العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21 / 12 / 2003

 


شكل الاستبداد الأنموذج الأكثر استغراقاً لتاريخ العلاقة بين الحاكم والمحكوم. اقترنت السلطة دائماً بالقوة، وبالادعاء، وقليلاً ما كانت الحكمة قرينتها. شواهد بالتاريخ البشري أو فواجعه التي صنعها الأقوياء والمستبدون أكثر من أن يتوقف عندها باحث. كانت الحروب تشتعل لأسباب تتعلق بالغرور والعنجهية لا لأسباب موضوعية. ومفهوم / الحرب العادلة / الذي طوره مسيحيو القرون الوسطى لم يكن يقوم على غير رغبات الأقوياء.

بدأ الاستبداد مع الأسرة البشرية، الأسرة بمفهومها الكبير وانتقل من هناك ليصير إلى (الجماعة) ومن ثم الدولة التي كانت تضم العديد من الجماعات، وتستحوذ على المزيد من الأراضي.

في واقع إنساني يغلب عليه البدائية والقصور، كان القوي أو الكبير هو المخول بالإشراف والرعاية. مصطلح الراعي في التراث الإسلامي اعتمد مفهوم الرفق والحرص، دون أن يسلبه ذلك ظله الذي يشير إلى الفارق بين (الراعي) و(الرعية).

في تاريخ الاستبداد في مظاهره المتعددة، رافقت السلطة غالباً روحاً أبوية، كانت تحد من غربها وتلجم من عنفوانها. هذه الروح الأبوية رافقت حتى عصرنا الكثير من أنظمة الحكم التقليدية، يغضب الحاكم فيعاقب ويزجر ويحاول أن يتظاهر بالقسوة والعنف، ولكنه لا يكون عنيفاً ولا قاسياً. هذا الملمح العام في تاريخ الاستبداد، لا ينفي وقوع أشكال من الظلم الصارخ مارسه حكام على أعدائهم ومخالفيهم، فمع كل ما تقرأ عن ديموقراطية الفرسان في روما، لا يجوز أن ننسى ما كان عليه حال العبيد.

مع تطور السلطة، وامتلاك الحاكم وسائل أكثر على السيطرة والضبط نشأ في تاريخ العالم السياسي شكل أخر من أشكال الاستبداد. شكل لا يقوم على (نزوة) الحاكم، ولا يرتبط برضاه أو بغضبه، وإنما يقوم على منظومة من المترابطات العلمية والسياسية والمدنية والتكنولوجية.

ومع ازدياد أعداد الناس بما يعرف بالانفجار السكاني وجد علم الإحصاء وآلياته، ووجدت وسائل المتابعة والتنصت التي جعلت صورة الأخ الكبير المنفرزة على كل جدار تسمع وترى.

تجرد الاستبداد من كل ما هو إنساني، وارتبط أكثر بالآلي والتكنولوجي، أضحى قادراً على فصل مكونات الإنسان المادية (اللحم.. والعظم.. والعصب) للتحكم بمكوناته المعنوية (العقل.. والنفس)

هذا الاستبداد (التكنولوجي) نشأ في عالمنا العربي مع ولادة الدولة القطرية الحديثة، والتصق غالباً بالنظم (الثورية ـ الشمولية) التي اشتق القائمون عليها وساءلهم من مدارس معاصرة ثلاث النازية والفاشية والستالينية.

دون أن يفوتنا أن نربط هذه المدارس بخلفيتها التاريخية من أشكال الاستبداد التي نشأت مع الثورة الفرنسية، وتقلبت بتقلباتها، فقد كان الثوار الفرنسيون الأوائل أكثر عنفاً مما ترسخ في ذاكرة التاريخ العام. الدموية التي مثلها الرعاع يوم قدروا، والجبليون يوم احتلوا قصور باريس كانت صورة همجية تثير التقزز والغثيان.

ما يعنينا من طبائع الاستبداد هو أن نفهم هذا المسخ الحضاري (الهجين) الذي ابتليت به شعوبنا في العصر الحديث. أن نعرف من أين نسل هؤلاء المستبدون، ومن أين كان مصدرهم وموردهم.


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ