العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01-01-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

المنتصرون على حلب والخاسرون في لقاء موسكو الثلاثي .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 29/12/2016

لا نتحدث هنا عن النظام الكيماوي، بعدما تحولت "سوريا الأسد" لما قبل آذار 2011، إلى "سوريا خامنئي"، ومنذ نهاية أيلول 2015، إلى "سوريا بوتين".

المنتصر الأول على ركام حلب هو، إذن، روسيا التي تستعجل قطف الثمرات السياسية لانتصارها، قبل وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مع فريقه من الصقور العسكريين في غالبيتهم. وفي غياب الشريك الأمريكي عن لقاء موسكو، لم يكن بإمكان بوتين إلا الاتكاء على حليف الأمر الواقع الجديد، تركيا الأردوغانية، لموازنة المشهد دبلوماسياً مع الحليف اللدود إيران، واستصدار "بيان موسكو" الثلاثي الذي يبشرنا بمد وقف إطلاق النار، بعدما "نجح" في حلب بتدميرها وتهجير سكانها، على كامل الأراضي السورية، تمهيداً ل"حل سياسي بين السوريين أنفسهم".

تركيا "السنية" على قدم المساواة مع إيران! هذا وحده كان كافياً لامتعاض الولي الفقيه وأركان دولته، على رغم كل الاستدارة في السياسة التركية اقتراباً من السياسة الروسية في سوريا. وعلى أي حال ظهر التباين الروسي  الإيراني، قبل اجتماع موسكو، على حواجز حزب الله والمليشيات الشيعية العراقية غربي حلب، حين تم اعتراض قوافل المهجَّرين من شرق المدينة، في إطار الاتفاق الروسي مع تركيا والفصائل المسلحة.

الخلاصة أن موسكو المستعجلة للحل السياسي لا تملك أوراقه: لا إيران موافقة على "سوريا موحدة وعلمانية ذات سيادة" كما يبشرنا البيان الثلاثي، كما لا يناسبها شريك تركي في الحل؛ ولا تركيا يهمها، في سوريا، أكثر من منع إقامة كيان كردي على حدودها الجنوبية. وهذا الهدف التركي لا يمكن ضمانه مع نظام متفسخ ومنهار تريد له روسيا أن يسيطر، تحت جناحها، على كامل الأراضي السورية.

المنتصر الثاني على حلب وأهلها هو إيران ولي الفقيه التي ليس في واردها أصلاً أي حلول سياسية، بل تريد لسوريا أن تكون عراقها الثانية: صراع ضد السنة، في البلدين، إلى النهاية. أي صراع بلا نهاية، مع تغيير الديموغرافيا، بقدر ما تسمح الظروف وموازين القوى، باتجاه توطين الشيعة حيثما تم تهجير السكان في المدن والبلدات السورية، مع استمرار حكم عميلها في دمشق وضواحيها القريبة، ولبننة القلمون شيعياً لمصلحة فرع حرسها الثوري في لبنان. ثلاثة أجندات مختلفة، بل متعارضة، اجتمعت في موسكو لتثمير النصر الروسي، فكان نصيب روسيا منها أشد هزالة حتى من نصيبي شريكيه: "لا أحد يطالب بتنحي الأسد" قال الروسي وكأنه اكتشف كنزاً مخبوءا. أهذا هو ثمن 15 شهراً من القصف الجوي المركز وتدمير حلب وتهجير سكانها؟ أم أن بوتين يأمل في استمرار السيطرة الاستعمارية الروسية على سوريا بعد تسليمها لحكومة من انتاج الآستانة وحميميم؟ هل بلغ عمى القوة البربرية بالروس درجةً لا يعرفون معها أن الهزيمة الماحقة لأحد طرفي صراع دموي لا يمكنها أن تنتج حلولاً سياسية قابلة للتطبيق؟ ألا يدرك الروس أن سحق حلب بالطريقة التي تمت بها، وبالأدوات الإيرانية على الأرض، قد دفنت تحت ركام المدينة أي حل سياسي؟

من سيجرؤ من سياسيي المعارضة، بعد حلب، على الدخول في شراكة مع الإيرانيين وعميلهم المحلي على حكم سوريا تحت الوصاية الروسية، غير أولئك الذين لا يمثلون إلا أنفسهم كرندة قسيس وهيثم مناع وأمثالهما؟ هذا على فرض تسليم الإدارة الأمريكية الجديدة سوريا لروسيا، على ما يأمل بوتين، وهو افتراض لا سند له غير بعض تصريحات دونالد ترامب. وعلى فرض رضوخ القوى الإقليمية والدولية الأخرى لهذه القسمة الروسية. أما الفصائل العسكرية التي يأمل الروس في إشراكها في "حوار الآستانة" فقد لا يبقى من رصيدها الميداني شيء من هنا إلى حين مشاركتهم فيه، في الوقت الذي يشهد فيه عالم الفصائل المسلحة مراجعات واتهامات متبادلة، ومساعٍ تجميعية مرتجلة، يمكن تلمس بعض وجوهها ومشكلاتها في مقالة لبيب النحاس، في جريدة الحياة، بعنوان: ("انتصار" فوق الركام: أولويات ما بعد حلب)، لعل أبرز ما فيها اهتمام بالغ بوجوب كسب الحاضنة الشعبية وتوكيد على الوطنية السورية مما لا تستسيغه الفصائل السلفية عادةً، إن لم نقل لا تعترف بهما، وخاصةً في الممارسة.

أما تركيا، الطرف الثالث في لقاء موسكو، فهي، بخلاف شريكيها الروسي والإيراني، ليست من نادي المنتصرين، بل من الخاسرين، على الأقل من وجهة نظر بعض المعارضة المسلحة والسياسية اللتين تتهمانها بالتخلي عن حلب، إن لم يكن ب"بيع حلب" للروسي مقابل عملية درع الفرات. وهكذا بات رصيدها في الميدان يتراجع تراجعاً حاداً، مقابل تورط جيشها في وحول الصراعات في الشمال السوري. فالعملية التركية التي بدأت في شهر آب الماضي بنحو 600 جندي تركي من القوات الخاصة، أصبح عديد قواتها يفوق اليوم عديد فصائل الجيش الحر الحليفة، وصولاً إلى 3000 من القوات التركية، إضافة إلى السلاح والعتاد، في عملية عسكرية رجراجة الأهداف، غير مضمونة النتائج، وكلفة بشرية ترتفع باطراد (نحو 38 قتيلاً إلى الآن) وانعكاسات غير محمودة على الداخل التركي.

غير أن الخسارة الأكبر لتركيا هي التحاقها الاضطراري بروسيا، وابتعادها، بالمسافة نفسها عن حلفائها التقليديين في حلف الناتو، وخاصةً الولايات المتحدة. فالعلاقة التركية المتدهورة باطراد مع واشنطن هي المشكلة الأهم، من منظور مفهوم الدولة التركية لأمنها القومي، ذلك المفهوم المتمحور حول الموضوع الكردي. فكلما ابتعدت تركيا عن واشنطن نحو موسكو، كلما ازداد التحالف الأمريكي  الكردي متانةً. ولعل أكثر ما يخشاه القادة الأتراك اليوم هو أن يكون المقصود بالسماح الأمريكي تزويد المعارضة السورية بصواريخ مضادة للطيران محمولة على الكتف، إنما هو وحدات حماية الشعب، الذراع العسكري للفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وبالنظر إلى السياسة الأمريكية في الصراع السوري، يمكن القول إن المخاوف التركية بهذا الخصوص تملك قدراً كبيراً من الوجاهة.

كل هذا ولم تدفع تركيا، بعد، فاتورة اغتيال السفير الروسي على أراضيها.

٭ كاتب سوري

========================

موقفنا : الأشقاء العرب جذرنا .. وليس لهم في سورية غير أولويتنا .. لتكن لنا كلمة أوضح .. من قرار وقف النار .. إلى مشروع القرار الروسي في مجلس الأمن .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

31 / 12 / 2016

تمسكنا في الموقف الذي أعلناه ، باسم مركز الشرق العربي ، من ( قرار وقف النار أو وقف العدوان ) بحقنا نحن أبناء الشعب العربي السوري أن يكون لأشقائنا العرب مكانتهم في رعاية أي اتفاق وضمانته ومراقبته . ونجدنا مضطرين إلى إعادة التنبيه على هذا الحق والتأكيد عليه والتمسك به ، والتحذير من تجاوزه..

فسورية دولة عربية . وجل شعبها من أحفاد الفاتحين العرب ، وحاضنها القومي والثقافي والاجتماعي والسياسي عربي . وإن محاولة الروس والأسديين إلى دفع سورية بعيدا عن حاضنها العربي ، في أي اتجاه كان هي محاولة استباقية لدعم مشروع استهداف الهوية القومية والدينية، والذهاب بسورية وشعبها في وديان التفاريق العرقية أو المذهبية ، التي لا تغني من الحق شيئا .

 لقد عشنا عهد حكم المستبد الفاسد حافظ وبشار الأسد ، نصف قرن من العنت والهجرة والتشريد ، وقد وجدنا – نحن أبناء جماعة الإخوان المسلمين - في حاضننا العربي كل البر والخير والعون . نصف قرن من المحنة وأشقاؤنا العرب في الخليج العربي ، وفي الأردن ، ومن قبل في العراق الشهيد ، يستضيفون أحرار سورية ، بلا من ولا كدر ، ويدعمون ويحتملون ، ويتفهمون . يعلمون في المدارس ، ويعالجون في المستشفيات ، ويواسون ما وسعتهم المواساة ، ويدعمون ما أمكنهم الدعم . ونحن قد جبلنا على الوفاء ما يكون لنا أن ندير الظهر ، ونحن ومازلنا متعلقين بالمزيد من البر ، محتاجين إلى إتمام المعروف ؛ من حقنا أن نتشكك ونرتاب في كل اتفاق يقدم لنا ، لا يكون أهلنا وبنو قومنا هؤلاء حاضري أمره ، وقائمين عليه ، وضامنين له . نعم سيريبنا أي اتفاق لا يكون قومنا وأهلنا من الدول العربية في السعودية وقطر والأردن في أوله وأوسطه وختامه . ولن ننساق في أحابيل أهل الغرور الذين لا يدرون كيف ينظرون ، ولا يعلمون كيف يقولون .

ثم إنه ، وإن كان لا بد من كلمة الحق من قائل فإننا نقول، ومن منطلق استراتيجي محض : إن قومنا وأهلنا الكرام هؤلاء ليس لهم في سوريتنا أولوية تتقدم على أولويتنا ، ولا همّ يختلف عن همنا ، وليس لديهم مصالح أو مخاوف غير تلك التي تهمنا أو تؤرقنا . ومن هنا وجب علينا أن نكون أكثر تمسكا بدورهم ، وأكثر إصرارا على رفض إقصائهم أو تهميشهم ، أو إضعاف دورهم ومكانتهم ...

لا .. لن نرحب بأي حل لا يكون لأشقائنا (العرب العرب ) دور أول ، وكلمة عليا فيه . هذه حقيقة يجب أن نصدع بها ولا نبالي . وهي حقيقة لا تشكك بدور الأصدقاء الآخرين ، ولا تقلل من قيمة دورهم ، ولا تدفع عنا حق شكرهم في إطار ما يبذلون ويقدمون ؛ ونحن الذين تربينا على شكر من أحسن إلينا ولو بشق تمرة . فشكر حق لا يعني جحد آخر ولا غمطه ولا التجاوز عليه .

ثم إن التدافع في عالم السياسة سنة من سنن الله . وإننا وقد أحيط بنا ، وأجمع أهل الشرق والغرب على خذلاننا ؛ لا ينبغي لنا أن نضع مصير شعبنا وثورتنا في سلة (صديق واحد ) ، مهما بلغت ثقتنا به ، أو حبنا له ، أو تقديرنا له ، هذا درس في السياسة وفي الكياسة في آن معا.

وعلينا أن نتذكر ، في واقعنا الأليم ، أن التحالف الثلاثي يتكون من عدوين شرسين ماكرين ، قد أثخنا في شعبنا قتلا ، وفي وطننا تدميرا ، أحدهما يحتل سماءنا ، والآخر يحتل أرضنا بأكثر من مائة وخمسين ألفا من عصابات القتل والإجرام .أعاننا الله جميعا عليهم ، وأمكننا منهم .

أيها السوريون الأحرار ..

أخاك ..أخاك ..إن من لا أخا له ...كساع إلى الهيجا بغير سلاح.

مشروع القرار الروسي في مجلس الأمن

ثم مما لا ينبغي أن نسكت عليه ، ونرضى به ، ونغضي عنه ، هو محاولة بوتين أن ينتزع ،في غمرة احتفالات العالم برأس السنة ؛ قرارا من مجلس الأمن ، يضفي المشروعية على الانفراد الروسي في تقرير مصير الشعب السوري ، وكأن بوتين لم يكفه الانفراد العملي في الجو وعلى الأرض ، ولم تكفه الشرعية التي استمدها من بشار الأسد الرئيس المزيف، ولم تكفه الشرعية التي حصل عليها من بعض دول الإقليم كحليف سياسي ، فهو يسعى الآن إلى اكتساب شرعية إلى انفراده بالملف السوري ، شرعية يضفيها على قصفه بالفراغي والعنقودي والكيماوي ، قصفه من الجو والبحر ومن البر بالبعيد والقريب!!

نقرر أنه لو نجح مشروع القرار الروسي المقدم لمجلس الأمن اليوم – لا سمح الله - ، فهذا يعني أن روسية قد انفردت برقاب السوريين ، مع الاحترام البروتوكولي لكل الذين يظنون أنهم شركاء بوتين في قراره أو في انفراده !!

خطوة مصيرية ماكرة لا يجوز أن تمر على شعبنا ، وقواه الحية . وينبغي أن نبادر بوضوح وبدون تلعثم إلى المطالبة بعودة القضية السورية إلى حاضنها الطبيعي ، في ظل الأمم المتحدة ومجلس الأمن . وألا نقبل بحال ولا تحت أي عنوان من عناوين الغرور ان يلتحف بوتين بمشروعية مجلس الأمن ، في قتلنا وتدمير ديارنا ، وتشريدنا . ثم نشكرهم !!

يجب ن نتمسك بحقنا بأن يعود حق التفاوض عن الشعب السوري إلى الممثلين الحقيقيين في (هيئة التفاوض) العليا حصرا ، وأن لا نذهب مع المطروح من نقل هذا الحق في الساعة الصعبة إلى أيد أخرى مع احترامنا وثقتنا بالجميع ..

أيها السوريون ...

 بالغرور دلّى إبليس أبويكم فأخرجهما من الجنة (( فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ )) .

ونرى هذا الغرور اليوم قد حلّ في ساحة الكثيرين ، فلا نسمع إلا صوت الأنا ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

حلب: التهجير القسري في زمن العولمة .. ميسرة بكور

القدس العربي

الخميس 29/12/2016

ارجوكم جميعًا استيقظوا نحن لسنا في عام 1948 ولسنا في فلسطين من ارض الشام، نحن في حلب في عام 2016 ليست آلة الزمن نتابع عبرها فلمًا من أفلام الخيال العلمي الهوليوودي. ولسنا في رحلة بالذاكرة تعود بنا إلى مشاهد التغريبة الفلسطينية على أيادي عصابات الهاغانا الصهيونية، لا لسنا في حيفا الفلسطينية، إننا في حلب، بكامل وعيننا وحضورنا الذهني، نتابع على الهواء مباشرة التهجير القسري الواقع على أهلنا من أحياء حلب الشرقية، المشهد نفسه مع اختلاف بسيط الصورة اليوم بالألوان.

نحن اليوم وبكامل وعينا نوثق جرائم الروس وعصابات إيران بحق أهالي حلب والشعب السوري الثائر. في وقت لم يعد فيه الخبر الأول الذي يتصدر تقارير وكالات الأنباء ومحطات التلفزة، كم عدد من قتل اليوم في حلب ولم يتحدث الخبر التالي عن عدد المصابين في شرقي حلب.

الحديث كله يتركز على ما بات يحلو للبعض تسميته "إجلاء" أهالي احياء شرقي حلب. وهو الاسم المستعار الذي يتم به تزييف الحقائق والوقائع وتجميل القبيح "التهجير القسري" في زمن العولمة.

لا يلتبس عليكم الأمر ولا تطيلوا التفكير وامعان النظر لا داعي للدهشة والاستغراب قد تتشابه الأحداث لكن من ترونهم في الصورة اهل حلب، هذه أحياء صلاح الدين وهنانو وسيف الدولة والسكري والمشهد. إنها حلب. هؤلاء المهجرون أهل حلب سبقهم على درب الآلام هذا "التهجير القسري " أهالي داريا والقصير وبابا عمرو، ويبرود.

نعم الصورة واضحة من المصدر إنها صورة قاسم سليماني قائد فيلق القدس "الإيراني" يقف مزهوا منتفش الريش أمام قلعة حلب، جاء ليحتفل مع عصبته وقطعان مرتزقته بانتصاراتهم، ليس بتحرير القدس، بل على أشلاء حلب والصواب على حلب التاريخ والحضارة والإنسان.

لا لست مخطئا عزيزي القارئ الصورة ليست ملفقة ولا مفبركة ليست مندسة. أنه سليماني وأنها حلب، لم يُضع أو يخطئ الطريق إلى القدس. المجرم بكامل وعيه وحضوره الذهني، ببساطة هو وجد من أجل هذا الدور تدمير حلب، ولم يدر في مخيلته ذات يوم أو فكر مجرد تفكير أن يحرر القدس. لا تنغر بالأسماء "فيلق القدس " فكثير منا ليس له من أسمه نصيب.

قد يصاب أحدنا بشرخ في الذاكرة أو انفصام بالمشهد. لكن الصورة والصوت واضحان من المصدر إنها حلب. والقتلة هم القتلة أنفسهم "الهاغانا" ولو تغيرت الوجوه ولأسماء وطال الزمن. الفعل فعلهم والفكر فكرهم. في نيسان/ابريل من عام 1948 قامت عصابات الهاغانا بقتل وذبح وتشريد أهلنا بحيفا فلسطين وقامت بتوطين اليهود الصهاينة بدلا عنهم وحاولت عبثًا أن تغير ذاكرة جغرافيا المكان والتاريخ والإنسان واحلال أشخاص بدلا من اهل الدار في محاولة الغاء للفلسطينيين ليحل المستوطنون من كل بقاع وأجناس الأرض وقفارها. كان دور هاغانا الصهيونية في تلك الحقبة الزمنية إنشاء وتأسيس جيش للصهيونية يسيطرون به على فلسطين من ارض الشام.

أما الدور المناط بهاغانا "الفرس" اليوم تشكيل وتأسيس نواة الجيش الشيعي للسيطرة على بلاد العرب اوطاني. اليوم وفي شهر كانون أول /ديسمبر من عام 2016 تقوم هذه العصبة بعد أن بدلت أثمانها وغيرت مسمياتها بالمحاولة نفسها، إلغاء أهالي أحياء حلب الشرقية كما فعلت في يبرود وداريا والقصير.

لم يتغير شيء في النهج والتفكير فقط الأسماء تغيرت والافعال هي. هي مذ 1948 إلى 2016. لكن اليوم الملغى هم أهل حلب بل حلب بإنسانها وعمرانها وحاضرتها وماضيها ومستقبل ابنائها، وبقية من أهل سوريا. والإحلال البديل عنهم ميليشيات متعددة الجنسيات والثقافات يجمعها شيء واحد "ولاية الفقيه" الذي أمرهم فأطاعوه دون تفكير أو واعظ من ضمير كيف نفعل ذلك بأناس آخرين هم بشر مثلنا لهم عائلاتهم وذكرياتهم وأحلامهم سكنت معهم في أنفسهم وبيوتهم كبروا معًا وصارت جزءا اصيلًا منهم.

البديل اليوم لأهل حلب لم يعرفوها ولم يعيشوها، فلم يشهدوا ﻋﺒ اﻟﺣﻤ اﻟﻜاﻛﺒﻲ" طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد". ولم يسمعوا قول أبو العلاء المعري:

حلب للوارد جنة عدن وهي للغادرين نار سعير.

وبكل تأكيد لم يقرأوا رسالة الغفران " يا شاكي النوب انهض طالبا حلبا. نهوض مضنى لحسم الداء ملتمس".

واخلع إذا حاذيتها ورعا كفعل موسى كليم الله في القدس.

لو أنهم قرأوا ما فهموا من هي حلب. لا الروم نالوا من حلب ولا ساسان العجم نالوا من حلب، ولم يستطع هولاكو المغول قهر حلب ولا اغريق اليونان ولا روم بيزنطة. جميعًا ذهبوا وبقيت حلب، وجميعًا ذاهبون وستظل حلب أم التاريخ وبوابة الحضارة ومعقل الأدب.

كل الخونة والمارقين المنفلتين من عقال الأخلاق والقيم الإنسانية الحالمين عبثًا التمرد على عبر التاريخ ودروسه، والمتراقصون على أشلاء أطفال حلب، أنتم جميعًا ذاهبون إلى غير رجعة كما سبقكم كثيرون عبر القرون من الغزاة الحاقدين جميعهم سقطوا ومازالت بالأمل والعزيمة بأهلها تحيا حلب.

أيها الغزاة أيها المجرمون القادمون من غياهب الجهل الغارقون بشعوبيتكم وأوهام ثاراتكم لن تهزموا حلب، اسحبوا أوغادكم من مدينتنا وانصرفوا.

كاتب وباحث سوري

========================

إيران ومشروع "المنصة السورية" .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 29/12/2016

يخطئ من يعتقد أن إيران تسعى إلى تسوية سياسية في سورية تقوم على تقاسم السلطة بين بشار الأسد والمعارضة، وأنها لا تملك سوى خيار التماهي مع المسعى الروسي لإعلان وقف إطلاق نار شامل والبدء في مفاوضات الحل في كازاخستان. فإيران التي قد تقبل بانحناء تكتيكي في انتظار مرور العاصفة الروسية، لديها أهداف أخرى، بينها استعادة سورية كلها إلى حضن نظام الأسد وإخضاع سائر مكونات الشعب السوري لسلطته، تمهيداً للمرحلة المقبلة من "تصدير الثورة" التي ستهدد دولاً أخرى في المنطقة.

تتقاطع الأهداف الإيرانية والروسية في الوقت الحالي عند تعزيز نظام الأسد وتقوية نفوذه وإعادة الاعتراف الدولي به، أو على الأقل إجبار العالم على التعامل معه بحكم الأمر الواقع. وتتنابذ هذه الأهداف حول سبل ووسائل تكريس "انتصار" النظام، ولاحقاً حول مستقبل سورية وطبيعة نظامها ودوره الإقليمي.

وترى روسيا من موقعها كدولة كبرى تربط بين ملفاتها الإقليمية استراتيجية واحدة، أنه لا بد من تكريس نتائج معركة حلب في اتفاق سياسي يثبّت أقدام النظام عبر إحداث انشقاق دائم في صفوف المعارضة، بما يحول دون أي إجماع مستقبلي على المطالبة برحيله. ولذلك دعت إلى مؤتمر في آستانة لإعلان وقف شامل لإطلاق النار والبدء في مفاوضات بين أطراف في المعارضة وممثلي النظام برعايتها.

وفي الوقت ذاته، تحرص موسكو على إبقاء خياراتها مفتوحة في حال فشل المؤتمر، فتؤكد أن وقف إطلاق النار يستثني التنظيمات الإرهابية، وهذا تعبير فضفاض يمكن توسيعه بسرعة ليشمل الفصائل التي ترفض الانضواء في الخطة الروسية ولا ترى لنظام الأسد أي دور في مستقبل سورية.

اأما إيران، وبحكم كونها دولة في حال توسع دائم، فتتعامل مع الملف السوري وفق مبدأ "القضم المتدرج"، وهو اسلوب طبقته بنجاح في دول اخرى، ويقوم على مفهوم نقل "خطوط الدفاع" عن "ثورتها" إلى منطقة أبعد في كل مرة. وهي لا تنظر إلى سورية ضمن حدودها، بل تفترض أن الحدود لم تعد قائمة بين العراق وسورية ولبنان، وتعتبر أن في هذه الدول الثلاث مجتمعة "غالبية شيعية" يحق لها أن تحكمها تحت رعايتها.

وتؤكد طهران أن المسعى السياسي الروسي يفترض أن لا يحول دون استمرار المعركة ضد "المتطرفين"، وهم في نظرها المعارضة السورية بكل تنويعاتها، وتحتفظ لنفسها، في إطار مشاركتها في اجتماع آستانة، بهامش من المناورة حول التفاصيل والمراحل. وسبق أن أجرت اختباراً لمدى قدرتها على تعطيل القرار الروسي عندما أوقفت تطبيق اتفاق أبرمته موسكو مع أنقرة لإجلاء المقاتلين والمدنيين من شرق حلب وربطته بإجلاء مدنيين من بلدتين شيعيتين في منطقة إدلب.

أما تركيا، فدروها استلحاقي، بعدما أدرك أردوغان انه لم يعد للأميركيين أي دور مقرر في الأزمة السورية، ولهذا قدم "عربوناً" إيجابياً في معركة حلب، وتبنى وجهة نظر موسكو وطهران في نزع الأولوية عن هدف إزاحة النظام.

ومشاركة إيران مرحلياً في الخطة الروسية، لا ينفي احتمال الانقلاب عليها إذا هددت خطتها البعيدة الأمد بتحويل سورية "منصة" للوصول إلى مناطق أخرى، أو عندما يصبح في إمكانها الاستغناء عن الدعم الروسي.

ولأن طهران تدير ميليشيات شتى على الأرض السورية وترتبط بنظام الأسد بعلاقات تمويل وتسليح، فهي تتحكم إلى حد كبير بالقرار العسكري، بينما يقتصر الوجود الروسي على قاعدتين بحرية وجوية وعدد محدود من أفراد القوات الخاصة. وهي ليست قلقة من أن يؤدي التقارب المحتمل بين موسكو والإدارة الأميركية الجديدة إلى تقليص نفوذها في سورية، فباستطاعتها أن تلجأ إذا دعت الحاجة إلى استهداف أمن القوات الروسية في سورية وأمن القوات الأميركية في العراق، مثلما فعلت سابقاً بالتعاون مع الأسد نفسه.

========================

المثقفون الفلسطينيون والقضية السورية .. عمر كوش

العربي الجديد

الاربعاء 28/12/2016

يوحي عنوان هذا المقال أن ما يجمع الفلسطينيين والسوريين ليس أنهم عرب، أو شاميون، أو أن أموراً كثيرة تجمع بينهم، خصوصاً الثقافة ومركبات العيش التاريخي المشترك في إقليم جغرافي وبشري معين، بل أنهم أصحاب قضية واحدة، هي الخلاص من الظلم والإجحاف، ظلم الاستبداد الأسدي المقيم على صدور السوريين منذ أكثر من خمسة عقود، وظلم الاحتلال الإسرائيلي الذي يجثم على صدور الفلسطينيين منذ قبل النكبة في 1948.

القضية واحدة، سواء كان مسببها الاحتلال أو الاستبداد، فالاثنان وجهان لعملة واحدة، وإن اختلفت درجات الممارسات والانتهاكات بحق الشعبين، السوري والفلسطيني، لكن السؤال المحيّر: ما الذي يجعل مثقفاً فلسطينياً يقف مع الاستبداد الأسدي، ويتخذ موقفاً مناهضاً من ثورة الشعب السوري، بذرائع زائفة؟

لن نتحدث عن الفلسطينيين في سورية الذين انخرط قسم كبير منهم، منذ البداية، في الثورة السورية، وقدموا شهداء كثيرين، وكان وسام أمين الغول ابن مخيم درعا للاجئين الفلسطينيين، أول شهيد فلسطيني برصاص قوات النظام الأسدي في 23/3/2011، حين كان ينقل جريحين سوريين من المشاركين في الاحتجاجات التي اندلعت شرارتها في درعا. وقتها لم يستطع وسام ورفاقه الوقوف متفرجين على أشقائهم السوريين وهم يقتلون، فدفع ثمن موقفه حيال الحرية، وانخراطه دفاعاً عن الحرية التي يطلبها السوريون.

ويكشف واقع الحال سورية أن الحال الفلسطيني السوري هو حال سورية نفسها، خصوصاً حين يجري الحديث عن السوريين وعبارة "ومن في حكمهم"، التي تعني اللاجئ الفلسطيني في سورية الذي يعرّف نفسه بأنه فلسطيني سوري. أما فيما يخص المثقفين الفلسطينيين، فإن واقع الحال يظهر أنهم، والمثقفين العرب عموماً، انقسموا في مواقفهم من الثورة السورية إلى ثلاث فئات: أولى أعلنت بوضوح وقوفها إلى جانب الثورة، ودافعت، ومازالت، عن مطالب السوريين في الحرية واسترجاع الكرامة وبناء دولةٍ تعدديةٍ ديمقراطية، وتبرز هنا أسماء مفكرين وباحثين وكتاب كثيرين، خصوصاً عزمي بشارة وأحمد برقاوي ويوسف سلامة وبشير نافع وخضر محجز وسلامة كيلة وموسى برهومة ومعن البياري وماجد كيالي، وآخرين قد لا يتسع المجال لذكرهم. وفئة ثانية آثرت الصمت، وغمرت رأسها في رمال الساكت عن قول كلمة الحق. وفئة ثالثة وقفت إلى جانب الاستبداد، أمثال مراد السوداني ووليد أبو بكر ورشاد أبو شاور، وهي فئة من الكتاب والشعراء مكرسة رسمياً، تفتقر لمبادئ الفكر ولفهم الثقافة وناقصة الموهبة، اتخذت مواقف مخزية، وتملك نظرة وفهماً للحرية والعدالة لا تبتعد كثيراً عن نظام الاستبداد الأسدي، الوحشي والبدائي الذي أوغل في الدم السوري، ومارس أبشع أنواع القهر والإجرام بحق الإنسان السوري، وبحق الإنسانية والحياة.

والحق أن من وقفوا ضد الثورة السورية من مثقفين فلسطينيين، وأترابهم تقليديون في معظمهم،

"من وقفوا ضد الثورة السورية من مثقفين فلسطينيين وأترابهم تقليديون في معظمهم" من بقايا أصحاب الفكر الشمولي، وقد نزعت هذه الثورة اللثام عن دعاة هذا الفكر المتقادم، من يحسبون أنفسهم قوميين وشيوعيين ويساريين بشكل عام، وكشفت تهافت مقولاتهم عن القومية والعروبة والشعب والأمة وسواها، إذ لم يتردّد أغلبهم، مخدوعين أو راغبين، في الوقوف إلى جانب نظام الاستبداد الذي يرفع شعارات علمانية وقومية مزيفة، مع شعارات مخاتلة عن الممانعة والمقاومة.

واختبرت الثورة السورية حملة الأفكار القومية واليسارية، في خيارهم الديمقراطي، ومدى اقترابهم والتزامهم بتطلعات الشعوب وحقوقها، وأعادت فرزهم بطريقةٍ لا لبس فيها. وبيّنت أن أحزابهم اليسارية والقومية عاجزة عن إحداث قطيعة معرفية وسياسية مع ماضيها، القائم على الإقصاء والأحادية، وعلى التعبئة الأيديولوجية ذات الاتجاه الوحيد، حيث لا يزال قادتها وممثلوها أسرى العقلية والنهج القديمين.

ومن حقنا أن نستغرب ونتساءل عما إذا كانت العلاقة ما بين المثقف والسلطة المستبدّة لصالح الثقافة أم لصالح السلطة والسلطان؟ ومن حق مثقفي السلطة والسلطان كذلك، أمثال أدونيس ورصفائه، أن تكبر تهويماتهم الثقافوية، حين يزعم أصحابها امتلاكهم قول الحق بثباتنا وجمودنا وبتحوّله وتغيره، وبعدم وجود خلافٍ بين المعاني المتصلة والمتضافرة بين قول المثقف النقدي، وقول أهل السلطة والقوة، مع العلم أن التمييز مايزال قائماً بين لغة الحاكم ولغة المحكوم في أكثر من مكان وواقعة. لكن من يبحث عن حياد العبارة لن يجد في اللغة والمقالات التي تسلكها في بيان وإشارة ما ينبئ بحادثة أو حركة طارئة أو جديدة نتجت عنها الحياة الاجتماعية والعلاقات السياسية والثقافية، ليس في سورية وحدها، بل في البلدان العربية كافة، وفي الثقافة العربية.

ما يثير القلق في مواقف المثقفين الفلسطينيين، والعرب عموماً، المعادي للثورة السورية هو طغيان مزاج عميق للرفض والعدمية، تلتقي مع عدمية النظام الأسدي وعدمية التنظيمات الجهادية والمذهبية، يرافقها موقفٌ كلي من الشك حيال أي حادثةٍ أو حراك في الحياة الثقافية والسياسية في أي بلد عربي. ومشكلتهم نفسها مشكلة أصحاب المشاريع الثقافوية الكبرى الذين عملوا على تجزئة المجزأ في التراث والتاريخ، وتعميمه بوصفه النموذج والمثال، استناداً إلى تهويمات ميتافيزيقا اللغة التي عادةً ما تُدخل كاتبها في نسقها الدلالي والاستدلالي محكم الإغلاق، ومنطقها الكلي والإحالي المرجع، فيُصاب صاحبها بالعمى الثقافي في تلك المنطقة الرمادية التي زجّته فيها لغته. المنطقة التي يضيع فيها التمييز ما بين القاتل والضحية، وبين الظالم والمظلوم.

والواقع أن عديدين ممن يتباكون على نظام المقاومة والممانعة الزائف مصابون بعمى الفكر والبصيرة، ولذلك يلجأ بعضهم إلى مفهومٍ مخاتل، يتجاور فيه كل شيء إلى جانب كل شيء، سوى الحرية والعدالة، حين يتحدثون عن سورية، وعن الثورة بوصفها مؤامرة على نظام الاستبداد فيها. إنه خليط عجيب يخفي تعالياً على الثورة وناسها، ويتشرّط عليها، ويشكّك بها، فيما يضع صاحبه في خانة "تيار السلمية"، أو بالأحرى يتوهم أنه في خانة تيار اللاعنف الغاندي، مع العلم أنه قد لا يعرف عن المهاتما غاندي وثورته إلا شذرات سمعها من هنا وهناك، وقد يستعين أحدهم بنلسون مانديلا، ظناً منه أن مانديلا أو حتى غاندي، لو كان كل منهما سورياً، لفتح صدره عارياً في مواجهة رصاص قوات النظام الأسدي العسكرية والأمنية، ولن يجادل في تسليم رأسه وجسده إلى سيوف الشبيحة والمسعورين من قطعان المليشيات المذهبية المسكونة بثارات قديمة وزائفة، وسيوصي أنصاره أن يستقلبوا قذئف وصواريخ المقاتلات الروسية وبراميل طائرات النظام الأسدي في صفوف طويلة، تلبس الأبيض، وترفع أغصان الزيتون بيد، وتطيّر الحمام الأبيض باليد الأخرى.

حكاية الثورة السورية معروفة للجميع، حيث لا يمكن لأحدٍ نكران مطالبها المشروعة في

"لا أحد يضع التشكيلات السلفية العدمية في خانة الثورة، بل في الخانة المضادّة لها"  التظاهرات السلمية، والمدنية التي بدأت منذ الشرارات الأولى، واستمرّت بزخم شديد أسابيع وشهوراً طويلة وثقيلة. ومازال المتظاهرون السلميون ينتهزون أية فرصةٍ ممكنةٍ حتى في أيامنا هذه، كي يعبروا عن مطالبهم وآمالهم ضد جميع سلطات الأمر الواقع الإسلاموية وسواها. وحدث ذلك كله، وما يزال، قبل أن يواجهها نظام الأسد بالرصاص ويستقدم مليشيات نظام الملالي الإيراني المذهبية، ويبيع البلد للمحتل الروسي.

ولعل أصحاب المواقف والمآخذ على الثورة السورية لا يذكرون شيئاً عن طبيعة الاحتلال الأسدي للدولة والمجتمع الذي لم يتردّد في إقحام قطعات الجيش للهجوم على مناطق المدنيين في مختلف مناطق سورية وبلداتها ومدنها.

ولعل المشكلة في هؤلاء المتشرطين، يضاف إليهم المتشكّكون، أنهم لم يتركوا لحظةً من عمر هذه الثورة، إلا وحاولوا اللهاث وراء أحداث الثورة، محاولين تجميع أخطائها، والتعلق بأية سلبية، لغاياتٍ في أنفسهم. وكان من الممكن، بوصفهم يصنفون أنفسهم في خانة القوى العلمانية واليسارية والديمقراطية، أن يكونوا فاعلين، أو منخرطين في نصرة الثورة، لكنهم كانوا من الهشاشة والخفة، بحيث إنهم لم يقوموا سوى باجترار مقولاتهم ومصطلحاتهم المتقادمة عن المؤامرة الكونية والاستهداف الخارجي، مضيفين فشلاً جديداً إلى فشلهم.

وعلى الرغم من أن الثورة لا يقوم بها الملائكة، بل البشر، بمختلف مشاربهم وأطيافهم وتكويناتهم الفكرية والثقافية، فإن أخطاء الثورة التي ارتكبت أكثر من خمس سنوات، لا يبرّرها أحد، ولا أحد يضع التشكيلات السلفية العدمية في خانة الثورة، بل في الخانة المضادّة لها، ولا تعدم مركبات الثورة من ظهور مبادراتِ وتشكيلاتٍ عديدة تواجه الأخطاء، على الرغم من أن صوت النقد لا يسمع، في الغالب، عندما يطغى هدير الطائرات الحربية الحاملة للموت والدمار، ولا حين تشتد أصوات القصف بكل أنواع القذائف والصواريخ. ولعل الأهم أنه على الرغم من هول التضحيات، فإن ثائرين كثيرين لم يكفوا عن نقد أنفسهم، ونقد تعرّجات مسار ثورتهم، في مقابل خذلان العالم وتهافت أفعال وممارسات فصائل المعارضة السياسية والعسكرية، بمختلف مكوناتها وتحالفاتها وائتلافاتها.

========================

الصراع السوري إلى استراحة إجبارية .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاربعاء 28/12/2016

من السابق لأوانه الذهاب إلى نتائج حاسمة عن توجهات الأحداث في سورية في المرحلة المقبلة. وعلى الرغم من الأثر الإنساني والمعنوي لحدث سقوط حلب، فإنه لا يكفي للبناء عليه، ذلك أن الانزياحات التي تركها هذا المتغير ليست بالحجم الذي يؤدي إلى إلغاء المعادلات القائمة، مع أنه يغيّر في ديناميكيتها، بل يصلح أكثر لأساس تفاوضي، ستسعى روسيا إلى اختبار فعاليته وتثقيله في كفة أوراقها.

ولكن، ثمّة أمران باتا من الحقائق الصلبة في الحدث السوري، وسيشكلان مسارات الأحداث في المرحلة المقبلة، فقد أصبح سقوط بشار الأسد قضيةً بعيدة المنال، ليس فقط بالنظر إلى عامل متغيرات القوة الحاصلة في الميدان السوري. ولكن أيضاً للتبدلات الكبيرة الحاصلة في التوجهات العالمية. الأمر الثاني أن استقرار سورية أيضاً صار أبعد، في ظل حالةٍ بات الجميع فيها مستنزفاً، كما أثبتت عملية إعادة السيطرة على حلب التي تطلبت استنفار طاقات وموارد هائلة، تمثلت بحضور جميع أسلحة روسيا الاستراتيجية، وكامل احتياطي القوة الإيراني، وعجز المعارضة عن التحرّك للتأثير في المشهد. ولكن، على الرغم من ذلك كله، فإن سقوط تدمر بيد "داعش" عزّز نظرية أن الجميع بات غير قادر على تحقيق أهدافه كاملة.

انطلاقاً من ذلك، يُقدّر للمشهد ما بعد حلب أن يتمظهر عبر صورتين: اتجاه الأطراف جميعها إلى اتباع سياسة الحذر، من أجل استيعاب ما حصل من جهة، وللمحافظة على الأوضاع والمواقع. فروسيا، بعد تجربة تدمر، ستسعى إلى الحفاظ على مكتسياتها المتحقّقة، وعدم المغامرة بتوسيع جبهات القتال. كما أن المعارضة، بعد خسارة حلب، ستكون حذرة في المبادرة إلى أي هجوم، حتى لا تكشف كامل أوراقها. الصورة الثانية للمشهد ستتمثل في تكريس تراجع أدوار الفاعلين المحليين إلى أبعد درجة، وحضور قوي وعلني للاعبين الخارجيين. وبناءً عليه، ستتجه غالبية الجهود إلى إعادة بناء البيئة الإقليمية للصراع السوري، وهي حالةٌ ستنطوي على تموضعات جديدة للأطراف، كما ستشهد تفكيك تحالفاتٍ وبناء شبكاتٍ جديدة من التفاهمات بين الأطراف.

ولعلّ ما سيعزّز هذا الاتجاه اختلاف الأهداف النهائية للاعبين، فمثلاً على جبهة التحالف

"المرحلة المقبلة مليئة بالتداعيات، نتائج غير مقصودة ستفرض نفسها، وتطورات ستنتج عن تفاعل التداعيات" الروسي- الإيراني، لم يكن سراً نشوب خلاف بينهما على أمر إجرائي، تعلّق بخروج المقاتلين من حلب، وهو ما طرح التساؤل عن مدى التوافق بينهما حول إدارة الملف السوري في المرحلة المقبلة، سياسياً وعسكرياً، ذلك أن روسيا تعتبر نفسها أمام العالم المسؤول الأول عن هذا الملف. صحيح أن إيران قدمت أثماناً باهظة، لإيصال الأمور إلى هذه المرحلة، لكن، في المقابل، تدفع روسيا أثماناً سياسية واقتصادية بعيدة المدى، وهي، بلا شك، معنية بإيجاد صياغاتٍ تستطيع، من خلالها، تسييل انتصارها الحلبي في بورصة ملفاتها المعقّدة مع الغرب.

وثمّة أمر آخر، سيكون أحد العوامل المؤثرة قريباً في توجهات الحدث السوري، وهو دخول إدارة دونالد ترامب على خط الصراع. صحيح أن إدارة الرئيس باراك أوباما كانت موجودة، وبالتالي فإن أميركا حاضرة في الحدث، لكن إدارة ترامب تسعى إلى صياغة جديدة لحضورها، وهي صياغةٌ لا يوجد تقدير دقيق لها، بل ثمّة مخاوف لدى جميع اللاعبين بشأنها، وتحديداً الروسي الذي سارع إلى إجراء متغيراتٍ على أرض الصراع، لتدعيم مواقفه في مواجهة إدارة ترامب.

إذاً، نحن أمام مرحلة إعادة صياغة المشهد الحالي، أكثر منها الذهاب إلى تطوير معطياته، وثمّة أسئلةٌ ستشكّل الإجابة عنها مساراتٍ للأحداث المقبلة: كيف ستكون العلاقة بين روسيا وتركيا ميدانياً وسياسياً، بعد أن بات الطرفان يقتسمان السيطرة على مناطق الشمال في سورية، وكيف سيكون موقف تركيا من وجود هذا الكم من المليشيات التابعة لإيران على مناطق حدودها، وهل ستتوصّل الأطراف الثلاثة إلى حدٍّ أدنى من التفاهمات على الحل السياسي، أم أن الأمر سيذهب باتجاه التفاهم على اقتسام مناطق النفوذ وإدارتها، حلاً ممكناً ووحيداً في هذه المرحلة؟ ما تأثير العامل الأميركي على الترتيبات الحاصلة بين تركيا وروسيا وإيران، وضمن أي جبهة ستنخرط إدارة ترامب في الصراع؟ وما هو الموقف العربي، وتحديداً دول الخليج، وما إذا كانت ستسعى إلى تغيير طبيعة انخراطها، وما هي الآليات التي ستستخدمها والمسارات المتوقع السير بها؟

بموازاة ذلك أيضاً، ثمّة أجوبة منتظرة من الداخل السوري في المرحلة المقبلة، وسيكون لها أثر

"ثمّة أجوبة منتظرة من الداخل السوري في المرحلة المقبلة، وسيكون لها أثر في التأسيس للمرحلة المقبلة" في التأسيس للمرحلة المقبلة، من نوع طبيعة المتغيرات المحتملة في بنية قوى الثورة، التحالفات والصراعات، وطرق وأساليب العمل، كذلك الأمر بالنسبة للجبهة المقابلة التي لا تقل فوضويةً عن جبهة الثوار، كيف ستكون العلاقة بين المليشيات الإيرانية، والقوى التي تقودها روسيا والتشكيلات التابعة لنظام الأسد، ومدى خضوعها لأوامر قيادية واحدة؟ فقد أثبتت الأحداث المتزامنة مع خروج الثوار من حلب أن تلك القوى لا تتبع قراراً سياسياً موحداً.

المرحلة المقبلة مليئة بالتداعيات، هناك نتائج غير مقصودة ستفرض نفسها، وهناك تطورات ستنتج عن تفاعل التداعيات. لا وقت في المرحلة المقبلة لاحتفالاتٍ بنصرٍ، ولا بكاء على هزيمة، بقدر ما يستلزم تتبع إلى أين تسير وجهة الأحداث.

========================

سورية: هل حان وقت تقاسم الغنائم؟ .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الاربعاء 28/12/2016

من الواضح أن روسيا في عجلة من أمرها لتعزيز وجودها ودورها في الشرق الأوسط عبر البوابة السورية، وهي تستغل في ذلك الانسحاب الأميركي في ظل تراكمات ثمانية أعوام من السياسات الرخوة غير المنتجة التي اعتمدها الرئيس باراك أوباما، وعدم وضوح ملامح الآتي المنتظر مع تسلّم الإدارة الجديدة بقيادة ترامب بعد أيام.

فما أن أكملت روسيا بالتنسيق مع إيران وتوابعها تدمير حلب، وحصرت المدنيين والمقاتلين في دائرة ضيّقة، حتى انتقلت إلى المفاوضات الميدانية، سواء مع ممثلي الفصائل في أنقرة وغيرها من الأماكن، أم مع قوى سياسية ومجتمعية سورية في قاعدة حميميم. ومن ثم كان الإعلان عن لقاء ثلاثي بين وزراء خارجية كل من سورية وتركيا وإيران. هذا اللقاء الذي لم يؤثر اغتيال السفير الروسي في تأجيله أو تغيير جدول أعماله، بل على العكس ساهم في رفع وتيرة الحماسة للمضي قدماً بجهود التقارب، واستغلال حالة التعاطف الرسمية لإضفاء مسحة من المصداقية على الموقف الروسي، هذا إلى جانب السعي الى خلق انطباع مفاده وجود إرادة جدية في حسم الموضوع السوري سياسياً عبر التوافق بين القوى الإقليمية الفاعلة، تمهيداً لترتيب لقاء قمة بين الأطراف المعنية، ومن ثم عقد لقاء سوري - سوري في كازاخستان توضع فيه المعارضة بجناحيها السياسي والعسكري أمام أحد الخيارين: إما الاعتراف بالهزيمة، والقبول بدور هامشي تابع في حكومة "وحدة وطنية"، تجسيداً لجهود تثبيت النظام الذي لم يعد موضوع تغييره بنداً أساسياً على قائمة أولويات الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية.أما الخيار الثاني، فيتمثّل في رفض المشاركة، أو عدم الموافقة على المشروع المقدّم الذي سيكون، وفق المسرّب حتى الآن، دون الحد الأدنى من بيان جنيف 1 بكثير، بل إنه يتعامل مع هذا الأخير كأنه غير موجود. وفي هذه الحالة، ستواجه هذه المعارضة جملة خلافات بينية يفرضها واقع الضعف الذاتي وجسامة التحديات. كما ستواجه في الوقت ذاته التهديد الروسي الذي ينذر بأن المفاوضات، أو بالأحرى "الحوارات"، وفق منظوره، ستكون بمن حضر، وبالتالي فالبدائل موجودة طالما هناك رغبة تركية وإيرانية برعاية روسية لتمرير الحل المرسوم للوضع السوري.

لكن روسيا، تدرك جيداً أن أطراف اللقاء الثلاثي يتفاوضون حول سورية الغربية من دون الشرقية والجنوبية، وأن الفاعل الإقليمي الأكثر تأثيراً في الساحتين العربية والإسلامية ما زال خارج دائرة التوافق، وتعرف تماماً أن أي حل مستقبلي في سورية لن يستقيم ما لم تشارك فيه السعودية، وتوافق عليه. ومن هنا، كانت دعوة الروس إلى السعودية للانضمام إلى من ألزمتهم المصالح والتحديات بتجاوز الخلافات. ولم يكتف الروس بذلك، بل قالوا أن الدعوة مفتوحة لكل من أراد الانضمام. وما يستنتج من هذا، أن الروس يريدون من ناحية الظهور في هيئة القوة العظمى القادرة على استيعاب الجميع، لكنهم في الوقت ذاته يعملون للحدّ من نفوذ إيران التي تلتقي مع روسيا على الكثير من المصالح، لكنها تفترق عنها في حساباتها الإقليمية ومشاريعها التوسعية.

ولعل هذه النقطة تفسّر إلى حدٍّ ما أسباب استعجال الروس، وحرصهم على متابعة مختلف مستويات الوضع السوري وتفرعاته، بتفصيلاته الدقيقة.

من ناحية ثانية، يبدو أن توافقاً تم بين الروس والإدارة الأميركية المقبلة حول تحجيم الدور الإيراني في سورية. وأمر كهذا يريح السوريين جميعاً على رغم كل خلافاتهم. كما يريح القوى الإقليمية الأخرى بخاصة تركيا والسعودية، ويمثل رسالة طمأنة لها، هذا علماً أن مفاتيح القسمين الشرقي والجنوبي من سورية هي بيد أميركا وحلفائها دون الآخرين.

وتبقى أوروبا الأكثر متابعة لما يجري والأكثر توجساً، لأنها تواجه تحدياً ثلاثي الأبعاد: سيل اللاجئين، الإرهاب، ومآلات تعاظم الدور الروسي بالنسبة إليها. فقد أثار وصول قوافل اللاجئين إلى مختلف الدول الأوروبية، وفي مقدمها ألمانيا والسويد وفرنسا وهولندا، مناقشات حامية بين مختلف الأحزاب الأوروبية، تمحورت حول كيفية معالجة الأزمة. وجاءت العمليات الإرهابية، ومنها الأخيرة التي تعرضت لها برلين، لتعزز مواقف المتطرفين دينياً وقومياً. كما أثّرت العمليات تلك في المزاج الشعبي العام، الأمر الذي ينذر بانفجارات عنصرية. ويبقى التحسّب الأوروبي للخطر الروسي: فما حصل في أوكرانيا تحديداً، والمخاوف التي تعيشها جمهوريات البلطيق، وكوابيس دول الشمال، ذلك كله يرسم ملامح هاجس جدّي يقلق.

ونتيجة لما تقدّم، يعيش الأوروبيون الآن اغتراباً سياسياً قلّ أن شعروا به مع الأميركيين من قبل. فهم الأكثر تضرراً مما حصل في سورية ومنطقة الشرق الأوسط وليبيا، لكنهم في الوقت ذاته الأبعد والأضعف تأثيراً، قياساً باللاعبين الأساسيين: روسيا وأميركا.

أما على صعيد المعارضة السورية، فهي مطالبة في جميع الأحوال بإجراء عملية تقويم شاملة لمسيرتها الماضية، لتجاوز الأخطاء القاتلة التي حصلت، لا سيما في الميدان العسكري. وهذا يستوجب القطع النهائي مع أيديولوجيات التشدّد والممارسات الإرهابية، سواء القاعدية منها أو ما بعد القاعدية، ووضع حد لحالات الفساد والتحكّم بحريات الناس وأرزاقهم ومصائرهم، وتجاوز حالات الانقسام العبثية، والالتزام بالخط الوطني وراية الثورة دون بقية الرايات، وتحقيق التكامل الفعلي مع الجناح السياسي في المعارضة الذي يحتاج، هو الآخر، إلى مزيد من الضبط لمعالجة السلبيات، كما يحتاج إلى التفعيل وتوسيع قاعدة التواصل والحوار مع مختلف الفاعليات السورية في الداخل والخارج، على أساس مشروع وطني متكامل يقدّم تصوراً لحل واقعي يطمئن كل السوريين من دون استثناء.

========================

أركان النظام العالمي... تهتزّ .. منال نحاس

الحياة

الاربعاء 28/12/2016

بدا أن عام 2015 كان خاتمة الكلام على أفول أميركا وبروز الصين وعالم متعدد الأقطاب. وكان من آخر الراثين لأميركا في "فورين أفيرز" في 18 آب (أغسطس) 2015، فرانسيس فوكوياما، في مقالة عنوانها "انحطاط أميركا... مصادر التعثر السياسي"، وهي مستخرجة من كتاب للكاتب يحمل العنوان نفسه. وتناول فوكوياما الأسباب الداخلية لانحطاط أو تآكل المؤسسات الأميركية، منطلقاً من كلام صامويل هانتغتون عن عجز المؤسسات عن التكيف مع تغير الأوضاع، حين التحديث الاجتماعي - الاقتصادي، وأن المرحلة الانتقالية يشوبها فوضى وعنف بالغان. ومع انحسار دور الولايات المتحدة العالمي، وهو انحسار من بنات عدد من العوامل، منها "عقيدة أوباما" وآثار سلبية (ضمور النمو، تصدع الطبقات الوسطى...) ترتبت على هيمنة النيوليبرالية على العولمة، دخلت الولايات المتحدة مادياً، بؤرة العواصف، على قول مات فيني (الحياة" في 26/10/2016). ف "الركود الاقتصادي يخلف صنفاً جديداً من الانفصال بين الأقاليم والولايات ومن الانعزال، ويفاقم الخلافات القديمة والموروثة. فيوماً بعد يوم، يتعاظم انكفاء الأميركيين إلى معازل ثقافية متجانسة لا يتشاركون فيها مع أقرانهم إلا بمعتقدات واحدة. وفاقمت وسائط الاتصال الاجتماعية تناثر الهويات الثقافية والسياسية وتفتتها. وتغذي الشكوك في دور الولايات المتحدة العالمي، في أعقاب 45 سنة من حرب باردة و13 سنة (1990 - 2003) من مكانة قطبية غير منازعة، هذه النزعات الموهنة. وكان الدور العالمي الذي تضطلع به الولايات المتحدة عامل تماسك داخلي".

وفي مطلع 2016 بادرت آن أبلباوم، المعلقة والمؤرخة الأميركية، إلى دق ناقوس خطر بروز عالم ما بعد الوقائع و"أفول الغرب على الوجه الذي نعرفه". وسلطت الضوء في "واشنطن بوست" ("الحياة" في 8/6/2016) على خطر يتهدد الديموقراطية ناجم عن "تعاظم حجم المعلومات ونموها المتواصل" وضعف نجاعة تفنيدها والتحقق منها. وكتب جيل ليبور في مجلة "نيويوركر" أن كمية الوقائع المتداولة حملت الناس على الطعن في "الواقع" نفسه. ولكن "هل في الإمكان "معرفة" أي شيء في وقت يعدِّل "غوغل" نتائج بحثه وفق الباحثين والأماكن (التي يجرون منها البحث)؟ أليس الأمثل هو افتراض أن المعلومات كلها كاذبة في وقت تكثر مصادرها؟ وإذا كانت الحقيقة أمراً انقضى، وإذا كنا نعيش في عالم "ما بعد الحقائق"، لم يخش الكاذبون تدقيقاً أو تفنيداً". وخلصت أبلباوم إلى القول: "هذه المسائل قد تبدو فلسفية. ولكن، في حملات 2016 الانتخابية، يبدو أنها مشكلة تتهدد الديموقراطية". ويبدو أن مصدراً من مصادر قوة الديموقراطية، أي رفع القيود عن نشر المعلومات وتعاظم حجمها، هو، كذلك، مصدر ضعفها. فترك المعلومات على غاربها من غير التزام مواقع التواصل الاجتماعي مبادئ ومعايير "أخلاقية" تقضيان بعدم المساهمة في نشر الأكاذيب والإشاعات، يساهم في تقويض الديموقراطية. وإثر انتخاب دونالد ترامب، وشطر من حملته الانتخابية كان حملة بروباغندا تشيع أكاذيب عن منافسته الديموقراطية، هيلاري كلينتون، دعت "نيويورك تايمز" مواقع فايسبوك وغوغل وتويتر الى التزام مبادئ اخلاقية وعدم المساهمة في نشر الأخبار الكاذبة، من جهة، وسلطت الضوء على دور هذه المواقع في مد المستبدين بمعلومات عن آراء رواد الإنترنت السياسية والدينية، من جهة أخرى. وتزامن بروز مواقع التواصل الاجتماعي مع كر سبحة الانتفاضات الشعبية في تونس ومصر وأوكرانيا وجنوب السودان وغيرها من الدول. فمثل هذه المواقع هي منابر عامة تتناقل فيها سبل الانعتاق من الرقابة ودعوات التجمع والتعبير عن الرأي. ولكن "نيويورك تايمز" ترى أن "تكنولوجيا التحرر"، كما يسميها كثر، هي أداة في أيدي الحكومات التي "تجيد التلاعب بها واستخدامها أكثر من الناشطين المدنيين. وعلى سبيل المثل، أفلحت الحكومة الروسية في زرع مندسيها في هذه المواقع لاستباق اي حركة احتجاجية ووأدها. ولا يقتصر التوسل بهذه المواقع لأغراض حكومية على دول غير الديموقراطية. فأجهزة الشرطة الأميركية والأوروبية تجمع معلومات عن المستخدمين ومعتقداتهم السياسية والدينية. ويرى مراقبون أن مواقع التواصل الاجتماعي بثت ثقافة "الكليك" (الضغط على الزر تعبيراً عن إعجاب بقضية ما)، وأن جمهور الإنترنت ضعيف الذاكرة ويميل إلى الاكتفاء ب "الكليك" عوض النضال السياسي الفعلي الذي يقتضي وقتاً طويلاً لشبك علاقات ثقة بين المعارضين. وخلص الباحثان في العلوم السياسية، فلوريان هولنباخ وجان بيرسكالا الى ان انتشار الهواتف الخليوية في افريقيا ساهم في تعاظم العنف. فوسع معمر القذافي، على سبيل المثل، في 2011، توجيه رسائل خليوية الى حامليها المتواجدين في التظاهرات والاحتجاجات تأمرهم بالعودة الى بيوتهم وأشغالهم. وعلى رغم أن الأنظمة العربية غير متجانسة الأحوال، أوحت وسائل الإعلام الاجتماعي بيسر اطاحتها وتكرار النموذجين التونسي والمصري في ليبيا وسورية، من غير ادراك اوجه اختلاف الأنظمة وأطوار المعارضة.

والحرب الإعلامية والتباس الحدود بين الواقع وخلافه لا راد لهما. وسبق أن تناول أومبرتو إيكو في مقابلته الأخيرة قبل رحيله مع صحيفة "لوموند" الفرنسية في 30/5/2015 ("الحياة"، ملحق صحافة العالم، 10/6/2016) أثر المزيف في صناعة التاريخ. وساق أمثلة على الأثر هذا، منها رسالة القس يوحنا، وبروتوكولات حكماء صهيون، و "هبة أو منحة قسطنطين" (وثيقة ظهرت في العصور الوسطى تزعم أن الإمبراطور قسطنطين سلم مقاليد روما إلى البابا). وعلى رغم إثبات الباحثين منذ عصر النهضة، زيف وثيقة قسطنطين، لم يغير إثباتهم في الأمر شيئاً. ف "سلطة الكنيسة الكاثوليكية لا تزال قائمة. ورسالة يوحنا المنشورة في القرن الثاني عشر تصف مملكة باهرة تقع ما وراء العالم الإسلامي وعلى رأسها ملك مسيحي. وهذه الرواية الخيالية كانت وراء التوسع الأوروبي الى ما وراء العالم الإسلامي"، قال إيكو. وهو دعا الصحافة النقدية الى إطاحة هيمنة المزيف وتقويضها.

 

أطوار الحرب

والتدخل الروسي في الانتخابات الأميركية على وجهين، أولهما "سلمي" أو "ديموقراطي" قوامه بث اخبار كاذبة على مواقع التواصل الاجتماعي، والثاني "حربي"، ومن اشكاله التسلل الى النظام الداخلي للحزب الجمهوري وجمع بيانات ومعلومات من اجهزة فيديرالية اميركية أو شبهة التدخل في احتساب الأصوات الانتخابية بواسطة اجهزة الكمبيوتر. وعلى رغم التباين بينهما، الخلط بين الحرب الإعلامية على الإنترنت والحرب السيبيرنيطيقية، كبير. والأخيرة حرب معقدة وسائلة، وهي تفتقر الى قوانين ومعايير، ويشبّه مايكل هايدن، مدير وكالة الأمن القومي السابق ونائب مدير الاستخبارات القومية الأميركية والرئيس السابق لل "سي آي إيه"، عالمها بمقديشو (العاصمة الصومالية) حيث الفوضى وغياب القانون.

وسبق أن نبهت هيلاري كلينتون الى بروز طور جديد من أطوار الحرب: فالحروب لم تعد تدور بين دول فحسب. وتنظيمات إرهابية مثل "داعش"، تجمع بين وسائل مواجهة تقليدية (الدبابات) ووسائل حرب العصابات غير المتكافئة. ولكن يبدو أن الحرب الهجينة الجديدة لا تقتصر على أشباه الدول من التنظيمات الإرهابية. فثمة دول مثل إيران تتوسل تنظيمات مسلحة غير نظامية، بعضها على اللائحة الأميركية السوداء للتنظيمات الإرهابية، لحماية مصالحها ونشر "ثورتها". ويبدو أن دعوة هنري كيسنجر إيران الى حسم ترجحها بين الثورة والدولة، والصدوع بالنظام الفيستفالي، في محلها. وشأن إيران، وعلى رغم تباين مكانة الدولتين وشكلهما، تتوسل روسيا بأدوات القوة الهجينة من هجمات إلكترونية وحرب إعلامية وقوات خاصة وشبكات الجريمة الخاصة لتغليب كفتها. وخلص مارك غاليوتي في "وور أون ذي روكس" في 6/12/2016 ("الحياة" في 21/12) إلى أن "هجانة" العمليات الروسية هي مرآة هجانة الدولة الروسية. فمنذ تسعينات القرن الماضي وفي عهد البوتينية، نزعت روسيا الطابع المؤسساتي عن بناها. ويحكم روسيا نظام القائد الواحد، والصلاحيات الرئاسية فيه مفرطة ومنفلتة من كل عقال، والحدود فيه ملتبسة بين العام والخاص والمحلي والخارجي".

 

طي العولمة؟

وفي 2016، إثر انتخاب دونالد ترامب وتعثر المفاوضات على اتفاق التجارة الحرة العابرة للأطلسي وتعليق اتفاق التجارة الحرة العابرة للهادئ، بدا أكثر فأكثر أن الأزمة الاقتصادية والمالية وثيقة الصلة بطور من أطوار العولمة غلبت فيه كفة سياسات الليبراليين الجدد ومصالح الشركات وأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة. ولاحظ جوزيف ستيغليتز ("الحياة"، 10/5/2016) أن مدخول 90 في المئة من الأميركيين ركد طوال ثلث قرن، وأن متوسط دخل عامل يعمل دواماً كاملاً هو اليوم أدنى مما كان عليه قبل 42 عاماً (مع احتساب التضخم)، ومعدل الراتب الأدنى اليوم هو نظير ما كان عليه قبل 60 عاماً. وعزا سوء احوال عامة الأميركيين الى "معارضة الليبراليين الجدد مساعدات اجتماعية تحمي الخاسرين من العولمة؛ وضمور النمو بسبب سياسات ترجّح كفة المصارف والشركات على كفّة كل الآخرين، وخسارة العمال القدرة على المفاوضة، والتكنولوجيا الجديدة. وسلّطت ساسكيا ساسِن، استاذة مادة الاجتماعيات في جامعة كولومبيا، في "ليبراسيون" (5/2) ("الحياة" في 17/2) الضوء على التفاوت الاجتماعي وبلوغه من "الاتساع مبلغاً جعله صنو الطرد من العلاقات الاجتماعية، والإقصاء الحاد من أطرها". وذهبت إلى أن اليونان عَرَض صارخ على مفاعيل دينامية الطرد والإقصاء. ف "خطط التقشف التي تفرضها الهيئات الاقتصادية الدولية تطرد الطبقات المتوسطة، والضعيفة والأقل ضعفاً، من مرافق عملها، ومن الخدمات الصحية والاجتماعية التي كانت تحظى بها، ويتطاول الطرد إلى المنازل التي تقيم بها". وتنبه الى ان الطرد واللفظ لم يقفا عند عتبة دائرة الحياة ومجالها. فالتلويث البيئي ادى الى خنق المحيطات والأسماك بالبلاستيك واستنفاد المناجم والمياه الجوفية. "وبين 1989 و2009 خسر بحر أرال (الروسي) معظم مساحته... فهو اليوم أرض موات مترامية أو تحف بها انبعاثات المصانع والمناجم السامة".

 

بحر الصين الجنوبي

الغموض يلف العلاقة الأميركية - الصينية منذ انتخاب دونالد ترامب. وكانت بكين رحبت بانتخابه وما ترتب عليه مثل وقف مفاوضات التجارة العابرة للهادئ، الاتفاق الذي يرمي الى تطويقها على قولها. ورأت ان الإخفاق في إبرام الاتفاق هذا يبدد عثرات تقيد تمددها التجاري وبسط نفوذها الاقتصادي والمالي أكثر فأكثر من طريق تقديم قروض باليوان الى دول الجوار لإعلاء مكانة عملتها وارتقائها الى مصاف الدولار واليورو. وبحر الصين الجنوبي هو ممر 30 في المئة من التجارة العالمية، وتسعى بكين الى الهيمنة عليه وتزعم السيادة عليه.

وإثر اتصال دونالد ترامب، الرئيس الأميركي المنتخب، بالرئيسة التايوانية، سرّعت بكين وتيرة نشاطاتها العكسرية في البحر هذا، فهي صادرت مسباراً اميركياً يرصد احوال المناخ، واستعرضت حاملة طائرات في مياه البحر هذا، ولوّح موقع "غلوبل تايمز" الصيني بتوسل ادوات إستراتيجية مثل حاملة الطائرات إلى تغيير موقف العالم، أي الولايات المتحدة، من الصين، وبتوغل الأدوات هذه في مياه شرق الهادئ وظهور الأسطول الصيني على السواحل الأميركية لحمل واشنطن على التفكير من جديد في قواعد الملاحة البحرية، وتخفيف الضغط على القطع الصينية البحرية. ويبدو أن فصول شد الحبال بين أميركا في عهد ترامب والصين في عهد تشي جينبيغ، والتوتر بينهما، ستتوالى في العام المقبل.

 

البريكس

مع غموض النظام العالمي الجديد، كثر الكلام على بروز قوة الدول النامية، وتحديداً تلك التي وسمت ب "بريكس" (البرازيل، وروسيا، والصين، وجنوب أفريقيا والهند). ولكن عقد هذه المجموعة يكاد ينفرط بسبب خلافاتها الداخلية وتباين مصالحها وتراجع النمو الاقتصادي. فالبرازيل هزّتها مجموعة من المشاكل على وقع ضمور النمو وتوقع انكماشه في العام الحالي 8 في المئة عما كان عليه في 2014، اثر وقف الفيديرالي الأميركي سياسة التيسير الكمي، وهرب رؤوس الأموال، وإقالة الرئيسة ديلما روسيف. وتعصف بروسيا ازمة اقتصادية كبيرة، اثر انخفاض اسعار النفط وفرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقوبات عليها جزاء ضمها القرم الأوكراني.

والحق يقال أن الصين تسعى الى الهيمنة على شركائها في "بريكس". وأخذ عليها براهما شيلاني في موقع "نكي إيجيان ريفيو" الآسيوي في 17/10 المنصرم ("الحياة" في 26/10) تقديم دعم حكومي للصادرات الصينية، و "تخريب التصنيع في الهند والبرازيل"، ويقول انها تسعى الى " تعديل نظام بريتون وودز، وإلى الهيمنة على أبرز تحد لمؤسسات بريتون وودز، أي على مصرف "بريكس" الذي يعرف ب "البنك الجديد للاستثمار". والمقر الرئيس ل "البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية" في بكين. وخلص شيلاني إلى أن "بريكس" "قوية على الورق فحسب: وتجمع الدول هذه أكثر من ربع يابسة كوكب الأرض، وأكثر من 42 في المئة من سكان المعمورة، و25 في المئة من الناتج المحلي، ونحو نصف احتياط العملات الأجنبية واحتياط الذهب في العالم".

========================

حلب 2016 .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 28/12/2016

تستحق حلب أن تكون النقطة الأبرز في مجريات عام 2016 بالنسبة للسوريين، بل هي تستحق أن تكون في أحداثها ومجرياتها موضع اهتمام إقليمي ودولي، لما تركته وسوف تتركه في هذا المجال من دروس وعبر، ينبغي التوقف عندها اليوم وغدًا وبعد غد أيضًا.

حلب في تعريفها البسيط، مدينة سوريا الثانية، بشرًا واقتصادًا وإرثًا ثقافيًا وبنية اجتماعية. ورغم سنوات الصراع السوري السابقة لعام 2016 احتفظت حلب بأهميتها، بل إن تلك الأهمية تكثفت بأن أصبحت حلب مركزًا رئيسيًا في ثورة السوريين، ونقطة صراع محوري فيها، لكثافة جهود حلف النظام مع روسيا وإيران وميليشياتها للسيطرة على المدينة، فيما سعى السوريون لإبقاء المدينة خارج تلك السيطرة، فكان عام 2016 عام الصراع عليها وفيها، قبل أن ينتهي بالسيطرة عليها بعد تدميرها وتشريد أهلها في واحد من أشد فصول الحرب مأساوية.

وبمقدار ما كشفت حلب جدية حلف النظام سعيًا للاستيلاء على حلب، فقد كشفت بؤس التشكيلات المسلحة في الدفاع عن المدينة وأهلها، وهذا لا ينطبق على القوى التي كانت موجودة داخل حلب المحاصرة، وإنما أيضًا على المحيطة بها، والتي قصرت في نجدة المدينة المحاصرة، وانشغلت بجبهات أخرى، وبصراعات بينية، كانت من بين العوامل التي أضعفت المحاصرين.

إن الإمكانيات والقدرات المحدودة للتشكيلات المسلحة في مواجهة خصم مدجج بالإمكانيات والقدرات في حلب المحاصرة، جعلت من المعركة شبه محسومة النتائج، ولم يكن بمقدور قلة من المدافعين الحقيقيين، أخذها باتجاه آخر، وهذا ما جعل العدد الأكبر من التشكيلات، تفاوض على الخروج من حلب، فيما كانت ترفع شعارات الحرب والنصر إلى النهاية، وسط بؤس النتائج الميدانية، وتردي الوضع في المدينة ومحيطها.

لقد أثبتت معركة حلب الأخيرة، أن التشكيلات العسكرية، لا تحمل مشروعًا يمكنه الانتصار، ولا مشروعًا قابلاً للحياة، يحظى بدعم أهالي حلب ومحيطهم، وبالتالي فقد حسمت المعركة مصير مشروع التشكيلات المسلحة بديلاً لمشروع ثورة السوريين في تغيير النظام واستبدال نظام وطني ديمقراطي به، يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين، وهي نتيجة لا يبدو حتى الآن، أن التشكيلات قد أدركتها رغم الهزات العميقة، التي سببتها المعركة بنتائجها الكارثية، وهو ما أصاب قوى المعارضة السياسية، التي يفترض أنها الأكثر وعيًا ومعرفة وقدرة على الرؤية، والتي آثرت الصمت تقريبًا إزاء ما جرى في حلب، وكله يجعل الأمر على طاولة الطرفين بحيث لا يمكن تجاهله في المرحلة المقبلة.

وتؤكد خلاصات حلب 2016 بما فيها المعركة الأخيرة، أن فشلاً عسكريًا وسياسيًا ذريعًا، أصاب المعارضة السورية، وكرس هامشية الموقف الإقليمي والدولي في القضية السورية، مما يعني أن تداعياتها المحلية والخارجية ستظل مستمرة في المدى المنظور، بل إن هذه التداعيات، قد تتصاعد وتأخذ منحنيات أخرى بعد انتصار حلف النظام الأخير، وهذا ما يؤشر له ارتفاع مستوى الصوت والحضور الروسي بما عبرت عنه الاجتماعات الروسية - الإيرانية - التركية في موسكو، ومفاوضات موسكو مع التشكيلات المعارضة المسلحة في أنقرة بمشاركة تركيا، وفي الحالتين من الصعب تصور نتائج خارج نطاق بقاء الأسد على رأس النظام في دمشق من جهة، وحصول اتفاق على حل سوري، يتجاوز ما أقرته الشرعية الدولية في السنوات الماضية، ويكون نسخة قريبة من اتفاقات الهدن والمصالحات المحلية، التي تمت وتتم بين الروس والنظام من جهة والفعاليات المحلية في المناطق المحاصرة داخل سوريا، وهذا يعني أن لا حل لمشكلات اللاجئين ولا وقف لعمليات التهجير والتغيير الديموغرافي، ولا انتهاء لسياسات الاعتقال والملاحقة، ولا حرب جدية ضد الإرهاب في سوريا، ويعني أيضًا أن المجتمع الدولي عليه أن يستمر في تلقي تداعيات القضية السورية في مواجهة اللاجئين والهجرة والإرهاب والتطرف، وبقاء نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين باعتبارهم نماذج لإرهاب الدولة، وميليشيات إيران مثل "حزب الله" والميليشيات العراقية والأفغانية باعتبارها نموذجًا لإرهاب جماعات التطرف، تمامًا على نحو ما عليه "داعش" وجبهة "فتح الشام" وأخواتهما، التي لا تقل تطرفًا وإرهابًا عن غيرها.

حلب 2016، ليست استمرارًا لما كانت عليه قبل المعركة الأخيرة، بل هي مسار جديد، يأخذنا إلى ما هو أشد بإضعاف وتهميش المعارضة السورية، وإضعاف وتهميش المجتمع الدولي أكثر في القضية السورية، وجعل حلف النظام مع الروس والإيرانيين وميليشياتهم أصحاب اليد والصوت الأعلى في القضية السورية بانتظار نتائج أشد كارثية في المستويين الداخلي والخارجي، إن لم تحصل متغيرات جوهرية في خريطة وقوى الصراع الحالية.

========================

طريق موسكو لإخماد نيران الحرب السورية .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد  25/12/2016

ليس هناك صورة تعبر عن مأساة الحرب السورية أفضل من المفارقة التي أظهرت سعادة النازحين، لحظة خروجهم من حصار الجوع والموت، بينما كانوا على طريق الموت الآخر الذي ينتظرهم في مخيمات التشرد واللجوء وعواصف الثلج على حدود بلدهم. أمام هذا المشهد، تظهر محدودية ما حصل في الأيام الأخيرة من "مكتسبات"، سواء أتجسد في اتفاق وقف إطلاق النار، أو إعلان موسكو الذي يشير إلى بداية تفاهم روسي تركي إيراني، أو تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على آليةٍ لتوثيق جرائم الحرب وملاحقة المسؤولين عنها. ومع ذلك، ما من شك في أن هذه المكتسبات الصغيرة بدأت تثير آمال سوريين كثيرين سئموا الموت، وأصبحوا، مثل إخوانهم الذين وجدوا أنفسهم فرحين بخروجهم من تحت الحصار والقصف، مع معرفة ما ينتظرهم في حياة التشرّد من عذاب وضياع، كالمستجير من الرمضاء بالنار. فهل تنجح موسكو في إخماد نيران الحرب التي ساهمت في تمديد أجلها، وتحصد ثمار جهودها، أم سوف تغرق في وحولها، كما يتمنى لها منافسوها، ليس في الغرب فحسب، ولكن في منطقة الشرق الأوسط أيضا؟

 

سورية بين التسوية الروسية والحرب الدائمة الإيرانية

نجحت موسكو في فرض نفسها على جميع الأطراف المنافسة لها في سورية، وهي تتصرّف تجاههم، كما لو كانت قوة انتداب رسمية حاصلة على تفويض دولي لإدارة الأزمة السورية، وإيجاد مخرج لها. وقد عزّز موقفها في الأشهر الأخيرة نجاحها في إسقاط حلب بالتاكيد، لكن أيضاً، من طرف آخر إجبار حليفها الايراني على قبول وقف النار وفتح المعابر للنازحين، وتمريرها يوم 19 من ديسمبر/ كانون الأول الجاري قرار مجلس الأمن القاضي بإرسال قوات مراقبة دولية إلى حلب، وإعلانها أخيراً عما يشبه خطة طريق، حتى لو كانت تبسيطية، لإطلاق عملية مفاوضاتٍ تبدأ بوقف شاملٍ لإطلاق النار على كامل الأراضي السورية، قبل إطلاق مفاوضاتٍ تهدف إلى التوصل إلى تسويةٍ سياسية في ظل بقاء الأسد ومشاركة المعارضة، في إطار تعديلٍ متفق عليه للدستور وإصلاح تدريجي في بنية السلطة وأساليب الحكم.

على الرغم من تواضعه، يتعارض هذا المشروع، مع مخططات طهران بشكل قاطع. فليس

"يتعارض المشروع الروسي مع مخططات طهران بشكل قاطع، فليس لطهران أي مصلحةٍ بوقف الحرب السورية" لطهران أي مصلحةٍ بوقف الحرب السورية. وبينما تريد موسكو استثمار سقوط حلب لتعزيز فرص إيقاف الحرب، تطمح طهران إلى تحويل سقوط حلب إلى فرصة لانقلابٍ شاملٍ في علاقتها بسورية والمنطقة، وتحويل سورية إلى عراقٍ ثانٍ تتحكّم به مليشياتها وحرسها الثوري. وهذا ما أكّده سعي هذه المليشيات، حتى اللحظة الأخيرة، إلى تعطيل الاتفاق في حلب، على أمل إفشال الخطط الروسية بأكملها. ما حدا بموسكو إلى مراجعة خططها، ودعوة طهران إلى لقاء ثلاثي بحضور أنقرة، ومع استبعاد الأطراف الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة العربية السعودية، الطرف العربي الرئيسي المنخرط منذ البداية في المسألة السورية.

مشكلة طهران أنها، وهي الطرف الذي استثمر أكثر من أي طرف آخر في الحرب ضد الثورة السورية، وبذل المال والسلاح، وخسر سياسياً وأخلاقياً كما لم تخسر أي دولة أخرى، لا تزال بعد مرور ست سنوات على الحرب الطرف الأكثر افتقاراً من أي طرف آخر متورّط فيها لقاعدةٍ قانونية أو سياسيةٍ، تضمن لها الحفاظ على نفوذها وتوسيعه في المستقبل. رهانها الوحيد هو على توسيع دائرة قاعدتها الطائفية أو المذهبية، وهذا ما لا يزال يحتاج إلى عمل وتحضيرات طويلة. لذلك، تشعر طهران أن دخول النظام السوري، أو إدخاله، في المفاوضات الآن، وبرعاية روسية يصعب تحدّيها، يجري على حسابها، وهو يهدّد بأن يسحب منها القرار السوري الداخلي، ويهدر استثماراتها الطويلة، ويدين سياسة المرشد الأعلى السورية بالفشل والإفلاس السياسي والأخلاقي الذي لا يعادله سوى الإفلاس الذي عرفته سياسة ألمانيا النازية المجنونة في الحرب العالمية الثانية.

لذلك، ليس لطهران، التي تراهن على إبقاء سورية جزءا عضويا من إمبرطوريتها، بعد تمويل حربٍ وحشيةٍ لكسر إرادة شعبها، خيار أفضل من استمرار الحرب، وتوسيع دائرة الفوضى والخراب، كما هو الحال في العراق، حتى تحصل على الوقت الضروري لبناء قواعد نفوذها، سواء بتغيير النسيج السكاني جزئياً، أو بالتحكّم بمؤسسات الدولة وأجهزتها، على مستوى أوسع مما حققته حتى الآن. وهي تراهن من أجل البقاء في سورية، وإبقائها رهينةً لها، على تجنيد مجموعاتٍ مرتبطة بها، مذهبياً واجتماعيا، مستفيدةً من الأقليات المذهبية المحلية القريبة منها، ومن الجاليات الجديدة التي تريد توطينها في المواقع الاستراتيجية حول حلب ودمشق وحمص، كما تراهن على التعطيل المديد لعمل الدولة، وإلغاء أي احتمالٍ لإعادة بنائها، في ما يشبه نموذج عمل الحركة الحوثية في اليمن، ما يفتح أمامها إمكانية العمل بهدوء وحرية على تغيير الوقائع الاجتماعية والديمغرافية والمذهببية.

لم تكن التسوية السياسية، أو وقف النار، هما ما كانت تنتظره طهران من سقوط حلب أو

"تراهن إيران على خراب سورية والشرق الأوسط بأكمله لترويع الغرب وتهديده وانتزاع اعترافه بنظامها ومكتسباتها" إسقاطها، وإنما تكريس الانتصار الكامل، وإلغاء فكرة التسوية نفسها التي لا ترى مكاناً لها مع معارضةٍ تصف جميع منتسبيها بالإرهابيين، وفي أحسن الأحوال، بالصهيو أميركيين. ومهما حاولت موسكو أن تطمئنها، ستظل طهران تشعر بأن القوة الروسية التي أنقذت مشروعها من الهزيمة، عندما تدخلت عسكرياً لصالحها وصالح الأسد عام 2015، هي التي تسرق الانتصار منها، وتحرمها من رسملة استثماراتها وتحول بينها وابتلاع فريستها المستحقة، كما كانت تنتظر بثقةٍ كاملة. تشعر طهران، من دون شك، كما لو أن موسكو، بقصد أو من دون قصد، تحاول أن تخطف اللقمة من فمها. وما يؤرقها أكثر أن الوقت يداهمها، ولم يعد لديها فرصٌ كثيرةٌ للمناورة قبل قدوم الإدارة الجديدة، التي يتميز عديدون من شخصياتها، إن لم يكن معظمهم، بمعاداتهم الشديدة سياسات النظام الإيراني. ومن المفترض أن يعزّز التفاهم الأميركي الروسي المحتمل موقف موسكو، ويجعلها أكثر قدرةً على الوقوف في وجه المشاريع الإيرانية في سورية.

هناك أكثر من عاملٍ يدعو إلى التصادم بين السياستين، الروسية والإيرانية، في سورية. أولها اختلاف الأجندات. فبينما تعتقد موسكو أنها في أفضل وضع لحصاد ما زرعته، وإن أي إضاعةٍ للوقت يهدّد مكاسبها، تشعر طهران بأنها بالكاد انتهت من نصب الفخ للطريدة، فكل ما فعلته، في السنوات السابقة، كان تمهيداً لحل عرى المجتمع وتفكيكه وتدمير الدولة. والآن، جاء أوان الزرع ووضع البذار، أي العمل على شرعنة المليشيات، وتشييع جزءٍ من المشرّدين والمحتاجين وقلب المجتمع رأساً على عقب. ولذلك، هي بحاجة إلى أكثر ما يمكن من الوقت لتحقيق أهدافها وتكريس مكاسبها. وثانيها الهدف، فبينما تنتظر روسيا من مناورتها السورية تغيير نوعية علاقتها المختلة مع الغرب، وإعادة موضعة نفسها قوةً أو قطباً رئيسياً في صياغة أجندة السياسة الدولية. وبالتالي، اكتساب اعتراف الغرب وشراكته. وتريد أن تنجح في تقديم نفسها دولةً قادرةً على المساهمة في حل الأزمات الدولية. وتنظر إيران إلى سورية فريسة تريد ابتلاعها، لتكبير نفسها وتعظيم قوتها وتحسين فرص صراعها الوجودي مع الغرب في المشرق وفي ما وراءه. وثالثها الاستراتيجية. فما تطمح إليه موسكو هو استخدام نجاحها في سورية، بحسم الحرب عسكرياً أو ما يشبه حسمها لصالح النظام، ودفع الأطراف إلى القدوم إلى طاولة المفاوضات، وربما التوصل إلى تسويةٍ تنهي الثورة والنزاع معا، إلى إعادة بناء الدولة التي أصبحت أكبر قاعدةٍ عسكريةٍ وسياسيةٍ لها خارج روسيا، وتأمين إدارتها السياسية. وتراهن ايران، بالعكس، على خراب سورية والشرق الأوسط بأكمله، ونشر الفوضى والفراغ الاستراتيجي فيه، لترويع الغرب وتهديده وانتزاع اعترافه بنظامها ومكتسباتها، وهيمنتها الإقليمية.

 

مأزق الاحتلال الإيراني

لا يعني هذا أن التحالف الروسي الإيراني مهدّد بالتفكّك، فليس هناك أي مصلحة لطهران أو

"مصلحة روسيا تقتضي التوصل إلى حل سياسي للأزمة، أو على الأقل إظهار قدرتها وإرادتها على إيجاده" موسكو في إنهاء تحالفهما المفيد من نواحٍ عديدة أخرى. فموسكو لاتزال تحتاج إلى القوة البرية الإيرانية لإحكام قبضتها على سورية، تماما كما تحتاج طهران إلى المظلة الجوية والسياسية الروسية، للتمكّن من البقاء، وترسيخ حضورها في سورية الآن، وفي أي تسوية قادمة. لكن الحفاظ على التحالف أو السعي للحفاظ عليه لا يلغي الخلاف في المصالح، ولا يعني انتفاء التنازع على الأولويات. وهذا هو الحال في ما يتعلق بتصوّر صيغة الخروج من الحرب المدمرة السورية والمهدّدة لجميع الأطراف، باستثناء طهران التي تحرّك الخيوط من بعيد، وتراهن على قوى محلية وإقليمية أكثر مما تزجّ نفسها في المعارك اليومية. ولا علاقة لما تخشاه طهران بروسيا، أو بمصالحها المباشرة مع روسيا، ولكن بمشروع روسيا في سورية. فمصلحة روسيا تقتضي التوصل إلى حل سياسي للازمة، أو على الأقل إظهار قدرتها وإرادتها على إيجاده، يعزّز ما تطمح إلى تكريسه دوراً إقليمياً ودولياً، ويضاعف نفوذها في المشرق وفي دول الخليج العربي أيضاً، ولا مصلحة لها بالاصطفاف وراء إيران أو الالتصاق بها. وهذا يتطلب منها أن لا تسمح لطهران بأن تكون الرابح الأول أو الأكبر في سورية، بل أن تسعى، بالعكس، إلى الحد ما أمكن من أطماعها للحفاظ على علاقاتها الإقليمية، واكتساب موقع الدولة العالمية.

في المقابل، تطمح طهران إلى أن تحول نهاية المواجهة في سورية انتصاراً تاريخياً على الغرب من خلال انتصارها على العرب ودول المنطقة القريبة منه أو المحسوبة عليه، وأن تجعل من إلحاقها سورية بها غنيمة حرب، تحتكر فيها وحدها النفوذ والسيطرة والقرار. سورية المحرّرة من شعبها الثائر هي، في نظر طهران الخامنئية، خط دفاع استراتيجي عن أمن إيران القومي، لا يهم من يسكنها، وما مصير شعبها، تماماً كما هو الحال في العراق ولبنان.

بعبارةٍ أخرى، يستند نجاح موسكو، في تحقيق أهدافها في الاعتراف الإقليمي والدولي بها، قوةً عالميةً إيجابية، وترسيخ وجودها، ليس في سورية فحسب، وإنما في المشرق والشرق الأوسط كله، بوصفها قوة استقرار وأمن وسلام، يمكن الاعتماد عليها، والارتقاء بنفسها إلى مصافّ الدولة العالمية الحضور، كما كانت في العهد السوفييتي السابق، على قدرتها على وقف الحرب. ولا يمكن تحقيق ذلك من دون تسويةٍ سياسية، وتفاهمٍ بين السوريين، حتى لو ربحت عسكرياً. فالنظام السوري لم يعد موجودا بالفعل، ولا بد من إيجاد بديلٍ له، والطغمة التي قادت الدولة إلى الهلاك لا يمكن أن تكون هي نفسها البديل، ولا سبيل لتحقيق الحد الأدنى من التفاهم السوري السوري من دون إجراء تعديلاتٍ دستوريةٍ وإصلاحات سياسية ومشاركة لجميع الأطراف في الحكم الجديد. أما طهران التي تعرف أن نظام الأسد قد انهار وتفكّك، ولم يبق منه شيء، فهي تريد أن تعد نفسها ومليشياتها لتكون النظام الوريث، أي أن تبني نظاماً يستند كليا إليها، وتحرّكه روح التبشير المذهبي والعداء لشعوب الإقليم ذاته الذي يحرّكها، وهي لا تتمسك بالأسد إلا قناعاً تخفي به نظام الاستعمار والإحلال الحقيقي الذي تسعى إلى إقامته بديلاً لنظامه .

من هنا، يبدو لي أن من الصعب أن تتجنب طهران الصدام مع ما لا ينبغي وصفه بأكثر من 

"هل تنجح موسكو في كبح جماح الهيمنة الإيرانية، واحتواء وحش التوسعية القومية والمذهبية المتعطش لمزيدٍ من الدماء والعظمة والانتصارات؟" مشروع التهدئة الروسية في سورية، ما لم تقبل بتخفيض سقف توقعاتها وإعادة تعريف مصالحها وأهدافها التي دفعتها إلى غزو سورية، تحت قناع الدفاع عن نظام الأسد، أو النجاح في إثارة نزاعات أو صراعات جانبية، وربما مع تركيا بشكل رئيسي، لإجهاض العملية السياسية. وهي لم تصرّ على حضور اللقاء الثلاثي في موسكو، وتوقع على بيانه، إلا كي تتمكّن من الانقضاض عليه في مرحلة تالية وتعطيل أي تسوية سورية.

على الرغم من شراكتها الكاملة في تحطيم آمال السوريين، ومن تواطؤها مع الأسد وطهران، لحرمانهم من حقهم في تقرير مصيرهم، أي من الحرية والكرامة والسيادة والاستقلال، ما زال من الممكن لموسكو أن تلعب دوراً في مساعدة السوريين على الخروج من المحنة. ولا يمكن أن يتجسّد هذا الدور في المساهمة في التغيير السياسي، وبناء النظام الجديد الديمقراطي الذي ينشده السوريون، فهو ليس من أهدافها، ولا من أولوياتها، وليست قادرة عليه، وإنما في العمل على وضع حدٍّ للحرب التي كانت طهران، ولا تزال، الواقد الرئيسي والأول في نارها.

ساهمت كل الأطراف التي انخرطت في الأزمة السورية، بشكل أو آخر، في إطالة معاناة السوريين، بعضها بسبب تآمره، وبعضها بسبب تجاهله وتخاذله، وبعضها بسبب أخطائه وسوء إدارته وبعضها لقلة حيلته، وبعضها، كما هو الحال بالنسبة للمعارضة السورية، لضعف تنظيمه وانقسامه وتنازعه. لكن، ما كان لهذه المأساة أن تصل إلى ما وصلت إليه من الوحشية وزرع الشر والدمار، ولا أن تدوم هذه السنوات الطويلة، من دون إرادة الهيمنة المرضية التي تتغذّى من مشاعر التفوق العنصري، وروح الانتقام من العرب والغرب التي تحرّك النخبة التيوقراطية الإيرانية الحاكمة اليوم. ولا أعتقد أن من الممكن إنقاذ المشرق من محنة الحرب الدائمة التي تدفعه إليها طهران من دون لجم هذه الإرادة، ووضع حد لنظام السلطة الأبوية والبابوية "الصليبية" التي تخضع لها الدولة الايرانية، والتي تفرض على الشعب الإيراني الضحية طريقاً واحداً لتحقيق ذاته وتطلعاته: هو طريق الحرب والتوسع والجهاد الطائفي. ما تطمح إليه طهران الخامنئية، باسم نشر الثورة الإسلامية، هو فتح مضاد يلغي نتائج الفتوح العربية الإسلامية، ويعيد إلى الامبرطورية البائدة مجدها وهيمنتها. لكن، لن تكون عواقب هذه السياسة، في نهاية المطاف، سوى انهيار إيران وخراب الإسلام دينا ودنيا في الوقت نفسه.

هل تنجح موسكو في كبح جماح الهيمنة الإيرانية، واحتواء وحش التوسعية القومية والمذهبية المتعطش لمزيدٍ من الدماء والعظمة والانتصارات؟

في الإجابة الإيجابية عن السؤال تكمن مهمة روسيا التاريخية وفرصة موسكو الوحيدة للنجاح في وضع نهايةٍ للحرب السورية، وللحروب العديدة الأخرى التي ولدت من صلبها، وعلى هامشها، بما فيها الحروب الداعشية، وهذا بصرف النظر عن طبيعة النظام السياسي الذي سوف ينجم عن السلام.

========================

بعد حلب... أزمة المنظور الروسي في سورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الاحد  25/12/2016

يتوضّح أكثر بعد معركة حلب أن روسيا تسير في خيار الحسم العسكري، وإنْ كانت تعمل على ذلك ب "هدوء"، أو ب "بطء". فقد سكّنت الجبهة الجنوبية بالاتفاق مع النظام الأردني. وأخذت تقطف ثمار الحصار الطويل لكل المدن والبلدات في محيط دمشق، من خلال تحقيق "المصالحات" التي تقتضي خروج المقاتلين والسكان منها. وقرّرت حسم الصراع بالقوة في حلب وإدلب والشمال عموماً، بعد أن سمحت لتركيا بالسيطرة على شريطٍ من حدودها مع سورية في حرب ضد "داعش". وهي غير مهتمة ب"داعش" ومناطق سيطرته، لأنها تستطيع استعادتها ب "هدوء" حين تريد، لأنها تخدمها من خلال السيطرة على مناطق النفط التي باتت من حصة الشركات الروسية، وحيث تتحكّم في جزء منها هناك. لهذا لم تقاتل مسلحي "داعش"، على الرغم من "الأفلام" التي نشاهدها بين حين وآخر. ويبدو أنها تريد الآن تشكيل "معارضة معتدلة"، تقبل الاتفاق مع النظام، لكي تقول إنها أنهت الصراع الطويل في سورية، وأعادت الهدوء إلى هذا البلد.

يتمثل المنظور الروسي في حسم الصراع بالقوة وفرض بقاء بشار الأسد ونظامه. ولهذا، يستخدم قواته الجوية والبرية، ويعتمد على مليشيا طائفية من بلدان عديدة. هذه هي، باختصار، الإستراتيجية الروسية التي استخدمت سورية حقل تدريب لجيشها، وتجريب سلاحها الجديد، واستعراض قوتها لكي تزيد من مبيعات سلاحها. وهي تريد احتلال سورية من أجل مسائل عديدة. أولها استراتيجي، يتعلق بأن سورية مرتكز توسيع السيطرة على "الشرق الأوسط" الذي يعيش حالة انسحاب أميركي. وثانيها عسكري، يتعلق بتوفير قواعد بحرية في سورية من أجل الهيمنة على البحر المتوسط، وقواعد جوية وبرية ل "حماية مصالحها" في سورية و"الشرق الأوسط". وثالثها الحصول على مصالح اقتصادية، تتعلق بالنفط وإعادة الإعمار ومشاريع تقطف ثمارها الشركات الروسية. ورابعها التحكّم بخطوط النفط والغاز، لكي تمنع كل إمكانية لمد خطوط عبر سورية، تنافس روسيا في أوروبا.

ولا شك في أن ذلك كله "مصيري" وحاسم لروسيا، البلد الإمبريالي الذي يريد الأسواق، لكنه يريد كذلك منع التنافس، كي يُبقي أوروبا في حاجةٍ إليه في ما يتعلق بالنفط والغاز. لهذا، تسعى إلى فرض احتلال على سورية، وليس فقط إقامة علاقات متميزة، لأن هذا هو ما يضمن لها ذلك كله، ولأن ضرورة إقامة قواعد عسكرية يعني فرض الاحتلال، كما أرادت وتريد أميركا في العراق. وتدفعها كل هذه الأمور إلى الحسم العسكري، والسيطرة على كل سورية (وهنا، يصبح كل حديث عن التقسيم لعبة مسلية، هدفها تشتيت النقاش وتضييع الحقائق). لكن، لنفترض أن روسيا استطاعت، بكل تفوقها العسكري، أن تسيطر على كل الأرض السورية، فهل تستطيع ضمان قدرة النظام على الحكم؟

السؤال نابع من ملاحظة بسيطة، هي أن النظام لم يعد يمتلك جيشاً، وهذا ما اعترف به بشار

"يتمثل المنظور الروسي في حسم الصراع بالقوة وفرض بقاء بشار الأسد ونظامه"  الأسد في صيف سنة 2015 مقدمة لطلب التدخل الروسي، حيث هناك بقايا جيش، وعصابات تسمى "الجيش الوطني"، وحتى فرق الجيش باتت تتشكل من هذه العصابات، بعد فرار أغلبية الجيش أو انشقاقه، وهروب الذين يُطلبون إلى الخدمة العسكرية، ومقتل آلاف منه. ولهذا، من يقاتل الثورة "قوى خارجية". هكذا بالضبط، وهي حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والأفغانية والباكستانية، والحرس الثوري الإيراني، ومرتزقة من فلسطين ولبنان وغيرهما. وبالتالي، كيف يمكن أن يحكم بعد تحقيق "الانتصار"؟

أمام روسيا خياران. الأول الاعتماد بشكل مستمر على هذه القوى التي هي خاضعة لإيران، وهذا يعني أن على روسيا أن تقاسم إيران في "الغنائم"، ومنها القبول الروسي بمدّ خط أنابيب الغاز الذي وقعته مع بشار الأسد سنة 2010، وضمان مشاريع اقتصادية لها، وسداد ديون النظام لها. وأيضاً أن تقبل سياسات إيران التي تستغلّ حزب الله من أجل التفاوض، حيث تريد السيطرة على سورية ولبنان (والعراق واليمن) كما يصرّح قادتها. ويتناقض هذا الأمر مع تحالف روسيا مع الدولة الصهيونية التي تريد إنهاء وجود حزب الله، وإبعاد إيران عن حدودها. ولا شك في أن ذلك كله يتناقض مع مصالحها هي، حيث تريد السيطرة الأحادية على سورية، ومدّ سيطرتها إلى "الشرق الأوسط". والخيار الثاني أن تأتي بقواتها هي، لكي تصنع أرجلاً لنظامٍ تريد استمراره، وهذا يورّطها في حرب طويلة، وهي حربٌ ستحدث، حتى وإنْ اعتمدت على قوى إيران.

تحتاج إعادة بناء جيش سوري إلى زمن طويل، وربما لا يكون ممكناً ذلك نتيجة "غياب الشباب" الذي يقبل الخدمة العسكرية، بعد أن جرى تهجير أكثر من نصف السكان، وفرار شبابٍ كثيرين من مناطق النظام، وحتى من "داعميه". بالضبط لأنهم لا يريدون المشاركة في هذه الحرب القذرة، بعد أن فقدت تلك المناطق عشرات آلاف الشباب في حرب النظام ضد الشعب، ومن أجل إجهاض الثورة. والعجز عن بناء جيشٍ جديد يعني أن على روسيا إما أن تقبل بتقاسم مع إيران، وهو تقاسم غير مضمون النتائج، أو تزيد من قواتها البرية، وهذا أمر يغرقها في أفغانستان جديدة. فهل تقبل أن تبقي المعادلة الحالية بعد أن تحسم الأمور؟

هذه هي معضلة روسيا في سورية، ذلك أن "انتصارها" لن يكون مكتملاً، وسوف يخضع

"الشعب الذي ثار لن يقبل الهزيمة التي تتمثل ببقاء بشار الأسد ومجموعته" لظروفٍ تقلل من قدرتها على السيطرة واحتكار سورية. وأشير إلى ذلك انطلاقاً من بديهية واضحة، هي أنه حتى وإنْ استطاعت روسيا السيطرة على كل سورية، فإن الحرب ضدها وضد النظام لن تتوقف، وإنْ اتخذت أشكالاً جديدة، فليس من انتصارٍ حاسم ممكن لها في كل الأحوال. ولا شك في أن تمسّكها ببشار الأسد، وببنية النظام كما هي، من دون أن تقدم "تنازلاً" واحداً، سوف يفرض عليها أحد الخيارين السابقين، أي الاعتماد على قوات إيران وملحقاتها أو إرسال قواتها. لا بد، في الحالة الأولى، من أن تقدّم تنازلاتٍ لإيران، وهو ما لا تستطيعه، أو إرسال قواتها، وهذا سيدخلها في أفغانستان جديدة، ربما أسوأ من السابقة، خصوصاً أن الوضع العالمي يعاني من سيولةٍ وتحوّلٍ في التحالفات، يمكن أن تقود إلى تصارع مصالح في سورية، يعزّز من الصراع ضدها. والأهم هنا هو أن الشعب الذي ثار لن يقبل الهزيمة التي تتمثل ببقاء بشار الأسد ومجموعته. وبالتالي، سوف يستمر العمل المسلح ضد النظام وحامليه من إيران إلى روسيا، ولسوف يتخذ أشكالاً أفضل مما جرت ممارسته منذ ثلاث سنوات. فحرب العصابات هي التي ستكون الرد المناسب على وضعيةٍ مفروضةٍ من بقايا نظام وسلطة احتلال وأدوات طائفية. ولكن، يمكنها تحويل وجهة الصراع من روسيا في حالةٍ واحدة فقط، هي إنهاء سلطة بشار الأسد ومجموعته، وإعادة بناء الدولة على أسس تشاركية. فهذا هو المدخل الوحيد لبناء قوى عسكرية تحمي الدولة، حيث إنها الخطوة التي تسمح بعودة عشرات آلاف الفارّين من الجيش، وتهدئة القوى التي تقاتل الآن ضد النظام، وتحقيق "قبول شعبي" بشكلٍ ما. على الرغم من أن الصراع سوف يستمر بأشكال أخرى، نتيجة الحاجة لتحقيق مصالح الشعب، الاقتصادية والسياسية، فالشعب يريد العيش الكريم والديمقراطية، هذا هو ملخص الحرية التي يريدها، وطرحها منذ البدء.

========================

لماذا تركت "الائتلاف"؟ .. ميشيل كيلو

لا بد من قول بعض الجمل حول أسباب تركي الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في هذه اللحظات المهمة من المعركة الدائرة حول وطننا وداخله.

وكنت قد انتسبت إلى "الائتلاف" في ظرفٍ بدا معه أن دخول "كتلة ديمقراطية" قوية إليه سيمثل إضافة نوعية للعمل في سبيل الثورة السورية. حينها، كنت أعتقد أن علينا، كديمقراطيين، تدارك ما في الثورة من نواقص خطيرة، كافتقارها إلى قيادةٍ تعترف بها جميع أطرافها، وإلى خطةٍ استراتيجية، وبرامج تفصيلية تغطي سائر جوانبها، وخطط تتفيذية تحدّد وتوقّت مساراتها، وتلعب دورها في نقل أعمال "الائتلاف" وأنشطته من دورٍ يلحق بالأحداث إلى دور يستبقها ويوجهها إلى حيث تخدم الثورة، وتقوّض النظام الأسدي إلى جانب توحيد الجهود السياسية والعسكرية، وإخضاع الثانية منهما لما ترسمه القيادة السياسية من خطط، وتصدره من أوامر وتقرّه من برامج، وكذلك استعادة رهان الثورة على الحرية، من خلال عملٍ منظم يقاوم النزوع إلى العسكرة والطائفية والمذهبية، لدى النظام وبعض التنظيمات الجديدة، كالقاعدة و"داعش"، و"أحرار الشام" (قبل تحولهم نحو رؤية فيها عناصر وطنية)، والسعي إلى توطيد تماسك الحاضنة الاجتماعية المعادية للنظام، عبر سياساتٍ متكاملةٍ تشجعها على التمسك بحراكها اليومي والسلمي.

من أجل هذا البرنامج، كتبت ورقةً أقرّتها الهيئة السياسية (ولم ينفذ منها شيء) تتضمن رؤيتي لطرق إنجاز هذه المهام، قصدت بها دفع "الائتلاف" إلى وضعٍ يمكّنه من إحداث نقلةٍ نوعيةٍ في بنيته وسياساته، وتعزيز قدرته على ملاقاة التطورات والتحكم بها، طالبت فيها بإعطاء الأولوية في عمله للداخل باعتباره ساحة الحسم التي يتوقف نجاح الثورة وفشلها على تعبئتها وتنظيمها وربطها بالثورة التي كان جلياً أنها ستستمر فترة طويلة. وقلت إن الرهان على 

"رفض "الائتلاف"، بعد كارثة حلب، اتخاذ قرارٍ يدين "النصرة" بالإرهاب، ويتنصّل من أعمالها" الخارج يبعد تضحيات السوريين عن هدفها: الحرية للشعب السوري الواحد، ويحولها إلى أداة تخدم تصفية حسابات متنوعة، تمارسها القوى الدولية عامة، وأميركا خصوصاً، من خلال سورية التي تتحوّل من مكان للثورة إلى ساحةٍ تدور فيها مختلف أنواع الصراعات والتدخلات التي لا تمت لها، أو لمطالب الشعب السوري بصلة. وأكدت على ضرورة بقاء "الائتلاف" مستقلاً، ومنتجَ عمل وقرارٍ وطني يواجه من خلاله الصراعات الإقليمية والدولية المتزايدة الانخراط في بلادنا، والتي أسهم ظهور التطرّف المسلح معها في الانزياح الجدّي الذي يأخذ بدوره الثورة إلى العسكرة والتطييف والتمذهب، ويتبع السياسي للبندقية عوض أن يخضع البندقية للسياسي، ويقوّض بصورة متزايدة قدرة "الائتلاف" على امتلاك تمثيل وطني مستقل يحترمه الآخرون، يقنع الأشقاء العرب والعالم بالخيار الديمقراطي، خياراً يضمن وحده أمنهم وسلامهم، ويرد عن سورية وعنهم مخاطر (وجرائم) الإرهاب، القاعدي والداعشي، ويؤسس البيئة السياسية الضرورية لإسقاط الأسد ونظامه. وفي هذا السياق، يجعله وضعه الذاتي رقماً صعباً يستحيل على الآخرين تحقيق مصالحهم في سورية، من دون تحقيق مطالبه، وفي مقدمتها تطبيق القرارات الدولية التي تدعو إلى الانتقال الديمقراطي الذي يأخذ سورية إلى الحرية والعدالة والمساواة والكرامة.

ومع أنني كتبت مجموعةً كبيرةً من الأوراق التي تعالج هذه القضايا، ووضعت برنامجاً تفصيلياً لإصلاح العمل الوطني، وليس "الائتلاف" وحده، فإن عائد جهودي كان محدوداً إلى أبعد حد، وضاع في التحزبات والخلافات والصراعات الانتخابية، والتدخلات الخارجية المتعدّدة الأطراف، بينما كان "الائتلاف" يبتعد أكثر فأكثر عن دوره المفترض قائداً للثورة، ويكتفي بصفته التمثيلية التي تقلصت، بمرور الوقت، إلى اتصالاتٍ خارجية، ازدادات تدنياً وهامشية، وعلاقات داخلية برّانية، أخذت دوماً صورة أحاديث مرسلة مع العسكر، لم تترتّب عليها أية نتائج عملية بالنسبة لنظرتهم إليه، أو إلى أنفسهم وأدوارهم. أما الأسباب فترجع إلى أن التنظيمات المسلحة الكبيرة لم تعترف به، وبمشروع الحرية الذي أعلن تبنيه، لكن إكراهاتٍ عمليةً ألزمته بمراعاة الواقع الميداني/ الداخلي الذي تسيطر هي، وليس هو، عليه. وبما أن معظم هذه التنظيمات كان معادياً لمشروع الثورة الأصلي، أي للحرية، فقد أحجم "الائتلاف" عن مواجهتها، ومارس حيالها موقفاً جعل مشروعه الثوري كلامياً، وأرغمه على التساهل في تبنيه فعلياً وعملياً، وفي النضال من أجل انفراده بالساحة، مع أن الموقف منه كان وسيبقى الموقف من الثورة الذي يجب أن يوضع في مرتبةٍ أعلى من أية علاقة جزئية أو دنيا، يقيمها مع أية تنظيمات، فكيف إذا كانت إرهابية.

هذا الواقع الذي افتقر إلى قيادة وخطط وبرامج ثورية، واتسم بالتفكّك السياسي والعسكري، 

"بما أن "الائتلاف" لم يفعل شيئاً ضد هؤلاء الإرهابيين الذين يخشاهم العالم، فقد بدا وكأنه يؤيدهم أو يناصر قضيتهم" وخالطته نزعة إرهابية قوّضت طابعه الثوري الحر، بدا عصياً على أي إصلاح، ناهيك على التغيير، وأقنعني، منذ أعوام، أن دوري في "الائتلاف" لا يفي بالغرض الوطني الذي من أجله انتسبت إليه، وأن دخولى إليه تحوّل من فعل تغييري مزمع إلى واقع احتوائي مفروض ومرفوض، لكنني كنت أعد نفسي دوماً بجهة تفي بوعودها حول تطبيق برنامجٍ متفقٍّ عليه، وتشكيل فريق استشاري حول الهيئة الرئاسية يضفي شيئاً من المشاركة على أنشطتها وقراراتها، يغطي جميع أوجه الواقع السوري، بعد إعادة هيكلته بوصفها عملاً متخصصاً وخبيراً. وفي النهاية، كان لا بد من قرار، خصوصاً بعد اجتماع الهيئة العامة أخيراً، والذي طالبت فيه أغلبية ساحقة من أعضاء "الائتلاف" برفع غطائه السياسي عن جبهة فتح الشام (جبهة النصرة)، لكن جهةً ما عطّلت إصدار القرار الذي اتخذ، الأمر الذي أثار لدي ولدى عدد كبير من الأعضاء الانطباع بأن هناك اليوم أكثر من ائتلاف، وأن الجهة التي تتخذ قراراته مطبخية وسرية، وما عداها لا حول له ولا طول، وإنها تمتلك من الآليات ما يمكّنها من فعل ما تريد. لذلك لن يكون البقاء في "الائتلاف" غير تغطية لأعمالها وقراراتها التي تتعارض مع قناعاتي، وليس من الإنصاف أن أتحمل مسؤوليتها، وخصوصاً في حالة جبهة النصرة، الجهة التي تتعارض أفعالها تعارضاً جذرياً من المصالح الوطنية والعليا للشعب السوري، ومع الثورة وقيمها، وتدمر فرص نجاحها، في واقع دولي يجد نفسه منذ أعوام أمام المفاضلة بين إرهابي يقتل شعبه هو المجرم بشار الأسد، وإرهابيين سيقتلون شعوب العالم كافة، إن أسقطوا حكمه. وقد اختار العالم الإرهابي الذي يقتل السوريين، لاعتقاد قادته (غير الصحيح طبعا) أن خياره هذا يحمي شعوبه. بما أن "الائتلاف" لم يفعل شيئاً ضد هؤلاء الإرهابيين الذين يخشاهم العالم، فقد بدا وكأنه يؤيدهم أو يناصر قضيتهم، وليس صادقاً في عزوه إرهابهم إلى النظام، وإلا لما أحجم عن التنصل منهم ومحاربتهم، ولما رفض، رفع غطائه السياسي عنهم.

واليوم، وقد بدأ الخط المتعسكر/ المتمذهب بالانهيار، وصار من الضروري أن نعمل كي لا يتحول سقوطه إلى سقوط للثورة، يكون على كل وطني محب للشعب العمل لاستئناف ثورته الأصلية كثورة حرية وكرامة لجميع السوريين، من دون أي استثناء. وبالنظر إلى أن "الائتلاف" رفض، بعد كارثة حلب، اتخاذ قرارٍ يدين "النصرة" بالإرهاب، ويتنصّل من أعمالها ويضعها خارج الثورة، فقد كان من الضروري أن أغادره لأشارك، من الآن، في الجهد الوطني الذي سيتركّز على استئناف ثورة الحرية للشعب السوري الواحد، ويتطلب نجاحه جعل المعركة ضد الإرهاب استراتيجية قائمة بذاتها، تحفز بنجاحاتها الحراك الثوري/ السلمي/ الوطني الذي سيقترن بما نراه من انفكاك قطاعاتٍ شعبية واسعة عن الإرهابيين وتنظيماتهم، وتوجه لدى شابات وشبان سورية نحو استعادة دورهم المفصلي في ثورة الحرية والكرامة التي صار إحياؤها مسألةً إنقاذية، من غير الجائز التساهل فيها أو تجاهلها. لو كان "الائتلاف" مؤهلاً للقيام بهذه المهمة، أو عازماً على الخروج من هامشيته الراهنة، عبر التصدّي لقيادة هذه المحاولة الإنقاذية، لكنت خادماً صغيراً له، لكنه لا يقوم بما يوحي أنه أدرك أهمية السانحة المتاحة، ويريد التصدّي لمهامها.

عندما أبلغت "الائتلاف" بانسحابي منه، تمنيت له النجاح، هذا ما أتمناه له اليوم أيضاً، وسأتمناه له دوماً.

ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

========================

مأساة حلب: المسؤوليات والتبعات .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد  25/12/2016

لا شكّ أنّ المسؤولين المباشرين والرئيسيين عن مذابح ومقاتل وتهجيرات جوار دمشق والقلمون وحمص والقصير وحلب، هم: نظام بشار الأسد والإيرانيون والميليشيات التابعة لهم والروس. وهذه الأطراف لا تنكر ذلك بل تفخر به، وإن اختلفت أسبابها، من مساعدة النظام الشرعي، ومقاتلة الإرهابيين والتكفيريين، إلى حماية العتبات والمزارات! وقد بلغ من "صراحة" الرئيس السوري أن كرر قبل أيام تصريحاً مفاده أنّ النسيج الاجتماعي السوري صار أكثر صحةً وتماسُكاً بعد الحرب. ويعني أنه قتل من "أعدائه" زُهاء الستمئة ألف، وهجَّر عدة ملايين، فتراجعت نسبةُ "السنة" بين شعبه، وإن ظلُّوا أكثر من اللازم!

لكنّ تحميل الإيرانيين والجيش (العربي) السوري والروس مسؤوليات القتل والتخريب، لا يُعفي المسلَّحين أنفسهم، كما لا يعفي الأتراك وبعض العرب الذين وقفوا مع النظام، والذين وقفوا ضده. فهؤلاء المسلَّحون عجزوا في أقسى الظروف عن التوحد في الحد الأدنى. ورغم وجود ضباط محترفين بينهم، عجزوا عن شنّ حروب عصابات، كما يفعل الثوار. عدم تحقق وحدتهم وسلامة تحركاتهم سهّل عمليات اختراق النظام لهم، كما سهّل للمتطرفين الاستيلاء على قرارهم. وكذلك الأمر مع أخذ البلدات والتمركز فيها بدلاً من ضرب البنى العسكرية والأمنية والانسحاب. لقد صار أي تنظيم مهما بلغ صغره يعتمد على احتلال بلدة أو ناحية والتمركز فيها واستغلال مواردها كأنما هو دولة مستقلة. وإذا حاول الامتداد فيكون غالباً ضد تنظيم أضعف منه. إنما في الأعم الأغلب لا امتداد بل الانتظار والاستمتاع حتى يحاصره النظام ويضربه بالبراميل المتفجرة والمدفعية ويشنّ حرب التجويع وصولاً للإرغام على الاستسلام بعد ما نَمَت الميليشيات الإيرانية والمتأيرنة. وهكذا حصل في ضواحي دمشق والقلمون وحمص وشرق حلب أخيراً. لقد كان سُذّج المقاتلين يراهنون على أن النظام لن يقصف التنظيمات المسلَّحة لأنها تستتر بالمدنيين المساكين. بينما كان كثير من المسلحين يستغلون المواطنين، ويتخذونهم دروعاً في الوقت نفسه. ثم إن تكتيكات القتال التمركزي هذا كانت غامضةً جداً. فماذا كان يفعل "جيش الإسلام" الضخم طوال ثلاث سنوات في ضواحي دمشق؟! وما كان النظام يتعرض له غالباً، وهو لا يتعرض للنظام! بل كان دأبه الامتداد على حساب التنظيمات الأُخرى. وعلى أي حال فإنّ التنظيمات الكبرى، المتطرفة والمعتدلة، ما اختلف سلوكها عن الصغرى من حيث التمركز وعدم التقدم والقتال الدفاعي، ومحاولة افتراس التنظيمات الأصغر والوصول أخيراً إلى نفس المصير: الحصار والقصف السوري والروسي ثم الإرغام على الجلاء مع المدنيين!

ولنصل إلى تركيا واهتماماتها ومصالحها. في مطلع 2013، وبعد تدخل "حزب الله" مباشرةً في سوريا، وبدء الحركات الاستقلالية الكردية من دون مقاومة من نظام الأسد، قال لي جنرالان تركيان رأيتُهما مع إعلامي تركي صديق: إذا لم نتدخل مباشرةً أو بالواسطة هذا العام (2013) فسنواجه الإيرانيين والأكراد معاً في سوريا والعراق! والذي يبدو لي أن الأتراك راهنوا على "النصرة" و"داعش". وعندما تبين لهم، بعد فوات الأوان، خطورة الأمر دعموا، بعد موافقة الأميركيين، "أحرار الشام" و"نور الدين زنكي" والكتائب المشابهة. لكنْ حتى في هذه الحالة، والثوار تابعون لهم تسليحاً وتمويلا، لم يستطيعوا توحيدهم! ثم عندما تدخلوا أخيراً، وبعد فوات الأوان، ما وجدوا معهم غير ألفي مقاتل، بينما استطاع الأكراد تجنيد خمسة آلاف عربي معهم (!). عندكم ثلاثة ملايين سوري، وتلعب بكم الإدارة الأميركية طوال أربع سنوات، ولا تفكرون في إعداد عشرين ألف سوري ممن عندكم، ولو بالسلاح الخفيف والمتوسط وحسب؟! هذا بينما دفع الإيرانيون بميليشيات إلى سوريا من أفغانستان والعراق ولبنان بلغت أعدادها أربعين ألفاً وأكثر.

المهم الآن أنه حتى مجلس الأمن ما عاد بوسعه التدخل في سوريا إلا إذا وافق الثلاثي: الروس والإيرانيون والأتراك. والذي أُرجِّحه أن يستعين الروس أنفسهم بمجلس الأمن إذا تصاعد الخلاف الإيراني التركي، وتعذر على موسكو إقناع الطرفين بالاتفاق على وقف النار، ثم على الحل السياسي، ويا للعرب!

========================

حلب.. و "إسلامية" تركيا (٢) .. وائل مرزا

المدينة

الاحد  25/12/2016

حلب.. و "إسلامية" تركيا (٢) يرحم الله أهل الألباب، وأياماً قال فيها الشاعر العربي: "إن اللبيب من الإشارة يفهم". لم يكن الهدف في الجزء الأول من هذا المقال استخدام أحداث حلب للحكم على إسلامية السلطة التركية من عدمها، وإنما تَمثل الهدف، تحديداً، في محاولة فتح ملف التفكير بموضوع "الأسلمة"، بمعنى البحث عن معانيه ودلالاته الحقيقية، وملابسات تنزيله في واقع الناس، لدى العرب بشكلٍ عام، وإسلامييهم تحديداً، من خلال استخدام واقعٍ محدد يتعلق بمثالٍ يهتمون به كثيراً.

فمثلُ هذه المداخل، البعيدة عن التجريد و(التنظير)، تُوفرُ مقاربةً أسهلَ وأوضح لتحديد المشكلات ومواضيع البحث، وطرح الأسئلة بخصوصها. وهي أقدرُ على إضفاء جرعةٍ من القوة النفسية والفكرية للاعتراف بالحقائق العيانية التي تفرض نفسها على واقع الناس.

لهذا، وحرصاً على تأكيد الفكرة وأهميتها، نحاول مرةً أخرى.

الإسلاميون مشغولون ب "أسلمة" الحياة، ويرون، بالتالي، أن مقتضياتها تشمل كل فعاليات الحياة البشرية، ومنها، تأكيداً، السياسة، داخليةً كانت أو خارجية. هذه مقدمةٌ أولى.

وثمة شرائح طاغية منهم، مع كثيرٍ من العرب، يرون في السلطة التركية نموذجاً على الالتزام ب "مفهوم" الأسلمة، بل وحرصاً على العمل بمقتضياتها. هذا فضلاً عن رغبةٍ نفسيةٍ بأن يشيع منهج تلك السلطة في عملية الأسلمة في كل مكانٍ آخر، هذه مقدمةٌ ثانية.

لاتنفي السلطة التركية نفسها صفة "الإسلامية" عن هويتها، ولاتخفيها في خطابها الإعلامي والسياسي إلى درجةٍ كبيرة. هذه مقدمةٌ ثالثة.

حسب الفهم الشائع جداً لصفة "الإسلامية" ومتطلباتها العملية، بين الإسلاميين العرب، والسوريين حصراً، كان يجب على تركيا أن تتصرف، سياسياً وعسكرياً، بخصوص المسألة السورية بشكلٍ محدد، خاصةً في الأشهر الأخيرة، وتحديداً فيما يتعلق بعلاقة تركيا مع الفصائل والمعارضة السورية من جانب، ومع كل من روسيا وإيران (وإسرائيل)، من جانبٍ آخر. هذه مقدمةٌ رابعة، من التعسف إنكارُها. وتفاصيل الحديث فيها معروفةٌ ومشهورة لاحاجة للتفصيل فيها (باختصار شديد وفي أقل الأحوال: مجابهة روسيا وإيران سياسياً وعسكرياً إن اقتضى الأمر، وتزويد الفصائل بكل أنواع الأسلحة وخاصة مضادات الطائرات، وبالتأكيد عدم التعاون لخروج حلب من المعادلة).

لم تتصرف الحكومة التركية في كل هذه المسائل وفق (كاتالوك) الإسلاميين العرب، ولا وفق أجندتهم وفَهمهم ورؤيتهم، من قريبٍ أو بعيد، في تنزيلها لمقتضيات الإسلامية على سياساتها الخارجية المتعلقة بالمسألة السورية. هذه مقدمةٌ خامسة.

بحدٍ أدنى من المنطق، ووفق المقدمات الخمس أعلاه، ثمة احتمالان لتفسير المفارقة بالنسبة للإسلاميين العرب والسوريين. فإما أن صفة الإسلامية لم تؤخذ بالاعتبار، في قريبٍ أو بعيد، من قبل الأتراك في تعاملهم مع الوضع السوري. وهذا يعني أن تلك الصفة ليست موجودةً

أصلاً لديهم، أو، في أقل الأحوال، أن هناك (انتقائيةً) في السياسات المتعلقة بها، يُطلقُ عليها البعض أسماءَ أخرى أكثر سلبيةً..

أما الاحتمال الثاني، الذي نؤكد عليه، فيتمثل في أن هناك فرقاً شاسعاً في فهم كل مايتعلق بمفاهيم "الأسلمة" و"الإسلامية" بين الطرفين. ما يزيد الأمر خلطاً هو غياب التفريق بين تنزيل تلك المفاهيم في سياقين: سياق المظاهر الخارجية والشعائر من جهة، حيث يكون التشابه طبيعياً وسهلاً، وسياق القضايا الكبرى المتعلقة بالقضايا الاستراتيجية السياسية العالمية المتعلقة بمصائر الدول والشعوب، حيث تختلف الرؤية والحسابات كلياً.

لايُنكر الحكام الأتراك كثيراً مما يتعلق بإسلاميتهم، كما ذكرنا، لكن فهمهم لتنزيل مقتضيات الإسلام في الحياة، يحمل درجاتٍ من المراجعة والمرونة والتفاعل الهائل مع متغيرات الواقع. وهذا، تحديداً، مايُنتج ممارسات وقرارات تجعل الإسلاميين العرب والسوريين يُصابون بالدوار. وللدقة في هذا المقام، لايعني هذا التحليل إضفاء صوابيةٍ مطلقة على نتائج المراجعة والمرونة والتفاعل، فهذا ليس من طبائع الأمور، وإنما يؤكد الاختلاف الجذري في منهج التفكير بمفاهيم "الأسلمة" والإسلامية" بين الطرفين.

وبدلاً من التركيز على جوهر القضية هذا، وخروجاً من مأزقهم النفسي والفكري والعملي، يَجهدُ إسلاميو العرب والسوريين في محاولة تبرير قرارات الأتراك بالحديث عما قدمته تركيا للسوريين في كل مجال، وهذاً حقٌ لايُنكر، وفي التذكير بما تواجهه من صعوبات وتحديات، مما يعرفه كل إنسان.

مفرق القضية يكمن في كون تجربة حلب، في سياقها التركي والعالمي، فرصةً أخرى للإسلاميين العرب والسوريين لإعادة التفكير بكل ما له علاقة بصفات "الأسلمة" و"الإسلامية"، جذرياً وبشكلٍ شمولي.

========================

العالم و"هولوكست" في إدلب! .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 24/12/2016

لم أفاجأ بما حدث في حلب، فقد حوربت الثورة السورية بضراوة وغيّب مشروعها الوطني في بناء دولة مدنية تحقق لشعبها الحرية والكرامة والديموقراطية أمام سيل من التنظيمات الدينية التي سرعان ما ظهرت بشعارات لا تمت للثورة بصلة، ولكنها اختطفت راياتها وشعاراتها وحاربت كل من نادى بالمشروع الوطني، ولن ننكر أن ساحات الموت كانت بيئة قابلة لفكر ديني حين يواجه الكوارث، ولكن هذا الفكر شكل عبر إدارة خبيثة منعطفاً سهلاً لتعبئة متطرفة داعبت مخيلة الحالمين بخلافة إسلامية أو بإمارة دينية، وهؤلاء الواهمون الحالمون فريقان أحدهما ينفذ مخططاً للتمويه على الثورة وحرف بوصلتها وامتلاك ناصيتها، ليقدم النموذج المشوه للإسلام الحضاري الذي برع أهل الشام في تقديمه منذ قيام دولة بني أمية المدنية، وكثير من التصرفات الغريبة كانت توحي بالقصد العمد، حيث لم تستطع هذه التنظيمات المتطرفة أن تقدم للناس ما يقنعهم فكرياً أوعملياً. وأما ثاني الفريقين، فهو حشد من بسطاء الناس ومن المهمشين الذين ثاروا على ما رأوا من ظلم، وقادتهم تلك التنظيمات عاطفياً تحت لافتة الإسلام، وقدمت لهم الحماية ووسائل العيش حين اشتد ضيقه، وغاب عنهم أن يقرؤوا العالم الذي يعيشون فيه، وأن يفهموا التوازنات الدولية، وقد ظن بعضهم أن العالم سيقبل دولة سُنية دينية كما قبل إيران سابقاً، وهي دولة دينية شيعية يحكمها الولي الفقيه ريثما يظهر الإمام المنتظر، ولم يفهموا وظيفة تلك الدولة رغم أن ملامحها قد باتت شديدة الوضوح، بعد أن تمكنت من لبنان والعراق وسوريا وهي تمد أذرعها في اليمن.

وليس سراً أن النظام وحلفاءه أسهموا بقوة في تنمية المشهد الديني المتطرف للتعمية على مطالب الشعب، وقد أعلن النظام عن قيام إمارة إسلامية قبل أن يطلق سراح المعتقلين من الإسلاميين المتشددين لديه، وكانت أكذوبة استنكرها الشعب كله. ولكن النظام الأمني تمكن من أن يقدم القضية السورية على أنها نظام علماني عصري يواجه منظمات إرهابية، ولم يكن يخطر على بال المتظاهرين في درعا وباقي المحافظات أنهم سيواجهون إيران النووية ومئات الآلاف من متطرفي الشيعة الذين جاؤوا من كل صوب وأسهموا في دفع الناس إلى التشبث بالفكر الديني السني المواجه، ولاسيما حين دخل "حزب الله" إلى القصير برايات ثأرية، جعلت أهل السُنة يتذكرون أنهم (سُنة)، وقد نسوا هذا التصنيف الطائفي وتجاهلوه عبر تاريخهم المعاصر لصالح المشروع الوطني والقومي التحرري، الذي جعلهم يرون في حسن نصر الله قائداً إسلامياً ورمزاً من رموز المقاومة قبل أن تتكشف الحقائق.

واليوم بعد أن تمكنت إيران من غزو حلب وإخراج الآلاف من سكانها واقتلاعهم من بيوتهم يتابع النظام وإيران تجميع المهجرين قسرياً في إدلب، وإعلان موسكو الأخير يتحدث عن وقف إطلاق النار ويستثني إدلب، ولا يتحدث عن حماية المدنيين وهم الضحايا نساء وأطفالاً ومرضى وعجزة، رآهم العالم يهرولون هاربين من الموت الذي يلاحقهم في حلب رغم الوعود بأن لهم معابر آمنة، ومن المتوقع أن يقوم الفرس باجتياح إدلب وارتكاب مجزرة كبرى فيها، وعدد سكان المحافظة اليوم يقارب ثلاثة ملايين نسمة، قد تتم التضحية بهم لإعلان انتصار نهائي على الشعب السوري، وطي ملف الثورة وتمكين نظام الأسد، ورغم دعوة الروس إلى مفاوضات في "أستانة" فإن الحسم العسكري سيبقى سيد الموقف، وأي اتفاق سيكون مجرد إذعان، وليس بوسع قوى المعارضة المعتدلة أن تهزم موسكو وإيران وحشود الميليشيات الطائفية التي يقودها سليماني وتغطي سماءها أعتى الأسلحة الروسية التي خلت لها الساحة الدولية، وبدا المجتمع الدولي عاجزاً عن إيقاف جرائمها ضد الشعب السوري. ندرك أن إيران والنظام لا يريدان حلاً سياسياً، وسيشهد العالم مجزرة كبرى في إدلب، ولئن كان المجتمع الدولي قد اكتفى بالإدانة لما حدث في حلب، فعليه أن يجنب إدلب مصيراً أشد قسوة، ولابد من إيجاد حلول أخرى غير سفك المزيد من الدماء التي ستجعل الحرب مفتوحة تتوارثها الأجيال.

========================

لا إرادة غير إرادتكم .. ميشيل كيلو

العربي لجديد

السبت 24/12/2016

لأن الشعب هو الذي يدفع ثمناً فادحاً من دمائه لتصحيح أخطاء حمقى السياسة والسلاح، ولأنه لا يستشار في أيّ شأن من الشؤون التي تفضي إلى هلاك بناته وأبنائه، فرادى وجماعات، في حالاتٍ كثيرة على أيدي (أو بسبب) من يدّعون تمثيله والقتال دفاعاً عنه، يصير من غير الجائز أن يعلو أي صوت، بعد اليوم، على صوته، أو تسمو أية إرادة على إرادته. في المقابل، لا يحق للشعب مغادرة الشارع من الآن فصاعداً. وعقب كارثة حلب التي فضحت واقع المعارضة السياسية والمسلحة، وفضحت ما يشوبه من تشوهاتٍ بنيوية إن استمرت، غدا تجاهلها فوق طاقة السوريين، وحلت الهزيمة بالثورة، بعد أن أباد نظام الإجرام الأسدي وأعطب الملايين منهم، وأذاق الأحياء منهم شتى صنوف القتل والتجويع والحصار والتهجير والاعتقال والتعذيب، بينما لم يقصّر أمراء الحرب وتجارها في قمع ما يسمونها، نفاقاً وكذباً، "الحاضنة الشعبية" وقهرها وتجويعها وقتلها، وأكملوا سياسات الأسد وبطانته وجرائمهما، فمزقوا المجتمع وشتتوه، وأخضعوه لأنماط من الاستبداد المذهبي، لا تقل وحشيةً عن استبداد نظام الأسد الطائفي، مدّعي العلمانية، حتى ليصدق القول إن مذهبة ثورة الحرية نقل شعب سورية من "تحت الدلف إلى تحت المزراب"، حسب قول مثل شعبي، يصف تعاظم مآسي من يريد التخلص من مصيبة فيقع في مصيبة أشد وأدهى منها.

مرت الثورة في مرحلة أولى: مجتمعية/ شعبية، طالبت سلمياً بالحرية لشعب سورية الواحد. تلتها مرحلة ثانية: تعسكرت وتمذهبت وتطيفت فيها، رسم النظام ملامحها وساعده مذهبيون على تحقيقها بحجة الدفاع عن الدين والمسلمين. واليوم، وقد صارت علامات انهيار هذه المرحلة واضحةً للعيان، لا بد من استئناف مشروع الثورة الأصلي، بقواها المجتمعية الواسعة، ونخبها المدنية الحديثة، كي لا يكون فشل العسكرة والتمذهب فشلاً لها، ومن الضروري أن يستعيد الشعب الشارع، مثلما فعل بعد إعلان هدنة شهر فبراير/ شباط الماضي، إذ عمّت مظاهراته كل مكان، ورفع من جديد شعاره العظيم "الحرية للشعب السوري الواحد". سيرتبط مصير الثورة، من الآن، بنزول الشعب إلى الشوارع وأنشطته المتنوعة فيه، وبمبادرات شاباته وشبانه وحراكه اليومي داخل وطنه وخارجه. وأخيراً، بتحويل طرده المأساوي من وطنه إلى كارثة تحل بالأسدية، بإظهار حقيقة ثورته، وما تريده من حرية وكرامة إنسانية، ومن عدالةٍ لجميع مواطني سورية الذين ستضمن لهم حقوقاً قانونية ومتساوية، ومن سلمية تجافي الإرهاب وترفضه فكراً وممارسةً، وبالنتيجة من تغيير موقف العالم من نظام الإرهاب الأسدي الذي فتك بالملايين منهم، ودمر وطنهم: أحد أكثر بلدان التاريخ حضارة وثقافة، وشعبهم المنتج/ المبدع الذي أسهم في بناء واحدةٍ من أزهى حضارات البشر، ويبيده منذ أعوام رهط من المجرمين، يرفض أي حل سياسي سلمي للمأساة التي أنزلها به.

بعد حلب، لم يعد بالإمكان ترك الثورة لتنظيمات سياسية فشلت في قيادة الثورة، وعسكرية تبنى معظمها مشروعاً معادياً لمشروعها، لم يخدم أحداً غير النظام وبطانته المجرمة، لا يجوز بعد حلب السكوت عليها، وإلا سمح السوريون لها بسوقهم إلى الهزيمة، بعد ما قدّموه من تضحياتٍ تضيعها تنظيماتهم. لا بد أن يستعيد الشعب ثورته، وأن يدافع عنها بحراكه الكثيف، وأن تصحح نخبه المدنية مسارها، لتخلصها من الأخطاء القاتلة التي ترتكب باسمها، وفي مقدمها الجنون المذهبي، وإخضاع السياسة لسلاح جهلة ومنحرفين وطنياً وأخلاقياً.

بعد حلب، لن يكون لدى السوريات والسوريين من خيارٍ غير استئناف ثورة الحرية أو الهزيمة، فإن كان الخيار هو الثورة، وجب عليهم العمل بكامل قدراتهم، ولحظة بلحظة لطي صفحة التمذهب والتعسكر المتأسلم، وفتح صفحة الوطنية الجامعة التي ستضم قواها المتنوعة جميعها، التي ستشق لنا الطريق إلى قصدنا الوحيد: دمشق الحرة.

========================

موقفنا : حول اتفاق وقف النار في أنقرة .. سورية وقف النار أو وقف العدوان ..!؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

29 / 12 / 2016

إن الحقيقة الناصعة القاطعة التي يجدر أن ننهيها إلى العالم أجمع هي أن ( خيار النار ) في سورية لم يكن في أي لحظة خيارا شعبيا وطنيا أو ثوريا. لم يذهب شعبنا أبدا إلى السلاح لا بخياره ولا بقراره . بل صبر طويلا وطويلا جدا على القتل والانتهاك قبل أن يدفعه القتل والانتهاك إلى ركوب مركب الاضطرار ، وحمل السلاح للدفاع عن حقيقته الوجودية ، ( عرضه ونفسه وأرضه ).

منذ الأيام الأولى للثورة كان الذهاب إلى النار والقتل خيار السلطة المجرمة التي استسهلت القتل ثم استمرأته ثم اندفعت في طريقه وتفننت به ، ثم أجلبت على شعبنا حلفاءها، كما كان القتل خيار الدول التي استقبلت قوائم القتل على مدى مائتي يوم بالاستنكار اللفظي ، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع .

ولذا فإننا نعتبر أن تحول (وقف النار) إلى مطلب دولي وإقليمي ، يسعى إليه الروسي والإيراني، انتصارا عمليا واقعيا للثورة والثوار.

 ونعتبره بالمقابل إعلان إفلاس وانكسار لقوى الشر ، ولسياسات العدوان بكل أشكالها ، بما فيها القصف الجوي المستدام على مدى خمسة عشر شهرا بالأسطول الجوي وبكل أنواع السلاح بما فيها العنقودي والفراغي والكيماوي والنابلم .

 من حقنا كسوريين أن نعلن ترحيبنا المبدئي بأي وقف للعدوان كخطوة استراتيجية على طريق الانتصار . ومن حقنا أن ننظر إلى الإعلان الذي تم التوافق عليه اليوم كمحطة اختبار للنوايا وللوعود والتعهدات .

بالنظر في مضامين الاتفاق الذي نحن بصدده ندرك أن كلمة السر في نجاحه أو إخفاقه هي أولا بيد الضامنَين . ونحن مع إدراكنا لتفاوت تمكن الضامنين من الأرض السورية . فإن الجدية والمصداقية التي سيتحلى بها هذان الضامنان هي التي ستجعل هذا الاتفاق مثمرا ومجديا .

ومن هنا فإننا نرى أن من حقنا أن يكون لإخواننا في الدول العربية الصديقة وبشكل خاص العربية السعودية وقطر والأردن الحق في مراقبة الاتفاق ورعايته ، وحماية مصالح شعبنا فيه .

كما من حقنا أن نطالب أن تعود قضيتنا إلى مسارها الطبيعي في الرعاية الدولية ، حتى لا يجد شعبنا نفسه في أي لحظة قادمة تحت رحمة هذه الدولة أو تلك .

إننا ونحن ندرك حجم الإثخان الذي أوقعه الثوار الأبطال في صفوف الطاغية وحلفائه ؛ نعتقد أن نجاح هذا الاتفاق سيتوقف ثانيا على مدى التزام الطرف الآخر به . الطرف الذي أعطى الأولوية للسلاح . وأن يقبل شركاؤه الآخرون الذين زج بهم على الأرض السورية من فصائل متشاكسة بهذا الاتفاق ،وأن يكونوا جميعا قد اقتنعوا أن السلاح ليس لعبة ، إلا بيد الحمقى والجبناء والمغفلين من الممسكين بمقاليد السلطة في كل مكان .

ونعتقد ثالثا – أن وقف النار الحقيقي لا يعني وقف القتل فقط ، القتل الذي ينبغي أن يظل محرما في كل الظروف . إن وقف النار الذي يمكن أن يثمر حلا سياسيا ، يزعمون أنهم يدعون إليه ، هو وقف النار الذي يضمن لكل الشعب السوري أمناً ضد الاعتقال ، وضد الإهانة ، وضد الاستغلال . وقف النار الذي يمكن أن يثمر هو الذي يرافقه وقف الاعتقال ، وإطلاق فوري لسراح عشرات الألوف من المعتقلين ، والكشف عن مصير المفقودين ، ورفع الحصار عن المحاصرين . إن الاستغراق في ارتكاب مثل هذه الجرائم ، المصنفة إنسانيا كجرائم ضد الإنسانية ، واعتبار آلام الناس أوراقا للمساومة والتفاوض ؛ تفرغ أي وقف للنار من معناه ، وتنبئ سلفا أننا أمام مناورة جديدة من مناورات الأشرار ، ولسنا أمام رغبة حقيقية لمن اتعظ من الماضي ، ويريد أن يسير إلى مستقبل آخر عن غير طريق القتل وكسر الإرادات .

ولكي ينجح وقف النار الذي أعلنوا ، ويزعمون أنهم يدعمون ، ينبغي أن يتوقف فورا اللعب على ذرائع التصنيف للإرهاب متعدد المعايير . اللعبة في رأينا أصبحت أكثر من مكشوفة . وعلى الذين يزعمون أنهم يريدون حلا سياسيا أن يتوقفوا عن اللعب بمثل هذه اللعاب ز وأن تكون لغتهم صريحة واضحة شفافة . الإرهابيون الحقيقيون هم كل هؤلاء الذين يشملهم المقاتلون الأجانب الصادر عن مجلس الأمن ، والذي ينطبق عمليا على عشرات الألوف من جنود الولي الفقيه . لن ينجح وقف إطلاق النار ، الذي نتمنى من كل قلوبنا أن ينجح ، إذا كان كل فريق سيلبس مخالفه المريول الأرجواني ، ثم سيتحل قصفه وقتله على أنه إرهابي .

إن مطالب شعبنا واضحة صريحة شفافة تكفلها شرائع السماء وقوانين الأرض . وإن أي اتفاق يقوم على عوج ، أو يفرض بالإكراه ، أو بالمناورات السياسية الخبيثة ، لن ينتج ولن يثمر وستكون جماهير شعبنا وقواه الحية له بالمرصاد ..

نعم الشعب السوري وكل قواه الحية هي صاحبة المصلحة الحقيقية في وقف النار . وأعداؤه هم الذين أشعلوا النار أولا ، وهم الذين سيظلون يشبونها في كل حين .

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

سوريا في 2016: حرب تحرير ضد الاستبداد والغزو الخارجي

صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 24/12/2016

بدأ العام السوري، 2016، بمباحثات جنيف، التي اختزلها بشار الجعفري، ممثل النظام السوري في تلك المباحثات، من النقطة الأصدق وصفاً للحال: لقد أعلن أنه لا تفاوض ولا من يحزنون، ومن الخير للرعاة الثلاثة، واشنطن وموسكو والأمم المتحدة، أن يرتاحوا ويريحوا. تلك، في عرف جعفري، لم تكن مفاوضات، بل محض محادثات غير مباشرة على شكل حوار سوري  سوري، دون شروط مسبقة، ودون تدخل خارجي". أكثر من هذا وذاك، قال الجعفري إنّ هذه الخلاصة هي "الفاتحة" في "القرآن تبعنا"، أي قرآن سيّده بشار الأسد؛ والأرجح أنّ الأخير وجّه الأوّل إلى أنّ روح جنيف  3 هذه لا تتجاوز اللعب في الوقت المستقطع، والضائع المضيّع، أو هكذا تقول الترجمة العملية لما سُمّي ب"التفاهمات" بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، ونظيره الروسي سيرغي لافروف.

ثمّ، بعد انقضاء أسابيع قليلة من عمر هذا العام السوري، 2016؛ جاءت "مفاجأة" الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: توجيه أمر إلى وزير الدفاع الروسي بسحب الوحدات العسكرية الروسية من سوريا، بعد أن أنهت مهامها في "محاربة الإرهاب". لم تكن تلك لعبة مناورة عادية، بل أدنى مستوى بكثير في الواقع، لأنها كانت أشبه بمناورة كاذبة مفتوحة، إذْ أنّ "المهامّ" إياها لم تكن قد اكتملت، أوّلاً؛ وتوجّب أن تُضاف إليها "واجبات" أخرى أبعد أثراً، وأطول عمراً. وحين سيوشك العام على الانصرام، سوف تكون عمليات القصف الجوي الروسي في أجواء حلب وريفها قد بلغت ذروة وحشية غير مسبوقة، طالت المشافي والمستوصفات، حتى تلك التي تديرها منظمات دولية محايدة مثل "أطباء بلا حدود"، فضلاً عن رياض الأطفال والمدارس والمساجد والأسواق الشعبية، وأودت بحياة قرابة 2000 مدني سوري أعزل. كان القصف عشوائياً، لكنه نهض على تكتيك ممنهج استهدف دفع آلاف المدنيين إلى إخلاء المدينة قسراً، وتشكيل ضغط ديمغرافي وإنساني قاهر يربك فصائل المعارضة المسلحة (التي لم يكن ينقصها إرباك الصراعات الداخلية، أصلاً).

وهكذا واصلت موسكو تنفيذ المهمة الأهمّ على جدول اعمال تدخلها العسكري في سوريا، أي انتشال ركام جيش النظام من حافة الهاوية، ثمّ إصلاح التوازنات على الأرض عبر معادلة تقول بإمكانية ترجمة القصف الجوي (ضدّ المعارضة وفصائل الجيش الحرّ، تحديداً) إلى مكاسب ميدانية: سواء عن طريق استعادة ما تمّ خسرانه من مناطق، أو وقف خسران مناطق أخرى ذات أهمية فائقة للنظام (الساحل وشمال حلب وسهل الغاب، أساساً)؛ إنْ لم يكن عن طريق ركام الوحدات النظامية والميليشيات الموالية، فعلى الأقلّ عن طريق مقاتلي "حزب الله" ومرتزقة الميليشيات المذهبية الإيرانية والعراقية والأفغانية وسواها. الحصيلة بدت هزيلة تماماً، بالقياس إلى الحجم الهائل من القوّة التدميرية التي استخدمتها موسكو؛ كما بدت، أيضاً، فاضحة بالمعنى العسكري الصرف، لأنها أظهرت الكثير من عيوب الجيش الروسي، التي لم يكن أبرزها سقوط الصواريخ، عابرة القارات إلى سوريا، في الباحة الإيرانية!

وفي المقابل، لم يكن لأيّ تطور داخلي حاسم على الباحة التركية أن يظلّ بمنأى عن ممارسة التأثير على الباحة السورية، إجمالاً؛ أو على جبهة حلب الشمالية، ومناطق سيطرة القوى الكردية، خصوصاً. وهكذا كان الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا قد أعاد خلط الأوراق على صعيد السياسة التركية تجاه الملف السوري، كما أعاد ترتيب أولويات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ليس على صعيد حزب "العدالة والتنمية" فقط، بل كذلك في ما يخصّ حسابات الرئاسة الشخصية. صحيح أنّ الانقلاب زوّد أردوغان بذرائع شتى لتصفية خصومه المباشرين من أنصار فتح الله غولن، وتشديد القبضة الأمنية على مختلف جيوب المعارضة في المجتمع المدني؛ إلا أنّ الانقلاب استوجب إعادة التموضع في ملفات ثلاثة عاجلة: العلاقات التركية  الأمريكية، والتركية  الروسية، ثمّ ضرورة ترقية التدخل العسكري التركي في سوريا بما يكفل الذهاب بعمليات "درع الفرات" إلى المدى الأقصى الممكن، ضدّ مناطق انتشار الأكراد تحديداً.

وهكذا، أخذ المشهد يتغير بصدد العلاقات التركية  الأمريكية، خاصة بعد اتضاح صمت الولايات المتحدة الرسمي، طيلة ساعات سبقت إعلان فشل الانقلاب؛ ومسارعة السفارة الأمريكية في أنقرة إلى توصيف الانقلاب ب"الانتفاضة"، ولجوء السلطات التركية إلى إجراء غير عادي، وخطير بالمعنى الأمني التقني، هو قطع الكهرباء عن قاعدة إنجرليك… كل هذه كانت مؤشرات تُضاف إلى مناخ التباعد الذي هيمن على العلاقات الأمريكية  التركية خلال الأشهر الأخيرة. فإذا لم تكن المخابرات المركزية هي التي خططت مباشرة للانقلاب (وهكذا يقول المنطق السليم، مبدئياً)، فإنّ صلاتها الوثيقة مع حركة غولن وضعت الكثير من علامات الاستفهام على دور، وربما أدوار، غير مباشرة في تشجيع الانقلاب أو تسهيله.

وهكذا، أيضاً، جاءت زيارة أردوغان إلى بطرسبورغ، لتعيد إحياء العلاقات التركية  الروسية التي اتسمت بالتفاهم والتوافق، وبعض التواطؤ أيضاً، طيلة فترات حكم بوتين وأردوغان. عناوين تلك الزيارة تضمنت وضع الخلافات جانباً بصدد الملف السوري، بما في ذلك قراءة العاصمتين لطرائق محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية"، وإغلاق أو ضبط الحدود التركية  السورية، ومستقبل بشار الأسد خلال المرحلة الانتقالية، ودعم موسكو لأكراد سوريا، وأوضاع التركمان شمال اللاذقية على مرأى من قاعدة حميميم… كذلك أتاح اللقاء لموسكو أن تعيد النظر إيجابياً في مشروعات نقل الغاز عبر تركيا وبلغاريا؛ وهذه أشغال دسمة تماماً اقتصادياً، وهي قيمة جيو  سياسية عابرة للقارات أيضاً. وقد يكون الأهمّ هنا، سورياً، هو نجاح أردوغان في إقناع بوتين بغضّ النظر عن توسيع عمليات "درع الفرات" في العمق السوري، حتى بلدة الباب؛ وأمّا الثمن المقابل، الذي قد تكون موسكو طلبت دفعه مؤجلاً، هو ما ستشهده حلب الشرقية من انفراط فصائل المعارضة المسلحة أمام تحالف النظام و"حزب الله" و"الحرس الثوري" الإيراني والميليشيات الشيعية العراقية، فضلاً عن الطيران الحربي الروسي.

وفي قلب شبكات الشدّ والجذب الإقليمية والدولية التي صنعت المشهد السوري خلال العام 2016، كانت الفصائل الإسلامية، وبعض فصائل الجيش الحرّ، قد جرّبت فكّ الحصار عن مناطق حلب الخاضعة لسيطرة النظام، أو الواقعة تحت حصار حلفائه؛ ونجحت، بالفعل، على نحو بدا دراماتيكياً ومفاجئاً للوهلة الأولى. ولأنّ السبب الجوهري الأول كان يتمثل في الحال العسكرية المزرية التي تعيشها قوات النظام، في محيط حلب والمدارس العسكرية، وليس بأس الفصائل أو حسن أدائها وجودة عدّتها؛ فإنّ المشهد سرعان ما انقلب رأساً على عقب، ليس جراء القصف الجوي الروسي المكثف وحده، بل كذلك لأنّ القوى الحليفة للنظام كانت أفضل عتاداً وعدّة، وأكثر ذكاء في استغلال تشرذم الفصائل وانقساماتها.

عام كارثي آخر، إذن، لم تكن تنقصه سوى رهانات "المعارضة الرسمية"، ممثلة في الائتلاف أو هيئة التفاوض، على سلّة "أصدقاء سوريا" التي أخذت تفرغ شيئاً فشيئاً، حتى باتت خاوية؛ وتعليق الآمال على مجيء هيلاري كلنتون، بدل دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض؛ والارتهان، أكثر فأكثر، إلى إرادات خارجية تكفلت خمس سنوات من عمر هذه الانتفاضة الشعبية بفضح عجزها، إذا لم يتحدث المرء عن تواطؤها، إزاء سيرورات الحرب المفتوحة، متعددة الأطراف والأجندات، ضدّ الشعب السوري.

لكنه عام كارثي آخر ينضمّ، أيضاً، إلى ما تبقى من أشلاء نظام تابع، لم يعد أسير القوى الخارجية التي تؤجل سقوطه حيناً بعد حين، فحسب؛ بل حوّل انتفاضة الشعب السوري إلى حرب تحرير ضدّ الاستبداد والغزو الخارجي، معاً، سواء بسواء.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

========================

روسيا البوتينية: لاعب دولي خطير أم مجرد بلطجي؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 24/12/2016

لم يعد خافياً على أحد أن الحاكم الفعلي للعالم لم يعد القوى الكبرى كأمريكا وأوروبا وروسيا وغيرها، ولا حتى القوة العسكرية التابعة لتلك البلدان العظمى، فحتى الجيوش في هذا العالم أصبحت أذرعاً للحيتان الاقتصادية والتجارية. ولطالما سمعنا وقرأنا أن الكثير من الحروب تقوم بدوافع اقتصادية. وقد اعتادت القوى الكبرى على تفجير الحروب هنا وهناك في بعض الأحيان لتحسين الأوضاع الاقتصادية فيها.

وهذا يؤكد أن حتى الجيوش والقوى العسكرية في الدول العظمى ليست صاحبة اليد العليا، بل قد تكون مجرد أداة في أيدي القوى الاقتصادية التي تتحكم بمفاصل السياسة وباقي القطاعات. فهي التي تختلق الحروب والصراعات، وهي التي تستخدم الجيوش من أجل مصالحها الاقتصادية. وعندما نعلم أيضاً أن المؤسسات الحزبية والسياسية كالبيت الأبيض والكونغرس ومجلس الشيوخ في بلد مثل أمريكا كلها تخضع لجماعات الضغط المالية والاقتصادية والشركات العظمى، فهذا يعني أن السلطة السياسية في تلك البلدان أيضاً مجرد عتلة في أيدي المتحكمين برؤوس الأموال ومفاصل الاقتصاد.

وكلنا يعلم أن عضو الكونغرس الأمريكي لا يستطيع الوصول إلى المجلس دون أن يكون وراءه دعم مالي بالملايين، وهذا لا يقدر على توفيره سوى الشركات وحيتان المال والأعمال. وعندما يكون مصير السياسيين والمؤسسات السياسية كلها في أيدي أصحاب النفوذ المالي والاقتصادي، فهذا بدوره يؤكد على أن من يحكم العالم ليست المؤسسات السياسية ولا العسكرية في الدول العظمى، بل المؤسسات المالية والاقتصادية. وهذه أصبحت بديهيات نعرفها منذ عشرات السنين.

ولو نظرنا إلى القوة الهائلة للأذرع المالية للغرب كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لوجدنا أن العالم أجمع باستثناء أمثلة قليلة جداً، يخضع خضوعاً تاماً لإملاءات البنك الدولي ووصفاته الاقتصادية التي يفرضها على الكثير من البلدان الصغيرة والكبيرة. وما لا تستطيع أمريكا تحقيقه بالقوة العسكرية صارت تحققه بالاقتصاد والضغوط الاقتصادية التي أصبحت سيفاً مسلطاً على رقاب العالم. وبما أن الشركات العابرة للقارات أصبحت تتحكم بأرزاق البشرية وأمورها قاطبة، فما هي القوة الاقتصادية التي تملكها روسيا كي تشارك في حكم العالم؟

فإذا كانت أمريكا والدول الأوروبية الغنية والقوية هي مجرد أدوات في أيدي الشركات الكبرى، فكيف يتحدث البعض عن أن روسيا تريد أن تصنع نظاماً دولياً جديداً، وتريد أن تشارك في التحكم بدفة الأمور في العالم؟ إن محل روسيا من الإعراب في عالم السيطرة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والصناعية والدوائية والغذائية في محل مجرور أو مفعول به أو حتى لا محل لها من الإعراب، فليست هناك شركة روسية واحدة غير شركة غاز بروم التي يمكن أن تضاهي أصغر وأتفه شركة غربية أو أمريكية. ما عدا ذلك، فإن روسيا لا تمتلك ذراعاً اقتصادياً ولا مالياً، وهي تكاد تكون مثل بقية الدول المنتجة للنفط التي ينهار اقتصادها بمجرد نزول سعر البرميل.

وحدث ولا حرج عن الناتج القومي الروسي الهزيل الذي يُعتبر مجرد فكة بلغة الأرقالم المالية والاقتصادية الغربية. فكيف إذاً تريدون منا أن نصدق أن روسيا تريد أن تشارك في قيادة العالم إذا كان الحاكم الحقيقي والفعلي للعالم هو الشركات العملاقة، التي لا تمتلك روسيا شركة واحدة منها، والتي تمسك بكل زمام الاقتصاد والنفط والغاز والطاقة والتكنولوجيا والغذاء والدواء والبنوك؟ قبل أن تناقشوا محل الدول من الإعراب على الساحة الدولية يجب أن تنطلقوا من بديهيات اقتصادية لا تخطئها عين، وكل من يحلل مكانة الدول ومدى قدرتها على التحكم بالعالم يجب أن ينظر قبل كل شيء إلى أذرعها المالية والاقتصادية، وتحديداً إلى قوة شركاتها العابرة للقارات.

ماذا تصدر روسيا للعالم بربكم كي تكون لها اليد الطولى في هذا العالم الرهيب المحكوم بقوة المال والأعمال؟ هل تصدر سوى السلاح لسوريا وكوريا الشمالية والهند أحياناً؟ هل تصدر روسيا أياً من التكنولوجيا التي تحرك العالم من أقصاه إلى أقصاه كأجهزة الاتصالات العملاقة؟ هل تصدر أياً من أدوات الرفاهية التي تجتاح العالم كالالكترونيات وغيرها؟ هل اشترى أحدكم يوماً موبايلاً روسياً أو حتى دراجة هوائية روسية؟ دلني على أي صناعة روسية تستطيع أن تنافس عالمياً. دلني على موبايل صناعة روسية. دلني على أي سلعة الكترونية كالتي تغزو كل البيوت في العالم من صناعة روسيا. دلني على أي ماركة روسية مشهورة. هل سمعتم يوماً بأي نوع من الألبسة صناعة روسية؟ هل هناك دار أزياء واحدة في موسكو؟ هل سمعتم يوماً بمصمم أزياء روسي واحد. دلني على شركة دواء روسية معروفة، وتستطيع المنافسة خارج حدود روسيا مع شركات الأدوية الأمريكية والغربية التي تغزو العالم وتتحكم حتى بكبريات الحكومات الغربية. دلوني على بنك روسي واحد معروف خارج روسيا.

قد تكون روسيا عملاقاً عسكرياً بفعل قدرتها العسكرية والنووية تحديداً. لكننا نعلم أن القوة العسكرية والنووية لم تحم الاتحاد السوفياتي نفسه من السقوط، فما بالك أن تحكم العالم الذي أصبح كله تحت هيمنة القوى الاقتصادية وليس العسكرية. باختصار، فإن القوى التي تتحكم باقتصاد العالم تستطيع أن تحتل العالم اقتصادياً، بينما لا تستطيع أي قوة عسكرية مهما بلغت من جبروت أن تحتل العالم. شاهدنا كيف هزمت افغانستان الفقيرة الاتحاد السوفياتي عسكرياً، وكيف هزم العراق أمريكا أيضاً. لاحظوا أن روسيا تمكنت من احتلال سوريا عسكرياً، بينما كانت أمريكا من قبلها احتلت سوريا اقتصادياً عبر ذراعها الرهيب البنك الدولي. مخطئ من يعتقد أنه يستطيع أن يُخضع العالم عسكرياً كما تحاول روسيا، لأن السيطرة الحقيقية ستظل في عصر التكنولوجيا والصناعات والاتصالات للقوى الاقتصادية وليس للعسكر. روسيا مارد عسكري، لكنه قزم اقتصادي، ولا يمكن للأقزام أن يشاركوا في صناعة نظام دولي يخضع كلياً لقوة المال والأعمال والتكنولوجيا والشركات العابرة للحدود. من حقك يا سيد بوتين أن تتنمر على العالم، وأن ترهبه بأذرعك العسكرية الجبارة، لكنك تبقى مجرد بلطجي مدجج بالسلاح يستطيع أن يرهب الجميع، لكنه لا يتقن سوى البلطجة.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com