العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05 / 04 / 2009


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

القانون الذي يحكم سورية منذ ما يزيد على ستين سنة

فيصل الشيخ محمد

ترددت كثيراً قبل أن أكتب حول بعض الملاحظات التي وجدت فيها ما يلفت النظر في مقابلة السيد الرئيس بشار الأسد مع صحيفة السفير اللبنانية قبل أسابيع، وقد سبقني إليها الكثيرون من الإعلاميين وأشاروا إليها.

أقول لقد ترددت في الكتابة حول هذه الملاحظات حتى لا يقال أن جماعة الإخوان المسلمين – وأنا منهم – قد نكثوا بوعدهم حول تعليق الأنشطة المعارضة للنظام السوري.. رغم أن مواقف النظام حيال هذه المبادرة باهتة، بل تجاوزت البهاتة إلى التلفيق والاتهام، بحسب ما صرح به السيد وليد المعلم وزير الخارجية، في لقائه مع الجزيرة الفضائية في برنامج (حوار مفتوح).. وقد تجاوزت الجماعة بكل أريحية ما جاء على لسان المعلم، واعتبرت أن كلام المعلم ليس رداً على مبادرة الجماعة في تعليق أنشطتها المعارضة، وأنها تنتظر الرد الرسمي الذي طال انتظاره، ولم يصدر حتى الآن، وهناك كثير من علامات الاستفهام حول التردد أو التجاهل أو اللامبالاة من قبل النظام في الرد على مبادرة الإخوان المسلمين الشجاعة.

بداية أؤكد أن تعليقي الذي سيأتي لا يتعارض لا من قريب ولا من بعيد مع مبادرة الإخوان المسلمين، وكل ما في الأمر هو لفت نظر السيد الرئيس إلى بعض الأمور التي قد تكون غابت عنه ولم يسعفه من حوله إلى الإشارة إليها، وهو أحوج ما يكون إلى صديق يَصدقه، وليس إلى متملق أو وصولي أو منتفع يُصدّقه، وقديماً قيل: (الصديق من صَدقك وليس من صدّقك)!!

في اللقاء الصحفي الذي أجرته صحيفة السفير اللبنانية مع السيد الرئيس بشار الأسد قبل أسابيع سئل:

عندما جئت إلى السلطة في سورية، وعدت بالانفتاح السياسي وانفتحت على قوى المجتمع المدني، مثقفين وكتّاباً، والآن دخل جزء من هؤلاء إلى السجن؟

أجاب الرئيس: هل المجتمع المدني هم فقط مثقفون وكتّاب، كل الناس، مجتمع مدني.. بالنسبة لي (أنا رئيس لكل المواطنين السوريين، أنا لست رئيس نخبة أو مجموعة).

_ أقصد انك انفتحت على هذه الفئة في المجتمع وهي توسمت منك خيراً، وكانت هناك لقاءات تتم بنوع من المباركة والشراكة وفجأة...

أجاب الرئيس: لا يوجد في القانون شيء اسمه اختلاف سياسي، اسمه مخالفة قانون، إذا أردت أن نتحدث في القانون، نتحدث في القانون، القانون يقول هناك مخالفة، القانون لا يفرق بين مثقف وجاهل، وليس هناك قانون للمثقف وآخر للجاهل، هناك (قانون صارم) في سورية قانون يرتبط بظروفنا ونحن في السنوات الأخيرة كنا نمر بظروف انتم تعرفونها أكثر من غيركم، أنتم تعرفون ما هي الحرب التي كانت على سورية، (محاولات ضرب الاستقرار)، و(محاولات تخريب كل شيء)، في هذه الظروف إذا عدت إلى أكبر الديمقراطيات تجدين أنهم غيروا قوانينهم بعد 11 أيلول، وأصبحوا يعتقلون أياً كان، (طبعاً ليسوا قدوتنا).. نحن لا نريد أن نتكلم كلاماً مثالياً، نحن لدينا مصالح وطنية تقتضي أن (نطبق القانون بحزم). أولاً لم نخترع قانوناً جديداً، لا يوجد لدينا قانون وجد بسبب هذه الظروف، ولكن نحن نطبق (القانون الموجود بشكل صارم)، (إذا كان القانون غير جيد نعدل القانون) لكننا الآن في عملية إصلاح.

_ تهمتهم هي رأيهم.

رد الرئيس: هل دخل روجيه غارودي إلى السجن أم إلى مكان تسلية عندما تحدث عن (الهولوكوست)؟

لعلَّ فيما سأذكره فيما يلي، فيه الرد على ما جاء في إجابات السيد الرئيس بشار الأسد على أسئلة صحيفة السفير، ويتلخص ذلك في رواية حادثتين، الأولى معاصرة والثانية تاريخية.

الحادثة الأولى: عاد أحد المثقفين السوريين إلى الوطن، بعد أن قضى ثلثي عمره وهو يدرس ويبحث حتى نال العديد من الشهادات العالية والاختصاصات النادرة والفريدة، التي يفتقر إليها الوطن، وعندما وضع قدمه في أرض مطار دمشق استدعي لفرع الأمن في المطار للتحقيق معه (كما هي العادة) فقدم هذا المتشوق لتراب الوطن للمحقق ما لديه من شهادات واختصاصات، فنحى المحقق كل هذه الشهادات جانباً وقال له: (نحن لا نريد كفاءات بل نريد ولاءات).. لا تعليق!!

الحادثة الثانية: عالم الكيمياء والفيزياء أنطوان لافوازييه الفرنسي، الذي قدم لفرنسا وللعالم خدمات لا يزال العالم حتى اليوم مدين له فيه، لم تشفع له للحؤول دون قطع رأسه بالمقصلة.. وجريمته فقط أنه انتقد بعض رموز الثورة الفرنسية، التي حذفت اسمه من (لجنة الموازين والمقاييس)، (وهي اللجنة العلمية العليا في فرنسا في حينها التي تضم في عضويتها نخبة علماء فرنسا) وزجت به في السجن، وقد حدث ذلك في صيف عام 1793، وسيق إلى المحاكمة في2 أيار عام 1794 مع أضرابه من العلماء والمثقفين، وكان عددهم ثمانية وعشرين عالماً. ولما قال لافوزييه أثناء محاكمته أنه يطلب مهلة لإنهاء اختباراته حول التعرّق التي بدأها في مختبره ليضيف مجداً وشرفاً جديدين لوطنه، كان جواب رئيس المحكمة: (إن الجمهورية ليست بحاجة إلى علماء) وقرع المنضدة بقبضة يده، في ثورة غضب عارمة. وكان لافوزييه الرابع في سلسلة الثمانية والعشرين الذين تدحرجت رؤوسهم على خشبة الإعدام تحت المقصلة. وعلق على ذلك العالم الكبير (لاغرانج) قائلا: (لم يقتض إلا لحظة واحدة وحسب لقطع ذلك الرأس، ولكن رأساً مثله لا يمكن أن يوجد في مدى مئة سنة).. لا تعليق!!

السيد الرئيس بشار الأسد إن القانون الذي تتحدث عنه هو المقصلة التي تتدحرج رؤوس الآلاف من النخب الوطنية السورية المثقفة أمامها منذ ما يزيد على ستين سنة.. وآن لكم يا سيادة الرئيس أن تعيدوا النظر بهذا القانون (قانون الطوارئ والحكام العرفية) السيئ الصيت والسمعة، الدموي المنبت والأصول.. وآن للشعب السوري الذي تتحدث عنه، وتعتبر نفسك أنك رئيساً للجميع وليس لنخبة معينة من هذا الشعب، أن ترفع عن كاهله هذا النير الذي يقوس قامات الرجال، ويطأطئ رؤوسهم، ويعفّر جباههم، ويطفئ سرج عقولهم، ويعري أجسامهم، ويفرغ جيوبهم، ويفسد ضمائرهم!!   

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ