العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05 / 07 / 2009


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

السادس والعشرون من حزيران

اليوم العالمي لمناهضة التعذيب

زهير سالم*

لتكن البداية من مكة. ومن دار ابن جدعان، حيث تعاهد مشركو قريش على ألا يجدوا في مكة مظلوماً إلا نصروه..يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد شهدت في دار ابن جدعان حلفا لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت. إشارة إلى أن على أمة الإسلام أن تستجيب لكل عقد يصون الحرمات وينصر المظلوم في الزمان والمكان... 

خطوة أخرى إلى الأمام نسمع رسول الله مرة أخرى، ينذر الناس: دخلت امرأة النار في قطة حبستها، تلك هي شريعة السماء.ليتساءل عن مصيرهم أولئك الذين يتسلطون على حيوات الناس قتلا أو سجنا أو تعذيبا أو تشريدا...

و في ثالثة نتوقف عند بغي من بغايا بني إسرائيل يُغفر لها في سقيا كلب!! قالت: لقد بلغ هذا الكلب من العطش ما بلغ بي. فنزلت البئر فملأت خفها ماء فسقت الكلب، فشكر الله لها فغفر لها!! ذلك باب للرجعى مفتوح لمن شاء أن يدكّر..

يمر علينا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين والتعذيب بكل ألوانه وأشكاله وأبعاده حالة عالمية ودولية سائدة تنغمس فيه الحكومات، ويمارسه القادة ويتواطأ عليه الشرق والغرب والعرب والعجم..!!!

حالة لا يكفي في مواجهتها، أو معالجتها التلاوم، أو التأثم، أو التظاهر بالقلق والأسف، أو التعبير عن التعاطف الظاهري مع الضحايا أو إصدار بيانات الإدانة والشجب..

في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب، ينبغي أن يكون واضحاً أن التعذيب لن تتم مناهضته ونفيه عن حياة الناس بموقف إنكاري في عالم الشعور، ولن تتم محاربته بتكريس المزيد من الأوراق الصادرة عن المنظمات الإنسانية الأممية التي تتفنن في التمييز بين الناس، وفي توظيف مواد شرعتها في مشروعات ملغومة فعل من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض.. ، ولا بإصدار المزيد من تقارير إدانة ضرها أقرب من نفعها.

المطلوب في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب أن يسري تحريم التعذيب بشكل واضح لا لبس فيه في كل زمان ومكان، وأن يشمل تحريم تعذيب الإنسان كل إنسان بلا وصف إضافي أو نسبة عقائدية أو حضارية أو قومية، وأن يشمل تحريم تعذيب الجسد والنفس والعقل ..

 وأن يمتد هذا التحريم ليشمل تعذيب  أسرة الضحية ومن وراءها من أم وأب وزوج وأولاد وبنات.. ومن تعذيبهم حرمانهم من زيارة الضحية أو الاتصال بها، أو من معرفة أخبارها..

من أجل كل هذا نطالب في هذا اليوم العالمي أن ينتقل استنكار التعذيب ومناهضته من عالم الشعور إلى الموقف العملي، الموقف المدني والموقف السياسي، الموقف الشعبي والموقف الدولي..

في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب ينبغي أن ينتفض العالم بأسره ، وأن تصرخ البشرية بصوت واحد: لا للتعذيب..أن يرفض العالم بالموقف أي تبرير أو تسويغ أو تمرير لشرعنة التعذيب أو لتمريره أو فرضه أمراً واقعاً..

 المطلوب في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب أن تعتبر ممارسة التعذيب من أي جهة وتحت أي ظرف ومهما يكن المسوغ  الصورة الأوقح والأقبح للإرهاب العالمي. وأن يبادر مجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ قرار بذلك تحت البند السابع، كما يقولون

وأن يعتبر إرهاب السلطة في كل مكان الإرهاب الأولى بالإدانة، والإرهاب المنتج لكل أنواع الإرهاب. فكل إرهاب يمارسه الأفراد في هذا العالم هو المشتق المباشر من إرهاب الأقوياء الذين تعودوا أن ينالوا من الناس فيضربوا أجسادهم، أو يحرقوا أبشارهم، أو يكسروا عظامهم، أو يعبثوا بخيوط أعصابهم، أو يشوهوا نفوسهم، أو يحكموا بالاختناق على أنفاسهم..

في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب ينتظر بنو الإنسان أن يتابعوا اجتماعاً عاجلاً لمجلس الأمن لأن عدواناً وقع على إنسان في شرق أو في غرب، في شمال أو في جنوب مهما تكن جنسية هذا الإنسان أو لونه أو معتقده.

في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب ينتظر أبناء الحضارة الإنسانية

أن تتحول الحقيقة الربانية المسطورة في التوراة والإنجيل والقرآن في أن العدوان على الإنسان الفرد هو عدوان على الإنسانية جمعاء إلى قانون دولي تترتب عليه منظومة من المواقف والقرارات والسياسات..

في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب يتساءل بنو الإنسان اليوم من يحمي مقررات المنظمات الدولية لحقوق الإنسان إذا كانت الدول المسيطرة على مجلس الأمن والمحركة له هي التي تتفنن في اختراع المعاذير، والمخارج لرعاية سجون مثل باغرام وأبو غريب وغوانتنامو، والسجون الطائرة، والتعذيب بالوكالة الذي تثبت التقارير يوماً بعد يوم أن بعض أصحاب الشأن قد قبلوا أن يؤجروا نزوعهم اللإنساني لحساب دول وأطراف ترى (التعفف) عن مباشرة الهمجية بأيدي أبنائها مباشرة...!!

في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب..

ينبغي أن نلتفت إلى حطام الآدمية من خريجي سجون القهر والتعذيب، أن تلتفت الإنسانية إلى بقايا الآدمية في إنسان حطمه المجرمون نفسياً وبدنياً، أكلوا عمره، وبددوا قوته وأوهنوا إرادته، ثم ألقوا به على قارعة الحياة يحمل معه همومه وآلامه وعجزه وضعفه وشبهة تخويف تجعل من الكثير من أصحاب الإرادات الطيبة يتحاشونه خوفاً من تهمة ظالمة تلحق بهم، بعد أن وُضع الإحسان إلى الناس، ومساعدة المحتاج وإغاثة اللهفان تحت مجهر الرقيب القبيح الذي يصمم على تحويل المجتمعات الإنسانية إلى سجون كبيرة، وعلى تجفيف معاني الإنسانية في مجرى الدم البشري..وهذا نوع آخر من أنواع التعذيب يحاصر الضحية في مجتمعه وفي ضعفه وفي الإعاقة النفسية أو البدنية أو العمرية التي ألحقت به..

 منع الإحسان ومصادرة قنواته وإدانة القائمين عليه وسل سيف الإرهاب أو تهمته عليهم نوع آخر من أنواع التعذيب يلاحق الضحية في أسرته وفي أطفاله. في عالم يعتبر إرهابيوه الكبار إرهابيا كل من يطعم جائعاً، أو يعلم يتيماً، أو يمد يد العون لمحتاج..!!

في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب..

يجب أن يحاصر الخارجون على الإنسانية في دائرة للرفض الأولي لا تقبل منهم صرفاً ولا عدلاً. وأن تسقط جميع الذرائع، ، وأن يعتبر العدوان على إنسانية الإنسان تنازلا من مرتكبه عن إنسانيته الذاتية.. إن كان فرداً أو مسئولا أو حكومة. ينبغي أن يطرد كل من يمارس الجريمة مهما كان حجمها ومكانتها من المنظومة الإنسانية المدنية والدولية. وعلى بني البشر مهما كان انتماؤهم أن يُجمعوا على رفض كل الأيدي الآثمة التي تمتد إلى إنسانية الإنسان بسوء..

التعذيب والعدوان على إنسانية الإنسان ليس مخالفة إدارية أو سياسية، وإنما ينبغي أن يعتبر جرمه جرما جنائيا يعطى أولوية في القانون الدولي.. وأن يكون من اختصاص جميع المحاكم الحقوقية في هذا العالم أن تنظر في قضاياه وأن تتحقق من وقوعه وأن تباشر في إدانة ومحاسبة مرتكبه.

في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب..

ينبغي أن يصبح رفض التعذيب بمفاهيمه وصوره وأشكاله حالة ثقافية. تدرس مع أحرف الهجاء، وأن يكون واضحا أن مفهوم التعذيب يشمل كل معاملة سيئة تلحق الأذى الجسدي أو النفسي بالضحية..

ينبغي أن يوضح للناس أجمعين أن مفهوم السلطة قد أصبح مفارقاً لمفهوم (الإكراه)!!!. هذا المفهوم الذي  أبطلته شريعة الإسلام الخالدة. فمنذ ألف وخمسمائة عام أبطلت شريعة الإسلام كل العقود القائمة على الإكراه، ونفت آثارها، وشُرع الجهاد لنفي الإكراه عن حياة الناس بكل صوره (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). ليبقى الإكراه بكل صوره جريمة جنائية، مهما حاول المجرمون الممارسون له تجميله بثوب المدنية الزائف.

يقال في فلسفة مريضة للنفوس المنسلّة من إنسانيتها إن الهدف من التعذيب الوصول إلى المعلومات خدمة للحقيقة أو حماية للمجتمع أو للإنسان!! ومع سقوط المعاذير التي يراد منها شرعنة التعذيب ، نتساءل ولكن ماذا عندما تمارس بعض النفوس المريضة التعذيب للتعذيب؟! ماذا عندما يتحول التعذيب إلى منهج حياة يومي يُفرض على الضحايا لإشباع نهمة سوء في نفوس المتسلطين. النماذج في تاريخ الإنسانية القديم والحديث كثيرة والدلالات أكثر من أن يحصيها كاتب، والأكثر اختصارا في المقام نقول ينبغي أن يحال هؤلاء الأناسي إلى عيادات الطب النفسي علهم يجدون فيها بعض العلاج...

---------------

*مدير مركز الشرق العربي  

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ