العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08 / 03 / 2009


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

انعكاسات مجزرة غزة على المعارضة السورية !..

شكلت ملحمة غزة - بعد الاحتلال الأمريكي للعراق - أحد أهم المنعطفات التاريخية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث , من تبعثر في الأوراق الإقليمية , وكسب أطراف سياسية دورا استراتيجيا على حساب تراجع قوى إقليمية كان لها وزن فاعل حتى وقت قريب .. وهنا لن أتطرق إلى البعد الإقليمي ومتغيراته وإنما سأقف عند انعكاسات هذه الحرب على الساحة السورية والمعارضة بشكل خاص .

بداية هناك شبه اتفاق بين المحللين السياسيين أن النظام السوري قد بذل ما بوسعه ,وأدى دورا ايجابيا خلال فترة الحرب على غزة بغض النظر عن دوافعه ونواياه . والذين يطالبونه بفتح جبهة الجولان عليهم مطالبة بقية الأنظمة العربية بفتح جبهاتها أيضا . الأمر الذي يبدو مستحيلا من خلال معطيات الواقع الحالية .

أما بالنسبة للمعارضة السورية فقد علقت جماعة الإخوان المسلمين أنشطتها المعارضة ضد النظام بحجة توجيه وحشد جميع الجهود لمواجهة عدو أكبر هو العدو الصهيوني .إذ أنه من الطبيعي جدا في ظروف الحرب التي تستهدف الوطن والأمة أن تلجأ جميع القوى السياسية إلى وضع خلافاتها جانبا وتلتقي -رغم الخصومة- مع أعدائها في خندق واحد .. وفي تاريخنا القريب ما هو أكثر من ذلك فقد قبل الأخوان المسلمون حل جماعتهم وتشتيت تنظيمهم من أجل غاية أسمى هي تحقيق الوحدة بين سورية ومصر آنذاك .والذين يتخذون الماكيافيلية مبدأ في العمل السياسي لن يفهموا هذه الخطوة ولن يعطوها حقها من التقدير .

إذا كان هذا هو موقف الإخوان وبعض التيارات القومية داخل إعلان دمشق, فماذا كان موقف بقية أطراف المعارضة ؟

في الحقيقة لو لم يكن لموقف الإخوان هذا فائدة سوى كشف الصديق من العدو والحليف من المتطفل والناصح من الشامت لكفته .! فكما أسلفنا بعض أطراف إعلان دمشق أيدت موقف الإخوان وبعضها سكتت عنه والبعض انتقده ..لكن بعض القوى والشخصيات القومية الكردية وبعض القوى العلمانية الأخرى نسيت خلافها مع النظام وتفرغت للهجوم على الإخوان والنيل منهم والتشكيك بوطنيتهم ..وربما يكون هذا أمرا طبيعيا , لكن الغريب في الأمر أنها وجدت في خدام أكبر محرض ومعين وداعم وهو الذي تحمل الإخوان من أجله ما تحملوا .! وهذا يقودنا إلى السؤال التالي : إذن السيد عبد الحليم خدام يعارض من ؟

 

فبعيد انشقاقه عن النظام وخروجه من سورية , وفي أول ظهور له أمام الصحافة في لقائه الشهير على قناة العربية الفضائية صرح السيد عبد الحليم خدام قائلا :( الواقع لست مبعداً ولست مبتعداً، جئت إلى باريس ليتسنى لي كتابة مرحلة مهمة من تاريخ سوريا والمنطقة، في هذه المرحلة كنت أحد القياديين الأساسيين في التخطيط وفي التنفيذ في مجال سياستنا الخارجية، ورأيت أن من واجبي الوطني أن أؤرخ هذه المرحلة لتطّلع الأجيال وليطّلع الناس على الحقائق والوقائع الصحيحة )

اليوم وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على  انشقاقه وانضمامه إلى صفوف المعارضة  من حقنا أن نتساءل .. هل أضاف السيد خدام على تصريحاته تلك شيئا آخر ؟ هل تقدم خطوة نحو معارضة فعلية تحرج النظام ؟ هل قدم للمعارضة دعما ماديا ؟ هل وفر لها منبرا إعلاميا ؟ هل قفز بها نحو مرحلة سياسية متقدمة ؟ .. اللهم سوى انضمامه إلى جبهة الخلاص الوطني .. التي كلفت الإخوان ثمنا باهظا أقله أن اقترن اسمهم باسمه في مسمى سياسي واحد .. لم ألق مواطنا سوريا واحدا قادما من داخل سوريا يصوب شراكة الإخوان مع خدام .! ولن أكون مبالغا إن قلت إن الرئيس بشار الأسد مدين للإخوان في قضية خدام فقد أسدوا له معروفا يستحقون المكافأة عليه .! لأنهم كفوه مؤونة إبعاده والتخلص منه !. ومع ذلك فقد خلد النظام ذكراه بطريقة مختلفة .. حيث أقام له مجلس الشعب جلسة ردح خاصة تسابق فيها الخطباء والنواب في استعراض تاريخ نضاله السياسي , وإرثه الحزبي وذلك عن طريق نشر غسيله الغير نظيف بطريقة تناسب المقام .. لقاء خدماته للأسرة الحاكمة لفترة تقارب النصف قرن .. فأكلوا شبابه ثم رموه إلى أحضان المعارضة شيخا كليل الهمة قليل الشجاعة عديم الإقدام ..

أما سجل السيد خدام في المعارضة فيمكن تقييمه من خلال :

أولا : على الصعيد الداخلي .. ليس لخدام أي رصيد شعبي يذكر بسبب تاريخه السياسي الاستبدادي القمعي .. لم ينس الشعب السوري أحداث اقتحام جامع السلطان في حماة وهدم منارته عندما كان محافظا لها , ولا اقتحام دبابات حاطوم ساحة الجامع الأموي في دمشق .. أما دفاعه عن نفسه بأنه كان وزيرا للخارجية ولا علاقة له بالشؤون الأمنية فلا يقنع أحدا , فقد ظل اسمه مقرونا بإرث تلك المرحلة التي كان فيها أحد أهم أركان النظام .. ثم ليرقى ليكون نائبا للرئيس حافظ الأسد فكيف يستطيع التنصل من مسؤولياته عن تلك الفترة ؟.. وهو الذي لم ينتقدها أصلا .. بل يريد التأريخ لها ..!  بإمكان بشار الأسد التنصل منها ومن تبعاتها لأنه لم يشارك فيها ولم يكن له آنذاك أي دور فاعل ..أما خدام أنى له ذلك وقد كان أحد رموزها ؟ وهو حتى اليوم يصر على الدفاع عن تلك الحقبة .. لقد كان بمقدوره فعل الكثير من أجل كسب ثقة الشعب السوري لكنه أبى وأخلد إلى الأرض .. أما هرولته نحو الإخوان لكي ينال شيئا من شعبيتهم فلم تنفعه بل أضرت بهم أيما ضرر , حيث هبطت شعبيتهم بسببه إلى النصف حسب تقديرات الكثيرين .

ثانيا : على الصعيد الخارجي .. توقع كثير من المحللين السياسيين المتابعين للشأن السوري أن انضمام خدام لصفوف المعارضة سوف يعطيها دفعا سياسيا قويا , ويكسبها حضورا فاعلا في المحافل الدولية ..خصوصا وأن جماعة الإخوان المسلمين غير مرحب بها أمريكيا وأوربيا وبإمكان خدام لعب دور حلقة الوصل بين الإخوان والقوى السياسية الدولية .. لكن أيا من هذا لم يحدث .. لماذا ؟ أين عبقرية خدام الدبلوماسية ؟ أين خبرته وتجربته في السياسة الخارجية التي تقارب الأربعين عاما ؟ .. كان المأمول منه في أضعف الإيمان أن يفتح قنوات مع من يسمى اليوم بدول الاعتدال العربية , فقد كان بينها وبين النظام السوري ما صنع الحداد , وكان بشار الأسد قد قال فيهم ما قال !.. فهل من فرصة أكثر من هذه ؟.. أعتقد أن مقابلته الهزيلة سياسيا مع قناة العربية , وإفلاسه من أي طرح سياسي جعلته يسقط في امتحان الثقة لدى تلك القوى ؟ فقد بدا وكأنه منظر فكري ومؤرخ سياسي أكثر منه معارض يمارس السياسة ويريد إسقاط  نظام  .. لم يدر أحد يومها – وحتى تاريخ هذا اليوم - ماذا ومن يعارض خدام ؟ لم ينتقد الرئيس السابق حافظ الأسد ولا فترة حكمه !. لم يتعرض بشيء للحزب الحاكم ..!  بل اكتفى بانتقاد النهب والسرقة والأجهزة الأمنية التي ينتقدها بشار الأسد أكثر منه .. القارئ السياسي لمقابلات خدام التلفزيونية والصحفية يبدو له خلاف خدام مع النظام مثل خلاف الإخوة داخل البيت الواحد عندما يشعر أحدهم بالحيف والظلم الذي حاق به لكنه لا يستطيع النيل من أهل بيته ..

ثالثا : على صعيد المعارضة : لم يبذل خدام جهدا يذكر في ممارسة المعارضة بل ربط  مصيره السياسي بآل الحريري , والمحكمة الدولية التي تحقق في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري .. كما حاول إقناع شركائه في المعارضة بأنه قد أدلى بشهادته للمحقق الدولي والقضية لن تستغرق أكثر من ستة شهور على الأكثر .. ها هي محكمة الحريري قد تشكلت وستبدأ عملها في الأيام القليلة القادمة فهل سيشمر خدام عن ساعدي الجد ويبدأ بالمعارضة الفعلية التي اتهم شركاءه الإخوان في التقاعس عنها ؟ وهل سينجح في لملمة بعض الرفاق والمعارضين لتأسيس حزب البعث في الخارج ؟

والأهم من ذلك كله .. هل ستسمح الظروف لخدام مرة أخرى – من بعد الفرص الكثيرة التي أهدرها – للقيام بدور فاعل على الساحة السورية ؟ أم أنه بدأ يخسر مواقعه الواحد تلو الآخر .. وهل  سيكون أحدها شراكته في جبهة الخلاص ؟.. لا نتمنى ذلك أبدا .. لكن عندها حتما سوف يكون لديه متسع من الوقت للتنظير والتأريخ ..

 

محمود العمر  


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ