العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05 / 04 / 2009


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

خمسة وأربعون عاماً على وفاة الدكتور

مصطفى السباعي

زهير سالم*

رحم الله الشيخ مصطفى...

رحم الله مَن قال: الذين يسيئون فهم الدين أخطر عليه من الذين ينحرفون عن تعاليمه(!!!) أولئك يعصون الله، وينفرون الناس من الدين، وهم يظنون أنهم يتقربون إلى الله. وهؤلاء يتبعون شهواتهم وهم يعلمون أنهم يعصون الله، ثم ما يلبثون أن يتوبوا إليه ويستغفروه..

رحم الله الشيخ مصطفى.. فقد كان أعمق فهماً، وأوسع علماً وأكثر إدراكاً وتواضعاً، وأكثر ما شئت من خير بعد..

أمسك رجل صالح يوماً بيدي، وقال: كلمة طيبة يغرسها رجل صالح، تكون دوحة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. فإن استطعت أن تفيء منها إلى بعض الظل أو أن تمسك منها بأصل أو فرع فلا تتأخر.

رحم الله الشيخ البنا الذي أرسى وبنى، فمكن الأساس وأعلا البناء، ورحم الله الشيخ مصطفى الذي اقتبس فأطاب الاقتباس، فكانت بين الرجلين الصالحَين، شهادة أبناء جيل من الصالحين، ولا يُزكى على الله أحد، هذه الدوحة المورقة التي لم تذر موطن وبر ولا مدر من أرض الإسلام إلا دخلته أو أنارت فيه، أو أقامت على الثغرة بعضاً من بنيه..

رحم الله الشيخ مصطفى والحديث عنه تحت ظلال الحديث عن (الفهم) في هذا المقام، ليس دعوة للاختيال في جلابيب الآباء، وهذه الوقفة ليست مقاربة (طوطمية)، ولا هي محاولة للتقوقع في معطى مضى عصره، أو خلسة للاختباءرض الإسلام

 

 وراء الكبار؛ بل هي منبهة إلى (المنهج) وتحذير من الإصرار على العجز والتمترس وراء أصنام المواقف والأفكار.

قال الخليل بن أحمد الفراهيدي مؤسس أكثر علم من علوم العربية (النحو والمعجم والعروض)، لرجل لم يحسن تقطيع بيت شعر بعد مراس، قال له الخليل، قطع لي:

إذا لـم تستطع شيئاً فدعه     وجاوزه إلـى ما تستطيع

قالوا، وكان الرجل فطناً، فانصرف عن علم العروض.

وكان الخليل بن أحمد أيضاً رجلاً صالحاً تقياً، كان من يأخذ عنه يقرع أبواب الدنيا بعلم الخليل في بغداد، والخليل يعيش في خص من أخصاصها..

الوقفة في هذه الذكرى مقاربة للتعرف على منهج الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله تعالى، في إدراك الواقع، والاستثمار فيه والإنجاز بمعطياته، بطرائق شرعية ممكنة ومجدية..

ربما يسهّل علينا المقاربة أن نتساءل، عن قاعدة الوعي الإسلامي في مصر سنة 1928، أوفي سورية سنة 1945، نتسائل عن قاعدة الوعي هذا امتداداً وعمقاً مع ما هي عليه اليوم؟! ستُدهش وأُدهش عندما تقترب من المقارنات وسيخيب أملنا حين نرصد النتائج..

في الليلة الظلماء يُفتقد البدر؟! هل فينا من يفتقد البنا أو السباعي اليوم؟!!

نبئتُ أن النـار بعـدك أوقدت

واستب بعدك، يا كليب المجلس

وتفاوضوا في أمر  كل عظيمة

لو كنت حاضر شأنها لم ينبسوا..

 يشكو البعض اليوم من ضيق المراح, وآخرون يزعمون أن الحكم منحاز، أوأنه يرفع في وجوههم دائما البطاقات الصفر، فريق ثالث ينتظر الكرة لتصطدم برجله..

ولكن السباعي رحمه الله تعالى، أرسى وأعلى هو الآخر وهو كما نقول اليوم فتى في الثلاثين، وفي ظل إدارة احتلال أو حكومات من العقداء يطلون عليه كل يوم بانقلاب جديد.

لا تغيب عن عاقل المفارقات. ولكن منهج البنا والسباعي لم يكن منهج قائد ينادي: أزيلوا العوائق واحرسوا الطريق.. الحب تحت المطر، أو التقدم تحت الحراب، والانتصار على العوائق بالتجاوز أو الالتفاف، وتقصير الخطوة وتمكينها، ووضوح الرؤية، وقصد السبيل، وفي كل عبارة عنوان، هذا المنهج هو الذي مهد وغرس فأثمر  وأرسى وأعلى.

رحم الله الشيخ مصطفى في الذكرى الخامسة والأربعين..

 رحم الله العميد الأول المؤسس لكلية الشريعة في الجامعة السورية منارة أجيال ..

 رحم الله القائد المؤسس الأول لجماعة الإخوان المسلمين في سورية، الجماعة التي أسندت مشروع التنوير وأسست لحماية الهوية وفتحت الآفاق لغد الإسلام

  رحم الله مؤسس الشهاب والحضارة ومؤلف (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) و(المرأة بين الفقه والقانون) و(هكذا علمتني الحياة) و(اشتراكية الإسلام) وو..

رحم الله القائد المجاهد يقود كتائب الجهاد على أرض فلسطين...

 رحم الله الشاب الثائر يتصدى للاحتلال في الشام ومصر على السواء...

 رحم الله السياسي يهز المنابر ويتقدم الأقران تحت قبة مجلس النواب في بلاد الشام..

رحم الله ابن التاسعة والأربعين، الذي لم يمكث بيننا إلا قليلاً، وترك لأمته ولوطنه ولإخوانه الكثير ليقتدوا به وليعملوا عليه وليس ليفخروا به فقط...

رحم الله القائد الذي أنجز بالفهم وبالعلم وبالدأب، وبالصبر والمصابرة، صبر على أذى عدو بعيد وأذى قريب قال القدوة في الصبر على أذى مثله (رحم الله أخي موسى فقد أوذي أكثر من هذا فصبر)

لا أدري إذا كان سيُقبل مني أن أوازن بين المؤسسات الثلاث الضخام، التي قام عليها الشيخ مصطفى الإنسان بإراداته، والعالم بعلمه، والحكيم بحكمته..

في حديث لشيخنا الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله تعالى، يذكر مآثر سميه مصطفى السباعي. فيقول: لقد كان التفرغ لتأسيس كلية الشريعة، وتولي عمادتها الأولى مغامرة على الصعيد الشخصي. و كان المطلوب أن يغامر واحد من ثلاثة أساتذة لهم كرسيهم في كلية الحقوق، لينتقل إلى موقع غير مضمون في تأسيس كلية تتناوشها الرماح ويحاربها المحاربون. يقول الشيخ الزرقا رحمه الله تعالى، على عادة أهل الفضل في الإقرار به لذويه، قُدم العرض للأساتذة الثلاثة فأقدم الشيخ السباعي وأحجم الآخران، هذه شهادة فضل من صاحب فضل ورحم الله الجميع..

وهكذا وزع العالم، الداعية، الكاتب، السياسي، المجاهد، وجوده على محاور استغرقته بتوازن بديع.

هل بإمكاننا في ذكرى رحيله الخامسة والأربعين، أن نتفهم كيف كان الرجل ينظر إلى كلية الشريعة، أو إلى مجلة الحضارة، أو إلى جماعة الإخوان المسلمين.. أنت لن تغفل عن التداخل أو التقاطع، ولكنك ستدرك معي بالتأكيد معنى أن تتحول كلية الشريعة  إلى مؤسسة علمية وطنية، تقوم على مشروع التنوير الشرعي في شامنا الحبيب. فيتقدم الوطني العام مع الدعوي الخاص..

لم يكن لدى الراحل الكبير فرق بين الإنجاز العلمي في( السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) وأخواته، والإنجاز الدعوي في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، والإنجاز العلمي الدعوي الوطني في تعهد كلية الشريعة، و الإنجاز السياسي على منابر مجلس النواب، والجهاد العملي في ساحات الجهاد على أرض فلسطين... في فهم الشيخ السباعي اندمج العلمي بالعملي والدعوي بالوطني والقومي كل أولئك تحت مظلة فهم مفتوح للإسلام وهذا هو الدرس الذي حاولت هذه المقاربة أن تتوقف عنده. وهذا هو التحذير الذي أطلقه الشيخ في حديثه عن الذين يسيئون فهم الإسلام..

---------------

*مدير مركز الشرق العربي


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ