إنّ وضع الإيرانيين أيضاً أفضل حالاً. فإيران دولة كبرى، وعندها أشياء أخرى تهم الروس غير ميليشياتها في سوريا ولبنان والعراق. وقد يعتبر بعض المراقبين أنّ وضع إيران مع روسيا أفضل حتى من وضع إسرائيل. فإسرائيل لا تخدم روسيا في شيء لا تستطيع أن تأخذه من إيران. لكن علينا أن نلاحظ أموراً أُخرى. ففي إسرائيل مليون وأكثر من اليهود ذوي الأصول الروسية، ولهم مصالح تجارية كبيرة تخدم الاقتصاد الروسي، بل وتقيم له علاقات خفية مع الولايات المتحدة. وهذا إلى الأسباب الاستراتيجية، وأن إسرائيل لا تريد شيئاً من سوريا ولا تنافس روسيا عليها. ولذلك ففي الوقت الذي تريد فيه إسرائيل إبعاد إيران عن حدودها، يريد الروس ألا يزعجوا الإيرانيين بهذا الطلب المباشر أو ذاك، فيكلّفون الإسرائيليين الذين يغتبطون بأداء خدمة للروس، ما داموا يقدمون خدماتٍ متوالية لإسرائيل بتركها تفعل في سوريا ما تشاء، ساعة بحجة الدفاع عن حدودها، وساعة بدون حجة.

ولنلاحظ أنّ الإيرانيين توقفوا عن الفخار بما يُزعم أنّ سليماني عمله مع بوتين عام 2015. فعندما تدخلت روسيا في سوريا، ظلَّ الإيرانيون يكررون لأسابيع أنّ الجنرال سليماني هو الذي أقنع بوتين بالتدخل بطيرانه، لأنّ في ذلك مصلحة له ولهم أو يسقط النظام السوري ويضيع الجميع! توقفوا عن الفخار لأنه لم تَعُدْ لهم اليد العليا على الأرض وليس في الجو فقط. ما كان أحدٌ يحسب عام 2015 أنّ الانتخابات الأميركية ستأتي بترمب إلى البيت الأبيض. ولذلك فقد ظنّ الإيرانيون أن مجيء كلينتون للرئاسة سيكون لصالحهم، في الوقت الذي كان فيه بوتين يفضّل مجيء ترمب (وإن لم يرجحه)، لما لقيه من الأميركان والأوروبيين في القرم وشرق أوكرانيا.

يحب الإيرانيون أن يبقوا في شمال شرقي سوريا، وعلى مقربة من الجولان. كما يحبون البقاء فيما بين القصير وحمص. في شمال شرقي سوريا يفتحون الطريق من العراق وإليه، وفيما بين القصير وحمص يكونون قريبين من تمركزاتهم في لبنان. ولذلك فقد ركّزوا قواعدهم في المنطقتين، لكنهم أزعجوا بذلك ليس الإسرائيليين فقط، بل والأميركان. إنما العامل المجهول حتى الآن، لماذا اقتنع الأميركان أنّ الانسحاب من شمال سوريا ومن قاعدة التنف غير مستحب؟ كان ترمب يريد الانسحاب بأسرع وقت وإنما ينتظر نهاية «داعش». والآن لم يعد هناك وجودٌ لـ«داعش» في مناطق سيطرة الأكراد. لكنّ الأميركان يقولون الآن: لن ننسحب لأنّ ذلك يفيد بشار الأسد، ويفتح الطريق إلى المتوسط لإيران. والأمر الثاني هو الأهمّ، لأنّ ترمب يزيد الآن الضغوط على طهران. والطريف أنّ في تصريحاته أو تويتاته أخيراً ما يشير إلى أنّ مشكلة النووي يمكن حلها مع إيران، إنما ينبغي التركيز على الصواريخ الباليستية، وعلى التدخلات الإيرانية بالمنطقة. ولأنّ النووي ملف مستقبلي، بالنسبة لإيران، وهي تراقب ما يحدث لكوريا الشمالية حيث اتفق الأميركان والروس والصينيون على نزع سِلاحها النووي أو تفكيك برنامجها لأسلحة الدمار الشامل؛ فإنّ الصواريخ الباليستية عندها وعند «حزب الله»، كما أنّ وجودها في سوريا ولبنان والعراق واليمن، كل ذلك أهمُّ لديها، كما أن أحداً لا يريد لها أن تمتلك القنبلة النووية.

إذن يعرف ترمب أنّ تدخلات إيران ومناطق نفوذها وصواريخها هي الأهمُّ الآن لها من العودة إلى النووي الذي يحتاج لسنتين وأكثر إن عاد التخصيب المرتفع. وهذا معناه أنّ الأميركان لا يصدقون الدعايات الإيرانية عن العودة للنووي، ويرون أنّ كسْرها لا يكون بإيقاف النووي، بل إيقاف الباليستي والتدخلات.

ثم إنّ مناطق شرق سوريا إذا كانت تهم أميركا لأسباب استراتيجية، فهي تُهم إسرائيل للسبب نفسه. فقواعد إيران في حمص والقصير، خطِرة أيضاً، بقدْر ما هو خطِر وصول ميليشيات إيران إلى الجنوب السوري والجولان. وذلك لأنها تقوّي «حزب الله» أكثر، وتجعل تهديده على المتوسط بالغ الثبات. وهكذا فهناك تطابق مصالح إسرائيلي - أميركي في سوريا. ولا يبعد أن يستطيع الطرفان جذب تركيا بالتدريج إلى شباكهم، وصفقة منبج هي دليلٌ على ذلك. ولن يضحوا بالأكراد الآن ما داموا موجودين. ويستطيعون القول لإردوغان: هؤلاء لم يعودوا على حدودك، وقد أردْتَ ألا يبقوا بغرب الفرات يهددون عفرين، فها نحن نسحبهم من أجلك من منبج! ألا ينزعج الروس من التقارب الممكن بين واشنطن وأنقرة؟ ينزعجون بالطبع، لكنّ التركي ينبغي أن يبقى قريباً له من أجل منافسة الإيراني أيضاً.

هذه هي القسمة في سوريا: تلاق أميركي - إسرائيلي - روسي - تركي لروسيا اليد العليا فيه، في الوقت الذي يبقى الإيرانيون ضمن الثالوث، لكنهم يقعون بين المطرقة والسندان! ووحدهم الإسرائيليون لا يتعرضون لأي ضغط، اللهم إلاّ إذا اعتبرنا منعهم من إنشاب حرب بالهجمة في سوريا ولبنان ضغطاً، وهذا أمرٌ غير مرجَّح.

لقد خدم مجيء ترمب بوتين في أوروبا. فالأميركي الجديد بعكس القديم لا يأبه لحلفائه القدامى، وقد عرض عليهم إرجاع روسيا إلى طاولة قمة الثماني فرفضوا، وتشاتم الرجل مع رئيس وزراء كندا من أجل حمائيته الجديدة، لكنه ظلَّ مصراً على دعوة بوتين إلى قمة الثمانية.

عندما كان الأميركيون بالعراق، كان الإيرانيون يقولون: سيحلُّون ويذهبون أو يخرجون، وسنأخذ العراق! وقد صدق ظنهم. لكنّ الأميركيين عادوا مع «داعش»، وهم الآن على الحدود بين العراق وسوريا، والطرفان يقولان لإيران أحدهما بصوتٍ عالٍ والآخر بصوتٍ منخفض: لا يمكنكم البقاء في سوريا، ولا حتى في لبنان. وكل مكان تكونون فيه سيجري خنقه ربما باستثناء العراق حتى الآن! لكنّ الأميركيين لن يخرجوا منه هذه المرة بحجة الحدود مع سوريا، وبحجة تدريب الجيش العراقي!

بالأمس انكشف أنّ الإيرانيين يدخلون إلى لبنان ويخرجون منه دون أن يرى أحدٌ جوازات سفرهم أو يختمها! لماذا؟ هكذا لأنّ الصداقة تقتضي الإخفاء، فمن له أصدقاء مثل إيران لا يحتاج لأعداء. كيف يقبل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الداخلية ذلك؟! لا أحد يعلم متى بدأ ذلك، ومتى ينتهي. قالوا إن القرار (السيادي هذا) اتخذه مدير الأمن العام لمصلحة ارتآها! فهل تكون المصلحة أن يدخل الإيرانيون وميليشياتهم، وتدخل أموالهم من طريق المطار إلى لبنان وإلى سوريا، دون أن يدري أحد، والأميركيون يساعدون الجيش اللبناني الذي لا علاقة له بالمطار ولا بالحدود مع سوريا! فهل ينكشف الإيرانيون في لبنان ومن ورائهم «حزب الله»، كما انكشفوا في سوريا؟ هذا رهنٌ بحرص المسؤولين اللبنانيين على بقاء وطنهم سيادة وسمعة واقتصاداً، وهو الأمر الذي لا يبدو أنهم حريصون عليه. ويا للعرب!

==========================

مونديال على مقاس بوتين

بشير البكر

العربي الجديد

الجمعة 22/6/2018

مرَّ الأسبوع الأول من المونديال بلا أي متعة أو إثارة، بل حفل بكثير من الكوارث والانتكاسات. وغير بعيد عن المفارقات الفنية التي طبعت الأسبوع الأول من هذا الحدث الكروي الذي ينتظره العالم بشغف كل أربع سنوات، يبدو أن المونديال أصابته ضربة نحس وسوء طالع، حين حضر مباراته الافتتاحية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وضيفه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي ذهب إلى موسكو لتشجيع فريق بلاده في مباراة الافتتاح مع فريق روسيا، وكانت النتيجة أن الفريق السعودي انهزم بخمسة أهداف، ولم يسجل أي هدفٍ في مرمى الخصم الروسي، وشكل ذلك حرجاً لبن سلمان، لم تنفع معه مواساة بوتين له بعد كل هدف، بل تحولت تلك المواساة المسرحية إلى مادة تندّرٍ جرى تداول الفيديو الخاص بها على وسائل التواصل.

جاءت الجلسة الافتتاحية وفق هوى بوتين الذي كان ينتظر بن سلمان، من أجل عقد لقاء ثنائي يتعلق برفع إنتاج النفط، على الرغم من أن هذا القرار سوف ينعكس سلباً على الأسعار التي تحسنت منذ حوالي عام، وهذا أمر توقفت عنده وسائل الإعلام العالمية باعتباره مؤشراً مهماً إلى أن بوتين يريد تحقيق أغراض سياسية من المونديال، تبدأ بتلميع صورته في وقتٍ يمارس جيشه القتل في سورية، ويحمي نظاماً من مجرمي الحرب، ويحتل أراضي في أوكرانيا، ويقوم بتصفية الصحافيين والمعارضة في بلاده، لكن الأمر لا يقف هنا، بل يذهب إلى أسلوب تنظيم الحدث، واستثماره سياسياً، ويظهر ذلك في كل التفاصيل التي لاحظها الصحافيون الأجانب الذين كتبوا تحقيقات ميدانية، ومنهم صحافيون في صحيفة لوموند الفرنسية، ذهبوا حتى غروزني من أجل معاينة موقع الرياضة في هذه المدينة التي دمرها الروس، وباتوا يحكمونها الآن بالحديد والنار، عن طريق أتباع بوتين المحليين. وسلطت "لوموند" الضوء على احتفال رئيس الشيشان، رمضان قديروف، باللاعب المصري محمد صلاح. ونقلت شهادات عن بعض الأهالي عن حياة الرعب التي يعيشونها، وكيف أنهم جرى سوقهم بالقوة من أجل مواكبة المونديال، وتحدثوا عن عمليات ترهيبٍ لم يشهدوها أيام حكم أجهزة "كي جي بي" في زمن الاتحاد السوفياتي السابق. وهناك من كشف عن اختيار جماهير خاصة لحضور المباريات، تحت إشراف أجهزة الأمن الروسية، وظهر هذا جلياً في الملعب خلال مباراة روسيا ومصر.

لم يغير المونديال شيئاً من سلوك روسيا في مجال حقوق الإنسان، ورعايتها أنظمةً تقتل شعوبها. وفي المقابل، تبين أن كل ما صرفته من أموال على البنية التحتية لم يأت بنتيجةٍ على صعيد تبييض سجلها الأسود، وتحسين سمعتها في نظر الرأي العام والإعلام العالمي، واختفت عن هذا الحدث كل مظاهر الاحتفال الكوني، والمتعة التي عاشها العالم في الدورات السابقة، وخصوصاً مونديال عام 2014 الذي جرى في البرازيل، وكان أكثر إمتاعاً وأصالة، ويمكن القول إن حصيلة الأسبوع الأول من المونديال سجلت فشل رهان بوتين على هذا الحدث، فلم يتمكن الروس من إشاعة أجواء مونديالية، تغطي على الفظائع التي يمارسونها، سواء تعاطي المنشطات، وإرسال مجموعاتٍ من الزعران، للتخريب في جميع المناسبات الرياضية الدولية، أو ممارسة القتل في سورية، وكما شكل هذا الموضوع مثار اهتمام للسوريين على وسائل التواصل، كان شاغل عديد من وسائل الإعلام العالمية التي تابعته باهتمام شديد.

في مونديال البرازيل، لم تكن هناك أهداف غير المتعة، وعاش العالم بعيداً عن استثمار الكرة سياسياً. وبالتالي جرى الاحتفال كطقس برازيلي، يعبر عن البساطة والتلقائية والتنوع والاحتفاء بالحرية والرقص والموسيقى، وكل العادات التي تميز هذا الشعب المسالم، في حين أن شبح بوتين، الرئيس المافيوزي، يحوم في كل مكان، طقساً من طقوس مونديال هذا العام

==========================

السياسات الدولية ما قبل التسوية النهائية في سورية

عمار ديوب

العربي الجديد

الجمعة 22/6/2018

انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، ثم أصدرت، عبر وزير خارجيتها، مايك بومبيو، تحذيرات شملت 12 قضية، ولو نفّذتها إيران لعادت إلى إيران الطبيعية، ولتمت تصفية كل ما يخص النووي والباليستي والسيطرة الإقليمية. تريد أميركا إخراج إيران من سورية وكل المنطقة العربية، وهذا مهم للعرب. مشكلتنا هنا في غياب أي مشروع قومي أو وطني عربي.

إسرائيل وإيران

إسرائيل التي لم تتوقف يوماً عن التنديد بإيران وبسياساتها في المنطقة، وإزاء إسرائيل ذاتها، استفادت من سياسة أميركا الجديدة، وبدأت تضاعف من قصفها الجوي أية قواعد عسكرية إيرانية في سورية، وكذلك أي شحن أسلحة إلى حزب الله. تغطّي إسرائيل هذه نفسها عبر تنسيقها التام مع الروس، من أجل القيام بذلك، وقد أخذت ضوءاً أخضر منهم أخيرا. إيران التي ندّدت أكثر من مرة بالروس، لعدم معاقبتهم إسرائيل، أو لمنعها من القصف في سورية، صمتت أخيراً؛ فهي تحتاج إلى روسيا في معركتها ضد السياسات الأميركية، وهناك من ينشر تقارير تفيد بحدوث لقاءاتٍ بين حكوميين إيرانيين وإسرائيليين، بغرض توضيح سياسة إيران في سورية، وأنها لا تستهدف إسرائيل، بل الحفاظ على النظام السوري، والذي ليس عدواً لإسرائيل أيضاً. أي أن إيران تناور بذكاء، بعد أن بدأ الخناق يحاصرها دولياً وإقليمياً. وهذا لن يفيد، فإسرائيل لم تعد تقبل سياسات الاستسلام السرية!

الضغط الإسرائيلي والقصف المستمر، سيُضعف النظام في سورية بالتأكيد، والذي سيكون مع

"تريد أميركا إخراج إيران من سورية وكل المنطقة العربية، وهذا مهم للعرب" انحسار الوجود الإيراني مدعوماً من روسيا فقط؛ فإيران بدأت فعلياً بتقليص قواتها في سورية، وتفيد التقارير بانسحاب كثير من قواتها من درعا والقنيطرة، وربما ستشمل الانسحابات كل سورية. يدعم الفكرة هذه أن الروس لم يستثنوا القوات الإيرانية، حينما أوضحوا رؤيتهم بخصوص تلك القوات، وأنها تشمل الإيرانية والأميركية والتركية. ويتلاقى المنطق الروسي هذا مع السياستين، الأميركية والإسرائيلية، في طرد إيران من سورية، وربما من كل الدول العربية.

أوضحت روسيا أيضاً أنها لن تعيد درعا إلى سلطة النظام، فهناك اتفاق مع أميركا يضمن خفض التصعيد. وتتضمن هذه الخطوة عدة نقاط، أولاً هي ورقة سياسة روسية تقدمها لأميركا بأن حصتها مضمونة في كل سورية، وقبالة ذلك هناك تقارير تفيد باحتمال فكفكة قاعدة التنف وإعطائها للروس، وأيضاً ضمان بقاء الأسد في رأس السلطة إلى العام2021، وربما يتم فتح معبر نصيب، وإبقاء قوات المعارضة بكامل سلاحها في مناطقها. النتيجة هنا، أن روسيا وأميركا تُدوّران الزوايا، وإيران وحدها المتضرّر من ذلك كله.

أوروبا ستنحاز لأميركا

أطلقت إيران التي تجد نفسها محاصرة، على لسان مرشد نظامها، سبعة شروط للبقاء في الاتفاق النووي، وكانت بمثابة تهديدات لأوروبا لكي ترفض السياسة الأميركية، وإبقاء السوق الأوروبية مفتوحة أمام النفط الإيراني وإبقاء العلاقات الاقتصادية. لهجة التهديد والوعيد لن تسمح بعلاقات مستمرة مع أوروبا؛ فالأخيرة أُعطيت مهلة تسعين يوماً لإنهاء استثماراتها في إيران، ولتقديم اتفاق نووي بديل، وبعدها ستفرض أميركا عقوبات على أوروبا ذاتها، إذا لم يتحقق مطلبها. طبعاً لا يقارن حجم الاستثمارات بين كل من أوروبا وأميركا بالسوق الإيرانية، وبالتالي لا يمكن لأوروبا مقارنة السوق الإيرانية بالأميركية. إيران التي اعتمدت الطائفية، وتشكيل مليشيات مسلحة، استفادت سابقاً من السياسة الأميركية بالانكفاء، وتمدّدت إقليمياً، لكنها الآن تجد نفسها وجها لوجه مع أميركا وإسرائيل، وترى أن سياسة التوافق بينهما وضد العرب تكاد تنتهي. إذاً لم يعد أمام إيران إلا سياسة التفجيرات وخلخلة الأمن بشكل واسع، والتسبب بمشكلة إرهاب كبيرة؛ ربما هذه فرصتها الأخيرة. وما يقلص أهمية ذلك التشدّد الأميركي والمراقبة الدقيقة وتقلص وجود تنظيمي داعش والقاعدة، والرغبة الروسية في الوصول إلى حلٍّ في سورية، أي أنها تريد إنهاء الحرب، وليس السماح بسياسة التفجيرات، والمناورة مع الأميركان؛ فالولايات المتحدة واسرائيل تعطيان روسيا الفرصة الأكبر في احتلال سورية، وهي ستفعل ذلك، وتضمن مصلحتهما.

لا يؤكد الخطاب الأميركي أهمية سورية، ولكنه يستخدمها ضمن إطار المفاوضات مع الروس، لرسم مناطق نفوذ عالمية ومحاصرة الصين. لا يرى الأميركان سورية مفيدة لهم، ولهذا يؤكدون دور كل من روسيا لفرض احتلالها ودور الاتحاد الأوروبي والخليج لاحقاً في إعادة الإعمار، والتأكيد على الانسحاب لاحقا. هذا ما يدفع الروس إلى أخذ تحفظات الأميركان بالاعتبار، والتقيد بها.

السياسة التركية

تقوم الاستراتيجية التركية في سورية على تمكين الإسلاميين والحوار مع السلطة، لجعلهم جزءاً منها، ولاحقاً وضعهم على رأس المعارضة، وكذلك مساندتهم في السيطرة على الفصائل 

"تؤكد إسرائيل أنها لن تسمح بوجود إيران، ليس في محيط الجولان، بل وفي كل سورية" العسكرية؛ والآن هم من يتصدّر جرابلس وعفرين والباب، وسيكون الأمر عينه في كلٍّ من منبج وإدلب، وطبعاً سيكون لهم حصة في أي تسوية سياسية. تعتمد على إسلاميين خاضعين، وهم لا يخرجون عن طوعها. كانت سياستها العامة هكذا، لكنها أصبحت مسائل متفقا عليها مع الروس بالتحديد؛ فروسيا "المحتلة" تعطي تركيا تلك المناطق، وتُهجّر إليها الفصائل، لتستخدمها تركيا في استراتيجية الثانية، والقائمة على منع أي مشروع كردي على حدودها. هذا ما لم تتنازل عنه تركيا مع الروس أو الأميركان. الخلافات الطويلة بين الدولتين (أميركا وتركيا) بخصوص الموقف من حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، لم تمنع من استمرار العلاقات بينهما والتنسيق بخصوص سورية، وقد شهد الأكراد "خيانتين" لهم، عبر التخلي عن عفرين، والآن عن منبج، وربما ستكون المرحلة الثالثة، تسليم الرقة وبلداتها لأهلها من العرب. تحقق تركيا استراتيجيتها تارة بالعلاقة مع الروس وتارة مع الأميركان. تمر علاقتها مع إيران بخصوص سورية عبر مصالحها معهما، وعلى كل حال، ستكون مصالح تركيا مضمونة في أية تسوية بخصوص سورية، وتتم سيطرتها على الشمال السوري بالتوافق مع الدولتين المذكورتين.

تؤكد إسرائيل أنها لن تسمح بوجود إيران، ليس في محيط الجولان، بل وفي كل سورية. الأمر نفسه يخص الأميركان. سيكون الروس والأتراك سعداء بالتخلص من إيران في سورية؛ فإيران تنافس الدولتين فيها، وتعتقد أنها من أنقذ النظام من سقوطه، مشكلتها الأكبر أنها دعمت النظام بمليارات الدولارات، وعَادت شعبها وعاداها، بسبب ذلك، وتكرّر الاحتجاجات الشعبية فيها أن شعب إيران جائع، بسبب دعمها النظام السوري، وبالتالي سيكون الانسحاب من سورية بمثابة كارثة، وسبباً إضافياً للتمرد، ولهذا ستناور طويلاً للحصول على عائدات مالية مجزية للانسحاب المطلوب.

سياسة الخليج المتضاربة

سياسات الخليج متضاربة إزاء سورية بسبب الخلاف الخليجي، وإذا كانت قطر معنية بسورية بعد مرحلة الاستقرار، وبسياق الدول التي ستدعم الإعمار، فإن بقية دول الخليج تحاول الدخول إلى الرقة من زاوية الأميركان لإزعاج تركيا وقطر، وهذا لن يحقق لهم شيئاً، فمناطق شرق 

"سياسات الخليج متضاربة إزاء سورية بسبب الخلاف الخليجي" سورية لن تبدأ فيها عملية إعادة الإعمار من أميركا إلا بالتنسيق مع الروس، وبعد الانتهاء من الحرب كلية والبدء بالتسوية، أي أنهم يعزّزون الانشقاق الخليجي، بدلاً من التوافق مع قطر، ورسم استراتيجية خليجية لكل القضايا الحساسة في المنطقة، كالموقف مما يحدث في العراق واليمن وسورية وإيران وإسرائيل.

أخيرا سُلّمت منبج للأتراك، وظلت درعا ضمن اتفاقية خفض التصعيد، وتراجعت إيران وحلفاؤها عن محيط الجولان والحدود مع درعا، وتقدمت تركيا باتجاه جسر الشغور، ووضعت نقاطاً جديدة لبسط سيطرتها، ولم تتراجع الولايات المتحدة عن المناطق التي في حوزتها باستثناء منبج، وقد تعطي الرقة ومحيطها إلى أهلها. المهم في ذلك كله أن هنا مناطق النفوذ تُرسم، ويتم إيقاف الحرب بينهما، وهذا يتم بتدخل أميركي مباشر، كما تمّ بين العرب والكرد في الرقة أخيرا، وكذلك من الروس لفرض نفوذهم في المنطقة الجنوبية من دمشق. ويضبط الأتراك بدورهم الفصائل الموجودة في مناطقهم، وسيكون لها الدور الأساسي في تصفية بقايا جبهة النصرة و"القاعدة" والجهاديين في إدلب، وفرض سيطرتها عليها. وتؤكد التوافقات السياسية بخصوص سورية الخطة الروسية، فهناك اجتماعات ستعقد برئاسة المبعوث الأممي، استيفان دي ميستورا وتخص اللجنة الدستورية، والتي ستناقش قضية أيّ دستورٍ سيكون لسورية مستقبلاً، وهناك قضية الانتخابات، وربما ستطرح قضية المعتقلين، وإنْ ستكون من الأوراق الأخيرة في النقاش بشأن سورية؛ حيث ستكون ضمن أوراق التسوية النهائية والتصفية النهائية لكل من سيرفض التسوية، والتي ستكون باتفاق أميركي روسي، وهو ما سيعطيها شرعية وغطاءً.

الدول ترسم السياسات

السياسات الدولية أعلاه تَرسم سياسة النظام والمعارضة والفصائل. إنها تضغط عليهم للخضوع الكامل، وهذا تمّ عبر سنوات الحرب، ولاحقاً سيتصاعد، فليس من المسموح به إشعال حروب مستقلة ووطنية، أو لصالح دول إقليمية مستقبلاً! ولهذا، نجد أن الروس يستدعون رأس النظام إلى سوتشي، ويتابع الأتراك تنسيق علاقاتهم مع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة 

"تحقق تركيا استراتيجيتها تارة بالعلاقة مع الروس وتارة مع الأميركان. تمر علاقتها مع إيران بخصوص سورية عبر مصالحها معهما" السورية والإخوان المسلمين وضبط تحركات الفصائل وخلافاتها في مناطق سيطرتها والتنسيق فيما بينهم من أجل تعلّم السياسة والإدارة وشن الحروب بالتنسيق الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مثلا. ستكون الحروب المستقبلية خاضعة بالكامل لسياسات الدول المسيطرة على سورية، سواء التي سيقوم بها النظام أو الفصائل. إشكالية السوريين تكمن في غياب مشروع وطني، أو توافقات سورية سورية، تسمح لهم برفض السياسات الدولية. تتعلق مشكلتنا الأساسية بالنظام الذي يرفض كل توافق سوري سوري، وبالتالي ستحقق السياسات الدولية في سورية ما تريد بالضبط وعبر الاحتلال! وهذا سيتحقق بسبب غياب المشروع الوطني، وغيابه قضية متعلقة بما جرى من دمار وقتل وتهجير ورسم نفوذ؛ وبالتالي كانت نتيجة ذلك كله تعقد الشروط الموضوعية المانعة لوجوده. ليس النظام، كما سبقت الإشارة، معنياً إلا بأوهام أنه انتصر، ومنها أنه لن يُضحى فيه ولن تتم محاكمته، وهذا سيتم لاحقاً وضمن خطة روسية أميركية، ومن أجل تأمين الاستقرار. والمعارضة التي أصبحت معارضات، وتابعة، وتتحكم بأغلبيتها قوىً سياسية انتهازية وتابعة، أو شخصيات ضعيفة التأثير. وسورية هذه لا تسمح بتشكيل مشروع وطني، على الرغم من ضرورة ذلك، للتخفيف من شدة التدخل الخارجي، والذي أصبح بمثابة احتلال كامل، فهو جيوش على الأرض، ومليشيات محلية تابعة بشكل كامل له، وستعمل على إعادة الإعمار، أي النهب لاحقاً. ويتم ذلك بالتنسيق بين تلك الدول، وبشكل رئيسي بين كل من روسيا وأميركا وتركيا وإسرائيل.

أسئلة للسوريين

هل سيتمكن السوريون من إنشاء دولتهم المستقلة مستقبلاً؟ ما جاء أعلاه ينفي ذلك، ويؤكد أن سورية ستكون محتلة. .. هل ستندلع حرب وطنية ضد الاحتلالات؟ أيضاً هذا يتطلب مشتركات سورية سورية، وهي لم تظهر بعد، وهناك انقسامات طائفية وقومية ومناطقية وعشائرية، أي ليس هناك مشروع وطني جامع بعد. سورية هذه تتطلب زمناً إضافياً، لترى بأم العين نتائج الاحتلالات، ولتتخلص من أوهام أن النظام يدافع عن كتلةٍ من الشعب، والمعارضة والفصائل، ومنهم الكردية تدافع عن كتلة أخرى. حينما تبدأ مؤشرات الفهم الدقيق لدور النظام والفصائل، وأنّها مجرد أدوات محلية لتمكين الاحتلالات، ولفائدتها الفئوية، وتحديداً قياداتها، حينها فقط سيكون هناك إمكانية أوليّة لتشكيل مشروع وطني.

نعم، الآن تهيئ السياسات الدولية الأرض السورية للاحتلالات، وتصفية أية محاولات لرفض ذلك.

تتطلب سورية مشروعاً وطنياً، يتبنى إنشاء دولة للجميع، دولة لا تمثل الطوائف، ولا الدول الخارجية، وتمثل فقط مصلحة كل السوريين، بكل قومياتهم وطوائفهم وقبائلهم. ولكن وفق مبدأ المواطنة وحقوق الإنسان، وباعتبارهم شعباً واحداً، وفيه خصوصيات قومية.

==========================

موقفنا : عشر سنوات صامدون في مواجهة محور الشر العالمي المتعاضد وحسبكم أيها السوريون الأحرار بطولة وعزا ومجدا .. زهير سالم

28 / 6 / 2018

مركز الشرق العربي

أيها السوريون الأحرار الأبرار ..

أيها المجاهدون القابضون على جمر الثبات

أيها المناضلون في وجه عُرام الشر واستطارة البغي والعدوان ..

لقد أديتم ووفيتم وكفيتم وأسقطتم أعداءكم طبقا بعد طبق بعد طبق بعد طبق.. إلى سبع طبقات ، فحسبكم نصرا وكفاكم فخرا ، وعزا ونبلا وشرفا ومجدا ..شرف والله يحق لأحفاد الفاتحين على أرض الشام أن يطاولوا به السحاب ، وأن يفخروا على مدى التاريخ بما صبروا وبما أنجزوا وبما حققوا من نصر وبما كشفوا من سوءات ..!!

أيها السوريون الأحرار الأبرار ..

يا أبناء الشام المبارك الأجلاء العظماء ..

أيها المنطوون على جراحكم ، الممسكون بميثاق وجودكم كرامة وحرية وإباء ..

لم يكن منتظرا ، ولا مطلوبا ، من شعب أسير مستضعف ، خرج مطالبا بحريته وكرامته وحقه الأولي في الشمس والهواء أن ينتصر على أكثر من الطاغية الرعديد الجبان ..فانتصرتم أيها الأبطال الأجلة ، ولكم كل التجلة ، على الطاغية ، ثم على من آزره من عصابات الإقليم من لبنان والعراق وإيران وأفغانستان وباكستان ، ثم بعدُ على الدولة الإقليمية العظمي التي قادت ومولت العصابات ، ثم واجهتم الدولة الأعظم في العالم إحداهما تدخلت ضدكم جهارا نهارا..وأخرى عملكم ضدكم من وراء ستار ، كما واجهتم تحالفا دوليا عمل ضدكم مباشرة في ساح ومكّن منكم عدوكم في ساح ، وحرمكم من سلاح تدافعون به عن أنفسكم في سالح ثالث ..

أيها الأماجد الكرام الأعزة ..

أي مجد وأي بطولات سيسجلها التاريخ حين سيكتب عن صمود أهل حمص وأهل القلمون وأهل مضايا وأهل الزبداني وأبناء الأحياء الشرقية من حلب ورجال الغوطة أو رجال حوران وهم يصاولون دولا منها الاتحاد الروسي بكل عنفوانه وخيلائه ، ومنها جمهورية الشر في طهران ومن وراءهم أشرار وأشرار ..

إن مجرد قبول التحدي ، والدخول إلى الميدان ؛ لبطولة ما بعدها بطولة، بطولة تسجل لكم وفي سفركم أيها الأبطال الأحرار . وإنه لخزي ما بعده خزي ، وعار ما بعده ع؛ ار سيظل يجلل على مدى التاريخ الروسي بوتين والولي الفقيه علي خمنئي وملاليه والمتواطئين معهم والصامتين على جرائمهم ، والمصرين على منعكم أيها الأبطال الأماجد من حقكم في سلاح تدفعون به عن أنفسكم وعن أعراضكم وعن أطفالكم وعن دياركم ..

فإن يكن لبوتين وجيشه وللولي الفقيه وميليشياته نصر كما يزعمون فليهنأ بوتين والولي الفقيه وبشار الأسد بالنصر على أطفال في المدارس ، وخدج في المستشفيات ، وركع في المساجد ، وعزلٍ حرمهم محور الشر العالمي من حقهم في قطعة سلاح يدافعون به عن حق وعن عرض وعن أرض ..

أيها السوريون الأبطال الأماجد الأحرار ..

لا تصدقوا ما يقال عنكم وفيكم ، فقد والله كفيتم ووفيتم وما قصرتم ، وقدمتم من التضحيات ومن الشهداء ومن المشردين ما لم يقدم شعب من أجل حريته وكرامته منذ قرون ..

ولا يؤثرنّ فيكم كلام المشككين ول حديث المثبطين ولا المتخاذلين ، وإن كان نصر في هذه الثورة المباركة الميمونة فإن نصركم هو الأكبر ، وهو الأبقى ، وهو الذي سيصنع في هذا التاريخ لكم ولشعبكم ولوطنكم ذكرا خالدا لا تنساه الأيام ..

أيها السوريون الأماجد الأحرار

* لقد عريتم ببطولاتكم وبثباتكم الطاغية المجرم العميل وفصيله ، وفضحتم فيمن فضحتم في سياق تعريته الكثير من النظريات الدعيّات ، والنظريات الدعيّة ، والأشخاص الأدعياء ..

* لقد فضحتم أبناء الأفاعي الملتفين حول أعناق شعوبنا وأمتنا ، النافثين السم في أفواهنا ، على كل الجغرافيا العربية فعرفنا حقيقة هؤلاء المتفقيهين والمتفيهقين ، عمائم وقلانس سوء بيض وسود ، ومتشدقين بالديموقراطية والقومية والعلمانية المغتصبة في مضاجعم . قوميون يركعون على عتبات الفارسي ، وعلمانيون يسجدون عند أقدام الولي الفقيه . ..

* ولقد أسقطتم بدماءكم الطاهرة الذكية – يا أبطال الشام وأحرارها – دعاوى المشروع الصفوي الشعوبي بأبعاده المذهبية والقومية والاقتصادية والتآمرية ..فما عاد يروج خطابه ودهانه إلا على من في عقله خلل أو من في قلبه مرض ..

* وعرّت ثورتكم العظيمة المباركة - في نصرها العظيم أيها الثوار الأحرار - أبالسة الأرض ، وشياطين الإنس ، وفسرت معنى أن يرتد الإنسان إلى أسفل سافلين .. ففضحتم قادة وزعماء وكهنة ورجال فكر ..كلهم كشفهم دم أطفال سورية فكشف فيما كشف عن قبح وقيح وكراهية وبغضاء وسوءة وخبال ..

* وأجبرتم أ- يها الأبطال الأحرار- من شرعوا ما سموه ( القانون الدولي ) أن يدوسوه في معركة البغي عليكم ، أو خذلانكم مثنى وثلاث ورباع وتساع وعشار ..فأين قانونهم الدولي في حماية المدنيين في الحروب والأزمات ؟ وأين قانونهم الدولي في تقنين استعمال السلاح ؟ وأين قانونهم الدولي الذي شرعوه خصيصا للمقاتلين الأجانب وهم يتحالفون مع القادمين من أفغانستان أو من جبال قنديل على السواء ؟

أيها السوريون الأحرار الأبطال ..

* وسودتم بمداد وثائق حقوق الإنسان وجوه كاتبيها وحامليها والمدافعين المزورين عنها وهم لا يزالون المناورين في إدانة الجريمة ، المترددين في الحديث عنها..إن المجتمع الدولي بكل هيئاته ، الصامت على ما وثقه الطبيب السوري الذي أطلقوا عليه (سيزر) والمتشاغل بخروقات فردية – مدانة – يرتكبها أفراد ، لمجتمع جدير بالازدراء . ويبقى أن نذكر ترامب وبوتين وشركاهم حول العالم أن في زنازين عميلهم لا تواجد داعش ولا نصرة ليست ثمة هناك إلا هم وهو والضحايا من المستضعفين الأبرياء ..

أيها السوريون الأبطال الأحرار

* لقد أسقطتموهم وفضحتموهم طبقا عن طبق عن طبق ، وكم من طبق يحتاج الحديث فيه إلى تفصيل بعد ، وكم من طبق لم يتسع المقام إلى الإلمام به أصلا وكل ذلك كان من معالم نصرنا ومجدنا وعزنا في قابل أيامنا ..

* أيها السوريون الأحرار الأبرار القابضون على جمر التضحيات ..

ولا بد للأحرار الكرام من مراجعات هادئة موضوعية علمية عقلانية تعيدنا من دائرة المقاربة إلى دائرة السداد ، لابد من مراجعات في طبيعة الشعارات ، وفي فرز القوى ، وفي إقرار الاستراتيجيات ..

أيها السوريون الأحرار

وأول المراجعات أن ندرك أن الاسترسال في طريق يدفع فيه الأعداء ، على طريق جنيف وأستانة وسوتشي ومهزلة الدستور هو اشتراك عملي في نسج حبل المشنقة لشنق الذات . ولكل معاذيره وما أكثر التعلات .

أيها السوريون الأحرار :

 الحقيقة الأهم التي نريد أن لا تغيب عن عقولنا وقلوبنا هي : إن معادلة نصرنا ليست مستحيلة . ومع كل هؤلاء الأشرار المتحدين على شعب حر أعزل مستضعف نعيد ونؤكد : إن معادلة نصرنا ليست مستحيلة . ولا هي معقدة بعيدة ، بل هي بسيطة قريبة ..

وتفصيلها قريب إن شاء الله .

أيها السوريون الأحرار الأبرار :

إن تمام نصركم ، إن صبرتم واتقيتم وأحسنتم ، لقريب قريب فاصبروا ما صبركم إلا بالله عليه توكلوا وإليه أنيبوا ، وإن رحمة الله قريب من المحسنين :

(( عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ))

________________

*مدير مركز الشرق العربي

============================

رفعت أسد سابق في الجريمة ، اتُّهم في فرنسا بالاحتيال !؟ وهذه أخف تهمة ، وأبسط قضية !؟ .. يحيى حاج يحيى

أما الشعب السوري فيدينه ( ولا يتهمه ) بالقتل الجماعي عن سابق قصد وإصرار ( كما في مذبحة سجن تدمر ومجزرة حماة الكبرى ) وبالخطف والاغتصاب ( ولا تسمح الظروف بذكر الأسماء !؟ وبالتزوير العلمي ( وقد اكتسب لقب دكتور برسالة كتبها له أحدهم ، وقُدمت إلى إحدى جامعات دولة في الكتلة الشرقية !؟ والتزوير العسكري ( فهو برتبة رقيب قبل انقلاب آذار ١٩٦٣ وسرقة البعث لسورية ) وبالنهب العام لأموال الدولة ، وشراء الذمم والولاءات بتوزيع الأراضي على أزلامه في دمشق لإقامة مستعمرات احتلال داخلي تخنق العاصمة !) وبالإرهاب وتشكيل عصابات للقتل ( كما في فتيان علي التي عاثت في دماء السوريين ، واغتيالاتها في انتفاضة الثمانين(  كما فعلت في حلب وكان من ضحاياها المحامي أمين إدلبي والد الشهيد أسامة ، والأستاذ عبد القادر الخطيب والد الشهيد ياسر ، وفي اللاذقية بخطف الدكتور الشيخ ممدوح جولحة والأستاذ الداعية عبد الستار عيروط ، وتعذيبهما وقتلهما والتمثيل بجثتيهما ، وإلقائهما في صنوبر جبلة !؟)

 وتشكيل عصابات في لبنان كعصابة المدعو علي عيد في طرابلس لبنان !؟

 وسرقة أموال الشعب وتحويلها إلى البنوك الأجنبية واستثمارها في العقارات والفنادق والحانات في فرنسا وإسبانيا وغيرهما !؟

إذا كانت فرنسا جادةً في اتهامها ، فإن آلاف الوثائق والشهود في انتظار  صحوة ضمير المجتمع الدولي ، لملاحقة ومحاكمة أكبر إرهابي ، وأعتى مجرم في القرن العشرين !؟

==============================

الانتصار المستحيل

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 23/6/2018

هب أن النظام الأسدي انتصر على الثورة، وأن الشعب السوري رفع ذراعيه في الهواء، واستسلم له فردا فردا داخل سورية وخارجها، وأن المقاتلين ألقوا سلاحهم، وانخرطوا في جيشه العربي السوري الذي أثبت، خلال نصف قرن، أنه ليس جيشا وليس عربيا وليس سوريا، وأن المتظاهرين نزلوا بالملايين إلى الشارع، ليهتفوا لبشار الأسد، ويبايعوه قائدا إلى الأبد، وأن العالم اعترف من جديد بنظامه وشرعيته، هل سيعني هذا أنه انتصر؟. هل يمكن لأقلية حاكمة فاسدة وعنيفة أن تنتصر على أغلبية وطنية ترفضها؟. وهل يمكن لانتصارها أن يكون أكثر من مجرد  نقلةٍ في صراعٍ لن ينتهى بغير هزيمة الأقلوي الفاسد الذي سيفقد سلطته، بمجرد أن تتعلم الأغلبية أصول الانتصار، وتتقن ترجمتها إلى أفكار وخطط عملية عقلانية؟.

لم يوجد في تاريخ سورية غير مجنون واحد كان اسمه حافظ الأسد، اعتقد أن خبثه يلغي مكر التاريخ، وأن ما أقامه، في لحظة استغفالٍ للسوريين، يمكن أن يستمر ككيان سلطوي راسخ الأركان، لن يتمكن أحد من تحدّيه، لأن سلطة الغفلة أبدية الوجود، وفي وسعها إدامة لحظة ستبقى عابرةً في حياة السوريين الذين أفاقوا من "استغفال" الوحدة والحرية والاشتراكية، وأخذوا يعقلون واقعهم من خارج أكاذيبه وخداعه، ولذلك كرّسوا ثورتهم لحريتهم التي سلبها منهم استبداد حشرتهم في سجن كبير، ونزلت أغلبيتهم الساحقة إلى الشارع، في استفاقةٍ شاملةٍ حملت رسالة يقول نصها للأسد: لن يكون غير محض مجنون من يعتقد أن أقلية حاكمة، فاسدة وعنيفة، تستطيع أن تحكم إلى الأبد شعبا قرر إزاحتها عن كاهله، وأن انتصارها لا يكون غير وقتي وعابر، بحكم منطق الأشياء الذي لم يسبق لأحد أن نجح في إلغائه، وعقالة البشر التي تنظم وجودهم، وتوجه أفعالهم، وتحول خبراتهم الفردية إلى خبرة عامة، ما أن تؤسس وعيهم، حتى ينظروا بصدق إلى واقعهم، وينفجر غضبهم صاعقا، حين يثقون أنه لم يعد لديهم ما يخسرونه، وأنهم لن يستعيدوا معنى وجودهم، ويغدون كراما، ما دامت أقلية فاسدة، تضطهدهم كأغلبية وطنية صامتة.

يعتقد الأسد أن التاريخ يستثني نظامه من أحكامه (التاريخ)، وأنه نجح حقا في وضع شعب سورية خارجها. لذلك، سيكون نظامه أبديا، بما أن الأقلية، إن هي انتصرت مرة تمكّنت من تركيع شعبها دوما، بالإفساد والعنف، رغما عن تجارب الإنسانية التي تعلمنا أن أي أقليةٍ قد تأخذ السلطة بعض الوقت، إلا أنها لن تنجح إطلاقا في حكم أغلبية ترفضها، وإخضاع هذه الأغلبية.

تعيش السلطة الأسدية زمن سقوطها، وإذا كانت قد بقيت في الحكم، فبسبب ارتهانها المهين لأجانب أتوا لنجدة رئيسها بمرتزقةٍ من كل حدب وصوب، ليست حربهم ضد سورية غير دليل آخر على استحالة استمرار حكمٍ أقلوي فاسد ضد إرادة أغلبية شعبه.

لئن حكمت أقلية، فبتراضٍ شعبي يمنحها الشرعية، أما أقلية الفاسدين وقطّاع الطرق التي تحكم شعبها بالبسطار والمسدس، وتحول مواطنيها إلى عبيدٍ في خدمة قتلة ولصوص، فلن يكون وهم أبدية سلطتها غير فخٍّ قاتل تسقط فيه وهي تنتحر. لن تحكم أقلية أغلبية ترفضها إلى الأبد، من دون شرعية القبول التي تمنحها لسلطتها، ولن تتجاوز ثورة تستمر منذ نيف وسبعة أعوام، هي الدليل على انبعاث روح الحرية في قلوب وصدور من تضطهدهم أقلية الفساد الحاكمة، وانتقالهم إلى ما بعد سلطتها، بعد أن قرّروا أن يلاطموا بعين إرادتهم مخرز الاستبداد ويكسروه، وأن لا يعودوا إلى الوضع السابق لتمرّدهم التاريخي، وأن تعاود سورية سيرتها الأولى، وطنا لشعب صمم على العيش حرّا!.       

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com