العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15 / 03 / 2009


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

المحكمة الدولية

ترنيمة ما قبل النوم

زهير سالم*

( كُتب هذا المقال تعليقاً على احتفالية كرنفال لاهاي لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق المرحوم رفيق الحريري ولا علاقة له بما صدر وما يمكن أن ينفذ ضد الرئيس البشير.. ويكفيك أن تتأمل التسارع الإجرائي لتدرك الفرق..)

باحتفالية ظاهرة ومبالغ فيها تم في الأول من آذار في لاهاي انطلاق أعمال المحكمة الدولية لمحاسبة قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. آمال كثيرة يعقدها كثيرون على هذه المحكمة، تسقى بماء الوعد التي لا تروي غير اليائسين.

أن نصدق ولو قليلاً من هذه الوعود يعني أن نعتقد أن حفل تدشين المحكمة لم ينعقد في لاهاي، وأن القائمين عليها لا ينتمون إلى مجموعتنا الشمسية التي يسير كل شيء فيها بنظام ومقدار. أحيانا يصدق بعض الناس ما يحبون تصديقه لأنه يساعدهم على اختراق الأنفاق المظلمة، أو يدفع عن وسادتهم كوابيس ليالي الشتاء الطويلة. في غمرة المستجدات والمتغيرات، التي تتسلل تباعا إلى منطقتنا، يرفض بعض الناس أن يصدقوا أن عفاريت المحكمة الدولية توقفوا عن الأزيز فوق جبل قاسيون ليحوموا من جديد في سماء بيروت أو باريس.

أليس من شرط الرؤية الواقعية أن يقرن مدار هذه المحكمة بمساقاته الموازية على صعيد السياسات الكلية المنطلقة بالتوازي والتزامن من واشنطن ونيويورك وباريس والرياض والقاهرة ودمشق أيضاً؟!

كان (البعض) في (بعض) العواصم العربية يتخوفون من إمكانية تسييس المحكمة الدولية. كما كنا نحن أيضاً أبناء سورية ولبنان نتخوف من ذلك أيضاً. اليوم نرى أن هذه المحكمة قد سيست بالفعل، وأن القرار بشأنها قد صدر، وأن عملية الإخراج الإجرائية ربما تطالب من ينتظر أن يعيش حتى ينبت الحشيش.

وقولنا بتسييس المحكمة لا يعني توجيه أي اتهام لهيئة المحكمة أو للمحققين أو للمدعي العام ـ فالتسييس يمكن أن يكون للحكم الصادر عن المحكمة أو لطرائق تنفيذه أو توظيفه.

يعرف الكثير من الناس في بلداننا أن الحصول على قرار من القاضي هو ربع الطريق إلى الحق، على طول ذلك الطريق ووعورته وما يكتنفه من عقبات. لأنه عندما تكون كلمة أي موظف في أي جهاز أمني فوق السلطة القضائية، فإنه لا معنى أبداً لأحكام المحاكم وقرارات القضاء. والجهاز الأمني في حالتنا هذه هو مجلس الأمن، وشاهدنا العدل هو عشرات القرارات الدولية المجمدة ضد إسرائيل أو لمصلحة اللاجئين الفلسطينيين والأرض الفلسطينية والسورية واللبنانية.

أما الأحاديث عن (العدالة) التي يتعلق بها الكثيرون فهي أحاديث الخرافة بعينها، التي يمكن أن تحكى على وسائد الأطفال في سمر ليالي الشتاء الطويلة، لأن أول العدالة في السياق الذي نحن فيه أن يعتبر دم السيد رفيق الحريري ـ مع الاحترام الكامل ـ من الوجهة الإنسانية المحضة كفء لدم جبران تويني وسمير قصير وجورج حاوي.. ومن قبلهم سليم اللوزي وكمال جنبلاط وصبحي الصالح وحسن خالد..

فهل كانت المحكمة الدولية ستتشكل أو ستنعقد لواحد من أولئك أو هؤلاء مع احترامنا البالغ للجميع. أليس هذا أول الرقص المتأرجح في طروحات العدالة الدولية التي لا يعرف أحدنا من أي طرف يمسك بها.

من حق العاجزين أو اليائسين أو المحبطين أو المروّعين أن يتمسكوا بأمل أو بوعد المحكمة الدولية كما يتمسك الطفل بترانيم أو تراتيل أمه قبل النوم. تلك التراتيل (الممطوطة) بسلمها الموسيقي المتراخي والمتمادي وصوتها الرخيم الرقيق لتدفع عنه عفاريت الظلمة أو لتهيئه لاستقبال المزيد من جميل الأحلام. ولكن ليس من حق هؤلاء في لبنان أو في سورية أن يجعلوا من أملهم الرخي مخدراً أو أفيوناً ماركسياً يستتبعون على سحب دخانه الجماهير أو يبنون عليه المشاريع.

لا أظن أن الراحل رفيق الحريري قدم في وقته لصناع السياسة الدولية ما قدمه الشريف حسين شريف مكة والثوار العرب أيام الحرب العالمية الأولى!! ولا أظن أنه أو ولده  قد تلقى من الوعود الموثقة القاطعة ما تلقاه الشريف حسين من المستر مكماهون.. انتهى الشريف حسين منفياً لأن وعود الحلفاء كانت من الزبد الذي يذوب مجرد أن تسطع الشمس. مقارنة بسيطة بين تصريحات كيري ،رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الشيوخ الأمريكي، في بيروت وأختها في واشنطن تؤكد أن ما صرف في لبنان لم يكن أكثر من حبة اسبرين باير المجرب لتسكين الصداع...

عبارة قرآنية بالغة الدلالة، تختصر المشهد الذي يخطط له مدير اللعبة بأبعادها وآفاقها لعبة الأمل الذي يسقيه الوعد الكذوب.. الشيطان وآدم وحواء وقوله تعالى (فدلاهما بغرور).

عملية (التدلية بالغرور) هذه يمارسها مدير اللعبة اليوم على بعض القادة والزعماء وهم بدورهم يمارسونها على من يليهم من المؤيدين والأنصار والأتباع. عملية لن يكون  حصادها، فيما نقدر، إلا المزيد من الإبحار في دوامات التيه الذي استمر مع بني إسرائيل أربعين عاماً..

لا أدري كيف يستقيم في عقل سياسي واقعي أن يُكرس الظنين الأول في المحكمة الدولية شريكاً استراتيجياً على المستقبل المفتوح ثم يقامر على هذا المستقبل المكلف برهنه بين شفتي دليل يتقدم به المدعي العام أو حكم تؤكده مطرقة قاض.

حين نراجع ماذا يريد (الشريك الأول) الشريك الفاعل من هذا الظنين، سنجد أن تحقيق العدالة ليس له في هذه الإرادة أي نصيب. وسنجد أن محور هذه الإرادة إنما يدور حول فصل سورية عن إيران. وفصل سورية عن إيران سيعني للشريك الفاعل...

ـ  أولا حرمان إيران من حليف استراتيجي مكين لتكون عملية تصفية الحساب معها أيسر وأسهل.

ـ وسيعني تعليق الجزرة في الأفق السوري حتى لا تنظر سورية إلى الوراء. الجزرة السورية لها ظل في الجولان وظل في لبنان وثالث في فضاء إقليمي مفتوح على الحلم ورابع في شراكة متوسطية وأوربية وخامس وسادس..

ـ وسيعني ثالثا قطع الإمداد عن حزب الله ببعده المقاوم حتى لا يشكل خطراً على إسرائيل فقط، وربما لا يبالي الشريك الفاعل بعد كثيراً بما يكون من وكس أو شطط على أرض أو شعب لبنان.

و سيعني فك الالتحام مع إيران رابعاً.. وهذا ليس أقل أهمية حين تعقد هذه الشراكة طويلة الأمد بأبعادها  أن تقطع الطريق على المعارضة السورية بقوامها المتهم بالأصولية الذي نظر إليه دائماً على أنه البديل الأسوأ الذي يجب إقصاؤه ومصادرته.

فهل يضحي صناع المحكمة الدولية والقائمون على أمرها بكل هذه المكاسب (وفاءً) لصداقة أو احتراماً لوعد...؟! أن تقرأ الواقع كما هو يحتم عليك أن تبادر إلى الموقف الذي يستحق. لتدرك أن معارضة المشاريع تختلف عن معارضة العناوين، وأن الطريق إلى السؤدد كما قال أبو الطيب:

لولا المشقة ساد الناس كلهم     الجود يفقر والإقدام قتال

وما غير هذا إلا المزيد من خداع الذات وخداع الناس.

---------------

*مدير مركز الشرق العربي    


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ