العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03 / 05 / 2009


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

حملة للنظافة الاجتماعية

الفاشيَة الوبائية... قضية أمنٍ وجودي

زهير سالم*

فشا الأمر: انتشر وشاع، والفاشَية كالغاشية لفظا وقريبة منها في المعنى.

أفـق

جلس ماعز رضي الله عنه إلى رسول الله مقرا بذنبه... فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك.. لعلك.. لعلك..

وجاء شاب إلى رسول الله يسأله أن يأذن له بالزنى!! فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم برفق النبوة:  أتريده لأمك؟!   أتريده لأختك...؟!

وفي تاريخنا الحديث في درس آخر ، عن عالم الشام وفقيهها ومحدثها الشيخ بدر الدين الحسيني أنه في إحدى السنوات، وفي أواخر أيام رمضان، حيث كان وجوه  دمشق يضعون صدقاتهم بين يدي الشيخ الفقيه المحدث، الذي يقول عنه المترجمون: إنه كان كثير المرور على نزلاء السجون، والمكاسير من الخطاة مذكرا وواعظا وداعيا وفاتحا أبواب الأمل...

في إحدى السنوات أعد الشيخ مجموعة من الصرر على عدد البغايا في بيت البغاء في ذلك اليوم، وأمر بعض أصحابه أن يحمل تلك الهدايا إلى المقيمات هناك. وأن يقول لكل واحدة منهن هذه هدية العيد من الشيخ بدر الدين يهديك هذا مع السلام ويطلب منكِ الدعاء.. أما بقية القصة  فلن أكملها في هذا المقام،  لن أتحدث عن حديث الشيوخ الذين رووا القصة وأعينهم تفيض بالدمع عما كان من البغايا أولئك في ذلك اليوم من دموع ونشيج ونحيب وتوبة و....

و ما أردت من الرواية إلا أن أنبه حملة الأمانة من ورثة الشيخ بدر الدين الحسيني على أرض الشام المبارك إلى أن التنديد (بالضحية) قد يكون الطريق الأسهل والأقرب، ولكن ليس إلى رضوان الله، وليس إلى قطع الطريق على الشيطان وجنوده من الجن والإنس، وليس إلى رد الشعور بالكرامة الإنسانية الربانية إلى إنسان فقدها بعثرة في عتمة ليل...

الهدف من رواية القصة بث النداء إلى مبادرة حيوية متسارعة ومتكاملة لاستحياء هذه النفوس بعد أن تحولت إلى (أرض موات). كما وصفها يوما الشاعر الانكليزي إليوت. نروي القصة لنتذكر في حضرة الإنسانية المنتهكة أو الموءودة قوله تعالى (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً..)

*           *          *

تتوقف كثيراً قبل أن تخوض في حديث حرج مثل هذا الحديث. تتردد تقدم وتؤخر. ثم يأتيك ما يساعدك على الإقدام. ففي يوم التاسع من نيسان، ذكرى احتلال العراق، يسأل مقدم برنامج في قناة الجزيرة، فتاة من فتيات المحرقة تلك، تعول أمها وأختها الصغيرة، من مهنتها المريبة، على أرض الشام، ماذا لو سارت أختكِ الصغيرة على نفس الطريق؟  تجيب الغارقة في جحيم الإثم المبين  بتلقائية وعفوية: أذبحها  !!! مع الاعتذار لكل المنددين والمنددات بطقوس الذبح الذكوري...

وتذرف فتاة أخرى، وهي لم تتجاوز السابعة عشرة، الدمع وهي تروي تفاصيل مأساتها وأبعادها، من حيث فقدان المعيل والاغتراب خوفاً من ثمرات الاحتلال( التحرير الأثيم)!!

 ويترافق هذا المشهد مع مقال موثق وصل قريبا إلى مركز الشرق العربي يحكي بعض تفاصيل الكارثة المأساة وحجمها وأبعادها . آثرنا الامتناع عن نشره، حشمة وحياء من الله ثم من الناس.

 وكانت، منذ سنوات طويلة، ومنذ سقوط الاتحاد السوفياتي على وجه  الخصوص، تصلنا تقارير متكاثرة عن تفشي ظاهرة الريبة، في مجتمعنا السوري وتعدد مغذياتها البشرية، وكلها تؤكد أن لهيب المحرقة بات يهدد الأمن القومي السوري، وأن البناء الاجتماعي في وطننا آخذ بالتداعي تحت تأثير عوامل: اقتصادية واجتماعية وثقافية من جهة، وفعل مخططين ومنظمين ومبرمجين من جهة أخرى، وظروف هجرة داخلية وخارجية غير منضبطة تنصب على عالمنا العربي والإسلامي وبلدنا سورية وفيه من جهة ثالثة.

إن الحصاد المر لهذه الظاهرة الخطيرة لن يكون قاصرا على ضحاياها والوالغين فيها، في هياكل وجودهم الإنساني، على مكانته فقط؛ بل إنه يتعداهم ليكون كالفاشية الغاشية ( تغشى الناس هذا عذاب أليم )؛ فاشية تشكل تهديدا خطيرا للأمن القومي بـأبعاده الوجودية؛ الشرعية والإنسانية والاجتماعية والسياسية...

ليس من هدف هذه الدراسة أن تدرس أو أن تحلل، على وجه التفصيل العوامل الملجئة أو المسهلة للطريق نحوالخطيئة المحرقة، لا الدوافع من المغريات المتمثلة في أزيز الشهوات وتمويهات  شياطين الجن والإنس، ولا الملجئات من فقر وعوز وحرمان واشتداد حاجة وكَلَب الزمان،مع  نكوص المسئوليات ( الدينية) و(المدنية) و(الرسمية) عن القيام بواجباتها على الوجه المطلوب.

هذه المقاربة، العجلى، تهدف إلى قرع الجرس، والتنبيه على الخطر، والدعوة إلى المبادرة لتطويق الحريق سواء على صعيد الوقاية أو على صعيد العلاج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

*     *     *

المشهد الكئيب

لم يكن بردى بكل صفائه التاريخي نقيا تماما. ففي كل مجتمع كفايته من حصاد الإثم. ومع انتشار الثقافة الاستهلاكية، والتقاليع الوافدة المستهترة بمنظومة القيم والأخلاق، و القائمة على تمييع مفهوم الشرف بمظاهره السلوكية وحقائقه النفسية ، وزخرفة قبح الخطيئة تحت عناوين الحداثة الموهومة والتحرر المزور والانفتاح على العصر المزعوم؛ بدأت المستقرات الاجتماعية تهتز تحت أقدام  بعض الناس ، وبدأت دائرة الخرق تتسع.

ولقد زاد  هذا الخرق اتساعا وانتشارا رعاية ظاهرة وخفية من مراكز مسيطرة  تعمل على استثمار الخرق والاستثمار فيه. سيظل الحياء يعصمنا من الدخول في التفاصيل

أضف إلى ذلك أشكالا من الهجرة الداخلية كانت تنصب على المدن الكبرى وعلى دمشق بشكل خاص لتمد حالة من الانفلات الخلقي بمدد بشري إضافي تزكم روائح نتنه الأنوف.

لا أحد  يزعم أن البحيرة السورية كانت من قبل نقية تماما.. ولكن سقوط الاتحاد السوفياتي وكشف الغطاء عن بقايا المجتمع السوفياتي الهلامي  اللا قيمي  في الأصل، دفع بأسراب من فتيات الخطيئة إلى ديارنا، حمولة زائدة،  حيث وجدن تسهيلات للإقامة وسوقا للعمل المريب!! وكانت سورية واحدة من الدول التي غضت الطرف عن الوافدات اللواتي شكلن ظاهرة في شوارع المدن السورية وفنادقها وملاهيها وشققها المفروشة؛ ربما يغيب عنك التفسير الموضوعي لذلك الصمت الرسمي مع القدرة على سد المنافذ وتحصين المجتمع. مذكرين فقط أن هذا النوع من (السلع) استُخدم كمادة للجذب السياحي( لسياح ) تتمسك حكوماتهم بنظافة مجتمعاتها..!!!

ثم شكل الغزو الأمريكي للعراق، بما أحدثه من قتل ودمار وتشريد للملايين من الأسر والأفراد، مصدرا إضافيا للمدد المريب. ربما يكون الصمت أجمل ولكنه في السياق الذي نحن فيه ليس الأقوم.

يشير المتابعون لأبعاد الظاهرة المريبة والخطيرة إلى أن الساحة الاجتماعية السورية أصبحت ملتقى لبنات الخطيئة من سوريات وروسيات ومغربيات وعراقيات..

وأن الخطيئة تمارس بشكل فاضح في جميع المدن الكبرى وفي دمشق والمدن السياحية وعلى الساحل السوري بشكل خاص. وأن فنادق ساحة المرجة في دمشق أصبحت مباءة. وأن مناطق مثل دمر والبرزة والمزة ومناطق أخرى كثيرة غصت بالإثم الظاهر والخفي

وأن  آلاف الشقق السياحية في دمشق وحدها برسم الخدمة المريبة. وأن سائقي تكسي المطار يستقبلون السياح العرب وغير العرب بألبومات الصور (للسلع الآدمية) للاختيار قبل أن تحط أقدامهم أرض العاصمة دمشق..

وتضيف التقارير أن في دمشق وحدها مائتي ملهى ليلي، وفي كل ملهى عشرون راقصة  أكثرهن وافدات....

وأن نقابة الفنانين في سورية تمنح ترخيص (المهنة) بشروط ميسرة جدا تحت عناوين الرقص الشرقي والباليه، مقابل ثلاث مائة دولار شهريا سعر رخيص للحصول على وصف فنان أو فنانة!!

 وأن هذه ( ... ) تحصل على موافقة أمنية!!! وشهادة صحية!!! وعقد عمل من صاحب ملهى, والكل مستفيد من لحم الضحية وكدها!!!!

وتضيف التقارير أنه في بعض المناطق، وتسهيلا للخطيئة على الشباب المأزوم ممن يمتلكون بقية وازع ديني، تتم ممارسة الجريمة المنكرة في مواقع مثل مقام السيدة زينب والسيدة نفيسة!!  تحت مسمى (نكاح المتعة) بصيغة لا يقبلها فقه سني ولا شيعي؛ فالمتعة محرمة مطلقا في الفقه السني؛ ولها في الفقه الشيعي المعتمد شروطها وقيودها التي تؤكد أن ما يجري هناك هو الزنا بعينه هو الفاحشة التي نهى الله عنها مهما حاول تجار الخطيئة أن يخادعوا الله والناس...

القانون السوري ولا شك يجرم الممارسات تلك جميعا ويعاقب عليها؛ ولكن المتاجرين في المحرقة الآدمية تلك يجيدون شراء الصمت. بحيث أصبح الطاعون يحظى بأشكال من الرعاية لا يحتمل الحديث عنها المقام.

 

الظاهرة المريبة انعكاسات وأبعاد

إن رصدنا للظاهرة هذا الرصد السريع والمجمل هو للتنبه على الأبعاد والانعكاسات ولوضع الظاهرة في إطارها كمدخل خطير للدمار الاجتماعي.

فالأصل أن تسود في مجتمعنا المسلم  قيم الإسلام، وأن تحافظ العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة فيه على مكانتها من القداسة والطهر. قرآننا الكريم يقرن قتل النفس بالزنى وينفيهما عن عباد الرحمن في سياق واحد؛  لأن الأول إزهاق للحياة في تجسدها المادي، والثاني هدر لآدمية الإنسان في تجليها القيمي، يلحقه بعالم الحيوان بالتسفل إلى أسفل سافلين. قال تعالى (... والذين لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة)

ولا يكتفي القرآن الكريم بنفي الزنى عن عالم المؤمنين بوصفه ( فاحشة ) عملا قميئا وبيلا، بل إنه ينهى في مقام آخر عن مقاربة أسبابه كل أسبابه   ( ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا)  نذكر بهذا الدعاة على أبواب الفتنة المسعرين لنارها ( ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا)

  

ثم كان الأصل في ثوابت وجودنا الاجتماعي أن يبقى طهر المرأة عنوان الشرف ليس لشخصها فقط وإنما لأسرتها وعائلتها وعشيرتها وأهل قريتها أو محلتها. عندما أراد الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن يأخذ على النساء بيعتهن المشهورة في مكانها من كتاب الله ووصل إلى قوله تعالى (ولا يزنين ) قبضت هند بنت عتبة رضي الله عنها يدها وقالت متساءلة: أو تزني الحرة؟!! وكأنها تشير إلى ذلك الإحساس بالكرامة الذي يعمر قلوب الحرائر فيحول بينهن وبين ذلك الفعل الشنيع...لن تستطيع أن تغمض العين عن حقيقة أن أولئك المغرَّرات أو المغرورات من وقود المحرقة سيتحولن قريبا في مجتمعات مثل مجتمعاتنا إلى بقايا آدمية وليس فقط إلى بقايا نساء.

جهود كثيرة وملحة تُبذل لتهوين شأن الجريمة، وتسهيل وقعها، وتغطيتها بما شاء أصحاب الأهواء من عناوين حداثية، و حمايتها بالقوانين الوضعية، وتغطية المتاجرين بها والمنخرطين والمنخرطات فيها توسلا لتدمير ما تبقى لمجتمعنا من قلاع استعصت على التدمير. جهود تبذل أداء لحقوق والتزامات لن يصعب عليك تلمس أطراف خيوطها هنا وهناك.  أو أحيانا ينخرط فيها البعض بجهالة عمياء...

وفي بعد ثالث لابد أن نلحظ آدمية الضحية المهدورة: جسد ملقى على قارعة الطريق يطؤه كل ما مر به. إنه مهما مُوه حديث الخطيئة بمعاني التحرر السلبية، ومفاهيم الخصوصية الزائفة؛ لن يستطيع أن يخفي عن الأبصار نتن الجريمة وانعكاساتها الردية على النفس البشرية المنغمسة لأيما سبب في حمأتها السوداء.

 

الجريمة وانعكاساتها على الأمن الوجودي...

نعتقد أن العدوان على حرمات الله، وتعدي حدوده هو المهدد الأول لأمننا  الوجودي في أبعاده كافة.

إن أول ما يتوجب علينا أن نحذر منه من انعكاسات هذه الجريمة المنكرة أنها مدعاة لغضب الله تعالى وسخطه ونقمته. إن السكوت على الجريمة، والتستر عليها، وتيسير أسبابها معنويا أو ماديا بالكلمة أو بالقانون أو بالصمت المريب هو جريمة أخرى؛ جريمة دينية وجريمة مدنية جريمة إنسانية وجريمة اجتماعية.. جريمة تدخل صاحبها في وعيد قول الله تعالى ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة )

نعم في الدنيا... والآخرة

 

وعدوان على إنسانية الإنسان  ثانيا

ليس من معاني الحرية أن يُقبل من الإنسان التنازل عن إنسانيته. الحديث عن خصوصية الجسد حديث خرافة. فالعدوان على جوهر الإنسانية في الفرد كالعدوان على المجموع0.(.. من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ). إذ ما الفرق بين قتل الإنسان وقتل الإنسانية فيه؟! لن نتخلل الواقع لرصد أفراد الظاهرة المريبة. ولكن التتبع يخبرنا أن وراء كل واقعة فردية قصة ضحية مثلثة أو مكعبة الأبعاد. هذه الأشلاء الآدمية  التي تجوس خلال ديارنا بالإثم والريبة والوباء تدين الساكتين عليها والمتخلين عنها بقدر ما تدين أنفسها.

 

وتفكيك الأسرة تهديد ثالث

ثم إن هذه الفاحشة المنكرة مدخل مباشر لاستهداف البنية الأولية في المجتمع الإنساني ( الأسرة ) تمهيدا لتفكيك المجتمع بأسره. وهو مشروع تعمل عليه الرأسمالية العالمية والامبريالية الدولية، وتقوم عليه باسم المنظمة الدولية للأمم المتحدة مؤسسات، وتعقد له المؤتمرات والندوات، وتوقع المواثيق والمعاهدات، ويعمل عليه بين ظهرانينا آلاف الموظفين والموظفات.. يرتبطون ويرتبطن من وراء ظهر المجتمعات، وأحيانا من وراء ظهر الحكومات أيضا، بمدراء الإثم وأجندتهم السوداء. ويقدمون ويقدمن في كل عام كشفا للحساب: كم مقال كُتب، وكم ندوة عُقدت، وكم فتاة تم تغريرها أو تجنيدها؟! استهداف الأسرة، من خلال استهداف المرأة بوصفها الحلقة الأضعف، مهدد من مهددات الأمن الوجودي الإنساني الحضاري والأمن القومي الإسلامي والعربي والوطني، لا يجوز التغافل عنه أو إدارة الظهر له، لأنه طريق العدو إلى تهديم الحصون من داخلها وإتيان البناء المجتمعي ثم السياسي من القواعد...

إنها طريقتهم لتزوير وجود الإنسان، ومن شاء فليتابع مصطلحات الجندر والمساكنة والمثلية والأمهات العازبات. طريقتهم ليلقوا في أحضان المجتمع بآلاف الأطفال اللقطاء بلا أبوة ولا أمومة؛ مموهٍين بماء الكذب صورة شائهة للتمدن والحداثة  بالعدوان على أبسط حقوق الطفولة: الحق في محضن طبيعي ما يزال يحظى به وحش الغابة وطير السماء.

 

الفاشيَة الوبائية- رابعا- تهديد  للأمن القومي

طاعون أسود نفسي وجسدي على السواء...

إن هذا المستنقع الآسن بكل نتنه هو بؤرة خطرة لانتشار مهددات الأمن القومي الصحي بأبعاده النفسية والمادية. كان المنتظر أن تكون مجتمعاتنا العربية المسلمة الأقل حظا في إحصائيات الإصابة بالايدز ومشتقاته من أوبئة سابقة ولاحقة. ولكن الوقائع مع الأسف تدحض هذه الأماني؛ لتجعل الحالةُ السائدةُ المجتمعَ بأسره تحت تهديد الوباء..

ليس هذا هو المقام المناسب لفتح ملفات الأمراض الجنسية بتعدد أنواعها وتعمق آثارها. الإحصاءات المغيبة في عالمنا يشترك في تمويهها أطراف كثيرون منها الضحايا أنفسهم ومنظومة قيم مجتمعية تحتاج إلى ترشيد.

الفاشيَة الوبائية في بعدها العددي تفوق التصور التلقائي البسيط، تؤكد الإحصاءات العلمية  أن إصابة واحدة بمرض الايدز انتهت بعد المتابعة إلى 1639 إصابة . إنها متوالية للعدد مفتوحة على سلسلة الأرقام اللامتناهية، ومفتوحة أيضا بالشر في كل اتجاه تتحرك فيه. هذه بؤر مفتوحة متقيحة تبث الموات والخراب.  كل واحد  منهم ومنهن ضحية وقاتل في الوقت نفسه. قاتل واحد معلوم وآلاف القتلة المقنعين والمجهولين الملابسين للحياة العامة بكل أبعادها. إذا لم يكن من واجب المؤسسة الرسمية أن تجفف ينابيع هذا البلاء ومغذياته فما هو دورها إذا؟؟

تهوينا للأمر يقال إن مجتمعنا العربي السوري شبه نظيف!! ولكن مسلسل (الخط الأحمر) في التلفزيون السوري قال غير ذلك. ونكص مع الأسف عن أن يعالج الظاهرة الخطيرة  بأبعادها بموضوعية الباحث وعدل القاضي وإرشاد أصحاب الرشاد. ( لستُ واعظا!!!) يقولها أحدهم ويمط شفتيه، وما أحوج النفس البشرية في ساعات طيشها وغرورها وكبرها وضعفها إلى وعظ الواعظين وإرشاد المرشدين؟!

انتصر المسلسلُ ذاك  للقاتل الخفي على حساب ضحاياه المساكين!!! خطورة الفاشيَة أنها كالفتنة لا تصيب الذين ظلموا خاصة، لا تصيب الذين يلابسونها أو يقاربونها فقط وإنما تتعداهم إلى مُحصنة غافلة تحت سقفها الشرعي، وطفل بريء في رحم أمه، ونزيل مستشفى أصابته الفتنة ببعض رذاذها.

ننظر إلى المصابين بالمرض القاتل كضحايا، لا بأس بل هذا مطلب ضروري، فقد يقع الإنسان ضحية نزوته أو ضحية الآخرين!! ولكن كيف سننظر إلى صاحب النزوة هذه وهو يقتل من خلالها امرأة عفيفة طاهرة تحت سقف بيتها الشرعي وجنينا في بطنها تلك هي زوجته وهذا ولده...!! حقوقيا وأخلاقيا أجد القضية اشد تعقيدا من أن نخوض فيها مع الخائضين!!

نحتج على الأمريكيين لأنهم يسيّبون في مجتمعهم حمل السلاح. ثم نسيّب في مجتمعنا ما هو أشد فتكا من ذلك السلاح وأقسى. هذه الفاشيَة الوبائية بأبعادها تهدد أمننا القومي  والمسئولية في ذلك هي مسئولية الجميع.  

بكل المباشرة والوضوح نؤكد بأنه هو الزنى الذي نهانا ربنا عنه: لا تقربوه ( ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا...) وحذرنا منه نبينا صلى الله عليه وسلم الرؤوف الرحيم بنا، وحذرنا أنه مفتاح هذه الفاشية وسببها الأول( .. ولم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا..) هذا كلام سيدنا وسيد أمننا الوجودي والإنساني والإسلامي إلى يوم الدين . صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

وخامساً منافذ للاختراق الأمني

يذكر أبناء جيلنا اسم (كامل أمين ثابت) المغترب السوري العائد من الغرب. والأحاديث التي فشت وشاعت عن ولائمه الجنسية...وحسبك إن أردت أن يعصمك الحياء. ذاكم هو الجاسوس الإسرائيلي ( إيلي كوهين). الكل يعلم طبيعة شباك الصيد التي اخترق بها الحزب والقيادات، كانت كارثة السابعة والستين بعض الحصاد، في عالم ( يا بو عبد الفتاح طاح العنب طاح )...

هذه الشباك بطبيعتها العابرة للزمان مازالت تعمل وستظل تعمل . إنها نافذة للريح المنتنة وأول مقتضيات حماية الأمن القومي أو وقايته المبادرة إلى إغلاقها. واقعة (كوهين) توفر علينا الكثير من الشرح نستحضرها مدعاة ليتأمل مداخلها ومخارجها  المبالون والعقلاء.

وكما كانت هذه المباءة مرتعا للأمراض الجسدية فهي من الناحية الأمنية والسياسية مرتع أخطر لجراثيم الاختراقات الأمنية. ففي بيئة الريبة المسكوت عن مربعاتها ومجنديها ومجنداتها تتسلل الأصابع الناعمة لتنشب الأظفار المشذبة في بيوت صناعة (الجمال) في عنق الصيد الثمين .

فتش عن المرأة يقولها المثل الإنكليزي، الذي كان ومازال ذكوريا منحازا حتى أطراف أصابعه؛ نحن نقول فتش عن ( الفاحشة ) التي لا تكتمل دائرتها إلا بوجود طرفين لا تكاد تميز فيهما بين ضحية وجلاد... لو توبع عالم الريبة هذا كما يتابع عالم الكلمة والقلم لكنا البلد الأكثر نصاعة في العالم

 إن الظاهرة التي يتوقى الجميع الحديث عنها تعففا أو حياء أو سترا أو إغضاء أو رضى أو تشجيعا أو تخلصا من حرج باتت بما تشكله من انعكاسات شرعية وقومية وإنسانية ومجتمعية وصحية وأمنية وسياسية خطرا على الأمن القومي في دولنا العربية ولاسيما في سورية والعراق والأردن ودول الخليج العربي..

وإنها لظاهرة لا يُكتفى في علاجها بالتنديد والإدانة، ولا التحذير والإبانة، ولا الوعظ، وحده، والإرشاد إنه لابد من برنامج قومي فاعل تقوم عليه المؤسسات الدينية والمدنية الشعبية والرسمية في حزمة للعمل المتضافر للحد من الظاهرة وتطويق آثارها وانعكاساتها..

*       *         *

حملة من أجل النظافة المجتمعية

لقد كان الهدف الأساسي لهذه الدراسة إطلاق هذه المبادرة للنظافة المجتمعية. المبادرة التي يجب أن تتحرك على ثلاثة محاور ديني ومدني ورسمي. لا تنوب جهة في أداء هذا الواجب والحق عن جهة. دون أن نغفل بالطبع في سياق معلوم من قواعد الاجتماع بالضرورة عن دور الفرد نفسه في الاستعصام تحت مطارق المحنة أو الفتنة بقُتار الشهوات والمغريات. دون أن نغفل عن دور الأسرة المحضن الأول، دورها في التربية القويمة ودورها في المراقبة والمتابعة لتقديم السند والمساعدة في اللحظات الحرجة في حياة الإنسان. دون أن نغفل عن دور المدرسة والرفقة والمنهج والمعلم والمعلمة والمرشد والمرشدة والإدارة والمنظمة. ودون أن نغفل عن دور الحي والجيران وعن دور الإعلام المقروء والمصور. إن الحديث عن تلك العوامل جميعا تتقدم في مرحلة سابقة على ما نحن فيه ذاك حديث عن الوقاية وما نحن فيه ينصب على العلاج...

ورأس زمام هذه المبادرة بيد رجال الدعوة والعلم والفكر من ورثة مشروع النبوة على أرض الشام الثلة القليلة من الآخرين الذين ذكرنا حديث الشيخ بدر في مقدمة هذه المبادرة من أجلهم.. نسألهم وهم أحق بالجواب أيباع عرض على أرض الشام المبارك بالإيمان وبالطهر من أجل قوت يوم وأنتم تنظرون؟ أتترك الذئاب الضواري تتاجر بحرمات الله وبأعراض الناس  بين ظهرانيكم.

 إن التحرك لنظافة المجتمع على محور الدعوة لدين الله والدفاع عن حدوده تمر عبر ثلاث آليات: حملة وعظ وإرشاد وتذكير، وصندوق رعاية وكفالة يؤمن لطلاب الكفاف حاجتهم، وبرنامج لإعادة تأهيل النفوس المكلومة والأجساد الممتهنة على تقوى من الله ورضوان بفتح أبواب التوبة والمساعدة عليها وإغلاق أبواب الشيطان.

 

نظافة الذكر ونظافة الأنثى..

ولتبلغ المبادرة مداها ينبغي التركيز على نظافة الذكر ونظافة الأنثى. والتنديد بجريمة الأول كما نندد بجريمة الثانية. وأن يكون حقه من الازدراء الاجتماعي كحقها.  

 نذكر في هذا السياق حديث الثلاثة  من بني إسرائيل الذين سَد عليهم باب الغار حجر كبير دعاء الرجل الذي قال (اللهم إنك تعلم أنه كانت لي ابنة عم..)

نسوق هذا الحديث في هذا المقام استثارة للإحساس بالانتماء وبرقابة الله تعالى مالك الملك العزيز الغفار والمنتقم الجبار، نسوقه لاستثارة النخوة والشهامة والإباء في نفوس وقلوب تجار المحرقة والوالغين في أعراض الناس من طلاب السياحة الموبوءة. وهم جميعاً فيما نعلم من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا.  أن يتجردوا من حيوانيتهم ويرتقوا إلى أفق الإنسانية الوضيء، وإلى مقام إنسانيتهم وهم المخلوقون في أحسن تقويم وأن يطرحوا على أنفسهم سؤال طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل على الفتى الذي جاءه طالباً أن يبيح له الزنا: (أتريده لأمك.. أتريده لأختك..)

كلمة ذكرى أمرنا ألا نتوقف عنها عساها أن تدفع أن أو تنفع..

*     *     *

ليتذكر أولئك وهم ينفذون حكم الإعدام على إنسانية إنسان  قوله تعالى (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً..) وأن قتل النفوس أشد عنتاً من قتل الأجساد وأقسى. إنه حكم بالإعدام على كينونة إنسان هي في الواقع الذي نحن فيه بأمس الحاجة إلى حبل نجاة.

 وأمام الظاهرة الخطيرة بأبعادها تُنتظر المبادرة من أهل العلم وأرباب النخوة والشهامة أن يبادروا إلى تقديم الحلول المادية والمعنوية بآفاقها وأبعادها، ومقامنا ليس مقام تفصيل وإطناب.

ولهم من ثم، ليس في إطار تهوين الخطيئة والتقليل من شأن الإثم، وإنما بحكمة المربي المتعالي، أن يلحوا على أن باب التوبة مفتوح أمام الإنسان، وأن الإنسان إذا تاب التوبة النصوح استعاد آدميته، وإنسانيته وتأهيله لمقامه في (أحسن تقويم) نفسي وجسدي. وقد تكون الحاجة ماسة إلى الاستعانة بالخبراء النفسيين والعلماء والحكماء ورجال الاجتماع للإحاطة بالحالة. وتجفيف مغذياتها ومستنقعاتها على السواء.

 

ومسئولية ثانية

مسئولية المجتمع المدني. مسئولية نلح على دورها من غير توجيه اتهام. مسئولية حوامل الثقافة الغربية والمبشرين والمبشرات بها بغائية أو عفوية أو من غير تقدير للعواقب والأبعاد.

دور هذه الحوامل في الحديث عن (الحرية) في أفق مغلوط أو أفق يدفع إلى الفهم الخاطئ. دور هذه الفئة في التشجيع على الرغبة في الاستحواذ وجعله هدفاً مقدساً، وتزييف القيم الحقيقية في الحياة. دور هؤلاء في تحقير مفاهيم العفة والشرف والقناعة والرضى،  ودورهم في ازدراء قداسة  (الأمومة) ومكانتها، ورسالتها ومسخها في صور منفرة تحت عناوين  ( الغسل والشطف والحمل والإرضاع !!) وغيرها من خادع الألفاظ. دور هاتن وهؤلاء في تزيين عالم الشهوة بأبعاده  على حساب التسامي والقناعة والطهر.

 اعتقادنا أن الكثير من مواضعاتنا الاجتماعية بحاجة إلى إصلاح، يؤكد علينا أن إصلاح الخطأ لا يكون بالخطأ. وإنما تحتاج  إرادة الإصلاح إلى الرؤية والحكمة والريث .

دور مؤسسات المجتمع المدني.. أن تبادر لتجديد قواعدها ومنطلقاتها الفكرية والثقافية وأساليبها ووسائلها العملية لتكون قادرة على الإحاطة بأشكال التطور العشوائي الذي يتقدم في مجتمعنا حتى أنه يتهدد بنياننا من القواعد. لأن الحريق عندما ينتشر لا يميز بين خلية حياة وأخرى موات.

إن ما يرصده الراصدون على صعيد الواقع الاجتماعي المتدهور في وطننا سورية هو ثمرة مرة لمعطيات تاريخية ثقافية شعبية ورسمية لا يستطيع أحد أن ينفض يديه من المسئولية عنها. ضحايا المحرقة هؤلاء هنَّ ضحايا بعض التبشير والثقافة المغلوطة التي يحمل لواءها كثير من المغرورات والمغرورين، ولا نريد أن نقول المفسدات والمفسدين.

لقد طال صمتنا عن أطروحات الإفساد ومشروعات صاحباتها وأصحابها!! تفرغاً لما كنا نراه أولى. ولكن تجسد الوباء فيما حولنا سيجعل التعاطي مع هذا الملف للتصدي لدعوات الهدم والإفساد على رأس الأولويات.

 

والمسئولية الثالثة مسئولية رسمية

أما الدور الثالث فهو دور السلطات المختصة ذات العلاقة في تطبيق القوانين  الناظمة. وسن المزيد من التشريعات حيث يوجد ثغرة في القانون. إن إدارة الظهر للفاشية الكارثة لم يعد مقبولا، والسكوت عما يجري يعني إغراق البلد في حالة من الفوضى والاضطراب وتعريض أمنه الصحي والسياسي لكوارث لا قبل لشعبنا بها. لا بد ابتداء من وقف تدفق البلاء أو المزيد منه من مواطنه البعيدة. ومن ثم متابعة المقيمات وترحيل كل من تقتضي مصلحة الأمن القومي ترحيله منهن.

في حديث للرئيس بشار الأسد في إحدى مقابلاته الصحفية قال عن أسرته الخاصة (نحن أسرة محافظة)،  نذّكر فنقول  إن   الشام كل الشام (أسرة محافظة) أيضاً. وحق الأسرة الكبيرة ليس أقل من حق الأسرة الصغيرة، ومرة أخرى نذكر الصامتين واللامبالين بسؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم للفتى: أتريده لأمك؟! أتريده لأختك؟! أتريده لعمتك؟! أتريده لخالتك؟! نعم نحن أسرة واحدة محافظة ولكن الصمت على ما يجري هناك يطرح الكثير من علامات الاستفهام، الصمت هذا هو صمت مريد أو مريب..!! فهل هذا الذي تحمله التقارير عن أن دمشق الشام المبارك أصبحت عاصمة (للسياحة الجنسية) ينسجم مع قولنا هذا (نحن أسرة محافظة)؟!!!

مازلتُ مصراً عن الإمساك عن نشر التفاصيل الواردة في التقارير. وأنا متأكد أن لدى الجهات الرسمية والمسئولة من التقارير والإحصاءات والوقائع أكثر بكثير مما بين يدي. وأعتقد أن تفسير اللامبالاة من بعض المسئولين، ومحاولة بعض الأطراف الاستثمار في هذه التجارة، له اسم (رديء) في اللغة والثقافة  لا نريد أن نذكره، وإنما نكتفي بالإشارة إليه عسى أن نثير حفيظة أو ننبه غافلاً.

بدأت بالتركيز على الفرد وعلى مؤسسات المجتمع الدينية والمدنية لننتهي إلى هذا المقام، إلى حيث ينبغي للحكومة أن تبادر إلى وضع مخطط محكم لمحاصرة الظاهرة وكفكفة شرورها وآثامها.

كمجتمع مسلم قبل أن نكون مجتمعا محافظا نؤمن أن الزنى فاحشة لا يمكن لمسلم ولا لجماعة مسلمة أن تقاربه بله أن تواقعه (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً).

وكمجتمع محافظ نأبى أن تشيع الفاحشة بين ظهرانينا وأن يروح ويغدو الخطاة على أرضنا، وأن تصبح أعراض مجتمعنا سلعة في مزاد.

إن القضية لم تعد قضية (حرية فردية) أو خصوصية ذاتية كما يسوق البعض. إن الظاهرة تحمل وباء خطيراً يهدد أمننا الوجودي بأبعاده الدينية والمدنية الإنسانية والاجتماعية والصحية والسياسية فهل لهذا النداء من مجيب؟!

---------------

*مدير مركز الشرق العربي  


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ